قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٢٩].
البيع: هو معاوضة مالٍ بمالٍ، وهو نوعان: بيع وصف وبيع عين.
فبيع الوصف: هو السلم.
وبيع العين: هو أن يبيع عينًا معلومة بثمن معلوم، فيقول البائع: بعتُ منك هذا بكذا، ويقول المشتري، اشتريتُ أو ابتعت، أو يقول البائع: ملكتك هذا بكذا، فيقول: تملكت أو قبلت؛ فيصح إن كان المبيع حاضرًا يراه المتبايعان، مقدورًا على تسليمه.
فصلٌ، في بيع العين الغائبة
وإن اشترى شيئًا لم يره المشتري، سواء كان غائبًا عن المجلس، أو كان حاضرًا؛ لكنه في وعاء -: ففي صحة البيع قولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة، رحمة الله عليه، وأكثر أهل العلم -: يصح، لأن المبيع معلوم العين مقدور على تسليمه؛ كالعين المرئية.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
والثاني - وبه قال الحكم، وحماد، واختاره المزني -: أنه لا يصح؛ لأن النبي - ﷺ -"نهى عن بيع الغرر، وفيه غرر من حيث إنه لا يعلم بقاؤه.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ولأنه مجهول الوصف؛ كما لو أسلم في شيء ولم يصفه؛ فعلى هذا: فإن ذكر جميع أوصافه لا يصح؛ لأن طريق معرفة العين: العيان، وهو لم يعرفه بطريقه؛ كما لو أسلم في شيء، ولم يصفه لا يصح، ون شاهده؛ لأن طريق معرفته الوصف.
ولو باع ما لم يره البائع - فقد قيل: فيه قولان؛ كما لو اشترى ما لم يره.
وقيل: لا يصح؛ وهو الأصح؛ لأن المبيع ملكه، والاعتماد فيه على علمه؛ فإذا لم يعلم، فلا يُعذر بالجهالة.
وكذلك لو رهن عينًا غائبة، أو وهبها، أو أجرها، أو أجر داره بعين غائبة، أو جعل رأس مال السلم عينًا غائبة، ثم سلم في المجلس - ففي صحة العقد قولان:
وكذلك لو تزوج امرأة على عين غائبة ثم سلم في المجلس - ففي صحة العقد قولان - وكذلك لو تزوج امرأة على عين غائبة أو خالعها على عين غائبة؛ فالنكاح صحيح، والبينونة في الخلع واقعة.
وفي صحة المسمى قولان:
فإن قلنا: لا يصح، يجب على الزوج في النكاح، وعلى المرأة في الخلع مهر المثل.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وكذلك لو صالح عن القود على عين غائبة يسقط القود، وفي صحة المسمى قولان:
فإن قلنا: لا يصح، تجب عليه الدية.
ولو ساقى على حائط لم يره، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين؛ البيع.
والثاني: لا يصح قولًا واحدًا؛ لأن المُساقاة معقودة على الغرر، فلا يجوز أن يضاف إليه غرر عدم الرؤية، بخلاف البيع.
فإن قلنا: شراء الغائب لا يصح، فرؤية كل شيء على حسب ما يليق به؛ فإن اشترى دارًا يجب أن يرى جميع بيوتها وحوائطها وسقوفها وسطوحها.
أو [اشترى] بستانًا يرى جميع أشجاره، ومسايل مائه.
فأما ما كان من التوابع؛ كعروق الأشجار، وأساس الجُدُر، لا يشترط رؤيتها.
وإن كان رقيقًا، فيرى ما ليس بعورة منه، ويشترط رؤية الشعر على أصح الوجهين.
وقيل: لا يشترط؛ كالعُكَنِ، والمغابن. ولا يشترط رؤية الأسنان، واللسان، وأسنان الدابة؛ على الأصح.
وإن كانت دابة، يجب أن يرفع السر والإكاف عنها.
إن كان ثوبًا صفيقًا؛ كالديباج والبُسُط يرى لا الوجهين منه، فإن كان الثوب رقيقًا لا يختلف وجهاه، يكتفي برؤية أحد الوجهين.
وإن كان كتابًا، يجب أن يرى جميع أوراقه، أو [اشترى] قرطاسًا يرى كل طاقة منه، أو كُبَّة غَزْلٍ قلبها.
وإن كان سكرًا أو فانيذًا في قراروةٍ رآه من وراء القارورة لا يصح؛ لأنه لا يحصل به
[ ٣ / ٢٨٥ ]
حقيقة المعرفة، بخلاف السَّمكِ في الماء الصافي، يجوز بيعه [إذا كان يراه تحت الماء، وكذلك الأرض إذا كان عليها ماء صافٍ يراها تحته]؛ لأن الماء من صلاحه ومحل حياته [ولا يمنع معرفته].
ولو وكل وكيلًا بالشراء، يشترط رؤية الوكيل؛ لأنه من أحكام العقْد، فتعلق بالوكيل؛ كالإيجاب والقبول. وإن رآه الوكيل، ولم يره الموكل، صح العقد، وإن رآه الموكل دون الوكيل، لا يصح.
وإن قلنا: شراء الغائب يصح، فيشترط ذِكْرُ الجِنْس والنوع، فإن قال: بعتك ما في كُمي أو ما في كفي، أو بعتك حيوانًا أو رقيقًا لا يصح؛ حتى يقول: بعتك عبدي أو جاريتي أو فرسي أو حماري ويذكر نوعه: فيقولك عبدي الهندي أو التركي، أو ثوبي الهروي أو المروي. ثم إن كان له عبدان من هذا النوع، يجب أن يذكر ما يقع التمييز به بين المبيع، وغيره من: وصف، أو سن، أو المكان الذي هو فيه. فإن لم يكن إلا واحد؛ فهل يشترط وراء ذكر النوع ذكر وصف آخر؟ فيه وجهان:
أصحهما، وبه قال أبو حنيفة رحمة الله عليه-: لا يشترط؛ لأن خيار الرؤية ثابت له؛ فلا معنى للاستقصاء في الوصف.
والثاني: يشترط ذكر الصفات. ثم فيه وجهان:
أحدهما: يشترط ذكر صفات السلم.
والثاني: معظم الصفات؛ وهو ما يوصف به المدعي عند القاضي، ثم إن رآه المشتري يثبت له الخيار، وإن كان قد وصفه البائع بجميع أوصافه، ووجده المشتري؛ كما وصفه؛ لأنه بيع الخيار؛ فذكر الوصف فيه لا يسقط خياره.
ويجوز للمشتري الفسخ قبل الرؤية، ولا تجوز الإجازة؛ لأن المانع من اللزوم عدم الرؤية، فلا يلزم قبل الرؤية بخلاف الفسخ "جاز"؛ لأن الفسخ دليل عدم الرضا، وعدم الرؤية مناسب له، والإجازة دليل الرضا؛ فلا يناسبه عدم الرؤية.
وإذا باع شيئًا لم يره وجوزنا، فهل يثبت للبائع الخيار إذا رآه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت؛ كما يثبت للمشتري؛ بدليل أنهما استويا في خيار المكان والشرط.
والثاني - وهو الأصح وبه قال أبو حنيفة: لا خيار له؛ لأن جانبه أبعدُ عن الخيار،
[ ٣ / ٢٨٦ ]
بدليل أنه لو باع شيئًا على أنه معيب؛ فبان صحيحًا - لا خيار له، ولو اشترى على أنه صحيح؛ فبان معيبًا - له الخيار.
وإذا رأى المشتري المبيع بعد الشراء، فخيار الرؤية على الفور، أو على التراخي؟ فيه وجهان:
أصحهما - وبه قال أبو إسحاق يمتد بامتداد مجلس الرؤية؛ لأنه خيار ترو ثبت بأصل الشرع؛ كخيار المكان.
والثاني- وبه قال ابن أبي هريرة - يكون على الفور؛ كخيار العيب.
وهل يثبت خيار المكان في شراء الغائب؟ فيه وجهان:
أصحهما: يثبت؛ كما في شراء الحاضر؛ فإذا تفرقا قبل الرؤية، سقط خيار المكان، وبقى خيار الرؤية.
والثاني: لا يثبت؛ لأن خيار الرؤية ثابت؛ فيغني عن إثبات خيار المكان. فإذا ارتفع خيار الرؤية حينئذ، ثبت خيار المكان.
ولو شرط نفي خيار الرؤية، لا يصح العقد؛ بخلاف ما لو شرط نفي خيار المكان، جاز فيقول؛ لأن ثمَّ قدر أى المبيع، وعلمه؛ فنفي الخيار لا يمكن غررًا في المبيع.
وفي شراء الغائب لم ير المبيع حقيقة، ولم يعلمه؛ فنفي الخيار يمكن غررًا في المبيع؛ فلم يجز، خيار الرؤية لا يمنع الملك؛ لأنه خيار اطلاع؛ كخيار العيب.
وقيل: هو كخيار الشرط.
ولو قبض المبيع وباعه قبل الرؤية، لا يصح؛ بخلاف ما لو باع في زمان الخيار، جاز؛ على الأصح؛ لأنه يصير به مُجيزًا للعقد، وهاهنا لا تصح الإجازة قبل الرؤية.
ولو تلف المبيع في يد المشتري قبل الرؤية، فهو كتلف المبيع في زمان الخيار، هل ينفسخ البيع؟ فيه وجهان.
ولو اشترى شيئًا رأى بعضه، ولم ير البعض، نظر: إن كان شيئًا لا يُستدل برؤية بعضه على رؤية كله؛ مثل: إن اشترى ثوبًا مطويًا لم ينشر، أو دابة عليها إكافٌ أو سرج، أو دارًا رأى بعض أبنيتها دون البعض؛ فهو كما لو لم ير شيئًا منه ففي صحة البيع قولان؛ كالعيب لا فرق بين أن يكون ببعض المبيع، أو بكله في ثبوت الخيار.
وإن كان مما يستدل برؤية بعضه على رؤية كله؛ مثل: إن اشترى صبرة حنطة، أو
[ ٣ / ٢٨٧ ]
شعير، أو شيء من الحبوب، أو تمر، أو لوز؛ رأى ظاهرها، أو كان في وعاء؛ فرأى أعلاه، أو كان سمنًا أو دهنًا، أو خلا في إناء؛ فرأى أعلاه صح العقد؛ لأن الغالب أن أجزاءُه لا تختلف. ولا خيار له إذا رأى باطنه، إلا أن يخرج أسفله أردأ من أعلاه، أو يظهر تحت الصبرة دكة، أو في أسفل الوعاء غلظ خارج عن العادة؛ فيثبت له الخيار.
ولو كانت تحت الصبرة حفرة، فما في الحفرة لا يدخل في البيع.
وإن اشترى صبرة من بطيخ، أو عنب؛ فرأى ظاهرها فهو كشراء الغائب؛ لأنها تختلف. وإن كانت الحنطة في بيت؛ وهو مملوء منها، فرأى بعضها من الكوة، أو من الباب؛ فإن كان يعرف الطول والعرض من البيت، صح، وإن لم يعرف، لم يصح.
وكذلك الجمد في المجمدة، والثلج في المثلجة.
ولو أخرج كفًا من الوعاء؛ فأراه، ثم باعه ما في الوعاء - ففيه وجهان:
أصحهما - هو كشراء الغائب؛ لأن المبيع غير مرئي.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة هو كما لو رأى أعلاه من الوعاء، فيصح.
ولو اشترى جوزًا أو لوزًا في القشرة السفلى، يجوز، وإن لم ير اللُّبَّ الذي هو المقصود؛ لأنه يتستر بما فيه صلاحه. فإن باع اللب الذي فيه وحده، لم يجز.
ولو اشترى شيئًا رآه قبل العقد، ولم يره حالة العقد - نظر: إن كان ذلك مما لا يتغير في الغالب؛ كالأراضي والحجار، والحديد، والنحاس، ونحوها، أو إن كان مما يتغير والمدة قريبة لا يتغير في مثلها - صح الشراء. وإن كان مما يتغير، فقد قيل: فيه قولان؛ كشراء ما لم يره. وقيل - وهو الأصح - يصح قولًا واحدًا؛ لأنه قد رآه من قبل وعلمه، والأصل بقاؤه على ما رآه.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
فعلى هذا: لا خيار له عند الرؤية؛ إلا أن يجده متغيرًا عما رآه؛ فله الخيار؛ لأجل التغير.
فلو وجده متغيرًا؛ فاختلفا: فقال البائع: كان هذا التغير موجودًا يوم الرؤية؛ فلاخيار لك. وقال المشتري: بل حدثبعد؛ فلي الخيار - فالقول قولُ المشتري مع يمينه؛ لأن البائع يدعي عليه الرضا بالتغير، وهو ينكر.
فرع: ولو اشترى عينين: إحداهما حاضرة، والأخرى غائبة صفقة واحدة: فإن قلنا: شراء الغائب لا يصح، فلا يصح العقد في الغائبة، وفي الحاضرة قولان؛ كما لو باع ماله. وما ليس له صفقة واحدة، ففي صحته فيما له قولان.
وإن قلنا: شراء الغائب يصح، فقد جمع بين مختلفي الحكم؛ لأن الحاضرة لا يثبت فيه الخيار، ويثبت [الخيار] في الغائبة. وفي مثل هذا العقد قولان:
أصحهما: يجوزُ العقد فيهما جميعًا، ثم يجوز له رد الغائبة، وإمساك الحاضرة.
وإذا اشترى عينين غائبتين؛ فأراد الفسخ في أحداهما هل له ذلك؟ فعلى قولي تفريق الصفقة في الرد بالعيب.
فرع: ولو ملك عبدين، فقال: بعتك أحدهما، ولمي بين - لا يصح العقد؛ كما لو قال: بعتك شاة من هذا القطيع، ولم يبين فلو كان له واحد، فقال: بعتك عبدي من هذه العبيد، أو شاتي من هذا القطيع، ولم يبين [للمشتري] فقد قيل هو كشراء الغائب، وإن كان يرى الكل؛ لأنه لا يعرف المبيع بعينه. فإذا بين فللمشتري الخيار، كما لو رأى الغائب.
قلت: والذي عندي أن هذا البيع باطل؛ لأن المبيع غير متعين، بخلاف الغائب؛ فهو كما لو قال: بعتك عبدًا منها، ولم يضف إلى نفسه لا يصح.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: إذا قال: بعتك عبدًا من هذه العبيد الثلاث على أنك تختار أيهم شئت يجوز. ولم يجوز في الأربع، ولا يتبين الفرق بينهما.
فرع: ولو اشترى جوهرة ظنها عقيقًا، فإذا هي زجاج صح العقد إن كانت لها قيمة، ولا خيار للمشتري إذا علم؛ لأنه اغتر بعلمه؛ كما لو اشترى دابة ضخم البطن ظنها حاملًا، فلم يكن، لا خيار له.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
فإذا قال البائع: بعتك هذا العقيق، أو بشرط أنه عقيق؛ فبان زُجاجًا لم يكن له قيمة -لا يصح العقد. وإن كانت له قيمة، ففي صحة البيع قولان.
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد؛ فإذا هو جارية، أو هذا الفرس، فإذا هو حمار أو بغل؛ فإن كان المشتري عالمًا به، صح العقد، ولا خيار له. وإن لم [يكن عالمًا] فقولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة -: لا يصح؛ اعتبارًا بلفظه.
والثاني - يصح؛ تغليبًا لإشارته.
فإن قلنا: يصح يثبت الخيار للمشتري. والله أعلم.
باب خيار المتبايعين
روي عن ابن عمر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار".
فرع: خيار المكان ثابت في البيع يجوز لكل واحد من المتبايعين فسخ العقد ما لم يتفرقا، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رحمة الله عليهم: لا يثبت خيار المكان، والخبر حجة لمن أثبته.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
وقوله ﵊:"إلا بيع الخيار" استثناء يرجع إلى مدة الخيار؛ معناه: كل واحد بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا قبل التفرق؛ فيلزم العقد.
وقيل: هذا استثناء يرجع إلى مفهوم مدة الخيار، معناه: إذا تفرقا، لزم العقد، إلا أن يتبايعا؛ بشرط خيار الثلاث؛ فيبقى خيار الشرط بعد التفرق.
وقيل: الاستثناء يرجع إلى أصل الخيار، معناه: كل واحد بالخيار، إلا أن يشترط نفي خيار المكان؛ فلا خيار لهما.
وللشافعي -﵁ - ثلاثة أقوال في البيع، بشرط نفي [خيار] المكان:
أصحهما: أن البيع باطل؛ لأنه خلاف قضية العقد كما لو باع بشرط ألا يملك.
والثاني: البيع صحيح ولا خيار له؛ لأن الخيار فيه نوع غرر؛ لأنه يمنع مقصود العقد، غير أن الشرع أثبته، رفقًا بالمتبايعين؛ فنفيه لا يمنع (صحة) العقد.
والثالث: البيع صحيح، والشرط باطل؛ لأنه خلاف قضية العقد، وله الخيار.
فرع: ولو اختلف المتبايعان في الفسخ؛ نظر: إن اتفقا على عدم التفرق، فدعوى من يدعي الفسخ فسخ؛ لأن الفسخ له ثابت.
وإن اختلفا في التفرق؛ نظر: إن جاءا معًا، غير أن أحدهما يقول: كنا تفرقنا، ولزم العقد، والآخر ينر التفرق، ويريد الفسخ - فالقول قول من يريد الفسخ مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التفرق، وعلى الآخر البينة.
وإن جاءا متفرقين، غير أن أحدهما يدعي أني كنت فسخت قبل التفرق؛ فالقول قول من يدعي اللزوم مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الفسخ.
فصل في العقود التي يثبت فيها الخيار
رُوي عن جابر، أن النبي - ﷺ - خير أعرابيًا بعد البيع".
[ ٣ / ٢٩١ ]
العقود قسمان: جائز، ولازم؛ أما الجائز: فلا يثبت فيه خيارُ المكان، ولا خيار الشرط؛ سواء كان جائزًا من الطرفين؛ كالشركة والوكالة والقراض والجعالة؛ لأنهما أبدًا بالخيار، أو كان جائزًا من أحد الطرفين؛ كالرهن والضمان، والكتابة، فإنها لازمة من جهة الراهن، والضامن، والمولى، جائزة من جهة المرتهن، والمضمون له، والمكاتب؛ لأن أحدهما أبدًا بالخيار، فلا معنى لإثبات خيار المكان والشرط له، والآخر شرع فيه على حقيقة الغبن؛ فإن الراهن هو الذي حبس ماله بالدين، والضامن شغل ذمته بدين الغير، والمولى في الكتابة باع ماله بماله، وحجر على نفسه التصرف في ماله، وإثبات الخيار للنظر، وتدار الغبن؛ فلا يثبت لهم؛ وقد رضوا بالغبن؛ حتى لو شرط الخيار للراهن، أو للضامن، أو للمولى في الكتابة يبطل العقد.
أما العقود اللازمة فقسمان: عقد على العين، وعقد على المنفعة.
أما العقد على العين فقسمان:
قسم يشترط فيه قبض البدلين في المجلس؛ مثل: عقد الصرف، وبيع الطعام بالطعام، أو قبض أحد البدلين؛ كالسلم يثبت فيها خيار المكان، ولا يثبت خيار الشرط؛ لأن شرط هذين العقدين أن يتفرق المتعاقدان؛ ولا علقة بينهما؛ تحرزًا عن الربا في الصرف، وبيع الطعام بالطعام، وعن الكاليء بالكاليء في السلم؛ فلو أثبتنا الخيار، لبقيت العلقة بعد التفرق.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
وقسم لا يشترط فيه القبض في المجلس؛ كسائر بيوع الأعيان يثبت فيها خيار المكان والشرط جميعًا، وكذلك التولية والتشريك، وصُلح المعاوضة إن لم ينك القبض فيه شرطًا في المجلس يثبت فيها الخياران جميعًا.
ولا خيار في صلح الحطيطة؛ لأنه إبراء، وثبوت الخيار في العقد؛ لينر هل له فيه حظ أم لا؟ وهو عالم في صلح الحطيطة أن لا حظ له فيه.
أما الإقالة: فهي فسخ على أصح القولين؛ فلا يثبت فيها واحد من الخيارين، وإن قلنا: هي بيع يثبت فيها الخياران.
ولا يثبت في الحوالة وإن جعلناها معاوضة في طريق؛ لأنها ليست بحقيقة معاوضة، ولو ان معاوضة لبطلت؛ لأنها بيع دين بدين.
وقيل: إن جعلناها معاوضة يثبت فيها خيار المكان، وليس بصحيح.
ولا يثبت الخيار في الهبة إن لم يكن فيها ثواب، وإن وهب بشرط الثواب، أو قلنا: مطلقها يقتضي الثواب - ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت فيها الخيار؛ كالبيع.
والثاني: لا يثبت لأن العوض فيها غير مقصود، كالنكاح.
وأما القسمة إن كان فيها رد، فهي بيع يثبت الخيار، وإن لم يكن فيها رد؛ نظر: إن
[ ٣ / ٢٩٣ ]
كان بالجبر والقرعة، فلا خيار فيها؛ لأن الجبر ينفي الخيار، وإن كان بالتراضي، فيبني على أن القسمة بيع أو إفراز حق؟ فيه قولان إن قلنا: إفراز حق، فلا يثبت فيها الخيار.
وإن قلنا: بيع، ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت فيها الخيار؛ كسائر البيوع.
والثاني: وهو الأصح - لا يثبت؛ لأن هذه قسمة لو امتنع منها جُبر عليها قهرًا؛ والجبر المنفعة فقسمان
منفعة لا تستباح بالإباحة؛ ومنفعة تستباح بالإباحة.
أما ما لا تستباح؛ مثل: عقد النكاح لا يثبت فيه واحد من الخيارين؛ لأنه عقد وُصلة لا عقد معاوضة؛ فلو شرط الخيار في النكاح، بطل العقد، ولو شرط في الصداق، صح النكاح، وفسد الصداق، ووجب مهر المثل.
وكذلك الخلع لا يقبل الخيار؛ فلو شرط فيه الخيار، وقعت البينونة وفسد المسمى، ووجب عليها مهر المثل.
وكذلك الصلح عن القود؛ لو شرط فيه الخيار، سقط القود، وبطل الشرط، ووجبت الدية.
وأما العقد على المنفعة التي تستباح بالإباحة، وهو الإجارة؛ هل يثبت فيها الخيار؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا يثبت فيها واحد من الخيارين؛ لأن عقد الإجارة عقد غرر؛ لأنه عقد على
[ ٣ / ٢٩٤ ]
معدوم، جوز رفقًا بالناس، والخيار غرر؛ لأنه يمنع مقصود العقد؛ فلم يجز ضم غرر إلى غرر.
وقال صاحب "التلخيص": يثبت فيها الخياران؛ كالبيع. وقال أبو إسحاق: يثبت فيها - خيار المكان؛ لأنه يسير؛ ولا يثبت خيار الشرط، ولا فرق بين الإجارة على العين، أو على مدة معلومة، أو على منفعة في الذمة؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: إذا كانت الإجارة على مدة لا يثبت فيها خيار الشرط؛ لأنا عن حسبنا المدة على المكري زدنا في المدة، وإن حسبنا على المكتري نقصنا من المدة، وفي خيار المكان وهان؛ لأنه يسير.
قال الشيخ القفال ﵀: الوجوه الثلاثة في إجارة العين.
أما الإجارة في الذمة يجب فيها تسليم الأجرة في المجلس؛ فيثبت فيها خيار المكان دون خيار الشرط؛ كما في السلم.
وإن قلنا: يثبت الخيار في الإجارة المعينة؛ فمدة الخيار على من تحسب نظر: ن كان قبل تسليم العين إلى المستأجر، تحسب على الآجر، وإن كان بعد التسليم، ففيه وجهان؛ بناء على أن المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمان الخيار، فمن ضمان من يكون؟ فيه قولان:
أصحهما: من ضمان المشتري؛ فعلى هذا يحسب على المستأجر، وعليه تمام الأجرة.
والثاني: يكون من ضمان البائع؛ فعلى هذا يحسب على الآجر، فيحط بقدر ما يقابل تلك المدة من الأجر.
أما عقد المساقاة: هل يثبت فيه الخيار؟
قيل: فيه ثلاثة أوجه؛ كالإجارة.
وقيل - وهو الأصح: لا يثبت فيه واحد من الخيارين وجهًا واحدًا؛ لأن الغرر فيه أكثر من حيث الجهالة، وأن كل واحد من رب المال، والعامل لا يدري ماذا يحصل له؛ فلا يُضم إليه غرر الخيار.
أما عقد المسابقة والمناضلة: إن قلنا: ذلك عقد جائز، فهو كالجعالة، وإن قلنا: لازم، فكالإجارة.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
(فصلٌ: فيما ينقطع به خيار المجلس)
وكل عقد ثبت فيه خيار المكان، فيسقط ذلك الخيار بأحد أمرين:
[ ٣ / ٢٩٦ ]
إما بالتفرق، أو بالتخاير.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
فرع: أما التفرق: فهو التفرق عن مكان العقد بالبدن، والمرجع فيه إلى العُرف فما يعرفه الناس تفرقًا يلزم به العقد؛ فن كانا في سوق أو في صحراء، فبأن يتفرقا؛ بحيث لو كلمه على العادة لا يسمع كلامه. وإن كانا في البيت، فبأن يخرج أحدهما، وإن كانا في صحن، فبأن يدخل أحدهما بيتًا أو يصعد سطحًا.
ولو داما في ذلك المجلس مُدة أو قاما يمشيان معًا لايلزم العقد؛ وإن طالت المدة.
ولو أرخى بينهما ستر، أو شق بينها نهر لا يلزم.
ولو بُني بينهما جدار من طين أو جص، فوجهان:
أصحهما: لا يلزم؛ لأنهما في مجلس العقد.
ولو أكرها على التفرق؛ بأن حُملا، أو حُمل أحدهما؛ والآخر لا يمكنه أن يتبعه - لا يبطل خيارهما. وإن أمكنه الفسخ باللسان؛ فلم يفعله؟ لأن السكوت عن الفسخ لا يبطل خيار المكان؛ كما في المجلس.
ولو ضُربا حتى تفرقا بأنفسهما؛ فهل يبطل خيارهما؟ فيه قولان؛ بناء على حنث المُكره.
ولو هرب أحدهما، ولم يتبعه الآخر مع الإمكان بطل خيارهما، وإن لم يمكنه متابعته.
قلت: بطل خيار من هرب، دون الآخر.
[لو حمل أحدهما وما تبعه الآخر مع الإمكان، لا يبطل خيار المحمول، ويبطل خيار الآخر].
فرع: أما التخاير: أن يقولا في المجلس: تخايرنا، أو ألزمنا العقد، أو اخترنا إمضاء العقد سقط الخيار.
ولو قال أحدهما: اخترت، أو التزمت بطل خياره، ولا يبطل خيار الآخر؛ كما في
[ ٣ / ٣٠٧ ]
خيار الشرط إذا أبطل أحدهما خياره، لا يبطل خيار الآخر.
ولو قال أحدهما لصاحبه: اختر، أو خيرتك؛ فقال الآخر؛ اخترت - بطل خيارهما. ولو لم يقل الآخر: اخترت، لا يبطل خياره، وهل يبطل خيار القائل فيه وجهان:
أحدهما - وهو الأصح - يبطل؛ لأن قوله: اختر رضا منه باللزوم؛ فصار كما لو قال: اخترت، فاختر.
والثاني- لا يبطل؛ لأن قوله: اختر تفويض الاختيار، فإذا اختار صاحبه، جعل كأنه تولى الاختيار عن نفسه، وعن صاحبه؛ فإذا لم يختر، فلا حكم له.
وإذا اشترى من ولده الطفل لنفسه شيئًا، ثبت فيه خيار المكان، ثم إذا فارق المجلس، لزم العقد؛ على أصح الوجهين. وإن كان عقد صرف؛ ففارق قبل أن يقبض - بطل العقد.
وقيل: لا يلزم العقد إلا باختيار اللزوم؛ لأنه [لا] يفارق نفسه بمفارقة المجلس. وفي الصرف على هذا الوجه يجوز أن يقبض بعد مفارقة المجلس ما لم يبطل الخيار [باختيار اللزوم].
فصل في ملك المبيع في زمن الخيار لمن؟
رُوي عن ابن عمر -﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: "كُل بيعين لا بيع بينهما؛ حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار".
الملك في زمن الخيار لمن يكون؟ نظر: إن كان الخيار لهما؛ كخيار المكان أو تبايعا بشرط خيار ثلاثة أيام لهما جميعًا - ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: الملك للمشتري؛ لأنه بيع تم صحيحًا بالإيجاب والقبول؛ فثبوت الخيار فيه لا يمنع الملك؛ كخيار العيب.
والثاني: الملك للبائع؛ لقوله ﵊: "لا بيع بينهما؛ حتى يتفرقا" وبدليل أنه تنفذ فيه تصرفات البائع، ولا تنفذ تصرفات المشتري.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
والثالث - وهو الأصح: الملك موقوف، فإن تم البيع بينهما؛ بمضي الخيار، بان أن الملك كان للمشتري، فإن فسخ بان أنه كان للبائع؛ لأن سبب زوال الملك؛ وهو البيع قد وُجد؛ فلا يمكن القطع بأن الملك للبائع، وحق الاعتراض للبائع ثابت؛ فلا يقطع بالملك للمشتري؛ فقلنا بالوقف.
وإن كان الخيار لأحدهما، ففيه قولان:
أحدهما: هو كما لو كان الخيار لهما.
وفيه ثلاثة أقوال:
والقول الثاني - وهو الأصح: أن الملك لمن له الخيار؛ بدليل أن تصرف الآخر فيه لا ينفذ فيه.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: إن كان الخيار لهما، أو للبائع - فالملك للبائع، وإن كان للمشتري، فليس لواحد منهما، حتى يمضي زمان الخيار.
أما التفريع على الأقوال فيما إذا كان الخيار لهما.
فإن كان المبيع عبدًا أعتقه البائع في زمان الخيار نفذ عتقه على الأقوال كلها، وكان [الإعتاق] فسخًا للعقد؛ لأنا إن قلنا: إن الملك للبائع، فقد أعتق ملك نفسه. وإن قلنا [الملك] للمشتري، فحق الفسخ ثابت للبائع؛ فكان إعتاقه اختيارًا للفسخ. وإن أعتقه المشتري، بطل خياره. وهل ينفذ عتقه، أم لا؟
إن قلنا: الملك للبائع، لا ينفذ، وإن تم العقد بينهما؛ لأنه أعتق ملك غيره.
وإن قلنا: موقوف، فالعتق موقوف؛ فإن تم البيع بينهما، بان أنه كان نافذًا، وإن فسخ فلا.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فالمذهب: أنه لا ينفذ عتقه أيضًا: لما فيه من إبطال حق البائع من الاسترجاع؛ فإن اختار البائع إمضاء البيع، فالعتق نافذ، وإلا فلا وفيه وجه آخر: أن عتقه ينفذ على هذا القول؛ لأنه أعتق ملك نفسه؛ فعلى هذا هل يبطل خيار البائع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يبطل، وليس له إلا الثمن.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
والثاني: لا يبطل خياره، ولكن لا سبيل له إلى العتق، بل إذا فسخ العقد، أخذ قيمة العبد؛ كما لو باع عبدًا بثوب؛ فأعتقه المشتري، ثم وجد البائع بالثوب عيبًا ورده، أخذ قيمة العبد.
والمذهب هو الأول: أن عتقه لا ينفذ، بخلاف البائع إذا أعتق ينفذ عتقه؛ لأن عتقه فسخ، والفسخ أغلب من الإجازة؛ بدليل أن أحد المتبايعين إذا اختار الفسخ في زمان الخيار، والآخر الإجازة - كان الفسخ أولى.
ولو اشترى من يعتق عليه، فهل يثبت فيه خيار المكان أو الشرط، أم لا إن قلن: الملك للبائع أو موقوف، فلهما الخيار، ولا يحكم بالعتق؛ حتى يمضي زمان الخيار.
ثم إن قلنا: الملك للبائع، عتق حين مضى الخيار.
وإن قلنا: موقوف، بان أنه عتق بالشراء.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا خيار للمشتري، ويثبت للبائع، ولايحكم بالعتق؛ على ظاهر المذهب، حتى يمضي زمان الخيار؛ فيحكم بعتقه يوم الشراء.
وفيه وجه آخر: أنه يعتق على هذا القول، وفي خيار البائع وجهان؛ ما ذكرنا في الإعتاق، والمذهب الأول.
فإن قيل: إذا أعتقه المشتري على قولنا: إن الملك للبائع أو موقوف -أبطلتم خياره، وفي شراء [القريب] أثبتم الخيار للمشتري.
قلت: لأن في شراء الأجنبي وُجد من المشتري كمال الرضا بعد الشراء بالإقدام على العتق؛ فسقط خياره، وفي شراء القريب لم يوجد إلا الرضا بأصل العقد، والرضا بالعقد لا يكون رضا باللزوم؛ ولذلك ثبت الخيار في البيوع، فقلنا يثبت الخيار.
قلت: ويحتمل أن يُقال: الملك للمشتري، أنه يثبت به خيار في شراء القريب، على ظاهر المذهب الذي يقول: إنه لا يعتق في الحال؛ لأنه لم يوجد منه إلا الرضا بأصل العقد.
وإن كان المبيع جارية؛ فوطئها أحدهما في زمان الخيار، نظر: إن وطئها البائع، كان فسخًا للبيع؛ على الأقوال كلها، بخلاف الرجعة، لاتحصل بالوطء؛ لأن الرجعة لتدار ملك النكاح، وابتداء ملك النكاح لا يحصل بالفعل؛ فتداركه لا يحصل إلا بالقول،
[ ٣ / ٣١٠ ]
وفسخ البيع ها هنا لتدارك ملك اليمين، وابتداء ملك اليمين يحصل بالفعل؛ مثل: الاحتطاب، والاحتشاش، والاغتنام؛ فتداركه يحصل بالفعل. وهل يحل هذا الوطء للبائع، أم لا؟
إن قلنا: الملك له فيحل، وإلا فلا.
ولو قبلها البائع، أو لمسها بشهوة، أو استخدمها، أو كانت دابة، فربها كان فسخًا للبيع؛ كالوطء والعتق.
وإن وطئها المشتري، فهو وطء حرام؛ على الأقوال كلها؛ لأنا وإن قلنا: الملك له، فهو ملك ضعيف، لثبوت حق الفسخ للبائع؛ فهو كملك المكاتب لا يبيح الوطء؛ غير أنه لو وطئها لا حد عليه؛ لشبهة الملك؛ على الأقوال كلها، ثم نظر: إن وطئها بإذن البائع، بطل خيارهما جميعًا، ولا مهر على المشتري، وإذا أحبلها، كانت أم ولد له، ولا يجب عليه قيمة الولد.
وإن وطئها بغير إذن البائع، سواء كان البائع عالمًا به أو جاهلًا - بطل خياره، ولا يبطل خيار البائع. وكل لو قبلها المشتري، أو لمسها بشهوة، أو استخدمها، أو كانت دابة؛ فركبها -بطل خياره. وهل يجب المهر على المشتري بالوطء؟
لا يخلو: إما إن تم البيع بينهما، أو فسخ: فإن تم البيع، إن قلنا: الملك للمشتري أو موقوف، لا يجب.
وإن قلنا: للبائع، يجب. وإن فسخ البيع بينهما، فإن قلنا: الملك للبائع أو موقوف، يجب عليه المهر للبائع.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا يجب.
ولو أحبلها المشتري، فالولد حُر ثابت النسب. وهل ينفذ استيلاده، أم لا إن قلنا: الملك للبائع، لا ينفذ. ثم إن تم العقد بينهما أو فسخ، ثم ملكها بعده - هل تكون أم ولد له؟
فعلى قولين؛ كمن استولد جارية الغير بالشبهة، ثم ملكها.
وإن قلنا: الملك موقوف، فأمر الاستيلاد موقوف إن تم العقد بينهما - بان أنه قد نفذ، وإن فسخ فلا؛ حتى يملكها، [فإذا ملك] فيه قولان.
[ ٣ / ٣١١ ]
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا يحكم بنفوذه في الحال؛ على ظاهر المذهب؛ لما فيه من إبطال حق البائع؛ كما في العتق. فإذا تم البيع تبين نفوذه.
وهل يجب على المشتري قيمة الولد؟ حكمه حكم المهر إن تم العقد بينهما، وقلنا: الملك للمشتري أو موقوف، لا يجب.
وإن قلنا [الملك] للبائع، يجب. وإن فسخ البيع بينهما إن قلنا: الملك للبائع أو موقوف، يجب.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا يجب.
أما سائر التصرفات؛ مثل: البيع، والإجارة، والرهن، والهبة، والتزويج.
إن وجد من البائع في زمان الخيار شيء منها - فهو فسخ للبيع. والمذهب: أنه تصح هذه العقود؛ كما لو أعتقه، كان فسخًا، ونفذ العتق.
وقيل: لاتصح هذه العقود؛ لأن هذه الألفاظ تعينت للفسخ؛ فلا ينعقد بها عقد آخر؛ كما لو كبر وشرع في الصلاة، ثم كبر ثانيًا؛ ينوي الشروع خرج من الأولى، ولايشرع في الثانية، وليس كالعتق؛ لأنه له غلبة؛ بدليل إن إعتاق المشتري قبل القبض ينفذ، ويكون قبضًا، وبيعه لا ينفذ.
ولو عرضه البائع على البيع، أو وكل ببيعه، أو وهب، أو رهن، ولم يقبض هل يكون فسخًا للبيع؟ فيه وجهان.
ولو وجد من المشتري هذه التصرفات، لا يصح شيء منها لإبطال حق البائع وهل يبطل به خياره؟ فيه وجهان:
أحدهما: يبطل؛ كما لو أعتق.
والثاني: لا يبطل؛ لأن للعتق من القوة ما ليس لغيره.
أما إذا عقد المشتري شيئًا من هذه العقود مع البائع، أو مع غيره بإذنه، فالمذهب أنه تصح هذه العقود، وجعل كأن البائع اختار إمضاء البيع، ثم اشتراه، أو انتهبه.
وكذلك لو أمر البائع ببيعه؛ فباعه، صح؛ على ظاهر المذهب، وكان إجازة؛ كما لو أمره بإعتاقه. وكذلك لو اشترى حنطة؛ فأمر البائع بطحنها في زمان الخيار - كان إمضاء للبيع.
[ ٣ / ٣١٢ ]
أما إذا كان الخيار لأحدهما، فلا ينفذ تصرف الآخر فيه، وينفذ تصرف من له الخيار، ثم إن كان الخيار للبائع، فتصرفه فسخ للبيع، وإن كان للمشتري، فتصرفه إجازة؛ حتى لو باعه، أو وهبه، أو رهنه، أو أجره، أو كانت جارية، فزوجها - لزم البيع، وصحت هذه العقود.
وقيل: لا تصح هذه العقود؛ لأن هذه الألفاظ تعينت للإجازة؛ فلا ينعقد بها عقد آخر.
والأول هو المذهب، والمنصوص عليه.
ولو عرضه على البيع؛ هل يصير به مجيزًا للبيع؟ فيه وجهان:
ولو تبايعا عبدًا بجارية؛ فأعتقهما أحدهما في زمان الخيار، والخيار لهما، لا ينفذ عتقه فيهما، بل ينفذ فيما باع، وكان فسخًا.
وإن كان الخيار لأحدهما، فالصحيح أن الملك لمن له الخيار، فإذا أعتقهما من له الخيار، نفذ عتقه فيما اشترى؛ على أصح الوجهين؛ لأنه ملكه، وليس للبائع خيار؛ حتى يمتنع عتق المشتري لحقه، وكان إجازة.
وقيل: ينفذ فيما باع، وكان فسخًا.
وإذا حصلت من المبيع زوائد في زمان الخيار؛ الكسب، والولد، والثمرة، ومهر الجارية فلمن يكون؟ لا يخلو: إما إن تم البيع بينهما، أو فسخ: فإن تم العقد، إن قلنا: الملك للمشتري، أو موقوف، تكون الزوائد للمشتري.
وإن قلنا: الملك للبائع، فتكون [الزوائد] له.
وإن فسخ العقد: إن قلنا: الملك للبائع، أو موقوف - فتكون للبائع. وإن قلنا: الملك للمشتري، فتكون له.
وإن كانت حاملًا يوم الشراء؛ فوضعت في زمان الخيار -فالولد لمن يكون؟
هذا ينبني على أن الحمل هل له قسط من الثمن؟ وفيه قولان:
أصحهما: له قسط من الثمن؛ فعلى هذا: إن تم العقد، فيكون للمشتري. وإن فسخ، فللبائع؛ كما لو اشترى عبدين.
والثاني: ليس له قسط من الثمن؛ فعلى هذا: حكمه حمك زيادة حدثت بعد الشراء.
[ ٣ / ٣١٣ ]
ولو زيد في زمان الخيار في الثمن، أو في الأجل، أو في الخيار- فإن قلنا: الملك للبائع، تلتحق بالعقد.
وإن قلنا: للمشتري، أو موقوف، وتم العقد - فلا تلتحق.
وإن قلنا: موقوف، ففسخ، فقد التحق، وارتفع بارتفاع العقد؛ لا فرق فيه بين خيار المكان والشرط.
وقيل: إن كان في خيار المجلس، تلتحق بالعقد، وإن كان في خيار الشرط، فلا تلتحق؛ لأن مجلس العقد كحالة المُقاولة؛ بدليل أنه يصلح لقبض رأس مال الصرف والسلم.
ولو حط بعض الثمن، فيحط عن المشتري، على الأقوال كلها. ثم من قال: تلتحق بأصل العقد؛ فإن كان المبيع شقصًا من ربع؛ وله شفيع، فالزيادة تلزم الشفيع؛ كما تلزم المشتري، وما حط ينحط في حق الشفيع؛ ما ينحط في حق المشتري.
وإن قلنا: لا تلتحق، فالزيادة لا تلزم المشتري، ولا الشفيع، والحط يعمل في حق المشتري، ولا يعمل في حق الشفيع، كما لو زاد أو حط بعد مُضي زمن الخيار.
ولو حط جميع الثمن، وقلنا: تلتحق بأصل العقد، فيفسد؛ كما لو باع بلا ثمن، وكذل ما ألحق به مما يفسد العقد من شرط فاسد، أو خيار أو بيع أو أجل مجهول.
فإن قلنا: تلتحق الزيادة بالعقد، يفسد العقد، وإلا فلا.
ولو باع بيعًا فاسدًا ثم حذف الفاسد في المجلس - لا ينقلب صحيحًا؛ لأنه لا عقد هاهنا؛ حتى يكون لمجلسه حكم.
وعند أبي حنيفة: إذا زيد في الثمن بعد زمان الخيار، تلتحق بالعقد.
فنقول: زيادة لا تلزم الشفيع مع إقراره بها؛ فلا تكون تلك الزيادة ثمنًا واجبًا بالعقد؛ كما لو زيد بلفظ الهبة.
ولو تلف المبيع في زمان الخيار، إن قلنا: الملك للبائع، ينفسخ العقد، سواء تلف أو أتلفه متلف.
وإن قلنا: الملك للمشتري، أو موقوف؛ [نظر]: إن تلف بآفة سماوية قبل القبض،
[ ٣ / ٣١٤ ]
ينفسخ البيع؛ لأن التلف قبل القبض في غير زمان الخيار يوجب انفساخ العقد، ففي زمان الخيار أولى، وإن تلف بعد القبض [في غير الخيار، يوجب انفساخ العقد، ففي زمان الخيار أولى، وإن تلف بعد القبض] هل ينفسخ العقد؟ فيه قولان:
أصحهما: لا ينفسخ؛ لأنه دخل في ضمان المشتري بالقبض، وإن كان الفسخ ثابتًا له؛ كما لو قبضه، وبه عيب، فتلف - يكون من ضمان المشتري.
والثاني: ينفسخ؛ لأنه هلك قبل إبرام العقد؛ كما لو تلف قبل القبض.
فإن قلنا: لا ينفسخ، فالمذهب أن الخيار لا يسقط؛ فإن أجازا، فعلى المشتري الثمن، وإن فسخا، فالقيمة.
قلت: إتلاف البائع فسخ، وإتلاف المشتري إجازة، سواء كان قبل القبض أو بعده؛ فعليه القيمة، والخيار قائم، فإن فسخا، فالقيمة للبائع، وإن أجازا، فللمشتري.
ولا يجب على واحد من المتبايعين تسليم المعقود عليه في زمان الخيار؛ فلو تبرع بالتسليم جاز، ولا يبطل به خياره، ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده، ولمن سلم أن يسترد ما دفع على الصحيح من المذهب.
وقيل: ليس له أن يسترد ما دفع، كما لو سلم المبيع في غير زمان الخيار متبرعًا، لم يكن له رده إلى جنسه؛ لاستيفاء الثمن، وله أن يأخذ ما اشترى دون إذن صاحبه.
فصلٌ (هل يورث الخيار أم لا؟)
إذا باع شيئًا بشرط الخيار؛ فمات من له الخيار في زمان الخيار؛ يثبت ما بقي من
[ ٣ / ٣١٥ ]
الخيار لوارثه؛ لأنه خيار لازم تعلق بعين المبيع؛ فيثبت الوارث؛ كخيار الرد بالعيب.
وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يثبت للوارث، بل يلزم العقد بموته؛ فلو لم يعلم الوارث بموته؛ حتى مضت المدة لا تعاد، ولا يلزم العقد، بل يثبت للوارث الخيار بعد العلم على الفور.
[ ٣ / ٣١٦ ]
وقيل: يمتد بامتداد مجلس العلم.
أما إذا مات أحد المتبايعين في مجلس العقد، نص على أنه يثبت خيار المكان لوارثه. وقال في المكاتب: إذا اشترى شيئًا؛ فمات في مجلس البيع، وجب البيع. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يلزم البيع؛ لأنه خيار يسقط بمفارقة المكان؛ فبمفارقة الدنيا أولى أن يسقط.
والثاني: يثبت للوارث، ولسيد المكاتب إذا مات المكاتب؛ كخيار الشرط، وخيار العيب يثبت لهما؛ لأنه تفرق اضطرار؛ بخلاف مفارقة المكان.
ومنهم من قال: يثبت للوارث، ولمولى المكاتب قولًا واحدًا، وهو الأصح.
وقوله في المكاتب: "وجب البيع لم يرد به: لزوم البيع، بل أراد به: أن البيع بموته لا يبطل، وإن ارتفعت الكتابة.
ومنهم من فرق على ظاهر النص، وقال: يثبت للوارث؛ لأنه خليفة المورث، ولايثبت للمولى؛ لأنه ليس بخليفة مكاتبه.
وإذا اشترى العبد المأذون له في التجارة شيئًا، أو الوكيل بالشراء، ومات في مجلس العقد، فهل يثبت الخيار للمولى والموكل؟ حكمه حكم المكاتب.
فإن قلنا: لا يورث خيار المكان، فيبطل خيار الميت، ولا يبطل خيار الحي، حتى يفارق المجلس.
وإن قلنا: يورث؛ فإن كان الوارث حاضرًا في مجلس العقد، فيمتد الخيار بينه وبين
[ ٣ / ٣١٧ ]
الحي إلى أن يتفرقا، أو يتخايرا. وإن كان الوارث غائبًا، فخيار الحي يسقط بمفارقة مجلس العقد، وخيار الوارث قائم إلى أن يصل الخبر إليه. ثم يكون على الفور، أم يمتد بامتداد مجلس العقد فيه وجهان.
فإذا ثبت الخيار للوارث: إما خيار المكان، أو الشرط، وكان له وارثان فسخ أحدهما، وأجاز الآخر.
قيل: لا ينفسخ في شيء حتى يتفقا. والصحيح: أنه فسخ في الكل؛ كما لو فسخ احد المتبايعين، وأجاز الآخر يغلب الفسخ؛ وكالمورث في حياته لو فسخ في البعض، وأجاز في البعض، كان فسخًا.
ولو جُن أحد المتبايعين في زمان الخيار، لا يبطل العقد؛ لأنه قعد يفضي إلى اللزوم؛ بخلاف الوكالة تبطل بالجنون، ولا يسقط الخيار، فيقيم الحاكم من ينظر له؛ فإن رأى النظر في الفسخ فسخ، وإن رأى في الإجازة أجاز، فن فعل ما فيه النظر ليس للمجنون بعد الإفاقة رده، وإن ترك النظر له رد ما فعله.
وإن خرس أحدهما يفسخ، أو يجيز بالإشارة أو بالكتابة، فن لم يعقل الكتابة ولا الإشارة، فهو كالمجنون.
فصل (في خيار الشرط)
روي عن عبد الله بن عمر -﵄ - أن رجلًا ذكر لرسول الله - ﷺ - أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله - ﷺ-: "إذا بايعت فقل لا خلابة".
[ ٣ / ٣١٨ ]
ويروى أن ذلك الرجلان حبان بن مُنقذٍ أصابته أمة في رأسه. فقال له النبي - ﷺ -: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" وجعل له الخيار ثلاثًا.
كل عقد جاز فيه خيار الشرط، فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام؛ فلو شرط خيار أربعة
[ ٣ / ٣١٩ ]
أيام، فسد العقد، وبحذف الزيادة لا ينقلب صحيحًا.
وقال أبو حنيفة: إذا حذفت الزيادة قبل دخول اليوم الرابع، ينقلب صحيحًا.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
فنقول: بيع فسد لمعنى؛ فزوال ذلك المعنى لا يُوجب انقلابه صحيحًا؛ كما لو باع آبقًا فعاد، أو خمرًا فتخللت، أو باع بمائة وزق خمر، فحُذف زق الخمر.
وإن باع؛ بشرط خيار ثلاثة أيام، يكون ابتداء المدة من وقت العقد، على الصحيح من المذهب، وإن كان خيار المكان ثابتًا.
وإذا تفرقا قبل مضي الثلاث، يرتفع خيار المكان، ويبقى خيار الشرط، وإن تم الثلاث قبل التفرق ارتفع خيار الشرط، وبقي خيار المكان.
ولو أوجب أحدهما البيع في المجلس، سقط خيار المكان والشرط جميعًا في حقه.
وقيل ابتداء خيار الشرط من وقت التفرق، أو التخابر؛ لأن خيار المكان وقت العقد ثابت؛ فلا معنى لإثبات خيار الشرط. والأول أصح؛ لأن وقت التفرق غير معلوم؛ فيصير
[ ٣ / ٣٢٩ ]
خيار الشرط مجهولًا؛ حتى لو شرط خيار الثلاث من وقت التفرق يبطل العقد.
فإن قلنا: يثبت من وقت التفرق؛ فأوجب أحدهما البيع في المجلس، سقط خيار المجلس؛ وهل يسقط خيار الشرط؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط، لأن مقتضاهما واحد.
والثاني: لا يسقط؛ لأن خيار الشرط لم يثبت بعد.
ولو تبايعا؛ بشرط خيار الثلاث لهما؛ فأسقط أحدهما خياره، لزم العقد في حقه، ولا يسقط خيار صاحبه.
ولو أسقط خيار اليوم الأول، سقط الكل؛ لأن العقد بعد اللزوم لا يعود جائزًا. ولو أسقط اليوم الثاني، سقط خيار اليوم الثاني، والثالث، وبقي خيار اليوم الأول.
ولو شرط في العقد خيار غد دون اليوم، لا يصح.
وكذلك لو قال: على أنك بالخيار اليوم وبعد غد دون الغد، لا يصح.
(فصلٌ: في شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما أو لأجنبي)
ولو شرط الخيار لأحد المتبايعين بعينه دون الآخر جاز، ويثبت لمن شرط له دون الآخر، ولو شرط لأحدهما خيار يوم وللآخر يومين أو ثلاث، جاز.
ولو شرط الخيار لأجنبي، أو اشترى عبدًا وشرط خيار الثلاث للعبد بعينه - فالمذهب: أن العقد صحيح، ويثبت الخيار، للمشروط له؛ لأنه ربما يحتاج إلى نظر الأجنبي، لمعرفته بالمبيع.
وفيه قول آخر: أن العقد لا يصح؛ لأنه حكم من أحكام العقد؛ فلا يثبت لغير العاقد؛ كسائر الأحكام.
فإن قلنا: يصح العقد، فهل يثبت الخيار للمتبايعين؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يثبت؛ لأنه خيار ثابت بالشرط، فلا يثبت لغير من شرط له؛ كما لو شرط لأحد المتبايعين، لا يثبت للثاني.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة ﵀: يثبت؛ لأنه لما ثبت لغير العاقد؛ فالعاقد أولى.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وكذلك لو شرط أحد المتبايعين خياره لأجنبي ثبت للأجنبي على الأصح. وهل يثبت له؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: لا يثبت للعاقد؛ فإذا مات الأجنبي في زمان الخيار، هل يثبت للعاقد؟ فيه وجهان.
أصحهما: أنه يثبت.
فإذا أثبتنا الخيار للعاقد، والأجنبي يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ من غير مؤامرة الآخر؛ فلو أجاز أحدهما، وفسخ الآخر؛ كان الفسخ أولى.
والوكيل بالبيع لا يبيع بشرط الخيار، إلا بإذن الموكل، فإذا أذن له؛ فباعه بشرط الخيار، ثبت الخيار للوكيل. وهل يثبت للموكل؟
فيه وجهان؛ كما إذا شرط للأجنبي، هل يثبت للعاقد؟ فيه وجهان، غير أنهما يفترقان [في شيء] من حيث إن الوكيل لا يتصرف بالفسخ، ولا الإجارة إلا على وجه النظر؛ لأنه مؤتمر، والأجنبي يفعل ما يشاء؛ لأنه لم يفوض إليه على وجه الائتمار، ولو شرط الوكيل الخيار للموكل؛ يثبت للموكل دونه.
ولو اشترى شيئًا فقال: اشتريته على أن أآمر فلانا، فإن أمرني بالإجازة أجزت، وإن أمرني بالفسخ فسخت، نص على جوازه، ثم إذا أراد الفسخ، أو الإمضاء، لم يجز إلا بمؤامرة فلان؛ وصورته: أن يشترط مؤامرة فلان في ثلاثة أيام، فإن أطلق لا يجوز؛ كما لو باع بشرط الخيار مطلقًا.
وقيل: هذا يجوز وإن لم يبين للمؤامرة مدة. وقد زاد على الثلاث؛ كخيار الرؤية يجوز أن يزيد على الثلاث؛ والأول المذهب: أنه لا يجوز حتى يقيد المؤامرة بالثلاث، ثم إذا مضت ثلاثة أيام ولم يؤامر فلانًا، أو آمره ولم يشر إليه بشيء - لزم العقد، ولا ينفرد هو بالفسخ، ولا الإمضاء في مدة الثلاث؛ حتى يؤامر فلانًا؛ لأنه لم يجعل نفسه مستبدًا بالرأي.
وقيل: ينفرد، وحمل النص على الاحتياط.
ولو اشترى شيئين صفقة واحدة، وشرط الخيار في أحدهما بعينه، ففي صحة البيع قولان؛ للجمع بين مختلفي الحكم.
فإن قلنا: يصح، فله الخيار فيما شرط دون الآخر، وكذلك لو شرط في أحدهما خيار يوم، وفي الآخر خيار يومين.
[ ٣ / ٣٣١ ]
ولو شرط الخيار فيهما، ثم أراد الفسخ في أحدهما فعلى قولي تفريق الصفقة في الرد بالعيب.
ولو باع شيئًا من رجلين صفقة واحدة، وشرط الخيار لأحد لمشتريين دون الآخر ففي صحة البيع قولان:
الأصح: جوازه، فلو شرط لهما، ثم أراد أحدهما الفسخ في نصيبه، جاز؛ كما في الرد بالعيب.
ويجوز الفسخ بخيار الشرط، أو المكان من غير حضور صاحبه وعلمه، غير أن المستحب أن يشهد، حتى لا يؤدي إلى المنازعة، وكذلك الرد بالعيب.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا يجوز الفسخ بخيار الشرط، إلا بمحضر صاحبه، ولا يشترط رضاه.
وفي الرد بالعيب قال: إن كان قبل القبض فكذلك، وإن كان بعد القبض فلا يجوز إلا برضا صاحبه، أو قضاء القاضي.
فنقول: رفع عقد؛ فلا يشترط فيه حضور مَنْ لا يشترط رضاه؛ كالطلاق لا يتوقف على حضور المرأة. والله أعلم.
باب الربا
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه".
الربا حرام. والربا في اللغة [عبارة عن] الزيادة، وطلب الزيادة بالبيع غير حرام، والتحريم مختص ببعض الأموال في بعض الأحوال، وجاء بيانه في الحديث.
روي عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - صلى لله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، [ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين، يدًا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب،
[ ٣ / ٣٣٣ ]
والبر بالشعير، والشعير بالبر]، والتمر بالملح، والملح بالتمر، يدًا بيد كيف شئتم.
ذكر النبي - ﷺ - في هذا الحديث ستة أشياء من مال الربا، وعامة أهل العلم على أن الحكم غير مقصور عليها، بل ثبت الربا فيها لأوصاف ومعان فيها نبه الشرع عليها، فيثبت الحكم في كل ما توجد فيه تلك الأوصاف من الأموال.
فصل في مذاهب الفقهاء في تعليل حكم الربا
ثم اختلفوا في تلك الأوصاف: فذهب الشافعي - ﵁إلى أن العلة في
[ ٣ / ٣٣٤ ]
الدراهم والدنانير النقدية العامة، وكونهما ثمنين للأشياء غالبًا، ولا يقاس غيرهما عليهما؛ كما اختص بهما تقويم المتلفات. والعلة في الأشياء الأربعة الطعم؛ فأثبت الربا في جميع المطعومات؛ لما روي عن معمر بن عبد الله قال كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقول:
[ ٣ / ٣٣٦ ]
"الطعام بالطعام؛ مثلًا بمثل" فعلق الحكم باسم الطعام، والحكم إذا علق باسم مشتق، كان ذلك علة فيه، القطع في السرقة، والحد في الزنا؛ علق باسم السارق والزاني، ثم كانت السرقة والزنا علة فيهما.
وقيل في القديم: العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن؛ فكل مطعوم هو مكيل أو موزون يثبت فيه الربا، وما ليس بمكيل ولا موزون لا يثبت فيه الربا؛ وهو قول سعيد بن المسيب.
وعند مالك رحمة الله عليه: العلة في الدراهم والدنانير النقدية؛ كما قلنا، والعلة في الأشياء الأربعة القوت؛ وما يستصلح به القوت؛ فإن الملح مما يستصلح به القوت.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: العلة في النقدين الوزن، وفي الأشياء الأربعة الكيل. فأثبت الربا في جميع الموزونات مثل: الحديد والنحاس والقطن ونحوها، وفي جميع المكيلات مثل: الجص والنورة ونحوها؛ حتى قال يجوز بيع حفنة من حنطة بحفنتين؛ لأن هذا القدر غير مكيل، وهذا لا يصح؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "لا تبيعوا البُرَّ بالبر إلا سواء بسواء". واسم البر يتناول القليل والكثير؛ فثبت أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا متساويين.
إذا ثبت أن الطعم علة، فيثبت الربا في كل ما هو مخلوق للأكل والشرب؛ من: الحبوب، والثمار، والتوابل والبقول والمائعات المشروبة، وثبت في الماء؛ وسواء فيه ما يؤكل وحده، أو مع غيره؛ كالزعفران والملح، [ويثبت فيما يؤكل للتداوي كالإهليلج والبليلج والسقمونيا وغيرها]، ولا يثبت فيما يؤكل نادرًا؛ كالإذخر والبلوط
[ ٣ / ٣٣٧ ]
والخضروات التي تؤكل في الربيع، ويثبت في الراب والطرثوث؛ كما يثبت في الجزر والثوم والبصل والهيشر.
فصل في أنواع الربا
والربا نوعان: ربا الفضل، وربا النساء؛ فإذا تبايعا مالًا بمال، ولم يكن واحد منهما مال الربا؛ مثل: الثياب، والخشب، والحيوانات - لا يثبت فيها واحد من نوعي الربا؛ فيجوز نقدًا ونسيئة ومتفاضلًا؛ سواء كان الجنس مختلفًا أو متفقًا.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وكذلك إذا كان أحدهما مال الربا دون الآخر، يجوز نقدًا ونسيئة.
وإن كانا ربويين؛ نظر: إن لم يتفقا في العلة مثل: إن سلم أحد النقدين في مطعوم، أو باع مطعومًا بأحد النقدين نقدًا أو نسيئة فجائز، وإن اتفقا في العلة نر: إن كان الجنس واحدًا مثل: أن باع الدراهم بالدراهم، أو الدنانير بالدنانير، أو باع شيئًا من المطعومات بجنسه؛ فيثبت فيه لا نوعي الربا؛ حتى لا يجوز إلا متماثلين في معيار الشرع إن كانا مكيلين؛ ففي الكيل، أو موزونين؛ ففي الوزن، ويشترط قبضهما في مجلس العقد.
وإن كان الجنس مختلفًا؛ مثل: إن باع الدراهم بالدنانير، أو باع مطعومًا بمطعوم آخر من غير جنسه؛ كالحنطة بالشعير؛ فيثبت فهي ربا النساء دون ربا الفضل؛ حتى يجوز متفاضلًا وجزافًا، ولكن يشترط التقابض في المجلس.
وعند أبي حنيفة: لا يشترط التقابض إلا في الصرف؛ وهو بيع أحد النقدين بالآخر، أو بجنسه؛ والخبر حجة عليه حيث قال النبي - ﷺ -:"لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، إلى أن قال: إلا يدًا بيد"، والمراد من قوله - ﷺ -:"إلا يدًا بيد" إيجاب التقابض؛ فسوى فيه بين بيع الذهب بالذهب، والبر بالبر؛ فدل أن الكل سواء في
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وجوب التقابض، ثم قال في آخر الحديث: "ولكن بيعوا الذهب بالورق، والبر بالشعير؛ يدًا بيد كيف شئتم" فأوجب التقابض عند اختلاف الجنس؛ بقوله: "يدًا بيد"، وأباح التفاضل بقوله: "كيف شئتم"، فلو تصادفا أو تبايعًا طعامًا بطعام، وتفرقا قبل أن يتقابضا بطل العقد.
ولو تقابضا بعض كل واحد من العوضين، ثم تفرقا - بطل في غير المقبوض، وهل يبطل في المقبوض؟ فيه قولان؛ كما لو باع شيئين؛ فتلف أحدهما قبل القبض ينفسخ العقد في التالف، وهل ينفسخ في الآخر؟ فيه قولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا ينفسخ.
ولو طال مقامهما في المجلس، أو فارقا ذلك المكان، ولم يتفرقا ثم قبضا - جاز.
ولو تخايرا في المجلس قبل التقابض، أو في السلم تخايرا قبل قبض رأس مال السلم - بطل العقد؛ لأن التخاير بمنزلة التفرق.
وقال ابن سريج: لا يبطل العقد؛ لبقاء المجلس؛ فعلى هذا: إذا تقابضا فلا خيار؛ لأن العقد قد لزم بالتخاير.
ولو وكل أحدهما وكيلًا بالقبض؛ نظر: إن قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل مكان العقد- جاز، وإن فارق الموكل قبل قبض الوكيل، بطل العقد؛ وهذا بخلاف ما لو مات أحد المتبايعين قبل القبض، قام وارثه مقامه في القبض على قولنا: إن خيار المكان يورث؛ لأنه يقبض لنفسه، وقد أقامه الله مقام مورثه، والوكيل يقبض لغيره؛ فلا يجوز قبضه في حال لا يجوز للموكل العاقد.
إذا باع غير مال الربا بجنسه، يجوز متفاضلًا وجزافًا نقدًا ونسيئة؛ حتى لو أسلم ثوبًا في ثوب، أو في ثوبين، أو باع رطل نحاس أو حديد برطلين، أو باع حيوانًا بحيوانين يجوز؛ لما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أمرني رسول الله - ﷺ - أن أشتري بعيرًا ببعيرين إلى أجل".
[ ٣ / ٣٤١ ]
هل يشترط أن يكون بين رأس مال السلم وبين المسلم فيه تفاوت في وصف؟ فيه وجهان:
الصحيح من المذهب: أنه لا يشترط، بل يجوز أن يسلم ثوبًا في ثوب مثله في الوصف.
وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه -: لا يجوز إسلام الشيء في جنسه.
فنقول: مالان لم يجمعهما علة تحريم ربا الفضل، فذكر الأجل لا يمنع بيع أحدهما بالآخر؛ كما لو أسلم ثوبًا هروبًا في مروي يجوز بالاتفاق.
وعند مالك: يجوز متساويًا، ولا يجوز متفاضلًا.
وعنده: إذا باع حيوانًا بحيوانين؛ وهي مأكولة اللحم لا يجوز إذا أريد بهما الذبح.
فصل: في بيع الرطب باليابس
روي عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله - ﷺ - سئل عن شراء التمر بالرطب؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
لا يجوز بيع الرطب بالرطب، ولا بيع الرطب بالتمر، وكذلك لا يجوز بيع العنب بالعنب، ولا يجوز بيع العنب بالزبيب؛ لأن المماثلة فيه شرط حالة الكمال؛ وهي حالة الجفاف، وعدم المماثلة حالة الجفاف متيقن في بيع الرطب بالتمر. وإلى هذا أشار النبي - ﷺ - حيث قال: "أينقص الرطب إذا يبس"؟
وفي بيع الرطب بالرطب المماثلة مجهولة في تلك الحالة؛ لأنه ربما ينقص أحدهما بالجفاف أكثر من الآخر، والجهل بالتماثل في الربا يقين التفاضل.
وعند أبي حنيفة ﵀: يجوز كل ذلك، وأكثر أهل العلم على أن بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب يجوز، ولا يجوز بيع الرطب بالتمر، ولا العنب بالزبيب.
أما بيع التمر بالتمر، أو الزبيب بالزبيب يجوز بالاتفاق متساويين في الكيل، وكذلك كل ثمرة لها حالة جفاف؛ كالمشمش والخوخ والبطيخ الذي يفلق والكمثرى التي تفلق، والرمان الحامض لا يجوز بيع رطبه برطبه، ولا بيع رطبه بيابسه، ويجوز بيع يابسه بيابسه متساويين في الكيل إن كان يمكن كيله، وإن كان يتجافى في المكيال مثل: مفلق البطيخ ونحوه فيجوز وزنًا.
أما ما ليس له حالة جفاف مثل: العنب الذي لا يتزبب، والرطب الذي لا يتمر والبطيخ الذي لا يفلق، والكمثرى والرمان الحلو، والقرع والباذنجان والبقول - فهل يجوز بيع بعضه ببعض عند اتفاق الجنس؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنها ليست على هيئة الادخار.
والثاني: يجوز؛ لأن هذه الحالة أكمل أحوالها؛ كبيع اللبن باللبن، فإن جوزنا بشرط المماثلة في الوزن وإن تفاوت العدد، فإذا اختلف الجنس يجوز بيع بعضه ببعض؛ متفاضلًا وجزافًا، يدًا بيد، حتى يجوز بيع رمانه بسفرجلتين، وتفاحة برمانتين، والبطيخ مع
[ ٣ / ٣٤٣ ]
القثاء جنسان، وفي القثد مع القثاء وجهان.
وقال في "الأم": ولا يجوز بيع ركيب هندباء بركيب مثله، ويجوز بيعه بركيب جرجير أو غيره، متفاضلًا ومتماثلًا، يدًا بيد. ولا يجوز بيع التمر بالتمر، أو أحدهما، أو كلاهما منزوع النوى؛ لزواله عن حالة الادخار.
أما بيع مفلق المشمش بمثله، أو مفلق الخوخ بمثله منزوع النوى يجوز؛ على الأصح، لأن العادة في تجفيفه نزع النوى، ولا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالمبلولة، ولا المبلولة بالجافة، ولا بيع المقلية بالمقلية؛ ولا بغير المقلية؛ لزوالها عن حال الكمال.
ويجوز بيع الحديث بالعتيق؛ لأن العتاقة بعد حصول الجفاف، إن أثرت إنما تؤثر في خفة الوزن، لا في تصغير الحبة؛ فلا يظهر ذلك في الكيل، فإن كان في الحديث نداوة لو زالت لظهرت في الكيل - لم يجز، ويجوز بيع الجيد بالرديء.
ويجوز بيع البيض بالبيض وزنًا وإن كان عليه قشر؛ لأنه من صلاحه؛ كالنوى في التمر.
وكذلك يجوز بيع الجوز بالجوز وزنًا، واللوز باللوز كيلًا، ويجوز بيع لب الجوز بلب الجوز، وبيع لب اللوز بلب اللوز.
وقيل: لايجوز؛ لأنه زال عن هيئة الادخار بالإخراج عن القشر؛ كالتمر الذي نزع عنه النوى، ولا يجوز بيع الجوز بلبه.
فصل في معيار الشرع الذي تُرعى المساواة به
وكل ما جاز بيعه بجنسه من مال الربا يشترط المساواة بينهما في معيار الشرع. ومعيار الشرع الكيل أو الوزن؛ فما كان مكيلًا لا يجوز بيع بعضه ببعض وزنًا، كما لا يجوز جُزافًا.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وإذا استويا في الكيل، فلا يضر التفاوت في الوزن، وما كان موزونًا لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلًا. وإذا استويا في الوزن، لا يضر التفاوت في الكيل.
ثم كل شيء يتجافى في المكيال، يباع وزنًا، وما لا يتجافى في المكيال؛ فينظر فيه؛ فإن كان مكيلًا على عهد رسول الله - ﷺ - فهو مكيل لا يجوز بيعه بجنسه وزنًا، وما كان موزونًا على عهده - ﷺ - فهو موزون، ولا يجوز بيعه بجنسه كيلًا.
ولا ينظر إلى ما أحدث الناس بعده، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يعتبر غالب عادات البلدان فيه؛ فالدراهم والدنانير موزونة والأشياء الأربعة المطعومة مكيلة، والملح إن كان قطعًا كبارًا فموزونة.
وما لم يكن على عهد رسول الله - ﷺ - أو كان ولم يدر أنه كان يُكال أو يوزن، أو كان يُكال مرة ويوزن أخرى، ولم يكن أحد الأمرين أغلب - ففيه وهان:
أحدهما: تعتبر المساواة في الكيل؛ لأنه الأصل في المطعومات.
والثاني: تعتبر المساواة في الوزن؛ لأنه أحصر وأقل تفاوت.
وقيل: يعتبر غالب عادة بلد البيع.
وإذا كان بين رجلين شيء من مال الربا، فأراد قسمته، فالقسمة بيع؛ على أصح القولين، فلا يجوز قسمة المكيل وزنًا، ولا قسمة الموزون كيلًا.
وما لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ كالعنب والرطب واللحم الرطب لا يجوز قسمته أصلًا.
وإن قلنا: القسمة إفراز حق يجوز قسمة المكيل وزنًا، والموزون كيلًا، ويجوز قسمة العنب والرطب واللحم بالوزن.
ولا تجوز قسمة الثمار بالخرص على رؤوس الأشجار؛ لأنا إن قلنا: بيع، فبيع بعضه ببعض لا يجوزه، وإن قلنا: إفراز حق، فالخرص ظن لا يعلم نصيب كل واحد على الحقيقة، وفي الزكاة جوز بالخرص، لأنه ليس للمساكين فيه حقيقة شركة؛ بدليل أنه يجوز أداء حقهم من موضع آخر.
وقيل: إذا قلنا: القسمة إفراز حق، يجوز قسمة ثمر النخيل والكرم بالخرص.
فصل في تحريم بيع مال الربا بجنسه جزافًا
رُوي عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال:"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع
[ ٣ / ٣٤٥ ]
الصبرة من التمر لا تعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر".
لا يجوز بيع مال الربا بجنسه جُزافًا؛ مثل: إن قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة بتلك الصبرة، أو هذه الدراهم بتلك الدراهم؛ لأنهما إن خرجتا متفاضلتين؛ فليقين التفاضل، وإن خرجتا متساويتين؛ فللجهل بالتماثل حالة العقد.
ولو قال صاحب الصبرة الصغيرة: بعتك هذه الصبرة بما يقابلها من صبرتك، أو هذه القطعة من الذهب بقدرها من دينارك، أو هذا الإناء من الفضة بما يوازيه من فضت - يصح ثم إن كالا أو وزنا في المجلس وتقابضا، تم العقد والزيادة من الكبيرة لبائعها، وإن تقابضا الجملتين وتفرقا قبل الكيل، والوزن - فقد قيل: يبطل العقد؛ لأنهما تفرقا مع بقاء العُلفة بينهما؛ كما لو تفرقا قبل القبض. والصحيح من المذهب: أن العقد لا يبطل؛ لوجود التقابض في المجلس.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة أو كيلًا بكيل، أو بعتك هذا الدينار بذلك الدينار موازنة أو وزنًا بوزن؛ فإن كالا أو وزنا وخرجا متساويين صح العقد، وإن خرجا متفاضلين، ففيه قولان:
أصحهما: البيع باطل؛ لأنه قابل الجملة بالجملة؛ وقد ظهر الفضل بينهما.
والثاني: يصح في الكبيرة بقدر ما يقابلها من الصغيرة؛ لأنه قابل صاعًا بصاع، وثبت الخيار لمشتري الكبيرة؛ لأنه لم يسلم له جميعها.
فحيث قلنا: يصح العقد؛ فلو تفرقا بعد التقابض قبل الكيل والوزن، هل يبطل أم لا؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يبطل. وإن كان الجنس مختلفًا بأن باع صبرة من حنطة بصبرة من شعير لا يعلم كيلها - يجوز.
فإن قال: بعتك هذه بتلك صاعًا بصاع، أو قال صاعًا بصاعين؛ فإن خرجا على ذلك جاز، وإن زاد أحدهما ففي صحة البيع قولان:
أصحهما: لا يجوز. فإن جوزنا، فالزيادة غير مبيعة، ولمشتريها الخيار.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
فصل في بيع الربوي بجنسه إذا كان مع أحد العوضين أو كليهما غيره
روي عن فضالة بن عبيد - ﵁ - قال: أتى رسول الله - ﷺ - وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب - وهي من المغانم تباع - فأمر رسول الله - ﷺ - بالذهب الذي في القلادة؛ فنزع وحده. ثم قال رسول الله - ﷺ -:"الذهب بالذهب وزنًا"، ويروي: "لا تباع حتى تفصل".
إذا باع مال الربا بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما شيء آخر - لا يجوز مثل: إن باع مُد عجوة ودرهم بمدى عجوة أو درهمين، أو بمد عجوة ودرهم، أو باع قفيز حنطة
[ ٣ / ٣٤٧ ]
وقفيز شعير بقفيزي حنطة أو بقفيزي شعير، أو بقفيز حنطة وقفيز شعير.
وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه-: يجوز؛ حتى لو باع ثلاثة أكرار حنطة، وثلاثة أكرار شعير، وثلاثة أكرار تمر بِكُرِّ حنطة، وكُر شعير، وكر تمر - يجوز، ويقع كل شيء في مقابلة غير جنسه.
والحديث حجة عليه؛ فإن النبي - ﷺ - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء". والتساوي هاهنا غير موود من قبل أن الصفقة إذا اشتمل أحد شقيها على مختلفي القيمة، توزع ما في الشق الآخر عليهما باعتبار القيمة؛ بدليل أنه لو باع شقصًا من دار وسيفًا بألف - توزع الألف عليهما باعتبار القيمة؛ حتى لو كانت قيمة الشقص ألفًا وقيمة السيف خمس مائة، أخذ الشفيع الشقص بثلثي الألف. وهاهنا لو باع صاع حنطة وشقصًا من دار بصاعي حنطة، وقيمة الشقص مثلًا قيمة الحنطة؛ فالشفيع يأخذ الشقص بصاع وثلث فيبقى الصاع الذي مع الشقص بمقابلة ثلثي صاع.
وكذلك لو اشتمل أحد الشقين، أو كلاهما على مختلفي النوع؛ مثل: إن باع مد عجوة ومد صيحياني بمدى عجوة أو بمدى صيحاني، أو باع صاعًا من حنطة جيدة وصاعًا من حنطة رديئة بصاعين جيدين أو رديئين، أو بصاع جيد وصاع رديء - لا يجوز.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
وكذلك لو باع دينارًا جيدًا ودينارًا رديئًا بدينارين وسطين لا يجوز، هذا إذا قابل ما في أحد الشقين بالآخر مطلقًا.
فأما إذا باع مد عجوة ودرهم "بمد عجوة ودرهم"، وقال: المد بمقابلة الدرهم والدرهم بمقابلة المد، أو قال المد بإزاء المد والدرهم "بإزاء الدرهم"؛ فقبل المشتري عليه - يجوز؛ لأنه بمنزلة صفقتين.
أما إذا خلط الجيد بالرديء، أو الحنطة النقية بالنجسة، ثم باع صاعًا منه بمثله، أو باعه بصاع جيد، أو بصاع رديء - جاز؛ لأن أحد النوعين إذا لم يتميز عن الآخر، لا يوجب التوزيع بالقيمة، بل تتوزع بالأجزاء؛ فيصير كما لو باع صاعًا جيدًا بصاع رديء؛ فجائز.
أما إذا باع مال الربا بغير جنسه، ومعهما أو مع أحدهما شيء آخر - نظر: إن باعه بما لا يوافقه في علة الربا؛ مثل: إن باع دينارًا ودرهمًا بصاع حنطة، وبصاع شعير - يجوز. وإن باعه بما يوافقه في العلة، نظر: إن كنا القبض في الكل شرطًا في المجلس؛ مثل: إن باع صاع حنطة، وصاع شعير بصاع تمر وصاع ملح - فيجوز، وإن كان القبض في البعض شرطًا في المجلس، مثل: إنباع درهمًا وصاع حنطة بصاع شعير، ففيه قولان؛ للجمع بين مختلفي الحكم؛ لأن ما يقابل الدرهم من الشعير لا يشترط فيه التقابض، ويشترط فيما يقابل الحنطة منه.
ولو باع دارًا بذهب، فظهر فيها معدن الذهب - ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: لا يصح، كما لو باع دارًا مموهة بالذهب دنانير، وكان التمويه بحيث يحصل منه شيء من الذهب لا يصح؛ كما لو باع بقرة بلبن بقرة؛ فبانت البقرة لبونًا - لا يصح.
والثاني: وهو الأصح: يصح؛ لأن المعدن تبع، كما لو باع دارًا وفيها بئر ماء بدار فيها بئر ماء - يجوز؛ لأن الماء في البئر تبع الدار.
أما إذا باع دارًا مموهة بالذهب دنانير، وكان التمويه بحيث لا يحصل منه شيء من الذهب، يصح البيع.
ولو أجر حُليًاّ من ذهب بذهب، يجوز، ولا يشترط القبض في المجلس؛ لأن الأجرة بمقابلة المنفعة لا بمقابلة العين، فلا يكون ربًا.
ولو باع صاع حنطة بصاع حنطة، وفيهما أو في أحدهما قصل أو زؤان؛ قل أم
[ ٣ / ٣٤٩ ]
كثر، أو حبات شعير أو مدر - لم يجز؛ لأنه إن كان في أحدهما؛ فليقين التفاضل، وإن كان فيهما؛ فللجهل بالتماثل.
أما إذا كان في أحدهما قليل تراب، أو دقاق تبنٍ - فيجوز؛ لأنه يدخل في تضاعيف الحنطة؛ فلا يظهر في الكيل.
أما إذا باع موزونًا من مال الربا بجنسه، وفيهما أو في أحدهما قليل تراب، أو دقاق تبن - لم يجز؛ لأنه يؤثر في الوزن؛ فيمنع التماثل؛ ولو باع صاع حنطة بصاع شعير، وفي الشعير حبات حنطة، وفي الحنطة حبات شعير - جاز؛ لأن المساواة بين المقصودين غير شرط؛ فيعفى عن قليل ما يخالطه بما ليس بمقصود.
فصل في بيع الربوي المطعوم بفروعه وبيع فروعه بعضها ببعض
لا يجوز بيع الحنطة بكل ما يُتخذ منها من المطعومات من الدقيق والسويق والخبز وغيرها؛ لأن الحنطة إذا غيرت عن هيئتها، خرجت عن حالة المال، ولا تعرف المساواة، بينهما في حالة الكمال.
وكل ما يُتخذ من الحنطة من دقيق أو خبز، فلا يجوز بيع بعضه ببعض.
[وحى البويطي قولًا أنه يجوز بيع الدقيق بالدقيق؛ وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يجوز بيع الحنطة بالدقيق] ويجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الشعير وخبزه، متفاضلًا وجزافًا، يدًا بيد.
ولا يجوز بيع العنب بكل ما يتخذ منه من عصير ودبس وخل غيرها، ولا بيع الرطب بكل ما يتخذ منه، ويجوز بيع عصير العنب بعصير العنب، وبيع عصير الرطب بعصير الرطب متساويين في الكيل؛ لأنه على كمال حاله؛ فإن معظم منفعته في هذه الحالة؛ فهو كبيع اللبن باللبن، والدهن بالدهن.
ولا يجوز بيع عصير العنب بدبسه ولا بخله، ويجوز بيع خل العنب بمثله، وبيع خل
[ ٣ / ٣٥٠ ]
الرطب بمثله متساويين في الكيل؛ لأنه على هيئة الادخار.
ولا يجوز بيع دبس العنب بمثله؛ لأن أخذ النار منها يتفاوت ولا بيع دبسه بخله؛ لأن أصلهما واحد، ويمكن أن يُتخذ الخل من الدبس.
ولا يجوز بيع خل الزبيب بخل الزبيب، ولابيع خل التمر بخل التمر؛ لأنه لا يخلو عن الماء؛ فلا يعرف التماثل بين الخلين، وذلك لا يجوز بيع خل العنب بخل الزبيب، ولا خل الرطب بخل التمر؛ لأن في خل الزبب والتمر ماء؛ فتعدم المماثلة بين الخلين.
فإذا اختلف الجنس؛ مثل: إن باع عصير العنب بعصير الرطب، أو خل العنب بخل الرطب، أو دبس أحدهما بدبس الآخر - يجوز متفاضلًا وجزافًا يدًا بيد؛ كبيع العنب بالرطب.
والخلول أجناس مختلفة إذا اختلفت أصولها، وإن اتفقت أساميها، وذلك الأدهان؛ لأنها فروع أصول [ربوية] مختلفة؛ فكان حكمها حكم أصولها؛ كدقيق الشعير مع دقيق الحنطة؛ بخلاف اللحمان؛ مثل: لحم الغنم، ولحم البقر والإبل جعلناها على أحد القولين جنسًا واحدًا؛ لأن أصولها غير ربوية، وحكم الألبان حكم اللحمان.
لا يجوز بيع خل الزبيب بخل التمر؛ لأن فهيما ماء، والماء فيه ربا ولا تعرف المماثلة بين الماءين؛ فن باع خل الزبيب بخل الرطب يجوز؛ لأن الماء في أحدهما، والمماثلة بين الخلين غير شرط.
ولا يجوز بيع السمسم بدهنه، ولا بكسبه، ويجوز بيع دهنه بدهنه متساويين في الكيل، ويجوز بيع كسبه بكسبه متساويين في الوزن إذا لم يكن فهي خلط، فإن كان فيه خلط فلا يجوز، ولا يجوز بيع طحينه بطحينه؛ كبيع الدقيق بالدقيق، ويجوز بيع دهنه بكسبه متفاضلين؛ لأنهما جنسان مختلفان يدًا بيد، وكذلك الجوز واللوز بما يتخذ منه.
فإذا اختلف الجنس؛ بأن باع دهن الجوز بدهن السمسم، أو شيئًا مما يتخذ من أحدهما بالآخر - يجوز متفاضلًا وجزافًا يدًا بيد.
والأدهان المطيبة مثل دهن الورد، والبنفسج، والنيلوفر -كلها جنس واحد؛ لأنها
[ ٣ / ٣٥١ ]
دهن السمسم. فإن طرحت أوراق هذه الأشياء في الدهن؛ حتى يطيب - لايجوز بيع بعضه ببعض؛ لأنه اختلط به ما يمنع التماثل. وإن ربا السمسم في الورد، ثم استخرج دنه - جاز بيع بعضه ببعض متساويين.
والأدهان المتخذة للتداوي مثل: دهن الخروع والخردل ودهن نوى الخوخ والمشمش - يثبت فيها الربا، ونوع من الدهن يتخذ لغير الأكل مثل دهن بزر الكتان، ودهن السمك لا ربا فيه؛ لأنه غير مطعوم.
وقيل: فيه ربا؛ لأن دُهن السمك يأكله الملاحون، ودهن بزر الكتان يؤل في أول ما يستخرج، ثم يتغير بمرور الزمان عليه.
ويجوز بيع اللبن باللبن متساويين في الليل إذا كان الجنس واحدًا؛ سواء كانا حليبين أو رائيين أو حامضين، أو كان أحدهما حليبًا والآخر حامضًا أو رائبًا؛ فإن كان مغليين، أو أحدهما - لا يجوز؛ كبيع الدبس بالدبس، ولا يجوز بيع الهريد بالهريد، ولا بيع اللبأ باللبأ؛ لتأثير النار فيه.
لا يجوز بيع اللبن بل ما يتخذ منه من مخيض وزبد وسمن، ويجوز بيع المخيض بالمخيض إذا لم يكن فيهما ماء، ويجوز بيع السمن بالسمن متساويين في الكيل إن كان ذائبًا وإن كان جامدًا ففي الوزن.
ولا يجوز بيع الزبد بالزبد؛ لأنه لا ينفك عن قليل مخيض؛ فيمنع المماثلة، ويجوز بيع المخيض بالزبد وبالسمن متفاضلين، وإن كان في الزبد قليل مخيض، وفي المخيض قليل زبد، لأن المقصودين مختلفان في الجنس؛ كبيع الحنطة بالشعير، وفي أحدهما قليل قصل أو زؤان.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
ولا يجوز بيع الزبد بالسمن؛ لأن السمن يتخذ من الزبد، ولا يجوز بيع الأقط بالأقط، ولا المصل بالمصل، ولا الجبن بالجبن؛ لأن حالة كماله كونه لبنًا، ولا تعرف المماثلة بين اللبنين؛ ولأنه لا يخلو عن شيء يخالطه.
وإن كان الجنس مختلفًا؛ مثل: لبن البقر مع لبن الغنم والإبل - فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلين يدًا بيد.
وكذلك يجوز بيع لبن أحد الصنفين بما يتخذ من لبن الصنف الآخر.
ولبن الغنم ضانيها وماعزها جنس واحد، ولبن الوعل مع المعز الأهلي صنفان.
وفيه قول آخر أن الألبان كلها صنف واحد؛ فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر، إلا على الوجه الذي ذكرنا في بيع لبن الغنم بلبن الغنم. والأول المذهب.
ولو باع لبن الشاة بشاة حية غير لبون - يجوز نقدًا ونسيئة، وإن باع بشاة لبون؛ نظر: إن كانت مستفرغة الضرع حالة البيع، بأن حلب لبنها، ثم بيعت في الحال - يجوز، وإن كان في ضرعها لبن في تلك الحالة، لا يجوز؛ لأن اللبن في الضرع له قسط من الثمن، فإن النبي - ﷺ - أوجب في مقابلته صاعًا من التمر في المُصراة. وكذلك لو باع شاة لبونًا بشاة لبون في ضرعها لبن - لا يجوز فإن كانتا أو أحداهما مستفرغة الضرع؛ بأن حلبها، ثم في الحال باعها، جاز.
ولو باع بن الشاة ببقرة لبون في ضرعها لبن أو بقرة لبونًا بشاة لبون في ضرعها لبن:
إن قلنا: الألبان جنس واحد، لا يجوز. وإن قلنا بظاهر المذهب: إن الألبان أجناس مختلفة - فهل يجوز البيع فيه قولان؛ لأنه جمع بين مختلفي الحكم من حيث إن ما يقابل اللبن من اللبن يشترط التقابض فيه، وما يقابله من الحيوان لا يشترط.
ولو باع شيئًا عُرض على النار من مال الربا بجنسه - فهو على قسمين
قسم يعرض على النار؛ ليتميز ما ليس منه عنه؛ كالفضة والذهب يعرض على النار؛ ليتميز الغش عنه، والسمن يعرض على النار، ليتميز المخيض عنه؛ فيجوز بيع بعضه ببعض.
وقسم يعرض على النار؛ للطبخ؛ كاللحم، لا يجوز بيع مطبوخه بمطبوخه، ولا بيع مطبوخه بنيه.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
وكذلك الدبس لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ على اهر المذهب، وفي بيع السكر بالسكر، والفانيذ بالفانيذ وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كبيع الدبس بالدبس.
والثاني: يجوز؛ لأن للنار فيه نهاية لا يجاوزها؛ بخلاف الدبس، فإن تأثير النار فيه مختلف.
ولا يجوز بيع قصب السكر بالسر، ولا بقصب السكر؛ كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر، ولا بالرطب. ولو باع السكر بالفانيذ إن كان أصلهما مختلفًا - جاز، وإن كان واحدًا، فكبيع الفانيذ بالفانيذ، وكذلك بيع قصب السكر بالفانيذ إن كان أصلهما واحدًا، لا يجوز، وإن كان مختلفًا يجوز، كبيع الرطب بالعنب.
ويجوز بيع العسل بالعسل إن كان مصفى بالشمس، متماثلين في الكيل.
وإن كان مصفى بالنار، فعلى وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن النار قد تعقد أجزاءه.
والثاني: يجوز، لأن عرضه على النار؛ لتصفيته عن الشمع، وهي نار لينة لا تعقد أجزاءه؛ كالشمس.
ولا يجوز بيع الشهد بالشهد؛ لأنه لا يعرف تماثل العسلين؛ لما فيهما من السمع؛ بخلاف النوى في التمر؛ لأنه من صلاحه.
وكذل لا يجوز بيع العسل بالشهد؛ ليقين التفاضل، ويجوز بيع الشمع بالشمع متفاضلًا وجزافًا، نقدًا ونسيئةً؛ لأنه ليس مال الربا.
وكذل يجوز بيع الشمع بالعسل وبالشهد، وأما عسل الرطب وهو رُبٌّ يسيل منه - يجوز بيع بعضه ببعض متساويين في الكيل، ويجوز بيعه بعسل النحل متفاضلًا وجزافًا يدًا بيد؛ لأنهما جنسان مختلفان؛ كما يجوز بيع العسل بالدبس.
فصل في استبدال ما في الذمة بغيره
روي عن ابن عمر - ﵁ - قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير؛ فآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق؛ فأخذ مكانها الدنانير، فأتيت رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك فقال: "لا بأس به بالقيمة".
[ ٣ / ٣٥٤ ]
إذا باع شيئًا بدراهم، أو بدنانير في الذمة - يجوز الاستبدال عن الثمن في الذمة، على قوله الجديد وهو المذهب، لحديث ابن عمر، وكما يجوز الاستبدال عن القرض، وبدل الإتلاف.
وقال في القديم: لا يجوز الاستبدال عنه؛ كما لا يجوز عن المسلم فيه قبل القبض، ولا فرق في جواز الاستبدال بني أن يكون بعد تسليم المبيع أو قبله.
ولو باع شيئًا بغير الدراهم والدنانير في الذمة - فالمذهب: أنه كالدراهم والدنانير في جواز الاستبدال عنه.
وقيل: لا يستبدل عن غير الدراهم والدنانير، وأصله: أن حد الثمنية ماذا؟ لأن ما يثبت في الذمة ثمنًا يجوز الاستبدال عنه، وما يثبت مثمنًا لا يجوز.
فالصحيح أن حد الثمنية ما يجعله المتبايعان ثمنًا؛ وهو ما ألصق به باء الثمنية؛ فعلى هذا: يجوز أن يستبدل عن غير النقدين.
وقيل: إذا كان أحد العوضين من أحد النقدين، فهو ثمن بكل حال، وما ليس بنقد مثمن؛ فعلى هذا الاستبدال عن غير النقدين لا يجوز.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وإذا باع شيئًا بدراهم أو دنانير معينة تتعين؛ حتى لا يجوز إعطاء مثلها مكانها، ولو تلفت قبل القبض ينفسخ العقد، ولو وجد مشتريها بها عيبًا لم يكن له أن يستبدل، بل عن شاء فسخ العقد، وإن شاء رضي به.
وقال أبو حنيفة ومالك ﵄: الدراهم والدنانير لا يتعينان بالتعيين، حتى يجوز لبائعها إعطاء غير ما وقع عليه العقد من جنسه، وإذا تلفت قبل القبض لا ينفسخ العقد، وإذا وجد بها عيبًا يستبدل؛ لأن المقصود منها رواجًا لا أعيانها وغيرها يعمل عملها.
فنقول: أجمعنا على أنها تتعين في الغصب والوديعة، وما يتعين في الغصب والوديعة يتعين في العقد؛ كالسلع، يؤيده: أنه لو أخذ صاعًا من صبرة، فباعه بعينه يتعين؛ حتى لا يجوز أن يعطي صاعًا آخر من تلك الصبرة، مكانه، ون كان يعمل عمله كذا.
هذا إذا أراد أن يعطي مثلها بغير رضا مشتريها. فأما إذا تراضيا على أن يأخذ مشتريها مثلها، أو شيئًا آخر من غير جنسها، فهو بيع المبيع من البائع، يجوز بعد القبض، ولا يجوز قبله.
وإذا باع شيئًا بدراهم أو دنانير، يشترط أن تكون معلومة بتعيين، أو وصف، أو كونه غالب نقد البلد؛ فلو باع بدينار أو بدرهم مطلقًا؛ نظر: إن كان نقد البلد واحدًا انصرف إليه وصح، وإن كان في البلد نقود مختلفة انصرف إلى أعمها وأغلبها، إلا أن يقيد بغيره، فينصرف إلى ما قيده به. وإن استوت النقود كلها في الرواج، لا يصح العقد ما لم يقيد بواحد منها.
وكذلك تقويم المتلف يكون بغالب نقد البلد؛ فإن كان في البلد نقدان مستويان، فالقاضي يعين واحدًا للتقويم.
ولو باع شيئًا بدراهم مغشوشة يصح العقد؛ على ظاهر المذهب؛ لأن المقصود منها رواجها، ولو باع بدرهم مطلقًا، ونقد البلد مغشوش، يجب درهم من ذلك.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح المعاملة بالدراهم المغشوشة، فلو باع بدرهم مطلقًا، ونقد البلد مغشوش - لا يصح؛ لأن المقصود ما فيه من النقرة؛ وهي مجهولة؛ كما لا يجوز بيع تراب المعدن وتراب الصاغة، لأن المقصود ما فيه من الذهب والفضة، وهو مجهول.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
ولو كان نقد البلد فلوسًا أو دراهم عطرسه - يجوز التصرف فيها، ومطلق العقد ينصرف إليها.
ولو باع شيئًا وسمي نقدًا يعز وجوده في البلد - هل يصح؟ هذا ينبني على أن الاستبدال عن الثمن هل يجوز، أم لا؟
إن قلنا: يجوز، صح العقد؛ ثم إن وجد ل النقد، وإلا يستبدل.
وإن قلنا: لا يجوز الاستبدال، لا يصح العقد؛ ما لو أسلم في شيء يعز وجوده.
وإن كان ذلك النقد موجودًا، فانقطع: إن قلنا: يجوز الاستبدال يستبدل. وإن قلنا: لا يجوز، فهو كما لو انقطع المسلم فيه.
وإذا باع شيئًا بدراهم، وأوجبنا نقد البلد؛ فأبطل السلطان ذلك النقد- ليس له إلا ذل النقد؛ كما لو أسلم في حنطة، فرخصت يس له إلا الحنطة.
وقيل: يتخير البائع بين أن يجيز العقد؛ فيأخذ النقد الأول، وبين أن يفسخ؛ فيسترد ما أعطي؛ كما لو تعيب المبيع قبل القبض.
ولو باع سلعة أو تصارفا وتقابضا، ثم جاء مشتري الدينار به معيبًا، فأنكر صاحبه أن يون ذلك الذي أعطاه - نظر: إن كان العقد ورد على دينار في الذمة، فالقول قول من يرد مع يمينه؛ لأن الأصل اشتغال ذمة صاحبه به، هذا هوا الأصح عندي.
وفيه وجه آخر: القول قول الدافع مع يمينه.
وكل لو أتى المسلم بالمسلم فيه معيبًا، وقال المسلم إليه: ليس هذا ما دفعته إليك - فالقول قول المسلم مع يمينه؛ على الأصح. ولو كان قد تلف في يد المسلم؛ فادعى به عيبًا، حلف، وغرم التالف، وطالبه بالجيد.
وإن كان العقد قد ورد على معين، فالقول قول من أعطاه مع يمينه؛ لأن الذي يرده يريد فسخ العقد، والأصل مضيه على السلامة، إلا أن يكون المعين نحاسًا لا قيمة له؛ فالقول قول من يرده؛ لأنه يدعي فساد العقد، والأصل بقاء ماله على ملكه.
فصل في الصرف
روي عن أبي سعيد الخدري -﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تبيعوا
[ ٣ / ٣٥٧ ]
الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز".
يشترط في بيع أحد النقدين بالآخر تقابض البدلين في المجلس، وإن كان الجنس مثقفًا يشترط التساوي في المعيار، ولا يشترط أن يون معينًا حالة العقد؛ حتى لو تبايعا دينارًا بدينار أو بدرهم وأحدهما أو كلاهما في الذمة -جاز، ثم عليهما أن ينقدا ويتقابضا في المجلس، وإن لم يكن معهما فاستقرضا وتقابضا جاز.
وكذلك لو تبايعا طعامًا بطعام موصوفين في الذمة ثم عينا وتقابضا، جاز.
وإذا تصارفا في الذمة، يشترط بيان الوزن؛ فإذا عينا، لا يجوز التقابض جزافًا إلا بالوزن. وإذا تعاقدا على معينين، يجوز جُزافًا عند اختلاف الجنس.
وإذا تصارفا على معينين، ثم خرج أحدهما مستحقًا أو خرج نحاسًا لا قيمة له- فالعقد باطل، وإن خرج بعضه بهذه الصفة، فالعقد في ذلك القدر باطل، وفي الباقي قولان:
فإن قلنا: يجوز؛ فلمشتريه الخيار بين الفسخ والإجازة، فإن أجاز يجيز بحصته من
[ ٣ / ٣٥٨ ]
الثمن إن كان الجنس واحدًا؛ لأن الفضل بينهما حرام، وإن كان الجنس مختلفًا فعلى قولين
أصحهما: يجيز بحصته من الثمن.
والثاني: يجيز بجميع الثمن.
وإن خرج أحدهما رديئًا، نظر: إن كان من جنس النقرة، غير أنها خشنة أو سوداء - فالمشتري بالخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز، ولا يجوز الاستبدال.
وإن خرج البعض بهذه الصفة، له أن يفسخ العقد في الكل؛ فلو أراد أن يفسخ في القدر الرديء، ويجيز في الباقي - فهل يجوز، أم لا فيه قولان:
فإن جوزناه، يجيز بحصته من الثمن قولًا واحدًا؛ لأن العقد فيه صح على الكل؛ فإذا ارتفع في بعضه، سقط بقدره من الثمن.
فأما إذا تصارفا في الذمة وتقابضا، ثم خرج أحدهما مستحقًا أو نحاسًا لاقيمة له: فإن كان في مجلس العقد يستبدل، وإن كان بعد التفرق بطل العقد؛ لأنهما تفرقا قبل قبض ما ورد عليه العقد.
ولو خرج رديئًا؛ بأن كانت نقرة، إلا أنها خشنة؛ فإن كان قبل التفرق فهو بالخيار إن شاء رضي به، وإن شاء استبدله. وإن كان بعد التفرق، فهل له الاستبدال؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: لا يجوز، بل إن شاء فسخ، وإن شاء أجاز؛ لأن الاستبدال قبض بعد التفرق؛ وذلك لا يجوز في الصرف.
والقول الثاني: وهو الأصح: يجوز الاستبدال، ولا فسخ له؛ لأن المقبوض عما [في] الذمة إذا خرج رديئًا لا يفسخ به العقد؛ كالمسلم فيه إذا خرج رديئًا، ولا يكون قبضًا بعد التفرق؛ لأن قبض الأول قبض تام؛ بدليل أنه لو رضي به جاز، وهذا بدل يقيمه مقام الأول؛ حتى قال أصحابنا: إذا رد الرديء، يجب أن يأخذ بدله قبل التفرق عن مجلس الرد، فإن تفرقا قبل قبض البدل، بطل العقد.
وإذا خرج بعضه بهذه الصفة بعد التفرق؛ فإن جوزنا الاسبتدال يستبدل ذلك القدر، وإن لم نجوز فهو بالخيار: إن شاء فسخ العقد في الكل، وإن شاء أجاز، فلو أراد أن يفسخ
[ ٣ / ٣٥٩ ]
في القدر الرديء، ويجيز في الباقي - فعلى قولين؛ بناء على تفريق الصفقة.
وحكم رأس مال السلم إذا وجد المسلم إليه به عيبًا - حكم بدل الصرف؛ على التفصيل الذي ذكرنا.
ولو تصارفا وتقابضا، ثم وجد أحدهما بما اشترى عيبًا بعد ما تلفت في يده - والعيب مما يجوز الرضا به - بماذا يرجع؟ لا يخلو: إما أن يكون معينًا، أو في الذمة.
فإذا كان معينًا نظر: إن كان الجنس مختلفًا؛ مثل: إن باع دينارًا بدراهم، أو حليبًا من ذهب بدراهم؛ فتلف الدينار والحلي عنده، ثم علم به عيبًا يسترد من الثمن بقدر العيب؛ كما في غير الصرف.
وإن كان الجنس متفقًا؛ بأن باع دينارًا بدينار، أو حليًا من ذهب بذهب، ثم وجد به عيبًا بعد التلف، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: يسترد من الثمن بقدره؛ كما في غير الصرف.
وقيل: يأخذ الأرش من غير جنس ما أعطى؛ لأنه إذا استرد بعض الثمن، ظهر الفضل في أحد العوضين. وهذا ضعيف؛ لأنه لو امتنع الأول للفضل، لامتنع أخذ غير الجنس، لأنه يصير كبيع ما الربا بجنسه مع غيره.
وقال ابن أبي هريرة: يُغرم ما تلف عنده، ويفسخ العقد، ويسترد ما أعطى؛ فإن كان قد تعيب في يده، يغرم أرش النقصان ويفسخ. والأول المذهب؛ لأن المماثلة في مال الربا تشترط في العقد، وحالة العقد كان العرضان متماثلين، واسترجاع بعض الثمن حق ثبت له ابتداء؛ فلا يراعى فيه معنى الربا.
فأما إذا تصارفا في الذمة وتقابضا، ثم وجد أحدهما بما اشتراه عيبًا بعد التلف - نظر: إن كانا في مجلس العقد، يغرم ما تلف عنده ويستبدل، وإن كان بعد التفرق؛ فإن جوزنا الاستبدال فهكذا؛ وإن لم نجوز الاستبدال بعد التفرق؛ فإن كان الجنس مختلفًا يسترد من الثمن بقدر العيب؛ وإن كان الجنس متفقًا فعلى الأوجه الثلاثة.
أصحها: يسترد من الثمن بقدر العيب.
وكذلك لو باع طعامًا بطعام، ثم وجد بما اشترى عيبًا بعد ما تلف عنده.
وكذلك لو وجد المسلم إليه برأس مال السلم عيبًا بعد ما تلف عنده، فإن كان رأس مال السلم معينًا ثم يسقط من المسلم فيه بقدره مثل: إن كان العيب ينقص عشر قيمته؛ فتسقط عشر المسلم فيه، وإن كان في الذمة فعينه. فإن كان في المجلس يُغرم ما تلف عنده
[ ٣ / ٣٦٠ ]
ويستبدل، وإن كان بعد التفرق، فإن جوزنا الاستبدال فكذلك، وإن لم نجوز، فيسقط من المسلم فيه بقدره؛ كما في المعين.
فصل في وجوب المساواة بين الربويات عند اتحاد الجنس
رُوي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ- استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله - ﷺ -: أكل تمر خيبر هكذا فقال: لا، والله يا رسول الله: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث؛ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تفعل، بيع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا.
لايجوز أن يبيع مال الربا بجنسه، ويأخذ فضلًا إلا بواسطة عقد آخر، مثل: إن أراد بيع دينار صحيح بدينار ودانق مكسر، يبيع الدينار بالدراهم، أو بثوب، ثم بعد ما تقابضا وتفرقا أو تخايرا، يشتري بالثوب أو بالدراهم الذهب المُكسر، كما أمر رسول الله - ﷺ - عامل خيبر أن يبيع الجميع بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم الجنيب.
فلو باع الدينار بالدراهم، ثم اشترى بالدراهم الذهب المكسر قبل قبضها - لم يجز، ولو اشترى بعد قبضها قبل التفرق، أو التخاير -فالمذهب جوازه، ويصير به مجيزًا للعقد الأول.
ولو لم يتبايعا، بل أقرض الدينار الصحيح من صاحبه، واستقرض منه دينارًا ودانقًا مكسرًا، ثم أبرأ كل واحد منهما صاحبه، أو وهب كل واحد منهما ما معه لصاحبه، أو تبايعا دينارًا بدينار، ثم باع المكسر، ووهب الزيادة منه - جاز إذا لم يشترط في إقراضه أو هبته أو بيعه إقراض الآخر أو هبته؛ فإن فعل، لم يصح واحد منهما.
ولو باع حُليا من فضة بفضة لا يجوز طلب الفضل للصنعة؛ لقول النبي - ﷺ-: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل".
[ ٣ / ٣٦١ ]
ولو كان معه دينار قيمته عشرون درهما؛ فباع نصفه مشاعًا من رجل بعشرة، وسلم الكل إليه، ليحصل تسليم النصف - يجوز. ولو باع كله بعشرين، ولم يكن مع مشتريه إلا عشرة دراهم، فدفعها إلى البائع، واستقرض عشرة من بائع الدينار غير هذه العشرة، ورد إليه من ثمن الدينار- يجوز.
ولو استقرض هذه العشرة التي دفعها إليه، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما لو استقرض غيرها.
والثاني: لا يجوز؛ لأن ملك بائع الدينار لم يستقر عليها. والله أعلم.
باب
بيع اللحم باللحم وبالحيوان
لحوم الحيوانات صنف واحد أم أصناف مختلفة؟
فيه قولان:
أصحهما؛ وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني - رحمة الله عليهما -: أنها أصناف مختلفة، لأنها فروع أصول مختلفة؛ كالأدقة.
والثاني: كلها صنف واحد؛ لأنها اشتركت في الاسم الأخص أول حالة دخولها في الربا اشتراكًا لا يتميز إلا بالإضافة؛ فأشبهت أنواع التمور كلها جنس واحد. وليس كالثمار؛ لأنها لم تشترك في الاسم الأخص، إنما اشتركت في الاسم الأعم ولكل صنف منها اسم على حدة؛ فكانت أجناسًا مختلفة، ولا كالأدقة؛ لأنها ليست أول حالة دخولها في الربا؛ فإن أصولها ربوية مختلفة؛ فكان حكمها حكم أصولها.
فإن قلنا جنس واحد، فلحوم جميع الحيوانات: أهليها ووحشيها، بريها وبحريها - جنس واحد.
وإن قلنا بالقول الأصح: إنها أجناس مختلفة، فلحم كل صنف جنس آخر، واختلاف النوع لا يوجب اختلاف الجنس، فلحوم الغنم ضانيها وماعزها صنف واحد، ولحوم البقر جواميسها وعرابها جنس واحد، ولحوم الإبل مع اختلاف أنواعها جنس واحد، ولحوم الإبل والبقر والغنم أجناس، والبقر الوحشي مع الأهلي جنسان، وكذلك الوعل مع المعز الأهلي.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
وفي الطيور الحمام كلها جنس واحد، وهو ل ما عَبَّ وهدر مثل: اليمام والفواخت والقُمري، والدبسي.
وقيل: كل نوع صنف آخر. والأول أصح. والعصافير مع اختلاف أنواعها صنف واحد.
وحيوان البحر مع حيوان البر صنفان، وحيوان البحر السمك مع اختلاف أنواعها صنف واحد، وفي السمك مع سائر حيوانات البحر قولان، وكذلك سائر حيوانات البحر مع اختلاف أنواعها فيها قولان:
أحدهما: كلها جنس واحد؛ لأن الكل يسمى حوتًا.
والثاني: أجناس مختلفة؛ لأن كل صنف ينفرد باسم خاص كحيوانات البر.
فإن قلنا: اللحوم أجناس مختلفة، يجوز بيع بعضها ببعض عند اختلاف الجنس متفاضلًا أو جزافًا، نيًا ومطبوخًا، رطبًا ويابسًا، يدًا بيد.
وإن قلنا: جنس واحد؛ فباع لحم حيوان بمثله، مثل: إن باع لحم الشاة بلحم الشاة - نظر: إن كانا رطبيين أو أحدهما، لايجوز؛ بخلاف الثمار يجوز بيع بعضها ببعض في قول في حالة الرطوبة؛ لأن معظم الانتفاع بها حال رطوبتها، وإن كانا قديدين يابسين يجوز متساويين في الوزن، وإن كانا مملحين فإن كان عليهما أو على أحدهما من أثر الملح ما يظهر في الوزن - لم يجز، وإلا فيجوز.
وإن كان فيهما، أو في أحدهما عم يجوز؛ على أصح الوجهين؛ كالنوى في التمر.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز، حتى يكونا منزوعي العظم؛ لأن العظم فيه ليس من
[ ٣ / ٣٦٣ ]
صلاحه؛ بخلاف النوى في التمر؛ بدليل أن بيع التمر بالتمر منزوع النوى لا يجوز، ويجوز بيع اللحم باللحم منزوع العظم.
أما إذا استخرج العظم من أحدهما، ثم بيع بما فيه العظم لا يجوز، ولا يجوز بيع المشوي منه بالمشوي ولا بالنيء. ويجوز بيع شحم البطن بشحم الهر ولحمه، متفاضلًا وجزافًا، رطبًا ويابسًا؛ لأنها جنسان، ولحم اظهر مع شحم الظهر ولحمه، متفاضلًا وجزافًا، رطبًا ويابسًا؛ لأنها جنسان، ولحم الظهر مع شحم الظهر جنس واحد، والآلية مع الشحم واللحم أجناس، وسنام البعير مع شحم ظهره وبطنه جناس، ولحم الرأس والأكارع مع لحم الظهر جنس واحد، والكبد والطحال والقلب والرئة والكرش أجناس مختلفة، واللحم معها جنس آخر.
قلت: وبيض الطيور جنس واحد، أم أجناس؟ فكاللحمان.
فصل في بيع اللحم بالحيوان
روي عن سعيد بن المسيب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
إذا باع لحم الحيوان بحيوان مأكول اللحم، لا يجوز، سواء باع بجنسه، أو بغير جنسه؛ مثل: بيع لحم الشاة بالبقر.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
روي عن ابن عباس ﵁- أن جزورًا نحرت على عهد "أبي بكر الصديق - ﵁ - فجاء رجل: "بعناق" فقال؛ أعطوني جزءًا بهذه العناق. فقال أبو بكر -﵁-: لا يصلح هذا.
ولو باع اللحم بحيوان غير مأكول من عبد أو حمار - فيه قولان:
أصحهما: وهو المنصوص في أكثر الكتب: لا يجوز، لظاهر الخبر.
وفيه قول آخر: أنه يجوز.
قلت: ولا يجو بيع سنام البعير وإليه الشاة بالحيوان؛ لأنه في معنى بيع اللحم بالحيوان، وجاء في الحديث؛ أن النبي - ﷺ -"نهى أن يباع حتى بميت".
ويجوز بيع البيضة بالدجاج؛ لأن البيضة لم تنك حية فارقها الروح.
ولو باع بيضة بدجاجة في جوفها بيض، لا يجوز؛ كبيع اللبن باللبن.
باب
ثمر الحائط يباع أصله
روي عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ- قال: "من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
[ ٣ / ٣٦٥ ]
إذا باع نخلة قبل خروج طلعها يخرج الطلع على ملك المشتري.
وإن باع بعد خروج الطلع قبل تشققه، فالطلع يدخل في مُطلق بيع النخلة.
وإن باع بعد تشقق الطلع؛ سواء أبر أو لم يؤبر - فالثمرة تبقى على ملك البائع؛ لأنها ظهرت من كمامها بالتشقق؛ فلا تتبع الأصل، إلا أن يبيعها مع النخلة؛ فيكون للمشتري؛ هذا كما أن الحمل يدخل في مطلق بيع الأم، ولو باع الأم بعد خروج الولد، لا يتبعها الولد إلا أن يبيعه معها.
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه -: الطلع لا يدخل في مطلق بيع النخلة.
وقال ابن أبي ليلى: المؤبرة تدخل. ومنطوق الحديث حجة على ابن أبي ليلى، ومفهومه على أبي حنيفة؛ ولأن ماله حالة كمون وظهور في أصل الخلقة يتبع الأصل في حال الكون، كالحمل في البطن.
ولو باع نخيل حائط بعضها مؤبرة والبعض مطلعة صفقة واحدة، يبقى الكل على ملك البائع، سواء اتفقا في النوع، أو اختلفا؛ لأن المؤبرة كاملة؛ فتستتبع الناقصة.
وقيل: إن كان النوع مختلفًا أبر أحد النوعين دون الثاني؛ فلا تستتبع، بل تدخل غير المؤبرة في البيع. والأول المذهب.
فإن أفرد المطلعة بالبيع يدخل الطلع في البيع؛ لأنه إنما يكون تبعًا للمؤبرة إذا جمع بينهما في البيع، فإذا أفرده، فلا يكون تبعًا له، بل يكون تبعًا للأصل.
ولو كان بعض نخيله مؤبرة، والبعض لم يخرج طلعه، فباع جميع الحائط؛ ففي الطلع الذي يخرج من بعد وجهان:
قال ابن أبي هريرة: يكون للمشتري؛ لأنه خرج من ملكه، ولايتبع المؤبر؛ لأنه لم يكن موجودًا يوم بيعه.
والثاني: يتبع المؤبرة ويكون للبائع؛ لأنه من ثمر عامة؛ كالطلع الظاهر.
ولو باع نخيل حائطين صفقة واحدة: ثمر أحدهما طلع، وثمر الآخر مؤبرة؛ بعضها أو كلها- فثمر الحائط الذي أبر بعضها، أو كلها، يبقى للبائع، وثمر الآخر يدخل في البيع،
[ ٣ / ٣٦٧ ]
سواء كان النوع مختلفًا أو متفقًا؛ بخلاف الحائط الواحد؛ حيث قلنا: يبقى الكل على ملك البائع؛ نفيًا للضرر عنهما باختلاف الأيدي، وسوء المشاركة.
ولو باع نخلًا فخلا مطلعًا، يدخل طلعه في البيع؛ كطلع الإناث.
وقيل: يبقى طلعه للبائع، بخلاف طلع الإناث؛ لأن المقصود من الفحل طلعه، وهو ظاهر، ومن الإناث ثمرتها، وهي غير ظاهرة، فتدخل في البيع.
ولو باع نخيل حائط بعضها فحول، وبعضها إناث قد تشقق طلع أحد النوعين، يبقى الكل على مل البائع، على ظاهر المذهب.
والكُرسف نوعان: نوع منه: له ساق يبقى سنين، يثمر كلسنة؛ مثل: كرسف "الحجاز"؛ فهو كالنخل إن باعه قبل خروج الجوزق يخرج على مل المشتري، وإن باعه بعد خروج الوزق قبل تشققه يدخل في مطلق بيع الشر، وإن باعه بعد تشققه أو تشقق بعضه يبقى الكل للبائع.
والنوع الثاني منه: زرع لا يبقى إلا سنة واحدة، فإن باعه قبل خروج الجوزق، أو بعد هرت بالخروج عن الشجرة، فتسترها بالنور تستر ثمر النخل بعد التأبير بما عليها من القشر خروجه قبل أن يتكامل فهي القطن - لا يجوز إلا بشرط القطع؛ كبيع الزرع الأخضر؛ فإذا باعه بشرط القطع، فلم يتفق القطع حتى خرج الجوزق - يكون للمشتري؛ لأن الأصل له.
وإن باعه بعد ما تشقق الوزق، جاز مطلقًا، ويدخل الكُرسف في البيع، ويبقى إلى أوان اللقاط؛ بخلاف الثمر المؤبر لا يدخل في بيع الشجرة؛ لأن شجرة النخلة مقصودة لثمرة عام قابل، وهاهنا لا مقصود إلا هذا الموجود؛ فدخل في البيع.
فإن تكامل فيه القطن، ولم يتشقق، فلا يصح بيعه؛ على أصح الوجهين، وكذلك بيعه على وجه الأرض قبل التشقق؛ لأن المقصود منه القطن؛ وهو مستتر بما ليس من صلاحه، بخلاف الجوز في القشرة السفلى [يجوز]؛ لأن القشر عليه من صلاح اللب وشجر المقل مثل النخلة، هذا كله في شجرة تخرج ثمرتها في كمام، ثم تتشقق.
أما سائر الأشجار المثمرة، فعلى أقسام:
[ ٣ / ٣٦٨ ]
قسم تخرج ثمرته ظاهرة مثل التين والعنب؛ فإن باع أصله قبل خروج الثمرة، يخرج على ملك المشتري، وإن باع بعد خروجها يبقى للبائع، وإن ظهر بعضها: فما ظهر منها للبائع، وما يظهر بعده يون للمشتري، وكذل ماتخرج ثمرتها من كمام لا يزايلها إلا عند الأكل؛ كالرمان والموز، فإن باعه بعد ظهور ثمرته يبقى للبائع، وكذلك ما تخرج ثمرته وعليها قشر لا يزايلها في أول خروجها؛ كالجوز واللوز والرانج، والفستق ونحوها، فإذا باعها قبل خروجها تخرج على ملك المشتري، وإن باعها بعد خروجها تبقى للبائع، بخلاف الطلع؛ فإنه لا يتشقق في الابتداء، ولا يكون للثمرة إدراك إلا بعد تشققه؛ فكان قبل التشقق بمنزلة غصن الشجرة بخلاف الجوز، فإن قشرته لا تتشقق، ولا يكون للثمرة إدراك إلا ببقائها عليها؛ فكان كقشر الرمان.
وقسم يكون في "نور" يتناثر منه؛ كالتفاح والكمثرى والمشمش والسفرجل؛ فإن باع أصلها بعد انعقاد الثمرة، يبقى للبائع، سواء تناثر عند النور، أو لم يتناثر. ولو باع قبل انعقاد الثمرة، يكون للمشتري، وإن خرج نورها.
وقال أبو إسحاق: إن كان بعد انعقاد الثمرة قبل أن يتناثر منه النور يدخل ف البيع، واستثارها بالنور كاستتار ثمر النخل بالطلع، والأول أصح؛ لأن الثمرة هاهنا ظهرت بالخروج عن الشجرة، فتسترها بالنور كتستر ثمر النخل بعد التأبي ربما عليها من القشر الأبيض لا يمنع بقاءها على ملك البائع.
وقسم من الأشجار يقصد ورده فهو قسمان: قسم يخرج ورده ظاهرًا كالياسمين؛ فن باع أصله قبل خروج ورده يجوز ويخرج على ملك المشتري، وإن باع بعد خروج ورده يبقى الورد على ملك البائع، وإن باعه بعد خروج بعضه فما خرج منه للبائع، وما لم يخرج على ملك المشتري.
وقسم يخرج ورده في كمام، ثم يتشقق؛ كالورد المعروف من: الأحمر، والأبيض، والأصفر؛ فإن باع أصله بعد خروجه قبل تشققه دخل في البيع، وإن باع بعد تشققه يبقى ما تشقق على ملك البائع؛ كثمرة النخلة، إلا أنهما يفترقان فيما إذا كان قد تشقق بعضه؛ ففي
[ ٣ / ٣٦٩ ]
الورد ما تشقق يبقى للبائع وما لم يتشقق يدخل في البيع، وإن كان الكل على شجرة واحدة؛ بخلاف ثمر النخل، حيث قلنا: يبقى الكل للبائع؛ لأن ما تشقق من ثمر النخل لا يقطع، بل يترك إلى إدراك الكل؛ فاستوى حكم الكل، وفي الورد ما تشقق تم إدراكه ويجتني في الحال، ولايترك إلى تشقق الباقي؛ لأنه يتناثر ويفسد؛ فكان حكم ما تشقق منه مقطوعًا عما لم يتشقق.
هذا كله كلام في الثمار.
أما أغصان الشجرة وأوراقها تدخل في مطلق بيعها.
وقال أبو إسحاق: إذا باع شجرة الفرصاد في وقت الربيع بعد خروج أوراقها تبقى الأوراق للبائع؛ لأنها مقصودة؛ كثمار سائر الأشجار.
والمذهب: أنها تدخل في البيع؛ كما لو باعها في وقت الخريف؛ وكأوراق سائر الأشجار.
ولو باع شجرة رطبة وعليها غصن يابس، لا يدخل في البيع، لأنه مما يقطع كالثمرة.
قلت: ويحتمل أن يدخل؛ لأنه جزء من أصله؛ كالصوف على ظهر الغنم.
وكل موضع حكمنا ببقاء الثمرة للبائع، يبقى إلى أوان الجُذاذ، والقطاف، إلا أن يشترط على نفسه قطعها؛ فيؤمر بالقطع؛ لأنه التزم تفريغ المبيع.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: يؤمر بقطع الثمرة في الحال إذا باع مطلقًا؛ فإن شرط التبقية إلى أوان الجذاذ، فسد العقد، فنقول: مطلق العقد يحمل على العرف والعادة، والعادة في الثمار التبقية إلى أوان الجذاذ: فلا يكلف قطعها في الحال.
كما لو باع سفينة في وسط البحر؛ فلا يُكلف [البائع بالتفريع] حتى تبلغ إلى الساحل، أو باع دارًا له فيها أمتعة يكلف تفريغها على العادة.
وإذا بلغت الثمرة أوان الجذاذ؛ وهو أن يتكامل نضجها - يكلف البائع القطع، وليس له تركه؛ حتى يستحكم، وإن كان بسرًا جرت العادة بقطعه قبل أن يرطب، كلف القطع بعد ما صار بسرًا؛ فإن كان لا يقطع إلا رطبًا، لا يكلف القطع؛ حتى يصير رُطبًا.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
وإذا احتاجت الثمرة إلى السقي، فالسقي على البائع، وليس للمشتري منعه من دخول حائطه للسقي؛ فإن لم يأتمنه نصب القاضي أمينًا يسقيها، ومؤنته على البائع، وليس للبائع من السقي إلا قدر ما فيه صلاح ثمره.
فإن كان في السقي منفعة لصاحب الثمرة والشجرة جميعًا، فلكل واحد منهما أن يسقي، فإذا امتنع أحدهما من السقي، لا يجبر عليه؛ لأنه يضر بنفسه.
فإن كان في السقي منفعة لأحدهما، ومضرة للآخر، قال ابن أبي هريرة: لمن له المنفعة أن يسقي؛ لأن الآخر قد رضي بالضرر؛ حيث أقدم على هذا العقد.
وقال أبو إسحاق: يقال لمن له المضرة: أترضى بضرر السقي؟ فإن رضي، وألا فيقال لمن له المنفعة: أترضى بترك حقك من السقي؟ فإن رضي، وألا يفسخ العقد بينهما؛ لتعذر إمضائه.
ولو امتنع البائع من السقي، والمشتري يتضرر به؛ بأن كانت الثمرة تجتلب ماء الشجر - يجبر البائع على السقي إن أمكن.
فإن لم يمكن السقي؛ لانقطاع الماء، ففيه قولان:
أحدهما: يكلف قطع الثمرة؛ دفعًا للضرر عن المشتري.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه استحق تركه إلى أوان الجذاذ، والمشتري رضي بالضرر حين أقدم على هذا العقد.
وكذلك لو أصاب الحائط عطش، والثمرة تضر بالشجرة - هل يكلف القطع؟ فيه قولان. هذا إذا كان للبائع نفع في ترك الثمرة.
فإن لم يكن له نفع، وللمشتري ضرر، يكلف القطع.
فصل في حكم اختلاط الثمار المبيعة بغيرها
إذا باع ثمرة على شجرة بعد بدو الصلاح - والشجرة تثمر في السنة مرتين كالتين ونحوه - نظر: إن علم أن الحمل الثاني إذا خرج لا يختلط بالأول، أو إذا اختلط أمكن التمييز بين الحملين - يصح البيع مطلقًا.
وكذلك لو لم يعلم أنه يختلط، أو لا يختلط - يجوز بيعه مطلقًا. وإذا علم أن الثاني إذا خرج يختلط بالأول اختلاطًا لا يمكن التمييز بينهما - فلا يصح البيع إلا بشرط أن يقطع المشتري ثمرته عند خوف الاختلاط.
[ ٣ / ٣٧١ ]
فإذا باع بهذا الشرط، فلم يتفق القطع، حتى خرجت الثمرة الثانية، واختلطت بالأولى؛ بحيث لا يتميز؛ فقد اختلط المبيع بغيره؛ لأن الثمرة الأولى للمشتري، والثانية للبائع- ففيه قولان:
أحدهما: يبطل البيع؛ لتعذر تسليم المبيع؛ كما لو تلف المبيع قبل القبض، ينفسخ العقد.
والقول الثاني: لا يبطل؛ لأن المبيع قائم، بل يقول الحاكم للبائع أتسمح بترك الثمرة الحادثة إلى المشتري، فإن ترك أجبر المشتري على القبول. فإن لم يسمح، يفسخ العقد بينهما.
هذا إذا باع الثمرة، فأما إذا باع الشجرة، وعليها ثمرة ظاهرة تبقى للبائع، والشجرة مما تثمر مرتين، والثانية إذا خرجت تختلط بالأولى اختلاطًا لا يتميز؛ فالثمرة الثانية تكون للمشتري - فلا يصح البيع إلا بشرط أن يقطع البائع ثمرته عند خوف الاختلاط.
فإذا باع بهذا الشرط فلم يتفق القطع؛ حتى خرجت الثانية، واختلطت بالأولى - نقل المزني - ﵀ - على قولين:
أحدهما يفسخ البيع.
والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: أتسمح بترك الثمرة القديمة إلى المشتري؟ فإن ترك أجبر على القبول، وإن لم يترك يقال للمشتري: أتسمح بترك الثمرة الحادثة إلى البائع؟ فإن ترك أجبر البائع على القبول، فإن لم يرض ينفسخ العقد بينهما؛ بخلاف المسألة الأولى، حيث قلنا: يدعى البائع إلى ترك حقه، ولا يُدعي المشتري؛ لأن المبيع هناك هو الثمرة، فإذا ترك المشتري حقه لا يبقى بمقابلة الثمرة شيء، وهاهنا المبيع هو الشجرة، فترك الثمرة الحادثة إلى البائع لا يخلي الثمن عن العوض.
فمن أصحابنا: من ذهب إلى هذا؛ أن المسألة على قولين هاهنا أيضًا، ومنهم من قال - وإليه ذهب ابن خيران: إن العقد هاهنا لا ينفسخ قولًا واحدًا؛ لأن الاختلاط لم يوجد في المبيع، بل يدعى كل واحد إلى ترك حقه قطعًا للمنازعة؛ فإن لم يترك وتنازعا؛ نظر: إن كانت الثمرة والشجرة في يد البائع، فالقول قوله مع يمينه في قدر ما يستحق المشتري، وإن كانتا في يد المشتري، فالقول قوله مع يمينه فيقدر ما يستحقه البائع. ومن قال بالأول، أجاب: بأن الاختلاط وإن لم يوجد في المبيع هاهنا، ولكن المقصود من الشجرة ثمرتها، وقد اختلط المقصود بغيره، فنزل منزلة اختلاط المبيع.
قلت: والقياس عندي: ألا يعترض على العقد في الصورة الثانية؛ لأن الاختلاط لم يوجد في المبيع، وبالفسخ لا يرتفع النزاع؛ لأن الثمرة الحادثة لا تعود إلى البائع؛ فلا معنى
[ ٣ / ٣٧٢ ]
للفسخ؛ كما لو اشترى دارًا، وفيها لكل واحد حنطة؛ فاختلطت الحنطتان- لا ينفسخ العقد في الدار، بل إذا تنازعا في المقدار، فالقول قول من في يده في نصيب الآخر؛ كما قال ابن خيران.
واختار المزني أن الاختلاط إن كان بعد القبض، لا ينفسخ العقد؛ لأن المبيع خرج عن ضمان البائع، وإن كان قبل القبض ينفسخ العقد؛ كما لو اشترى حنطة؛ فانثالت عليها حنطة أخرى للبائع بعد القبض - لا ينفسخ العقد، وإن كان قبل القبض ينفسخ العقد.
فمن أصحابنا من ذهب إلى هذا، وقال: القولان فيما إذا وُجد الاختلاط قبل القبض، وكذل الحنطة إذا انثالت عليها حنطة أخرى قبل القبض، هل ينفسخ العقد فيه قولان:
أما بعد القبض، فلا ينفسخ، بل القول قول المشتري في قدر حق البائع، لأنه صاحب اليد.
فإن كان المشتري قد أودع الحنطة من البائع بعد القبض - فالقول قول البائع فيما يستحقه المشتري؛ لأنها في يده.
ومن أصحابنا من قال: في اختلاط الثمار قولان؛ سواء كان قبل القبض أو بعده، وفي الحنطة إن كان بعد القبض لا ينفسخ قولًا واحدًا.
والفرق: أن في الحنطة تم التسليم بالقبض، وانقطعت العلائق بين البائع والمشتري؛ فلم يؤثر الاختلاط في العقد، وفي الثمار لم تنقطع العلائق بين البائع والمشتري بالتخلية، فإن للبائع دخول الحائط وتعهد النخيل بالسقي والحفظ؛ لأجل الثمرة، أو لأجل النخيل.
فالاختلاط بعد التخلية كهو قبلها، حتى قال بعض أصحابنا: لو اشترى حنطة مكايلة؛ فقبضها قبل الكيل، فانثالت عليها حنطة أخرى - ففي انفساخ العقد بينها قولان، لبقاء علقة الكيل بينهما.
ولو باع الباذنجان أو الخربز فلا يخلو إما إن باع حملهما أو أصلهما: فإن باع حملهما؛ نظر: إن كان صغارًا لم يبلغ أوان الاجتناء، لا يجوز إلا بشرط القطع في الحال. وإن بلغ أوان الاتناء أو يدا الصلاح في بعض الخربز؛ فإن كان لا يخشى خروج غيره جاز بيعه مطلقًا ويترك حتى يتلاحق الصغار، وإن كان يخشى خروج غيره؛ وهو الغالب في أمر هاتين الشجرتين - فلا يجوز إلا بشرط القطع عند خوف الاختلاط.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
فلو باع بشرط القطع؛ فلم يتفق القطع حتى خرج غيره، واختلط بالأول - ففي انفساخ البيع قولان، كالثمار.
وإن باع أصل الباذنجان والخربز؛ نظر: إن كان قبل خروج الحمل، فلا يجوز إلا بشرط القطع أو القلع؛ كالزرع الأخضر.
فلو شرط القطع، فلم يتفق القطع حتى خرج الحمل، فهو للمشتري؛ لأن الأصل له، وإن كان قد خرج نوره حالة البيع يدخل ذلك في المبيع، وإن كان بعد خروج الحمل.
قلت: يجوز بيعه مطلقًا إذا كان لا يخشى اختلاط غيره، كزرع اشتد حبه يبيعه لا يشترط قطعه على المشتري، والحمل الموجود يبقى للبائع، وما يحدث بعده يكون للمشتري. فإذا كان يخشى اختلاط الحملين، فلا يجوز إلا بأن يشرط على البائع قطع الموجود عند خوف الاختلاط.
فلو شرط [القطع] فلم يتفق القطع؛ حتى اختلط الحادث بالموجود - ففي انفساخ البيع ما ذكرنا من الطريقين في الثمار.
ولو باع القرط في الأرض، وهو القث، فلا يجوز إلا بشرط القطع أو القلع. فإن باع بشرط القلع، فلم يقلع، حتى ازداد، فما حدث يكون للمشتري؛ لأنه ملك أصله. وإن باع بشرط القطع، فليس له القلع؛ لأن ما يحدث بعده يكون للبائع، فلو لم يتفق القطع، حتى ازداد، نفي انفساخ البيع ما ذكرنا من القولين.
فإن قلنا: لا ينفسخ، يدعى البائع إلى ترك حقه فإن لم يترك يفسخ البيع بينهما، ولا يدعي المشتري إليه؛ لما ذكرنا أنه إذا ترك حقه لا يبقى بمقابلة الثمن شيء.
ومن أصحابنا من قال هاهنا: لا ينفسخ العقد قولًا واحدًا، بل إن سلم البائع حقه، وإلا فسخ العقد بينهما؛ لأن هاهنا لم تحدث ثمرة أخرى، بل زاد المبيع في نفسه زيادة غر متميزة؛ كالثمرة إذا كبرت وكالسمن في الحيوان، والكبر في الشجر؛ والأول هو المذهب أنها على قولين، وليس ككبر الشجرة والثمرة، وسمن الدابة؛ لأن ثَمَّ لم تحدث عين لم تكن، بل تغيرت صفة المبيع بزيادة غير منفصلة؛ فكانت تلك الزيادة تابعة للأصل، وهاهنا في القت حدثت أعيان لم تكن من الأغصان، والأوراق وهي منفصلة عما كان، إلا أنا لا نعرفها؛ لاختلاطها ببدل على الفرق بينهما: أن في سمن الدابة وكبر الشجرة والثمرة يجبر البائع على تسليمه مع الزيادة، ولاينفسخ البيع بينهما، وف القت لا يجبر على تسليم الزيادة، ويفسخ العقد.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
وكذلك لو باع "القصيل"؛ بشرط القطع، فلم يتفق؛ حتى ازداد وطال، أو باع شجرًا مختلفًا؛ "كالخلاف"، والقصبن بشرط القطع، حتى ازداد وطال، أو باع ورق الفرصاد في أول خرجه، بشرط القطع، فلمي قطع حتى خرج غيره، أو باع الزرع بقلًا؛ بشرط القطع حتى ازداد - ففي انفساخ البيع قولان، كالقت.
قلت: عندي إذا كانت المقاطع معلومة؛ مثل: أغصان الفراصيد يتبين مقاطعها، فما يحدث من الأوراق فوق المقطع أو أطول - يكون للمشتري. وفي القت والكراث إذا طال، إنما انفسخ؛ لأن ما يحدث من أصله الذي لم يبع غير متميز عما باع؛ لأنه لا يعرف مقاطعها بعد الزيادة.
فصل في بيان الألفاظ التي تطلق على المبيع
وتتأثر بالقرائن المنضمة إليها
إذا باع أرضًا فيها أبنية وأشجار؛ هل تدخل في البيع؟ نظر: إن قال: بعتك هذه الأرض بحقوقها، أو بما فيها دخل الكل في البيع. وإن قال: دون ما فيها، لا يدخل، وإن قال: بعتك هذه الأرض مطلقًا، نص: عن البناء والشجر يدخل في البيع، ونص فيما لو رهن أرضًا؛ أنه لا تدخل في الرهن اختلف أصحابنا فيه: منهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، فجعلهما على قولين:
أحدهما: يدخل؛ لأنها مثبتة في الأرض؛ كأجزاء الأرض.
والثاني: لا يدخل؛ لأن اسم الأرض لا يقع عليها.
ومنهم من قال: لا يدخل. وحيث قال: يدخل، أراد به: إذا قال: بعتك بحقوقها.
ومنهم من فرق بينهما - وهو الأصح - وقال: يدخل في البيع، لأن البيع قوي يزيل الملك؛ فيستتبع البناء والشجر والرهن ضعيف لا يزيل الملك؛ فلا يستتبع البناء والشجر، بدليل أن ما يحدث فيها من الأشجار بعد البيع يكون للمشتري، وما يحدث بعد الرهن لايكون مرهونًا.
أما إذا قال: بعتك هذه الدار، فما فيها من البناء يدخل في البيع، وكذلك في الرهن؛ لأن الدار اسم يقع على البناء والأرض وفي الأشجار التي فيها ما ذكرنا من الاختلاف.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
ولو قال: البستان أو هذا الكرم بما فيها من الأشجار يدخل في البيع، وفي البناء ما ذكرنا من الاختلاف، والحائط يدخل.
ولو قال: هذه الدار بستان، دخل فيه الأبنية والأشجار كلها، ولو كان وراء الدار بستان متصل بها لا يدخل، ولو قال: هذا الحائط بستان أو هذه المحوطة - يدخل فيه الحائط المحيط به والأشجار. وإن كان في وسطه بناء، فعلى الاختلاف.
ولو قال: بعتك هذه القرية، دخل فيها الأبنية، وما دار عليه الحائط من الأراضي، وفي الأشجار التي في وسطها ما ذكرنا من الاختلاف، ولا تدخل مزارعها في البيع، وإن قال: بحقوقها؛ لأن القرية اسم للأبنية، وإن قال: بمزارعها دخلت فيه.
ولو باع أرضًا، لا يدخل فيه الشرب، ومسيل الماء. فإن شرط، أو قال: بحقوقها دخل.
ولو باع أرضًا، وفيها زرع؛ نظر: إن كان زرعًا لايُجز مرارًا وليست له ثمرة بعد ثمرة؛ كالحنطة والشعير ونحوها- لا يدخل في البيع؛ لأنه ليس للتأبيد كالمنقولات.
ويصح بيع الأرض؛ بخلاف الدار المكراة لا يصح بيعها في قول؛ لأنها تحت يد حائلة، والأرض هاهنا في يد البائع أمكنه تسليمها؛ غير أنها مشغولة بمنقول للبائع؛ فيلزمه تفريغها على العادة؛ وهي بعد بلوغه أوان الحصاد.
ولا خيار للمشتري إن كان عالمًا بالزرع، وإن كان جاهلًا فله الخيار، فإن أجاز فلا أجرة له على البائع لمدة بقاء الزرع فيها؛ لأن منفعة تلك المدة وقعت مستثناة للبائع؛ كما لو باع دارًا مشغولة بالمتعة لا يستحق المشتري أجر مثل مدة التفريغ.
فإذا بلغ الزرع وان الحصاد، كلف البائع قطعة، وإن كان في تركه زيادة. فإذا قطعه؛ نظر: إن لم يكن عروقها مضرة بالأرض لم يكلف قلعها، وإن كانت مضرة بالأرض؛ كالذرة كلف قطع العروق، وعليه تسوية الأرض، لأنه نقص دخل الأرض، لتخليص ملكه، كما لو كان في الدار المبيعة متاع كبير يضيق باب الدار عنه - ينقض الباب، وعلى البائع ضمانه.
وإن كان فيها النواة بذرت للنبت تدخل في البيع؛ على ظاهر المذهب؛ كالأشجار.
وإن كان فيها زرع يُجز مرارًا القت والنعناع والطرخون والكرفس والقصب
[ ٣ / ٣٧٦ ]
الفارسي، ونحوها - فالجزة التي هي ظاهرة حالة البيع تبقى للبائع، وأصله: هل يدخل في البيع كالأشجار؛ فإن قلنا: يدخل، فلا يجوز؛ حتى يشترط البائع على نفسه قطع ما هو ظاهر منه، لأنه يزيد؛ فيختلط المبيع بغير المبيع.
وكذلك لو كان فيها اشجار خلاف يقطع من وجه الأرض كل مدة - فهي كالقصب الفارسي. أما إذا كان فيها جذوع خلاف عليها قوائم، فهي بمنزلة أغصان سائر الأشجار، حكمها حكم الأصل.
وإن كان فيها زرع يثمر مرارًا النرجس والبنفسج وشجر الباذنجان والموز والكرسُف الحجازي - فما كان منها ظاهرًا في هذه الثمار حالة البيع، يبقى للبائع، والأصل يدخل في البيع، على أصح الطرق، كسائر الشجار المثمرة لا تدخل ثمارها الظاهرة في مطلق بيع الأرض، وفي الأصل اختلاف، والطلع يتبع الأصل، والكرسف الخراساني كالزرع لا يدخل في مطلق بيع الأرض.
وكذلك إذا كان فيها جزر أو فجل أو سلق أو ثوم أو بصل - لا يدخل شيء منها في بيع الأرض.
ولو كان فيها بذر، فالبيع صحيح في الأرض، والبذر لا يدخل في الأرض، ويبقى إلى أوان الحصاد، كما ذكرنا في الزرع - وللمشتري الخيار إن كان جاهلا في فسخ البيع.
ولو كان فيها حجارة مدفونة، فلا يدخل في البيع؛ كالكنوز إن لم يكن تركها مضرًا ولا قلعها؛ بأن كان لا تنتقص قيمة الأرض، ولا يفوت في نقلها مدة لمثلها أجرة؛ فلا خيار للمشتري، وعلى البائع نقلها وتسوية الأرض.
وكذلك إن كان الترك مضرًا ولا قلعها؛ بأن كان لا تنتقص قيمة الأرض، ولا يفوت في نقلها مدة لمثلها أجرة؛ فلا خيار للمشتري، وعلى البائع نقلها وتسوية الأرض.
وكذلك إن كان الترك مضرًا دون القلع، كلف البائع النقل، ولا خيار للمشتري؛ كما لو اشترى دارًا أو استأجر - وبالوعتها منسدة، أو حشها ممتليء، أو عارٍ سطحها - فقال المشتري: أنا أنقيها، وأصلحها في زمان يسير - لا خيار له.
أما إذا كان كل واحد من الترك والقطع مضرين، فللمشتري الخيار إن كان جاهلًا؛ سواء كان جاهلًا بأصل الأحجار، أو كان عالمًا بالأحجار جاهلًا بأن قلعها مضر، فإن أجاز أو كان عالمًا بالضرر لا خيار له، وعلى البائع نقل الأحجار، وتسوية الأرض، سواء نقل قبل قبض المشتري أو بعده.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
وهل يجب ضمان نقص يبقى في الأرض بعد القلع، وأجر مثل مدة النقل نظر: ن قلع قبل قبض المشتري لا يجب؛ لأن جناية البائع على المبيع قبل قبض المشتري، كافة سماوية نصيبه؛ فإذا أجاز المشتري البيع لا يجب على البائع ضمانها.
وقيل: جناية البائع كجناية الأجنبي؛ فعلى هذا حكمه حكم ما لو قلع بعد القبض.
وإن قلع بعد قبض المشتري، يجب ضمان النقص، وأجر المثل؛ كما لو جنى على المبيع بعد التسليم يجب عليه ضمانه.
وقيل: لا يجب أجر مثل مدة النقل؛ لأنها وقعت مستناة. وفي ضمان النقص وجهان؛ سواء قلع بعد القبض، أو قبله.
ولو ترك البائع الأحجار إلى المشتري، لا يجب قبولها، ولا يسقط به خياره؛ لأن الضرر مع بقاء الأحجار موجود.
وإن كان قلع الأحجار مضرًا دون الترك، فلا خيار للمشتري إن كان عالمًا، وللبائع قلعها، وعليه تسوية الأرض. وإن كان جاهلًا، فله الخيار.
فلو ترك البائع الأحجار إلى المشتري، سقط خياره. ثم هل يكون تركها تمليكًا للمشتري، أو قطعًا للخصومة؟ فيه وجهان.
وفائدته: أن المشتري لو قلعها يومًا؛ هل يجب عليه ردها إلى البائع أم لا؟
إن قلنا: تمليك لا يجب وإلا فيجب.
وكذلك هل يجوز للبائع أن يرجع فيها بعد ما ترك؟ إن قلنا: تمليك فلا يجوز، وإلا فيجوز؛ فإذا رجع، يكون خيار المشتري باقيًا.
ولو قال البائع: أنا أقلع الأحجار، وأعطي أرش النقصان الذي يدخل الأرض - لا يسقط به خيار المشتري؛ ما لو اشترى شيئًا؛ فود به عيبًا، وقال البائع: أنا أغرم أرش العيب - لا يسقط به خياره.
ولو كان فوق الأحجار غراس؛ نظر: إن كانت الغراس موجودة يوم البيع؛ فاشتراها مع الأرض - فالضرر الراجع إلى الغراس من الأحجار كالضرر الراجع إلى الأرض في إثبات الخيار؛ فكل موضع أوجبنا ضمان نقص دخل الأرض، يجب ضمان نقص يدخل الغراس.
وإن كان الغراس أحدثها المشتري بعد الشراء، أو قلع الأحجار يضر بالغراس دون
[ ٣ / ٣٧٨ ]
الأرض - نظر: إن غرسها المشتري عالمًا بالحجار، فللبائع قلع الأحجار، ولا يجب عليه ضمان نقص دخل الغراس؛ لأن المشتري متعد بالغرس. وإن كان جاهلًا بالأحجار حالة الغرس، فهل له الخيار؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا خيار له؛ لأن الضرر لا يرجع إلى المبيع، إنما يرجع إلى الغراس؛ وهي غير مبيعة.
والثاني: له الخيار؛ لأن الضرر يعود إلى حق المبيع؛ فكان كالعائد إلى المبيع.
فإن قلنا: لا خيار له، فإن كان الضرر يعود إلى الأرض، فلا فسخ له أيضًا؛ لأن الغراس ينقص قيمة الأرض نقص بسبب الغراس، حينئذ له الفسخ.
وإذا قلع البائع الأحجار، يجب عليه أرش نقص دخل الغراس.
وإن كان فوق الأحجار زرع للبائع أو للمشتري، يترك إلى أوان الحصاد، فإن كان للبائع، لم يكن للمشتري تكليفه قلع الأحجار إن كان يضر بالزرع، وإن كان للمشتري لم يكن للبائع قلعها؛ لأن له نهاية؛ بخلاف الغراس، فإنها للتأبيد.
ولو باع دارًا، فيدخل فيها كل ما هو مثبت فيها للتأبيد، مثل: السقوف، والأبواب المنصوبة، والإسطوانات الراسخة، والحجلة والمعاليق المثبتة، والأحجار التي في طيء البئر، وأساس الجُدر، ولا يدخل في البيع ما فيها من المنقولات، كالأقفال والسلاليم غير المسمرة والسرر، والرفوف غير المطينة، والكنوز والدفائن.
أما ما كان مثبتًا لا للتأبيد؛ كالسلالم المثبتة، والرفوف المثبتة، والخوابي وإجانة القصار ومعجن الخباز، ومنجار الدهان، وصندوق الطحان، والأوتاد المثبتة في الأرض أو الجدر والحجر السفلاني من الرحي - ففيها وجهان:
[ ٣ / ٣٧٩ ]
أصحهما: يدخل في البيع: لأنها مثبتة فيها.
وقيل: لا يدخل؛ لأنها لم تثبت للتأبيد، إنما أثبت لكيلا تتزعزع عند الاستعمال: فإن قلنا: يدخل الحجر السقلاني من الرحى، ففي الفوقاني وجهان:
أحدهما: لا يدخل، لأنه منقول.
والثاني: وهو الأصح: يدخل؛ لأنه لا يتم الانتفاع بالمثبت إلا به.
وكذلك ألواح الدكان، ومفتاح المغلاق المثبت فيها وجهان.
الأصح: يدخل، ويدخل فيه البئر؛ كالسرداب، ولا يدخل الرشا والدلو والبكرة، وفي صندوق رأس البئر وجهان.
أصحهما: يدخل.
أما ماء البئر؛ فعلى قول أبي إسحاق: لا يكون ملكًا ما لم يُحرزه في إناء؛ بدليل أنه يباح لمستأجر الدار أن ينتفع به، بل صاحب الدار أحق به من غيره؛ فإن أحرزه غيره ملكهن وليس لمالك الدار انتزاعه منه؛ فعلى هذا يصير المشتري أحق بذلك الماء من البائع.
وقال ابن أبي هريرة: الماء في البئر مملوك لمالك الدار؛ كالحشيش الذي ينبت في ملكه. نص عليه في القديم؛ فعلى هذا: لا يدخل في مطلق بيع الدار، وما هو ظاهر منه حالة البيع من غير شرط، لأنه منقول، وما يظهر بعد البيع يون للمشتري، وعلى هذا: لا يصح البيع، حتى يشترط أن الظاهر من الماء للمشتري؛ لأنه إذا لم يشترط يختلط ماء البائع بماء المشتري؛ فينفسخ البيع.
وإن كان في الدار معدن؛ نظر: إن كان من المعادن الباطنة؛ كالذهب والفضة ونحوهما - دخل في البيع لأنه من أجزاء الأرض، وإن كان من المعادن الظاهرة؛ كالنفط والقير والكبريت والملح ونحوها - فهو كالماء على قول أبي إسحاق: غير مملوك، ويصير المشتري أحق به.
وعلى قول ابن أبي هريرة: هو مملوك، ولا يدخل في البيع ما هر منه إلا بالشرط.
ولو باع دارًا في سكة نافذة، لا يدخل حريمها في البيع، ولا الأشجار التي على حريمها؛ لأن حريمها ممر لعامة المسلمين.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وإن كانت في سكة غير نافذة، فيدخل الحريم فيه، ويملك المشتري منها ما يملك البائع. وفي الأشجار التي على الحريم ما ذكرنا من الاختلاف في الأرض التي فيها أشجار.
والطريق في السكة غير النافذة مشتركة بين أهل السكة؛ فلو باع واحد منهم نصيبه من الطريق، جاز إن استثنى لنفسه حق الاستطراق، وإن لم يستثن فلا طريق له إن أمكنه فتح باب في سكة أخرى. وإن لم يمكنه ففيه أوه.
أحدها: البيع باطل.
والثاني: صحيح، ولا طريق له؛ لأنه ضيع حق نفسه بترك الاستثناء.
والثالث: صحيح، وله حق الاستطراق.
ولو باع بيتًا في دار فالمشتري يستحق الممر؛ فإن شرط نفي الممر، نظر: إن أمكن فتح باب في جانب آخر صح البيع، وإلا فلا يصح.
ولو باع دارًا، واستثنى لنفسه بيتًا، فله الممر، وإن نفى الممر؛ نظر: إن أمكن اتخاذ ممر في موضع آخر، جاز.
وإن لم يمكن، فيه وحهان:
أحدهما: لم يجز، ما لو باع، ونفى الممر.
والثاني: جاز، ولا ممر له؛ لأنه لا يعود ضرره على المبيع، والبائع بخس بحقه؛ حيث نفى الممر. والله أعلم.
باب
الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار
رُوي عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ-: "نهى عن بيع الثمار، حتى يبدو صلاحها".
وعن أنس - ﵁أن رسول الله - ﷺ -: "نهى عن بيع الثمار؛ حتى
[ ٣ / ٣٨١ ]
تزهى". قيل يا رسول الله: وما تُزهى؟ قال: "حتى تحمر".
وقال - ﷺ-:"أرأيت إذا منع الله الثمرة؛ فبم يأخذ أحدكم مال أخيه".
ذكرنا في الباب الأول: بيع الأصول، وهذا الباب في بيع الفروع.
إذا باع ثمرة على الشجرة دون الشجرة، نظر: إن كان قبل بُدو الصلاح فيها، فلا يجوز إلا بشرط القطع، فلو باع مطلقًا أو بشرط التبقية، لا يصح البيع.
وإن كان بعد بدو الصلاح، يجوز مطلقًا وبشرط القطع؛ سواء كان أصل هذه الثمرة مما يدوم؛ كالنخيل والأعناب والتفاح ونحوها، أو لا يدوم، كالبطيخ والباذنجان.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: يجوز بيعها مطلقًا قبل بدو الصلاح وبعده، ولا يجوز بشرط التبقية في الحالين، والخبر حجة عليه، حيث فرق النبي - ﷺ - بين ما قبل بدو الصلاح وبعده.
والفرق بين الحالين: إن قبل بدو الصلاح يخشى هلاكها بورود العاهة عليها؛ لصغرها ورقة نواتها؛ فإذا تلفت، لا يبقى بمقابلة الثمن شيء؛ وذلك معنى قول النبي - ﷺ -: "أرأيت إذا منع الله الثمرة؛ فبم يأخذ أحدكم مال أخيه"؟
وإذا باع بشرط القطع جاز؛ لأنه إذا قطعها لا تأتي عليها الآفة، وبعد بدو الصلاح يأمن من العاهة في الغالب، لكبرها وغلظ نواتها؛ فلم يمتنع بيعها مطلقًا.
وإنما ألحقنا المطلق بشرط التبقية؛ لأن مطلق العقود يحمل على العادة، والعادة في الثمار التبقية.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ونعني ببدو الصلاح: أن يظهر فيها أثر النضج؛ فإن كانت الثمرة ذات لون، فحتى يظهر فيها أثر لونها من حمرة، أو صفرة، أو سواد.
فإن لم يكن لها لون العنب الأبيض؛ فحتى تنمو وتلين، ويظهر فيها أثر الحلاوة، وتزول عنها [العفوصة والحموضة].
وإن كان زرعًا، فحتى يشتد حبه، وبدو الصلاح في الخوخ والكمثرى والمشمش والإجاص والتفاح-: أن يطيب؛ بحيث يستطاع أكله، وفي البطيخ: أن يرى فيه أثر النضج، وفي القثاء: والقثد أن يتناهى في الكبر، وتكمل، بحيث يُجتنى في الغالب، وكذلك الباذنجان.
ولا اعتبار بالأكل في القثاء والباذنجان، لأنه يستطاب أكله صغارا؛ فلا يجوز بيعه في تلك الحالة مطلقًا؛ بخلاف الخوخ والتفاح.
وإذا بدا الصلاح في بعض الثمر دون البعض، سواء كان في بعض الحبات أو في شجرة دون أخرى، جاز بيع كلها مطلقًا؛ سواء كان النوع واحدًا أو مختلفًا، وبدا الصلاح في أحد النوعين.
وقيل: إذا كان النوع مختلفًا، وبدا الصلاح في أحد النوعين دون الثاني يشترط القطع في النوع الذي لم يبد فيه الصلاح؛ كما لو كان الجنس مختلفًا.
هذا إذا جمع بينهما في البيع، فإذا أفرد بالبيع ما لم يبد فيه الصالح، فلا يجوز إلا بشرط القطع؛ لأن الناقص غنما يتبع الكامل إذا مع بينهما في العقد.
أما إذا كان الجنس مختلفًا؛ كالعنب مع الرطب، وبدا الصلاح في أحدهما دون الآخر؛ فباعهما - لا يجوز؛ حتى يشترط القطع فيما لم يبد فيه الصلاح.
ولو باع ثمر حائطين بدا الصلاح في أحدهما دون الآخر صفقة واحدة - فلا يجوز؛ حتى يشرط القطع فيما لمي بد فيه الصلاح وإن كان النوع واحدًا.
وقال مالك -رحمة الله عليه -: بدو الصلاح في نوع من الثمار بمنزلة بدوه في أجناسه في البلد.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
أما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح فيها مع الشجرة، يجوز مطلقًا، تبعًا للشجرة؛ ولأن الثمرة إذا هلكت بالآفة، تبقى الشجرة بمقابلة الثمن.
ولو باع الثمرة مع الشجرة بشرط القطع، لا يجوز؛ لأنه يمنعه من التصرف في ملكه؛ وهو تبقية الثمرة على شجرته.
ولو كانت الثمرة لواحد، والشجرة لآخر؛ فإن باع الشجرة بعد خُروج الثمرة؛ فبقيت الثمرة للبائع، ثم باع مالك الثمرة الثمرة من مالك الشجرة قبل بُدو الصلاح - فلا يجوز إلا بشرط القطع، وإن كان يجمعهما مِلك مالك واحد؛ لأنه أفرد الثمرة بالبيع، فلو تلفت، لا يبقى بمقابلة الثمن شيء.
وإذا باع بشرط القطع، يجوز للمشتري تبقيتها؛ لأن الأصل ملكه، وشرط القطع كان لحقه؛ حتى لا يذهب ماله بالآفة؛ فإذا رضي به، فله ذلك.
وكذلك لا يجوز بيع الزرع البقل إلا بشرط القطع، ولو باعه بعد اشتداد الحب وحبه ظاهر يجوز مطلقًا، وبشرط القطع.
ولو باعه مع الأرض، يجوز مطلقًا؛ سواء كان قبل اشتداد الحب أو بعده، ولو شرط القطع لا يجوز.
ولو باع الزرع البقل من مالك الأرض، لا يجوز إلا بشرط القطع، ثم يجوز للمشتري تبقيته؛ لأن الأصل ملكه.
فلو استأجر أرضًا سنة للزراعة؛ فزرعها، ثم بعد مي ستة أشهر باع الزرع البقل من مال الأرض بشرط القطع - فللبائع تكليفه القطع في الحال؛ لأن الأرض في إجارته؛ لينتفع بها بقية المدة.
وكذلك لا يجوز بيع القت والبقول في الأرض دون الأرض، إلا بشرط القطع أو القلع؛ سواء كان ذلك مما يجز مرارًا، أو لا يُجز إلا مرة واحدة، غير أن ما يُجز مرارًا إذا باعه بشرط القطع لا يجوز قلعه؛ لأنه لم يملك الأصل، وما لا يُجز إلا مرة واحدة يجوز، وإن باعه مع الأرض يجوز مطلقًا.
وإذا باع الثمرة قبل بُدو الصلاح، أو الزرع البقل؛ بشرط القطع - فللبائع مطالبته بالقطع؛ فلو سامح وترك إلى أوان الجُذاذ والحصاد، جاز.
وكذلك لو باع الشجرة أو الأرض، أو أجر الأرض منه بعد بيع الثمرة والزرع - يجوز للمشتري تبقيتها.
ولو باع ورق الفرصاد قبل أن يتناهى، لا يجوز إلا بشرط القطع، وإن كان بعد ما
[ ٣ / ٣٨٤ ]
يتناهى يجوز مطلقًا؛ وبشرط القطع، ثم يلتقطه المشتري وليس له قطع الأغصان. ولو باع مع الأغصان، يجوز إذا بين مقاطعها.
قلت: وإذا باع الغصن، دخل فيه ما عليه من الأوراق.
ولو باع نصف الثمرة مشاعًا قبل بدو الصلاح، أو نصف الزرع البقل - لا يصح؛ لأن بيعه في هذه الحالة لا يجوز إلا بشرط القطع، ولا يمكن قطع نصفه إلا بقطع الكل؛ فكأنه يلتزم ضررًا في غير البيع، كما لو باع نصف سيف معينًا لا يجوز.
فإن باع نصفه مع الشجرة أو مع الأرض، يجوز، ولو باع نصفه بعد بدو الصلاح دون الأرض مطلقًا يجوز، ولا يجوز بشرط القطع.
ولو كان الزرع البقل والأرض مشتركًا بين رجلين؛ فباع أحدهما نصيبه من الزرع من صاحبه -لا يجوز، وإن شرط القطع.
ولو باع مع نصيبه من الأرض، جاز.
ولو باع أحدهما نصيبه من الزرع بنصيب صاحبه من الأرض - لا يجوز مطلقًا، ويجوز بشرط القطع، ثم على مشتري الزرع قطع جميعه، لأنه لما شرط قطع نصفه، ولا يتأتى ذلك إلا بقطع الكل - فكأنه التزم تفريغ الأرض لمشتريها؛ كما لو اشترى أرضًا وفيها زرع بقل، يبقى للبائع، ويبقى إلى أوان الحصاد؛ فلو شرط القطع في البيع، يجب قطعه.
ولو باع شجرة وعليها ثمرة، لم يبد فيها الصلاح، تبقى للبائع من غير شرط القطع، ويبقى إلى أوان الجذاذ، وكذلك الزرع البقل في الأرض؛ حتى لو باع نخله مطلعة، واستثنى الطلع لنفسه - جاز من غير شرط القطع، ويبقى إلى الإدراك؛ لأنه استدامة ملك؛ فإن شرط على نفسه القطع، يكلف القطع.
ولو باع شجرة يابسة في الأرض، يكلف نقلها، وإن كانت رطبة تبقى أبدًا، إلا أن يبيع بشرط القلع، فيكلف القلع.
وإذا باع مطلقًا، لا يدخل المغرس في البيع؛ لأنه لم يبع الأرض.
وكذلك لو باع أرضًا، واستثنى لنفسه شجرة فيها تبقى أبدًا، ولا يبقى له الغرس؛ حتى لو قلع الشجرة يومًا يكون مكانها لمشتري الأرض.
وعند أبي حنيفة: يدخل المغرس في البيع؛ وقال به بعض أصحابنا؛ ولا يصح ذلك.
وإذا باع ثمرة على شجرة بعد بدو الصلاح أو باع الزرع بعد اشتداد الحب - يبقى إلى
[ ٣ / ٣٨٥ ]
أوان الجذاذ والحصاد، ويجب السقي على البائع إلى أن يتم إدراكه؛ سواء كان قبل التخلية أو بعدها؛ لأن التسليم واجب عليه، والسقي من تتمة التسليم؛ فهو كالكيل في المكيل، والوزن في الموزون يكون على البائع.
ولو شرط السقي على المشتري، أو الكيل أو الوزن - يبطل العقد؛ لأنه خلاف قضية العقد.
أما الجُذاذ والصاد يكون على المشتري؛ لأنه بمنزلة التسليم، وليس للبائع من السقي إلا مقدار ما يسلم الثمرة من التلف.
فصل في اشتراط ظهور المقصود من الثمار والزروع عند البيع
إذا باع ثمرة لا حائل دونها؛ كالعنب، والتين، والتفاح، والكمثرى - يجوز؛ سواء باعها على الشجرة، أو على وجه الأرض.
وكذل ما له كِمام واحد لا يزايله إلا عند الأكل؛ كالرمان، والبطيخ، والموز ونحوها.
أما ماله كمامان يزايله أحدهما، ويبقى الآخر إلى وقت الأكل؛ كالجوز، واللوز، والفستق والرانج ونحوها - يجوز بيعها في القشرة السفلى؛ لأنها من صلاحه، ولا يجوز في القشرة العليا؛ لا على القشرة، ولا على وجه الأرض؛ لتستر المقصود بما ليس من صلاحه.
وفيه قول آخر: أنه يجوز بيعها في حال الرطوبة في القشرة العليا؛ لأن رطوبتها مقصودة وبقاؤها في القشرة العليا.
وكذلك الفُول يجوز بيعه في القشرة السفلى بكل حالٍ، ولا يجوز في القشرة العليا؛ على الأصح.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وفيه قول آخر: أنه يجوز في حال الرطوبة.
ولو باع اللوز في القشرة العليا قبل انعقاد السفلى، يجوز؛ لأن كله مأكول؛ كالتفاح.
قلت: وكذلك إذا باع الورد قبل التفتق، والجوزق قبل أن يتكامل فيه القطن بشرط القطع يجوز؛ لأن ما فيه لم يدرك؛ فلا يكون مقصودًا، بل المقصود منه عينه كعلف الدواب وبيع الطلع يجوز بشرط القطع.
ولو باع الزرع بعد اشتداد الحب؛ نظر: إن كان زرعًا ترى حباته في السنبلة؛ كالشعير والسلت والأرز - يجوز بيعه مع السنبلة بعد الحصاد، وقبله مع الأرض ومفردًا. وكذلك العلس؛ لأنه يدخر في كمامه، ويفسد إذا ادخر بلا كمام.
وإن كان زرعًا لا ترى حباته في السنبلة؛ كالحنطة، والذرة، والسمسم ونحوها- لا يجوز بيعها في السنبلة دون السنبلة.
ولو باعها مع السنبلة، فقولان:
في الجديد - وهو الأصح: لا يجوز؛ لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه؛ كما لو ديس الكدس؛ فباعه قبل التنقية، أو باع الحب الذي فيه - لا يجوز، وكبيع تراب الصباغة لايجوز.
وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: يجوز، لأنها تُدخر في السنبلة.
وكذلك لو باع "المُحَّ" أو العدس أو الحمص في القشرة العليا-لا يجوز؛ على أصح القولين؛ فحيث قلنا: لا يجوز، فلو باعه مع الأرض أو باع الجوز واللوز في القشرة العليا مع الشجرة -فقد قيل: لا يصح في الزرع والجوز وهل يصح في الشجرة والأرض؟ فعلى قولين:
والصحيح: أن العقد في الكل باطل؛ لجهالة أحد المقصودين.
وكذلك لا يجوز بيع الجزر والسلق والفجل والبصل والثوم في الأرض؛ لأن المقصود
[ ٣ / ٣٨٧ ]
منه ما هو في الأرض، وهو متستر، ولا ينبني على شراء الغائب؛ لأن ثم يمكنه رد المبيع بعد الرؤية بصفته، وهاهنا لا يمن.
ولو باع أوراق هذه الأشياء؛ بشرط القطع، يجوز؛ لأنها ظاهرة.
ولو قلع هذه الأشياء، ثم دفنها فباعها، فهو كبيع الغائب.
ولو باع القنبيط في الأرض قبلا لقلع، جاز؛ لأنه يون ظاهرًا، وكذلك نوع من السلجم يكون ظاهرًا على وجه الأرض؛ فيجوز بيعه.
وكذلك إذا كان بعضه ظاهرا؛ لأنه يستدل برؤية بعضه على رؤية كله.
فلو باع الأرض مع هذه الأشياء التي مقصودها في الأرض - فقد قيل: لا يصح البيع في هذه الأشياء، وفي الأرض قولان، بناء على تفريق الصفقة، والصحيح من المذهب: أن البيع في الكل باطل.
كذلك لو باع أرضًا مبذورة مع البذر، فالمذهب أن البيع باطل؛ لأن الصفقة إذا اشتملت على مقصودين، وأحدهما مجهول- لا يصح العقد في الكل؛ لأنه لا يمكن توزيع الثمن عليها. ومن جوز في الأرض أوجب عليه جميع الثمن.
وذلك على القول الذي يقول: إنه إذا باع ماله وما ليس له، وقلنا: يصح العقد فيما له وللمشتري الخيار، فإذا أجاز يجيز بجميع الثمن.
ولو باع شاة مذبوحة قبل السلخ، لا يجوز؛ سواء باعها جملة، أو باع الجلد دون اللحم، أو اللحم دون الجلد؛ لأن المقصود هو اللحم؛ وهو مجهول؛ بخلاف ما لو باع الحيوان يجوز؛ لأن المقصود عين الحيوان لا ما فيه.
ولو سلخ الجلد، ثم باع المسلوخ ظاهرًا، يجوز وإن لم ير باطنه؛ ما لو باع صبرة رأى ظاهرها.
ولو رد المسلوخ إلى الجلد، ثم باعه، فعلى قولي بيع الغائب.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
ولو باع الرءوس والأكارع قبل الإبانة - لا يجوز، وبعد الإبانة يجوز مشوية كانت أو نيئة؛ لأن الجلد الذي عليه مأكول؛ كما لو باع شاة مسموطة؛ لأن جلدها مأكول لحمها.
فصل في الاستثناء في بيع الثمار
إذا قال: بعتك مُدًّا من ثمرة هذا الحائط، لا يجوز؛ لأنه لا يدري كم اشتراه، وربما لا يحصل مُد، والمبيع ينبغي أن يكون معلوما، إما بالعيان، أو بالجزئية، أو بالوصف.
وكذلك لو قال: بعتك ثمر هذه النخيل إلا مُدا، أو إلا صاعًا - لا يصح؛ لأن الاستثناء المجهول يجعل الباقي مجهولًا.
وكذلك لو قال: بعتك نخلة من هذه النخيل، أو قال: بعتك هذه النخيل إلا واحدة ولم يعين - لا يصح.
فإذا علم بالجزئية، فقال بعتك ثلث ثمر هذه النخيل، أو قال: بعتك ثمر هذه النخيل إلا ثلثها، أو قال: إلا قدر الزكاة منها، أو قال: بعتك ثلث هذه النخيل، أو بعتك هذه النخيل إلا ثلثها - يجوز.
ولو قال: بعتك ثمر هذه النخيل بثلاثة آلاف درهم، إلا ما يخص ألفًا منها؛ فإن أراد ما يخص ألفًا بتوزيع الثمن على المثمن - يجوز؛ فكأنه استثنى الثلث.
وإن أراد ما يساوي ألفًا منها عند التقويم، لم يجز؛ لأنه مجهول.
وكذلك كل جملة معلومة من أرض أو ثوب، باع منها جزءًا شائعًا، أو استثنى جزءًا شائعًا - يجوز؛ بأن قال بعتك ربع هذا الثوب، أو قال بعتك هذا الثوب إلا ربعه.
ولو قال: بعتك عشرة أذرع من هذه الأرض، أو قال: ذراعًا من هذا الثوب نظر: إن كانت الذرعان معلومة، مثل: إن كانت الأرض مائة ذراع، أو كان الثوب عشرة أذرع - جاز، وجعل كأنه باع عشرة شائعًا.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز. وإن كانت الذرعان مجهولة، لا يصح.
ولو قال: بعتك ثلث هذه الصبرة، أو قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة إلا ثلثها - يصح.
ولو قال: بعتك صاعًا من هذه الصبرة بكذا، أو قال: عشرة آصعٍ منها؛ كل صاع
[ ٣ / ٣٨٩ ]
بدرهم -نص الشافعي - ﵁ - على جوازه.
واختلف أصحابنا فيه: منهم من قال- وهو الأصح-: يجوز، سواء كانت الصيعان معلومة أو مجهولة، والمبيع صاعًا منها لا بعينه؛ حتى لو تلف جميعها إلا صاعًا تعين العقد فيه؛ بخلاف ما لو باع صاعًا من ثمر النخيل، لا يجوز؛ لأنها تختلف، وأجزاء الصبرة الواحدة قل ما تختلف، والبائع إن شاء سلم الصاع من أعلى الصبرة، أو من أسفلها [يحوز] وإن لم يرها المشتري؛ لأن رؤية بعضها كرؤية كلها.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هذا البيع، إلا أن تكون الصيعان معلومة؛ فيكون المبيع جزءًا شائعًا منها؛ مثل: إن كانت عشرة آصع؛ فيكون المبيع عشر الصبرة.
ولو تلف بعض الصبرة، يتلف من المبيع بقدره، فإن تلف نصفها، فيتلف نصف المبيع، وهذا هو القياس؛ كما لو قال بعتك هذه الصبرة غلا صاعًا منها، لا يجوز، إلا أن تكون الصيعان معلومة، فيكون المستثنى جزءًا شائعًا، وكما لو باع ذراعًا من ثوب أو من أرض، لا يصح ما لم تكن الذرعان معلومة. وهذا القائل حمل النص على ما إذا كانت الصيعان معلومة.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع منها بدرهم، أو هذا الثوب كل ذراع منه بدرهم، أو هذه الأرض كل ذراع بدينار - يجوز، سواء علما عدد الصيعان والذرعان، أو جهلًا؛ لأنه وجه العقد على جميع الصبرة. والثمن يصير معلومًا بالكيل والذرع.
وكذلك لو قال: بعتك هذه الأغنام بكذا، لا يجوز؛ وإن كان يعرف عدد الكل؛ لأنها معدودة تختلف قيمتها؛ فلا يدري كم العشرة من جملتها؛ بخلاف الأرض أو الثوب يبيع منها عشرة أذرع.
ولو قال: بعتك من هذه الصبرة؛ كل صاع بدرهم - لا يصح؛ لأنه لم يبع جميع الصبرة، غنما باع بعضها، ولم يبين قدر ما باع.
ولو باع موضعًا معينًا من الأرض؛ فقال: بعتك من هاهنا إلى ذلك الموضع في جميع العرض- جاز.
ولو قال: بعتك من هاهنا عشرة أذرع؛ فإن أشار إلى المنتهى، جاز، وإن لم يُشر فوجهان:
[ ٣ / ٣٩٠ ]
أحدهما: يصح؛ لأنه يعلم المنتهى بالذرع.
والثاني: لا يصح؛ لأنه قد ينتهي إلى موضع جيد ورديء؛ فيختلفان.
ولو باع ذراعًا معينًا من ثوب؛ فإن كان الثوب نفيسًا، لم يجز؛ لأن البائع لا يقدر على تسليمه إلا بضرر يدخل عليه من غيره. وإن كان صفيقًا لا ينتقص بالخرق، جاز كالأرض.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم؛ كل صاع بدرهم، أو هذه الأرض بعشرة دنانير؛ كل ذراع بدينار؛ فن خرج كما زعم، صح البيع، وإن خرج زائدًا أو ناقصًا، فعلى قولين:
أحدهما - وهو الأصح-: لا يصح العقد؛ لأن الإشارة إلى الصبرة يقتضي تسليم جميعها؛ وتسمية الثمن تقتضي تسليم كله. وإذا خرج زائدًا يقتضي تسليم بعضها، وإذا خرج ناقصًا يقتضي تسليم بعض الثمن؛ فيفسد العقد؛ للتناقض.
والثاني: يصح؛ لأنه باع تلك الصبرة؛ فعلى هذا إن خرج ناقصًا، فللمشتري الخيار؛ فإن إجاز، بكم يجيز؟ فيه وجهان:
أحدهما: [يجيز] بجميع الثمن؛ لأنه قابل الصبرة به.
والثاني: بحصته؛ لأنه قابل كل صاع بدرهم؛ وإن خرج زائدًا، فالزيادة لمن تكون؟ فيه وجهان:
أظهرهما: للمشتري؛ لأنه اشترى جميع الصبرة، فعلى هذا لا خيار له.
وفي البائع: وجهان:
أصحهما: لا خيار له؛ لأنه رضي ببيع كل الصبرة بما سمي.
والوجه الثاني: الزيادة للبائع؛ فعلى هذا: لا خيار له، وفي المشتري وجهان:
أصحهما: له الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع الصبرة.
فأما إذا قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة؛ على أنها عشرة آصع، أو هذا الثوب بعشرة؛ على أنها عشرة أذرع، أو هذه الأرض بألف؛ على أنها جريبان - فإن خرج - كما زعم - صح البيع، وإن خرج ناقصًا، يصح وللمشتري الخيار. فإن أجاز أجاز بجميع الثمن؛ لأنه جعل الثمن عشرة، ولم يقابل كل صاع بدرهم؛ فوجود النقصان فيه كعيب يوجد بالمبيع؛ فله الخيار فيه.
فإن أجاز، فعليه كل الثمن، ولو خرج زائدًا فيه قولان:
[ ٣ / ٣٩١ ]
أحدهما: لا يصح البيع.
والثاني: يصح، وللبائع الخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز، وكله للمشتري.
قلت: الصحيح عندي في هذه الصورة إذا خرج زائدًا أن العقد يصح على جميعها بما سمي من الثمن؛ لأنه لم يقابل كل صاع بدرهم، ولا خيار للبائع؛ فوجود الزيادة فيها نقص يشترطه البائع بالمبيع؛ فلم يكن؛ كما أن وجود النقصان فيها بمنزلة سلامة يتوهمها المشتري؛ فلم تكن.
فصل في وضع الجوائح
رُوي عن جابر - ﵁ - أن رسول الله -ﷺ - "نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح".
وأراد ببيع السنين: بيع ما يثمر نخله سنين لا يجوز؛ لأنه بيع ما لم يُخلق.
إذا باع ثمرة على الشجرة بعد بُدو الصلاح؛ فأصابتها جائحة من حر أو برد أو حريق أو ريح أو جراد - نظر: إن كان قبل التخلية يكون من ضمان البائع: فإن تلف كلها ينفسخ البيع، وإن تلف بعضها ينفسخ في ذلك القدر، وفي الباقي قولان:
أصحهما: لا ينفسخ، وللمشتري الخيار، وإن أجاز يجيز بحصته من الثمن.
وإن كان بعد التخلية؛ فمن ضمان من يكون؟
فيه قولان: قال- في الجديد؛ وبه قال أبو حنيفة -: يكون من ضمان المشتري؛ لأن بالتخلية حصل التسليم؛ كما لو هلك المبيع بعد القبض. والدليل عليه: قول النبي - ﷺ-:
[ ٣ / ٣٩٢ ]
"أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه".
ولو كانت الجائحة من ضمان البائع، لم يكن آخذًا لمال أخيه؛ لأنه يجب عليه رد الثمن.
وقال في القديم: يكون من ضمان البائع؛ لحديث جابر بن عبد الله؛ أن النبي - ﷺ - "أمر بوضع الجوائح"، ولأن بالتخلية لم تنقطع العلائق بين البائع والمشتري؛ فإنه يجب على البائع السقي؛ حتى تدرك الثمار؛ فهو كما لو أكرى دارًا، وسلمها إلى المكتري، فانهدمت في خلال المدة، يكون من ضمان المكري.
ومن قال بالأول، حمل الحديث على الندب والاستحباب، أو على ما إذا أصابته الجائحة قبل التخلية.
فإن جعلناه من ضمان البائع؛ فتلف بعضها، ينفسخ العقد فيه، وفي الباقي قولان
فإن قلنا: لا ينفسخ، فللمشتري الخيار: إن شاء فسخ في الباقي، وإن شاء أجاز بحصته من الثمن، كما قبل التخلية.
وقال مالك بوضع الثلث فصاعدًا، ولا يوضع ما دونه؛ لأنه قليل لا يخلو عنه الثمرة.
ولو فات بعضها بجناية آدمي؛ بأن غصب أو سرق بعد التخلية - فيكون من ضمان المشتري قولًا واحدًا؛ لأن الاحتراز عنه ممكن بإقامة الحُراس؛ ولأنه يمكنه الرجوع على الجاني بالضمان؛ بخلاف ما لو أصابته آفة سماوية.
ولو أصاب الثمرة عطش بانقطاع الماء؛ فتلف بعض الثمرة، أو كلها بعد التخلية:
فقد قيل: فيه قولان:
وقيل؛ وهو الأصح-: يكون من ضمان البائع قولًا واحدًا؛ لأن السقي على البائع، فهو نقص حدث بسببه.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
ولو باع الثمرة؛ بشرط القطع، فلم يقطعها بعد التخلية؛ حتى أصابتها جائحة- فمن ضمان من تكون؟
قيل: فيه قولان؛ كما ذكرنا.
وقيل: يكون من ضمان المشتري قولًا واحدًا؛ لأن التفريط من جهته بترك القطع؛ ولأنه لا عُلقة بينهما؛ لأنه لا يجب السقي على البائع. وقيل هاهنا تكون من ضمان البائع قولًا واحدًا؛ لأن ما شرط فيه القطع، فقبضه يكون بالقطع والنقل، فإذا تلف قبله يكون كتلف المبيع قبل القبض.
ولو باع الثمرة مع الشجرة؛ فأصابت الثمرة جائحة بعد التخلية -يكون من ضمان المشتري قولًا واحدًا؛ بخلاف ما لو باع الثمرة وحدها؛ لأن ثم لم تنقطع العلائق بينهما؛ لاتصال الثمرة بملك البائع، وهاهنا بخلافه.
ولو تلفت الثمرة قبل التخلية، بطل العقد [في الثمرة]. وفي الشجرة قولان.
أما إذا باع نخلة مطلعة، فتلف الطلع قبل التخلية: فإن قلنا: الطلع له قسط من الثمن، فالكثمرة المؤبرة.
وإن قلنا: لا قسط له، فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز بجميع الثمن؛ كما لو حدث بالمبيع عيب قبل القبض.
فصل في تلف المبيع قبل القبض
إذا باع شيئًا، فالمبيع في يد البائع مضمون عليه بالثمن؛ حتى لو تلف في يده ينفسخ العقد، ويسقط الثمن.
وقال مالك وأبو ثور: يدخل المبيع في ضمان المشتري بمجرد العقد، ويكون أمانة في يد البائع؛ حتى إذا تلف لا شيء عليه، وعلى المشتري الثمن.
وعندنا: لو تغيب المبيع من يد البائع فالمشتري بالخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز وعليه جميع الثمن.
ولو اشترى أرضًا فغرقها بحر قبل القبض، أو ركبها رمل - فللمشتري الخيار.
وقيل: ينفسخ العقد؛ كما لو تلف المبيع. ومن قال بالأول، قال في التلف: وقع اليأس عز
[ ٣ / ٣٩٤ ]
التسليم، وهاهنا لم يقع [اليأس].
ولو اشترى درة فوقعت في لجة البحر - ينفسخ العقد، ولو وقعت في موضع يتصور إخراجها، أو اشترى عبدًا؛ فنهبه العساكر أو أبق - فالصحيح أن العقد لا ينفسخ، وللمشتري الخيار.
وقيل: ينفسخ.
أما إذا غصبه غاصب معلوم، فلا ينفسخ، وله الخيار. وإذا أجاز، لا يجب تسليم الثمن، وإن كان قد سلم.
قال الشيخ القفال: ليس له أن يسترده؛ فيحبسه على تسليم المبيع؛ لأنه يمكنه فسخ البيع، وإن أجاز، ثم بدا أن يفسخ، له ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة؛ كما لو انقلع المسلم فيه، فأجاز، ثم بدا له أن يفسخ، فله ذلك.
ولو جحد البائع العين قبل التسليم، فللمشتري أن يفسخ البيع؛ لتعذر الوصول إليه؛ كما في الإباق.
أما إذا تلف المبيع قبل القبض بجناية جاني -نظر: إن أتلفه المشتري، صار قابضًا، واستقر عليه الثمن؛ لأن القبض مستحق له؛ فجعل إتلافه كقبضه، وإن أتلفه أجنبي، لا ينفسخ العقد، على الصحيح من المذهب، والمشتري بالخيار: إن شاء فسخ البيع، والبائع يرجع بقيمته على المتلف، وإن شاء أجاز، وأدى جميع الثمن، وأخذ القيمة من المتلف.
وفيه قول آخر: إن العقد ينفسخ بفوات التسليم؛ كما لو تلف.
وإن أتلفه البائع، فالمذهب أن العقد ينفسخ؛ كما لو تلف بآفة سماوية؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فإذا أتلفه سقط الثمن.
وفيه قول آخر: أن إتلافه كإتلاف الأجنبي لا ينفسخ به البيع، وللمشتري الخيار: فإن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز، وأدى الثمن، وأخذ القيمة.
ولو جنى على المبيع قبل القبض؛ بأن كان عبدًا؛ فقطعت يده - نظر: إن قطعها المشتري، يستقر عليه من الثمن بنسبة ما انتقص من قيمته؛ فن انتقص نصف قيمته يستقر عليه نصف الثمن، وإن انتقص أقل أو أكثر، فبتلك النسبة من الثمن، ولا خيار له بسبب هذه الجناية؛ لأنه حصل بفعله.
قلت: ولا رد له بعيب قديم يجده؛ لأنه تعيب في ضمانه.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
ولو اندملت الجراحة، وهلك العبد قبل القبض - انفسخ العقد، وعلى المشتري ما استقر عليه بالجناية من الثمن.
وإن قطع يده أجنبي، فعلى الأجنبي نصف قيمته وللمشتري الخيار؛ فن فسخ البيع أخذ البائع من الجاني نصف القيمة، وإن أجاز فعليه جميع الثمن للبائع، ورجع على الجاني بنصف القمية، بخلاف المشتري؛ حيث أوجبنا عليه ضمان ما انتقص من الثمن؛ لأن ضمان المشتري ضمان عقد ورد على مالية العبد؛ فيجب عليه من المسمى بقدر ما يقابل نقصان ماليته.
وضمان الأجنبي ضمان عدوان؛ فيجب عليه ما يجب بالتعدي.
ولو قطع البائع يده، فللمشتري الخيار: فإن فسخ البيع لا شيء له على البائع، وإن أجاز فعليه جميع الثمن، ولا شيء له على البائع؛ لأن جنايته كآفة سماوية تصيب المبيع، كما لو شُلت يده قبل القبض، وأجاز لا شيء له.
وإن قلنا: جناية البائع كجناية الأجنبي، يرجع على البائع بنصف قيمته إذا أجاز البيع، والأول المذهب.
ولو أمر المشتري صبيًا لا تمييز له، أو أعجميًا بإتلاف المبيع قبل القبض؛ ففعل - يستقر عليه الثمن؛ كما لو فعل بنفسه. ولو أمر عاقلًا مميزًا، فهو كإتلاف الأجنبي.
ولو استعمل البائع المبيع قبل القبض، لا أجرة عليه؛ على ظاهر المذهب، وإن جعلنا جنايته كجناية أجنبي يجب.
ولو باع شيئين صفقة واحدة؛ فهلك أحدهما قبل القبض - انفسخ العقد فيه.
وهل ينفسخ في الثاني؟ فيه قولان:
فإن قلنا: لا ينفسخ، فله الخيار، وإن أجاز عليه حصته من الثمن.
ولو باع نصف عبد، ثم أعتق البائع النصف الآخر قبل القبض، وهو موسر - عتق كله، وانفسخ البيع، ويسقط الثمن؛ كما لو أتلف المبيع.
وإن قلنا: جنايته كجناية أجنبي، فللمشتري الخيار؛ فإن أجاز أخذ قيمة ما اشترى؛ كما لو أعتقه البائع بعد التسليم.
ولو أن المشتري أبرأ البائع عن ضمان المبيع قبل القبض - هل يبرأ؛ حتى لو تلف يكون من ضمان المشتري، فلا ينفسخ البيع؟ فيه قولان:
أحدهما - يبرأ؛ كما لو أبرأ الغاصب عن ضمان الغصب يبرأ.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
والثاني - وهو الأصح: لا يبرأ؛ بخلاف الغصب؛ لأن ضمان الغصب ضمان جناية لحق المالك؛ فيسقط بإسقاطه، وضمان المبيع حق الشرع؛ فلا يسقط بإسقاط أحد والله أعلم.
باب المزابنة وبيع العرايا
رُوي عن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ -"نهى عن المحاقلة والمزابنة".
[ ٣ / ٣٩٧ ]
عقد المزابنة والمحاقلة باطل.
فالمزابنة: بيع الرطب على الشجرة بالتمر على وجه الأرض؛ باعتبار الخرص.
والمحاقلة: بيع الزرع بعد اشتداد الحب بجنسه نقيًا.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما المحاقلة؟ قال: المحاقلة في الحرث كهيئة المزابنة في النخل؛ سواء بيع الزرع بالقمح، قلت: أفسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني؟ قال: نعم.
أما إذا باع قصيل الحنطة قبل اشتداد حبه؛ سواء تسنبل، أو لم يتسنبل بالحنطة النقية - يجوز؛ لأن القصيل غير مأكول؛ كبيع التبن بالحنطة يجوز.
وعند مالك - ﵀ -: المحاقلة استكراء الأرض بالثلث والربع، والمزابنة:
[ ٣ / ٣٩٨ ]
ضمان الصبرة بقدر معلوم؛ مثل: أن يقول: أضمن ل صبرتك هذه بعشرين صاعًا، فإن زاد فلي، وإن نقص فعلي؛ وهذا بالاتفاق حرام؛ لأنه قمار ومخاطرة.
وما ذكره من تفسير المحاقلة: أنها استكراء الأرض بالثلث والربع - جاء ذلك في تفسير المخابرة؛ وكل منهي عنه.
فصل في العرايا
روي عن جابر - ﵁- أن رسول الله - ﷺ - "نهى عن المزابنة".
[ ٣ / ٣٩٩ ]
والمزابنة: بيع التمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرية.
بيع العرايا جائز؛ وهو: أن يبيع رطب نخلة أو نخلتين؛ باعتبار الخرص بقدر مكيلته من التمر.
سميت عرية: لأنه يُعرى: أي يفرد نخلة أو نخلتين ببيع رطبها.
وعند أبي حنيفة، ومالك: العرية: أن يُفرد نخلة أو نخلتين؛ فيهب ثمرتها لرجل؛ حتى يجتني كل يوم، ثم يتأذى بدخوله حائطه.
فعند مالك: يشتريها منه بخرصه تمرًا، ولا يجوز ذلك لغير صاحب الحائط.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يشتريها مجانًا، ويجوز أن يعطيه بخرصها تمرًا.
والعرية رخصة استثناها رسول الله - ﷺ - من المزابنة؛ لحاجة الفقراء إليه.
روي عن زيد بن ثابت - ﵁ - أنه سمي رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - ﷺ - أن الرُّطَب يأتي، ولا فقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر؛ فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
وهذه الرخصة وإن جاءت بسبب الفقراء، فالحكم لا يختص بهم، بل يعم كل الفقراء والأغنياء جميعًا؛ على الصحيح من المذهب؛ كالرَّهل في الطواف [والاضطباع] أمر به، إظهارًا للقوة مع الكفار، ثم عم جميع الأزمنة.
وبيع العرايا جائز فيما دون خمسة أوسق من التمر، ولا يجوز في أكثر منها.
وهل يجوز في خمسة أوسق؟ فعلى قولين منشؤهما من شك الراوي في الحديث؛ وهو ما روى مال عن داود بن الحصين؛ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - "أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق". أو - في خمسة أوسق الشك من داود.
[ ٣ / ٤٠١ ]
وأصح القولين: هو اختيار المزني؛ أنه لا يجوز في خمسة أوسق؛ لأن الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر؛ فلا يباح بالشك، وإنما لا يجوز أن يزيد على هذا القدر في صفقة واحدة. فلو كان في حائطه ألف وسق من التمر، وباع الكل بيع العرايا بعقود مختلفة في كل عقد أقل من خمسة أوسق - جاز؛ سواء باع من واحد، أو من جماعة في مجلس واحد، أو في مجالس متفرقة.
ولو باع الرطب رجل من رجلين بالتمر صفقة واحدة - يجوز فيما دون عشرة أوسق، ولا يجوز في أكثر، وفي العشر قولان.
ولو باع رجلان من رجل، فعلى وجهين:
أصحهما: حُكمه حكم ما لو باع رجل من رجلين؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع؛ كما تتعدد بتعدد المشتري؛ كما في الرد بالعيب.
والثاني: وبه قال صاحب التلخيص-: حكمه حكم ما لو باع واحد من واحد لا يجوز في أكثر من خمسة أوسق؛ اعتبارًا بمشتري الرطب؛ لأن الرخصة جاءت لحاجة المشتري إلى الرطب، والمشتري هاهنا واحد.
ولا يجوز بيع العرايا إلا بعد الخرص؛ لأن النبي - ﷺ - رخص أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر؛ فيطيف الخارص بالنخلة فيقول رطبها كذا وإذا صار تمرًا تحصل منه أربعة أوسق، فيبيعه بأربعة أوسق من التمر كيلًا.
ويجب التقابض في المجلس؛ وهو أن يسلم التمر إلى البائع بالكيل، والبائع يخلي بينه وبين النخلة.
وإن كان التمر غائبًا، فباع الرطب بكيله في الذمة، ثم أحضر، وكال عليه في المجلس - جاز، ثم إن لم يظهر بينهما تفاوت؛ بأن أكل مشتري الرطب الرطب، فذلك وإن جففه مشتري الرطب فخرج متفاوتًا؛ فإن كان التفاوت قدر ما يقع بين الكيلين - لا يضر، وإن كان أكثر فالعقد باطل.
وقيل: يصح في الكثير بقدر القليل، ولمشتري الكثير الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميعه.
ولو باع الرطب على النخل بالرطب على النخل، أو بالرطب على الأرض باعتبار
[ ٣ / ٤٠٢ ]
الخرص في قدر العرية - المذهب: أنه لا يجوز؛ لأنه لا حاجة إلى مثل هذا البيع، فإن من له رطب قل ما يشتري الرطب.
وقال ابن خيران: يجوز؛ لأنه قد يشتهي من رطب جاره.
وقيل: إن اختلف النوعان يجوز، وإن اتفقا فلا.
أما إذا باع الرطب على الأرض بالتمر، أو بالرطب على الأرض - لايجوز؛ لأنه جوز لحاجة المشتري إلى الرطب؛ حتى يأكله على مر الأيام طريًا مع الناس، ولا يحصل ذلك من الرطب الموضوع على [وجه] الأرض؛ لأنه يتسارع إليه الجفاف؛ ولأن المخصوص لا يُقاس عليه غيره.
ويجوز بيع العرايا في العنب؛ كما يجوز في الرطب، ولا يجوز في سائر الثمار؛ على أصح القولين؛ لأن الخرص لا يتأتى فيها؛ لتفرق ثمارها في تضاعيف أوراقها؛ بخلاف العنب والرطب، فإن ثمرتها عناقيد متدلية ظاهرة يمكن خرصها.
ولو باع الرطب على الشجر بجنس آخر من الثمار على الشجر، أو على الأرض - يجوز من غير الخرص؛ قل أو كثر، ويتقابضان.
باب بيع الطعام قبل أن يستوفي
روي عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يستوفيه"، ويروي: "حتى يقبضه".
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "أما الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ - فهو الطعام أن يُباع حتى يستوفي".
وقال ابن عباس برأيه: ولا أحسب كل شيء إلا مثله.
من اشترى شيئًا، لا يجوز له بيعه قبل أن يقبضه؛ عقارًا كان أو منقولًا، باع بإذن البائع أو بغير إذنه، أدى الثمن أو لم يؤده.
وجوز أبو حنيفة بيع العقار قبل القبض.
وقال سعيد بن المسيب: والحسن وأحمد: ما ليس بمكيل، ولا موزون يجز بيعه قبل قبضه.
وقال مالك: إن اشترى طعامًا كيلًا، لا يجوز بيعه قبل القبض.
أما إذا اشتراه جُزافًا أو غير الطعام، يجوز.
ولو وهب المبيع قبل القبض، أو رهنه، أو أقرضه، أو تصدق به - فعلى قولين:
أصحهما: لا يجوز كالبيع.
والثاني: يجوز إن كان بعد أداء الثمن؛ بخلاف البيع؛ لأن التسليم فيه مستحق؛ وهو لا يقدر عليه.
وفي هذه العقود التسليم غير مستحق، والمقصود فيها يتوقف على قبض المتهب من الواهب، فجاز أن يتوقف على قبض الواهب.
ولا خلاف أن هذه العقود لا تكون قبضًا ما دام المبيع في يد البائع، بل إذا قلنا: تصح هذه العقود، فإذا قبضه المشتري، ثم سلم غليه تمت هذه العقود.
وكذلك إذا قبضه المتهب أو المرتهن، أو المستقرض بإذن المشتري من البائع - تم البيع، وتمت هذه العقود.
ولو أجره قبل القبض، لا يصح كالبيع؛ لأن التسليم فيه مستحق.
وكل عقد منعناه قبل القبض فلو عقده بإذن البائع لا يصح أيضًا لحق الشرع.
وإن كانت جارية؛ فزوجها قبل القبض، صح التزويج؛ لأن التسليم فيه غير واجب وإذا دخل بها الزوج لايكون كقبض المشتري؛ لأنه يقبض المنفعة بحكم النكاح لا العين؛
[ ٣ / ٤٠٥ ]
بخلاف المتهب؛ فإنه يقبض العين بحكم الملك.
ولو أعتق المبيع قبل القبض، يعتق؛ لأن العتق له غلبة؛ بخلاف البيع؛ بدليل أنه لو أعتق العبد الآبق يجو، ولو باعه لا يجوز.
وقيل: إن أعتق قبل توفية الثمن، وكان الثمن حالًا فهو كإعتاق المرهون؛ لأن حبس المبيع ثابت للبائع؛ لاستيفاء الثمن؛ كالمرتهن يحبس المرهون؛ لاستيفاء الدين. والمذهب هو الأول؛ بخلاف الرهن؛ لأن عقد الرهن للحجر عن التصرف، والراهن حجر على نفسه التصرف برهنه. فامتنع عتقه والشراء لإطلاق التصرف، غير أن بيعه لم ينفذ؛ لعدم القدرة على التسليم، ونفوذ العتق لا يستدعي القدرة.
قلت: ولو استولد المُشتري الجارية قبل القبض، أو استولدها أبوه، نفذ، وحصل القبض؛ لأن الاستيلاد أقوى من العتق؛ لأنه فعل؛ بدليل أن استيلاد المجنون والأب ينفذ، وعتقهما لا ينفذ. ولو كاتبه قبل القبض، لا يصح.
ولو باعه المشتري من البائع قبل القبض صح أو أجره منه فالمذهب: أنه لا يصح؛ كما لو باع من غيره، أو أجر.
وقيل: يجوز؛ لأن التسليم غير متعذر؛ كبيع المغصوب من الغاصب يجوز؛ وكبيع الدين ممن عليه يجوز، ولا يجوز من غيره.
ولو وهبه من البائع، أو رهنه، فالصحيح: أنه على قولين؛ كما لو رهنه، أو وهبه من غير البائع.
وقيل: لا تصح هذه العقود مع البائع قولًا واحدًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون نائيًا عن المشتري في القبض؛ بخلاف الأجنبي.
فإن قلنا: يصح مع البائع، فإذا أذن له في القبض؛ فقبض مالك في الهبة، وفي الرهن يتم الرهن ولا يزول ضمان العقد حتى إذا تلف في يده ينفسخ العقد.
وإذا رهنه من البائع بالثمن الذي اشتراه به قبل القبض - نظر: إن كان الثمن حالًا لا يجوز؛ لأن حق الحبس ثابت له.
وإن كان الثمن مؤجلًا قلت: هو كما لو رهن منه بدين آخر.
فصل في القبض
روي عن ابن عمر -﵄ - قال: "لقد رأيت الناس في عهد رسول الله
[ ٣ / ٤٠٦ ]
- ﷺ - يتبايعون جُزافًا - يعني: الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم؛ حتى يؤوه إلى رحالهم".
قبض كل شيء على حسب ما يليق به، والمرجع فيه إلى العادة؛ فإن كان شيئًا خفيفًا من دراهم أو دنانير أو ثوب ونحوه - فيقبضه باليد، وإن كان ثقيلًا، فينقله إلى مكان آخر.
وكذلك الطعام يشتريه جُزافًا، فإن اشتراه مكايلة أو موازنة؛ فقبضه، نقفله بالكيل أو الوزن، وإن قبضه جزافًا كان فاسدًا، غير أنه دخل في ضمانه، ولا يتصرف فيه.
وإن كان رقيقًا أمره بالانتقال عن موضعه، وإن كان دابة يقودها أو يسوقها، وإن كان عقارًا أو شجرًا ثابتًا أو ثمرًا باعه على الشجرة قبل أوان الجُذاذ؛ فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري، وتسليم مفتاح الدار إليه.
ولا يشترط حضورهما المبيع.
وقيل: يشترط حضورهما.
وقيل: يشترط حضور المشتري دون البائع؛ فإن جوزنا مع الغيبة، هل يشترط مُضي زمان يمكن المصير إليه؟ فيه وجهان.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
الأصح: يشترط.
وإن كانت الدار المبيعة مشغولة بمتاع البائع، لا يحصل التسليم؛ حتى يفرغها، وكذلك السفينة يبيعها، وفيها متاع البائع.
وإن كان متاع البائع في بيت من الدار، يحصل تسليم الدار بالتخلية، إلا في ذلك البيت.
والتخلية في المنقول لا يكون قبضًا؛ لأن نقله ممكن.
ولو اشترى دارًا، وفيها أمتعة مع الأمتعة صفقة واحدة؛ فخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الدار، ولا يحصل في الأمتعة؛ حتى ينقلها.
وقيل يحصل تبعًا للدار. والأول أصح؛ فإذا نقل المتاع من زاوية إلى أخرى في تلك الدار، حصل القبض.
ولو نقل المشتري المبيع في دار البائع من زاوية إلى أخرى - نظر: إن فعل بإذن البائع، حصل القبض، وصار كأنه استعار [تلك] الزاوية التي نقل إليها من البائع.
وإن نقل دون إذنه، لا يحصل القبض؛ حتى لا يجوز أن يتصرف فيه، لكن دخل في ضمانه؛ سواء كان بعد توفية الثمن، أو قبله.
ولو نقله من دار البائع إلى دار نفسه بغير إذنه، أو قبض ما يقبض باليد دون إذنه - نظر: إن كان بعد توفية الثمن، أو كان الثمن مؤجلًا، حصل القبض، وينفذ تصرفه فيه.
وكذلك المكتري يجوز له قبض ما اكترى دون إذن المكري بعد توفية الكراء، أو كان الكراء مؤجلًا؛ [كما للمرأة] بعد تسليم النفس قبض الصداق دون إذن الزوج.
وإن كان قبل توفية الثمن، والثمن حال، لا يصح قبضه، وعليه رده؛ لأن حق الحبس ثابت للبائع؛ لاستيفاء الثمن، ولا ينفذ تصرفه فيه، غير أنه دخل في ضمانه؛ حتى لو تلف يستقر عليه الثمن، ولو تعيب عنده لا يمكنه رده بعيب قديم يجده إلا برضا البائع؛ لحدوث العيب في ضمانه.
ولو جاء البائع بالمبيع؛ فوضعه بين يدي المشتري - نظر: إن قال المشتري: ضعه فوضعه. حصل التسليم، وإن لم يقل شيئًا، أو قال: لا أريده، فوجهان:
أصحهما: حصل التسليم؛ لأن التسليم واجب عليه؛ فيقع عن الواجب؛ كالغاصب إذا
[ ٣ / ٤٠٨ ]
وضع المغصوب بين يدي المالك يبرأ عن الضمان.
والثاني: لا يحصل؛ كما لا يحصل الإيداع بمجرد الوضع بين يدي المودع.
فإن قلنا يحصل التسليم، ينفذ تصرف المشتري فيه، ولو تلف لا يبطل العقد.
ولكن لو خرج مستحقًا، لا يجب الضمان على المشتري؛ لأن ذلك الضمان ضمان الغصب، والنقل شرط لوجوب ضمان الغصب.
ولو كان له على آخر دين فجاء به، أو بالمسلم فيه؛ فوضعه بين يدي رب السلم والدين - هل يحصل التسليم؟ يرتب على المبيع: إن قلنا ثَمَّ: لا يحصل، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان. والفرق: أن ملكه غير متعين في الدين والمسلم فيه؛ بخلاف المبيع.
ولو دفع المشتري وعاء إلى البائع؛ ليجعل المبيع فيه؛ ففعل - لا يحصل التسليم؛ لأن قبض المشتري لم يوجد، والوعاء هل يكون مضمونًا على البائع؟ نظر: إن كان المبيع متعينًا فلا؛ لأن البائع استعمله في ملك المشتري بإذنه، وإن كان سلمًا أو قرضًا فإن جعله في الوعاء، ضمن الوعاء؛ لأنه استعمله في ملك نفسه.
ولو جاء البائع بالمبيع؛ فامتنع المشتري عن قبضه- أجبره الحاكم على القبض، فإن امتنع أن كان غائبًا، قبضه الحاكم، أو يأمر من يقبض عنه؛ ليبرأ البائع.
وكذلك الغاصب إذا أتى بالمغصوب عند غيبة المالك، يجب على الحاكم أخذه؛ ليبرأ الغاصب.
ولو وكل المشتري وكيلًا بقبض المبيع جاز، ولو وكل عبد نفسه أو مكاتبه، يجوز.
ولو وكل عبد البائع، أو أم ولده بإذنه أو بغير إذنه - لم يجز؛ لأن أبدى هؤلاء يد البائع؛ كما لو قال للبائع: اقبض لي من نفسك، لا يجوز.
ولو وكل ابن البائع أو مكاتبه، يجوز، ولو وكل عبده المأذون له في التجارة، فعلى وجهين.
قلت: والأصح عندي: لا يجوز.
ولو قال للبائع: وكل من يقبض لي عنك يجوز، ويكون القابض وكيل المشتري.
ولو وكل صبيًا بالقبض لم يجز، ولو تلف في يد الصبي، فيكون من ضمان البائع؛ بخلاف ما لو دفع الوديعة إلى صبي؛ بإذن المودع، فهلك عنده - يكون من ضمان المودع؛ لأنا نجعل كأن المودع أمره بإتلاف الوديعة، فيكون من ضمان المُودع.
ولو أمر البائع بإتلاف المبيع؛ فأتلف، يكون من ضمان البائع.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
ولو باع شيئًا والمبيع في يد المشتري، فلا يحصل القبض للمشتري قبل توفية الثمن، إن كان الثمن حالًا إلا بإذن البائع. فأما بعد توفية الثمن، أو كان الثمن مؤجلًا لا يحتاج إلى إذن البائع في القبض، ويشترط مُضي إمكان القبض؛ على أصح الوجهين.
فإن كان المبيع في داره، يشترط أن يمضي من الزمان بقدر ما يمكنه الرجوع إلى بيته ويقبض، ولا يصح تصرفه فيه قبله، فإن تلف قبله ينفسخ العقد.
وهل يشترط نقله؟ فيه وجهان.
أحدهما: بلى؛ لأن قبض المنقول بالنقل.
والثاني: لا؛ لأن النقل للإخراج من يد البائع إلى المشتري، والمبيع هاهنا في يد المشتري.
فإن قلنا: لا يشترط النقل، فهل يشترط أن يحضره ويشاهده؟ فيه وجهان: الأصح: لا يشترط.
فصل في أقسام المال المستحق للإنسان عند غيره
كل ما كان مضمونًا على الغير بعقد معاوضة يتوهم انفساخه بتلفه - لا ينفذ تصرف المالك فيه؛ كالمبيع قبل القبض؛ حتى لو أجر داره بثوب للآخر، بيع الثوب قبل القبض، ولا للمستأجر أجرة الدار قبل القبض؛ لانه ملك المنفعة بعقد معاوضة.
وهل يجوز للمرأة بيع عين الصداق قبل القبض؟ فيه قولان:
إن قلنا: ضمانه على الزوج ضمان عقد، لا يجو. وهذا أصح.
وإن قلنا: ضمان يد، يجوز؛ كالعارية في يد المستعير.
وكذلك هل يجوز للزوج بيع بدل الخلع قبل القبض؟ فعلى قولين.
وكذلك لو صالح عن القود على مال، هل يجوز بيعه قبل القبض؟ فعلى قولين.
أما إذا صالح عن الدية على مال وجوزنا، أو كان له على إنسان دين؛ فصالح عنه على عين - لا يجوز بيعها قبل القبض.
أما ما كان مضمونًا على الغير بعقد مفسوخ، ينفذ تصرف المال فيه قبل الاسترداد؛ مثل: إن باع عبدًا بثوب، وتقابضًا، ثم وجد بالثوب عيبًا وفسخ العقد - ينفذ تصرفه في العبد قبل أن يسترد، وتصرف البائع في الثوب قبل أن يرد إليه.
وكذلك إذا فسخ البيع بالفلس، وعقد السلم بانقطاع المسلم فيه- نفذ تصرفه في المبيع، وفي رأس المال قبل أن يسترد.
[ ٣ / ٤١٠ ]
ولو تقايلا البيع قبل التقابض، هل ينفذ تصرف كل واحد منهما فيما باع قبل أن يسترد؟
إن قلنا: الإقالة فسخ ينفذ. وإن قلنا: بيع فلا.
وكذلك الشفيع إذا دفع الثمن وتملك الشقص، جاز له بيعه قبل القبض.
وكذلك ما كان مضمونًا على الغير لا بعقد المعارضة؛ كالعارية في يد المستعير.
والمال في يد المستام، والمقبوض بحكم البيع الفاسد والهبة الفاسدة - ينفذ تصرف المالك فيه.
وكذلك لو باع المغصوب من الغاصب، أو ممن يقدر على أخذه منه - يجوز.
فرع: وكذلك ما كان أمانة في يد الغير كالوديعة في يد المودع، والمال في يد الوكيل بالبيع، ومال الشركة في يد الشريك، وفي يد القارض بعد فسخ القراض، والمرهون في يد المرتهن بعد افتكاك الرهن، والمال في يد المستأجر بعد انقضاء المدة ينفذ تصرف المالك فيه.
ولا يجوز للمتهب بيع الموهوب والمتصدق به قبل أن يقبض؛ لأنه لا يملكه قبل القبض، ولو وهب لابنه شيئًا وسلم، ثم رجع، له بيعه قبل أن يسترد، وكذلك لو بلغ رشيدًا، وماله في يد قيمه، جاز له بيعه.
ولو احتطب العبد واكتسب أو أوصى له بشيء - فقبل: ينفذ تصرف السيد فيه قبل أن يقبض.
وكذلك لو رمي إلى صيد فأزال امتناعه أو نصب شبكة؛ فتعلق بها صيد- جاز بيعه قبل أخذه؛ لأنه ملكه.
ولو وقع في ملكه صيد فكسر؛ حتى لا يمكنه الخروج - فهو أولى به من غيره، ولكن لا يملكه.
وكذلك لو أفرخ طائر في ملكه، كان أولى به من غيره، ولكن لو باعه لا يصح؛ لأنه لا يملكه ما لم يأخذه.
والموقوف عليه الشجرة يجوز له بيع ثمرتها بعد ما خرجت قبل أخذ الشجرة.
ولو ورث مالًا، جاز له بيعه قبل أخذه؛ لأن ملكه عليه تام؛ فإن كان مورثه قد اشتراه، ولم يقبضه -لم يجز له بيعه ما لم يقبضه؛ لأن المورث كان لا يملك بيعه في حياته.
[ ٣ / ٤١١ ]
أما إذا اشترى من مورثه شيئًا؛ فمات البائع قبل قبض المشتري - نفذ تصرفه فيه؛ لأنه لو لم يكن قد اشتراه، كان تصرفه فيه نافذًا.
فإن كان معه وارث آخر، لم يكن له أن يتصرف في قدر حق الآخر قبل القبض؛ حتى لو لم يكن أدى الثمن، فللوارث الآخر حبس قدر حقه؛ لاستيفاء نصيبه من الثمن.
وإن كان على الميت دين فحق الغرماء في الثمن، ويجوز بيع الوارث العين المشتراة.
ولو أوصى له بشيء فقبله بعد موت الموصي، نفذ تصرفه فيه قبل أن يقبض، ولو تصرف فيه بعد الموت قبل القبول. إن قلنا: يملك بالموت نفذ، وإن قلنا: بالقبول أو موقوف، فلا ينفذ.
ولو باع واحد من الغانمين نصيبه شائعًا قبل القبض - نظر: إن كان معلومًا جاز؛ مثل: إن كانوا عشرة، فالخمس منها لأهل الخمس، وما بقي بينهم على عشرة أسهم؛ فيكون نصيبه سهمان من خمس وعشرين، فباعه شائعًا جاز؛ سواء أفرزه السلطان، أو لم يفرزه؛ حتى لو ترك واحد من الباقين حقه بعد بيع أحدهم نصيبه يكون للآخرين، ولا تدخل في البيع تلك الزيادة التي صارت له بالترك.
ونص الشافعي -﵁ - على أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل القبض.
واختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: أراد به إذا وكل رجلًا بقبضه؛ فقبضه وكيله، ثم باعه الموكل- جاز. فأما قبله فلا يجوز؛ لأنه لم يملكه.
ومنهم من قال: إذا أفرزه السلطان وأعلمه، فباعه قبل أن يقبضه - جاز، ويد الإمام يده في الحفظ؛ حتى لو تلف يتلف من حقه.
ولو دفع ثوبًا إلى صباغ ليصبغه بأجرة؛ فصبغه؛ فإن كان دفع الأجرة جاز له بيعه قبل أن يسترد، وإن كان قبل أن يدفع لا يجوز؛ لأن للصباغ حبسه؛ لاستيفاء الأجرة؛ المبيع قبل القبض.
وقيل: إن صبغ، لا يجوز بيعه أيضًا إذا كان قد استأجر الصباغ ليصبغه؛ لأن للصباغ حبسه؛ لإيقاع عمله فيه. ولو دفع ثوبًا إلى قصار فقصره، هل له بيعه قبل الاسترداد؟ نظر: إن كان قد دفع الأجرة يجوز، وإن كان قبل دفعها؛ فإن قلنا: القصارة عين لم يجز؛ لأن للقصار حبسه؛ لاستيفاء الأجرة.
[ ٣ / ٤١٢ ]
وإن قلنا: القصارة أثر جاز؛ لأنه ليس له حبسه لاستيفاء الأجرة، وكذلك الدابة يروضها والذهب يصوغه.
فصل في إجراء الكيلين في السلم
روي عن الحسن، عن النبي -ﷺ - أنه "نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان" يعني: صاع البائع، وصاع المشتري.
ويروي موصولًا عن أنس وأبي هريرة وجابر ﵃.
إذا أسلم زيد إلى عمرو في طعام، وأسلم عمرو إلى بكر في مثله، ثم قال عمرو لزيد: احضر معي؛ حتى اكتاله من بكر لك ففعل - لم يجز؛ لأن عمرًا لم يقبضه لنفسه، وما أخذه زيد مضمون عليه؛ لأنه قبضه بدلًا عن حقه، ولا ينفذ تصرف فيه؛ لأنه بض فاسد، وتبرأ ذمة بكر عن حق عمرو؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه دفعه إلى زيد بإذنه، ولا ينفصذ تصرف عمرو فيه؛ كالمقبوض جزافًا.
وفيه وجه آخر: أنه لا تبرأ ذمة بكر؛ بناء على ما لو باع نجوم مكاتبه لا يصح، فإن قبضها المشتري من المكاتب هل يعتق فيه قولان.
ولو قال عمرو لزيد: أحضر معي؛ حتى أكتاله من بكر لنفسي، ثم تأخذه أنت بذلك
[ ٣ / ٤١٣ ]
الكيل؛ فقبض عمرو لنفسه صحيح، ولا يصح قبض زيد منه بذلك الكيل، ويكون ما لو قبض زيد جُزافًا.
فلو كال عمرو على زيد بعد قبضه صح، ثم إن زاد أو نقص؛ فتكون الزيادة لعمرو والنقصان عليه إن كان قدرًا يقع بين الكيلين، ولو كان أكثر علم أن الغلط وقع في الكيل الأول؛ فيجرع على الدافع بنقصانه، ويرد الفضل إليه.
ولو أخذ الأول؛ وهو عمرو لنفسه في المكيال، ولم يخرجه؛ فسلم على زيد كذل - هل يصح في حق زيد؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو الأصح عندي: لا يصح؛ حتى يخرجه "من" المكيال، ثم يجعله فيه ثانيًا للكيل على زيد.
والثاني: يصح؛ لأن استدامة الكيل كابتدائه؛ كما لو اشترى كيلًا من طعام؛ فأخرجه البائع في مكياله - يجب عليه أخذه، وإن لم يبتدأ كيلًا بعد البيع وكذلك لو لم يحضر عمرو، بل قال لزيد: اذهب إلى بكر، واقبض لنفسك مالي عليه فقبض - لم يصح، وتبرأ ذمة الدافع، على أصح الوجهين.
ولو قال: اقبضه لي، ثم اقبض مني بذلك الكيل، صح قبضه لعمرو، وتبرأ ذمة الدافع، ولا يصح قبضه لنفسه، وإذا قبض لنفسه دخل في ضمانه.
ولو قال: اقبض لي، ثم كل مني على نفسك فقبضه لعمرو صحيح، وهل يصح اكتياله لنفسه؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يجز؛ لأنه لا يكون أمينًا على الغير فيما يقبض لنفسه.
فإن قلنا: يصح، برئت ذمة عمرو عن حقه بعدما اكتال لنفسه.
وإن قلنا: لا يصح، فلا تبرأ.
وقيل: اكتيال زيد لنفسه أمانة في يده، وبعده مضمون عليه.
وعلى هذا: لو اشترى صبرة حنطة مكايلة واتكالها، ثم باعها مكايلة - يجب أن يكيلها ثانيًا على المشتري؛ فإن باعها جزافًا، لا يجب أن يكيلها ثانيًا.
ولو اشترى صاع حنطة فقبضه في المكيال، ثم باع صاعًا، وسلم إليه قبل إخراجها عن المكيال - هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان.
ولو أسلم في طعام؛ فدفع المسلم إليه دراهم إلى المسلم، وقال: اشتر بها لنفسك الطعام الذي لك عليَّ - لا يصح التوكيل ولا الشراء؛ لأنه لا يجوز أن يشتري لنفسه بمال الغير شيئًا.
[ ٣ / ٤١٤ ]
فإن ذهب واشترى نظر: إن اشترى بعين تلك الدراهم، لا يصح الشراء، وإن اشترى في الذمة يقع العقد له، ويجب أن يدفع الثمن من مال نفسه.
ولو قال: اشتر لي، ثم اقبضه لنفسك ففعل، صح الشراء، ولا يصح قبضه لنفسه؛ لأن القبض لم يحل لمن وقع له الشراء، فإذا قبض لنفسه دخل في ضمانه، وهل تبرأ ذمة الدافع؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين.
الأصح: تبرأ.
ولو قال: اشتر لي واقبض لي، ثم اقبض مني لنفسك بذل الكيل - صح الشراء، والقبض للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه.
وقيل: إن قبضه لنفسه أمانة في يده، وبعده مضمون عليه؛ فلو قال كل مني على نفسك ففعل، ففيه وجهان:
ولو استحق طعامًا أو شيئًا آخر على إنسان ببيع أو سلم مكايلة أو وزنًا فقبضه جزافًا، أو قال الذي عليه: خذ؛ فإنه كذا كيلًا أو وزنًا؛ فصدقه وقبضه- فالقبض فاسد، غير أن المعطي تبرأ ذمته عن مقدار ما يتصادقان عليه؛ لأنه دخل في ضمان الآخذ، ولا ينفذ تصرف الآخذ فيه؛ سواء باع الجميع أو باع القدر الذي يتحقق أنه له؛ لأنه باعه قبل وجود القبض المستحق بالعقد، فإن كال عليه الدافع أو وزن، صح، ونفذ تصرفه فيه.
ولو كال القابض على نفسه بغير إذن الدافع - لم يصح، وإن كال بإذنه فوجهان:
الأصح: لا يجوز، ولو أمره بأن يأمر غيره ليكيل عليه، جاز؛ لأنه لا يكون قابضًا لنفسه من نفسه؛ كما لو وكل ببيع متاعه من نفسه لا يجوز، ولو وكله بأن يأمر رجلًا؛ حتى يبيع منه يجوز.
ولو تلف في يده قبل الكيل والوزن؛ فاختلفا؛ فقال الدافع: كان قدر حقك، وقال الآخذ: كان أقل، أو قال الدافع كان أكثر من حقك؛ فعليك رد الفضل، وقال القابض: لم يكن أكثر - فالقول قول القابض مع يمينه.
ولو اشترى طعامًا كيلًا؛ فأخذه وزنًا، أو اشتراه وزنًا؛ فأخذه كيلًا - فهو كما لو أخذه جزافًا. ولو قبضه بالكيل أو الوزن؛ كما اشترى، ثم جاء وادعى أنه خرج أنقص - نظر: إن كان يدعي نقصانًا قليلًا يقع مثله في الكيل يقبل، وإن ادعى أكثر هل يقبل؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقبل، والقول قول الدافع مع يمينه؛ لأن الظاهر أنه أوفاه؛ بخلاف ما لو ان القبض فاسدًا اكن القول قول القابض في القدر.
[ ٣ / ٤١٥ ]
والقول الثاني- وهو قول أبي حنيفة: القول قول القابض؛ لأن الأصل اشتغال ذمة الدافع بحقه؛ وهو الأصح عندي.
وكذلك لو دفع إليه دينارًا عن حق له عليه؛ فجاء به رديئًا وقال: هذا ما دفعته إليَّ، وأنكر الدافع - فالقول قول مَنْ؟ فيه وجهان:
أحدهما: القول قول الدافع مع يمينه.
والثاني- وهو الأصح عندي -: القول قول القابض مع يمينه؛ لأن الأصل اشتغال ذمة الدافع بحقه.
فصل في بيع الدين
يجوز الاستبدال عن القرض، وبدل الإتلاف، ولا يجوز عن المسلم فيه قبل القبض.
وهل يجوز عن الثمن في الذمة والأجرة؟ فيه قولان:
أصحهما - وهو قوله الجديد -: يجوز، كالقرض.
وقال في القديم: لا يجوز؛ كالمسلم فيه.
ولو كان الصداق في ذمة الزوج؛ هل للمرأة الاستبدال عنه، أو بدل الخلع في ذمة المرأة هل للزوج الاستبدال عنه
إن جعلنا ضمان الصداق ضمان يد، يجوز كبدل المتلف.
وإن قلنا ضمان عقد، فكالثمن.
فحيث جوزنا الاستبدال، ينظر فيه؛ فإن كان ما في ذمته مال الربا؛ فاستبدل منه شيئًا يوافقه في العلة؛ مثل: إن استبدل من الدراهم دنانير ومن الحنطة شعيرًا - يشترط قبض البدل في المجلس.
وهل يشترط أن يكون البدل معينًا حالة العقد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ كما لو تصارفا في الذمة، ثم عينا وتقابضا يجوز.
والثاني: يشترط؛ لأن أحد البدلين دينٌ؛ فإن لم يكن الآخر معينًا أشبه بيع الدين بالدين.
وإن استبدل شيئًا لا يوافقه في العلة؛ مثل: إن استبدل عن الدراهم طعامًا أو ثوبًا، أو استبدل عن الطعام دراهم - نظر: إن كان معينًا يجوز.
[ ٣ / ٤١٦ ]
وهل يشترط قبض البدل في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو ظاهر النص-: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فلو لم يقبض الثاني أشبه بيع الدين بالدين؛ كما يشترط قبض رأس مال السلم في المجلس.
والثاني - وهو الأصح -: لا يشترط؛ كما لو باع ثوبًا بدراهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب في المجلس. والنص محمول على ما إذا استبدل من مال الربا شيئًا يوافقه في العلة.
ولو استبدل شيئًا في الذمة، هل يجوز أم لا؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين: فإن جوزنا يشترط التعيين في المجلس؛ حتى لو تفرقا قبلا لتعيين بطل العقد. وهل يشترط القبض؟ فيه وجهان:
ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال، ويجوز استبدال الحال عن المؤجل، ويصير كأن من عليه المؤجل عجله، هذا في بيع الدين ممن عليه.
أما إذا باع الدين من غير من عليه؛ مثل إن كان له على زيد عشرة دراهم؛ فاشترى من عمرو ثوبًا بتلك العشرة، أو قال لعمرو: بعتك العشرة التي في ذمة زيد لي بثوبك هذا؛ فاشتراه عمرو - فالمذهب: أنه لا يجوز؛ لأنه غير قادر على تسليمه.
وفيه قول آخر: أنه يجز على حسب ما يجوز ممن عليه؛ فعلى هذا يشترط أن يقبض مشتري الدين الدين ممن عليه، وبائعه يقبض العوض في المجلس؛ حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل.
ولو كان لرجلين لكل واحد على ثالث دين؛ فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه - لا يجوز؛ سواء اتفقا في الجنس أو اختلفا؛ لأن بيع الدين بالدين ممن عليه لا يجوز؛ فمن غير من عليه أولى؛ وذلك لأن النبي - ﷺ- "نهى عن الكاليء بالكاليء".
[ ٣ / ٤١٧ ]
ولو كان لرجلين لكل واحد منهما على صاحبه دين من جنس واحد، ووصف واحد؛ سواء كانا سلمين أو قرضين، أو أحدهما قرض والآخر بدل إتلاف أو سلم - ففيه أقوال:
أحدها: بنفس الوجوب يتقاصان ويسقطان؛ كما لو كان له على مورثه مال؛ فمات المورث سقط.
والثاني: لا يسقط؛ حتى يتراضيا؛ بأن يجعل أحدهما بالآخر قصاصًا؛ فإن لم يفعلا، فلكل واحد منهما مطالبة صاحبه بما عليه؛ لأن المقاصة كالحوالة، وفي الحوالة يشترط رضا المُحيل والمحتال.
[ ٣ / ٤١٨ ]
والثالث: إذا رضي أحدهما صار قصاصًا؛ لأنه إذا رضي أحدهما، فقد رضي بأداء ما عليه مما له في ذمة الآخر؛ فليس للآخر أن يمتنع؛ لأنه يجز لمن عليه الدين أداء الدين من حيث يشاء من ماله.
والرابع: لا يصير قصاصًا؛ حتى ينفذ أحدهما ما عليه، ويسلم إلى الآخر، ثم يأخذه عما عليه؛ حتى لا يون بيع الدين بالدين.
أما إذا كان الدائنان مؤجلين؛ نظر: إن كانا مؤجلين بأجل واحد. قيل هو كما لو كانا حالين، والصحيح أن حكمه حكم ما لو كانا مؤجلين بأجلين مختلفين، أو أحدهما حال والآخر مؤجل -لا يصير قصاصًا، وكذلك لو كانا من جنسين، أو وصفين مختلفين لا يصير قصاصًا؛ حتى ينفذ أحدهما ما عليه ويسلم، ثم يشتريه بماله على الآخر.
وإذا كان له على رجل دراهم صحاحٌ؛ فقال من له الدين: أسقطت وصف الصحة لا يسقط. إن كان مؤجلًا؛ فقال من عليه أسقطت الأجل هل يسقط؟ فيه وجهان
أصحهما عندي: لا يسقط؛ كوصف الصحة.
والثاني: يسقط؛ لأن الأجل فسحة في العقد؛ فيسقط بالإسقاط؛ الخيار.
ولو كان له على رجل دين حال وهو مماطل فقال: أدِّ حقي؛ حتى أبيعك شيئًا؛ فأدى - لا يلزمه البيع، وليس للمعطي أن يسترد ما دفع؛ لأن الدفع كان واجبًا عليه.
ولو قال: أعط أفضل أو أجود؛ حتى أبيعك ذا، ففعل - لا يجب البيع، وللمعطي أن يسترد ما أعطى، وإن أعطى أكثر يسترد الزيادة.
وكذلك لو كان الدين مؤجلًا، فقال من له الدين: عجل قبل المحل؛ حتى أبيعك شيئًا فعجل - لا يجب البيع، وله أن يسترد ما عجل.
وكذلك لو قال: عجل البعض؛ حتى أبرئك عن الباقي، فعجل - لا يجب الإبراء؛ وللمعجل أن يسترد ما أعطى.
وكذلك في السلم لو قال: أبرأتك عن نصفه؛ بشرط أن تعجل الباقي، والحق مؤجل - لا يصح الإبراء. أما من غير شرط لو أخذ بعضه، وأبرأه عن الباقي - يصح.
وقال مالك: لا يصح.
[ ٣ / ٤١٩ ]
باب بيع المُصراة
روي عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تُصروا الإبل والغنم للبيع؛ فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر".
وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺقال: "من اشترى شاة مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها، رد معها صاعًا من طعام لا سمراء".
[ ٣ / ٤٢٠ ]
فرع التصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو البقرة أو الشاة؛ فيترك حلابها أيامًا؛ حتى يجتمع اللبن في ضرعها، ثم يبيعها؛ فينها المشتري كثيرة اللبن، مشتق من: صريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه.
فهي حرام، ويثبت بها الخيار للمشتري.
[ ٣ / ٤٢١ ]
وعند أبي حنيفة: لا يثبت بها الخيار، والخبر حجة عليه.
ولا جماعنا: على أنه لو باع طاحونة حبس ماءها زمانًا، ثم أرسله حالة البيع؛ فإن المشتري أنها أبدًا كذلك، ثم علم - ثبت له الخيار.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
ثم إذا ظهر على التصرية بعد ما حلب لبنها: إن شاء أمسكها، ولا شيء له، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر بدل اللبن الذي حلب؛ قل اللبن أم كثر، ولا يرد اللبن إذا كان قائمًا لذهاب طراوته بالحلب؛ نقص حدث به؛ ولأن ما حدث من اللبن بعد البيع كان للمشتري، فقد اختلط المبيع بغيره، ولا يعرف قدر حق كل واحد منهما؛ فأوجب الشرع صاعًا من تمر؛ قطعًا للخصومة بينهما؛ كما أوجب الغرة في إتلاف الجنين. فإن لم يكن حلب اللبن، لا شيء عليه.
فإذا أراد أن يعطي بدل التمر شيئًا آخر، اختلف أصحابنا فيه.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
قال ابن سريج: يجب في كل بلد صاع من غالب قوت ذلك البلد؛ تمرًا كان أو حنطة أو شعيرًا، والنبي - ﷺ- "أوجب التمر"؛ لأنه كان غالب قوت أهل "الحجاز"، وقوله: "لا سمراء" يعني: لا يجب السمراء.
وقال أبو إسحاق: التمر هو الأصل في جميع البلاد؛ فإن عدل إلى ما هو أعلى منه؛ بأن أعطى مكانه قمحًا - يجوز، وإن عدل إلى ما هو دونه لا يجوز؛ إلا برضا البائع.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وقوله:"لا سمراء"؛ يعني: لا "يجبر" عليه، إلا أن يتطوع.
ولو أعطى مكانه ذهبًا، أو ورقًا، أو شيئًا مما لا يُقتات، أو رد اللبن الذي حلبه - فيجوز برضا البائع على الوجهين، ولا يجوز دون رضاه.
ولو عز التمر؛ حتى بلغت قيمة صاع من التمر قيمة الشاة المبيعة - عليه التمر.
ولو اشترى شاة بصاع من تمر؛ فوجدها مُصراة بعد الحلب - يردها وصاعًا من تمر، ويسترد الصاع الذي هو الثمن.
فإذا علم بالتصرية قبل مُضي ثلاثة أيام، فالرد يكون على الفور، أم يمتد إلى ثلاثة أيام من يوم العقد؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون على الفور، كما لو علم بعد الثلاث.
والثاني: يمتد إلى ثلاثة أيام؛ لظاهر الحديث. والأول أصح.
وقوله في الحديث: "فهو بالخيار ثلاثة أيام" بناء للأمر على الغالب؛ لأن الغالب أنه لا يقف على التصرية قبل ثلاثة أيام، ويحمل نقصان اللبن في اليومين على تبدل المكان، وتفاوت العلف وغير ذل، ويخرج عليه: أنه لو اشترى شاة - وهو عالم بأنها مُصراة - فهل له "الخيار"؟ فعلى هذين الوجهين: الأصح: لا يثبت.
ويثبت خيار التصرية في النعم، وفي كل حيوان مأكول اللحم، ويجب رد صاع من التمر.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
ولو اشترى جارية، فوجدها مُصراة له الرد بعد حلب اللبن، وهل يجب رد صاع من التمر؟ فيه وجهان:
أحدهما- يجب؛ كالنعم.
والثاني- وهو الأصح: لا يجب؛ لأن لبن الآدمية لا يُعتاض عنه في العادة.
وقيل: لا ترد الجارية بعيب التصرية، بل يأخذ الأرش.
ولو اشترى أتانا؛ فوجدها مصراة؛ هل له ردها؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى. لأن لبنها مقصور لتربية الجحش.
والثاني: لا؛ لأن لبنها غير مشروب.
فإن قلنا: ترد، لا يجب بسبب اللبن شيء؛ لأنه نجس.
ولو اشترى مصراة؛ فزال عيب التصرية، ودام لبنها على القدر الذي ابتاعها - يسقط حقه من الرد، ولو لم يزل ولكن المشتري رضي بالتصرية، ثم وجد به عيبًا آخر بعد ما حلب لبنها، له ردها بالعيب الذي وجد، وعليه صاع من تمر.
ولو لم يوجد من البائع قصد إلى التصرية، بل لم يتفق حلابُها أيامًا؛ فاجتمع اللبن في ضرعها، أو ربط أجنبي ضرعهما - فيثبت الخيار للمشتري؛ على أصح الوجهين؛ فيرد صاعًا
[ ٣ / ٤٢٩ ]
[من التمر]؛ كما لو كان بالمبيع عيب لا يعلمه البائع.
ولو اشترى لبونًا غير مُصراة؛ فحلب لبنها، ثم وجد بها عيبًا وردها -عليه صاع من التمر بدل ما حلب من اللبن.
ولو أرسل الزنبور في ضرع الشاة؛ فانتفخ؛ فنها المشتري لبونًا، فلم يكن-هل له الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لوجود التدليس؛ كما لو حمر وجه الجارية المبيعة.
والثاني- وهو الأصح-: لا رد له؛ لأنه لا لبن فيها؛ فلم يوجد التدليس؛ كما لو اشترى بقرة منتفخة البطن نها المشتري حاملًا؛ فلم يكن -لا خيار له.
ولو أرسل الزنبور في خد الجارية؛ حتى انتفخ؛ فظن المشتري أنها سمينة - له الرد؛ كما لو حمر وجهها.
ولو أعلف الدابة؛ حتى انتفخ بطنها؛ فنها حُبلى - فوجهان. والله أعلم.
باب الخراج بالضمان والرد بالعيب
روى عن مخلد بن خفاف؛ أنه ابتاع غُلامًا فاستغله، ثم أصاب به عيبًا - فقضى له
[ ٣ / ٤٣٠ ]
عمر بن عبد العزيز - ﵀ - برده وغلته. فأخبر عروة - ﵀ - عمر عن عائشة - ﵂ - ان النبي - ﷺ - قضى في مثل هذا "أن الخراج بالضمان" فرد عمر قضاءه، وقضى لمخلد بن خفاف -﵀ - بالخراج.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
من باع شيئًا؛ وبه عيب، وهو عالم به - يجب عليه أن يعلم به المشتري؛ فإن كتم، فقد غش.
وقد قال النبي - ﷺ -: "من غشنا فليس منا".
غير أن البيع صحيح، وللمشتري الخيار إذا علم بالعيب؛ بدليل حديث المصراة.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
فصل هل الفسخ بالعيب يرفع العقد من أصله أم من حينه
والفسخ بالعيب لا يرفع العقد من أصله؛ حتى لو كان المشتري قد استخدمه، أو أجره وأخذ الأجرة، أو كان عبدًا قد اكتسب في يده، أو شجرة قد أثمرت، أو بهيمة ولدت، أو جارية وُطئت بشبهة، وأخذ مهرها - فجميع هذه الزوائد تبقى للمشتري؛ فيرد الأصل، ويسترد جميع الثمن؛ سواء حصلت تلك الزوائد قبل القبض أو بعده، وسواء رد الأصل قبل القبض أو بعده.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة - رحمة الله عليهما -: الرد بالعيب يرفع العقد من أصله.
ثم عند ابن أبي ليلى يرد الأكساب، والزوائد معه.
وعند أبي حنيفة: الولد والثمرة يمنعان رد الأصل بالعيب، والكسب والغلة لا يمنعان الرد، لكن إن رد قبل القبض رد معه الغلة والكسب، وإن رد بعده يبقى له.
والحديث حجة عليهم؛ ولأن حدوث الزوائد معنى لا يدخل نقصًا في المبيع، ولا يتضمن رضًا بالعيب، فلا يمنع الرد بالعيب؛ كالاستخدام.
أما الزوائد المتصلة؛ كالسمن في الحيوان، وكبر الشجر، وتعلم القرآن، والحرفة للعبد-تكون تبعًا للأصل، فإذا رد الأصل لا شيء للمشتري بسببها.
ولو اشترى جارية أو شاة حاملًا، ثم وجد به عيبًا - وهي حامل بذلك الولد - ردها كذلك.
ولو وضعت الولد، ثم علم بها عيبًا؛ هل عليه رد الولد معها؟
فيه قولان؛ بناء على أن الحمل هل يعرف؟ وهل له قسط من الثمن؟ فيه قولان:
أصحهما: يعرف، وله قسط من الثمن؛ بدليل أن تصح الوصية بالحمل وللحمل، ويجوز إعتاقه، وتجب الكفارة بقتل الجنين، وترد الجارية المشتراة بسبب الحمل، ولا تؤخذ الحامل في الصدقة، وتجب الخلفة في الدية، ولولا أنه يعرف، لم تتعلق به هذه الأحكام، وأنه ينفصل عن الأم؛ فينتفع به؛ كاللبن في الضرع.
والثاني: لا يعرف، وليس له قسط من الثمن؛ لأنه متصل بها؛ كعضو من أعضائها؛ ولأنه لا يفرد بالبيع، ومن قتل امرأة حاملًا لا يُفرد الجنين بالضمان.
فإن قلنا: له قسط من الثمن، يرد الولد مع الأصل؛ كما لو اشترى عينين.
وإن قلنا: ليس له قسط من الثمن، يرد الأصل، ويبقى له الولد؛ كالحادث بعد البيع.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
ويخرج على هذا: أنه هل يجوز للبائع حبس ذلك الولد؛ لاستيفاء الثمن؟ وأنه لو هلك ذل الولد قبل القبض هل يسقط شيء من الثمن؟
إن قلنا: له قسط من الثمن، له حبسه؛ لاستيفاء الثمن، وإذا هل يسقط بحصته من الثمن.
وإن قلنا: لا قسط له، لا يجوز حبسه، ولو تلف لا يسقط شيء من الثمن، وهو أمانة في يد البائع ما لم يطالبه المشتري بتسليمه؛ فيمتنع؛ كالولد الحادث بعد البيع.
وكذلك هل يجوز للمشتري بيع ذلك الولد قبل القبض؟ إن قلنا له قسط من الثمن لا يجوز، كالأم، وإلا فيجوز؛ كالزوائد الحادثة بعد البيع.
ولو اشترى نخلة مطلعة فأبرها، ثم وجد بها عيبًا وردها - فالثمر لمن يكون؟ فيه قولان؛ كالحمل يخرج.
وقيل: يرد مع الأصل؛ لأنه كان مشاهدًا يوم البيع قابلًا للإفراد بالبيع؛ فكان مع الأصل كالعينين بخلاف الحمل.
أما إذا اشترى نخلة حائلًا فأطلعت، ثم وجد بها عيبًا وردها -هل يبقى الطلع للمشتري؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرد مع الأصل؛ كالجارية إذا حبلت بعد البيع، ثم ردها بالعيب.
والثاني: يبقى الطلع للمشتري؛ لأنه يقبل الإفراد بالبيع، كالثمرة المؤبرة.
ولو اشترى شاة على هرها صوف؛ فجزه، ثم استنجز، فاطلع على عيب بها - نظر: إن لم يجز الصوف الثاني، ردها ذلك مع الصوف الذي جزه، وإن كان قد جز الثاني ردها مع الأول، ويبقى له الثاني؛ لأنه حدث في ملكه، بخلاف ما لو باع أرضًا، وفيها كُراثٌ أو قثٌ مجزوز؛ فنما في يد المشتري، ثم اطلع على عيب بالأرض - ردها ويبقى الكراث والقث الظاهر للمشتري؛ لان الصوف بمنزلة جزء من الحيوان، فلا يجوز إفراده بالتملك؛ بخلاف القث؛ بدليل أنه لو باع الشاة يدخل في البيع الصوف الذي على ظهرها، ولو باع أرضًا وفيها كراث أو قث ظاهر - لا يدخل في البيع.
ولو زاد المشتري في البيع شيئًا يصنعه؛ بأن كان دارًا؛ فعمرها، أو ثوبًا؛ فصبغه، ثم اطلع على عيب به - نظر: إن أمكنه نزع الزيادة من غير أن يدخله نقص، نزعها ورد الأصل، وإن لم يمكنه، بأن رضي البائع بأن يرده، ويون معه شريكًا في الزيادة رده، وإن أبى أمسكه وأخذ أرش العيب.
ولو تلف المبيع قبل القبض بعد حصول الزوائد، انفسخ العقد وسقط الثمن، وتلك
[ ٣ / ٤٣٧ ]
الزوائد لمن تكون؟ فيه وجهان:
أصحهما - وبه قال ابن سريج -: يرتفع العقد من حينه، وتكون للمشتري؛ ما لو فسخ بالعيب.
والثاني - يرتفع العقد من أصله، والزوائد للبائع؛ بخلاف الرد بالعيب؛ لأنه فسخ بالاختيار.
ولو باع عبدًا بثوب؛ فقبض الثوب، ولم يسلم العبد - جاز له بيع الثوب، وإن كان لا يجوز لمشتري العبد بيعه.
فإذا باع الثوب، ثم هلك العبد قبل القبض، بطل العقد في العبد، ولا يبطل في الثوب، لخروجه عن ملكه؛ سواء كان سلمه إلى مشتريه، أو لم يسلم، ويغرمه قيمة الثوب لبائعه.
وكذلك لو باع عبدًا بألف؛ فقبل تسليم العبد اشترى بتلك الألف ثوبًا، ثم هلك العبد قبل التسليم - انفسخ العقد فيه، ولا ينفسخ في الثوب.
ولو اشترى جارية ثيبًا؛ فوطئت، ثم اطلع على عيب بها - نظر: إن وطئت بعد القبض بشبهة، أو وطئها المشتري - - ردها بالعيب ولا شيء عليه.
وعند أبي حنيفة وطء الثيب يمنع الرد بالعيب.
وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها المهر؛ ويروي ذلك عن عمر ﵁.
ووافقنا أبو حنيفة في أن البائع لو وطيء قبل القبض الجارية "مكرهة"، لا يثبت للمشتري الخيار، وما لا يثبت به الخيار للمشتري إذا وجد من البائع قبل القبض لا يمنع المشتري من الرد بالعيب، كالاستخدام.
أما إذا وطئها أجنبي، أو البائع؛ وهي طائعة - فهو زنا يمنع الرد بالعيب القديم، إلا برضا البائع؛ لأن الزنا عيب حدث في يده.
فإن وطئت قبل القبض؛ لا يخلو إما عن وطئها المشتري، أو البائع، أو الأجنبي.
فإن وطئها المشتري لا يصير قابضًا، وله الرد بالعيب القديم، ولا مهر عليه؛ فإن تلفت الجارية قبل القبض، انفسخ العقد وهل عليه المهر للبائع إن قلنا: يرتفع العقد من حينه، لا يجب.
وإن قلنا: من أصله، يجب.
وإن وطئها أجنبي؛ نظر: إن كانت الجارية مُكرهة أو جاهلة، لا خيار للمشتري بسبب
[ ٣ / ٤٣٨ ]
هذا الوطء، وعلى الواطيء المهر للمشتري، وإن كانت طائعة فللمشتري الخيار؛ لأنه زنا حدث قبل القبض.
وإن وطئها البائع، عليه الحد إن كان عالمًا؛ كالأجنبي، وللمشتري الخيار عن كانت عالمة طائعة، وألا فلا خيار له، ولا مهر على البائع؛ على المذهب الصحيح الذي يقول: إن جناية البائع قبل القبض كآفة سماوية.
فأما إذا كانت الجارية بكرًا؛ فافتضت، نظر:
إن افتُضت بعد القبض الرد للمشتري بعيب قديم يجده إلا برضا البائع؛ لأن زوال البكارة نقص حدث في يده، سواء افتضها البائع، أو المشتري، أو أجنبي.
وإن افتضت قبل القبض، فهو كجناية جنيت على المبيع قبل القبض؛ فينظر:
إن افتضها المشتري، استقر عليه من الثمن بقدر ما انتقص من قيمتها، ثم إن سلمت الجارية؛ حتى قبضها، فليس عليه إلا الثمن.
وإن هلكت قبل القبض، انفسخ العقد وعلى المشتري بقدر نقص الافتضاض من الثمن.
وهل عليه مهر مثل الثيب؛ إن افتضها بآلة الافتضاض؟ فعلى وجهين:
إن قلنا: يرتفع العقد من حينه، لا يجب، وألا فيجب.
وإن افتضها أجنبي؛ نظر إن افتضها بغير آلة الافتضاض، عليه ما انتقص من قيمتها، وإن افتضها بآلة الافتضاض فعليه المهر.
وهل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، بل عليه مهر مثل بكر، ويدخل فيه أرش الافتضاض.
والثاني: يفرد، فعليه أرش الافتضاض، ومهر مثل ثيب ثم المشتري إن أجاز العقد فالكل له، وإن فسخ فبقدر أرش الافتضاض للبائع، لأن الجارية عادت إليه ناقصة، وباقي المهر للمشتري؛ كالزوائد.
وإن افتضها البائع، فللمشتري الخيار؛ فإن فسخ العقد، لا يجب على البائع أرش الافتضاض؛ لأنها عادت إليه ناقصة.
وهل يجب عليه مثل مهر الثيب إن فعل بآلة الافتضاض؟
إن قلنا: جنايته كافة سماوية، لا يجب؛ وهو المذهب.
وإن قلنا: كجناية أجنبي، يجب.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وإن أجاز العقد، فلا شيء على البائع إن قلنا: جنايته كآفة سماوية.
وإن قلنا: كجناية أجنبي، يجب عليه أرش الافتضاض؛ وإن فعل بآلة الافتضاض، فالمهر.
وهل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ وجهان.
فصل في تفريق الصفقة في الرد بالعيب
إذا اتحد العاقد والمعقود عليه، لا يجوز تفريق الصفقة؛ مثل: إن اشترى عبدًا أو دارًا؛ فوجد به عيبًا، وأراد رد بعضه - ليس له ذلك؛ لما فيه من الإضرار بالبائع بتشقيص ملكه عليه، فإن رضي به البائع، يجوز؛ على أصح الوجهين؛ لأنه حقه، وقد رضي به.
وإذا قال: فسخت في نصفه، فيه وجهان:
أحدهما: كان فسخًا في الكل؛ لأن الفسخ أغلب؛ بدليل أنه لو فسخ أحد المتبايعين، وأجاز الآخر - كان فسخًا.
والثاني: كان مجيزًا في الكل؛ لأنه رضي بالعيب في بعضه.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
أما إذا اشترى شيئين صفقة واحدة، ثم وجد بهما أو بأحدهما عيبًا- فله فسخ العقد فيهما، ولم يكن له رد الصحيح دون المعيب؛ فإن أراد رد المعيب وحده، أو كانا معيبين؛ فأراد رد أحدهما - هل يجوز أم لا؟ فعلى قولين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الصفقة وقعت مجتمعة؛ فلا يجوز تفريقها؛ كما لو كان المبيع واحدًا، فأراد رد بعضه.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا يتبعض الملك عليه في عين واحدة.
هذا إذا لم يكن منفعة أحدهما متصلة بالأخرى، فإن كانت منفعة أحدهما متصلة بالأخرى؛ مثل: زوج خف أونعل أو مصراعي باب؛ فأراد رد أحدهما، فلا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن فيه إضرارًا بالبائع؛ العين الواحدة يرد بعضها.
وقيل: فيه قولان أيضًا.
ولا فرق بين أن يرد قبل القبض أو بعده.
وقال أبو حنيفة﵀-: لا يجوز التفريق قبل القبض، ويجوز بعده، إلا أن تتصل منفعة أحدهما بالآخر.
فلو تلفت إحدى العينين والقائمة معيبة؛ فإن جوزنا التفريق، يرد القائمة، ويسترد بحصتها من الثمن.
فلو اختلفا في قيمة التالفة؛ مثل: إن كانت قيمة القائمة ألفًا، فقال البائع: قيمة التالفة ألف؛ فلا يلزمني إلا رد نصف الثمن، وقال المشتري: بل خمسمائة؛ فعليك رد ثلثي الثمن - فالقول قول من؟ فيه قولان:
أصحهما: القول قول البائع مع يمينه؛ لأنه غارم؛ كالغاصب مع المال إذا اختلفا في
[ ٣ / ٤٤١ ]
قيمة المغصوب، كان القول قول الغاصب؛ ولأن البائع ملك جميع الثمن بالبيع، فلا يرجع عليه إلا بما يقر به.
والثاني: القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الهلاك كان في يده.
وإن قلنا: لا يجوز التفريق، ماذا يفعل؟ فيه قولان:
أحدهما: يغرم قيمة التالفة [الألف] ويردها مع القائمة، ويفسخ العقد. فعلى هذا: لو اختلفا في قيمة التالفة، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الهلاك وجد في يده، وهو الغارم.
والقول الثاني - وهو الأصح-: لا فسخ له، بل يرجع بأرش العيب؛ لأنه لو حدث عنده عيب بالمبيع، لا يمكنه الرد بالعيب القديم؛ فالهلاك أكثر منه. فعلى هذا: لو اختلفا في قيمة التالفة، مثل: إن كانت قيمة القائمة ألفًا، والعيب ينقص عشر قيمتها؛ فقال البائع: قيمة التالفة ألف؛ فعليَّ رد عشر نصف الثمن، وقال المشتري: بل خمسمائة؛ فعلي رد عشر ثلثي الثمن - فالقول قول من يكون؟
فيه قولان: أصحهما: القول قول البائع مع يمينه.
فأما إذا تعدد العاقد، مثل: إن باع رجلان عبدًا من رجل صفقة واحدة، ثم اطلع على عيب به - يجوز له رد نصيب أحد البائعين.
وكذلك لو اشترى رجلان عبدًا من رجل صفقة واحدة، ثم وجدا به عيبًا - يجوز لأحد المشترين رد نصيبه.
وعند أبي حنيفة - ﵀ -: لا يجوز لأحد المشترين رد نصيبه. وحكاه أبو ثور عن الشافعي - ﵁ -. والأول المذهب؛ لأن تعدد العاقد يوجب تعدد الصفقة في حق الرد؛ كما لو تعدد البائع، يجوز رد نصيب أحد البائعين.
ولو اشترى رجلان عبدًا من رجلين، فقد اشترى كل واحد ربع العبد من كل واحد من البائعين؛ فلكل واحد أن يرد الربع إلى أحدهما.
ولو اشترى رجلان عبدين من رجلين، فكل واحد منهما اشترى من كل واحد ربع كل عبد؛ فإذا وجدا بهما عيبًا، فلكل واحد منها رد جميع ما اشترى من أحدهما عليه.
ولو أراد أحدهما رد ربع أحد العبدين على أحدهما - فعلى قولين؛ لأنه تتبعض الصفقة على واحد في عبدين.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
ولو وكل رجلان رجلًا بالبيع أو بالشراء - فالاعتبار في تعدد الصفقة بالعاقد، أم بالمعقود له؟ اختلف فيه:
منهم من قال - وبه قال ابن الحداد، وهو الأصح: الاعتبار بالعاقد؛ لأن أحكام العقد تتعلق به.
وقال الشيخ أبو زيد والخضري: الاعتبار بالمعقود له؛ لأن الملك يقع له.
وقال الشيخ أبو إسحاق: في جانب البائع الاعتبار بالمعقود له؛ لأنه لا تعلق للعقد بوكيل البائع؛ بدليل أنه لو خالف موكله لا يصح البيع؛ ولو أنكر "المالك" وكالته، كان البيع باطلًا. وفي جانب المشتري الاعتبار بالعاقد؛ لأن العقد له تعلق بوكيل المشتري؛ بدليل أنه لو خالف موكله، يقع العقد للوكيل، ولو أنكر الموكل وكالته كان العقد لازمًا للمشتري.
خرج من هذا أنه لو وكل رجلان رجلًا ببيع عبد لهما، أو أحد الشريكين وكل صاحبه؛ فباع الكل - فعلى الوجه الأول: لا يجوز للمشتري رد نصيب أحدهما؛ وهو أحد الموكلين، لأن العاقد واحدٌ، وعلى الوجهين الآخرين: يجوز.
ولو وكل رجلان رجلًا بشراء عبد، أو وكل رجلًا بشراء عبد له ولنفسه؛ ففعل - فعلى قول ابن الحداد، وأبي إسحاق: لا يجوز لأحد الموكلين رد نصيبه.
وعلى قول أبي زيد والخضري: يجوز؛ لتعدد المعقود له.
وقيل في هذه الصورة: إذا كان البائع عالمًا أنه يشتري لرجلين، يجوز لأحدهما رد نصيبه؛ لأن البائع قد رضي به، وإن كان جاهلًا فلا.
ولو وكل رجلان رجلًا ببيع عبد، ووكل رجلان رجلًا بشرائه؛ فباع أحد "الوكيلين" من الآخر - فعلى قول ابن الحداد: حكمه حكم ما لو باع واحد من واحد لا يجوز التفريق.
وعلى قول أبي زيد: حكمه حكم ما لو باع اثنان من اثنين.
وعلى قول أبي إسحاق: حكمه حكم ما لو باع رجلان من واحد. وقس عليه تعدد الوكيل، دون الموكل.
ولو اشترى شيئًا من رجل، ومات الرجل المشتري عن ابنين، ووجدا به عيبًا؛ فأراد أحدهما الرد دون الآخر - ليس له ذلك؛ لأن الصفقة وقعت متحدة.
وهل له أخذ الأرش لنصيبه؟ نظر:
[ ٣ / ٤٤٣ ]
إن وقع اليأس من رد صاحبه؛ بأن رضي به، له أخذ الأرش، إلا أن يرضى البائع بقبول نصفه فيرده.
وإن لم يقع اليأس من رد صاحبه، فإن كان غائبًا أو جاهلًا فوجهان:
أصحهما: له أخذ الأرش؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا؛ لأنه ربما يوافقه صاحبه في الرد.
وكل لو اشترى رجل بوكالة رجلين لهما شيئًا، وقلنا: الاعتبار بالعاقد - ليس لأحد الموكلين رد نصيبه [بالعيب].
وهل له أخذ الأرش؟ فعلى هذين الوجهين:
ولو اشترى شيئًا واحدًا بصفقتين: نصفه بصفقة، والنصف الآخر بصفقة أخرى من ذلك الرجل، أو من غيره- جاز له رد أحد النصفين بالعيب دون الثاني؛ لتعدد الصفقة.
فصل فيما يثبت الرد من العيوب والخلف
إذا اشترى شيئًا؛ فوجد به عيبًا كان موجودًا يوم العقد، أو حدث قبل القبض - له الرد.
والعيب: ما ينقص القيمة عند التجار؛ مثل: الجنون والجُذام والبرص والشلل، والعرج، والعمى، والعور، والصمم، وكونه مقطوع إصبع أو أنملة. أو كونه "أخفش"، أو أعمش، أو أعشى، أو أجهر أو أفقم، أو أخشم أو مُتدرد الأسنان،
[ ٣ / ٤٤٤ ]
أو لا يعرف طعم الأشياء، أو يجده خُنثى أو خصيا، أو له إصبع زائدة، أو سن شاغية، أو وجد الجارية مستحاضة، أو وجده سارقًا أو آبقًا أو شربًا، أو مقامرًا، أو وجده زانيًا، أو وجد به بخرًا أو صنانًا؛ عبدًا كان أو جارية - فله الرد.
وعند أبي حنيفة تُرد الجارية بكونها زانية أو بالبخر والصنان، ولا يرد الغلام؛ أنه يستفرش الجارية؛ فيتضرر بهذه العيوب منها.
قلنا: يتضرر أيضًا بزنا الغلام؛ فإنه يجلد هره، ولا يأتمنه على أهله، ويتضرر بصنُانه وبخره عند المكالمة ويعافه.
ولو زنى مرة في يد البائع، ثم تاب، وحسنت حالته -يجوز للمشتري رده به؛ بخلاف الشرب المتقادم لا يثبت الرد إذا كان تاب عنه؛ لأن سمة الزنا لا تزول عنه؛ بدليل أنه لا يحد قاذفه إذا كان حرًا، وإن كان تائبًا، وسمة الشرب نزول.
ولو وجده يبول في الفراش؛ فإن كان صغيرًا دون سبع لا رد له، وإن كان كبيرًا له الرد.
وعند أبي حنيفة: ترد الجارية دون الغلام.
ولو وجد العبد يمكن من نفسه يرده؛ صغيرًا كان أو كبيرًا.
وقال أبو حنيفة: لا يرد به الصغير؛ لأنه يخدع.
قلنا: إذا اعتاده في الصغر يستمر في عادته في الكبر.
ولو وجده مغنيًا أو حجامًا، لا رد له؛ لأنه يمكنه [رده و] منعه عنه.
ولو وده ولد زنا، لا رد له؛ لأن نسب المملوك لا يقصد؛ فإن الغالب منهم لا يُعرف نسبهم.
ولو وجده أقلف أو مختونًا لا رد له.
وقيل: يرد العبد الكبير إذا كان أقلف؛ لأنه يخاف عليه؛ فإن كان صغيرًا، أو كانت أمة صغيرة كانت أو كبيرة - لايرد.
فإن شرط أنه مختون؛ فبان أقلف، له الرد، ولو شرط أنه أقلف؛ فبان مختونًا، لا رد
[ ٣ / ٤٤٥ ]
له؛ حتى لو باع عبدًا أقلف؛ فختنه البائع قبل التسليم، أو له سن شاغية؛ فقلعها، أو إصبع زائدة، فقطعها؛ فاندمل -لا خيار للمشتري.
ولو قلعه المشتري بعد القبض، فاندمل، ثم وجد به عيبًا قديمًا - له الرد؛ كما لو اشترى عبدًا؛ فحجمه أو فصده أو دابة؛ فبزغها، ثم وجد بها عيبًا - له الرد.
ولو اشترى جارية؛ فوجدها لا تحيض؛ نظر: إن كانت صغيرة، أو بلغت سن الآيات، فلا رد له. وإن بلغت سنًا تحيض فيها أكثر النساء؛ بأن بلغت عشرين سنة، ولم تحض، أو كانت لها عادة؛ فجاوزت عادتها - له الرد.
ولا تُرد لكبر السن، وترد الجارية والدابة بكونها حاملًا، ولا ترد الجارية بكونها عقيمًا، ولا الغلام بكونه عنينًا.
ولا يرد واحد منهما بونه أكولًا أو زهيدًا، وترد الدابة بكونها زهيدة؛ لأنه نقص في الدواب، ولا ترد بونها أكولة، وترد بونها جموحًا لا تركب إلا بمشقة.
ولو اشترى دارًا؛ فوجدها مثقلة بالخراج أو منزل الجنود - لا رد له إن كانت الدور التي بقربها مثلها؛ فإن كانت هذه أكثر خراجًا أو أكثر نزولًا، له الرد؛ فإن لم يكن على ما بقربها خراج، فله الرد، وإن قل خراجها.
ولو وجد الجارية مزوجة، أو وجد العبد ذا زوجة - له الرد؛ لأن التزويج ينقص القيمة؛ لأن منفعة بُضع الأمة تكون مشغولة بالزوج، ومكاسب العبد مصروفة إلى نفقة الزوجة ومهرها.
ولو علم العبد ذا زوج، ولكن لم يعلم أن عليه مهرًا، أو لم يعلم قدره- فله الرد؛ كما لو اشتراه عالمًا بالعيب، ولم يعلم مقداره له الرد.
ولو لم يعلم الجارية مزوجة؛ حتى وطئها الزوج بعد القبض - نظر:
إن كانت ثيبًا، فله الرد. ووافق فيه أبو حنيفة، وإن كانت بكرًا؛ فافتضها، فنقص الافتضاض من ضمان من يكون فيه وجهان.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
أحدهما - من ضمان البائع؛ لأن سببه؛ وهو النكاح قد وجد في يده.
والثاني -: وهو الأصح عندي: يكون من ضمان المشتري؛ لحدوثه في يده.
فإن قلنا: من ضمان البائع يجوز للمشتري الرد بسبب التزويج، فإن تعذر الرد؛ لحدوث عيب، أو هلاك - يرجع بما بين قيمتها بكرًا غير مزوجة، ومزوجة مفتضة من الثمن.
وإن قلنا: يكون من ضمان المشتري، فلا رد له بسبب التزويج؛ لنقص الافتضاض، بل يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمتها بكرًا غير مزوجة، وبكرًا مزوجة من الثمن.
وإن كان عالمًا بالتزويج أو علم ورضي به، ثم وجد بها عيبًا بعد ما افتضها الزوج في يد المشتري؛ فهل له الرد بهذا العيب؟
إن قلنا: الافتضاض من ضمان البائع، له الرد بالعيب القديم، وإلا فلا رد له إلا برضا البائع، فإن لم يرض، رجع بالأرش، وهو ما بين قيمتها مزوجة ثيبًا سليمة، ومزوجة ثيبًا معيبة.
ولو اشترى جارية ثيبًا من أبيه أو ابنه، فوطئها، ثم علم بها عيبًا - له الرد؛ ون حرمت بوطئه على البائع؛ لأن التحريم على البائع ليس بنقص.
وكذلك لو اشترى جارية رضيعة؛ فأرضعتها أم البائع أو ابنته، ثم علم بها عيبًا - له الرد؛ "كما" لو أرضعت امرأة رجل أمته بلبنه، لا شيء عليها، وإن حرمت الجارية على المولى.
وكذل لو اشترى جارية؛ فوجدها أخته من الرضاع، أو من النسب أو موطوءة ابنه -لا رد له؛ لأنها إن لم تحل له تحل لغيره.
ولو وجدها أمه، أو اشترى عبدًا؛ فوجده أباه، فقد عتق عليه، ولا رد له.
ولو وجد الجارية مجوسية، أو وثنية، أو مرتدة - له الرد؛ لأنها محرمة على كافة الناس.
ولو وجدها كتابية، أو وجد العبد كافرًا أصليًا أي كفر كان - نظر:
إن كان قريبًا من بلاد الكفر لا تقل الرغبات فيه، بسبب كفره -لا رد فيه.
وإن كان في بلاد الإسلام؛ بحيث تقل الرغبات في الكافر- له الرد. أما إذا وجد العبد مرتدًا، فله الرد.
ولو اشترى عبدًا؛ بشرط أنه مسلم، فبان كافرًا - له الرد. ولو شرط أنه كافر؛ فبان
[ ٣ / ٤٤٧ ]
مسلمًا، قيل: له الرد؛ لأن الكافر يرغب في شرائه المسلمون والكفار، والمسلم لا يرغب فيه إلا المسلمون، وقلة الرغبات تنقص القمية؛ كمن اشترى عبدًا؛ بشرط أنه خصي، فبان فحلًا، له الرد.
وقال أبو حنيفة - ﵀ -، وهو اختيار المزني: أنه لا رد له.
ومن أصحابنا من قال: إن كان قريبًا من بلاد الكفر، له الرد، وإلا فلا.
ولو وجد الجارية معتدة، له الرد، ولو وجدها محرمة أو وجد العبد محرمًا، له الرد إن أحرم بإذن المولى.
وإن أحرم دون إذنه، فلا رد له؛ لأن له تحليله.
ولو اشترى جارية، فوجدها بكرًا أو ثيبًا، لا رد له؛ لأنه ليس بعيب؛ فإن وجدها رتقاء أو قرناء له الرد؛ لأنه عيب.
ولو شرط أنها بكرٌ، فكانت ثيبًا، له الرد.
ولو شرط أنها ثيب؛ فبانت بكرًا، لا رد له؛ على أصح الوجهين؛ لأنه زيادة منقبة فيها، كما لو شرط في العبد أنه غير كاتب؛ فبان كاتبًا لا رد له.
وقيل: له الرد بالبكارة لأنه قد يضعف عن مباشرة البكر؛ فيرغب في الثيب. والأول المذهب؛ لأنه لا اعتبار برغبته، إنما الاعتبار بزيادة القيمة، وبالبكارة تزداد القيمة، وتكثر الرغبات فيها.
ولو اشترى جارية مزوجة، على أنها بكر؛ فكانت ثيبًا- هل له الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا رد له؛ لأنه لا غرض للمشتري فيها، وأن منفعة بضعها مستحقة للزوج.
والثاني- وهو الأصح: له الرد؛ لأن رقبة بضعها مملوكة له؛ بدليل أنها لو وطئت يكون المهر له.
ولو وجد الجارية جعدة أو سبطة الشعر، لا رد له؛ لأنه ليس بنقص.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
ولو شرط أنها جعدة؛ فإذا هي سبطة، له الرد. ولو شرط أنها سبطة؛ فبانت جعدة، فعلى وجهين:
أصحهما: لا رد له؛ لأن الجعودة في الشعر زيادة.
وإن كان شعرها أحمر، لا رد له. وإن كان أبيض؛ نظر: إن كان لكبر السن، لا رد له، وإن كان أبيض قبل أوانه فله الرد؛ لأنه علة.
ولو سود البائع شعرها أو جعده؛ فظنه المشتري كذل، فظهر عليه بعده - له الرد؛ للتدليس.
وكذلك لو حمر وجهها؛ وظنها حسناء، له الرد؛ بخلاف ما لو ألبسه ثوب الكتبة، أو الخبازين؛ فظنه المشتري كاتبًا أو خبازًا فلم يكن - لا رد له؛ على ظاهر المذهب؛ لأن الإنسان قد يلبس ثوب غيره عارية؛ فلم يكن فهي تدليس، بل هو اغترار من جهة المشتري، واللون لا يستعار، فكان تغييره تغريرًا من البائع.
فرع: ولو شرط في العبد أنه كاتب أو خباز؛ فلم يكن له الرد؛ فإن كان يحسن منه ما يقع عليه الاسم، لا رد له، ولا تشترط النهاية فيه.
ولو شرط في العبد، أنه فحل؛ فبان خصيًا - له الرد، وكذلك لو شرط؛ أنه خصي؛ فبان فحلًا؛ لأن الأغراض تختلف بهما.
وكل موضع أثبتنا له حق الرد بالعيب أوب الخلف في الشرط - فهو على الفور؛ حتى لو أخر الفسخ بعد العلم مع الإمكان لبطل حقه من الرد.
ثم إن كان البائع حاضرًا أو وكيله، رد عليه بنفسه، أو بوكيله، ولايحتاج إلى حضور مجلس الحاكم.
وإن كان البائع غائبًا، رده بمحضر الحاكم؛ حتى يضعه الحاكم عند عدل، فإن علمه في الليل؛ فأخر إلى طلوع النهار، لا يبطل حقه في الرد.
وهل يشترط الإشهاد إن أمكنه؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يشترط، ولا أن يقول بلسانه: فسخت.
ولو استعمل المبيع بعد العلم بالعيب، أو قال للعبد: اسقني - بطل حقه.
ولو ركب الدابة؛ لسقي أو للرد، بطل حقه، إلا أن تكون جموحًا لانتقاد للسقي.
وقال ابن سريج: لا يبطل، وبه قال أبو حنيفة.
ولو علفها، لا يبطل حقه، وكذل لو حلبها: لأن اللبن له.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
قال صاحب "التلخيص": لو اشترى دابة؛ فضرب عليها سرجًا أو إكافًا أو أعذرها أو أنعلها، ثم اطلع على عيب بها؛ فإن ترك السرج والإكاف عليها، بطل حقه من الرد، وإن ترك العذار لا يبطل؛ لأن يترك السرج والإكاف مستعمل، وبترك العذار غير مستعمل؛ لأنه يحتاج غليه لقودها.
ولو نزع النعل يبطل حقه؛ لأن نزعه يعيب الدابة بالنقبة التي تبقى، فإن كانت النقبة موجودة عند البائع، فأنعلها المشتري - فبالنزع لا يبطلحقه من الرد؛ فحيث قلنا: لا ينزع النعل؛ فلو ردها مع النعل يجبر البائع على قبولها.
ثم ترك النعل إليه تمليك، أم لا؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: تمليك؛ فإذا نزعه البائع، لايجب رده إلى المشتري، وإلا فيجب.
فحيث أثبتنا له الرد بالعيب؛ فقال البائع لا ترد؛ حتى أغرم لك أرش العيب، فله الرد، فلو صالحه عن الرد على شيء أو على حط بعض الثمن - لا يصح؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه خيار فسخ؛ فلا تجوز المصالحة عنه على مال؛ خيار المكان والشرط.
وقال ابن سريج؛ يجوز؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه حق يئول إلى المال؛ بدليل أنه إذا تعر الرد يأخذ الأرش، فهو كحق القصاص تجوز المصالحة عنه على مال.
فإن قلنا: لا تجوز المصالحة على مال، يجب على المشتري رد ما أخذ؛ وهل يبطل حقه من الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه أخر - الرد مع الإمكان.
والثاني - وهو الأصح-:لا يبطل؛ لأنه ترك بمقابلة عوض؛ فإذا لم يسلم له العوض، كان على حقه من الرد؛ كمن باع عبدًا بثوب، فإذا لم يسلم له الثوب، لا يبطل حقه من العبد.
وإذا زال العيب قبل العلم، أو بعد العلم قبل الرد- سقط حق الرد؛ لأن الضرر قد زال.
[أما إذا صالح عن العيب على مال، وجوزنا؛ فزال العيب - لا يجب رد المال؛ لأنه أخذ على جهة المعاوضة].
ولو اشترى شاة سمينة؛ فهزلت قبل القبض، ثم سمنت - هل للمشتري الفسخ؟ فيه
[ ٣ / ٤٥٠ ]
وجهان؛ بناء على ما لو غصب شاة سمينة؛ فهزلت، ثم سمنت، ثم ردها - هل يجب ضمان السمن الأول، أم ينجبر بالثاني فيه وجهان:
إن قلنا: ينجبر بالثاني، فلا فسخ له، وإلا فله الفسخ.
وإذا رد البيع بالعيب، يسترد الثمن إن كان قائمًا، فإن كان معينًا أخذ عينه، وإن كان في الذمة؛ فنقده هل يتعين حقه فيه، أم للبائع أن يعطي مثله؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يعطي مثله؛ لأن حق البائع لم يكن متعينًا فيه حالة العقد؛ فحق المشتري لا يتعين فيه عند الفسخ.
والثاني: يتعين فيه حقه؛ لأنه تعين بالقبض؛ فصار كالمتعين في العقد.
وإن كان الثمن تالفًا، أخذ مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض؛ لأن قيمته إن كانت يوم العقد أقل؛ فزادت، فتلك الزيادة لمشتريه. وإن كانت أكثر؛ فانتقصت، فذلك النقصان حصل في ضمنا بائعه ولو أراد أن يستبدل منه شيئًا يجوز؛ كالقرض.
وإن كان الثمن قد خرج عن ملكه ببيع أو هبة، أو كان شقصًا مشفوعًا أخذه الشفيع - فهو كالتالف يأخذ قيمته.
وإن كان قد خرج "عن ملكه"، ثم عاد إليه، أو كان عبد؛ فكاتبه، ثم عجز - له أن يأخذ عينه؛ على أصح الوجهين؛ لأنه وجد عين ماله.
وقيل: يأخذ بدله، ولا يتعين حقه فيه؛ لأن البائع ملكه من غيره.
وإن كان الثمن ناقصًا؛ نظر:
إن كان نقصان جزء بأن كان قد اشترى دارًا بثوب وعبد، وتلف الثوب عند البائع؛ فإذا رد المشتري الدار، يسترد العبد، وقيمة الثوب.
وإن كان نقصان وصف من شلل أو عور ونحوه، فلا يغرمه الأرش؛ على الأصح.
ولو كان زائدًا بزيادة متصلة، أخذها، ولا شيء عليه.
فصل فيما يثبت الرجوع بالأرش
إذا وجد المشتري بالمبيع عيبًا بعد ما هلك في يده؛ بموت أو قتل، أو كان طعامًا أكله أو عبدًا أعتقه أو جارية قد استولدها، أو دارًا أوقفها -يرجع بالأرش؛ وهو أن ينر كم انتقص من قيمته بسبب العيب؛ فيرجع بتلك النسبة من الثمن.
[ ٣ / ٤٥١ ]
مثل: إن انتقص عُشر قيمته، فيرجع بعشر الثمن؛ سواء كان الثمن أكثر من القيمة أو أقل؛ لأن المبيع مضمون على البائع بالثمن.
وكيف تعتبر قيمته؟
قيل: تعتبر قيمته بيوم عقد البيع؛ لأن الثمن قابل المبيع يومئذ والأصح: أنه تعتبر بأقل القيمتين من يوم البيع إلى يوم القبض.
وقال أبو حنيفة: إن كان المبيع طعامًا؛ فأكله، أو عبدًا؛ فقتل: أنه لا يرجع بالأرش.
أما إذا كان المبيع قائمًا، لنه تعلق به حق الغير، لا يخلو: إما إن خرج عن ملكه، أو لم يخرج:
فإن خرج عن ملكه؛ نظر: إن خرج بعوض؛ بأن باعه، أو وهبه؛ بشرط الثواب - فلا يرجع بالأرش؛ لمعنيين:
أحدهما: لأنه استدرك الظلامة؛ بأن باعه كما اشتراه.
والثاني: لأنه ربما يعود إليه؛ فيرده.
وفائدة المعنيين: تتبين فيما لو وهبه مطلقًا، فهل يرجع بالأرش؟ فيه وجهان:
إن قلنا بالمعنى الأول، يرجع؛ لأنه لم يستدرك الظُلامة.
وإن قلنا بالثاني: فلا؛ لأنه ربما يعود إليه فيرد؛ حتى قال بعض أصحابنا: لو كان وهبه من ابنه، فلا يرجع بالأرش؛ لأنه يمكنه أن يرجع في الهبة، ثم يرد؛ كما لو لم يخرج عن ملكه. والصحيح: أنه خارج عن ملكه.
فلو باعه [المشتري]، ثم المشتري الثاني رد عليه بالعيب - فله رده على الأول.
وإن كان علم بالعيب في يد الثاني؛ حتى ولو كان باعه بشرط الخيار، وعلم بالعب في زمان الخيار، فلم يفسخ حتى فسخ المشتري، أو رده بالعيب - له أن يرد على الأول، ويترك الفسخ لا يبطل حقه من الرد.
ولو أراد المشتري الثاني أن يرد على البائع الأول - لم يكن له ذلك؛ لأنه لم يتلق الملك منه؛ ولأن البائع الثاني ربما يرضى به؛ فلا يرد.
وإن تلف المبيع في يد المشتري الثاني، أو كان عبدًا؛ فأعتقه، ثم علم بالعيب - له أن يرجع بالأرش على البائع الثاني، ثم البائع الثاني يرجع على الأول.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
فإذا اختلف الثمنان جنسًا أو قدرًا، فكل واحد يرجع بما نقصه العيب من ثمنه؛ حتى لو كان ثمن الأول عشرة، وثمن الثاني عشرون، والعيب يُنقص عُشر قيمته - فالمشتري الثاني يرجع بدرهمين على بائعه، ثم بائعه يرجع على الأول بدرهم.
وهل للبائع الثاني أن يرجع على الأول بالأرش قبل أن يغرم للمشتري الثاني؟ فيه وجهان؛ بناء على المعنيين:
إن قلنا: عدم الرجوع بالأرش؛ لاستدراك الظلامة، فلا يرجع على الأول ما لم يغرم للمشتري الثاني الأرش، حتى لو أبرأه المشتري الثاني على الأرش، لارجوع للبائع الثاني على الأول بشيء.
وإن قلنا: المعنى فيه: أنه ربما يعود إليه؛ فيرد هاهنا وقع اليأس عن العود إليه؛ فيرجع بالأرش، وإن أبرأه المشتري الثاني.
ولو حدث بالمبيع عيب في يد المشتري الثاني، ثم ظهر على عيب قديم - فنه يعرض الرأي على البائع الثاني؛ فإن قبله مع العيب الحادث أخذه، ثم يعرض الرأي على البائع الأول؛ فإن قبله وألا أخذ أرش العيب القديم منه.
فلو أن البائع الثاني لم يقبله مع العيب الحادث، بل غرم الأرش- هل يرجع بالأرش على البائع الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لأنه يقول: كان عليك أن تقبله مع الحادث، ثم تعرض الرأي عليَّ لعلِّى أقبله.
والثاني: يرع؛ كما لو تلف في يد المشتري الثاني، ورجع بالأرش على البائع الثاني، يرجع هو على الأول.
أما إذا باع المشتري المبيع، ثم عاد إليه لا بطريق الرد؛ بأن اتهبه أو ورثه، أو قبل الوصية؛ أو كان باعه بعوض، ثم وجد بالعوض عيبًا فرده، واسترد المبيع - هل له رده بالعيب على الأول؟ فيه وجهان
أحدهما: لا؛ لأنه استدرك الظلامة بالبيع.
والثاني: يرد؛ كما لو رد عليه بالعيب يرده.
وإن عاد إليه بطريق الشراء، ثم وجد به عيبًا قديمًا كان في يد البائع الأول - فعلى من يرد؟ فيه أوجه تنبني على المعنيين:
إن قلنا: استدرا الظلامة، فهاهنا يرد على الثاني؛ لأنه استدرك ظلامة البيع الأول.
وإن قلنا: بالمعنى الآخر، فيه وجهان:
[ ٣ / ٤٥٣ ]
أحدهما: يرد على الأول؛ لأن المبيع قد عاد إليه.
والثاني: يرد على أيهما شاء؛ لأن كل واحد من العقدين مثبت للرد؛ فعلى هذا عن رد على الثاني، ثم هو رد عليه - له أن يرد على الأول.
فأما إذا خرج المبيع عن ملكه بغير عوض؛ بأن وهبه، ثم عاد إليه -نظر: إن عاد إليه بغير عوض:
فإن قلنا: ليس له أخذ الأرش؛ لأنه ربما يعود إليه، فهاهنا يرد.
وإن جوزنا له أخذ الأرش، فوجهان:
أحدهما: لا رد له، وحقه في الأرش.
والثاني: له الرد؛ لأن أخذ الأرش كان لتعذر الرد، وقد زال.
وإن عاد إليه بعوض؛ بأن اشتراه ثانيًا:
فإن قلنا: إذا عاد إليه بغير عوض، لا رد له؛ فهاهنا يرد على الثاني.
وإن قلنا: إذا عاد إليه بغير عوض، له الرد على الأول؛ فهاهنا من يرد؟ فيه ثلاثة أوجه
أحدها: على الأول.
الثاني: يرد على الثاني.
والثالث: يتخير بينهما؛ فعلى أيهما شاء رد.
ولو باع عبدًا من رجل، ثم اشتراه منه، ثم اطلع على عيب حدث في يد مشتريه - له أن يرد عليه.
وإن اطلع على عيب كان في يده؛ نظر:
إن كان مشتريه قد علم به، له أن يرد عليه؛ لأنه قد رضي به؛ فلا يمكنه أن يرده عليه.
وإن لم يعلم؛ نظر:
إن اشتراه بغير جنس ما باعه، أو بأكثر؛ له رده؛ لأن مشتريه إن رد إليه، يحصل له فائدة؛ وهو عود الثمن الأكثر إليه.
وإن اشتراه بمثل الذي باعه، فهل له الرد؟ فيه وجهان
أحدهما: لا؛ لأن مشتريه يرده عليه؛ فلا فائدة له في رده.
والثاني - وهو الأصح-: له الرد؛ لأن مشتريه ربما يرضى به؛ فلا يرده.
قلت: ولو تلف في يده، ثم ظهر على عيب قديم به؛ هل يرجع بالأرش على مشتريه؟
[ ٣ / ٤٥٤ ]
فكل موضع أثبتنا له رد المبيع، لو كان قائمًا، فله أن يرجع بالأرش، وإلا فلا.
ولو اشترى شيئًا؛ فباع نصفه، ثم وجد به عيبًا، لم يكن له رد النصف الآخر؛ لما فيه من التشقيص على البائع، ولا له أخذ الأرش للنصف الذي باعه؛ لأنه استدرك ظُلامته.
وهل له أخذ الأرش للنصف الثاني؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا؛ لأنه ربما يعود إليه النصف الآخر؛ فيرد الكل إليه. والأول أصح؛ كما لو حدث عنده عيبٌ؛ وود به عيبًا قديمًا، ولم يرض البائع بأخذه - فللمشتري أن يأخذ الأرش، ولا ينتظر زوال العيب الحادث.
ولو باع نصفه من بائعه، ثم وجد به عيبًا؛ هل هـ رد النصف الثاني؟ قيل: له ذلك؛ لأنه ليس فيه تبعيض الملك عليه.
والصحيح من المذهب: أن ليس له ذلك؛ لأن فيه تبعيض الصفقة. وهل له أخذ الأرش للنصف الثاني؟ فعلى وجهين؛ كما لو باع نصفه من غير بائعه.
ولو اشترى عبدًا؛ فباع نصفه، ثم مشتري النصف عتق ما اشترى، ثم وجد به عيبًا قديمًا - نظر:
إن كان موسرًا عتق كله، وعليه قيمة نصيب البائع الثاني، ثم البائع الثاني يرجع بأرش النصف الذي لم يبعه على بائعه؛ لأنه لم يتخلص عن ظلامته بالبيع، بل يقوم على المعتق ناقصًا؛ كما لو تلف عليه المبيع يرجع على بائعه بالأرش؛ وإن أخذ قيمته من المتلف، ثم المعتق إن رجع عليه بأرش نصيبه، يرجع هو على بائعه، وإن لم يرجع، هل له أن يرجع على بائعه؟ فوجهان، كما لو أتلف المبيع في يد المشتري الثاني.
وإن كان المعتق معسرًا، يوقف العتق على نصيبه، ويرجع البائع بأرش نصيبه. وهل يرجع بأرش النصف الذي باعه. فإن رجع عليه مشتريه رجع، وإلا فوجهان.
أما إذا تعلق بالمبيع حق الغير، ولم يخرج عن ملكه، ثم وجد به عيبًا؛ مثل: إن كاتبه، أو رهنه وسلمه، لم يكن له رده لحق الكتابة والرهن.
وهل له أخذ الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا يأخذ؛ لأنه قد يخرج عن الكتابة والرهن؛ فيمكنه رده؛ فعلى هذا: إذا عجز المُكاتب، أو افتك الرهن رده، وإذا عتق بأداء النجوم أخذ الأرش؛ لأنه عتق على
[ ٣ / ٤٥٥ ]
حكم ملكه، وإن أخذ عليه عوضًا؛ كما لو أعتقه؛ بخلاف ما لو باعه.
وإن أجر المبيع، ثم وجد به عيبًا؛ إن قلنا: بيع المُكراة لا يجوز، فهو كما لو رهنه.
وإن قلنا: يجوز، يعرض الرأي على البائع؛ فإن رضي به مسلوب المنفعة مدة الإجارة، رد عليه، ويترك في يد المستأجر، حتى تمضي مدته، وإن لم يرض به فهل للمشتري أن يأخذ الأرش، أو يصبر؛ حتى تمضي مدة الإجارة؛ فيرد؟ فيه وجهان.
ولو غصب المبيع أو أبق، لايمكنه الرد؛ لأن الرد مع الحائل لا يصح. وهل له أخذ الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لتعذر الرد.
والثاني: لا؛ لأنه لم يقع اليأس من العود إليه، بل يصبر؛ فإن عاد إليه رده، وإن هلك أخذ الأرش.
فصل في العيب الحادث مانع من الرد
إذا اشترى شيئًا؛ فحدث به عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب قديم به، سواء حدث الحادث بآفة سماوية، أو بجنايته، أو جناية غيره - يُعرض الرأي على البائع؛ فإن رضي به مع العيب الحادث رده إن شاء، ون لم يرد فلا أرش له، وإن لم يرض به البائع رجع عليه بأرش العيب القديم.
وعرض الرأي على البائع يكون على الفور؛ فن أخر مع الإمكان، بطل حقه من الرد والأرش.
وإن لم يرض به البائع، أخذ الأرش لا يكون على الفور، بل متى شاء أخذ.
وإن قال البائع: رده مع أرش العيب الحادث، فللمشتري إمساكه، وتغريمه أرش العيب القديم.
ولو قال المشتري: أرده مع أرش العيب الحادث، فللبائع ألا يرضى، ويغرم أرش العيب القديم.
وقال مالك، وابن أبي ليلى: للمشتري رده مع أرش العيب الحادث.
وإن كان العيب الحادث مما يزول غالبًا من: حُمى، أو صداع، أو رمدٍ - فهل له أن ينتظر زواله؛ حتى يرده سليمًا، أو يعرض الرأي على البائع؟ فيه قولان:
[ ٣ / ٤٥٦ ]
أحدهما: له ذلك؛ لأن الغالب أنه يزول.
والثاني: لا، بل يُعرض الرأي على البائع على الفور؛ فإن أخر، بطل حقه.
فلو زال العيب الحادث قبل العلم بالعيب القديم، أو بعد العلم به قبل عن قضى له بالأرش - له الرد.
وإن زال بعد ما قضى له بالأرش؛ أخذه أو لم يأخذه - هل له الفسخ، أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: بلى؛ لأن المانع من الفسخ هو العيب الحادث، وقد زال.
والثاني- وهو الأصح عندي-: لا فسخ له؛ لأن قبول الأرش قد تأكد بالحكم؛ فسقط حق الفسخ.
وقيل: إن كان قبل أخذ الأرش له الفسخ، وإن كان بعد أخذه فلا فسخ له.
ولو زال العيب القديم فلا أرش له، وإن كان قد أخذه فعليه رده.
وقيل: في وجوب رده وجهان؛ بناء على ما لو نبتت سن المجني عليه بعد أخذ الدية، هل عليه رد الدية؟ فيه قولان.
ولو اشترى عبدًا؛ فوجد بعينه بياضًا، وحدث عنده بياض آخر، ثم زال احد البياضين، واختلفا: فقال البائع: زال القديم؛ فلا شيء لك، وقال المشتري: بل زال الحادث؛ فلي الفسخ - تحالفا، وأخذ المشتري أرش أحد البياضين. فإن اختلف البياضان، أخذ أرش أقلهما؛ لأنه اليقين، والبائع يستفيد بيمينه رد الفسخ، والمشتري يستفيد بيمينه أخذ الأرش.
ولو اشترى عبدًا محترفًا؛ فنسي الحرفة، أو نسي القُرآن، أو زوجه المشتري، أو كانت جارية فزوجها، ثم ود به عيبًا قديمًا - فهو كعيب حدث في يده؛ يعرض الرأي على البائع؛ فإن رضي بهن وإلا أخذ أرش العيب القديم.
ولو اشترى عبدًا؛ فأقر على نفسه بدين معاملة، أو أقر بدين إتلاف، وكذبه المولى، ثم وجد به عيبًا قديمًا - ل الرد؛ لأنه لا ضرر على المولى فيه؛ لأنه يتعلق بذمته لا برقبته.
وإن أقر "المشتري" عليه بدين الإتلاف، لا رد له بغير رضا البائع؛ فإن لم يرض أخذ الأرش.
فإن عفا المُقر له بعد أخذ المشتري الأرش، فهل له رد الأرش، وفسخ البيع؟
فيه وجهان.
وكذلك كل موضع حكمنا له بالأرش؛ لخروجه عن ملكه بغير عوضٍ؛ أو رهن، أو
[ ٣ / ٤٥٧ ]
كتابة، أو إباقٍ؛ فأخذ الأرش، ثم زال المانع - هل له رد الأرش، وفسخ البيع؟
فيه وجهان. الأصح عندي: لا فسخ له.
وإن كان المشتري دبر العبد، أو علق عتقه بصفة، ثم وجد به عيبًا - له الرد؛ لأنه لا يمنع البيع.
فصل في اختلاف المتبايعين في العيب
إذا اختلف المتبايعان في العيب؛ نظر:
إن اختلفا في أصل العيب، فقال المشتري به عيب خفي، وأنكر البائع - فالقول قول البائع، وعلى المشتري إثباته بالبينة؛ لأن الأصل سلامته.
وكذلك لو اختلفا في صفة به؛ هل هي عيب أم لا؟ فإن قال واحد من أهل العلم به: إنه عيب رده، وألا فالقول قول البائع؛ إنه ليس بعيب.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
ولو اتفقا على العيب، واختلفا: فقال المشتري: كان موجودًا يوم العقد، وقال البائع بل حدث عند المشتري، وكل واحد منهما محتمل - فالقول قول البائع؛ لأن المشتري يروم فسخ العقد، والأصل مُضية على السلامة؛ فيحلف البائع على البت لقد باعه بريئًا من هذا العيب، وإذا حلف لا رد للمشتري، ولا أرش له، وإن نكل حلف المشتري ورده.
وقال المزني - ﵀ -: وجب أن يحلف لقد أقبضته بريئًا من العيب؛ لاحتمال حدوثه بعد البيع قبل القبضن ويكون ذلك من ضمان البائع.
قلنا: يمينه على وفق دعوى المدعي؛ فإن ادعى أنه باعه معيبًا؛ يحلف على أنه باعه بريئًا، وإن ادعى أنه أقبضه معيبًا، يحلف لقد أقبضه بريئًا.
ولو ادعى أنه باعه معيبًا، أو قال: أقبضه معيبًا، فأجاب البائع: إنه لا يلزمني تسليم
[ ٣ / ٤٦٢ ]
شيء إليك، ولا تستحق بهذا العيب ردًا، وحلف عليه - جاز، ولا يكلف أن يحلف أنه لم يبع، أو لم يقبض معيبًا؛ لاحتمال أنه باعه معيبًا، ولكن المشتري قد رضي به؛ فتكون يمينه جائزة؛ على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك.
فإذا حلف البائع أنه باعه، أو أقبضه بريئًا من العيب، ثم اختلف المتبايعان في الثمن - تحالفا وانفسخ البيع بينهما.
فلو قال البائع بعد الفسخ للمشتري: إني قد حلفت أني بعته بريئًا من العيب، فاغرم لي أرش العيب - ليس له ذلك؛ لأن كان في الدعوى الأولى مدعى عليه؛ فقبلنا قوله، والآن صار مدعيًا فلا يقبل قوله، ولكن له تحليف المشتري على أنه لا يلزمه تسليم شيء إليه.
ولو اتفقا على أن العيب كان موجودًا يوم البيع، أو حدث قبل القبض؛ فقال البائع قد علمته ورضيت به، أو قال: أخرت الفسخ مع الإمكان، وأنكر المشتري - فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرضا، وبقاء حق الرد.
فصل في بيع ما مأكوله في جوفه وفيه عيب
إذا اشترى شيئًا مأكوله في جوفه؛ مثل: الرمان، والبطيخ، والرانج، والجوز، واللوز، والبيض، فكسره؛ فوجده فاسدًا - نظر:
إن لم يكن لفاسده المكسور قيمة؛ كالبيضة يجدها مذرة بعد ما كسرها، أو شواها - يسترد جميع الثمن، وكان البيع باطلًا؛ لوروده على ما لا قيمة له.
وإن كان لفاسده المكسور - قيمة؛ كالرانج، وبيض النعامة - يمكن الانتفاع بقشره بعد الكسر؛ وكالبطيخ يخرج حامضًا أو مُرًا، أو يجد بعضه مُدودًا- نظر:
إن كسره كسرًا لا يمكن معرفة فساد باطنه إلا به، بأن كسر الجوز، وقور البطيخ تقويرًا صغيرًا؛ فوجده حامضًا أو شقه فوده مُدودًا؛ فإنه لا يمن معرفته إلا بالشق، أو ثقب موضع العلامة من الرانج - فهل له الرد؟ فيه قولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا رد له إلا برضا البائع؛ كما لو اشترى ثوبًا فقطعه، ثم وجد به عيبًا، بل يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته صحيحًا سليم اللب وفاسد اللب من الثمن.
والقول الثاني: له الرد؛ لأنه لا يتوصل إلى معرفة العيب إلا به؛ كما لو اشترى ثوبًا؛ فنشره أو مُصراة؛ فحلبها، ثم علم بالعيب - له الرد.
فإن قلنا: له الرد، فهل يغرم أرش الكسر؟ فيه قولان.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
أحدهما: بلى؛ كما في المُصراة إذا ردها يرد معها صاعًا من التمر.
والثاني - وهو الأصح-: لا يغرم؛ لأنه إذا لم يتوصل إلى معرفة العيب إلا بالكسر؛ فكأن البائع سلطه عليه.
وليس كالمصراة؛ لأن هناك يغرم الصاع بمقابلة ما بقي عنده من اللبن.
وإن قلنا: يغرم الأرش، يجب عليه ما بين قيمته صحيحًا فاسد اللب، ومكسورًا فاسد اللب، ويغرم من القيمة لا من الثمن؛ لأن العقد يرتفع بالرد.
أما إذا كسره كسرًا يمكن معرفة العيب بدونه؛ بأن رض بيض النعامة، أو قور البطيخ تقويرًا كبيرًا، وأمكن معرفة حموضته بدونه، أو كسر الرانج، وأمكن معرفة فساد باطنه بفتح موضع العلامة، أو كسر البيضة، وأمكن معرفة فسادها بالقلقلة - فلا رد له، ويرجع بالأرض.
وكذلك لو اشترى ثوبًا مطويًا؛ فنشره، ثم وجد به عيبًا، وانتقص قيمته بالنشر، ولم يكن معرفة العيب بدون النر - فهل له الرد؟ فعلى قولين.
ولو اشترى رُمانًا مطلقًا؛ فوجده حامضًا أو مُرا - لا رد له؛ لأنه ليس بعيب؛ بخلاف البطيخ يجده حامضًا؛ لأن حموضة البطيخ عيب.
فإن شرط في الرمان أنه حلو؛ فبان حامضًا، نظر:
إن عرف حموضته بغرز إبرة فيه، له الرد.
وإن شقه فلا رد له، بل يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته حلوًا وحامضًا من الثمن.
فإن عرف حموضته بغرز إبرة فيه، ثم بعد ذل شقه، بطل حقه من الرد والأرش جميعًا.
فصل في بيع العبد المرتد
بيع العبد المرتد جائز؛ لأن ردته لا تسلب ماليته، وليس فيه إلا خوف الهلاك؛ كالمريض المدنف يجوز بيعه.
ثم إن قُتل قبل القبض، انفسخ البيع، وإن قبضه المشتري: فإن كان عالمًا بردته، أو علم ورضي به لا شيء له، وإن كان جاهلًا بردته فله الرد.
فلو لم يعلم حتى قتل. قال ابن سُريج: يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته مستحق القتل، وغير مستحق القتل من الثمن؛ كما في سائر العيوب، والقتل يكون من ضمان المشتري.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
ومن أصحابنا من قال: يرجع بجميع الثمن؛ وبه قال ابن الحداد؛ وهو الأصح؛ لأنه قتل حصل بسبب كان عند البائع، فيكون من ضمانه.
وكذلك إذا اشترى عبدًا، وبه جرح سار، أو مرض مخوف فمات - نظر: إن مات قبل القبض فينفسخ البيع، وإن مات بعده فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: من ضمان البائع، فيرجع بجميع الثمن.
والثاني: من ضمان المشتري؛ فيرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته صحيحًا ومجروحًا جرحًا ساريًا.
أما إذا كان به مرض غير مخوف [مثل: صُداع] أو حمى لم يعلمه المشتري، فازداد في يده ومات- فيرجع بالأرش؛ لأنه مات بزيادة مرض، لا بسبب كان في يد البائع.
ولو باع عبدًا قتل في المحاربة نظر: إن تاب قبل القدرة فهو كبيع العبد الجاني، فإن أخذ قبل التوبة فهو كبيع - العبد المرتد؛ على الصحيح من المذهب لأن قتله حتم لا يقبل العفو.
وقيل: كبيع العبد الجاني.
ولو باع عبدًا قد جنى جناية موجبة للمال أو أتلف مالًا لإنسان؛ فتعلق الضمان برقبته - نظر: إن باعه بعد اختيار الفداء جاز.
وإن باعه قبل ذلك، نظر:
إن كان البائع معسرًا لا يصح البيع؛ لأنه تعلق برقبته حق المجني عليه، ففي بيعه إبطال حقه.
وإن كان موسرًا فيه قولان:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه تعلق برقبته حق المجني عليه؛ كبيع المرهون لا يصح، بل هذا أولى؛ لأن حق الجناية آكد من حق الرهن؛ بدليل أن العبد المرهون إذا جنى يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن؛ فيباع في الجناية.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني -: يصح البيع، ويصير السيد مختارًا للفداء؛ بخلاف المرهون؛ لأن هناك منع المالك نفسه من التصرف بعقده، وفي الجناية بخلافه.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
وإن كانت الجناية موجبة للقود؛ فاختلفوا في جواز بيعه.
منهم من قال: فيه قولان؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال.
ومنهم من قال: يصح قولًا واحدًا؛ لأنه ليس فيه إلا استحقاق القتل؛ كبيع المرتد.
ومنهم من قال: هذا يبني على أن موجب العمد ماذا؟ وفيه قولان:
إن قلنا: موجبة القود، فيصح بيعه؛ كبيع المرتد.
وإن قلنا: موجبه أحد الأمرين: إما القود أو الدية، فعلى قولين؛ كالجناية الموجبة للمال؛ فحيث وزنا البيع فقتل في يد المشتري، فكالمرتد يقتل.
أما إذا أعتق العبد الجاني؛ نظر:
إن كان موسرًا ينفذ إعتاقه، وعلى السيد الفداء.
وإن كان معسرًا فلا ينفذ؛ بخلاف إعتاق المرهون؛ حيث اختلف القول فيه؛ موسرًا كان أو معسرًا؛ لأن في الجناية إن كان موسرًا ينتقل حق المجني عليه من رقبة العبد إلى ذمة المولى؛ وهو يقدر على نقل حق المجني عليه إلى ذمته باختيار الفداء، وفي المرهون لا يقدر، وإن كان معسرًا فلا ينفذ؛ لأن حق المجني عليه متعلق برقبة العبد لا غير، فلو نفذنا يقدر، وإن كان معسرًا فلا ينفذ؛ لأن حق المجني عليه متعلق برقبة العبد لا غير، فلو نفذنا إعتاقه مع الإعسار بطل حق المجني عليه.
وفي الرهن حق المرتهن في ذمة الراهن؛ وهو بعد نفوذ العتق ثابت في ذمته.
ولو استولد الجارية فإن كان معسرًا لا ينفذ استيلاده وإن كان موسرًا ينفذ؛ كالعتق، وعلى السيد الفداء.
ولو باع عبدًا وجب عليه قطع السرقة، يصح قولًا واحدًا؛ وهو كعيب به، ثم إن كان المشتري عالمًا، لا خيار له إذا قطعت يده.
وكذلك إذا باعه وقد وجب عليه قطع القصاص، وجوزنا البيع، فإن كان جاهلًا ولم يعلم؛ حتى قبضه وقطعت يده في يد المشتري - فالقطع من ضمان من يكون؟ فيه وجهان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة -: من ضمان البائع؛ لأن السبب وجد في يده؛ فعلى هذا له الرد.
والثاني- وبه قال ابن سريج، وهو قول أبي يوسف، ومحمد -: يكون من ضمان المشتري، فلا رد له، بليرجع بما بين قيمته سارقًا وغير سارق.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وإن كان عالمًا بكونه سارقًا؛ فقطعت يده، لا شيء له.
فلو وجد به عيبًا قديمًا بعد القطع، فهل له الرد أم لا؟
إن جعلنا القطع من ضمان البائع فله الرد، ون جعلناه من ضمان المشتري فلا رد له، بل يرجع بالأرش؛ وهو ما بين قيمته سارقًا غير مقطوع معيبًا، وغير معيب.
فصل هل يملك العبد أم لا؟
روي عن ابن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع".
العبد إذا احتطب أو احتش، يكون ملكًا للسيد؛ فلو ملكه غير المولى شيئًا، يكون ملكًا للمولى.
فأما إذا ملكه المولى شيئًا فقبل، فهل يملك فيه قولان:
أحدهما - وهو قول الجديد، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة -: لا يملك؛ لأنه مملوك كالبهيمة؛ ولأنه لا يملك بالإرث؛ فلا يملك بالتمليك.
وقال في القديم - وبه قال مال: يملك؛ لقول النبي - ﷺ -: من باع عبدًا وله مالٌ أضاف المال إليه دل على أنه يملك.
ومن قال بالأول: أجاب بأن ملك الإضافة ليست إضافة ملك؛ كما يقال: سرج الدابة، وغنم الراعي؛ يدل عليه أنه قال: "فما له للبائع" إضافة إلى البائع بعد ما أضافه إلى العبد؛ فثبت أن إضافته إليه مجاز، وغلى مالكه حقيقة؛ حيث حكم ببقائه له بعد بيعه.
فإن قلنا: يملك فللمولى أن يرجع متى شاء. وعلى القولين جميعًا: لو باعه الولي بعد ما ملكه مالًا، أو أعتقه لا يتبعه المال، بل يبقى للمولى.
ولو باعه مع المال؛ فإن قلنا: لا يملك العبد، فيتشرط أن يكون المال الذي معه معلومًا، ويكون عينًا، فإن كان دينًا، أو مجهولًا، أو كان دراهم، وباعه مع العبد بدراهم - لا يصح البيع.
وإن قلنا: يملك بالتمليك، فباعه مع المال، يصح؛ سواء كان المال مجهولًا أو دينًا أو ربويًا وباعه بجنسه؛ لأنه تبع له؛ كحقوق الدار تتبع الدار في البيع مع كونها مجهولة، وكذلك الحمل في البطن؛ غير أن حقوق الدار والحمل تدخل في البيع من غير الذكر، ومال
[ ٣ / ٤٦٧ ]
العبد لا يدخل في البيع إلا بالذكر؛ لأن حق الرجوع ثابت للمولى فيه، فإذا باعه ولم يذكر المال كان راجعًا.
ولو باع عبدًا؛ فثياب بدنه هل تدخل في البيع؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا تدخل؛ كسرج الدابة، والعذار على رأسها.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة -: يدخل؛ لأن العادة لم تجر بنزع الثياب من العبد.
والنعل في رجل الدابة تدخل في البيع. وأما بُرة الناقة إن كانت من خشب أو حديد تدخل، وإن كانت من فضة أو ذهب فلا تدخل.
فصل في حكم التدليس في البيع
رُوي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من غشنا، فليس منا".
التدليس في البيع حرام، ويأثم به الرجل.
وهو أن يكون بالمبيع عيب؛ فيكتم أو يكذب في الثمن؛ غير أنه لا يمنع صحة البيع بدليل خبر المصراة.
ثم التدليس قسمان:
قسم: يثبت الخيار للمشتري؛ كالتصرية، وتجعيد شعر الجارية، وتحمير وجهها.
وقسم: لا يثبت؛ كما لو ألبسه ثوب الكتبة والخبازين، ومن هذا النوع إذا قال: طلب مني بذا، وكان كاذبًا، أو كذب في رأس المال - فلا خيار للمشتري، إلا في المرابحة.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
وكذلك لو باع بغبن فاحش على المشتري، لا خيار للمشتري؛ لأن النبي - ﷺ - قال لحبان بن منقذ، وكان يغبن في البيع: "إذا ابتعت فقل: لا خلابة" وجعل له الخيار ثلاثًا؛ فلم يثبت الخيار بالغبن، إنما أثبته بالشرط.
وقال مالك: إن كان الغبن أكثر من الثلث، فله الخيار.
فصل في بيع ما يترتب عليه معصية
يكره بيع العصير، والعنب، والرطب ممن يتخذ الخمر والنبيذ، وكذلك بيع السلاح والسيف ممن يقطع الطريق، إلا أن العقد يصح؛ لأنه لا يتيقن منه ذلك.
ولا يجوز بيع السيف والسلاح من أهل الحرب، ولا الوصية لهم به؛ فإن فعل، فلا ينعقد؛ لأن الغالب أنه يقاتل بها المسلمين.
وهل يجوز بيع السلاح من أهل الذمة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ لأنهم ي ذمة المسلمين؛ فلا يقاتلونهم ويجوز من أهل البغي، ويجوز بيع الحديد من أهل الحرب؛ لأنه لا يتعين للسلاح.
ويكره مبايعة من أكثر ماله ربا أو حرام؛ خوفًا من أن يقع في الحرام.
قال النبي - ﷺ -: "من وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ الراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه".
[ ٣ / ٤٦٩ ]
إلا أن العقد صحيح؛ لإمكان الحلال فيه؛ فإن تيقن كونه من الربا أو من الحرام، أو مختلطًا بشيء منه - فلا يصح البيع.
باب بيع البراءة والاستبراء في البيع
روي أن عبد الله بن عمر - ﵁ -"باع غلامًا بثمانمائة درهم بالبراءة". فقال الذي ابتاعه: "بالعبد داء لم تسمه لي". فاختصما إلى عثمان ﵁؛ فقضى عثمان على عبد الله بن عمر؛ أن يحلف: لقد باعه بالبراءةن وما به داء يعلمه. فأبى عبد الله بن
[ ٣ / ٤٧٠ ]
عمر؛ أن يحلف، وارتجع العبد، وباعه بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم".
إذا باع شيئًا، بشرط البراءة من العيوب، نظر: إن أعلمه بالعيب؛ فقال: على أني بريء من عيب الإباق أو السرقة، أو على أن به برص أو جراحة، وأراه مكانها - صح البيع،
[ ٣ / ٤٧٣ ]
وحصلت البراءة عما سماه دون غيره من العيوب.
أما إذا لم يعلم، بل قال: بعتك بشرط أني بريء من كل عيب به، أو بشرط ألا يرد بالعيب - ففيه أقوال:
أقيسها: ألا يبرأ عن عيب ما؛ علمه البائع أو لم يعلمه؛ لأن الرد بالعيب ثبت للمشتري بعد العلم؛ فلا يصح إسقاطه قبله؛ كما لو أسقط حق الشفعة قبل البيع.
والثاني: يبرأ عن [كل عيب]؛ علمه البائع فكتمه أو لم يعلمه؛ لأنه إسقاط حق لا يتضمن تمليكًا؛ فيصح مع الجهالة؛ كالطلاق.
والثالث: وهو الأصح -: يفصل بين الحيوان وغيره، ففي غير الحيوان لا يبرأ عن عيب ما؛ علم أو لم يعلم؛ لأنه تتيسر معرفته، وفي الحيوان يبرأ عن العيوب الباطنة التي لا يعلمها؛ لأنه قل ما يوقف عليها، ولا يبرأ عن عيب هو ظاهر؛ علم أو لم يعلم، ولا عن عيب بباطنه وهو عالم به؛ لأثر عثمان - ﵁-؛ ولأن الحيوان يغتذي بالصحة والسقم وتحول طبائعه، وقل ما يبرا من عيب يظهر أو يخفي؛ فلو لم تصحح البراءة عما بباطنه وهو لا يعلمن أدى ذلك إلى ألا يلزم العقد على الحيوان.
ولو باع عبدًا على أن به برصًا ولم يره موضعه، فهو كشرط البراءة مطلقًا.
فحيث قلنا: يبرأ، إنما يبرأ عن عيب كان موجودًا يوم العقد، فأما ما حدث بعد البيع قبل القبض لا يبرأ عنه، وله أن يرده به.
ولو شرط البراءة عن عيب يحدث بعد البيع قبل القبض، لا يصح قولًا واحدًا.
وعند أبي حنيفة: تصح البراءة عن العيوب الموجودة، وعما يحدث بعد البيع قبل القبض.
وعند مالك - ﵀-: لايبرأ عن شيء، إلا في موضعين.
أحدهما: أن يبيع الحيوان من النخاس.
والثاني: أن يبيع القاضي مال ميت في ديونه، يجوز بشرط البراءة؛ لأن النحاس يشتري الحيوان للذبح؛ فإذا لم يذبح، يطلب طريقًا إلى الرد، والقاضي يخاف من رده بعد تفرقه ثمنه في ديونه؛ فجاز بشرط البراءة فيه.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
فحيث قلنا: لا يبرأ عن عيب ما، هل يصح البيع؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ كما لو باع غائبًا على أن لا خيار له إذا رآه.
والثاني: يصح؛ لأن الظاهر سلامة المبيع، فهذا شرط يوافق ظاهر الحال؛ كما لو باع على أن لا عيب به، ولم يشرط البراءة - يصح، ثم إذا وجد به عيبًا له الرد.
وإن قلنا: يبرأ عما لم يعلم من العيوب، ولم يبرأ عما علمه - فاختلفا: فقال المشتري: علمت فكتمت، وقال البائع: لم أعلم - فالقول قول البائع مع يمينه؛ فيحلف بالله بعته وما علمت به عيبًا كتمته؛ بدليل حديث عثمان - ﵁-.
ولو اختلفا: فقال البائع: بعتك بشرط البراءة، وقال المشتري لم تشترط البراءة.
إن قلنا: شرط البراءة يبطل البيع، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأنه يدعي عدم البيع.
وإن قلنا: لا يبطل، تحالفا.
وقيل: القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الشرط.
وكذلك لو قال المشتري: اشتريت بشرط أنه كاتب، وأنكر البائع- تحالفا.
وقيل: القول قول البائع مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الشرط.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
فصل في الاستبراء
من اشترى جارية لا يحل له وطؤها إلا بعد الاستبراء، ولكن تسلم الجارية إليه؛ سواء كانت حسناء أو قبيحة.
وقال مالك: إن كانت قبيحة تسلم إليه، وإن كانت حسناء توضع على يد امرأة ثقة؛ حتى تمضي مدة الاستبراء؛ لأنه لا يؤمن من أن يطأها المشتري قبل الاستبراء؛ وهذا يشبه ضرب الأجل في الأعيان، والأعيان لا تقبل الآجال المعلومة المشروطة؛ فكيف تثبته هاهنا بلا شرط مع الهالة؛ لأن مدة الاستبراء مجهولة.
ولو اشترى عينًا غائبة؛ على أن يسلم في موضع كذا، أو بلد كذا - يجوز؛ كما في السلم، وإن كانت حاضرة لم يجز أن يعين مكانًا للتسليم؛ لأن العين لا تقبل الأجل، وتأخير تسليمه في مكان آخر نوع أجل.
ولو اشترى جارية مطلقًا، لم يكن له مطالبة البائع بكفيل بالعهدة؛ لأنه ضيع حقه بترك الشرط؛ سواء أراد البائع سفرًا، أو لم يرد.
وقال مالك: إن أراد البائع سفرًا، له مطالبته بالكفيل، وبالإنفاق.
ولو اشترى دارًا، له مطالبة البائع بالكفيل من غير شرط.
ولو اشترى جارية؛ فأتت بولد، فالولد ملك للمشتري، وإن أتت به في الحال؛ فلو ادعى البائع أني كنت وطئتها قبل البيع، وهذا الولد مني - نظر: إن صدقه المشتري، أو قامت بينة أنه أقر قبل البيع بوطئها، وباعها قبل الاستبراء - فالبيع باطل، والجارية أم ولد للبائع.
وإن كذبه المشتري؛ ولا بينة للبائع، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ يحلف بالله: لا يعلم أن الولد منه؛ سواء أتت به لأقل من ستة اشهر من وقت الشراء، أو لكثر؛ فإذا حلف، "فهما رقيقان له".
وهل يثبت نسب الولد من البائع؟ فيه قولان؛ ما لو أقر بنسب عبد الغير. الأصح: يثبت؛ لأنه لا ضرر على المشتري منه.
وقال أبو حنيفة: إن أتيت به لأقل من ستة أشهر من وقت البيع، فالقول قول البائع، ويُرد البيع. ووافقنا فيما لو ادعى البائع؛ أني كنت أعتقتها، أو استولدتها قبل البيع، أنه لا يقبل.
ولو أقر بوطئها عند البيع، فإن كان قد استبرأها، ثم باعها، فإن أتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء - فالبيع باطل، والجارية أم ولده.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا، لم يلحقه؛ لأنه لو أتت به في ملكه قبل البيع لم يلحقه، وإن لم يستبرئها البائع لحق البائع، وكانت أم ولد له والبيع باطل.
ولو باع الإمام جارية ضائعة أو لقطة، ثم حضر المالك؛ فادعى أنه كان قد أعتقها، أو استولدها هل يقبل؟ فيه قولان:
أحدهما: لايقبل؛ كما لو باعه بنفسه، أو باعه وكيله.
والثاني: يقبل؛ فيحكم ببطلان البيع وعتق العبد، ويرد الثمن إلى المشتري؛ لأنه ليس في دعواه تكذيب نفسه؛ بخلاف ما لو باع بنفسه؛ فإن دعواه تكذبه.
وإذا باعه وكيله، ففعل وكيله منسوب إليه [فلم يقبل قوله]. والله أعلم.
باب: بيع المرابحة
بيع المرابحة جائز؛ وهو: عقد ينبني فيه ثمن البيع الثاني على ثمن البيع الأول على جهة الأمانة مع زيادة تنضم إليه.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
فنقول: اشتريت هذا بكذا، وبعتك بما اشتريت وربح كذا، أو على العشرة درهمًا أو درهمين.
ولو ضم إلى رأس ماله زيادة، ثم ضم إليه ربحًا، يجوز؛ مثل: أن يقول: اشتريت بمائة، وبعتك بمائتين وربح كذا.
ولو لم يسم الثمن الأول.
فقال بعت بما اشتريت وربح كذا؛ فإن كان ثمن المبيع الأول معلومًا عندهما، جاز. وإن لم يعلم أحدهما، لم يجز؛ كما في غير المرابحة.
[ ٣ / ٤٨١ ]
وكذلك لو اشترى بكف من دراهم؛ لا يعرف وزنها، لا يصح بيعه مرابحة ما لم يعرفها.
ثم بيان رأس المال في المرابحة يكون بلفظين:
أحدهما: أن يقول: اشتريته بكذا، أو في معناه: ثمنه كذا.
الثاني: أن يقول قام علي بكذا، أو يقول: هو علي بكذا، أو قال: رأس مالي فيه كذا -فهو كقوله: اشتريته بكذا؛ لأن رأس المال عبارة عما ملكها به دون ما أنفق عليه.
ثم كل ما أنفق عليه من أجرة الدلال، والكيال، والحمال، والحارس، وكراء البيت -يجوز أن يضم إليه في لف: قام عليِّ، أو هو عَليَّ، ولا يجوز في لفظ الشراء، ورأس مالي؛ مثل: إن اشتراه بمائة، وأنفق عليه خمسين، ويقول: قام عليَّ بمائة وخمسين، فبعتك به وربح كذا - يجوز.
وفي لف الشراء: لا يجوز الضم، بل يقول اشتريت بمائة، وأنفقت عليه خمسين؛ فبعتك بجميعه، وربح كذا، وإن كان قد عمل شيئًا من هذه الأعمال بنفسه أو غلامه أو تلميذه، أو أمسك في بيته - لا يجوز أن يضم البيع، وأجرة عمله، وكراء بيته في واحد من اللفظين؛ لأن عمله لا يتقوم في حقه، إلا أن يقول: اشتريتهن أو قام علي بمائة، وأجرة عملي فيه كذا؛ فبعتك بها وربح كذا-[صح].
وكذلك لو اشترى ثوبًا بعشرة؛ فقصره بدرهم، أو رفاه، أو دارًا وطينها - ضم إلى العشرة الأجرة في لفظ قام دون لفظ الشراء.
فإن عمل بنفسه، لا يضم في واحد منهما.
وإن صبغه، ضم إليه ثمن الصبغ في لفظ: قام عليَّ دون لفظ الشراء، بل يفرد.
وإنما يضم إليه مؤنة غرمها؛ للاسترباح.
فأما ما غرم، لاستيقاء ملكه؛ مثل: نفقة العبد، وكسوته، وعلف الدابة - فلا يضم إليه في شيء من الألفاظ. وكان القاضي الإمام يقول: إن علف الدابة فوق العادة؛ للتسمين؛
[ ٣ / ٤٨٢ ]
فسمنت - يجوز أن يضم إليه في لفظ: قام عليَّ.
وأما أجرة الطبيب: إن اشتراه مريضًا ضم إليه في لفظ: قام عليَّ، وكذلك أجرة الختان. د
وإن اشتراه صحيحًا، فمرض، فلا يضم في شيء من الألفاظ؛ لأنه لاستبقاء ملكه؛ كالنفقة.
وكذلك لو جنى العبد جناية؛ ففداه، أو غصب؛ فأعطى شيئًا، واسترده - لا يضم إليه.
ولو اشترى شيئًا بعشرة؛ فخرج عن ملكه، ثم اشتراه بخمسة؛ فرأس ماله خمسة - لا يجوز أن يضم إليه ثمن الشراء الأول.
ولو اشتراه بعشرة؛ فباعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة؛ فرأس ماله عشرة، ويخبر بعشرة، ولا يلزمه أني حط عنه ربح البيع الأول؛ وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: رأس ماله خمسة؛ حتى قال: لو اشتراه بعشرة، وباع بعشرين، ثم اشتراه بعشرة- فلا يجوز بيعه مرابحة.
فنقول: عقود البائع لاتجمع في المرابحة؛ كما في الخسران؛ فإنه لو اشترى شيئًا بعشرين وباعه بعشرة، ثم اشتراه بعشرين فيخبر عن رأس ماله بعشرين، ولا يجوز أن يخبر بثلاثين.
ولو حط بعض الثمن؛ فباعه بلفظ؛ قام عليّ، يخبره بما بقي؛ سواء حط في المجلس، أو بعده؛ حتى لو ط الكل لا يجوز بيعه مرابحة بلفظ: قام عليَّ. وفي لف الشراء يخبر بما اشترى به؛ سواء حط الكل أو بعض، أو حط بعد زمان الخيار؛ ولا يجب أن يخبره بالحط.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
وإن حط في مجلس العقد، فرأس ماله ما بقي؛ إن قلنا: يلتحق بالعقد.
وكذل إن زيد في الثمن في زمان الخيار؛ وقلنا يلتحق بأصل العقد؛ فرأس ماله ما استقر عليه العقد بعد الحط والزيادة.
ولو تعيب المبيع في يد المشتري؛ فباعه مرابحة - يجب أن يخبره بحدوث العيب عنده؛ حتى لو لم يخبره يثبت للمشتري الخيار، مع علمه بالعيب؛ لأجل الجناية.
وعند أبي حنيفة - ﵀ -: لا يجب أن يخبره.
فنقيس على ما لو تعيب بجناية جان، يجب أن يخبره.
ولو اشتراه معيبًا، ورضي بالعيب، يجب أن يخبره، ولو تعيب المبيع في يده، ثم وجد به عيبًا قديمًا؛ فلم يمكنه الرد، وأخذ الأرش؛ مثل: إن اشتراه بعشرة، واسترد درهمًا للأرش - يخبرعن رأس ماله بتسعة في لفظ: قام علي.
وفي لفظ الشراء يقول: اشتريته بعشرة، ويخبره بالعيب واسترداد الأرش.
ولو اشترى عبدًا بمائة؛ فجنى عليه، وأخذ الأرش - ففي لف الشراء يقول: اشتريته بمائة، ويخبره بالجناية. وفي لف: قام علي، يحط الأرش من الثمن؛ مثل: إن اشترى عبدًا بمائة؛ فقطعت إحدى يديه، وانتقص من قيمته ثلاثون، وأخذ الأرش خمسين - ففي بيع المرابحة يقول:
قام عليَّ بسبعين؛ لأنه لم ينتقص من قيمته إلا ثلاثون، ولا يجب أن يخبره بالعشرين الزائدة؛ لأن وجوبهما ليس للنقص، بل لشرف كونه آدميًا.
ولا يجب أن يخبره بحدوث الناية في يده بعد أن أعلمه بقطع اليد.
ولو انتقصت من قميته بالجناية سبعون، وأخذ الأرش خمسين يقول قام علي بخمسين، وانتقصت بالجناية من قميته عشرون.
ولا يجب أن يخبره في بيع المرابحة بما أخذ من كسب العبد، وغلة الدار، وما حصل من ولد الجارية والدابة، وثمن الشجرة، ولبن الشاة، والصوف الذي جزه، ومهر الجارية الثيب.
وإن كانت حاملًا يوم الشراء؛ فولدت، أو في ضرعها لبن؛ فحلبه، أو على ظهرها صوف، فجز، وعلى النخلة طلع؛ فقطع - يحطه من الثمن.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
وإذا اشترى شيئًا، فباعه نصفه مرابحة، يجوز، ويسمى نصف الثمن.
ولو اشترى شيئين صفقة واحدة، وأراد بيع أحدهما مرابحة - يجوز، إذا علما فيه قيمة السلعتين يوم الشراء؛ لأن الثمن يتوزع عليهما باعتبار ذلك اليوم؛ فما يخص أحدهما يكون رأس ماله.
وعند أبي حنيفة: إذا اشترى شيئين لا يجوز بيع أحدهما مرابحة، إلا في المكيل والموزون.
ولو اشترى شيئًا بعرض؛ فباعه مرابحة بلف الشراء يقول: اشتريته بعرض قيمته كذا؛ وإن قال بلفظ: قام عليَّ، سمي قيمة العرض.
قال القاضي الإمام - ﵀-: يجب أن يخبره أنه اشتراه بالعرض؛ لأن العادة التشديد إذا بيع بالعرض.
وإذا اشترى شيئًا إلى أجل [يجوز بيعه مرابحة حالًا، ولا يجب أن يخبره بالأجل، لأن سبب الأجل] يزاد في الثمن.
وإذا اشترى من ابنه الطفل، يجب أن يخبر به؛ لأنه إذا اشترى من ابنه يزيد في ثمنه؛ نظرًا له، وإن اشترى من ماكتبه أو زوجته، لا يجب أن يخبر به.
ولو اشترى من ابنه البالغ أو أبيه، لا يجب أن يخبر؛ على أصح الوجهين.
وإن اشتراه بدين له على آخر، نظر: إن كان على مليٍّ وفيّ، لا يجب أن يخبر به، وإن كان على مماطل مشوف، يجب أن يخبر به؛ لأنه قد يشتريه من بأغلى؛ ليتخلص من التقاضي.
ولو ملك شيئًا بغير عوض، فلا يمكن بيعه مرابحة؛ فإن اتهب بشرط الثواب، يجوز.
ولو أجر داره بثوب، ثم أراد بيع الثوب مرابحة بلفظ الشراء - لا يجوز.
ويجوز بلفظ: قام عليَّ، ويسمى أجر مثل الدار.
وكذللو خالع زوجته على مال، أو نكحت امرأة على مال، وأراد أن يبيع ذلك المال مرابحة بلفظ الشراء - لا يجوز، ويجوز بلفظ: قام علي، ويسمى مهر المثل.
وكذلك لو صالح عن دم العمد على مال، فلا يجوز بيع ذلك المال مرابحة بلفظ الشراء، ويجوز بلفظ: قام علي، ويسمى الدابة.
ويجوز البيع بالمواضعة؛ كما يجوز بالمرابحة؛ بأن يقول اشتريته بكذا.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
وبعتك بوضيعه الواحد من كل عشرة، أو بعتك محاطة بخسران درهم من كل عشرة ثم كم يحط؟
فيه وجهان:
أحدهما - وبه قال محمد بن الحسن-: يحط من كل عشرة درهم.
فإن كان قد اشترى بعشرة، فيكون بيعًا بتسعة، فإن في المرابحة يزاد على العشرة واحد، وفي الوضيعة ينقص عن العشرة واحد.
والثاني - وهو الأصح، وبه قال أبو يوسف - يحط من كل عشرة جزءًا من [درهم] أحد عشر جزءًا؛ فيون بيعًا بتسعة دراهم، وجزءًا من أحد عشر جزءًا من درهم؛ لأن الربح في المرابحة [جزء] من أحد عشر، فالحط في الوضيعة يكون جزءًا من أحد عشر.
فصل في الخيانة
إذا ظهرت الخيانة في بيع المرابحة؛ بأن قال: اشتريته بمائة درهم، فبعتك مرابحة على العشرة درهمًا، ثم بان أنه اشتراه بتسعين - فالبيع صحيح؛ سواء غلط أوخان؛ وسواء ثبتت خيانته بإقراره، أو ببينة قامت عليها.
هل يحط الخيانة [والغلط].
فيه قولان:
أصحهما - وهو المذهب-: يحط؛ لأنه تمليك باعتبار الثمن الأول، فإذا أخبر بزيادة يحط؛ كالشفعة، فيون هذا بيعًا بتسعة وتسعين؛ وبه قال أبو يوسف.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يحط؛ لأن البائع لم يرض بدون ما سمي.
فإن قلنا: لا يحط، فيثبت للمشتري الخيار؛ لأجل التدليس إن كان جاهلًا به.
فلو حط البائع الخيانة، هل يسقط خياره؟
فيه وجهان.
وإن قلنا: يحط، فلا خيار للمشتري؛ لأنه كان راضيًا بمائة وعشرة، فبالأقل أولى، ولا خيار للبائع؛ لأن التدليس كان من قبله.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
وقيل: إن كان غالطًا، فله الخيار؛ لأنه لم يقصد التدليس.
فإن كان خائنًا، فلا خيار له.
أما إذا وقع الغلط بالنقصان؛ بأن قال: اشتريته بمائة؛ فبعتك بربح كذا، ثم قال: غلطتن إنما اشتريته بمائة وعشرة- نظر: إن صدقه المشتري، فالعقد باطل؛ على الصحيح من المذهب؛ لتعذر إمضائه.
وقيل: صحيح؛ بما سماه، وله خيار. والأول المذهب.
وإن ذهب المشتري، فلا يقبل قول البائع؛ لأنه سبق منه إقرار بخلافه، ولو أقام عليه بينة لا تسمع؛ لأن إقراره يون بينته وهل له تحليف المشتري؟
نظر: إن أول قوله الأول بما يحتمل؛ بأن قال: أخبرني وكيلي؛ أنه اشتراه بمائة، فبان أنه كان غالطًا، أو ورد منه كتاب؛ فبان مزورًا - له تحليفه.
[وإذا أقام على مثله بينة تسمع فإن لم تؤول، هل له تحليفه؟]
فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا تسمعبينته.
والثاني: له تحليفه، رجاء أن يقر خوفًا من اليمين الفاجرة.
فعلى هذا: إذا نكل، هل تُبرأ اليمين إلى البائع، أم لا
إن قلنا: النكول ورد لليمين بمنزلة البينة، لا ترد؛ لأن بينته غير مسموعة.
وإن قلنا: بمنزلة إقرار المدعي عليه، ترد.
فإن قلنا: له تحليفه، يحلف على نفي العلم؛ أنه لا يعلم أن رأس ماله مائة وعشرة؛ لأنه يمين على نفي فعل الغير.
فإذا نكل حلف البائع على القطع؛ أنه اشتراه بمائة وعشرة، فإذا حلف - قلت: يرد البيع.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
فصل في التولية والتشريك
التولية: أن يشتري شيئًا، ثم يقول لغيره: وليت هذا العقد - يجوز، ويشترط قبول المولى في المجلس. فيقول: توليت أو قبلت؛ فبملكه، ويختص بالثمن الذي اشتراه: جنسًا وقدرًا ووصفًا.
والتشريك: بأن يقول لغيره: أشركتك فيه؛ فيقول: قبلت، ويجب أن يبين قدر ما يشركه فيه: نصف أو ثلث.
ويلزمه من الثمن بقدر ما يقابله، وكل واحد منهما بمنزلة بيع جديد، ولكن جاز بلف التولية والتشريك؛ كالصلح، والسلم، بيع، ويجوز بغير لفظ البيع.
وذكر الثمن الأول ليس بشرط، إذا كان معلومًا عندهما.
ولا يصح واحد منهما قبل قبض المبيع.
ولا في السلم قبل القبض.
وقال مالك: يجوز قبل القبض؛ كالإقالة.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
قلنا: الإقالة فسخ، والتولية بيع جديد، ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض، ويتحدد بهما الشفعة.
ولو كذب في ثمن البيع، الأول، لا تصح التولية ولا التشريك.
ولو اشترى شيئًا بعرض، أو أجر داره على عرض، لا تصح فيه التولية، ولا التشريك؛ لأنه يختص بجنس الثمن الأول، ولا مثل للعرض.
ولو حصل شيء من الزوائد المنفصلة بعد الشراء قبل التولية والتشريك، تبقى للمولى.
ولو حط البائع بعض الثمن؛ نظر: إن حط بعد التولية، ينحط عن المولى، وعن الشريك بقدر شركته. وإن حط الل، ينحط عنهما؛ لأنه وإن كان بيعًا جديدًا، فهو في الحقيقة نقل العقد من الأول إلى الآخر؛ فيصير كأن الأول كان نائبًا عن الآخر.
وإن حط قبل التلوية، أوالتشريك؛ نظر: إن حط الكل، ينحط عن المشتري، ولا تصح التوليةن ولا التشري بعده.
وإن حط بعضه، فلا يجوز، إلا بقدر ما بقي.
البيع بالرقم لا يجوز؛ وهو أن يبيع بالثمن المكتوبن وهما لا يعرفانه.
وعند أبي حنيفة - ﵀ -: يجوز، إذا علم في المجلس. والله أعلم.
باب الرجل يبيع الشيء إلى أجل ثم يشتريه بأقل
إذا باع شيئًا إلى أجل وسلم، ثم اشتراه قبل حلول الأجل- يجوز؛ سواء اشتراه بمثل ما باع، أو بأقل، أو بأكثر، كما يجز بعد حلول الأجل.
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: إذا اشتراه قبل حلول الأجل بأقل مما باع- لا يجوز؛ وإن اشتراه بمثله أو بأكثر جاز.
[وقال]: وإن اشتراه بعرض له، يجوز؛ سواء انت قيمته أقل من الثمن الذي باع به، أو أكثر، فنقيس على هذا الموضع.
وقالوا: لو اشترى حالًا أو بأجل أقل يجوز؛ ولو اشترى بأطول لا يجوز.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
فصل في الإقالة
رُوي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من أقال أخاه المسلم صفقة كرهها، أقال الله عثرته يوم القيامة".
الإقالة بعد البيع جائزة؛ وهو: أن يقول المتبايعان: تقايلنا أو تفاسخنا العقد.
أو يقول أحدهما: أقلت؛ فيقول الآخر: قبلت، أو اجزت. ولابد من رضاهما، ولا يختص بحالة الندم.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
وإذا ندم أحدهما على ما اشترى، يستحب للآخر أن يقيله، ولا يب.
ولا يشترط تسمية الثمن في الإقالة.
ولو تقايلا بأكثر من الثمن، أو أقل، أو بجنس آخر، أو وصف آخر - فالإقالة فاسدة، والبيع بحاله.
[ ٣ / ٤٩١ ]
وعند أبي حنيفة: تصح الإقالة وتلغو الزيادة والنقصان.
وقال الشافعي -﵁-:
لو استقاله على أن ينره بالثمن، لم يجز؛ لأن الأجل زيادة.
ويجوز للورثة الإقالة بعد موت المتبايعين.
والإقالة بيع أم فسخ؟
[ ٣ / ٤٩٢ ]
فيه قولان: قال في القديم؛ وبه قال مال - ﵀-: بيع؛ لأنه تمليك بالتراضي. وقال في الجديد - وهو المذهب-: فسخ؛ بدليل اختصاصها بالثمن الأول. ولو كان بيعًا جديدًا، لجاز بغير الثمن الأول، ومع غير البائع.
وهل يجوز قبل القبض
فقد قيل: إن قلنا: بيع لا يجوز.
وإن قلنا: فسخ، يجوز.
وقيل: يجوز قولًا واحدًا قبل القبض، ويكون فسخًا.
وكذلك تجوز الإقالة في السلم بعد القبض وقبله.
وقيل: إن قلنا: الإقالة بيع، لا يجوز قبل قبض المسلم فيه.
والمذهب: جوازه وكان فسخا، ولو تقايلا في بعض المسلم فيه يجوز.
وعند مالك -﵀ عليه-: لا يجوز.
وعند أبي حنيفة: الإقالة قبل القبض فسخ، وبعد القبض بيع إن كان بتراضيهما، وإن كان بأمر الحاكم ففسخ.
ومن فروع الإقالة:
أنه يتجدد بها الشفعة إن قلنا: بيع.
وإن قلنا: فسخ، فلا يتجدد.
ولو تلف المبيع في يد المشتري بعد الإقالة، أو تعيب - إن قلنا: فسخ، يغرم المشتري قيمته إذا تلف أقل ما انت من يوم البيع إلى يوم القبض، وإن تعيب يغرم أرش العيب.
وإن قلنا: بيع؛ فغن تلف فهو تلف المبيع في يد البائع، تنفسخ الإقالة والبيع بحاله.
وإن تعيب، فالبائع بالخيار: إن شاء أجاز الإقالةن ولا شيء له، وإن شاء فسخ، وأخذ الثمن.
ولو استعمله المشتري بعد الإقالة: إن قلنا فسخ، عليه أجر المثل للبائع؛ وإن قلنا: بيع، فهو كالبائع يستعمل المبيع لا شيء عليه.
وهل تجوز الإقالة بعد تلف المبيع؟
إن قلنا: بيع، لا تجوز.
وإن قلنا فسخ، فوجهان:
أحدهما: لا تجوز؛ كالفسخ بالعيب لا يجوز بعد التلف.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
والثاني - وهو الأصح-: تجوز؛ كالفسخ بالتحالف.
ولو اطلع البائع على عيب به حدث في يدالمشتري قبل الإقالة.
إن قلنا: الإقالة فسخ، لم يكن له رد الإقالة.
وإن قلنا: بيع، له رد الإقالة إن كان جاهلًا.
ولو تقايلا في الصرف.
إن قلنا: فسخ لا يشترط التقابض في مجلس الإقالة.
وإن قلنا: بيع، يشترط.
ويجوز للمشتري حبس المبيع؛ لاسترداد الثمن على القولين جميعًا. والله أعلم.
باب تفريق الصفقة
اختلف قول الشافعي - ﵁ - في تفريق الصفقة؛ على ما سيأتي في شرح بعضها في مواضعها من الكتاب، وسنذكرها هنا جملة تدلك على مجموعها؛ فنقول: تفريق الصفقة قسمان:
تفريق في الابتداء، وتفريق في الانتهاء.
أما التفريق في الابتداء: وهو أن يجمع في العقد بين شيئين متفرقي الحكم؛ وذلك قسمان:
أحدهما: أن يون كل واحد منهما قابلًا للعقد على الانفراد.
والثاني: أن يكون أحدهما مما لا يقبل العقد على الانفراد.
فإن كان كل واحد يقبل العقد على الانفراد؛ نظر: إن كان يمتنع إدخال أحدهما على الآخر؛ مثل؛ إن يجمع بين أختين في النكاح، أو بين خمسة نسوة - فالعقد في الكل باطل، لأن الجمع بينهن حرام، وليست بعضهن أولى بتصحيح العقد عليهن من البعض. وغن كان لا يمتنع إدخال أحدهما على الآخر؛ نظر: إن كان حكمهما متفقًا، مثل: إن جمع بين عبد وثوب، أوضيعة متاع - يصح العقد، ويوزع الثمن عليهما باعتبار القيمة.
وإن كان حكمهما مختلفًا؛ مثل: إن جمع بين الشراء والكراء.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
فيقول بعت عبدي هذا، وأجرتك داري سنة بكذا - ففيه قولان:
أصحهما: يصح العقد فيهما؛ لأن العقد ائز عليهما على التعاقب.
فلا يمتنع الجمع بينهما؛ كما لو باع شقصًا من دار وثوبًا صفقة واحدة، يجوز.
وإن كان يختلف حمكهما؛ من حيث ن الشقص يثبت فيه الشفعة دون الثوب.
والثاني: لا يصح العقد فيهما؛ لاختلافهما في حكم العقد؛ من حيث إن التأقيت شرط لصحة الإجارة؛ وهو يبطل البيع.
ومن هذا النوع لو جمعبين بيع عين وسلم، أو بن بيع صرف وغيره؛ بأن باع دينارًا أو ثوبًا بدراهم؛ لأن القبض في المجلس شرط في السلم، وفي الصرف - غير شرط في غيرهما - ففيهما قولان:
أحدهما: باطلان.
والثاني: صحيحان.
ومنها: لو جمع بين النكاح والبيع، يصح النكاح، وفي صحة البيع والمسمى في النكاح قولانك
أحدهما: يصح، ويوزع المسمى على قيمة المبيع، وعلى مهر مثل المرأة.
والثاني: لا يصح، ويجب في النكاح مهر المثل.
وبعضنا لا يجعل هذا النوع من باب تفريق الصفقة؛ لأن الحكم في مثله أن يصح العقد فيهما على أحد القولين، أو لا يصح فيهما على القول الآخر.
فلا تفريق فيه، بل التفريق أن يجمع بين شيئين يصح العقد في أحدهما، ولا يصح في الآخر.
أما هذا القسم؛ وهو أن يجمع بين شيئين، وأحدهما لا يقبل العقد؛ سواء كان ما لا يقبل العقد له يمة؛ مثل: ن مع بين عبده وعبد غيره، أو بين عبده ومكاتبه، أو أم ولده، أو لم يكن له قيمة؛ مثل: أن يجمع بين عبد وحر، أو بين عصير وخمر، أو بين مذكاة وميته، أو بين شاة وخنزير.
هل يصح العقد فيما يقبل العقد من عبده القن، والعصير والمذكاة والشاة؟
فيه قولان:
أصحهما - وهو اختيار المزني-: يصح؛ لأنهما مبيعان معلومان مختلفان في الحمك؛ فيأخذكل واحد حكم نفسه؛ كما لو باع شقصًا من دار وسيفًا، تثبت الشفعة في الشقص، وإن لم تثبت في السيف.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وكما لو شهد فاسق وعدل، لا ترد شهادة العدل بانضمام شهادة الفاسق إليه.
والثاني: لا يصح؛ لأن العقد واحد؛ فإذا بطل بعضه بطل كله.
ولأي معنى بطل؟
فيه معنيان:
أحدهما: لأنه جمع بين حلال وحرام؛ فتغلب الحرام على الحلال.
والثاني: لجهالة الثمن؛ لأن المسمى يتوزع عليهما باعتبار القيمة؛ فلا يدري كم يخص الحلال منه.
ومن أصحابنا من قال: هذا فيما إذا كان ما لا يقبل العقد له قيمة؛ مثل: عبد الغير والمكاتب وأم الولد؛ فإن لم يكن له قيمة؛ كالخمر والميتة والخنزير.
فهل يصح العقد فيما يقبل العقد؟
يترتب على الأول: إن قلنا ثَمَّ: لا يصح، فهاهنا أولى، وإلا فقولان:
والأصح عندي هاهنا: أن العقد لا يصح؛ لأن توزيع الثمن لا يمكن إلا بتقدير شيء ليس له ذلك فيما باعه.
وقال أبو حنيفة: إن كان ما لا يصح فيه العقد مما يقبل العقد في الجملة - يصح البيع في الآخر؛ مثل: عبده وعبد غيره.
وإن كان مما لا يقبل العقد؛ كالحر والعبد، لا يصح فيهما.
فصل في ما يلزم المشتري من الثمن
فإن قلنا: العقد صحيح فيما يقبل العقد، فالمشتري إن كان جاهلًا فله الخيار، وإن أجاز أو كان عالمًا لا خيار له؛ فكم يلزمه من الثمن؟
فيه قولان:
أحدهما: جميع الثمن؛ لأنه لا فساد في الثمن، وإذا كان أحد المبيعين لا يقبل العقد يقع جميع المسمى في مقابلة الآخر.
والثاني - وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة -: لا يلزمه إلا حصته من الثمن؛ لأنه قابل الثمن بهما جميعًا؛ فلا يقع كله بمقابلة واحد منهما.
فإن قلنا: يلزمه حصته من الثمن، فنقدر الحر رقيقًا، والخنزير بقرًا، والميتة مُذكاة، ويوزع الثمن على قيمتهان ونقدر الخمر عصيرًا؛ فتوزع عليهما باعتبار الأجزاء.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
ومن أصحابنا من قال: إن كان ما لا يقبل العقد لا قيمة له فيلزمه جميع الثمن قولًا واحدًا؛ وبه قال صاحب "التلخيص"؛ لأن ما لا قيمة له لا يمكن تقويمه.
فحيث قلنا: يلزمه جميع الثمن، فلا خيار للبائع؛ لأنه لا ضرر عليه.
وإن قلنا: يلزمه حصته من الثمن، ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت للبائع الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع ما سمي من الثمن.
والثاني- وهو المذهب-: لا خيار له؛ لأن التفريط وجد من جهته؛ حيث باع ما لا يقبل العقد، وجعل بعض الثمن بمقابلته.
ولو باع شيئًا يتوزع الثمن عليه بالأجزاء؛ مثل: إن باع صاعي حنطة؛ وأحدهما لغيره، أو صاعًا واحدًا، ونصفه لغيره، أو باع عبدًا واحدًا؛ ونصفه لغيره - هل يصح في نصيبه؟
هذا يُبنى على ما لو باع عبدين وأحدهما لغيره: إن قلنا هناك: يصح فيما له، فهاهنا يصح، وللمشتري الخيار، فإن أجاز، كم يلزمه من الثمن؟
فيه قولان.
وإن قلنا هناك: لا يصح، فهاهنا هل يصح، أم لا؟
فعلى قولين، بناء على المعنيين: إن قلنا: المعنى في بطلانه الجمع بين الحلال والحرام، فهاهنا لا يصح.
وإن قلنا: جهالة الثمن، فهاهنا يصح؛ لأن ما يقابل ملكه معلوم، وهو النصف وله الخيار؛ فإن أجاز لزمه حصته.
ولو باع شيئًا من مال الربا بجنسه، ثم خرج بعض أحد العرضين مستحقًا، وقلنا: يصح في الباقي، وأجاز، لا خلاف أنه لا يلزمه إلا حصته؛ لأن لفضل بينهما حرام.
وعلى هذا: لو وهب عبده وعبد غيره، أو رهنهما - فهل يصح فيما له؟
أوجمع في النكاح بين أخته وأجنبية، هل يصح نكاح الأجنبية؟
يترتب على البيع: إن قلنا ثَمَّ: يصح فيما له، فهاهنا يصح.
وإن قلنا هناك: لا يصح، فهاهنا على قولين؛ بناء على المعنيين: إن قلنا: المعنى هناك الجمع بين الحلال والحرام، فهاهنا لا يصح.
وإن قلنا: جهالة العوض، فهاهنا يصح؛ لأنه ليس في الهبة والرهن عوض يصير مجهولًا، وفي النكاح جهالة العوض لا تمنع صحة النكاح.
ولو جمع بين معلوم ومجهول في البيع، لا يصح في المجهول.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
وهل يصح في المعلوم؟
يُبنى على ما لو كانا معلومين، وأحدهما ليس له.
إن قلنا هناك: لا يصح فيما له، فهاهنا لا يصح في المعلوم.
وإن قلنا هناك: يصح، فهاهنا قولان؛ بناء على أنه كم يلزمه في الثمن؟
إن قلنا هناك: يلزمه جميع الثمن، فهاهنا يصح، وعليه جميع الثمن.
وإن قلنا هناك: يلزمه حصته من الثمن، فهاهنا لا يصح؛ لأن توزيع الثمن على المعلوم والمجهول لا يمكن.
وقيل هاهنا: هل يصح العقد في المعلوم؟
فعلى قولين؛ كما لو باع عبده وعبد غيره: فإن قلنا: يصح، فله الخيار، وإذا أجاز يلزمه جميع الثمن قولًا واحدًا. وهذا الاختلاف فيما إذا باعهما بثمن واحد، وجمع بينهما إيجابًا وقبولًا. وأما إذا فرق بينهما، وسمي لكل واحد ثمنًا؛ بأن قال بعت هذا العبد بألفٍ، وهذا الآخر بألف، وقال المشتري: قبلت في هذا وفي هذا؛ وأحدهما له - يصح فيما له، بما سمى من الثمن قولًا واحدًا.
ولو جمع المشتري بينهما في القبول؛ فقال: قبلت فيهما، وقلنا: لا يجوز تفريق الصفقة - فقد قيل: لا يجوز هاهنا؛ للجمع في القبول. والمذهب: جوازه؛ لأن قبوله يترتب على الإيجاب، والإياب وقع متفرقًا؛ فالقبول أيضًا يقع متفرقًا.
ومن جُملة التفريق في العقد: أن يفرق المشتري في القبول ما أوجبه البائع جملة: مثل: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف، فقال المشتري: قبلت في نصفه بخمسمائة، لا يصح؛ لأن البائع لم يرض بالتشقيص.
وكذلك لو قال: بعتك هذين العبدين بألف، فقال: قبلت في هذا، وأشار إلى أحدهما بخمسمائة - لم يصح؛ لأن قيمتهما تتفاوت؛ فلا يقع في مقابلة أحدهما نصف الثمن.
ولو قال: قبلت في هذا بما يخصه من الثمن عند التوزيع - لا يصح أيضًا؛ لأنه مجهول. وبمثله لو قال في النكاح: زوجتك هاتين المرأتين بكذا، او كان وليًا لهمان فقبل في أحداهما بعينها -يصح؛ لأن جهالة الصداق لا تمنع صحة النكاح.
ولو كان المشتري اثنين، فقال البائع: بعتكما لهذين العبدين بألف، فقال أحدهما: قبلت في هذا بخمسمائة وأشار إلى أحدهما - لم يصح؛ لأنه أوجب لكل واحد نصف كل عبد.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
ولو قال أحدهما: قبلت في نصفها بخمسمائة، أو كان العبد واحدًا، فقال: اشتريت نصفه بخمسمائة - هل يصح أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه في حكم صفقتين بتعدد المشتري؛ كما في الرد بالعيب يجوز لأحد المشتريين رد نصيبه بالعيب.
والثاني - وهو الأصح -: لا يصح؛ لأن الإيجاب وقع جملة، فلا يجوز التفريق في القبول، وليس إذا تفرقت الصفقة في الرد بالعيب ما يدل على أنها تتفرق في القبول؛ كما إذا باع من رجل عبدين؛ فقبل في أحدهما، لا يجوز.
ولو قبلهما، ثم أراد رد أحدهما بالعيب، يجوز في قول.
ولو كان البائع اثنين فقالا لرجل: بعناك هذا العبد بألف، فقبل نصيب أحدهما بعينه بخمسمائة - فعلى وجهين:
ولو أن رجلين باعا عبدين مشتركين بينهما صفقة واحدة بثمن واحد - يجوز.
وكذلك لو باع رجل عبدين من رجلين صفقة واحدة، يجوز.
ولو كان العبدان غير مشتركين بينهما، بل كان لكل واحد أحدهما بعينه، فباعاه صفقة واحدة - ففيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الثمن يتوزع عليهما باعتبار القيمة، وقيمتهما تختلف فيكون مجهولًا؛ لأن كل واحد منهما لا يدري كم نصيبه من الثمن.
والثاني: يصح؛ لأن الجملة معلومة، ونصيب كل واحد يصير معلومًا بالتوزيع بعده.
وكذلك لو باع رجل عبدين له من رجلين، من كل واحد أحدهما بعينه صفقة واحدة بثمن واحد - هل يصح أم لا؟
فعلى قولين:
وكذلك لو استأجر رجل دارين من رجلين غير مشتركين بينهما صفقة واحدة؛ بأجرة واحدة - ففي صحته قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن كل ما يخص كل واحد من الأجرة مجهول.
والثاني: يصح، ويوزع المسمى على أجر مثل الدارين.
أما التفريق في الانتهاء فقسمان:
[ ٣ / ٤٩٩ ]
أحدهما: بالاختيار، مثل: إن اشترى شيئين صفقة واحدة، وأراد رد أحدهما بالعيب - هل يجوز؟
فيه قولان ذكرناهما في باب الخراج بالضمان.
والثاني: بغير الاختيار، مثل: إن اشترى شيئين؛ فتلف أحدهما قبل القبض، ينفسخ العقد فيه. وهل ينفسخ في الآخر مقبوضًا كان، أو غير مقبوض؟
فقد قيل فيه قولان؛ كما لو جمع في العقد بين ما يجوز، وما لا يجوز.
والمذهب: أنه لا ينفسخ في الثاني قولًا واحدًا؛ لأن الفساد لم يكن في العقد، كما في النكاح.
ولو حمع بين أخته وأجنبية، ففي صحة نكاح الأجنبية قولان:
ولو نكح أختين، ثم ارتفع نكاح أحدهما بردة أورضاع - لا يرتفع نكاح الخرى، فعلى هذا للمشتري الخيار في القائم، وإن أجاز يجيز بحصته من الثمن قولًا واحدًا؛ لأن المسمى صح في مقابلتهما جميعًا. فإذا هلك أحدهما، لا تنصرف حصته إلى الآخر؛ بخلاف ما لو كان الفساد في العقد؛ لأن هلاك أحدهما لا يقابله العوضن فجاز أن يقع الكل في مقابلة الآخر.
فإن قبض أحدهما وهلك في يده، أو كان عبدًا؛ فأعتقه، ثم هلك الآخر قبل القبض - ينفسخ العقد فيه، ولا يفسخ فيما تلف عنده. وهل للمشتري أن يفسخ العقد فيه، أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، وتُرد قيمته؛ كما تفسخ بالتحالف بعد الهلاك.
والثاني: لا، بل عليه حصته من الثمن؛ كما لا يفسخ البيع بالعيب بعد تلف المبيع.
وعلى هذا، لو اشترى شقصًا مشفوعًا قبل إن علم الشفيع باعه مع ثوب من رجل، ثم جاء الشفيع - فهو بالخيار إن شاء أخذ الشقص بالشفعة بالعقد الثاني بحصته من الثمن، وإن شاء بالعقد الأول.
فإن أخذه بالعقد الأول، انفسخ البيع الثاني في الشقص، وهل ينفسخ في الثوب؟
حكمه حكم ما لو تلف أحد المبيعين قبل القبض.
وعلى هذا لو انقطع المسلم فيه عند المحل، هل ينفسخ العقد أم لا؟
فيه قولان.
ولو انقطع بعض المسلم فيه؛ سواء كان الباقي مقبوضًا، أو لم يكن.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
فإن قلنا ينفسخ العقد بالانقطاع، ينفسخ هاهنا في المنقطع، وهل ينفسخ في الباقي؟
حكمه: حكم ما لو تلف أحد المبيعين قبل القبض، والمذهب: أنه لا ينفسخ وله الفسخ؛ فإن أجاز، فلا يجب إلا حصته من رأس المال.
وإن قلنا: لا ينفسخ السلم بالانقطاع وللمسلم الخيار، إن شاء فسخ في الكل، وإن شاء أجاز [في الكل]، فإذا أراد أن يفسخ في القدر المستقطع ويجيز في الباقي - هل يجوز، أم لا؟
فعلى قولين؛ بناء على تفريق الصفقة في الرد بالعيب، وعلى هذا لو اكترى دارًا منه، فسكنها نصف المدة، ثم انهدمت الدار - انفسخ العقد في المستقبل، ولا ينفسخ في المدة الماضيةن وهل له أن يفسخ؟
فيه وجهان. كما لو تلف أحد المبيعين قبل القبض، والآخر مقبوض تالف؛ لأن ما استوفاه المكتري كالتالف.
فإن قلنا: لا فسخ له، يجب عليه من المسمى بقدر ما يقابل المدة الماضية.
وإن قلنا: له الفسخ؛ ففسخ، فعليه أجر المثل للمدة الماضية، والله أعلم.
باب اختلاف المتبايعين
رُوي عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: إذا اختلف البيعان، فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار".
[ ٣ / ٥٠١ ]
ويروى: إذا اختلف المتبايعان، تحالفا.
إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن، فقال البائع: بعتك بألف.
وقال المشتري: لا، بل بخمسمائة.
أو في جنسه، أو في وصفه، أو في المبيع. فقال البائع: بعتك هذا العبد، فقال: بل هذه الجارية، وكان الثمن معينًا متفقًا عليه.
أو في قدره؛ فقال بعتك هذا العبد، فقال: بل العبد والجارية.
أو اختلفا في أصل الخيار، أو في قدره، أو في أصل الأجل، أو قدره أو في الثمن، أو في قدره، أو شرط الرهن، أو في قدره أو جنسه، أو في شرط الكفيل - فإنهما يتحالفان؛ لأن كل واحد مُدع ومدعي عليه.
فالبائع مدع زيادة الثمن، ومدعي عليه تملك العين بالأقل.
والمشتري مدع تملك العين بالأقل، ومدعي عليه الزيادة؛ ولذلك سُمعت من كل واحد منهما.
ومن حيث إن كل واحد مدع سمعت بينتهن ومن حيث إن مدعي عليه، قبلت يمينه.
وكذل لو اختلفا في السمل في قدر المسلم فيه، أو في الأجل، او في قدره يتحالفان.
وكذلك في الإجارة، والنكاح، والخلع، والكتابة - يتحالفان.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
ولا فرق بين أن يكون اختلافهما في حال قيام السلعة، أو بعد هلاكها.
وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: إذا اختلفا، والسلعة قائمة، تحالفا، وبعد هلاك السلعة لا يتحالفان، بل القول قول المشتري مع يمينه. فإن قتله أجنبي قال: يتحالفان؛ لأن اليمة تقوم مقامهما، وإذا اختلفا في الأجل، أو الخيار، أو الرهن - فالقول قول من يبقيه عنده.
وعند مالك: إذا اختلفا، فالقول قول من السلعة في يده.
وقال أبو ثور: القول قول المشتري مع يمينه. والحديث حجة عليهم، وقوله ﵇: "القول قول البائعن والمبتاع بالخيار" معناه: المبتاع بالخيار بين أن يمسكه بما حلف عليه البائع، وبين أن يحلف، ويرد المبيع.
وكذلك إذا اختلف الوارثان بعد موت المتبايعان يتحالفان.
وعند أبي حنيفة: لا يتحالفان، بل القول قول من في يده العين.
هذا إذا اتفقا على صحة العقد. لكن كل واحد يدعي صحته على غير الوجه الذي يدعيه صاحبه. أما إذا كان أحدهما يدعي فساد العقد؛ بأن قال البائع: بعتك بألف، وقال المشتري: بألف وزق خمر، أو قال أحدهما: عقدنا على خيار أربعة، أو أجل مجهول، أو شرط فاسد - فالقول قول من؟
فيه وجهان:
أحدهما - وهو الأصح-: القول قول من يدعي الفساد مع يمينه؛ لأن الذي يدعي الصحة يدعي تملك المال على الآخر، وهو ينكر؛ كما لو اختلفها في أصل البيع، فالقول قول من ينكره مع يمينه.
والثاني: القول قول من يدعي الصحة؛ لأن الظاهر من أمر العقود الصحة، وعدم الفساد؛ حتى لو قال أحدهما: بعتك بألف، وقال الآخر: بل بخمر، أو بثمن مجهول فالقول قول من يدعي الصحة؛ فعلى هذا الطريق؛ إذا قال أحدهما: بعتك بألف، وقال الآخر: بل بخمسمائة وزق خمر، وحلف على نفي الفساد - يتحالفان في الثمن.
وقيل: إذا اختلفا في شرط فاسد، أو في فاسد، ضم إلى الثمن الصحيح؛ كما في الصورة التي ذكرنا - ففيه وجهان؛ بناء على تبعيض الإقرار.
وفيه قولان: إن قلنا: لا يبعض - وهو الأصح- فالقول قول من يدعي الفساد.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
وإن قلنا: ببعض، فالقول قول من ينفي الفساد؛ لأن صاحبه مقر بالبيع، ويدعي ما يدفعه؛ فلا يقبل.
أما إذا قال البائع: بعتك بألف، وقال الآخر: بل بزق خمر، أو بثمن مجهول - فالقول قول من يدعي الفساد، بلا خلاف؛ لأنه لم يقر بشيء يلزمه.
ثم في التحالف يجوز للحامك أن يبدأ بأيهما شاء، وأيهما أولى بالبداية به؟
نص في البيع على أنه يبدأ بيمين البائع، ونص في النكاح إذا اختلف الزوجان: يبدأ بيمين الزوج؛ وهو بمنزلة المشتري؛ فقد قيل: فيه قولان:
أحدهما: يبدأ بيمين البائع، وفي السلم في يمين المسلم إليه؛ لأنه بائع السلعة، وفي الكتابة بيمين السيد؛ لأنه بمنزلة البائع، وفي النكاح بيمين المراة؛ لأنها بمنزلة البائعة.
والثاني: يبدأ بيمين المشتري.
ومن أصحابنا من فرق بينهما؛ على ظاهر النص.
قال في البيع: يبدأ بيمين البائع؛ لأن جانبه أقوى من حيث إن ملكه تم بالعقد على الثمن في ذمة المشتري؛ حتى يتصرف فيه بالحوالة والإبراء.
وملك المشتري لا يتم على المبيع بالعقد.
وفي النكاح: يبدأ بيمين الزوج؛ لأن ملكه تم على البُضع بالعقد؛ حتى يتصرف فيها، وبعد التحالف لايزول ملكه عنها؛ فكان جانبه أقوى.
ثم كيفية اليمين؛ ظاهر ما نص هاهنا يدل على أنه يحلف كل واحد منهما يمينًا واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات؛ لأنه قال: فأيهما نكل عن اليمين، وحلف صاحبه، حكم له.
فهذا يدل على أن يمين الحالف كان على النفي والإثبات جميعًا؛ لأنه إذا حلف على مجرد النفي، لا يقضي له بنكول صاحبه ما لم يحلف على الإثبات.
ونص فيما لو تداعى رجلًا دارًا في أيديهما، حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه.
ثم لابد للإثبات من يمين آخر: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يحلف كل واحد منهما يمينًا واحدًا، يجمع فيها بين النفي والإثبات؛ فيحلف البائع بالله: ما بعته بخمسمائة، إنما بعته بألف.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
ويحلف المشتري بالله: ما اشتريته بألف، إنما اشتريته بخمسمائة، ويقدم يمين النفي، لأن اليمين أبدًا تكون على النفي، فلو قدم الإثبات يجوز.
والقول الثاني: يحلف كل واحد على النفي وحده، ثم على الإثبات.
وكذلك في دعوى الدار، يحلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه، ولا يحلف على الإثبات؛ لأن يمين الإثبات لا معنى له قبل نكول صاحبه.
والبائع في دعوى الألف مدع، فلا يقبل بيمينه قبل نكول صاحبه، ثم بعدما حلفا على النفي يحلفان على الإثبات.
ومن أصحابنا من فرق بينهما؛ وهو المذهب؛ فقال: [في التداعي] في الدار يحلف كل واحد على النفي؛ لأن منفي ل واحد ممتاز عن مثبته؛ لأن منفي كل واحد ما في يده ينفي عنه ملك صاحبه.
ومثبته ما في يد صاحبه؛ فلا معنى ليمينه فيه قبل نكول صاحبه، وهاهنا يحلف كل واحد يمينًا واحدًا، يجمع فيهما بين النفي والإثبات.
لأن منفي كل واحد في ضمن مثبته؛ لأن العقد واحد اختلفا في صفته.
فإذا جمع البائع بين النفي والإثبات، لم يكن فيه تحليف المدعي على ما في يد المدعي عليه قبل نكوله؛ فجاز الجمع.
ولا خلاف أنه لا يُقضى لأحدهما ما لم يحلف على النفي والإثبات جميعًا.
فإن قلنا: يحلف يمينًا واحدة؛ يجمع فيه بين النفي والإثبات؛ فإذا حلف أحدهما، ونكل الثاني، نقضي للحالف.
وإن قلنا: يحلف على النفي، فإذا حلف أحدهما، يعرض اليمين على الثاني، فإن نكل حلف الأول على الإثبات وقضى له، وإن نكل عن يمين الإثبات لا نقضي له؛ لاحتمال أنه صادق في نفي ما يدعيه، وصاحبه كاذب فيما يدعيه.
ولو نكل الأول عن اليمين حلف الآخر على النفي والإثبات، ونقضي له، فإذا حلف على النفي، فالصحيح أنه يفسخ العقد بينهما.
ولا معنى ليمين الإثبات بعده؛ لأن الموجب للفسخ جهالة الثمن؛ وهي حاصلة؛ كما في تداعي الدار إذا حلفا على النفي فلا معنى ليمين الإثبات بعده.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
وقيل ها هنا: تعرض يمين الإثبات عليهما، فإن حلفا تم التحالف، وإن نكل أحدهما قضى للحالف.
ولو اختلفا في عين المبيع: فقال البائع: بعتك هذا العبد، وقال الآخر: بل هذه الجارية. فإن كان الثمن معينًا متفقًا عليه، يتحالفان -كما ذكرنا - فيما لو اتفقا على المبيع، واختلفا في الثمن. وإن كان الثمن في الذمة، فقد قيل: يتحالفان - كما ذكرنا - كما لو اختلفا في قدر المبيع.
والمذهب: أنهما دعوتان مختلفتان؛ فيحلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه؛ كما لو ادعى رجل على إنسان عبدًا، أو ادعى ذاكعلى هذاجارية من غير بيع - يحلف كل واحد على نفي دعوى صاحبه.
إذا قال البائع: بعتك هذا العبد، وقال المشتري: بل هذه الجارية، وأقام كل واحد بينة - يسلم للمشتري الجارية؛ لأنه أقام عليه البينة.
أما البائع فقد أقر ببيع العبد، وزوال ملكه إلى المشتري؛ وقامت عليه البينة.
فإن كان العبد في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع، ففيه وجهان:
أحدهما: يسلم إلى المشتري، ويجبر على قبوله؛ لأن البينة قامت على ملكه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه ينكر ملكه، بل يقبضه الحاكم، وينفق عليه من كسبه. وإن لم يكن له كسب، وكان النظر في بيعه، باعه، وحف ثمنه.
وكذلك لو اختلفا في الجهة: فقال: بعتك بألف، وقال الآخر: بل وهبتني بألفن يحلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه، ثم بعدما حلفا يجب على مدعي الهبة رده بزوائده.
ولو قال: بعته بألف، وقال الآخر: بل رهنتنيه - حلفا على النفي، وأعطى الألف، واسترد العين.
وعلى عكسه لو قال: رهنتكه بألف قبضته قرضًا، فقال: بل بعت بألف. فالقول قول المالك؛ يحلف بالله ما باعه، ويرد الألف، ولا يمين على الآخر، ولا يكون رهنًا؛ لأنه لا يدعيه.
وإن كان الثمن مؤجلًا، أو له على آخر دين مؤجل، فاختلفا في انقضاء الأجل - فالقول قول منعليه الحق مع يمينه؛ لأن الأجل له، والأصل بقاؤه.
ولو أن المتبايعين تقايلا البيع، أو وجد المشتري بالمبيع عيبًا ورده بعدما قبض البائع الثمنن ثم اختلفا في الثمن فقال البائع: ألف، وقال المشتري: ألفان - فالقول قول البائع
[ ٣ / ٥٠٧ ]
مع يمينه؛ لأن البيع قد ارتفع، والمشتري مدع للزيادة، فالقول قول المنكر.
فصل
إذا اختلف المتبايعان، وتحالفا، فقد قيل: ينفسخ العقد بالتحالف؛ كما يفسخ النكاح باللعان.
وليس بصحيح، بل المذهب: أنه لا ينفسخ العقد بمجرد التحالف؛ بخلاف اللعان؛ لأنه سبب فرقة من الزوج؛ كالطلاق؛ بدليل أنه ارتفع النكاح بمجرد لعان الزوج. وهاهنا العقد صحيح بأحد الثمنين في الباطن، لكن تعذر الوصول إلى معرفته، فلا ينفسخ به العقد؛ لأن النية أقوى من اليمين.
ثم لو أقام بينة على ما يقول، لا ينفسخ العقد؛ فباليمين أولى ألا ينفسخ.
ولكن الحاكم بعد التحالف يدعو كل واحد إلى موافقة صاحبه.
فيقول للمشتري: تعطي ما يقوله البائع؛ فإن أعطى أجبر على القبول، وإن لم يعط، يقول للبائع: أترضى بما يقوله المشتري، فإن أبى يفسخ العقد بينهما.
ثم فيه وجهان:
أحدهما: يفسخ الحاكم العقد بينهما؛ لأنه مجتهد فيه؛ كفسخ النكاح بالعنة.
والثاني: لهما الفسخ بأنفسهما، ولكل واحد منهما بانفراد إذا لم يوافقه صاحبه؛ كالفسخ بالعيب، وإذا فسخ العقد يرتفع في الظاهر من حينه. وهل يترفع في الباطن.
نظر: إن كان البائع صادقًا فيما يقول، يرتفع في الباطن؛ لأنه تعذر وصوله إلى حقه؛ ما لو فسخ بسبب الإفلاس.
ولو كان البائع كاذبًا، ففيه وجهان:
أحدهما: يرتفع، لتعذر إمضاء العقد؛ كما في الرد بالعيب.
والثاني: لا يرتفع إلا ظاهرًا؛ لأنه لم يتعذر عليه الوصول إلى ما ثبت له على المشتري لو صدق.
فإن قلنا: يرتفع في الباطن، يجوز لكل واحد منهما أن يتصرف فيما عاد إليه تصرف الملاك، وإن كانت جارية جاز للبائع وطؤها.
فإن قلنا: لا يرتفع في الباطن، لم يجز للبائع التصرف فيه.
وقيل: لا يرتفع العقد إلا ظاهرًا؛ سواء ان البائع صادقًا أو كاذبًا؛ لأن سبب الفسخ
[ ٣ / ٥٠٨ ]
جهالة الثمن؛ وهو في الظاهر؛ فعلى هذا لو كان البائع كاذبًا لا ينفذ شيء من تصرفاته، وإن كان صادقًا فله على المشتري الثمن، وقد ظفر بماله يبيعه ويستوفي منه حقه، ولا يتصرف بشيء آخر. وإذا فسخ العقد بالتحالف، يجب على المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، وإن كان تالفًا عليه رد قيمته؛ باعتبار يوم التلف؛ سواء كان أكثر من الثمن الذي يدعيه البائع، أو أقل.
وقيل: عليه قيمته أكثر ما كانت في يوم القبض إلى يوم التلف.
ولو اختلفا في القيمة؛ فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه غارم.
وإن كان قد تعيب في يده يغرم أرش العيب؛ بخلاف ما لو رد المبيع بالعيب، والثمن قد تعيب في يد البائع - أخذه، ولا أرش له؛ على الأصح؛ لأن الفسخ بالعيب ليس لمعنى يرجع إلى أصل العقد، والفسخ بالتحالف يرجع إلى أصل العقد؛ لأن هذا الاختلاف لو وجد حالة العقد منع العقد؛ بخلاف العيب.
وإن كان المشتري أعتقه، أو وقفه، أو باعه، أو وهبه وأقبضه، أو عتق عليه بالملك - فهو كما لو كان تالفًا.
وإذا رد فما حصل من الزوائد من كسب، أو ولد، أو ثمر شجر، أو مهر جارية وطئت - يبقى للمشتري. فإن كانت بكرًا فافتضت في يده، يجب عليه أرش الافتضاض، وإن كان زوجها ردها وما بين قيمتها مزوجة وخلية.
وإن كان رهنه، فالبائع بالخيار: إن شاء صبر؛ حتى يُفتك الرهن، وإن شاء أخذ قيمته.
وإن كان قد أبق، أو كاتبه، أخذ القيمة. وإن كان قد أجره، إن قلنا: بيع المؤاجر لا يجوز، فكالرهن.
وإن قلنا: يجوز، أخذه، ويترك في يد المستأجر؛ حتى تقضي مدته. والأجر المسمى للمشتري، وعلى المشتري للبائع أجر مثل [تلك] المدة الباقية بعد الفسخ.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
وإن كان قد أجره من البائع، أخذ البائع العين بعد التحالف قولًا واحدًا. وهل تفسخ الإجارة؟
وجهان: كما لو باع الدار المُكراة من المكتري.
فإن قلنا: لا تفسخ، فعلى البائع الأجر المسمى للمشتري، وعلى المشتري أجر مثل المدة الباقية للبائع.
اختلاف المتبايعين في الثمن
ولو باع عبدًا واختلفا في الثمن: فقال البائع: إن كنت بعته بخمسمائة فهو حر.
وقال المشتري: إن كنت اشتريته بألف فهو حر. ثم تحالفا، أو تحالفا أولًا، ثم حلفا بالحرية - فالعبد لا يعتق في الحال؛ لأنه ملك للمشتري، وبزعمه؛ أنه صادق في يمينه.
فإن فسخ العقد بينهما، أو عاد إلى البائع بسبب آخر، عتق عليه بزعمه؛ أن المشتري كاذب، وقد عتق عليه العبد؛ كمن أقر بحرية عبد الغير، ثم اشتراه، يُحكم بحريته.
وهل يعتق في الباطن، أم لا؟
نظر: إن كان البائع كاذبًا لم يعتق؛ لأنه حين حلف بالحرية لم ينك العبد ملكًا له، وإن كان المشتري كاذبًا عتق عليه.
ولو أن البائع صدق المشتري بعدما حلف بالحرية؛ نظر: إن حلف البائع أولًا بالحرية، ثم المشتري - فكما فرغ المشتري من يمينه صدقه البائع.
فإذا عاد بعده إلى البائع، لم يعتق؛ لأنه لم يوجد منه تكذيب المشتري بعد حلفه بالحرية؛ حتى يكون إقرارًا بحريته.
وإن حلف المشتري أولًا، ثم حلف البائع، ثم صدقه - عتق إذا عاد إليه؛ لأن في يمينه بعد يمين المشتري تكذيبًا له، وإقرارًا عليه بحرية العبد.
ولو أن المشتري صدق البائع، حُكم بحريته.
وإن كان قد فسخ العقد بالتحالف، رد الفسخ؛ كما لو رد العبد المبيع بالعيب، ثم أقر أني كنت أعتقته - رُد الفسخ، وحكم بعتقه.
فصل في حكم البيع بثمن مؤجل
إذا باع شيئًا بثمن مؤجل، ليس للبائع حبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن؛ لأنه رضي بتأخير حقه، ولو لم يتفق التسلمي حتى حل الأجل، له مطالبته بالثمن، ولكن ليس له حبس المبيع؛
[ ٣ / ٥١٠ ]
لأن العقد لم يثبت له ذلك. وإن كان الثمن حالًا. يجوز للبائع حبسه؛ لاستيفاء الثمن.
وإذا أخذ بعض الثمن؛ هل يجب أن يسلم من المبيع بقدره؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ حتى يقبض الكل؛ كالرهن لا يفتك شيئًا منه ما لم يأخذ جميع الدين.
الثاني: يجب أن يسلم بقدر ما أخذ من الثمن؛ لأن كل جزء من المبيع بمقابلة جزء من الثمن؛ بخلاف الرهن؛ فإنه محبوس بالحق، وبكل جزء من أجزائه ليس بعوض عن الحق.
ولو تبرع البائع بتسليم المبيع قبل القبض، لم يكن له بعد ذلك رده إلى حبسه. وكذلك لو أعاره من المشتري. فأما إذا أودعه من المشتري، فلا يسقط حقه من الحبس.
ولو غصبه المشتري يعصي الله تعالى، وللبائع أن يرده إلى حبسه.
فلو اختلف المتبايعان في التسليم: فقال البائع: لا أدفع المبيع؛ حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أؤدي الثمن؛ حتى أقبض المبيع - ففيه أربعة أقوال:
أحدها: لا يُجبر واحد منهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ فإذا سلم أحدهما ما عنده، أجبر الآخر، ويمنعهما الحاكم من التخاصم.
والثاني: يجبر أن يكلفهما الحاكم إحضار المبيع والثمن.
ثم يسلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري، لا يبالي بأيهما بدأ، أو يأمر بوضعهما عند عدل، ثم يسلم العدل المبيع إلى المشتري، والثمن إلى البائع؛ لأن الحاكم نُصب لفصل الخصومات.
كما لو كان لرجلين لأحدهما على الآخر دراهم، وللآخر عليه دنانير - أجبرهما على الأداء.
والثالث - وهو الأصح -: يُجبر البائع على تسليم المبيع؛ لأن ملك المشتري غير مستر على المبيع قبل القبض؛ بدليل أنه لا يتصرف فيه. ولو تلف في يد البائع، ينفسخ البيع، وملك البائع مستقر على الثمن قبل القبض؛ بدليل أنه يتصرف فيه بالإبراء، وقد أمن هلاكه.
والرابع- وبه قال مالك، وأبو حنيفة - رحمة الله عليهما-:
يُجبر المشتري أولًا على تسليم الثمن؛ لأن حقه متعين في المبيع، وحق البائع غير
[ ٣ / ٥١١ ]
متعين في الثمن؛ فيجبر على التسليم؛ حتى يتعين.
هذا إذا كان الثمن في الذمة، فإن تبايعا عينًا بعين، فلا يأتي فيه إلا قولان:
أحدهما: يجبران.
والثاني: لا يجبران.
ولو أجر داره بأجرة في الذمة، واختلفا في التسليم - ففيه أربعة أقوال؛ "كالبيع".
فإن قلنا بالقول الأصح: إنه يجبر البائع، فسلم المبيع؛ فإن كان الثمن حاضرًا مع المشتري أجبر على دفعه، وإن كان غائبًا نظر: إن كان معه في البلد أمره بإحضاره، وحجر عليه في المبيع، حتى لا يتصرف فيه، سواء كان له مال أو لم يكن.
وهل يُحجر عليه في سائر أمواله، أم لا؟
إن كان ماله يفي بديونه مع هذا البيع لا يُحجر عليه، وإلا فحجر عليه.
ثم إن كان ماله غائبًا عن البلد؛ نظر: إن كان إلى مسافة القصر، لا يكلف البائع الصبر إلى إحضاره، وماذا يفعل؟
فيه وجهان:
أصحهما: تُباع السلعة في حقه؛ من له دين على الآخر؛ فظفر بغير جنس حقه، يباع في حقه.
والثاني: يفسخ العقد، ويأخذ غير ماله؛ كما لو أفلس المشتري بالثمن.
فإن كان دون مسافة القصر، ففيه وجهان:
أحدهما: حُكمه حكم ما لو كان في البلد؛ يوقف السلعة، ويؤمر بإحضار الثمن.
والثاني: حكمه حكم ما لو كان إلى مسافة القصر.
وإن كان المشتري معسرًا لا مال له، فهو مفلس، والبائع أحق بسلعته.
ولو باع شيئًا؛ فهرب المشتري قبل أداء الثمن؛ فإن كان مفلسًا، أخذ البائع عين ماله، وألا فتباع السلعة في حقه.
ولو اشترى رجلان شيئًا من رجل، وغاب أحدهما - فللحاضر أن يعطي نصف الثمن، ويأخذ نصيبهن وليس له أن يأخذ نصيب الغائب، وإن أدى حصته من الثمن؛ لأنه لا ولاية له على الغائب.
ولو اشترى رجل بوكالة رجلين شيئًا؛ فأدى نصف الثمن عن أحدهما - لا يجب على
[ ٣ / ٥١٢ ]
البائع تسليم النصف، على الأصح؛ لأن العاقد واحد.
قلت: ويحتمل أن يُقال إذا كان البائع عالمًا: إنه يشتريه لرجلين.
فإذا أخذ نصيب أحدهما، يجب عليه تسليم نصفه.
فإن كان البائع وكيل رجلين؛ فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن؛ يجب عليه تسليم النصف. والله أعلم.
باب الشرط الذي يُفسد البيع
رُوي عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "ما كان من شرط ليس في تاب الله، فهو باطل".
[ ٣ / ٥١٣ ]
أقسام الشرط
الشرط في البيع قسمان:
قسم يقتضيه مطلق العقد: مثل: أن يبيع بشرط أن يملك، أو يتصرف فيه، أو يرد بالعيب، أو يحبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن - فلا يمنع صحة العقد.
وقسم لا يقتضيه مطلق العقد: وهو قسمان:
[ ٣ / ٥١٤ ]
قسم هو من مصلحة العقد: مثل: شرط خيار التلف، وشرط الأجل في الثمن، أو شرط رهنًا، أو كفيلًا معلومًا؛ فيصح العقد والشرط.
وقسم ليس من مصلحة العقد: مثل: أن يبيع بشرط ألا يملك، أو لا يتصرف فيه، أو لا خيار عليه في ثمنه، يعني: إن خسرت، أضمن لك النقصان.
أو قال: بعتك على أن تؤدي دينًا عليَّ، أو تبيع مني كذا، أو ترد المبيع إليَّ متى شئت - فهذا كله يفسد البيع، إلا بشرط واحد؛ وهو:
[ ٣ / ٥١٥ ]
أن يبيع عبدًا، بشرط أن يعتقه المشتري، فالمذهب: أن البيع والشرط صحيحان؛ لما رُوي عن عائشة - رضيالله عنها- أنها اشترت بريرة على أن تعتقها بأمر رسول الله - ﷺ -.
وخرج فيه قول آخر، وبه قال أبو حنيفة: أن البيع باطل؛ كما لو باع بشرط أن يبيع، أو يهب - لا يصح.
وهذا إذا باع؛ بشرط أن يعتقه مطلقًا، أو قال: يعتقه عن نفسك.
فأما إذا قال: بشرط أن يعتقه عني، لا يصح.
ولو باع؛ بشرط أن يكاتبه أو يدبره، فقد قيل: هو كشرط الإعتاق.
والمذهب: أنه لا يصح، والعتق مخصوص بالسنة؛ لغلبته.
إذا ثبت أن البيع بشرط العتق يجوز، فإن أعتقه المشتري، فقد وفى بالشرط، ولا يجوز أن يعتقه عن كفارته، وإن امتنع هل يُجبر عليه، أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر عليه، وللبائع الخيار إن لم يعتق؛ كما لو باع بشرط أن يرهن بالثمن شيئًا لا يجبر عليه، وللبائع فسخ العقد.
والثاني: يجبر عليه؛ لأنه حق الله - تعالى- ما لو نذر إعتاق رقبة يلزمه.
فإن مات قبل أن يعتق، يجب على وارثه إعتاقه.
ويجوز للمشتري استخدامه قبل أن يعتقه، وكسبه يكون له.
وإن كانت جارية له وطؤها.
ولو قتل يجب على القاتل قيمته للمشتري، ولا يجب أن يشتري بها عبدًا آخر يعتقه؛ لأن من يعود إليه نفع العتق قد مات.
ولو مات قبل العتق، لا شيء على المشتري إلا الثمن المسمى؛ لأنه لم يلتزم إلا ذلك.
وقيل: يجب على المشتري ما بين قيمته مشتري مطلقًا ومشتري بشرط العتق.
ولو باع بشرط أن يعتقه والولاء للبائع، فالمذهب: أن البيع لا يصح؛ كما لو باع بشرط أن يكون كسبه للبائع.
[ ٣ / ٥١٦ ]
وفيه قول آخر: إن البيع صحيح، والشرط باطل؛ لما رُوي عن عائشة -﵂ - قالت: جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسعة أواق؛ في كل عام أوقية؛ فأعينيني؛ فقالت عائشة - ﵂ -:
إن أحب أهلك أن أعدها لهم، فيكون لي ولاؤك، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم ذلك؛ فحاءت وقالت: إني عرضت عليهم ذلك؛ فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فقال رسول الله - ﷺ -:"خذيها واشترطي لهم الولاءن فإنما الولاء لمن أعتق".
فدل أن البيع صحيح، والشرط لاغ. والأول أصح.
وقوله - ﷺ -: "واشترطي لهم الولاء" - تفرد به هشام، ولم يروه سائر الرواة؛ لا يعتمد عليه؛ لأنه لا يظن بالنبي - ﷺ- أنه يأمر أهله باشتراط ما لا يجوز.
ولو باع دارًا؛ واستثنى لنفسه سكناها، أو دابة، واستثنى لنفسه ظهرها - إن لم يبين مدة لا يصح العقد، ون بين مدة فقد قيل: فيه قولان؛ كبيع الدار المُكراة.
والمذهب: أنه لا يصح البيع قولًا واحدًا؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي - ﷺ - نهى عن الثنيا
ولأنه شرط ما لا يقتضيه العقد، ولا هو من مصلحة العقد- فلا يصح؛ كما لو باع بشرط ألا يسلم إليه.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: يصح البيع.
ولو باع بشرط أن يحبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن، نظر: إن كان الثمن مؤجلًا، لا يصح العقد.
وإن كان حالًا: فإن قلنا يُجبران على التسليم، أو يجبر البائع - لم يصح البيع.
وإن قلنا: لا يجبرانن أو يجبر المشتري على تسليم الثمن، يصح؛ لأنه من قضية العقد.
ولو باع شيئًا إلى العطاء أو إلى الحصاد، أو إلى أجل مجهول- فالبيع فاسد.
وكذلك لو باع إلى شهر من يوم قبض المبيع، لا يصح؛ لأنه لا يدري متى يقبض.
وكذلك لو باع ثوبًا على أنه عشرة أذرع؛ فإن لم يكن أبدله بغيره فباطل.
[ ٣ / ٥١٧ ]
"فصل في تملك المشتري شراء فاسدًا"
إذا اشترى شيئًا شراء فاسدًا فقبضه، لا يملك.
وعند أبي حنيفة: إذا اشترى بخمر أو خنزير، أو شرط فاسد، فهو فاسد؛ غير أنه إذا قبضه يملك، وينفذ تصرفه فيه؛ غير أنه يجوز للبائع أن يسترده بجميع زوائده المتصلة والمنفصلة.
ولو تلف في يدهن أو باعه، أو كان عبدًا، فأعتقه، قال: يجب عليه قيمته، إلا أن يشتري بشرط العتق، فإن العقد فاسد.
وإذا تلف في يده، قال: يجب عليه الثمن.
وقالوا: لو اشترى شئًا بميتة أو دم؛ فقبضه، لا يملك؛ لأنه باطل فنحن نقيس عليه؛ فنقول: مبيع مسترد بالزوائد المتصلة والمنفصلة؛ فلا يكون الملك فيه ثابتًا للمشتري؛ كما لو باع بميتة، أو دم.
إذا ثبت أنه لا يملك المقبوض بالعقد الفاسد، فعليه رده، وعليه مؤنة الرد كمغصوب.
ولا يجوز حبسه؛ لاسترداد الثمن؛ لأن المالك لم يرهنه، وعليه أجر مثل المدة التي بقيت في يده.
وإن تعيب في يده، يجب عليه أرش مثل النقصان.
وإن تلف عنده، يجب عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم الهلاك.
وفيه وجه آخر: يعتبر قيمته يوم التلف؛ كما في العارية؛ لأن أخذه برضا المالك. والأول هو المذهب؛ لأنه مخاطب بالشرع برده كل ساعة؛ بخلاف العارية.
وما حدث في يده من الولد والثمرة مضمون عليه.
وكذلك كل زيادة متصلةحدثت في يده من سمن، أو تعليم حرفة؛ فزالت - يضمن؛ كالمغصوب.
وإن كانت جارية وطئها المشتري؛ إن كانا جاهلين، فلا حد عليهما، ويجب المهر.
وإن كانا عالمين؛ [نظر]: إن كان قد اشتراها بميتة، أودم - يجب عليهما الحد. وإن اشتراها بخمر، أو خنزير، أو شرط فاسد - فلا حد؛ لاختلاف العلماء في الإباحة.
كما لو وطيء في النكاح بلا ولي لا يجب الحد، ويجب المهر.
[ ٣ / ٥١٨ ]
وإن كانت بكرًا؛ فافتضها، يجب أرش الافتضاض.
ولو استولدها، فالولد حر، وعليه قيمته إذا خرج حيًا باعتبار يوم السقوط؛ بخلاف ما لو اشترى جارية؛ فاستولدها؛ فخرجت مستحقة - يغرم - قيمة الولد، ويرجع على البائع؛ لوجود الغرور من جهته.
وهاهنا يستقر عليه قيمة الولد؛ لأنه لم يوجد غرور من البائع، والجارية لا تصير أم ولد له.
فإن ملكها بعد ذلك، ففيه قولان:
فإن خرج الولد ميتًا، لا يجب به شيء؛ لأنه لا يدري: هل نفخ فيه الروح، أم لا؟ وإن دخل الأم نقص، يجب عليه أرش النقصان.
وإن ماتت في الطلق، يجب عليه قيمتها، وكذلك لو وطيء جارية الغير بالشبهة، وأحبلها؛ فماتت في الطلق -يجب عليه قيمتها؛ لأنه مملوكة تضمن باليد، تلفت بفعل منسوب إليه غير مستحق له.
ولو زنا بامرأة حرة أو أمة؛ فأحبلها؛ فماتت في الطلق - نظر: إن كانت طائعة، لا يجب ضمانها؛ لان النسب هناك غير ثابت؛ فكان السبب مقطوعًا عنه.
وإن كانت مُكرهة، فعلى قولين:
أحدهما: يجب الضمان؛ لأنها تلفت بسببه.
والثاني: لا يجب؛ لأن السبب مقطوع عنه بنفي النسب.
وكذلك لو نكح حرة، أو أمة؛ فأولدها؛ فماتت في الطلق -لا يجب الضمان؛ لأن الوطء مستحق له.
ولو وطيء حرة بشبهة، أو بنكاح فاسد؛ فماتت في الطلق - هل تجب الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ كما تجب القيمة في الأمة.
والثاني: لا يجب؛ لأن ضمان الأمة أسرع ثبوتًا؛ بدليل أنها تضمن باليد، والحرة لا تضمن باليد.
ولو اشترى شيئًا شراء فاسدًا، ثم باعه من آخر، فهو كالغاصب يبيع المغصوب، فإن
[ ٣ / ٥١٩ ]
تلف في يد الثاني، وقيمته في يدهما سواء، أو زادت في يد الثاني - فالمالك يرجع بجميعها على أيهما شاء، وقرار الضمان يكون على الثاني. وإن كانت قيمته بيد الأول أكثر؛ فانتقصت ثم باعه، فضمان ذلك النقصان على الأول لا يرجع به على الثاني، وبالباقي يرجع على أيهما شاء، والقرار على الثاني.
فكل نقص حدث في يد الأول لايون الثاني مطالبًا به، وما حدث في يد الثاني يون الأول مطالبًا به، ثم هو يرجع على الثاني.
وكذلك أجر المثل؛ لأن يد الأول كان سببًا في يد الثاني، ويد الثاني لم تكن سببًا في يد الأول.
"فصل في الشرط المخالف لقضية العقد"
إذا اشترى زرعًا؛ وشرط على البائع حصاده، أو ثمرة؛ وشرط عليه جُذاذها - فالبيع باطل؛ لأنه شرط مخالف قضية العقد.
وكذلك لو اشترى صرمًا على أن يخبره على حقه بعشرة، أو نعلًا من حديد؛ على أن ينعل به دابته، أو كرباسًا؛ على أن يخيط له قميصًا، أو لبنًا؛ على أن يسلم إليه مطبوخًا، أو وقر حنطة؛ على أن يحمله إلى بيته، أو صبيًا رضيعًا؛ على أن على البائع إتمام رضاعه، أو ثوبًا؛ على خف نساج ينسج بعضه على أن يتم نسجه - فالبيع باطل.
وقيل في هذه المواضع: شرط العمل؛ وهو الإجارة باطل؛ لأنه شرط العمل على البائع في شيء لم يتم ملكه عليه.
وفي صحة البيع قولان؛ كما لو باع عبده، وعبد غيره.
والمذهب هو الأول.
وكذلك لو سمى لكل واحد شيئًا؛ وقال: اشتريت منك هذا الزرع بدينار؛ على أن تحصده بدرهم، وهذا الصرم بعشرة؛ على أن تحوزه على خفي بدرهم - لا يصح؛ لأنه جعل الإجارة شرطًا في البيع، فهو في معنى بيعتين في بيعة؛ وذلك منهي عنه.
ولو أفرد كل واحد منهما؛ فقال: اشتريت هذا الزرع بدينار، واستأجرتك بدرهم، حتى تحصده، أو قال: اشتريت هذا الصرم بعشرة، وأحرزه على خفي بدرهم. فقال:
[ ٣ / ٥٢٠ ]
بعت، وقبلت الإجارة - صح الشراء؛ لأنه لا شرط فيه، ولا تصح الإجارة؛ لأنه استئجار على عمل فيما لم يتم مله فيه، فإن أحد شطري الإجارة وُجد قبل تمام البيع؛ كما لو قال: استأجرتك؛ لتخيط لي هذا الثوب، والثوب غير ملوك له- لا يصح.
فصل في تعيين جهة الزيادة والنقصان
إذا قال: اشتريت منك هذه الصبرة؛ كل صاع بدرهم؛ على أن تزيدني صاعًا، أو على أن أنقصك صاعًا؛ ولم يعين جهة الزيادة أو النقصان - لا يصح؛ لأجل الجهالة.
وإن عين جهة؛ نظر: إن عين جهة الزيادة؛ فقال: على أن تزيدني صاعًا؛ نظر: إن أراد أن يهب له صاعًا، أوي بيع من موضع آخر - فلا يصح - لأنه شرط عقد في عقد.
وإن أراد: أنها إن أخرجت عشرة أصوع، أعطيك تسعة دراهم - نظر: إن كانت الصيعان مجهولة لم يصح؛ لأنه لا يدري كم يخص كل صاع منها؛ ما لو قال: بعتك هذه الصبرةكل صاع بدرهم إلا شيئًا لا يصح، وإن كانت الصيعان معلومة يصح.
فإن كانت عشرة أصوع؛ كأنه باع كل صاع وتسعة بدرهم.
وإن عين جهة النقصان، فقال: اشتريت هذه الصّثبرة؛ كل صاع بدرهم؛ على أن أنقصك صاعًا - نظر: إن أراد بها: أنها عن خرجت عشرة أصوع، أعطيك عشرة دراهم، وأرد إليك صاعًا- لا يصح؛ لأنه كشرط هبة في البيع.
وإن أراد: أنها عن خرجت تسعة أصوع، أعطيك عشرة دراهم - نظر: إن كانت الصيعان مجهولة، لا يصح؛ لأنه لا يدري كم يخص كل صاع منها، وإن كانت معلومة يصح، كأنها كانت تسعة أصوع؛ فيكون كل صاع بدرهم وتُسع درهم.
قلت: وإن أراد: أنها إن خرجت عشرة أصوع أخذ تسعة بتسعة دراهم، وإن كانت الصيعان مجهولة لا يصح، وإن كانت الصيعان معلومة يصح؛ كما لو قال: بعتك هذه الصبرة إلا صاعًا.
"فصل في بيع السمن في الظرف والمسك في الفارة"
بيع السمن في الظرف يجوز إذا رأى اعلاه؛ سواء باعه مع الظرف، أو دون الظرف. ما لو باع طعامًا آخر في الظرف.
ولو باع السمن وحده؛ كل من بدرهم يجوز، وإن كان لا يعرف في الحال وزنه؛ لأن الجملة معلومة، والثمن بالوزن يصير معلومًا.
ولو باع كل من بدرهم؛ على أن يزنه بظرفه - نظر: إن كان قال:
[ ٣ / ٥٢١ ]
واطرح وزن الظرف، يجوز؛ سواء عَلِمَا وزن الظرف حالة العقد، أو لم يعلما.
وإن لم يذر طرح وزن الظرف، نظر: إن قال: والظرف لي، لم يجز؛ لأنه يلزمه الثمن ما لم يبع منه.
وإن قال: الظرف مبيع، أو بعتك هذا السمن مع الظرف؛ كل من بدرهم؛ فإن لم يكن للظرف قيمة لم يجز؛ لأنه يوجب عليه ثمن ما لا قيمة له. وإن كانت له قيمة، ففيه وجهان:
أصحهما: يصح، وإن اختلفت قيمة السمن والظرف؛ كما لو باع الفواكه المختلطة، أو الحنطة المختلطة بالشعير.
والثاني: لا يصح؛ لأن المقصود هو السمن؛ وهو مجهول؛ بخلاف الفواكه المختلطة؛ فإن كلها مقصودة؛ فهو كبيع المسك المختلط بغيره - لا يجوز.
ومن قال بالأول أجاب: أن المسك هناك غير متميز عن الغش، وهاهنا المقصود متميز عن غير المقصود؛ فيجوز.
وقيل: إن عَلِمَا دون السمن والظرف يجوز، وإن لم يعلما لا يجوز؛ لأن الظرف قد يكون خفيفًا وثقيلًا؛ ففيه غرر.
ولو باع المسك في فارة قبل إخراجه منها، لا يجوز؛ لأن المقصود هو المسك؛ وهو مهول؛ سواء كان رأس الفار مفتوحًا، أو لم يكن؛ وسواء باع المسك دون الفار، أو مع الفار؛ كما لو باع شاة مذبوحة قبل السلخ؛ بخلاف الجوز، يجوز بيعه؛ لأن القشر عليه من صلاحه.
وقال ابن سريج: يجوز بيع فارة المسك مع المسك، كالجوز.
ولو أخرج المسك من الفارة وأراه، ثم رده إليها فباعه - يجوز.
ولو رأى الفارة دون المسك؛ فرد إليها، ثم باعه: إن كان رأس الفار مفتوحًا يرى أعلاه - يجوز.
وإن كان مسدودًا؛ فعلى قولي بيع الغائب.
قلت: وكذلك لو لم يروا واحدًا منهما بعد الإخراج.
ولو باع المسك؛ كل مثقال بدينار، يجوز ولو باع كل مثقال بدينار مع الفار - فيه وجهان، كالسمن مع الوعاء.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
ولا يجوز بيع المسك المختلط بغيره؛ لأن المقصود هو المسك؛ وهو مجهول. وكذلك بيع اللبن المشوب بالماء.
باب النهي عن بيع الغرر
رُوي عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر".
بيع الغرر باطل.
والغرر: ما خفي علكي علمه؛ فكل بيع كان المبيع فيه مجهولًا، أو غير مقدور على تسليمه - فهو غرر باطل.
منها: ثمن عسب الفحل، حرام، لما رُوي عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله - ﷺ- عن عسب الفحل".
[ ٣ / ٥٢٣ ]
والمراد منه: الكراء؛ وهو أن يستأجر فحلًا؛ ليطرقه على الإناث.
وقد رُوي صريحًا، أنه - ﵇ - "نهى عن ثمن عسب الفحل".
وهذا؛ لأنه إن أخذ العوض على مائه، فماؤه لا قيمة له.
وإن أخذ على فعله، فلا يدخل ذلك تحت قدرته.
أما إعارة الفحل للإنزاء من غير شرط عوض - فجائز، مستحب؛ لما فيه من صلاح الخُلق.
ثم لو أثابه المستعير عليه شيئًا، فلا بأس.
وقال مالك: يجوز استئجار الفحل للإنزاء؛ كما يجوز لتأبير النخل.
قلنا: تأبير النخل عمل معلوم؛ فجاز الاستئجار عليه؛ بخلاف ضراب الفحل.
ومن جملة الغرر: أن يبيع ما ليس عنده، ثم يشتري، فيسلم إليه؛ فلا يجوز؛ لما روي عن حكيم بن حزام؛ أنه سأل رسول الله - ﷺ - فقال: إنه يأتيني الرجل يسألني عن بيع ما ليس عندي. قال: "لا تبع ما ليس عندك".
[ ٣ / ٥٢٥ ]
ومنها: بيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والطير المنفلت، والحمل في البطن - لا يجوز؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، ولايدري وجود الحمل وحياته؛ فإن باع الآبق ممن يقدر على رده، والمغصوب من الغاصب، أو من يقدر على أخذه منه - يجوز.
ولو باع حاملًا، يدخل الحمل في البيع.
ولو قال: بعتك هذه الجارية وحملها، أو هذه الشاة ولبنها، وكانت لبونًا - لا يصح؛ على أصح الوجهين؛ لأن اللبن في الضرع، والحمل في البطن لا يقبل البيع على الانفراد، إنما يدخل في البيع تبعًا؛ فلا يجوز أن يجعله مقصودًا.
وقال الشيخ أبو زيد: يجوز؛ لأنه لما دخل في مُطلق البيع، وذكره لا يمنع الجواز؛ كما لو قال: بعتك هذه الدار بحقوقها، أو هذا الجدار وأساسه - يجوز.
ولو قال: بعتك هذه الجبة وحشوها.
قيل: فيه وجهان؛ كالحمل.
وقيل: يجوز وجهًا واحدًا؛ لأن الجُبَّة اسم لها مع الحشو؛ فهو كأساس الجدار؛ بخلاف الحمل واللبن؛ فنه لا يتناولهما اسم الشاة.
فإذا سماها صارا مقصودين، وأخذا قسطًا من الثمن؛ وهما مجهولان؛ فلم يصح.
ولو قال: بعتك هذه الجارية، أو هذه الشاة، على أنها حامل، أو بشرط أنها حامل - ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لما شرط الحمل، كأنه عقد عليهما.
والثاني: يجوز خرَّجه صاحب "التلخيص"؛ كما لو اشترى شاة؛ على أنها لبون، يجوز.
ومن قال بالأول، أجاب عن اللبون؛ بأنه ليس ببيع اللبن في اللبون، بل هو شرط
[ ٣ / ٥٢٦ ]
صفة فيها؛ بدليل أنها لو لم يكن في ضرعها لبن وقت البيع، بأن كان قد حلبها - لا خيار للمشتري إذا كان لبونًا؛ كما لو اشترى على أنه كاتب أو خباز، جاز.
أما الحمل: فيشترط وجوده حالة العقد؛ وهو مجهول جعله مقصود؛ فلم يجز.
ولو كان الحمل لواحد، والأم لآخر، فلا يجوز لمال الحمل بيع الحمل؛ لا من مالك الأم، ولا من غيره.
وكذلك لا يجوز لمالك الأم بيعها؛ لا من مالك الحمل، ولا من غيره. ولو كان الحمل حرًا، لا يجوز بيع الأم.
هذا؛ كما لا يجوز استثناء الحمل في البيع.
ولو وكل أحد منهما صاحبه؛ فباعهما، لم يجز؛ لأن حصة الحمل من الثمن مجهول.
ولو باع السمك في الماء؛ نظر: إن كان في حوض صغير يقدر على أخذه باليد من غير كُلفةٍ - يجوز إن كان الماء صافيًا يراه تحت الماء. وإذا كان كدرًا لا يراه، فعلى قولي بيع الغائب.
وإن كان في مصنعة كبيرة، ولا يقدر على أخذه بالشبكة، أو في أجمة، أو في بئر يلحقه كلفة في أخذه - لا يجوز؛ كالعبد الآبق.
وكذلك إذا باع الحمام في برج مغلق عليه الباب؛ فإن قدر على تناوله من غير تعب جاز، وإن ان في برج بير لا يقدر على أخذه إلا بتعب لم يجز.
ولو باع الحمام بعدما خرج عن البرج، أوالنحل بعد خروها عن الكوارة، لا يجوز، وإن كانت من عادتها العود؛ لأنه ليس لها عقل يحمله على الوفاء؛ بخلاف العبد الذي بعثه لشغل جاز بيعه.
فصل في بيع الفضولي وشرائه
ولا يجوز بيع مال المكلف المطلق دون إذنه.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
فلو باع رجل ما له دون إذنه، لا يصح العقد؛ لأنه لا يقدر على تسليمه؛ كبيع الآبق.
وقال في القديم - وبه قال أبو حنيفة ومال -: يكون البيع موقوفًا على إجازة المالك، فإن أجاز صح.
وكذلك لو زوج ابنة الغير، أو أمته، أو طلق زوجته، أو أعتق عبده- لا يصح.
وعندهما يتوقف على الإجازة.
وبالاتفاق لو طلق زوة صبي، أو أعتق عبده، لا يصح.
أما إذا اشترى شيئًا للغير بغير أمره؛ نظر:
إن اشترى بعين مال ذلك الرجل؛ فهو كالبيع، لا يصح.
وإن اشترى في الذمة؛ نظر:
إن لم يسم فلانا، صح العقد للعاقد.
وإن سمى فلانًا؛ نظر: إن أضاف الثمن إليه، فقال: اشتريته بكذا في ذمة فلان، فكالبيع - لا يصح. وإن قال: اشتريته لفلان بكذا، ولم يضف الثمن إليه - ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح العقد.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
والثاني: تُلغى التسمية، ويصح العقد للعاقد.
وإن اشترى بعين مال نفسه المعين شيئًا؛ نظر: إن لم يسم الغير، يقع للعاقد؛ سواء كان بإذن ذلك الغير؛ أو دون إذنه.
وإن سمى العين؛ فقال: اشتريت عبدك بثوبي لفلان - نظر:
إن كان فلان لم يأمره، فالتسمية لاغية. وهل يقع للعاقد، أم يبطل؟ فيه وجهان:
فإن كان فلان أمره به، هل تلغى التسمية أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن أحد العوضين له؛ فلا يصير بدله لغيره.
فعلى هذا: حكمه حكم ما لو لم يأمر، يبطل، أم يقع للعاقد؟ فعلى وجهين:
والثاني: لا تُلغى التسمية؛ لأنه وكله به.
فعلى هذا: يقعُ العقد للآمر، ويكون ما وقع قرضًا عليه، أم هبة؟
فيه وجهان.
ومن الغَرَرِ، أن يبع جذعًا في بناء، أو نصفًا معينًا من إناء، أو سيفًا - لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه تسيمه إلا بهدم البناء، وكسر الإناء أو السيف؛ فيدخل عليه ضرر من غيره.
وكذلك لو باع نصفًا معينًا من ثوب، أو ذراعًا معينًا: فإن كان الثوب نفيسًا ينتقص قيمته بالقطع لم يجز، وإلا يجوز.
وكذلك لو باع نصف خشبة معينة يجوز؛ لأنها لا تنتقص بالقطع.
ولو باع نصفًا معينًا من جدار؛ نظر: إن باع النصف الأسفل، لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم الأعلى. فإن باع النصف الأعلى؛ فإن كان من لبن باعه إلى نصف معين - يجوز.
وإن كان من طين لا يجوز، ولو باع نتاج نتاجها لا يجوز؛ لأنه بيع المعدوم.
ولا يجوز بيع اللبن في الضرع؛ لأنه مجهول؛ ولأنه يزداد، وما يحدث لا يكون داخلًا في البيع.
ولو باع صاعًا من اللبن في الضرع بعدما عرف أن فيه لبنًا؛ بأن حلب منه قليل - فقد قيل: يجوز؛ كما لو كان في إناء؛ ولما روي عن ابن عباس: أنه ان يكره بيع اللبن في الضرع، إلا بالكيل.
والأصح: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يدري وجود هذا القدر في الحال؛ لأنه يحدث شيئًا فشيئًا.
[ ٣ / ٥٣١ ]
وقيل: إنه يخرج من العروق إذا أخذ في الحلاب.
وما روي عن ابن عباس إلا بالكيل أراد به: إذا أسلم في اللبن، يجوز.
ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم؛ لأنه إن لم يشترط القطع، فهو يزداد، وما يزداد لا يكون داخلًا في البيع.
وإن شرط القطع فلا يمكن استيفاؤه؛ لأنه يتألم به الحيوان.
وقال مالك: يجوز بيعه بشرط الجَزِّ؛ كالقث في الأرض.
قلنا: لأنه ثمر يمكن استيفاؤه من غير ضرر.
أما إذا باع الصوف على ظهرها بعد الذكاة يجوز؛ لأن استيفاءه ممكن.
ولو أوصى لإنسان بالصوف على ظهر الحيوان، أو باللبن في الضرع، وهو موجود في تلك الحال - يجوز؛ لأن الوصية تقبل من الغرر ما لا يقبله البيع؛ كما لا يجوز بيع الحمل في البطن، وتجوز الوصية به. والله أعلم.
باب: بيع حبل الحبلة وغير ذلك من المناهي
رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع حبل الحبلة.
وكان يتبايعه أهل الجاهلية؛ وذلك: أن يبيع شيئًا إلى أن ينتج نتاج هذه الدابة؛ فلا يصح، لأنه بيع إلى أجل مجهول.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
ولو باع نتاج نتاجها، لا يجوز؛ لأنه بيع المعدوم.
وروي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - "نهى عن بيع الملامسة والمنابذة".
[ ٣ / ٥٣٣ ]
والمُلامسة: أن يأتي بثوب مطوي، أو في ظُلمة الليل؛ فيلمسه المشتري، فيقول صاحبه: بعتك هذا؛ بشرط أن لمسك يقوم مقام نرك إليه، ولا خيار لك إذا رأيته - فهذا باطل؛ لما فيه من الغرر.
والمنابذة: أن يقول: انبذ إليك ثوبي، وتنبذ إليَّ ثوب؛ على أن كل واحد بالآخر، أو قال: انبذ إليك ثوبي بعشرة؛ فيكون النبذ بيعًا.
فلا يصح؛ لعدم التواجب.
وقال ابن سريج المعاطاة بيع؛ وبه قال أبو حنيفة في الأشياء التافهة.
ومن جعل المعاطاة بيعًا، قال ببطلان المنابذة بالمعنى الذي بطل به الملامسة؛ وهو أن يبيع ثوبًا بثوب مطويين؛ على أنه لا خيار لهما بعد النشر؛ فلا يصح.
وروي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحصاة.
وله تأويلات:
أحدها: أن يقول: أرمي بهذه الحصاة؛ فعلى أي ثوب وقع يكون مبيعًا منك، أو إلى أي موضع بلغ من الأرض يكون مبيعًا منك - فلا يصح؛ لأن المبيع مجهول.
الثاني: أن يقول: أرمي بهذه الحصاة، فإذا وقع على الأرض كان الثوب مبيعًا منك بعشرة - فلا يصح؛ لعدم التواجب.
الثالث: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة، على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، ويقع - فلا يصح؛ للخيار المجهول.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
فصل: لا يصح من الأعمى شراء الأعيان ولا بيعها
وعند أبي حنيفة: يجوز؛ كما يجوز للبصير.
ونحن جوزنا شراء الغائب على أحد القولين؛ لأنه يراه بعد البيع؛ فتزول الجهالة.
والأعمى ليست له آلة المعرفة، فتمكن من بيعه جهالة لا تزول؛ فلم يجز.
فإذا أراد الأعمى أن يشتري شيئًا أو يبيع، يوكل من يتولاه؛ فيجوز لأجل الضرورة.
ولو رأى شيئًا في حال بصارته، ثم عمي، فاشتراه أو باعه.
إن كان ذلك الشيء مما يتغير في تلك المدة لا يجوز، وإلا فيجوز.
ولو اشترى شيئًا لم يره في حال بصارته، وجوزنا شراء الغائب؛ فعمي قبل الرؤية - هل ينفسخ البيع؟
فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ؛ كما لو اشترى في حال العمى.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن المانع لم يكن مقترنًا بالعقد؛ فعلى هذا يوكل من يرى عنه، وله الخيار.
وكما لا يجوز بيع الأعمى، لا تجوز هبته.
ولو أسلم الأعمى في شيء، أو قبل السلم؛ نظر: إن عمي بعد بلوغه أوان التمييز، ومعرفة الألوان -يجوز، ثم يُوكل من يقبض عنه الوصف المشروط، وهل يصح قبضه بنفسه؟
فيه وجهان:
وإن عمي قبل بلوغه أوان التمييز أو كان أكمه - ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه يعرف الصفات بالسماع.
والثاني - وهو الأصح -: لا يصح؛ لأنه لا يعرف حقيقة الأوصاف.
فحيث جوزنا، إنما يجوز إذا كان رأس المال موصوفًا معينًا في المجلس؛ فإن كان معينًا، لم يجز؛ كبيع العين.
ويجوز للأعمى أن يؤاجر نفسه؛ لأنه يعرف نفسه.
ولا يجوز أن يؤاجر عبده، وكذلك لا يجوز أن يكاتب عبده.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
ولو قبل العبد الأعمى على نفسه الكتابة يجوز.
"فصل في النهي عن بيعتين في بيعة"
روي عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين في بيعة".
وله تفسيران:
أحدهما: أن يقول: بعتك هذا بألف حالة، أو بألفين إلى شهر- لا يجوز؛ لأنه لا يدري أيهما الثمن.
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد، أو هذه الجارية - لا يصح؛ لأنه لا يدري أيهما المبيع.
أما إذا قال: بعتك هذا العبد بألف حالة، وبألفين؛ إلى شهر - يصح؛ لأن الثمن معلوم؛ وهو ثلاثة آلاف؛ بعضها حال وبعضها مؤجل.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بألفين؛ فقبل في أحدهما بعينه - جاز.
ولو قال: بعتك هذا العبد؛ نصفه بألف، ونصفه بألفين - جاز.
ولو قال: بعتك بألف؛ نصفه بستمائة لم يجز؛ لأن ابتداء كلامه يقتضي توزيع الثمن على المثمن بالسوية، فأخذه يناقضه.
التفسير الثاني: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف؛ على أن تبيعني دارك، أو تشتري مني داري - لا يصح؛ لأنه جعل الألف، ووفق البيع الثاني ثمنًا؛ فإذا بطل الشرط، بطل بعض الثمن؛ فيبقى الباقي مجهولًا.
أما البيع الثاني، إن كانا عالمين ببطلان الأول - صح.
وإلا فلا يصح؛ لأنه يبيعه على حكم الشرط الفاسد.
"فصل في النهي عن النجش"
روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن النجش.
والنجش: الخديعة؛ وهو: أن يتقدم رجل إلى سلعة تباع فيمن يزيد؛ فيزيد في ثمنها، ولا يريد شراءها؛ ترغيبًا للناس فيها.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
فهو عاص بهذا الفعل. ثم إذا اغتر رجل فاشتراها، يصح العقد؛ لأنه لا فساد في العقد. وهل يثبت له الخيار إذا علم؟
نظر: إن فعله الناجش بغير التماس البائع، لا خيار للمشتري، وإن فعل بالتماسه ففيه قولان:
أحدهما: له الخيار؛ للتدليس؛ كالتصرية.
والثاني: لا خيار له؛ لأن التفريط من جهته؛ حيث اغتر بقوله، ولم يستعن بغيره.
فصل في البيع على بيع الأخ والسوم على سوم الأخ
رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله -ﷺ - قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
ويروى: لا يسوم الرجل على سوم أخيه.
صورة البيع على بيع أخيه: أن يشتري رجل شيئًا وهو مغتبط به؛ فجاء رجل في مجلس الخيار إلى المشتري، وقال: افسخ هذا البيع؛ حتى أبيع منك خيرًا منه بأرخص.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
أو جاء إلى البائع، وقال: افسخ؛ حتى أشتري منك بأكثر، فهذا حرام.
ثم إن كان قصد فسخ العقد بينهما؛ وهو لا يريد شراءه، عصى الله - تعالى- سواء كان عالمًا بالحديث، أو لم ينك عالمًا بالحديث؛ كما في النجش.
وإن أراد شراءه: فإن كان عالمًا بالحديث يعصي، وإلا فلا؛ بخلاف النجش؛ حيث قلنا: يعصي به، وإن لم يكن عالمًا بالحديث؛ لأن النجش خديعة، وليست الخديعة من أخلاق أهل الشريعة، ولا يخفى ذلك على عاقل، والبيع على بيع أخ مما يخفى بحكمه على الناس؛ فتوقف العصيان فيه على قصد مخالفة الحديث.
فلو فسخ مع الأول، وعقد مع الثاني، صح العقد؛ لأن الفسخ ثابت له في المجلس.
صورة السوم على سوم الأخ: أن يأخذ شيئًا ليشتريه؛ فقبل أن يشتري جاء رجل، فقال: رده؛ حتى أبيع منك خيرًا منه.
وقال للمالك: خذه لأشتريه بأكثر، فهو حرام إن كان تراضيا على شيء، أما إذا لم يتراضيا على شيء فلا يحرم.
فإن وجد دلالة الرضا؛ بأن طلب المشتري بعشرة، فقال: أسامحك ونحو ذلك - فهل يحرم الدخول عليه؟
فيه وجهان.
هذا إذا كان البيع في موضع مستقر. فأما إذا كان الشيء يطاف به فيمن يزيد، ولم يقع الرضا من المالك بشيء - فلا حرج على من يزيد على ما طلب به غيره.
وعند أبي حنيفة: المراد بالبيع على بيع الأخ: هو السوم؛ لأن عنده خيار المكان لا يثبت في البيع؛ فلا يتصور البيع على البيع.
[ ٣ / ٥٣٩ ]
"فصل في بيع الحاضر للبادي"
روي عن جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا بيع حاضر لباد؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
صورته: أن أهل البادية كانوا يحملون إلى البلد متاع البادية من الصوف والأقط ونحوها؛ يبيعونها بسعر اليوم؛ ليرجعوا إلى البادية على سرعة؛ لما عليهم من المؤنة في المقام بالبلد، وكان من ذلك رفق وسعة لأهل البلدة.
وكان الرجل من أهل البلد يأتي البدوي، ويقول: ضع متاعك عندي؛ حتى أبيعه لك على مر الأيام بأغلى وارجع أنت إلى باديتك.
فليس للبلدي أن يفعل ذلك؛ لما فيه من قطع رفق أهل البلد؛ فإن فعل وهو عالم بالحديث، يعصي الله - تعالى - وإن لم يكن عالمًا به لا يعصي.
ولو فعل، وباع للبدوي، صح البيع؛ لأن النهي ليس في العقد؛ كالبيع في وقت الشراء. هذا إذا عرض البلدي عليه ذلك، فأما إذا التمس ذلك منه رب المال، وأراد رب المتاع أن يقيمه بالبلد، ويبيعه على مر الأيام؛ فعرض البدوي نفسه عليه، والتمس تفويضه إليه - فهو مأجور عليه، غير مأثوم.
وإنما يحرم في الصورة الأولى إذا كان يظهر من متاعه سعة لأهل البلد. فإن كان لا يظهر منه سعة لكبر البلد، وقلة ذلك المتاع، أو كان السعر رخيصًا، ومثل ذلك المتاع عام الوجود - فهل يجوز للبلدي أن يبيع له ذلك؟
فيه وجهان:
[ ٣ / ٥٤٠ ]
أحدهما: لا؛ لظاهر النهي.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا ضرر فيه على أهل البلد.
ثم هذا فيما يعم مساس الحاجة إليه من أطعمة القرى والصوف. وأما ما تقع الحاجة إليه نادرًا، فلا يدخل تحت النهي.
"فصل في تلقي الركبان"
رُوي عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تلقوا الركبان للبيع".
[ ٣ / ٥٤١ ]
وفي رواية: فمن تلقاها، فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق".
وصورته: أن يقع الخبر بقدوم عيرٍ تحمل المتاع، فيتلقاها رجل؛ ليشتري منهم شيئًا.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
بأرخص قبل أن يقدموا البلد، ويعرفوا سعره -فهذا الرجل إن كان عالمًا بالحديث يعصي، وإلا فلا؛ غير أنه إذا فعل واشترى يصح الشراء، ولا خيار للبائع قبل أن يقدم السوق. فإذا قدم السوق له الخيار عن كان مغبونًا؛ بأن اشتراه المشتري بأرخص من سعر البلد؛ سواء أخبره المشتري بسعر البلد أو كذب، أو لم يخبر.
أما إذا لم يكن مغبونًا؛ بأن اشتراه بسعر البلد، أو بأكثر- فهل له الخيار؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لظاهر الخبر.
والثاني - وهو الأصح-: لا خيار له؛ لأنه لم يخنهم.
قلت: وكذلك إذا اشتراه بأقل، والبائع عالم بسعر البلد، أو أخبره المشتري؛ فصدق -لا خيار؛ على الأصح؛ لأن النبي - ﷺ - علق الخيار بقدوم السوق؛ ليقف على غبن خفي عليه حالة البيع.
أما إذا لم يقصد التلقي، بل خرج لشغل آخر؛ فرأى عيرًا مقبلة؛ فاشترى منهم شيئًا- لا يعصي، ولا خيار للبائع إذا قدم السوق، وإن كان مغبونًا.
وقيل: إن أخبره المشتري بسعر البلد وكذب، فله الخيار. والله أعلم.
باب: النهي عن بيع وسلف
رُوي عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن بيع وسلف.
وصورته: أن يقول: بعتك عبدي بكذا؛ على أن تقرضني عشرة - فلا يصح البيع؛ لأنه
[ ٣ / ٥٤٣ ]
جعل الألف ورفق القرض ثمنًا، فإذا أبطل شرط القرض يسقط بمقابلته بعض الثمن؛ فيبقى الباقي مجهولًا، وإذا أقرضه بعد ذلك يصح؛ لأنه لا شرط فيه.
ولو قال: أقرضتك هذه العشرة؛ على أن تبيعني عبدك - لا يصح الاقتراض؛ لأنه قرض جر منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا؛ حتى لو أقرضه شيئًا؛ على أن يرد أجود أو أكثر، أو أقرضه المكسر؛ على أن يرد الصحيح -لا يجوز؛ سواء شرط المستقرض على نفسه، أو شرط عليه المقرض.
أما إذا استقرض مطلقًا، ثم رد أفضل، أو أكثر من غير شرط - جاز. والدليل عليه: ما روي عن أبي رافع قال: استسلف رسول الله - ﷺ - بكرًا فجاءته إبل الصدقة؛ فأمرني أن قُضي الرجل بكره. فقلت: لا أجد إلا جملًا خيارًا رباعيًا. قال رسول الله - ﷺ -:"اعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء".
ولو أرضه ليرد إليه ببلد آخر، لا يجوز؛ لأنه يجر إلى نفسه نفع أمن الطريق؛ فإن لم يشرط؛ وكتب له إلى بلد آخر من غير شرط - جاز، ولو شرط فيه أجلًا؛ نظر: إن كان للمقرض عليه نفع؛ بأن كان أيام نهب -لا يجوز، وإن لم يكن يجوز؛ لأنه نفع المستقرض ونفع المستقرض لا يفسد القرض؛ لأن القرض جوز لنفع المستقرض؛ حتى لو أقرضه الصحاح؛ ليرد المكسر، أو أقرضه ألفًا؛ على أن يقرضه المقرض ألفًا أخرى - لا يفسد به القرض؛ لأنه وعد، ولا يلزم الوفاء به.
وكذلك لو وهب شيئًا؛ على أن يهبه الواهب شيئًا آخر - لا تفسد الهبة؛ بخلاف ما لو باعه عبدًا؛ على أن يهب له البائع ثوبًا، لم يصح البيع؛ لأن الأصل: البيع على العوض، فإذا التزم مع المبيع هبة أو قرضًا، فلم يشتره المشتري غلا على شرط عقد - يفسد.
وكذلك لو شرط فيه أجلًا، لا يلزم الأجل.
وعند مالك: يلزم الأجل.
ويجوز شرط الرهن والكفيل في القرض؛ لأنه توثيق الحق؛ فلا يعد نفعًا يبطل القرض؛ كما أن شرط الرهن في البيع جائز، ولا يجعل عقدًا في عقد.
فصل في أن الإقراض مستحب
ويشترط فيه الإيجاب والقبول؛ لأنه تمليك كالبيع والهبة.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
ويصح بلفظ القرض والسلف، وبما في معناه؛ بأن يقول: ملكتك هذا؛ على أن ترد عليَّ بدله.
فإن قال: ملكتك؛ ولم يذكر رد البدل، فهو هبة.
فإن اختلفا: فقال الدافع: أردت القرض.
وقال الآخذ: بل الهبة - فالقول قول الآخذ مع يمينه؛ لأن الظاهر منه الهبة.
ولا يثبت فيه خيار المكان، ولا خيار الشرط؛ لأن الخيار لإثبات الفسخ. وفي القرض يجوز لكل واحد منهما فسخه متى شاء، وهل يملك المستقرض بنفس القبض؟
فيه جوابان:
أصحهما: يملك؛ لأنه قبض يفيد التصرف؛ كما في الهبة.
والثاني: لا يملك إلا بالتصرف؛ لأنه ليس معاوضة، ولا تبرعًا محضًا؛ لأنه يجب عليه بدله، ولا يحكم له بالملك إلا بعد استقرار بدله عليه.
وإن تصرف بما يزيل الملك من بيع أو هبة أو إعتاق أو إتلاف - يحكم له بالملك قبل ذلك، فإن رهن أو أجر زوج، أو كانت حنطة؛ فطحنها، أو شاة، فذبحها - هل يحكم له بالملك؟
فيه وجهان:
أحدهما: يملك؛ لأنه تصرف تَصَرُّف الملاك.
والثاني: لا يملك؛ حتى يتصرف بما يزيل الملك.
فعلى هذا: إن كان قد زوج أو رهن أو أجر، لا تصح هذه العقود.
وفائدة الاختلاف في الملك: أنه لو أقرضه شيئًا؛ فقبل أن يتصرف فيه، تقاضاه المقرض - هل يجب عليه رد عينه؟
إن قلنا: يَملِكُ بنفس القبض، لا يجب رد عينه، بل له أن يؤدي بدله من موضع آخر.
وإن قلنا: لا يملك، يجب عليه رد عينه.
فإن أقرضه حيوانًا؛ فإن قلنا: يملك بالقبض، فنفقته على المستقرض، وإن أقرضه أباه يعتق عليه.
فإن قلنا: لا يملك بالقبض ما لم يتصرف، فنفقته على المُقرض، ولا يعتق أبوه قبل التصرف فيه.
قلت: يحتمل أن يقال: يعتق، ويحكم له بالملك قبله؛ كما لو أنشأ إعتاق الأجنبي.
وكل ما جاز السلم فيه، جاز استقراضه.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
قال الشافعي - ﵁-: ولا باس باستسلاف الحيوان كله إلا الولائد.
أما العبيد: فيجوز استقراضها؛ كسائر الحيوانات.
أما الجواري: نظر: إن استقرضها من لا يحل له وطؤها، جاز.
وإن كان ممن يحل له وطؤها، ففيه قولان؛ بناء على أنه متى تملك؟
إن قلنا: تُمْلَكُ بالتصرف، جاز.
وإن قلنا: بالقبض، فلا يجوز؛ لأنه ربما يطؤها بحكم الملك، ثم يردها بعينها؛ فيكون في معنى إعارة الجارية للوطء؛ وذلك لا يجوز.
فحيث جوزنا في المحارم؛ فاستردها المقرض قبل تصرف المستقرض - هل عليه الاستبراء، أم لا؟
إن قلنا: ملك المستقرض بالقبض يجب، وإلا فلا يجب.
وما لا يجوز السلم فيه؛ كالجواهر، والأشياء التي لا تضبط بالصفة، لا يجوز استراضه.
وشبهه بالسلم من حيث إنه يعجل شيئًا، ويكون عوضه في ذمته، وفي استقراض الخبز وجهان؛ كالسلم فيه:
الأصح: لا يجوز.
ويجوز استقراض المكيل وزنًا، والموزون مكيلًا؛ كالسلم.
وقال الشيخ القفال: لا يجوز قرض المكيل بالوزن.
ويختص ذلك بالسلم؛ لأنه لا ربا بين رأس مال السلم، وبين المسلم فيه.
حتى قال: لو أتلف على إنسان مائة مَنَّ من الحنطة، يجب عليه أن يرده وزنًا.
وكذلك لو باع شقصًا بمائة من الحنطة، لا يأخذه الشفيع بالحنطة وزنًا، بل ينظر: كم تكون تلك الحنطة، فيأخذه كيلًا.
وكان القاضي الإمام - ﵀يقول- وهو الأصح عندي-: إنه يأخذ بمثله وزنًا؛ ما اشتراه، وكذلك في الإتلاف والقرض؛ كما في السلم.
وإذا استقرض مثليًا هل يجب عليه رد المثل؟
وإذا استقرض متقومًا، فعلى وجهين:
أحدهما: يجب [قيمته]؛ كما لو أتلفه على غيره، يجب عليه القيمة.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
والثاني - وهو المذهب -: عليه رد المثل؛ لأن النبي - ﷺ- استسلف بكرًا فأمر برد مثله.
فإن أوجبنا القيمة، فتعتبر قيمته بيوم القبض: إن قلنا: يملك القبض.
فإن قلنا: بالتصرف، فبالأكثر من يوم القبض إلى أن يتصرف.
وقيل: إذا قلنا: يجب القيمة، يجوز استقراض ما لا يسلم فيه؛ كالجواهر ونحوها.
وإذا أقرضه شيئًا ببلد، ثم لقيه ببلد آخر، فإن لم يكن لنقله مؤنة؛ كالدراهم والدنانير- يجوز للمقرض مطالبته برده، وللمستقرض رده.
وإن كان لنقله مؤنة، ليس للمقرض مطالبته بمثله، ولا للمستقرض رد مثله؛ لما في نقله من المؤنة، إلا أن يتراضيا عليه.
ويجوز للمقرض مطالبته بقيمته؛ باعتبار بلد الإقراض.
وكذلك لو غصب مثليًا؛ فأتلفه، ثم لقيه ببلد آخر: فإذا أخذ القيمة، ثم اجتمعا في بلد الإقراض - هل له رد القيمة، ومطالبته بالمثل؟ أو هل للمستقرض أن يطالبه برد القيمة؟ فيه وجهان. والله أعلم.
باب تجارة الوصي
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وروي عن عمر بن الخطاب﵁ - أنه قال: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة".
يجوز للولي أن يتصرف في مال الصبي والمجنون؛ على وجه النظر؛ سواء كان الولي أبًا، أو جدًا، أو وصيًا، أو قيمًا.
فيجوز له أن يبيع ماله بنقد البلد، وبالعرض، ونسيئة، إن رأى النظر فيه.
وإذا باع نسيئة، يجب أن يزيد على ثمن النقد، ويشهد عليه، ويأخذ رهنًا؛ فإن لم يفعل، ضمن.
ويجوز أن يسافر بماله، ويبعث على يد أمين، إن كان الطريق آمنًا. ولو كان الطريق
[ ٣ / ٥٤٧ ]
مخوفًا، فلا يجوز، فإن فعل صار ضامنًا.
ولا يجوز أن يهب بشرط الثواب؛ لأنه لا ينعقد بالهبة العوض؛ كما لا يجوز أن يعتق عبده، ولا أن يكاتبه.
ويجوز للأب والجد أن يبيع مال ولده الطفل، أو المجنون من نفسه، ويشتري له من نفسه، ويتولى طرفي العقد.
ولا يجوز ذلك للوصي والقيم؛ لأن الأب والجد كامل الشفقة.
فينظر لولده أكثر مما ينر لنفسه، وليس للوصي والقيم له من كمال الشفقة مما يترك نظر نفسه لحق المولى عليه.
وإذا نظر لنفسه بخس لحق المولى عليه.
ولو باع مال ولده من نفسه، هل يحتاج إلى لفظين؟
فيقول: بعت، واشتريت، أم يكتفي بأحدهما؟
فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى لفظين؛ ما لو باع من غيره، يشترط وجود لفظ البيع والشراء.
والثاني: يكتفي بلفظ واحد؛ كما أن الشخص الواحد قام مُقام شخصين يقوم اللف الواحد مقام لفظين.
وكذلك يجوز للأب والجد؛ أن يبيع مال أحد ولديه الصغيرين من الآخر، ويتولى طرفي العقد.
ولو باع مال ولده من نفسه نسيئة، ولم يرتهن [له] شيئًا من نفسه - يجوز، لأنه مؤتمن على ولده؛ بخلاف ما لو باع من غيره نسيئة، يجب أن يرتهن.
ولا يجوز للولي اقتراض مال الصبي، ولا المجنون، ولا الإيداع من غير ضرورة. فإن وقعت ضرورة؛ بأن وقع خوف من حريق، أو غرق، أو فتنة، أو أراد سفرًا - حينئذ، يجوز أن يقرض ماله.
أما القاضي يجوز أن يقرض ماله من غير ضرورة؛ لأن ولايته عامة؛ فيشق عليه حفظ جميع أموال اليتامى بنفسه.
فكل موضع جوزنا الإقراض، فهو أولى من الإيداع؛ لأن القرض يكون مضمونًا، فإن لم يجد من مستقرض حينئذ يودعه من أمين، ولو أودعه مع وجود من يقرضه منه.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
ففيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأنه ترك النظر له.
وإذا أقرض قرضًا، يجب أن يقرض من مليء وفيٍّ أمين، فإن أقرض من ذمي، أو من غير أمين صار ضامنًا، والملاءة غير شرط في المودع، وهي شرط في المستقرض.
والأمانة شرط فيهما. وإذا أقرض: فإن رأى أخذ الرهن يأخذه، وإلا لم يأخذ. ويجوز أن يستقرض للصبي عند الحاجة؛ بأن يكون ماله غائبًا، أو له متاع والسوق كاسد؛ وهو يحتاج إلى النفقة في الحال؛ فيستقرض له إلى أن يحضر ماله، أو ينفق سوق متاعه وهو أولى من بيع عقاره، ولا يجوز بيع عقاره إلا لغبطة أو حاجة.
فالغبطة أن يكون مشتركًا بينه وبين غيره، وشريكه يرغب في شرائه؛ بأكثر من ثمنه، أو كان في جواره من يشتريه بأكثر؛ وهو يجد مثله من موضع آخر بأرخص، أو كان مثقلًا بالخراج.
والحاجة: أن يكون به حاجة إلى النفقة والكسوة، وغلة عقاره لا تقوم بكفايته - يجوز له بيعه؛ لأن حفظ نفسه أولى من حفظ ماله.
ومطلق بيع الأب والجد العقار يحمل على النظر؛ فلا يحتاج إلى إثباته عند الحاكم، والحاكم يسجل على بيعه.
أما الوصي والقيم؛ فلا يبيع العقار، ولا يسجل عليه الحاكم إلا ببينة تقوم عند الحاكم على الغبطة والحاجة.
وإذا كان بين بالغ وصبي ربعٌ منقسم؛ فطلب البائع القسمة، هل يجبر قيم الصبي على القسمة؟
نظر: إن كان للصبي منه نفع يجبر، ويعطي من مال الصبي حصته من مؤنة القسمة.
وإن لم يكن له نفع، فيه قولان:
أحدهما: لا يجبر إلا بعد أن يغرم البالغ من حصة الصبي من مؤنة القسمة.
والثاني: يجبر.
قلت: وهو الأصح.
[ ٣ / ٥٤٩ ]
ويعطي الأجرة من مال الصبي؛ لأنه مؤنة تلزمه بسبب ملكه؛ كما لو كان للصبي حمار زمن يكون علفه في ماله.
ولا يجوز للولي أن يكاتب عبد الصبي؛ لأنه إتلاف لا نظر للصبي فيه.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
وبالاتفاق لو أعتق عبده مجانًا أو على مال، لا يجوز.
ولو كاتب؛ فأدى النجوم، لا يعتق؛ بخلاف الكتابة الفاسدة من المالك إذا وجد فيها أداء النجوم يعتق؛ لأنه تعليق؛ ولا يصح التعليق إلا من المالك.
وإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون؛ فادعى على الولي؛ أنه باع ماله بغير نظر وغبطة نظر: إن كنا الولي أبًا أو جدًا، فالقول قولهما مع يمينهما؛ سواء كان عقارًا أو غيره، وعلى المدعي البينة.
وإن كان وصيًا أو قيمًا، لا يقبل قوله في العقار، إلا ببينة تقوم على الغبطة والنظر. وفي غير العقار وجهان:
أحدهما: لا يقبل قوله؛ كما في العقار.
والثاني: يقبل؛ لأنه يشق عليه الإشهاد في كل شيء يبيعه من ماله.
كما يقبل قوله في قدر ما أنفق عليه.
وقيل: في قدر ما أنفق عليه أيضًا وجهان.
وكذلك لو ادعى على من اشتراه من الولي؛ أنه لم يكن له فيه نظر: فإن كان قد اشتراه من الأب أو الجد، فالقول قول المشتري مع يمينه، وإن كان قد اشتراه من الوصي والقيم، فعلى ما ذكرنا.
ويستحب للولي أن يشتري للصبي العقار؛ فهو أولى من التجارة؛ لأنه يحصل له الغلة، ويبقى له أصله.
وإن لم يكن له فيه نظر؛ بأن كان مثقلًا بالخراج والمؤن أو كان في موضع أشرف على الخراب - لا يجوز.
ويجوز أن يبنى له الدور والمساكن.
قال الشافعي - ﵁ -: ويبنيه بآجر وطين، ولا يبنيه بجص؛ لأن الآجر لا يخلص عن الجص صحيحًا، ولا بلبن؛ لأنه يتلف في العمارة.
[ ٣ / ٥٥٠ ]
ولو أشار الولي إلى عين من مال الصبي أن هذا بعته من فلان، يقبل قوله.
ولو قال: هذا الفلان، ولم يقل: بعته منه، هل يقبل؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يقبل، ما لم يقل: بعت.
والثاني: يقبل، ويحمل على أنه باعه.
نظيره: لو أقر بحمل امرأة بمال مطلقًا، هل يقبل؟
فيه قولان.
ويجب على الولي أن يخرج من مال الصبي ما يلزمه من الزكوات والكفارات والعشر وصدقة الفطر وأروش الجنايات، وإن لم يطلب.
ونفقة القريب لا تخرج إلا بعد الطلب، وينفق عليه، ويكسوه بالمعروف من غير إشراف، ولا إقتار.
وإذا بلغ الصبي، واختلفا: فقال الولي أنفقت عليك، وأنكر الصبي.
فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأنه أمين؛ كما لو اختلفا في قدر النفقة.
فالقول قول الولي مع يمينه، إن كان ما يدعيه قصدًا.
وإن اختلفا في المدة؛ فقال الولي: أنفقته عشر سنين، وقال الصبي: بل خمس سنين - فيه وجهان.
قال الإصطخري: القول قول الولي؛ كما لو اختلفا في قدر النفقة.
وقال الأكثرون: القول قول الصبي؛ لأنه اختلاف في المدة، والأصل عدمها.
ولو ادعى الولي دفع المال إليه بعد البلوغ، وأنكر الصبي.
فالمذهب، وهو المنصوص: أن القول قول الصبي؛ لأن الولي يدعي الدفع إلى غير من ائتمنه؛ كالملتقط إذا ادعى رد اللقطة إلى مالكها، كان القول قول المالك.
وقيل: القول قول الوصي؛ كما في النفقة.
والأول المذهب؛ بخلاف النفقة؛ لأن الإشهاد على قدر ما ينفق متعذر، وعلى الرد غير متعذر، وقد أمر الله - تعالى- بالإشهاد عند دفع المال إلى الصبي؛ فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، ولو كان قوله مقبولًا، لم يأمر بالإشهاد.
ويجوز للولي أن يخلط ماله بمال الصبي، ويؤاكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
[ ٣ / ٥٥١ ]
وكذلك المسافرون يخلطون أزوادهم، ويتعاهدون، وإن كانوا يتفاوتون في الأكل.
وهل يجوز للولي أن يأخذ من مال الصبي نفقته إذا كان اشتغاله بالقيام عليه يمنعه من كسبه؟
نظر: إن كان غنيًا فلا، وإن كان فقيرًا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
ثم الفقير إذا أخذ نفقته هل يلزمه الضمان؟
فيه قولان:
أحدهما: لا، وهو قول الحسن وعطاء؛ لأن الله - تعالى- أباح له الأكل من غير شرط ضمان؛ كالإمام يأخذ الرزق من بيت المال.
والثاني: يلزمه الضمان؛ وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير؛ كالمفطر يباح له أكل طعام الغير، ويلزمه الضمان.
فصلٌ: في تصرفات الصبي
لا يصح شيء من تصرفات الصبي؛ لا في حق نفسه، ولا في حق غيره؛ سواء أذن له الولي فيه، أو لم يأذن.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: ينفذ تصرفه بإذن الولي إذا كان يعقل؛ حتى قال: لو باع ماله بالبخس بإذن الولي، يجوز، وإن لم يجز للولي ذلك.
قلنا: امتناع تصرفه لعدم البلوغ، وهو باقٍ؛ فنقول: ما ينتقل إلى الصغير بعد البلوغ في حكم ماله، لا ينتقل إليه في الصغر؛ قياسًا على حفظ المال.
ولا يصح تدبير الصبي ووصيته؛ كسائر تصرفاته؛ على القول الأصح؛ وبه قال أبو حنيفة.
وفيه قول آخر: إنه يصح تدبيره ووصيته، إذا كان يعقل؛ وبه قال مالك؛ لأن له فيه نظرًا بعد الموت؛ فلا ضرر عليه في الحال؛ لأن ملكه لا يزول.
ولو اشترى صبي شيئًا، أو استدان؛ فتلف في يده، أو أتلفه - لا شيء عليه في الحال، ولا بعد البلوغ. وإن كان قد أدى الثمن، فلوليه أن يسترده.
وهذا بخلاف العبد، إذا استقرض شيئًا، أو اشترى بغير إذن المولى؛ فتلف في يده،
[ ٣ / ٥٥٢ ]
أو أتلفه - يتعلق الضمان بذمته؛ يتبع به إذا عتق؛ لأن الحجر على الصبي لحق نفسه. فإذا لم يجب الضمان في الحال، لا يجب بعد البلوغ، والحجر على العبد لحق المولى؛ فإذا أزال حقه بالعتق، ضمن.
ولو أودع رجل من صبي شيئًا؛ فتلف عنده، لا ضمان عليه.
ولو أتلفه، هل عليه الضامن؟
فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ كما لو أتلف مال إنسان من غير إيداع يضمن.
والثاني: لا ضمان عليه؛ لأن المالك هو الذي سلطه عليه بالإيداع؛ كما لو باع منه شيئًا؛ فأتلف، لا يضمن.
ولو أودع عند عبد شيئًا؛ فتلف عنده، لا يضمن. فإن أتلفه، يجب الضمان، ثم يتعلق برقبته أو بذمته.
فيه قولان: فإن قلنا: لا ضمان على الصبي، فيتعلق بذمة العبد؛ كدين المعاملة. وإن قلنا: يضمن الصبي، فيتعلق برقبة العبد.
ولو كان للصبي وديعة عند إنسان؛ فدفعها المودع إلى الصبي - يجب عليه الضمان؛ سواء دفع بإذن الولي، أو دون إذنه؛ كما لو أتلفها بإذنه. ولو كانت الوديعة للولي، أو لغيره؛ فدفعه إلى الصبي بإذن المالك - لا ضمان على المودع؛ كما لو أمره بإتلافه؛ فأتلفه، لا يضمن.
ولو غصب صبي شيئًا؛ فهلك عنده، يلزمه الضمان.
فإن علم به الولي، يجب أن يأخذه؛ فيرده إلى المالك.
فلو لم يفعل؛ حتى هلك عند الصبي، فالضمان في مال الصبي، والولي يكون طريقًا فيه.
فإن أخذه الولي؛ فهلك في يده، نظر: إن تلف بعد التمكن من الدفع إلى المالك، فالضمان على الولي، والصبي طريق فيه.
فإن تلف قبل التمكن، فالضمان في مال الصبي.
والولي هل يكون طريقًا؟
قيل: فيه وجهان؛ بناء على ما لو أخذ المغصوب من الغاصب؛ ليرد إلى المالك - هل يضمن؟
فيه قولان:
[ ٣ / ٥٥٣ ]
وقيل: لا يكون طريقًا؛ لأنه مأمور بأخذه من الصبي؛ بخلاف من أخذه من الغاصب.
ولو غصب عبد شيئًا؛ فهلك عنده، أو أهلكه- يتعلق الضمان برقبته.
وإن علم به المولى؛ فلم يأخذ؛ حتى هلك عنده، ففيه قولان:
أحدهما: يتعلق الضمان برقبة العبد فحسب.
والثاني: يتعلق برقبته، وسائر أموال المولى؛ لأنه متعد بتركه في يده.
ولو أخذه المولى، فهلك في يده، نظر: إن تمكن من الرد إلى المالك؛ فلم يفعل - ضمن في جميع ماله.
وإن لم يتمكن، ففي رقبة عبده. والله أعلم.
بابُ: مداينة العبد
قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥].
لا يصح تصرف العبد بغير إذن الولي؛ فلو اشترى شيئًا، أو استقرض بغير إذنه، فهو فاسد. فإن كان عين ما أخذ قائمًا في يده، استرده المالك، وإن تلف في يده أو أتلفه، يتعلق الضمان؛ وهو القيمة بذمته؛ يتبع به إذا اعتق.
فإن كان قد أدى الثمن من مال المولى، فللمولى أن يسترده.
فإن أخذ المولى من العبد ما اشتراه، أو استقرض عليه -رده إلى البائع والمقرض.
فإن تلف عنده، فالمالك إن شاء: طالب المولى بالضمان، وإن شاء طالب العبد.
غير أنه إن طالب المولى يطالبه في الحال، وإن أراد مطالبة العبد يطالبه بعد العتق.
ولو رآه السيد في يد العبد؛ فلم يأخذ، لا ضمان عليه.
أما إذا اشترى العبد شيئًا، أو استقرض بإذن المولى - يصح، ويكون ملكًا للمولى؛ فإن تلف في يد العبد، يكون من ضمان المولى.
ويجوز للعبد أن يؤاجر نفسه بإذن السيد. وهل يجوز له بيع نفسه ورهنه بإذن السيد؟
فيه وجهان:
أصحهما- وبه قال صاحب "التلخيص" -: يجوز؛ لأن كل تصرف صح من السيد في عبده، صح من العبد بغذنه؛ كبيع عبد آخر للسيد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن إذن السيد [في عبده] إنما يصح ما دام ملكه عليه، وتصرفه
[ ٣ / ٥٥٤ ]
فيه نافذًا، والملك بالبيع يزول، وبالرهن يمتنع تصرفه.
والأول أصح.
ما أن بيع السيد بنفسه يجوز، وإن كان بالبيع يزول ملكه. وعلى هذا: لو أمر رجل عبد إنسان؛ حتى يستأجر نفسه من سيده له، أو يشتري نفسه من سيده؛ ففعل- يصح؛ على ظاهر المذهب.
ولا يحتاج إلى إذن السيد قبل الشراء؛ لأن بيعه بنفسه منه إذن له بالشراء.
وفيه وجه آخر: أنه لا يصح؛ لأن يد العبد يد السيد؛ كما لو قال للسيد: اشتر عبدك من نفسك - لا يصح.
وكذلك لو قال اشتر من سيدك داره، فعلى هذين الوجهين، والمذهب: جوازه.
فصل: في إذن العبد في التجارة
يجوز للسيد يأذن لعبده في التجارة.
ثم ينظر: إن دفع إليه مالًا، وقال: اتجر فيه، فلا يتصرف إلا في ذلك القدر، وله أن يستدين، ويشتري في الذمة بذلك القدر، ولا يزيد.
وإن قال اجعله رأس مالك، وتصرف فيه كيف شئت - وله أن يتصرف بأكثر منه، وإن لم يدفع إليه مالًا فله أن يشتري في الذمة والتصرف.
ومتى صح الإذن في التجارة، فهل له صرف أكسابه من الاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد، والإخراج من المعدن، وقبول الوصية، والاتهاب إليه؟
ففيه وجهان:
أصحهما: له ذلك، ويقضي منها ما لزمه من الديون، ولا يجوز للمأذون أن يؤاجر نفسه.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
وهل له أن يؤاجر أموال التجارة من الدور والعبيد؟
فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ كما يجوز له بيعها، وكالمكاتب يؤاجر أمواله، ولأن المنفعة من فوائد المال تملك العقد عليه؛ كالصوف واللبن يبيعه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن هذا التصرف ليس من باب التجارة؛ بدليل أنه لو حلف ألا يتجر؛ فأر شيئًا، لا يحنث.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
ولا يجوز للمأذون أن ينفق على نفسه من مال التجارة؛ لأن ما يحصل بكسبه وتجارته ملك للمولى؛ فلا ينفقه إلا بإذنه، بل نفتقه على سيده.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
ولا يجوز أن يضيف أو يتصدق بشيء، ولا يجوز أن يبيع نسيئة، ولا بدون ثمن المثل، ولا أن يسافر بمال التجارة.
فلو باع نسيئة أو بغبن فاحش، لا يصح.
ولو أذن لعبده بالتجارة في نوع يجوز، ولا يتصرف في غيره من الأنواع.
وكذلك لو أذن له في التجارة شهرًا أو سنة، لا يتصرف بعده.
وعند أبي حنيفة: إذا أذن في نوع يتصرف في جميع الأنواع.
وإذا سمى مدة تعم؛ وهذا لا يصح؛ لأنه يتصرف في مال المولى؛ فهو كالوكيل لا يجاوز ما أمره به الموكل؛ كما لو أذن له في التجارة، لا يجوز أن ينكح.
وبالاتفاق: لو دفع إليه عشرة؛ ليشتري بها شيئًا، لا يصير مأذونًا في التجارة. ولو رأى السيد عبده يتصرف؛ فسكت، لا يكون سكوته إذنًا في التجارة.
وعند أبي حنيفة: يكون إذنًا.
وبالاتفاق: لا يصح التصرف الذي رآه عليه.
ولو رآه ينكح؛ فسكت، لا يكون سوته إذنًا به في النكاح؛ فنقيس عليه.
ولا يجوز معاملة المأذون مع المولى بخلاف المكاتب يجوز أن يعامل المولى؛ لأن المكاتب يتصرف لنفسه، والمأذون يتصرف للمولى؛ كالوكيل. ولو اشترى المأذون شقصًا، والمولى شريكه، لا شفعة له فيه.
ولا يجوز للعبد المأذون أن يوكل بالبيع، ولا أن يتوكل بغير إذن المولى؛ كالوكيل لا يوكل؛ بخلاف المكاتب يجوز له أن يُوكل؛ لأنه يتصرف لنفسه، والعبد يتصرف لمولاه.
وإذا أبق العبد المأذون له في التجارة، لا يصير محجورًا عليه، وله أن يتصرف في البلد الذي خرج إليه، إلا أن يكون السيد قد خص تصرفه بهذا البلد؛ فلا يصح تصرفه في غير هذا البلد.
وقال أبو حنيفة: يصير بالإباق محجورًا عليه.
فنقول: العصيان لا يوجب الحجر؛ كما لو ضرب مولاه، ولو أذن لجاريته في التجارة، ثم استولدها، لا يكون حجرًا.
وعند أبي حنيفة: يكون حجرًا.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
وبالاتفاق: لو أذن لأم ولده في التجارة، يجوز.
قلنا: لما لم يمنع الاستيلاد ابتداء الإذن لم يرفع دوامه.
ولو كان بين رجلين عبد؛ فأذن له أحدهما في التجارة، لا يصح تصرفه؛ لأنه يتصرف بجميع بدنه؛ فالحجر باقٍ ما لم يوجد الإذن منهما؛ كما لا يتزوج بإذن أحدهما؛ حتى يوجد منهما.
والعبد المأذون إذا لزمته ديون المعاملة؛ فيقضي تلك مما في يده من مال التجارة وهل يقضي مما احتطب، واحتش؟
فيه وجهان:
أصحهما: يقضي.
ولا يقضي ديونًا لزمته بسبب الخيانة من أكسابه، ولا من مال التجارة، بل هي في رقبته.
ولو جنى عليه جناية، أو كانت جارية؛ فوطئت بالشبهة - فلا يقضي ديون تجارته من الأرش والمهر.
وإذا حجر عليه المولى، يصرف ما في يده من مال التجارة إلى ديونه؛ فإن لم يف بها، لا تباع رقبته فيها.
وعند أبي حنيفة: تُباع رقبة المأذون في ديونه.
قلنا: كل رقبة لا يتصرف المأذون فيها لا تباع في دينه؛ كسائر عبيد المولى، أو دين لزمه برضى من له الدين؛ فلاتباع رقبته فيه؛ كدين معاملة لزمه بعد الحجر.
وهل يقضي من كسب يكتسبه بعد الحجر؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يقضي، بل يكون في ذمته يؤديه بعد العتق.
والثاني: يقضي؛ لأنه لزمه بإذن المولى، وكذلك لو باعه المولى، صار محجورًا عليه.
ولا يقضي دينه من كسب يكتسبه في يد المشتري؛ على أصح الوجهين.
بل يكون في ذمته، حتى يعتق.
ولو قتل المولى عبده المأذون، لا يجب عليه قضاء ديونه إن لم يكن في يده من مال التجارة ما يفي بالديون.
ولو أتلف المولى ما في يده من مال التجارة، إن لم يكن على المأذون دينٌ، لاشيء
[ ٣ / ٥٥٧ ]
على المولى، فإن كان عليه دين، فعلى السيد قيمة ما أتلف بقدر الدين؛ فإن كان الدين أكثر، لا يجب عليه الزيادة.
ولو تصرف المولى في المال الذي في يد العبد ببيع أو هبة، أو كان عبدًا؛ فأعتقه، فإن لم يكن على العبد دين جاز ونفذ.
وقيل: لا ينفذ ما لم يحدث حجرًا.
والأول أصح.
وإن كان عليه دين فلا ينفذ تصرفه دون إذن الغرماء، وإن أذن العبد، والغرماء جاز، والدين في ذمة العبد.
وإن أذن الغرماء، ولم يأذن العبد، فيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأن الدين يتعلق بذمة العبد؛ وهو لم يرض به. وإذا اشترى المأذون من يعتق على مولاه بغير إذن، فيه قولان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن أذن له في التجارة؛ فيقتضي ما ينتفع به، ويربح عليه؛ كالعامل في القراض إذا اشترى بمال القراض من يعتق على رب المال، لا يصح.
والقول الثاني: أنه يصح للسيد؛ كما لو وكل وكيلًا ليشتري له عبدًا، فاشترى ابن الموكل - يصح.
فعلى هذا: إن لم يكن على المأذون دين عتق على المولى، وإن كان عليه دين: فقولان؛ كما لو اشترى بإذن المولى. وإن اشترى بإذنه، صح الشراء. ثم إن لم يكن على العبد دين، عتق على المولى.
وإن كان عليه دين: فيه قولان:
أحدهما: لا يعتق؛ لتعلق حق الغرماء به.
والثاني: يعتق، ويغرم قيمته للغرماء.
وإذا عتق العبد، وأدى ما لزمه من الديون بعد العتق - لا يرجع على المولى؛ لأنا لو أثبتنا الرجوع لألزمناه في حال رقِه؛ ولو دفع إلى عبده ألفًا؛ ليتجر فيها؛ فاشترى بها شيئًا؛ فتلف الثمن في يده - نظر: إن كان قد اشترى بعين الألف انفسخ العقد، وإن اشترى في الذمة ففيه أوجه:
أحدها: ينفسخ العقد؛ لتعذر أداء الثمن.
[ ٣ / ٥٥٨ ]
والثاني: لا ينفسخ، والثمن في كسب العبد.
والثالث: على السيد الثمن؛ لأن العقد وقع له؛ فعلى هذا: إذا أدى السيد ألفًا أخرى، هل للعبد أن يتصرف فيها؟
فعلى وجهين:
أحدهما: لا، إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن الأول قد ارتفع بهلاك المال.
والثاني: له ذلك بالإذن السابق، نظيره: العامل في القراض إذا اشترى بجميع مال القراض شيئًا مختلف الثمن، ففي وجه: ينصرف العقد إلى العامل، وعليه الثنم.
وفي وجه: يجب على رب المال الثمن، فعلى هذا رأس مال القراض كم يكون؟
فيه وجهان:
أحدهما: الثمن الأول.
والثاني: الأول والآخر.
فإن قلنا: هناك رأس مال القراض الثمن الأول؛ فلا يتصرف هاهنا في الألف الثانية إلا بإذن جديد.
وإن قلنا: رأس المال جميع ما أخذ، فهاهنا يتصرف في الألف الثانية.
وعلى هذا: لو اشترى المأذون بعرض شيئًا، فبعد ما تلف ما اشترى خرج العرض مستحقًا - فالقيمة على المولى، أم في كسب العبد؟
فيه وجهان.
ولو أقر المأذون على نسه بدين معاملة يقبل، ويقضي مما في يده.
فلو أقر بعد الحجر بدين لزمه قبل الحجر، هل يزاحم المقر له الغرماء؟ فيه قولان.
فصل: في إقرار العبد
إذا أقر العبد على نفسه بدين معاملة، يتعلق بذمته، يتبع به إذا عتق؛ سواء صدقه المولى أو كذبه، إلا أن يكون مأذونًا له في التجارة، فتقبل، ويتعلق بما في يده من مال التجارة.
ولو أقر بدين إتلاف من قتل خطأ، أو هلاك مال - لا فرق فيه بين المأذون في التجارة وغير المأذون.
فإن صدقه المولى، يتعلق برقبته؛ يباع فيه، إلا أن يختار السيد الفداء؛ فلا يباع. وإذا بيع فيه، ولم يف قيمته بدينه، هل يتبع بالباقي إذا أعتق؟
[ ٣ / ٥٥٩ ]
فيه قولان- اصحهما، وهو قوله الجديد-: لا يتبع؛ لأنه تعلق برقبته فحسب.
وفي القديم: يتبع به إذا عتق، ويتعلق ذلك برقبته وذمته جميعًا.
فإذا كذبه، يتعلق بذمته، يتبع به إذا عتق، إلا أن تقوم عليه بينة؛ فيتعلق برقبته.
وإن أقر السيد على عبده بدين إتلاف، وكذبه العبد - تعلق الأرش برقبة العبد؛ لأن رقبته مملوكة للمولى؛ فيقبل إقراره في ماليته، ولا يتبع بالفضل إذا عتق؛ كما لو أقر على عبدٍ بدين معاملة، لا يقبل؛ لأنه لا يتعلق بماليته. ولو أقر العبد على نفسه بما يوجب عقوبة من زنا أو شرب، أو قذف، أو قصاص؛ طرفًا، أو نفسًا، أو قطع سرقة - يقبل. وإن كذبه المولى، فيقام عليه.
ولو أقر السيد بما يوجب عقوبة لا يقبل؛ لان السيد متهم فيه، فربما يريد إتلاف مهجته لغيظ داخله منه؛ فلا يمكنه إلا بهذا الطريق، والعبد غير متهم فيه؛ فإنه لا يقصد إتلاف مهجته؛ لإبطال حق المولى من ماليته.
وقال ابن أبي ليلى، وأحمد ومحمد بن الحسن، والمزني - رحمة الله عليهم-: لا يُقبل إقرار العبد على نفسه بالعقوبة؛ لأن رقبته ملك للسيد، والإقرار في ملك الغير لا يقبل.
قلنا: عند انتفاء التهمة تقبل؛ كالشهادة إقرار على الغير، وتقبل عند انتفاء التهمة.
ولو أقر العبد على نفسه بسرقة موجبة للقطع، يقبل قوله في القطع. وهل يُقبل في المال؟
فيه قولان:
أصحهما: لا يقبل؛ كما لو أقر بسرقة غير موجبة للقطع، ويتعلق بذمته، إلا أن يصدقه المولى.
والثاني: يقبل؛ لأن التهمة انتفت من إقراره بإيجاب القطع على نفسه، فعلى هذا: إن كان المسروق قائمًان يسلم على المقر له.
وإن كان تالفًا، تباع رقبته فيه.
ولو أقر العبد على نفسه بالقصاص، فعفى على مال أو مطلقًا.
قلنا: مطلق العفو يوجب المال؛ فيتعلق المال برقبته مع تكذيب المولى؛ لأن إقراره
[ ٣ / ٥٦٠ ]
كان بالعقوبة، والمال يثبت أو يتعين بالعفو؛ وهو لم يكن على يقين من العفو، فلم يكن متهمًا.
وقيل: إذا قلنا: موجب العمد أحد الأمرين، فهل يتعلق المال برقبته
فيه قولان؛ كما في الإقرار بالسرقة، والأول أصح.
وكل ما يقبل إقرار العبد فيه مثل: القصاص، وحد القذف؛ فالدعوى فيه تكون على العبد.
وما لا يقبل إقراره فيه من مال، يتعلق برقبته عند تصديق المولى- فالدعوى تكون على المولى.
فلو ادعى على العبد؛ نظر:
إن كانت له بينة، تسمع؛ وإن لم يكن له بينة، فهذا يُبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار، أم بمنزلة البينةظ
وفيه قولان:
إن قلنا: بمنزلة البينة تسمع؛ رجاء أن ينكل؛ فيحلف المدعي؛ فتكون كالبينة.
وإن قلنا: بمنزلة الإقرار؛ فلا تسمع.
ولو ادعى على العبد دين معاملة، وله بينة، هل تسمع
فيه وجهان؛ كما لو ادعى دينًا مؤجلًا.
أحدهما: لا تسمع؛ لأنه لا يلزمه في الحال شيء؛ كما لو لم تكن بينة.
والثاني: تسمع؛ لأنه يخاف موت الشهود؛ فيتعر عليه إثبات حقه. والله أعلم.
باب: بيع الكلاب
رُوي عن أبي مسعود الأنصاري؛ أن رسول الله - ﷺ - "نهى عن ثمن الكلبن ومهر البغين وحلوان الكاهن".
[ ٣ / ٥٦١ ]
ولا يجوز بيع الكلب، معلمًا كان أو غير معلم.
ومن قتله لا ضمان عليه.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع المعلم منه، وتجب القيمة على من قتله. والخبر حجة عليه؛ لأن النبي - ﷺ- جمع بين ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن؛ ثم مهر البغي وحلوان الكاهن حرامان، كذلك ثمن الكلب.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
ولا يجوز اقتناء الكلب إلا لصاحب صيد يصيد، أو صاحب ماشية أو حرث يحرسهما؛ لما روي عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو ضار، نقص من عمله كل يوم قيراطان".
ويجوز اقتناؤه؛ لحراسة الدور؛ على الأصح؛ كما يجوز للحرث.
[ ٣ / ٥٦٣ ]
وهل يجوز اقتناء الجرو للتعليم؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا [يُنتفع به].
والثاني: يجوز؛ لأنه يصير منتفعًا به؛ كبيع الجحش، يجوز، وإن لم يكن فيه منفعة في الحال؛ لأنه يصير منتفعًا به.
فإن جوزنا، إنما يجوز إذا كان من نسل المعلم، وهل يجوز لغير الصياد اقتناء كلب الصيد للإعارة؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لعدم الضرورة.
والثاني: يجوز؛ كما يجوز للرجل حفظ حُلَيِّ النساء؛ للإعارة من النساء.
وكل كلب جاز اقتناؤه، تجوز الوصية به على طريق نقل اليد، لا على طريق نقل الملك؛ كالسرقين.
وكذلك يورث؛ كجلد الميتة.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
وتجوز إعارته.
وفي هبته وجهان:
الأصح: جوازه؛ كالوصية به، وهل تجوز إجارته؟
وجهان:
أحدهما: لايجوز كالبيع.
والثاني: يجوز؛ لأن عقد الإجارة يرد على المنفعة، والانتفاع به مباح.
ولو غصب كَلبًا؛ فأمسكه مدة، هل يجب أجر المثل؟
فعلى هذين الوجهين.
فصلٌ: فيما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه
رُوي عن جابر بن عبد الله؛ أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام".
كل عين طاهرة منتفع بها لم يحلها حرمة إبطال الملك - يجوز بيعها.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
حتى يجوز بيع الدور، والعقارات، والخشب، والثياب، والجواهر، والأطعمة، والحيوانات؛ مأكولة كانت؛ كالنعم، أو غير مأكول؛ كالحمار والبغل والجوارح التي تُصاد
[ ٣ / ٥٦٦ ]
بها من السباع والطيور. ويجوز بيع السنور.
ويجوز بيع ما يُستأنس بصوته من الطيور؛ كالعندليب والبلبل، والببغاء، أو بلونه؛ كالطاووس.
ويجوز بيع نحل العسل، ودود القز، والفراش الذي يخرج من الفيلج والعلقة لأن كلها منتفع بها.
ولا يجوز بيع ما كان نجس العين؛ كالكلب، والخنزير، والخمر، وجلد الميتة قبل الدباغ، والبول، والدم، والسرقين.
وعند أبي حنيفة: يجوز بيع السرقين، وجلد الميتة قبل الدباغ.
ولا يجوز بيع بزر دود القز؛ لأنه نجس.
ويجوز بيع الفيلج وإن كان في باطنه دود ميت؛ لأنه من مصلحته؛ كالحيوان يجوز بيعه مع نجاسة باطنه.
وفأرة المسك طاهرة؛ على الأصح؛ فيجوز بيعها.
فأما ما نجس لعارض؛ نظر: إن كان مما يطهر؛ كالثوب ينجس، يجوز بيعه، وإن كان لا يطهر؛ كالخل النجس، والدبس النجس والصبغ [النجس]، والدهن والماء النجس - لا يجوز بيعه.
وكذلك لا يجوز بيع ما لا ينتفع به؛ مثل: حشرات الأرض من: الحيات، والعقارب، والخنافس، والنمل، والفأرة.
ومن السباع: الأسد والذئب، ونحوهما.
[ ٣ / ٥٦٧ ]
والحدأة والرخمة، والبعاث لا يجوز بيع شيء منها.
وكذلك لا يجز بيع الحمار الزمن؛ لأنه لا منفعة فيه؛ بخلاف العبد الزمن؛ فإنه يتقرب إلى الله - تعالى- بإعتاقه.
ولا يجوز بيع ما حله حرمة إبطال الملك، كالوقف، وأم الولد، والمكاتب.
وكذلك لا يجوز بيع الأصنام، وبيع كل صورة متخذة من طين، أو خشب، أو ذهب، أو فضة.
وكذلك ما يقصد به اللهو؛ كالملاهي، والمزامير، وإن كان محلولها يصلح لمباح؛ لأنها على هيئتها آلة الفسقن فإذا غُيرت بحيث تصلح لمباح يجوز بيعها.
ويكره بيع الشطرنج؛ كاللعب به، ولا يجوز بيع النرد.
ويجوز بيع لبن الآدميات؛ لأنه لبن طاهر؛ كلبن البقر.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز. والله أعلم بالصواب.
باب: السلف
رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله - ﷺ - قَدِمَ "المدينة"، وهم يُسلفون في الثمر
[ ٣ / ٥٦٨ ]
السنة والسنتين، وربما قال: والثلاث. قال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
السلم هو: عقد على موصوف في الذمة يبدل بعطية عاجلًا.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
ولصحة السلم سبع شرائط: شرطان في رأس مال السلم.
أحدهما: تسليمه في مجلس العقد.
والثاني: أن يكون معلوم المقدار في أحد القولين.
وخمس شرائط في المسلم فيه.
أحدها: أن يكون دينًا.
والثاني: أن يون معلوم المقدار.
الثالث: أن يكون موصوفًا بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها.
الرابع: أن يكون عام الوجود عند المحل المشروط.
الخامس: أن يعين مكان التسليم؛ في قول.
وهل يشترط لفظ السلم؟
وجهان:
أصحهما: يشترط؛ فإن عقد بلف البيع، فقال: اشتريت منك ثوبًا موصوفًا في ذمتك بهذه الدراهم.
فإن قلنا: لفظ السلم غير شرط، فهذا سلم يجب تسليم الدراهم في المجلس، ولا يجوز الاستبدال عن الثوب.
وإن شرطنا لفظ السلم؛ فهذا بيع لا يجب تسليم الدراهم في المجلس، ولا يجوز الاستبدال عن الثوب، على أصح القولين؛ كالأثمان.
ولو قال: اشتريت ثوبًا موصوفًا، أو [كُرَّ] حنطة في ذمتك بدينار في ذمتي - يجوز. ثم إن جعلناه سلمًا، يجب تعيين الدينار والتسليم في المجلس، ويجوز شرط الرهن والكفيل في السلم.
ويجوز السلم حالًا ومؤجلًا، وعند أبي حنيفة: لا يجوز حالًا.
قلنا: الأجل فيه نوع غرر من حيث نه قد يكون قادرًا عليه في الحال، ويعجز عن المحل؛ فلما جاز مؤجلًا فحالًا أولى.
ولو أسلم مطلقًا، ولم يتعرض للحلول والتأجيل، يجوز، على أصح الوجهين.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
ويكون حالًا؛ كالثمن في البيع.
وفيه وجه آخر: أنه لا يصح؛ لأن مطلق العقود تحمل على العادة، والعادة في السلم التأجيل، فإذا أطلق، فكأنه شرط أجلًا مجهولًا، ولو لم يذكر في العقد أجلًا، وذكر في مجلس العقد - يلزم؛ على الصحيح من المذهب.
وإذا أسلم مؤجلًا يشترط بيان الأجل بالأيام، أو بالشهور، أو بالسنين؛ فإن قال: إلى يوم كذا، حل الأجل إذا انتهت ليلة ذلك اليوم، ولو قال: إلى شهر كذا؛ أو إلى أول شهر كذا حل بانتهاء الشهر الذي قبله.
ولو قال إلى عشرة أيام، يكمل اليوم الأول بالحادي عشر؛ فإذا انتهى على الوقت الذي عقد فيه، حل الأجل.
ولو قال: إلى شهرين، فالشهر الذي عقد فيه ينكسر - لا محالة - فيكمل ذلك الشهر بالشهر بالثلث يومًا، والشهر الثاني يكون بالهلال؛ سواء خرج كاملًا، أو ناقصًا. ولو قال: إلى سنة، يحمل على السنة الهلالية.
ولو قال إلى سنة شمسية، يجوز؛ لأنها معروفة؛ كالنيروز. والمهرجان. ولو قال: بالعدد، فيكون ثلاثمائة وستين يومًا.
فإن قال إلى سنة فارسية أو رومية، يتقيد به.
ولو قال: إلى آخر شهر كذا، لا يصح؛ حتى يبين؛ لأن اسم الآخر يقع على جميع النصف الآخر.
ولو قال: إلى آخر شهر ربيع أو جمادي، صح، وحمل على الأول منهما. وقيل: لا يصح؛ حتى يبين.
والأول أصح؛ لأنه نص على انه لو جعل الأجل إلى النفر حمل على النفر الأول.
قلت: على قياس هذا إذا قال: إلى آخر شهر كذا، وجب أن يقع بدخول النصف الآخر.
ولو قال: محله في يوم كذا، أو في شهر كذا، فيه وجهان:
قال ابن أبي هريرة: يجوز الحمل، ويحمل على أوله؛ كما لو قال لامرأته: أنت طالق في يوم كذا، أو في شهر كذا.
والثاني- وهو الأصح -: لا يصح؛ لأنه يقع على جميع أجزاء اليوم والشهر؛ فلابد من البيان؛ بخلاف الطلاق؛ فإنه يجوز إلى أجل مهول. فإذا أعلم زمانًا، تعلق بأوله.
[ ٣ / ٥٧١ ]
ولو قال: إلى السذج والمهرجان والنيروز، يجوز؛ لأنه صار معلومًا؛ ما لو قال: إلى عيد الأضحى.
ولو قال: إلى فصيح النصارى؛ نظر: إن لم يكن معلومًا عندهما، لا يجوز، وإن كان معلومًا عندهما يجوز.
وقيل: إنما يجوز مع علمهما إذا كان في المسلمين عدلان يعرفان.
فإن لم يكن، لم يجز؛ لأنهما ربما يختلفان. ولا يقبل قول النصارى فيه. ولو قال: إلى الربيع أو إلى الخريف، لا يجوز؛ لأنه يختلف؛ كما لو قال: إلى الحصاد.
ولو قال: إلى العطاء؛ فإن أراد وصوله، لم يجز، وإن أراد خروجه وقد ضرب الإمام له وقتًا معلومًا جاز.
ولو اسلم في شيء واحد إلى أجلين؛ كأن أسلم في وقري حنطة؛ أحدهما يوفي بعد شهر، والثاني بعد شهرين - ففيه قولان:
أصحهما: يجوز.
وكذلك لو أسلم في شيئين على أجل واحد، فيه قولان.
والمذهب جوازه، وهل يشترط بيان موضع التسليم؟
نظر: إن كان موضع العقد لا يصلح للتسليم؛ بأن كان عقدًا في مفازة، أو سفينة - يجب بيانه.
وإن كان صالحًا للتسليم، فيه قولان:
أحدهما: يجب بيانه؛ قطعًا للنزاع؛ كما لو باع بدراهم، وفي البلد نقود - يجب تعيين واحد منهما.
والثاني: لا يجب، ويتعين مكان العقد للتسليم.
ومن أصحابنا من قال: القولان، فيما إذا لم يكن لنقله مؤنة.
فإذا كان لنقله مؤنة، يجب بيان التسليم قولًا واحدًا - وبه قال أبو حنيفة - أنه يجب بيانه إذا كان لنقله مؤنة.
فإن قلنا: يتعين مكان العقد، لا نعني به عين ذلك الموضع، بل تلك المحلة.
فإن عين مكان التسليم، أو قلنا: يتعين مكان العقد، فأتى به في غير ذلك الموضع - لا يجب قبوله إن كان لنقله مؤنة.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
أو كان الموضع مخوفًا، وإن لم يكن، ففيه وجهان؛ بناء على ميقات الزمان إذا أتى به قبل محله.
فلو رضي وأخذه في موضع آخر - ليس له أن يكلفه مؤنة النقل.
ولو طالبه المستحق في بلد آخر، إن لم يكن - لنقله مؤنة - يجب الأداء، وإلا فلا، كالقرض، وبدل الإتلاف، إلا أن في القرض وبدل الإتلاف يأخذ القيمة. وفي السلم لا يأخذ.
ثم تفصيل تلك الشرائط:
تسليم رأس المال في المجلس شرط، ولا يشترط تعينه في وقت العقد.
حتى لو قال: أسلمت إليك دينارًا في ذمتي في كذا، ثم عين وسلم - يجوز، وإن كان في الذمة يشترط بيان المقدار.
وإن كان معينًا ففيه قولان:
أصحهما: لا يشترط، والمشاهدة كافية؛ كما في بيع العين، إذا قال: بعتك هذا بهذه الدراهم، وهو لا يعرف وزنها - يجوز.
والثاني: يشترط بيان المقدار، إن كان مكيلًا بالكيل وإن كان موزونًا بالوزن، أو مذروعًا بالذرع.
وبيان صفاته؛ لأنه ربما ينقطع المسلم فيه، بعد تلف رأس المال فلا يدري بماذا يرجع.
ولا فرق بين أن يكون السلم حالًا أو مؤجلًا.
ولو تفرقا قبل قبض رأس مال السلم - ينفسخ العقد.
ولو جُعل رأس مال السلم منفعة دار، أو عبد مدة معلومة - جاز، وتسليمه بتسليم العين.
فلو أحال برأس مال السلم على إنسان - لا يجوز، وإن قبض في المجلس؛ لأن بالحوالة، يتحول الدين إلى غيره، فالمحال عليه يؤديه من جهة نسه، لا من جهة المسلم.
ولو كل المسلم إليه إنسانًا بقبض رأس مال المسلم - يجوز، إذا قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل مجلس العقد.
ولو كان له في ذمة الغير دينارٌ، فقال: أسلمت إليك الدينار الذي في ذمتك بكذا- لم
[ ٣ / ٥٧٣ ]
يجز؛ لأنه بيع الدين بالدين.
ولو كان رأس مال السلم عبدًا، فأعتقه المسلم إليه قبل القبض - ففيه وجهان:
أحدهما: يعتق، وصار قابضًا كما في بيع العين.
والثاني: لا يعتق؛ لأنه قبض حكمي، ولا يكتفى بالقبض الحكمي في رأس مال السلم، كما لا تجوز الحوالة به.
ومن قال بالأول فن القبض قبض حكمي يتصل بعين ما وقع عليه العقد؛ فجاز، بخلاف الحوالة.
ولو وجد المسلم إليه برأس [مال السلم] عيبًا، وكان معينًا - فهو بالخيار؛ إن شاء فسخ العقد. وإن شاء أجاز.
وإن كان قد تلف عنده، أو كان عبدًا قد أعتقه مثلًا - وكان العيب ينقص عُشر قيمته سقط عشر المسلم فيه.
فصل في بيان شرائط المسلم فيه
يشترط أن يكون دينًا، ولو قال: أسلمت إليك في هذا العين؛ لا يصح.
وقيل: يكون بيعًا مراعاة للمعنى ولا يصح.
ويشترط بيان مقداره بالكيل والوزن، وإن كان مذروعًا فبالذراع أو معدودًا فبالعدد، فلو أسلم في الكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا - جاز؛ لأن بيان المقدار يحصل بكل واحد منهما.
وإذا سمي مكيالًا يجب أن يكون معروفًا. فإن عين مكيالًا، نظر: إن كان له نظائر في البلد - جاز، وله أن يكيل بأيهما شاء.
وإن لم يكن له نظائر في البلد، أو قال: أسلمت غليك في مليء عشر غضارات من هذه نُظر:
إن كان السلم مؤجلًا لم يجز؛ لأنه ربما يتلف ذلك المكيال، فيتعذر التسليم.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
وإن كان حالًا، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، ويسلم في الحال.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يتعذر.
ولو بيَّن الكيل، وقال: كل كيل كذا وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك.
وكذلك لو أسلم في ثوب وصفه، وقال: وزنه وزن كذا - لا يجوز؛ لأنه قل ما يتفق ذلك.
ويشترط أن يكون موصوفًا بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها؛ فإن أسلم في شيء يدق معرفتهن كالدبابيج المنقشة والأدوية ونحوها؛ إن لم يعرف المتعاقدان أو أحدهما صفته - لم يجز.
وإن عرفا جاز، إذا كان في البلد من يعرف ذل الوصف، من أهل تلك الصنعة وأقله عدلان.
حتى إذا تنازعا يرجعان إليه، نص عليه.
وقيل: لا يشترط ذلك، وذكره الشافعي احتياطًا.
ولو أخرج صاعًا من حنطة، فقال: أسلمت إليك مائة من مثل هذه الحنطة، أو ثوبًا، وقال: أسلمت إليك في هذا- يجوز، وكان كما لو وصفه.
ويشترط أن يكون عام الوجود عند المحل المشروط.
وإن كان قد أسلم حالًا ففي الحال، وإن أسلم مؤجلًا وهو في الحال منقطع، أو ينقطع قبل حلول الأجل، ويوجد عند المحل -يجوز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز، حتى يكون عام الوجود من وقت العقد إلى المحل.
وحديث ابن عباس حجة عليه؛ لأنهم كانوا يسلفون في الثمار سنتين أو ثلاث، والثمر لا يبقى سنتين بل ينقطع، دل على أن الوجود عند المحل شرط.
فلو انقطع المسلم فيه عند المحل، هل ينفسخ العقد؟
فيه قولان:
أحدهما: بلى، كالمبيع إذا تلف قبل القبض.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه لم يتعين ثمر هذا العام، والعقد لاقى الذمة، فأشبه المشتري إذا أفلس بالثمن، لا ينفسخ العقد، ولكن يثبت للبائع الخيار؛ كذلك هاهنا يثبت للمسلم الخيار.
فإن فسخ، وقلنا: ينفسخ، يسترد رأس المال إن كان قائمًا.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
وإن كان تالفًا فمثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا، وإن أجاز العقد، ثم بدا له أن يفسخ قبل الوجود - له ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة.
ونعني بالانقطاع، أن لا يوجد في تلك البلدة ونواحيها.
فإن كان يوجد في نواحيها على أقل من مسافة القصر - يجب حملها من مسافة القصر.
وقيل: إنما يجب حملها من مسافة القصر لو خرج إليها بكرة يمكنه الرجوع إلى أهله ليلًا.
فإن كان فوق ذلك فهو منقطع، وإن كان موجودًا في البلد مع بعض الناس، ولكن لا يبيعه مالكه - فهو منقطع.
ولو أسلم في حنطة ضيعة بعينها، أو حنطة قرية صغيرة - لا يجوز؛ ما لو أسلم في ثمرة رجل بعينه؛ لأن الغالب فيه الانقطاع، فإن أسلم في حنطة قرية كبيرة، لا ينقطع غالبًا - جاز.
فصل
ويجوز السلم في كل ما يمكن ضبطه بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها.
وفي الدراهم والدنانير وجهان:
أصحهما: يجوز السلم فيها؛ كسائر الأموال.
وقيل: لا يجوز؛ لأنهما ثمنان فلا يجعلان مثمنين.
ولا يجوز في العقار؛ لأن المكان فيه مقصود. فلابد من بيانه، وإذا بين المكان يتعين، والسلم في المعين لا يجوز.
ويجوز السلم في الحيوان، آدميًا كان، أو دابة، أو طائرًا.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان.
والدليل على جوازه ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أمرني رسول الله - ﷺ - "أن اشتري بعيرًا ببعيرين إلى أجل".
[ ٣ / ٥٧٦ ]
ويجب بيان أوصافه، وإن كان عبدًا أو جارية يبين نوعه أنه تركي أو هندي.
ويبين أي نوع من التركي، ويبين لونه إن أبيض أو أسود.
ويصف سواده بالصفا أو الكدورة.
ويصف شعرهن ويبين سنه، أنه ابن سبع، أو أصغر أو أكبر، وأنه محتلم أو غير محتلم.
ويصف قامته بالطول والوسط.
وإذا بين سنه، فأتى بما يقرب منه - يجب قبوله؛ لأنه لا يوقف على حقيقته، حتى لو شرط سبع سنين، لا يزيد عليه ولا ينقص - لا يصح العقد؛ لأنه يندر وجوده.
ويعتمد في معرفة سنه على قول بائعه، إن كان ولد في الإسلام، أو كان جليبًا؛ فنرجع إلى النحاسين.
وقيل: لا يجوز في الجليب؛ لأنه لا يعرف سنه، ولا يقبل فيه قول الكفار.
ولو أسلم في عبد وجارية وصفها - جاز، ثم إذا أتى بها والغلام ولد الجارية - يجب القبول. ولو شرط ذلك في العقد - لم يجز؛ لأنه يندر وجوده.
ولا يجوز السلم في نادر الوجود.
ولو أسلم في جارية حبلى أو دابة لبون أو حامل - لا يجوز؛ لأنه يندر وجودها حاملًا، أو لبونًا مع سائر الوصاف.
ويصف البعير بأنه من نعم بني فلان، ويبين نوعه ولونه وسنه، وكذلك سائر الدواب.
ويصف التمر بأنه برني أو صيحاني أو جعرور، ويصف الحنطة بأنها شامية أو (ميسانية) أو نجشية، ويصفها بالزالة والدقة.
وإن اختلفا حصاد عام أو عامين - يبين.
ولا يشترط ذكر الجيد؛ لأن مطلقه يقتضي الجيدة، ولو ذكر يجوز، ولو شرط الأجود لا يجوز؛ لأنه ما من جيد يأتي به إلا ويمكنه أن يقول: قد يكون أجود من هذا، فلا ينقطع (النزاع).
ولا يجوز في الرديء؛ لأنه ما من رديء يأتي إلا ويكون فوق هذا رديئًا.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وهل يجوز في الأرديء؟
نص على أنه لا يجوز، كالأجود، والأصح جوازه، ويجبر على قبول ما يأتي به من ذلك النوع.
ولا يجوز السلم في المعيب، ويجوز في العسل المصفى بالشمس، ويوصف بالبياض والصفرة، أو الخضرة، ويبين وزنه.
وهل يجوز في المصفى (في النار)؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن للنار فيه نهاية المصفى بالشمس، والأصح أنه لا يجوز؛ لأن النار تعيبه.
ويجز في الشهد، وإن كان فيه شمع؛ لأنه خلقة، كالنوى في التمر، ويجوز في الشمع.
ويبين في اللحم أنه لحم بقر، أو إبل، أو غنم ضائن، أو ماعز ذكر أو أنثى، خصي أو غيره، رضيع ام فطيم، راعية أو معلوفة.
ويبين موضعه من يد أو رجل أو ظهر، أحمر أو أبيض، ويبين وزنه.
ولا يجوز في الأعجف؛ لأنه عيب.
ولا يجب أن يشترط بلا عظم؛ لأن العم خلقة فيه، فإن أتى به وفيه عظم على العادة - يجب قبوله.
ولو شرط بلا عظم يجوز، ولا يجب قبول العظم، ويجوز في لحم الصيد إذا كان عام الوجود ويبين موضعه وجنسه. ويجوز في الطيور الصغار من الحمام والعصافير، ويبين نوعه ووزنه.
وكذلك في السمك، ولا يجوز عددًا، إلا أن يسلم في الحي منها؛ فيجوز عددًا. ويجوز في اللحم المملح والقديد إذا لم يكن عين الملح عليه، ويجوز في الشحم والآلية.
ويجوز في اللبن، ويصفه كما يصف اللحم، أنه لبن أي نوع، راعية أو معلوفة.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
وكذلك في السمن والزبد [الفائتة، الحلوب من يومين]، ومطلق ذكر اللبن يقتضي حلب يومه، فإن الفائتة لعيب لا يجوز السلم فيه.
ولا يجوز في كل ما هو مختلط بغيره كالأقط والجبن والحلواء؛ لأنه لا يمكن وصف ما فيه.
وقيل: يجوز فيما خالطه غيره للحاجة مثل: خل الثمر وفيه الماء، واللبن وفيه الإنفحة، والسمك المالح وفيه الملح؛ لأنه من مصلحته.
ولا يجوز السلم فيما مسته النار؛ كاللحم المطبوخ، والمشوي؛ لأنه لا نهاية للنار فيه.
ولا يجوز في الدبس والسكر والفانيذ والرانب واللبأ على أصح الوجهين؛ لتأثير النار فيها؛ كاللحم المشوي.
وفيه وجه آخر: يجوز؛ لأن للنار فيها نهاية السمن، ويجوز في الرقيٌ.
ويجوز في الثياب [والديباج النفيس] ن ويبين في الثوب أنه من قطن أو كتان، او أبريسم، وأنه نسج بلد كذا، ويبين طوله وعرضه بالذرعان، ودقته وصفاقته.
ولا يجوز في العتابي؛ لأنه قطن وأبريسم. وما عمل عليه بالإبرة، فإن كان من أبريسم وعمل عليه بالأبريسم - جاز.
وإن كان من قطن عمل عليه بالأبريسم - لم يجز، وإن أسلم في ثوب مصبوغ: نظر؛ إن صبغ غزله ثم نسج- جاز، وإن صبغ بعد النسج لم يجز؛ لأنه لا توقف عليه.
ويجوز في الصوف والشعر والوبر، ويبين أنه ربيعي أو خريفي، فحل أو أنثى، ويبين لونه وقبائله ووزنه.
وفي الشعر يذكر أنه طويل أو قصير، ومطلقه يقتضي النقي من البعر.
ويجوز في المغسول إذا كان لا يعيبه الغسل.
وبين في القطن بلده، وأنه لين أو خشن، أبيض أو أسمر، حليج أو غير حليج.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
ويجوز في حب القطن، وفي الجوزق المشقوق، وفي الأبريسم، ويذكر غلطه، ودقته، ولونه، ووزنه.
ويجوز في النحاس، ويبين وزنه ولونه.
وكذلك في الشبه.
ويجوز في الحديد، ويبين أنه ذكر، أو أنثى، ويذكر بلده، ومقصوده أنه يريد آلة الحرث، أو الحرب، ويذكر وزنه.
ويجوز في الخشب، ثم إن كان المقصود منه الوقود يذر نوعه، وأنه دقاق أو غلاظ من جثة الشجر ة أو أغصانه.
ويذكر وزنه، ومطلقه يقتضي الجاف، ويجب قبوله، وإن كان معوجًا.
وإن أراد للبناء كالجذوع، والإسطوانات، يبين طولها وغلظها ونوعها، ولا يجب بيان الوزن؛ لأن العادة لم تجر بوزنها.
ولا يجب في المخروط؛ لأنه يختلف أعلاه وأسفله.
ويجوز في الخشب التي يُعمل منها القسي والسهام ويبين طوله وغلظه، ولا يجوز في القسي المعمولة؛ لأنها تشتمل على أشياء مختلفة.
ولا في السهام؛ لاختلاف طرفيها ووسطها، في الدقة والغلظة، فلا يمكن ضبطها بالصفة، وإن كان عليها ريش أو عصب فهو أفسد.
ويجوز السلم في الأشجار الصغار للغراس عددًا، يبين نوعه، وطوله، وغلظه.
ويجزو في أغصان الخلاف للغرس وزنًا، كالحطب.
ويجوز في حجار الأرحى، والأواني، والأبنية قبل النحت، ويذكر النوع، والطول، والعرض، والغلظ.
ولا يجب بيان الوزن، ولا يجوز في الحجارة المنحوتة للرحى.
ولا يجوز في البرام المعمولة، والطناجير والقماقم؛ لأنه قل ما يتفق وزنها
[ ٣ / ٥٨٠ ]
وسعتها على ما صفان من الصفات، إلا أن يكون لهم قالب يصوغون عليه، ولا يختلف؛ فيجوز.
ويجوز في الجص والنورة والطين والزجاج.
ويجوز في اللبن والآجر، ويبين الوزن والعدد، فيقول: كذا لبنة وزنها كذا، ثم ذل على التقريب، فإذا أتى بما يقرب منه يجب قبوله.
ويجوز فيما يعم ووده من أنواع العطر؛ كالمسك، والكافور، والعنبر.
ويذكر وزنه ونوعه، ويذكر في العنبر أنه أشهب أو أخضر فتات أو قطاع. ولو شرط القطاع لا يجب قبول الفتات.
ولا يجوز في التد، والغالية والمعجونات؛ لأنها أشياء مختلطة.
ويجوز في الدهن والطيب؛ مثل دهن البنفسج، والورد، إن ربى السمسم فيه، ثم استخرج منه الدهن، فإن طرح الورد في الدهن - لم يجز.
ويجوز في متاع الصياد له، كالإهليلج والبليلج ونحوها.
ويجوز في الترياق إذا كان من نبات لم يخالطه شيء، فإن خالطه شيء لا يجوز السلم فيه.
وهل يجوز بيعه؟
نظر: إن خالطه شيء طاهر - يجوز، وإن خالطه شيء نجس من لحوم الحيات، ولبن ما لا يؤكل لحمه - فهو نجس، لا يجوز بيعه.
وأما السم: إن كان يقتل قليله وكثيره - فلا يجوز بيعه.
وإن كان ينفع قليله كالسقمونيا يجوز بيعه والسلم فيه.
[ ٣ / ٥٨١ ]
فصل فيما لا يجوز السلم فيه
لا يجوز في القسي المعمولة، ولا في السهام، ولا يجوز في اللآليء الكبار، واليواقيت والجواهر والمرجان؛ لأنه يحتاج أن يصف كل واحدة كونها لؤلؤة مدحرجة صافية وزنها كذا، فيندر وجودها.
فإن أسلم في اللآليء الصغار كيلًا أو وزنًا، وكان عام الوجود - جاز.
ويجوز السلم في الثمار والفواكه من الجوز واللوز، والرانج، والبطيخ، والقثاء، والرمان، ونحوها وزنًا، ولا يجوز عددًا.
وكذلك البيض.
ولو أسلم في بطيخة أو سفرجلة - لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن يصف جثتها ووزنها، وقلما توجد.
ولا يجوز في البقول حزمًا حتى يبين وزن كل نوع، ويصفه بالصغر والكبر.
ولا يجوز في الرؤوس والأكارع؛ لأنها تشتمل على أباعض مختلفة، كلها مقصودة، ولا يمكن وصفها بخلاف الحيوان؛ لأن المقصود جملته.
وفيه قول آخر؛ أنه يجوز السلم فيها كالحيوان، فعلى هذا: إنما يجوز بعد التنقية وزنًا.
ولا يجوز في الجلود على خلقها؛ لأن بعضها يكون أدق، وبعضها أغلظ؛ فلا يمكن ضبطها، والوقوف على عطفاتها.
ويجوز في قطع الجلود والأديم وزنًا. ويجوز في مربعات الصرم وزنًا.
ولا يجوز في الخفاف والنعال لأنها طاقات تشتمل على أشياء مختلفة من الجبس، والغرى، والخيط، وغيرها.
[ ٣ / ٥٨٢ ]
ويجوز في النعال السبتية التي هي طاقة واحدة، ويجوز في البياض عددًا، ويبين طوله وعرضه. والله أعلم.
باب التسعير
روي عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله - ﷺ-، فقالوا: يا رسول الله: سعر لنا، فقال: "إن الله هو المسعر، القابض الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة دم ولا مال".
[ ٣ / ٥٨٣ ]
التسعير: أن يقول الإمام: بيعوا من طعام كذا كل من بكذا، فالأولى ألا يفعل ذلك، وهل يجوز؟
نظر: إن كان [في] وقت رخص الأسعار، وسون الأسواق - لا يجوز، وإن كان في وقت الغلاء واضطراب الأسواق: فعلى وجهين:
أحدهما: وبه قال مالك: يجوز، نظرًا للناس.
والثاني: وهو الأصح: لا يجوز؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم، فلا يجوز الحجر عليهم فيها.
والدليل عليه ما رُوي عن عمر أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة وبين يديه غرارتان فيهما زبيبًا، فسأله عن سعره، فأخبره، فقال عمر - ﵁ -: إما أن ترفع في السعر، وإما أن تُدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر - ﵁ - حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني، إنما هو [شيء] لسبب أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع.
فإذا جوزنا إنما يجوز في الأطعمة، ويحتمل في علف الدواب أيضًا، أما في غيرها فلا يجوز.
والاحتكار في الجملة حرام. قال النبي - ﷺ-: "لا يحتكر إلا خاطيء".
[ ٣ / ٥٨٤ ]
والاحتكار هو: أن يشتري صاحب المال الكثير الطعام في وقت الغلاءن والضيق، ولا يدعه للضعفاء، ثم يحبسه حتى يبيعه منهم بأغلى، إذا انتهت بهم الحاجة.
أما من اشترى في الرخص وكساد الأسواق، وحبسه ليبيع في وقت الغلاء بأغلى - فلا بأس به، وهو كالجالب، وقد جاء في الحديث: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون".
ولو اشترى شيئًا لنفقته ونفقة عياله في وقت الغلاء وفضل منه شيء فباعه بأغلى جاز، وكذلك لو حبس غلة ضيعة ليبيع بأغلى - لا يدخل تحت الوعيد، لكن الأولى أن يمسك نفقة سنة لنفسه وعياله ومؤناته، فإن خاف غلاء فنفقته سنتين، ويبيع الفضل.
وهذا الوعيد فيما هو قوت في الحبوب، وفي الثمر، والزبيب دون سائر الأطعمة.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
باب امتناع ذي الحق من أخذه
إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه بعد المحل؛ كما أسلم فيه جنسًا ونوعًا ووصفاص - يجب على المسلم قبوله، ولا يجوز قبول غير جنسه؛ لأن الاستبدال عن المسلم فيه قبل القبض - لا يجوز.
ولو أتى بجنسه ونوعه، غير أنه رديء لا يجبر على القبول، ولو قبل جاز، ولو كان أجود أجبر على القبول.
ولو أتى بجنسه من نوع آخر؛ مثل إن أسلم في عنب أبيض فأتى بأسود، أو في زبيب طائفي، فأتى بنوع آخر، وفي ثوب هروي فأتى بمروي، أو في عبد تركي فأتى بهندي - لا يجبر على القبول.
وهل يجوز له قبوله؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه استبدال كما لو أتى بجنس آخر.
والثاني: يجوز، لأن الجنس واحد؛ كما لو رضي بالرديء عن الجيد. ولا يجوز أخذ الدقيق عن الحنطة. وإذا أسلم في شيء يوصف، فأتى بأقل مما يقع عليه اسم ذلك الوصف - يجبر على قبوله، ولا يشترط النهاية فيه.
ويجب أن يسلم الحنطة نقية من الفصل، والزوان، والترابن والمدر، إلا القليل الذي لا يؤثر في طعمه، ولا يؤثر في كيله، فيجب القبول معه؛ لأنه قل ما يخلو عنه.
ويجب أن يسلم الثمر جافًا، والرطب صحيحًا غير متشدخ.
ولو أسلم في لحم طير - ليس له أن يزن عليه الرأس، والرجل من دون الفخذين.
وفي لحم الحيتان لا يزن عليه الرأس، والذنب من حيث لا لحم عليه، وإن أسلم في الحيتان الصغار يجوز أن يزن عليه الرأس والذنب.
وفي الطيور الصغار، كالفراخ وكالعاصفير - يزن عليه الراس دون الرجلين؛ لأن رءوسهما تؤكل، ويجب تسليمها بعد تنقية الأجواف من الأحشاء.
ولو أسلم في شيء وزنًا، لا يجوز أن يأخذه كيلًا، ولو أسلم كيلًا لا يجوز أن يأخذه وزنًا.
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وعند الكيل لا يزلزل الصاغ، ولا يضع الكف على جوانبه، بل يسوي مع رأس المكيال، ولو أتى بالمسلم فيه قبل محله، أو له على آخر دين مؤجل، فأتى به قبل محله - هل يجبر صاحب الحق على قبوله
نُظر: إن كان له غرض في الامتناع، بأن كان أيام نهب، أو عند خوف غرقن أو كان حيوانًا يحتاج إلى علفه، ويخاف هلاكه.
أو كانت ثمرة يريد أكلها عند المحل طريًا - لا يلزمه قبوله، وإن لم يكن له غرض، نظر: إن كان للدافع غرض صحيح؛ كالمكاتب يعجل نجومه ليعتق، أو كان بالدين رهن، وهو يريد - فكاكه، أو به ضامن يريد إبراره - يجبر على القبول. فإن لم يكن لواحد منهما غرض ففيه قولان:
أصحهما: يجبر على القبول؛ لأن فراغ ذمة المدين غرض ظاهر.
وإن كان الحق حالًا يجبر على القبول، ولا يراعي غرض صاحب الحق، فكل موضع أوجبنا القبول، فلم يقبل أخذه الحاكم.
وإن كان رب الدين غائبًا، فأتى به الحاكم - هل يجب أن يقبله؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجب كالبيع إذا أتى به؛ يجب على الحاكم قبضه.
والثاني: لا يجوز أن يقبل؛ لأنه لا نظر للغائب فيه، من حيث إن الدين في الذمة لا يخشى عليه الهلاك، وإذا صار عينًا يُخشى عليه الهلاك. والله أعلم.
تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع
وأوله: "كتاب الرهن"
[ ٣ / ٥٨٧ ]
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء الرابع
يحتوي على الكتب التالية
الرهن - التفليس - الحجر- الصلح- الحوالة- الضمان- الشركة
الوكالة - الأقرار- العارية- الغصب- الشفعة- القراض- المساقاة
الأجازة- إحياء الموات- العطايا والحبس- اللقطة
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
[ ٤ / ١ ]
سم الله الرحمن الرحيم