روي عن جابر بن عبد الله، قال: "دبر رجل غلامًا، ليس له مال غيره، فقال النبي ﷺ-: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن النحام.
التدبير هو: تعليق عتق المملوك بدبر الحياة، وهو الموت.
فإذا قال لعبده: أنت حر أو عتيق بعد موتي، أو: أعتقتك بعد موتي أو: إن مت، أو متى مت- فأنت حر-: فهو صريح فإذا مات، عتق.
ولو قال: أنت مدبر أو دبرتك- نص أنه صريح يعتق به بعد الموت، وإن لم ينو، وصن في الكتابة أنه لو قال لعبده: كاتبتك على كذا فلا يعتق، حتى يقول: إن أديت إلي، فأنت حر، أو ينويه، فاختلف أصحابنا فيها، فمنهم من قال: فيهما قولان:
أحدهما: [هما] صريحان؛ لأن كل واحد موضوع لهذا النوع الخاص من العتق.
والثاني: كنايتان؛ لأنه ليس في واحد منهما صريح لفظ العتق والحرية، وهما موضوعان لهذا الأمر، والصحيح هو الفرق بينهما، وهو أن التدبير صريح؛ لأنه كان معروفًا لهذا النوع قبل الشرع، وتركه الشرع على ما كان كلفظ "التحرير" للعتق المنجز، ولفظ "الكتابة" لفظ مشترك بين هذا العقد وبين المخارجة، وهو أن يكون له عبد كسوب، فخارجه على أن يؤدي كل يوم كذا، ولا يعتق به؛ فيشترط النية فيه؛ كما في كنايات العتق والطلاق.
[ ٨ / ٤٠٦ ]
ويجوز التدبير بلفظ الكتابة؛ إذا اقترنت به النية؛ مثل: أن يقول خليت سبيلك بعد موتي، فينوي التدبير، وكذلك سائر الكنايات، ويجوز التدبير مطلقًا ومقيدًا: فالمطلق: أن يعلق عتقه بالموت من غير شرط، والمقيد: أن يشرط معه شرطًا؛ مثل: أن يقول: إن مت في هذا الشهر، أو: من هذه العلة، أو: في هذا البلد-: فأنت حر، فإن مات على تلك الصفة - عتق؛ وإلا فلا يعتق.
ولو قال: إن مت فأنت حر، فقتل- عتق، ولو قال: إن قتلت- فأنت حر، فمات- لم يعتق؛ لأن كل قتل موت، وليس كل موت قتلًا.
وقوله: "إن قتلت، فأنت حر" من جملة التدبير المقيد، فإن قال: إن مت حتف أنفي، فأنت حر، فقتل-: لم يعتق.
ويجوز تعليق التدبير؛ مثل: أن يقول: إذا أو: متى دخلت الدار، فأنت حر بعد موتي، أو أنت مدبر، ولا يحصل التدبير ما لم يدخل الدار.
ولا يشترط الدخول في الحال، بل إذا دخل قبل موت المولى- صار مدبرًا، ولو مات المولى قبل الدخول- بطل التعليق: فلو دخل بعده، لم يعتق.
ولو قال إذا مت، ثم دخلت الدار-: فأنت حر؛ يشترط الدخول بعد الموت، ويكون على التراضي، فمتى دخل بعد موته- عتق، وليس للوارث بيعه بعد الموت قبل الدخول، كما لو أوصى لإنسان بشيء، فلا يجوز للوارث بيعه بعد موت الموصي؛ بخلاف ما لو قال لعبده: إذا مات فلان، ثم دخلت الدار- فأنت حر، فمات فلان-: يجوز للسيد بيعه قبل دخول الدار؛ لأن هناك: حصل البيع من المالك في تعليق العتق قبل وجود الصفة، وههنا-: صار العبد في حكم الموصى له بعد موت الموصي؛ فلا يجوز للوارث بيعه، وبعد موت المولى قبل وجود الصفة يكون العبد على حكم ملك الوارث: يكون له كسبه، وله أن يتصرف فيه بما لا يزيل الملك من الخدمة والإجارة؛ وكذلك: إذا قال: إذا مت، ومضى يوم- فأنت حر، فبعد الموت قبل مضي يوم: يجوز للوارث استخدامه، ولا يجوز بيعه، ولو قال: إذا مت، ودخلت الدار- يشترط الدخول بعد الموت؛ إلا أن يريد الدخول قبل الموت.
ولو قال: أنت حر إذا مت، إن دخلت الدار فالاعتبار بنيته، إن أراد الدخول قبل الموت - يشترط قبله، وإن أراد: بعد الموت- فيشترط: "بعده"، وإن أطلق- وجهان:
فإن شرطنا الدخول قبل الموت، [فمات المولى قبل الدخول- بطل التعليق، وإن دخل
[ ٨ / ٤٠٧ ]
قبل الموت] صار مدبرًا، وإن شرطنا الدخول بعد الموت: فإذا مات المولى- ليس للوارث بيعه قبل الدخول؛ كما ذكرنا.
ولو قال: إن شئت، فأنت مدبر، أو قال: أنت حر بعد موتي، إن شئت، فما لم يشأ- لا يصير مدبرًا، ويشترط المشيئة في مجلس التواجب حتى لو طال الفصل أو اشتغل بشيء آخر قبل المشيئة- بطل حكمه.
ولو قال: متى، أو: مهما شئت، فأنت مدبر، فهو على التراضي، فمتى شاء- صار مدبرًا.
ولو قال إذا مت، فشئت، فأنت حر-: يشترط المشيئة بعد الموت على الفور.
ولو قال: إذا مت، ثم شئت، أو إذا مت فشئت بعد موتي- فأنت حر، يشترط المشيئة بعد الموت، ويكون على الفور أم على التراضي؟ فيه وجهان:
أحدهما: على الفور؛ كما في الحياة.
والثاني: يكون على التراضي، لأن الميت خرج من أن يخاطب، حتى يكون جوابه على الفور، بخلاف ما لو قال: فشئت- يشترط المشيئة على الفور، لأن الفاء للتعقيب.
ولو قال: إذا مت فمتى شئت، فأنت حر- يشترط المشيئة بعد الموت؛ ويكون على التراضي.
ولو كان عبد بين شريكين، فقالا؛ متى متنا، فأنت حر- فلا يعتق العبد، ما لم يموتا جميعًا؛ لأن كل [واحد] علق العتق بموتهما جميعًا.
وقال أبو إسحاق: ليس هذا بتدبير، بل هو تعليق؛ لأن التدبير ما يتعلق بموت السيد، وهذا يتعلق بموته مع غيره.
وقيل: إذا مات السيدان معًا- فليس بتدبير فإذا مات أحدهما- كان نصيب الثاني مدبرًا؛ لأنه يتعلق عتق نصيبه بموته؛ وكذلك: إذا قال رجل لعبده: إذا مت أنا وفلان، فأنت حر.
قال الإمام﵀: ولعل فائدته في الرجوع، فإذا مات أحدهما- كان نصيبه
[ ٨ / ٤٠٨ ]
لوارثه، ما لم يمت الآخر، ويجوز للآخر بيع نصيبه، ولم يكن للوارث الميت بيع نصيب الميت، كما لو قال لعبده: إذا مت، ثم دخلت الدار- فأنت حر؛ فلا يجوز للوارث بيعه بعد الموت قبل الدخول، وإذا قال لعبد بينهما: أنت حبيس على آخرنا موتًا، فإذا مات الآخر، فأنت حر-: فهو كما لو قال: إذا متنا، فأنت حر، إلا في شيء واحد، وهو أن هناك: إذا مات أحدهما- كان نصيبه لوارثه إلى أن يموت الآخر، وههنا-: إذا مات أحدهما- كانت منفعة نصيبه موصى بها للآخر بقوله: أنت حبيس على آخرنا موتًا، فإذا مات الآخر عتق.
ولو قال أحد الشريكين: إذا مت، فأنت حر: فإذا مات، عتق، ولا يسري.
ولو دبر نصف عبده- جاز، فإذا مات، عتق النصف، ولا يسري.
وعند أبي يوسف: إذا دبر نصف عبده صار كله مدبرًا.
ولو قال لعبده: دبرت يدك، أو: إذا مت، فيدك حر- قال القاضي حسين﵀-: يحتمل وجهين؛ بناءً على ما لو قال لرجل: زنى يدك، هل يكون قذفًا؟ فيه قولان:
أحدهما: هو لغو.
والثاني: يصير كله مدبرًا.
فصل
عتق المدبر يعتبر من الثلث، فإن دبر عبدًا، ولم يخرج من الثلث إلا بعضه- فبعد موته: يعتق ذلك القدر، ولو كان عليه دين يستغرق تركته- لم يعتق منه شيء، وإن كان يستغرق نصف قيمته- بيع نصفه في الدين، وعتق من الباقي ثلثه ولا يستسعى.
وعند أبي حنيفة: يستسعى العبد لحق الورثة، والدين، حتى يعتق كله.
قلنا: تكميل الحرية في العبد لإزالة الضرر عن العبد، ولا يجوز إزالة الضرر عنه بإلحاق الضرر بغيره، وفي إلزامه مال السعاية إضرار بأرباب الدين وبالورثة من جهة تأخير حقوقهم إلى أن يحصلها العبد بالكسب.
فإن مات رجل عن مدبر، وماله غائب، هل يعتق شيء منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعتق ثلثه في الحال؛ لأن أسوأ الأحوال أن يهلك المال الغائب، فيبقى للوارث ثلثا العبد.
[ ٨ / ٤٠٩ ]
والثاني: وهو الأصح-: لا يعتق شيء منه؛ حتى يصل المال الغائب إلى الوارث؛ لأن في تنجيز عتق الثلث فيه تنفيذ الوصية في الثلث قبل أن يسلم للوارث مثلاه؛ لأن الثلثين من العبد لا يكون مسلمًا للورثة، ولا ينفذ تصرفهم فيه، بل يكون موقوفًا على تبين أمر الغائب.
فإن قلنا: لا يعتق شيء منه، فأكسابه موقوفة بعد موت المعتق، فإن وصل المال الغائب إلى الوارث- بان أنه عتق بالموت، والأكساب له، وإن قلنا: يعتق ثلثه- فثلث كسبه له، ويوقف الباقي، وإن كان بعض ماله حاضرًا، وبعضه غائبًا-: فإن كان الحاضر مثلي قيمة العبد- عتق كله، وإن كان أقل- عتق مثل نصفه على القول الأصح؛ مثل: إن كانت قيمة العبد مائة، وله مائتان غائبتان، وقلنا: لا يعتق شيء منه: فإذا حضر منها مائة- عتق نصف العبد؛ لأنه سلم الوارث مائة، ويوقف الباقي، فإن تلفت المائة الغائبة- حكم بعتق ثلثي العبد، وسلم للوارث ثلثه مع المائة.
ونظيره: لو كانت التركة دينًا في ذمة إنسا، فأبرأه صاحب الدين في مرضه، أو أبرأ عن ثلثه، هل يبرأ عن الثلث قبل وصول الثلثين إلى الوارث؟ فعلى وجهين:
الأصح: لا يبرأ وكذلك لو أوصى لإنسان بعين، ومات، وسائر ماله غائب هل يسلم إلى الموصى له ثلث العين؟ فعلى وجهين:
أما إذا أوصى له بثلث ماله وله مال حاضر وغائب، أو بعض تركته دين على إنسان، [والبعض عين- دفع إلى الموصى له ثلث المال الحاضر، وثلث العين] وإلى الوارث الثلثان، وكلما حضر من الغائب، أو قضى من الدين شيء- قسم كذلك؛ لأن ما دفع إلى الوارث يسلم له- ههنا- وينفذ تصرفه فيه، لأن حق الوصية غير متعين فيه.
فصل
يجوز للسيد بيع المدبر وهبته، سواء كان التدبير مطلقًا أو مقيدًا.
وقال أبو حنيفة: بيع المدبر غير جائز، إذا كان التدبير مطلقًا؛ لأن عتق تعلق بالموت مطلقًا، فمنع البيع كالاستيلاد.
والحديث حجة عليه، وليس كالاستيلاد؛ لأن سبب العتق فيه آكد؛ بدليل أنه لا يمنعه الدين؛ ولا يعتبر من الثلث، بخلاف التدبير، فإنه يعتبر من الثلث، ويمنعه الدين، فأشبه التدبير المقيد.
[ ٨ / ٤١٠ ]
وإذا باع المدبر وأقبضه، ثم عاد إليه، هل يعود التدبير حتى يعتق بموته؟ هذا يبنى على أن التدبير وصية أم تعليق عتق بصفة؟ قال في القديم: هو وصية وفي الجديد قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني- وصية؛ لأنه تبرع يتعلق بالموت، ويعتبر من الثلث كالوصية.
والثاني: تعليق عتق بصفة؛ لأنه عتق تعلق بالموت مطلقًا، كما لو علق بموت الغير.
فإن قلنا: وصية؛ فإذا عاد إلى ملكه- لا يعود التدبير، كما لو أوصى لإنسان بعين، فباعها-: بطلت الوصية، وإذا اشتراها بعده لا يعود.
وإن قلنا: تعليق عتق بصفة- فعلى قولي عود اليمين، وعلى هذا: إذا رجع عن التدبير بالقول، فقال: رجعت فيه، أو نقضته، أو أبطلته، أو فسخته- هل يبطل إن قلنا: وصيته، يبطل، وإن قلنا: تعليق عتق بصفة- فلا يبطل كما لو علق: بموت الغير- لا يجوز أن يرجع عنه، ولا فرق فيه بين التدبير المطلق أو المقيد، [على ظاهر المذهب.
وقيل: القولان في التدبير المطلق، أما المقيد] فلا يصح الرجوع عنه قولًا واحدًا، لأنه لم يتعلق بمطلق الموت، فكان بالتعليق أشبه، والأول أصح.
ولو وهب المدبر، ولم يقبض، أو لم يقبل الموهوب له، أو عرض على البيع، أو ساوم، وجوزنا الرجوع-: كانت هذه الأشياء رجوعًا. لأنه يستدل بها على الرجوع؛ وإلا فلا.
ولو قال: إن أديت بعد موتي ألفًا، فأنت حر، فإن صححنا الرجوع- كان بهذا رجوعًا، ولا يعتق بالموت ما لم يؤد الألف، وإن لم يصحح، فلا يكون رجوعًا، وإذا مات، عتق.
ولو علق عتق المدبر بصفة أخرى- صح، والتدبير بحالة كما لو دبر المعلق عتقه بالصفة - جاز، ثم إذا وجدت الصفة قبل الموت- عتق، وإن مات قبل وجود الصفة- عتق عن التدبير، كما لو علق عتق عبده بصفة، ثم علق بصفة أخرى- يعتق بالأسبق وجودًا.
ولو باع بشرط الخيار- يكون رجوعًا على القولين، وقيل: إذا وهبه هبة بتات، ولم يقبض، فكذلك، ولو استخدمه، أو كانت جارية فزوجها- لا يكون رجوعًا.
ولو قال: رجعت في نصفك، أو ربعك.
إن قلنا: لا يصح الرجوع- فالتدبير بحاله.
[ ٨ / ٤١١ ]
وإن قلنا: يصح- كان رجوعًا في ذلك القدر.
فصل في جناية المدبر
جناية المدبر كجناية العبد القن: فإن جنى على حر أو على عبد جناية موجبة للقصاص - يقتص منه، وإن كانت موجبة للمال أو عفى على مال- تباع رقبته في الجناية؛ إلا أن يختار السيد الفداء، فإن بيع في الجناية، ثم عاد إليه- هل يعود التدبير؟ فعلى ما ذكرنا من القولين.
وإن احتيج إلى بيع بعضه، بيع بقدره، والباقي مدبر، وإذا اختار السيد الفداء، بقي العبد مدبرًا، ويفديه بما يفدى به العبد القن.
وعند أبي حنيفة: يجبر السيد على الفداء؛ كما في جناية أم الولد.
ولو مات السيد قبل بيع المدبر- فقد اجتمع العتق، والجناية؛ فيكون بمنزلة إعتاق الجاني، هل ينفذ؟ فيه قولان:
إن قلنا: يعتق- أخذ الأرش من تركة المولى، لأن سبب العتق- وجد منه في خال الحياة؛ فيؤخذ الأقل من أرش جنايته أو قيمته، وإن قلنا: لا يعتق فالوارث بالخيار: إن شاء سلمه للبيع في الجناية، وإن شاء فدى، وأعتق المدبر من الثلث.
وإن جنى على المدبر. فهو كالجناية على القن: فإن جنى على طرفه، فهو مدبر كما كان وللسيد أن يقتص إن كانت الجناية موجبة للقصاص، ولا يحتاج إلى إذن المدبر، وإن كانت موجبة للمال- فالأرش للسيد ولو قتل المدبر- فالقيمة للسيد، ولا يجب أن يشتري بها عبدًا آخر؛ فيدبره. ولو صالح عن قيمته على عبد آخر- جاز، ولا يجب أن يدبره، بخلاف ما لو وقف متاعًا، فأتلف- يشتري بقيمته مثله، فيوقف؛ لأن المقصود من الوقف: إيصال النفع إلى أقوام، وهم موجودون ومن التدبير إيصال النفع إلى العبد، وقد فات.
وإذا ارتد المدبر فكالقن يصير دمه هدرًا؛ ولكن لا يبطل التدبير حتى لو مات المولى قبل المدبر- يعتق، وإن التحق بدار الحرب فسبي- فهو على تدبيره؛ وكذلك: المكاتب وأم الولد لا يبطل بردتهما حق العتاق الذي ثبت لهما، ولو ارتد السيب ما حكم مدبره؟ نص في التدبير على أنه إذا مات مرتدًا- كان ماله فيئًا، والمدبر حرًا، اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: هذا يبنى على أن ملك المرتد هل يزول بالردة؟ وفيه أقوال:
أحدها: وبه أجاب- ههنا-: لا يزول؛ فعلى هذا: التدبير بحاله، وإن مات أو قتل- عتق.
[ ٨ / ٤١٢ ]
والثاني: ملكه زائل، فعلى هذا: بطل التدبير فإن مات أو قتل في الردة [لم يعتق] وإن عاد إلى الإسلام، هل يعود التدبير فعلى قولي عود اليمين.
وإن قلنا: ملكه موقوف، فالتدبير موقوف: فإن عاد إلى الإسلام- فالتدبير بحاله، وإن مات أو قتل في الردة- بان أن ملكه كان زائلًا، ولم يعتق.
وقال أبو إسحاق المروزي: سواء قلنا: ملكه باق أو زائل- لا يبطل التدبير، حتى لو مات أو قتل في الردة- يعتق؛ لأن الردة تؤثر في العقود المستقبلة لا في الماضية، كما لو رهن شيئًا بدين، ثم ارتد- لا يبطل الرهن.
أما المرتد: إذا دبر عبدًا، إن قلنا: ملكه باق صح تدبيره، وإن لم يحجر عليه، وإن قلنا: زائل- لم يصح تدبيره، وإن قلنا: موقوف- فالتدبير موقوف فإن عاد إلى الإسلام- بان أنه كان صحيحًا، وإن مات أو قتل في الردة- بان أنه كان باطلًا.
فصل
إذا علق عبده بصفة في حال الصحة، فوجدت الصفة في المرض- هل يعتبر عتقه من الثلث- نظر: إن علق بصفة لا توجد إلا في المرض؛ بأن قال: إن دخلت الدار في مرض موتي، أو: إن مرضت مرض الموت- فأنت حر-: يعتبر من الثلث، أما إذا علق بصفة يجوز أن توجد في الصحة، ويجوز أن توجد في المرض- ففيه قولان:
أصحهما: يعتق من رأس المال؛ اعتبارًا بحالة التعليق، لأنه لم يكن متهمًا بالقصد إلى الورثة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة- يكون من الثلث؛ اعتبارًا بحالة وجود الصفة؛ لأن العتق حصل في المرض.
ولو علق عتق عبد بصفة، ثم جن أو حجر عليه بالسفه، ثم وجدت الصفة-: يعتق قولًا-: واحدًا.
ولو علق في حال الإطلاق، ثم حجر عليه بالسفه، ثم وجدت الصفة-: يعتق قولًا واحدًا، ولو علق في حال الإطلاق، ثم حجر عليه بالفلس ثم وجدت الصفة:
إن قلنا: الاعتبار بحالة التعليق- عتق.
وإن قلنا: الاعتبار بحالة وجود الصفة- فكإعتاق المفلس.
[ ٨ / ٤١٣ ]
وإنما بنينا على هذا الأصل؛ كما في المرض- لأن الحجر عليه في الموضوعين- لحق الغير في الإفلاس لحق الغرماء، وفي المرض لحق الورثة؛ بخلاف حجر السفيه والمجنون.
ولو ادعى العبد على سيده: أنك دبرتني، أو ادعى تعليق العتق بالصفة، أو الأمة ادعت [الاستيلاد]-: فالمذهب أنه يسمع، والقول قول السيد مع يمينه، ولا يجعل إنكار السيد التدبير رجوعًا، على قول جواز الرجوع، حتى يحلف على إنكاره: فإن أراد العبد إقامة البينة - لا تقبل إلآ من رجلين عدلين، وكذلك: بعد الموت إذا ادعى على الوارث: أن أباك دبرني، وقد عتقت بالومت-: يحلف الوارث أنه لا يعلم أن مورثه دبره، وإذا أقام العبد بينة- فلا تقبل إلا من عدلين، فإن قال الوارث: بلى دبرك، ولكنه رجع عن تدبيرك، وقلنا: يجوز الرجوع عن التدبير-: فالقول قول العبد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرجوع، فلو أقام الوارث رجلًا وامرأتين أو شاهدًا وحلف معه على الرجوع-: يسمع؛ لأن مقصوده إثبات المال، والله أعلم.
باب وطء المدبرة
يجوز للسيد وطء المدبرة والمعلق عتقها بالصفة؛ كما يجوز وطء أم الولد؛ بخلاف المكاتبة حيث لا يجوز له وطؤها؛ لأن المكاتبة صارت أحق بنفسها من سيدها بدليل أنها إذا وطئت أو جني عليها- يكون المهر وأرش الجناية لها، وفي المدبرة والمعلق عتقها بالصفة [وأم الولد] يكون المهر وأرش الجناية للسيد-: فهو كما لو أوصى برقبة أمة لإنسان- جاز للموصي وطؤها، فلو وطئ المدبرة- لا يكون رجوعًا عن التدبير، سواء عزل أو لم يعزل؛ لأن في ترك العزل خوف الإحبال، وفي الإحبال تحقيق ما يراد من التدبير، وهو العتق بعد الموت؛ بخلاف ما لو أوصى لإنسان بجارية، ثم وطئها، ولم يعزل- كان رجوعًا؛ لأنه ترك العزل قصد إبقائها لنفسه، فبطلت الوصية، وإذا استولد مدبرته- بطل التدبير؛ لأن الاستيلاد أقوى؛ كما أن ملك النكاح يرتفع بملك اليمين، ولا يصح تدبير أم الولد؛ لأنها استحقت العتاق بالموت بجهة أقوى.
ولو دبر مكاتبه صح لأن كل واحد تعليق عتق بصفة أخرى، فإذا أدى مال الكتابة- عتق، وبطل التدبير، وإن مات السيد قبل أداء النجوم: فإن خرج من الثلث- عتق، وارتفعت الكتابة، وإن لم يخرج من الثلث كله، عتق منه بقدر ما يحتمله الثلث عن التدبير، وبقي الباقي مكاتبًا يعتق بالأداء.
ولو دبر، ثم كاتب- صح أيضًا، ثم إن قلنا: التدبير وصية- كان رجوعًا عنه كما لو
[ ٨ / ٤١٤ ]
أوصى لإنسان بعبد، ثم كاتبه-: كان رجوعًا.
وإن قلنا: التدبير تعليق عتق بصفة- لا يكون رجوعًا، وهو كالقسم الأول، إن أدى المال - عتق، وإن مات المولى قبل الأداء- عتق بقدر ما يحتمله من الثلث؛ والباقي بالأداء.
فصل
إذا أتت المدبرة بولد من زوج أو زنا، هل يثبت حكم التدبير للولد؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال ابو حنيفة: يثبت؛ كالاستيلاد، ويثبت حكمه للولد، وكما لو نذر هديًا أو أضحية معينة- يثبت ذلك الحكم في الولد.
والثاني: [و] هو الأصح، وهو اختيار المزني: لا يثبت؛ لأنه عقد يقبل الفسخ فلا يسري إلى الولد؛ كالرهن، وكما لو أوصى لإنسان بجارية، فأتت بولد لا تسري الوصية إلى الولد، ولا يبنى القولان على القولين في أن التدبير وصية أم تعليق عتق، بل في ثبوت الحكم في الولد قولان على القولين جميعًا؛ لأن الشافعي فرع على قولنا: إنه وصية حتى جوز الرجوع فيه، ثم جعل في الولد قولين.
أما إذا كانت حاملًا يوم التدبير، يبنى على أن الحمل هل يعرف؟ وفيه قولان:
أصحهما: يعرف؛ فعلى هذا: يثبت حكم التدبير في الولد؛ كما لو باعها- دخل الحمل في البيع.
وإن قلنا: لا يعرف- فكالولد الحادث بعد التدبير، على قولين:
قال الشيخ الإمام﵀: المذهب: أنه يثبت حكم التدبير في الولد، إذا كان موجودًا في البطن يوم التدبير، سواء قلنا: الحمل يعرف أو لا يعرف؛ كما يدخل في البيع قولًا واحدًا، وإنما يعرف كون الولد موجودًا [في البطن] يوم التدبير، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم التدبيرن فإن أتت به لأكثر من أربع سنين- فهو حادث من بعد، وإن أتت به لأقل من أربع سنين، ولأكثر من ستة أشهر من يوم التدبير- نظر: إن كان لها زوج يطؤها - فهو كالحادث من بعد؛ وكذلك: إن لم يكن لها زوج أصلًا، وإن كان لها زوج فارقها قبل التدبير، فأتت به لأقل من أربع سنين من يوم فارقها-: فالولد ملحق به، وهل يجعل كالموجود في حق التدبير؟ فيه قولان:
أصحهما: بلى، كما جعلناه موجودًا في ثبوت النسب من الزوج.
[ ٨ / ٤١٥ ]
والثاني: لا، بل هو كالحادث من بعد؛ لأن التدبير لا يثبت بمجرد الإمكان، والنسب يثبت، فحيث قلنا: يثبت حكم التدبير في الولد فإذا ماتت الأم في حياة المولى لا يبطل التدبير في الولد؛ كأم الولد، إذا ماتت - لا يبطل حكم العتاق في ولدها، وإذا رجع المولى عن تدبير أحدهما، وجوزنا الرجوع، نظر: إن كان الولد خارجًا وقت الرجوع كان رجوعه رجوعًا في حق من رجع عن تدبيره دون الآخر، فإن كان الولد في البطن حالة الرجوع- نظر: إن رجع في تدبير الولد- كان رجوعًا فيه، دون تدبير الأم، وإن رجع في تدبير الأم- نظر: إن قال: رجعت في تدبيرها دون الولد- كان رجوعا في تدبير الأم دون الولد، وإن لم يقل: دون الولد ففيه وجهان:
أحدهما: يكون رجوعًا فيهما؛ فالولد يتبع الأم في الرجوع؛ كما يتبعها في التدبير.
والثاني: وهو الأصح، لا يكون رجوعًا في الولد، وعليه يدل النص، بخلاف التدبير؛ لأن فيه معنى الحرية، وللحرية من الغلبة ما ليس لغيرها، فلو رجع في تدبير الأم دون الولد، ثم اتت بولد- نظر: إن أتت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الرجوع -فهو مدبر؛ لأنه كان موجودًا يوم الرجوع، فثبت له حكم التدبير، ولم يثبت حكم الرجوع، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من يوم الرجوع- نظر: إن كان لها زوج يطؤها، أو لم يكن [لها زوج أصلًا] فهو قن كالأم، وإن كان الزوج قد فارقها وأتت به [لمدة] يلحق الزوج، هل يجعل موجودًا يوم الرجوع، فعلى القولين.
ولو دبر الحمل في البطن- جاز، كالعتق، ولا يسري إلى الأم، فإذا مات- عتق الحمل دون الأم.
ولو باع الأم صح وتبعها الولد فكان رجوعًا عن التدبير.
فصل
إذا علق عتق أمة بصفة، فأتت بولد، هل يثبت حكم التعليق للولد؟ فيه قولان، سواء علق بصفة توجد لا محالة؛ مثل: مجيء الأوقات، أو بما يحتمل أن يوجد، ويحتمل ألا يوجد مثل دخول الدار ونحو ذلك، ولا نعني بقولنا: ثبت حكم التعليق للولد: أن التعليق ينعقد للولد، حتى يعتق بوجود الصفة فيه، بل نعني به: أن الأم إذا وجدت فيها الصفة يعتق الولد بعتقها.
[ ٨ / ٤١٦ ]
وفائدته: تظهر فيما إذا كان الولد خارجًا يوم وجود الصفة، فإن كان في البطن- يعتق تبعًا للأم قولًا واحدًا؛ كما إذا أعتق جارية حاملًا- يعتق الحمل تبعًا للأم؛ وكذلك: لو مات المولى، والمدبرة حامل - يعتق الحمل تبعًا للأم، وإذا قلنا: يتبعها الولد، فإذا بطلت الصفة في الأم؛ بموتها أو بموت المولى-: بطل في الولد؛ لأن الولد يتبعها في العتق، لا في الصفة؛ بخلاف التدبير؛ فإن الولد يتبعها في التدبير، فإذا بطل فيها، بقي فيه.
ولو قال لأمته: أنت حرة بعد موتي بعشر سنين، فإذا مات لا تعتق حتى تمضي عشر سنين.
وقيل: مضيها يكون كسبها ومنفعتها للوارث، ولا يتصرف الوارث في رقبتها تصرفًا يزيل الملك، فإن أتت بولد قبل موت المولى، هل يثبت حكم التدبير للولد؟ فعلى القولين.
وإن أتت به بعد موته قبل مضي عشر سنين- نص أن الولد يتبعها، اختلفوا فيه:
منهم من قال: فيه قولان؛ كما لو أتت به قبل موته.
ومنهم من قال: يتبع قولًا واحدًا؛ لأن سبب الحرية تؤكد ههنا بالموت؛ بدليل أن أحدًا لا يقدر على إبطاله؛ فكان كالاستيلاد [بالبيع].
وقبل الموت: لم يتأكد؛ بدليل أن المولى يقدر على إبطاله بالبيع.
وقيل: على هذا القياس: إن الولد يعتق من رأس المال؛ كولد أم الولد.
فصل
إذا قلنا: يثبت حكم التدبير للولد، فاختلفا: قالت المدبرة: ولدت بعد التدبير، وقال المولى بل قبله وهو قن فالقول قول المولى مع يمينه لأنه ملكه، وهي تدعي التدبير، وتسمع دعوة المدبرة عن ولدها حسبة، حتى لو كانت الأم قنة، فادعت على المولى أنك دبرت ولدي- تسمع، وكذلك بعد موت المولى، إذا اختلفت مع الوارث؛ فقالت: أتيت به بعد التدبير، وعتق بالموت، وقال الوارث: بل أتت به قبل التدبير- فالقول قول الوارث مع يمينه؛ وكذلك: أم الولد إذا أتت بولد واختلفت فيه مع السيد، أو مع الوارث، وكذلك: لو قالت المدبرة أتيت به بعد موت المولى- فهو حر، سواء قلنا: يسري التدبير، أو: لا يسري، وقال الوارث: لا، بل قبل موته، وقبل التدبير-: فالقول قول الوارث مع يمينه، وهذا بخلاف ما لو كان في يد المدبر مال بعد موت السيد، فقال: استفدته بعد موت المولى، وقال الوارث: بل قبله، فهو
[ ٨ / ٤١٧ ]
ميراث- لي: فالقول قول المدبر مع يمينه؛ لأن مال في يده في زمان يتصور له الملك و[فيه]، والوارث يدعيه-: فالقول قول صاحب اليد؛ بخلاف الولد؛ فإنه ليس تحت يدها؛ إذ الحر لا تحتوي عليه اليد، فلو اختلفا في المال، وأقام كل واحد بينة، فبينة المدبر أولى؛ لأن اليد له، ولو أقام الوارث بينة: أن هذا المال كان في يد المدبر حال حياة المولى. فقال المدبر: صدق؛ كان لفلان في يدي فملكته بعد موت المولى.
قال الشافعي: صدق العبد؛ لأن البينة تشهد بيد متقدمة، ويد العبد ثابت في الحال.
باب في تدبير النصراني
إذا دبر الكافر عبده الكافر، أو علق عتقه بصفة-: صح، فإذا مات أو وجدت الصفة عتق؛ كما لو استولد أمة، تعتق بموته سواء كان الكافر كتابيًا أو مجوسيًا [أو وثنيًا] أو ذميًا أو حربيًا، ولا يمنع من أن يحمل مدبرة الكافر وأم ولده الكافرة إلى دار الحرب؛ سواء وجد التدبير والاستيلاد في دار الحرب، ثم دخل إلينا بأمان، أو وجد في دار الإسلام، بخلاف ما لو كاتب عبده الكافر، فلم يخرج معه إلى دار الحرب- لم يكن له أن يقهره؛ لأن المكاتب صار أحق بمكاسبه، فأحيل ملك المولى عليه، ولو كان للكافر عبد مسلم، فدبره-: ينقض تدبيره، ويباع عليه، وإذا دبر عبده الكافر، ثم أسلم العبد بعد التدبير- نظر: إن رجع المولى عن تدبيره، وجوزنا الرجوع-: يباع عليه، وإن لم يرجع، هل يباع عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني-: يباع عليه، وينقض تدبيره؛ لأنه لا يؤمن من أن يستذله المولى، وقد صار عدوًا له بالإسلام.
والثاني: لا يباع؛ طمعًا في حصول الحرية، وينزع من يده؛ فتكون عند مسلم عدل، ويصرف كسبه إلى مولاه، فإن خرج المولى إلى دار الحرب- لم يكن له أن يحمله مع نفسه، بل يستكسب، فينفق عليه من كسبه، ويصرف الفضل إلى سيده، فإن مات السيد عتق إن خرج من الثلث، وإن لم يخرج كله من الثلث- عتق بقدر ما خرج، ويباع الباقي على الوارث، والله أعلم.
[ ٨ / ٤١٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم