روي عن أبي هريرة﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: "أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه، فهو أحق به من غيره".
[ ٤ / ٨٢ ]
وروي "أيما رجل مات، أو أفلس".
العاقل البالغ الرشيد: إذا كان ماله يفي بديونه- لا يجوز الحجر عليه، وإن لم يف ماله بديونه- يجوز للحاكم أن يحجر عليه، ولكن بعد مساءلته الغرماء أو مساءلة
[ ٤ / ٨٤ ]
بعضهم، ويمنعهن التفرق حتى لا يزداد غرماؤه، وإذا كان ماله يفي بديونه، ولكن ظهر عليه أمارات الفلس: بأن كان خرجه أكثر من دخله، هل يحجر عليه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه مليء.
والثاني: يحجر عليه؛ لأن ظاهر حاله أن يعجز، فيدخل الضرر على غرمائه.
فإذا حُجر عليه- فحجره يفيد أمرين:
أحدهما: تعلق حقوق الغرماء بماله، حتى لو استحدث دينًا- لا يشارك الآخر الأولين في ماله.
والثاني: إن باع منه شيئًا، ولم يقبض ثمنه، ووجد البائع عين ماله [له] أن يفسخ البيع، ويأخذ عين ماله، إن شاء.
وإن كان قد قبض بعض الثمن-: يجوز أن يفسخ في قدْر ما بقي من الثمن.
وكذلك: لو لم يكن قبض شيئًا من الثمن-: فله أن يفسخ في بعض المبيع؛ لأنه يشقص الملك على نفسه؛ بخلاف الرد بالعيب: لا يجوز أن يبعض المبيع؛ لأنه يشقص الملك على البائع.
نظيره: لو رجع في نصف ما وهب من ابنه- جاز، وهل له أن يفسخ بغير إذن الحاكم؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه مختلف فيه؛ كفسخ النكاح بالإعسار بالنفقة.
والثاني: له ذلك، لأنه ثبت بالسنة؛ كفسخ النكاح بخيار العتق.
وإن حكم حاكم بالبيع من الفسخ، فقال الإصطخري: ينقض حكمه؛ لأنه مخالف لنص السُّنة.
وقيل: لا ينقض؛ لأنه مختلف فيه.
[ ٤ / ٨٥ ]
ولو أنَّ البائع باعه، أو أعتقه، أو كانت جارية وطئها- هل يكون فسخًا؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يكون فسخًا.
ولو كان المشتري وماله وفاء بالدين-: لم يكن للبائع أخذ عين ماله؛ كما في الحياة، فإن لم يكن وفاء-: جاز.
وقال الإصطخري: له أخذ ماله، وإن كان ماله وفاء بالدين؛ لقوله﵇-: "أيما رجل مات أو أفلس".
وعند مالك- رحمة الله عليه-: إن أفلس في حياته-: للبائع أخذ ماله، فإن مات مفلسًا- فلا.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجوز الحجر بسبب الإفلاس، غير أنه لو حجر عليه وأمضاه حاكم-: نفد، ثم ليس للبائع أخذ عين ماله؛ بل يضارب الغرماء بالثمن، والحديث حُجة عليه.
ثم حق الفسخ، هل يكون على الفور؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون على الفور؛ كخيار الرد بالعيب.
والثاني: يكون على التراضي؛ كخيار الرجوع في الهبة من الابن.
وإذا أراد الفسخ، فقال الغرماء: لا نفسخ حتى نقدمك على أنفسنا-: فله الفسخ؛ لأنه ربما يظهر غريم آخر؛ فلا يرضى بتقديمه.
ولو قالوا لواحد منهم: لا تفسخ، حتى أعطيك الثمن من مالي-: فله أن يفسخ، ولا يقبل ما يعطى؛ كالمشتري: إذا وجد بالمبيع عيبًا؛ فبذل البائع الأرش-: له ألا ينتقل، ويفسخ البيع؛ فلو قبل من الغريم مالًا أعطاه، ثم ظهر غريم آخر: لا يزاحمه فيه، أما بعد موت المديون: إذا قال الوارث: لا تأخذ مالك، حتى أقدمك على الغرماء: فله أخذ ماله؛ لأن الغرماء لا يرضون به، فلو قال: لا تأخذ؛ حتى أؤدي حقك من مالي-: فقد قيل: لا فسخ له؛ لأن الوارث خليفة الموروث-: فله تخليص المبيع لنفسه بأداء الثمن.
ثمَّ: إذا ظهر غريم آخر-: لا يزاحمه فيما أخذ؛ لأنه ليس من التركة.
وقيل: لا يسقط حقه من الفسخ؛ كما لو قال الغرماء؛ لأنه استحق الفسخ؛ فلا يسقط حقه بتبرعهم؛ كالمرأة إذا استحقت فسخ النكاح بإعسار الزوج، فتطوع إنسان ببذل نفقتها-: لا يسقط حقها من الفسخ، وإن كان المشتري، ولكنه امتنع من دفع الثمن؛ فلا حجة للبائع، أو كان المشتري غائبًا أو مات مليًا.
[ ٤ / ٨٦ ]
ولكن لو امتنع الوارث من دفع الثمن- هل للبائع فسخ البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا فسخ له؛ لأنه لم يوجد عيب الفلس.
والثاني: له ذلك؛ لتعذر الوصول إلى الثمن؛ كما لو أفلس.
وإن كان البائع باعه منه مع العلم بفلسه- هل له الرجوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو اشترى- سلعته عالمًا بعيبها: لا رد له.
والثاني: له الفسخ.
ولو أفلس المشتري بالثمن، وخرج المبيع عن ملكه ببيع، أو هبة، أو إعتاق، أو وقف، أو كتابة، أو كانت جارية استولدها المشتري-: فلا فسخ له؛ لأن رد هذه العقود لا يمكن، وهو لا يقبل إلا عين ماله.
وكذلك: لو كان المشتري رهنه وسلَّمه، أو استحق بجناية-: فلا فسخ له، والمرتهن والمجني عليه أولى به، فإن أمكن أن يقضي حق المرتهن والمجني عليه ببيع بعضه-: بيع بقدر حقهما، ورجع البائع في الباقي، وإن كان قد دبَّره، أو علق عتقه بصفة-: للبائع أخذه، وإن كان قد أخذه، وقلنا: بيع المؤاجر لا يجوز-: ضارب الغرماء.
فإن قلنا: يجوز-: فهو بالخيار، إن شاء أخذه مسلوب المنفعة، وإن شاء ترك وضارب الغرماء.
وإن كان المبيع صيدًا، والبائع محرمٌ-: لم يكن له الرجوع فيه؛ لأن المحرم ليس من أهل تملك الصيد؛ كما لا يشتريه.
وإن كان المبيع خرج عن ملك المشتري، وعاد إليه- هل له أخذه؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه وجد عين ماله خاليًا عن حق غيره؛ كما لو لم يخرج عن ملكه؛ وكما لو كان رهنه أو آجره، وقد افتكَّ الرهن، وقد انقضت مدة الإجارة.
والثاني: ليس له أخذه؛ لأن المشتري لم يتلق هذا الملك منه.
وكذلك: لو كان قد باعه وردَّ إليه بالعيب، وإن كان قد عاد إليه ببدلٍ-: نُظر: إن كان قد أدى حق البائع الثاني، فهل للأول أخذه؟ فعلى وجهين.
وإن لم يوجد حق الثاني-: فأيهما أولى؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الأول أولى؛ لأن حقه أسبق.
والثاني: الثاني أولى به؛ لأن ملكه أقرب.
[ ٤ / ٨٧ ]
والثالث: هما سواء.
وإن كان المبيع قد زاد في يد المشتري- نظر: إن كانت الزيادة متصلة؛ كالسِّمن والكبر-: فللبائع أخذه زائدًا، ولا شيء عليه.
وإن حدثت زوائد منفصلة؛ مثل: ثمرة الشجرة وكسب العبد والولد واللبن-: فالبائع يأخذ الأصل، فتبقى الزوائد للمشتري، وإن كان قد تغير المبيع بنقصان- لا يخلو: إما إن كان نقصًا لا يتقسط عليه العوض، أو يتقسط: فإن كان لا يتقسط عليه العوض- نظر: إن كان النقص حكميًا؛ كالزنا، والسرقة، والإباق، ونسيان الحرفة، والتزويج: [فـ] إن كان عبدًا، أو جارية-: فالبائع بالخيار، إن شاء فسخ البيع وأخذ المبيع ناقصًا ولا شيء له، وإن شاء تركه وضارب الغرماء بالثمن.
وكذلك إذا كان النقصان حسيًا مما لا يتقسط عليه الثمن، حصل بآفة سماوية؛ كالعمى؛ والعور، والشلل، وسقوط عضو من الأعضاء، وانهدام الدار من غير أن يذهب شيء من عينها-: فهو بالخيار، إن شاء أخذه ناقصًا ولا شيء عليه، وإن شاء ضارب الغرماء بالثمن؛ كما لو تعيَّب المبيع في يد البائع بعيب من هذه العيوب-: فالمشتري بالخيار بين أن يأخذ بجميع الثمن، أو يفسخ البيع ويرجع بالثمن.
وإن حصل هذا النقصان بجناية جانٍ- لا يخلو: إما إن جنى عليه أجنبي أو المشتري؛ فإن جنى عليه أجنبي-: فللبائع أن يأخذ، ويضارب الغرماء بأرش النقصان من الثمن؛ لأن المشتري أخذ ضمان ذلك النقصان، وذلك في مقابلة جزء كان يستحقه البائع؛ فاستحق ما يقابله، كما يقول فيمن أشترى عبدًا، فقطع أجنبي يده من يد البائع-: فالمشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع، وبين أن يأخذ المبيع، ويطالب الجاني بالأرش، غير أن البائع يضارب الغرماء بالنقصان من الثمن؛ مثل: إن ينقص عشر قيمته: يضارب الغرماء بعشر الثمن؛ سواء كانت الجناية لها أرش مقدر، أو لم يكن، والمفلس: يرجع على الجاني بالمقدَّر إن كان لها أرش مقدرٌ، ومثل: إن قطع إحدى يديه-: رجع عليه بنصف قيمته.
وإن قطع كلتا يديه-: فبطل قيمته وضارب الغرماء بأرش النقصان من الثمن؛ لأن المبيع في يد المشتري مضمون بالثمن، وإن جنى عليه المشتري-: فهو كما لو حصل النقصان بآفة سماوية؛ فالبائع إن شاء أخذ المبيع ولا شيء عليه، وإن شاء ترك وضارب الغرماء بالثمن.
أما إذا كان النقصان فيما يتقسط عليه العوض؛ مثل: إن يشتري عبدين أو صاعي حنطة، فتلف أحدهما في يد المشتري، ثم أفلس-: أخذ البائع القائم بحصته من الثمن، فضارب الغرماء بالباقي، وكذلك المبيع إذا كان دارًا فانهدمت، وفات شيء من آلتها؛ حتى
[ ٤ / ٨٨ ]
لو باع نخلة وعليها تمر مؤبَّر مع التمر، فتلف التمر بجائحة أو أكلها المشتري، ثم أفلس-: فالبائع يأخذ الشجر بحصتها من الثمن، ويضارب الغرماء بحصة الثمر.
وكيفية اعتباره: أن يقال: كم قيمة النخل، وعليها التمر؟ فيقال: مائة، فيقال: كم قيمتها من غير التمر؟ فيقال: تسعون، فيأخذ النخلة بتسعة أعشار الثمن، ويضارب الغرماء بالعشر، ويعتبر قيمة التمر أو العين الهالكة بأقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض؛ لأن قيمتها: إن كانت يوم العقد أقل، فزادت-: فتلك الزيادة حصلت في يد المشتري، ليس له استردادها، وإن كانت أكثر، فانتقصت-: فذلك النقصان مضمون على البائع.
وقول الشافعي﵁-: يكون أُسوة للغرماء في حصة التمر يوم قبضه. أراد به: إذا كانت قيمتها يوم القبض أقل، أما قيمة النخلة أو العين القائمة التي يأخذها-: يعتبر بيوم العقد؛ لأن قيمتها إن كانت يوم العقد أقل، فزادت-: فتلك الزيادة متصلة يكون للبائع أخذها، وإن كانت أكثر، فانتقصت-: فذلك النقصان من ضمان البائع.
بيانه: كانت قيمة النخلة يوم البيع مائة، وقيمة الثمن خمسين، فباعهما بمائة، وتلف التمر-: يأخذ النخلة بثلثي الثمن، ويضارب الغرماء بالثلث، فإن تغيرت قيمة أحدهما- لا يخلو: إما إن تغيرت قيمة النخلة أو قيمة التمر: فإن تغيرت قيمة التمرة- نظر: إن تغيرت بالنقصان؛ مثل: إن كانت قيمتها يوم العقد خمسين، فعادت إلى خمس وعشرين، ثم قبض، وتلف في يد المشتري-: فالبائع يأخذ النخلة بأربعة أخماس الثمن، ويضارب الغرماء بالخمس.
وإن تغيرت بالزيادة بأن بلغت قيمتها مائة-: أخذ النخلة بثلثي الثمن، وضارب الغرماء بالثلث؛ كما لو لم يزد، وإنما لم تعتبر زيادة قيمتها، لأنه يؤدي إلى أن قيمتها لو بلغت مائتين-: أخذ البائع النخلة مجانًا، وضارب الغرماء بأكثر مما باع به.
وإن تغيرت قيمة النخلة، سواء تغيرت بالزيادة أو بالنقصان-: أخذها بثلثي الثمن، وضارب الغرماء بالثلث.
ولو باع عبدين بمائة قيمتهما سواء، فأخذ خمسين، وتلف أحد العبدين في يد المشتري، ثم أفلس، واختار البائع الفسخ في العبد الآخر-: ماذا يأخذ البائع؟ فيه قولان:
أحدهما: يأخذ العبد الباقي بما بقي من الثمن، ويكون المقبوض من الثمن بإزاء التالف؛ كما لو رهن عبدين بمائة، وأخذ خمسين وتلف أحد العبدين-: كان الثاني مرهونًا بما بقي.
والقول الثاني- وهو اختيار المزني﵀-: يأخذ نصف العبد القائم بنصف ما
[ ٤ / ٨٩ ]
بقي من الثمن، ويضارب الغرماء بالباقي؛ لأن الثمن يتوزع على المبيع فما أخذ من الثمن كان بمقابلة العبدين جميعًا-: فقد أخذ نصف ثمن العبد القائم؛ فليس له أن يرجع إلا في نصفه؛ بخلاف الرهن: فإنه لا توزيع فيه، بل يكون كله مرهونًا بكل جزء من أجزاء الدين.
فصلٌ
إذا باع جارية أو دابة حاملًا، فقبل الوضع أفلس المشتري، أخذ البائع حاملًا، وإن كانت حائلًا يوم البيع، فحبلت، وولدت، ثم أفلس-: أخذ البائع الأم، وبقي الولد للمشتري، إلا أنها إذا كانت جارية، لا يفرق بين الأم والولد، فإما أن يعطى الباقي قيمة الولد، فيأخذ مع الأم، وإما أن تباع الأم مع الولد، فيأخذ البائع ثمن الأم، والمفلس ثمن الولد، وإن باعها حاملًا، فوضعت، ثم أفلس-: هل للبائع أخذ الولد؟ إن قلنا: الحمل يعرف-: أخذها البائع مع الولد؛ كما لو باع شيئين، وإن قلنا: لا يُعرف-: يبقى الولد للمشتري.
ولو باعها حائلًا، فحبلت، فأفلس المشتري قبل الوضع-: فهل للبائع أخذها مع الحمل؟ منصوص الشافعي﵁-: أنه يأخذها مع الحمل، وهذا بناءً على أن الحمل هل يعرف أم لا؟
إن قلنا: الحمل لا يعرف-: أخذها حاملًا؛ كما لو زاد المبيع زيادة متصلة.
وإن قلنا: يعرف-: ليس له أخذها مع الحمل، ولكن: ترجع في الأم، والحمل يكون للمفلس؛ كأنه أوصى بحملها لرجل.
وقيل: لا رجوع له على قولنا: الحمل يُعرف، بل يضارب الغرماء.
ولو باع نخلة وعليها ثمر مؤبَّر، فأفلس المشتري، والتمرُ قد أدركت، أو جدت-: أخذها البائع مع التمر؛ لأنها زيادة متصلة، وكذلك: لو باع أرضًا مزروعة مع الزرع، فأفلس، وقد استحصد الزرع-: أخذها مع الزرع.
وقيل: إذا كان الزرع قصيلًا يوم البيع، فصار حبًا-: لا يأخذه، والأول المذهب؛ أنه يأخذه كالتمر يدرك؛ لأنه لم يكن تبعًا للأرض، فكان لا يدخل في مطلق بيع الأرض، فبيعه مع الأرض كبيع شيئين.
ولو باع نخلة حائلًا فأثمرت وأبَّرت، وأفلس المشتري ليس للبائع أخذ الثمن بل يأخذ
[ ٤ / ٩٠ ]
النخلة، ويترك التَّمر إلى أوان الجداد سواء كان التأبير قبل الإفلاس أو بعدما أفلس-: لم يختر البائع الفسخ حتى أبرها؛ لأن المبيع يعود إلى البائع باختيار الفسخ، لا بالإفلاس.
وكذلك: لو باع أرضًا، فزرع فيها المشتري، ثم أفلس-: فللبائع أخذ الأرض، ويترك الزرع إلى أوان الحصاد، وليس له طلب الأجر، بخلاف ما لو أكرى أرضًا، فزرع فيها المكتري، ثم أفلس بالكراء-: يجوز للآخر أن يفسخ الإجارة؛ فيأخذ الأرض، ويترك الزرع إلى الحصاد بالأجر؛ لأن المكتري شرع فيه؛ ليضمن المنافع؛ والمشتري؛ لم يشرع فيه؛ ليضمن المنافع، فلو أراد الغرماء أو بعضهم قطع التمر أو الزرع قبل أوان الجداد، أو الحصاد-: لهم ذلك، لأنه لا يجب عليهم تأخير حقهم؛ لتنمية مال المفلس، إلا ألا يكون لها قيمة؛ فلم يكن لهم قطعها؛ وكذلك: لو أراد المفلس قطعها-: لم يكن للغرماء منفعة؛ لأنه لا يلزمه تنقية ماله لأجل الغرماء، إلا أن يكون لها قيمة، ولا يعتبر رضا البائع إلا أن يكون له عليه دين آخر؛ فهو كسائر الغرماء.
ولو باع نخلة مطلعة-: دخل الطلع في البيع، فإذا أفلس المشتري والتمر طلع للبائع-: أخذ النخلة مع الطلع، وإن أفلس، والطلع قد أبر: هل له أخذ التمر؟ قيل: فيه قولان؛ كالحامل إذا وضعت- هل له أخذ الولد؟ فيه قولان.
وقيل: له أخذ التمر قولًا واحدًا؛ لأن الطلع كان مشاهدًا يوم البيع، فأمكن إفراده بالبيع؛ فصار كما لو باع شيئين، والحمل لم يكن مشاهدًا-: يمكن إفراده بالبيع؛ فكان كزيادة منفصلة حصلت:
فإن قلنا: له أن يأخذ التمر: فإن كان الطلع قد أكله المشتري-: ضارب الغرماء بحصته من الثمن؛ كما ذكرنا في التمر المؤبر.
وإن قلنا: ليس له أخذه؛ فيأخذ النخلة، ولا يضارب الغرماء بشيء، كما لو أتلف أجزاء المبيع.
ولو باع نخلة حائلًا، فأطلعت في يد المشتري، ثم أفلس بالثمن قبل التأبير- هل للبائع أخذها مع الطلع؟ فيه قولان:
قال في رواية المزني: يأخذها مع الطلع؛ كما لو باع نخلة مطلعة: يدخل الطلع في البيع؛ فكما تبعها في البيع- تبعها في الفسخ؛ كزيادة متصلة.
وقال في رواية الربيع: يأخذ النخلة دون الطلع، ويبقى الطلع إلى الإدراك والجداد،
[ ٤ / ٩١ ]
كالثمرة المؤبَّرة؛ لأنه أخذ بطريق القهر؛ بخلاف البيع: فإنه تمليك بالتراضي.
فإن قلنا: يأخذ مع الطلع، فأبرت الثمر، ثم اختلفا، فقال البائع: اخترت الفسخ قبل التأبير، وقال المشتري: بعد التأبير-: فالقول قول المفلس مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الفسخ؛ يحلف بالله، لا أعلم أنك فسخت قبل التأبير، وإنما قلنا: يحلف على العلم؛ لأنه يمين على نفي فعل الغير، ولو لم يحلف المفلس- هل يحلف الغرماء؟ فيه قولان:
والمذهب: أنهم لا يحلفون، فلو شهد عدلان من الغرماء للبائع أو شهد واحد، وحلف البائع معه أنه اختار قبل التأبير: أخذ النخلة مع الثمرة؛ كما لو صدَّقه الغرماء والمفلس.
ولو شهد منهم عدد أكبر للمفلس-: لا يُقبل؛ لأنهم يجرون إلى أنفسهم نفع الثمر، فإنها إذا كانت للمفلس-: تباع في حقوقهم.
ولو صدَّقه المفلس، وكذبه الغرماء-: ففيه قولان؛ كالمفلس يقر ويبين فيلزمه قبل الحجر وهل يقبل في مزاحمة الغرماء؟ فيه قولان:
فإن قلنا: لا يقبل-: يجوز للبائع تحليف الغرماء؛ أنهم لا يعلمون فسخه قبل التأبير؛ بخلاف المسألة الأولى، إذا كذبوه جميعًا، وجعلنا القول قول المشتري، فنكل-: قلنا: لا يحلف الغرماء على أصح القولين؛ لأن- هناك-: توجهت اليمين ابتداء على المشتري؛ فإذا لم يحلف: لا يحلف الغرماء؛ لأنهم ينوبون مناب المشتري، واليمين لا تدخلها النيابة، وههنا: توجهت اليمين ابتداءً على الغرماء؛ فجاز لهم أن يحلفوا.
وقيل: في هذه المسألة- أيضًا- قولان؛ كالأولى، والأول أصح.
ولو صدقه الغرماء، وكذبه المفلس-: فللمفلس أن يرفع الأمر إلى القاضي، حتى يُجبر الغرماء على أخذ التمر أو براء ذمته عن قدره من الدَّين، فإذا أخذوا- حينئذ: يأخذها البائع منهم؛ لأنهم أقروا له بها، فلو أن المفلس باع الثمرة، وصرف إليهم ثمنها-: لا يجب عليهم دفعه على البائع، ويتملكونه؛ لأنهم لم يقروا للبائع بالثمن، وإن صدقه بعض الغرماء، أو شهد واحد أو اثنان منهم، فردت شهادتهم؛ لفسقهم-: يُعطى الثمرة إلى المكذبين؛ رفقًا بالمصدقين؛ لأنها لو دفعت إلى المصدقين-: أخذها البائع منهم، وإليه أشار الشافعي﵁- فمن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يفرقه إلا على المكذبين، بخلاف ما لو صدقه الكل؛ لأن هناك-: إذا عدل عنهم-: لا يجد جهة أخرى-: يصرف إليها.
وقال أبو إسحاق: له أن يفرق على الجميع؛ كما لو صدقوه جميعًا وحمل النص على ما إذا اختار المفلس أن يفرق على المكذبين، وإذا دفعناها إلى المكذبين، ولم يف
[ ٤ / ٩٢ ]
بحقوقهم-: فهم يضاربون المصدقين بجميع دينهم أم بقدر ما بقي؟ فيه وجهان:
أحدهما: بقدر ما بقي؛ لأنهم يعتقدون أنهم أخذوا بعض الدين من مال المفلس.
والثاني: بجميع الدين؛ لأن المصدقين يعتقدون أن ذمة المفلس لم تبرأ عن شيء من دينهم.
ولو باع أرضًا فغرس أو بنى فيها المشتري، ثم أفلس بالثمن-: يجوز للبائع أن يرجع في الأرض، ولم يكن له إجبار المفلس على قلع الغراس، ثم ينظر: إن اتفق المفلس والغرماء على قلع الغراس أو البناء-: لهم ذلك، وعلى المفلس تسوية الأرض، وأرش ما نقص، أو حدث في الأرض بسبب القلع؛ لأنه نقص حصل لتحصيل ماله، وتُقدم على ذلك سائر الديون؛ لأنه لإصلاح ماله؛ كنفقة العبيد، وأجرة الحمَّال، وإن لم ينفقوا-: فالبائع يأخذ الأرض، وهو بالخيار في الغراس والبناء، إن شاء تملكها بالقيمة، وإن شاء قلعها وضم أرش النقصان؛ بخلاف ما لو زرعها المشتري-: ليس للبائع تملك الزرع ولا قلعه؛ لأن لحصاده وقتًا معلومًا، والبناء والغراس للتأبير، فلو أراد البائع أن يأخذ الأرض ويترك الغراس والبناء للغرماء- هل له ذلك؟ فيه قولان.
أحدهما- وهو اختيار المزني-: له ذلك؛ كما لو اشترى ثوبًا، وصبغه بصبغ من عنده، ثم أفلس-: يجوز للبائع أن يرجع في الثوب والغرماء شركاء معه في الصبغ.
والقول الثاني: ليس للبائع أن يأخذ الأرض، ويترك الغراس والبناء؛ لأن فيه ضررًا على المفلس والغرماء؛ لأنه يبقى لهم غراس، بلا أرض ولا شرب، وبناء بلا ممر، ولأن من يشتري البناء والغراس لا يستقر عليه ملكه، فإن للبائع قلعها بعد البيع، فيثبت للمشتري رد المبيع بسببه بخلاف الصبغ؛ فإن إفراده بالبيع لا يجوز، فإن لم يجوِّز: فالبائع يضارب الغرماء بالثمن أو يتملك الغراس والبناء بالقيمة أو يقلع، ويضمن أرش النقصان؟ وإن جوَّزنا له الرجوع في الأرض، فرجع، فإن اتفق البائع والغرماء على بيع الأرض مع الغراس والبناء-: جاز، ويقسم الثمن بينهم على قيمة الأرض، وعلى البناء والغراس.
ولو أراد المفلس والغرماء بيع الغراس والبناء، وامتنع البائع عن بيع الأرض-: هل يجبر عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يجبر؛ كما يباع الثوب المصبوغ؛ دفعًا للضرر.
والثاني: لا يجبر؛ لأن بيع كل واحد على الانفراد ممكن؛ بخلاف الصبغ.
ولو لم يتفقا فباع المفلس والغرماء البناء والأشجار-: جاز للبائع بعده أن يتملكها بالقيمة، أو يقلعها ويضمن أرش النقصان، وللمشتري الخيار في فسخ البيع، إن كان جاهلًا بالحال.
[ ٤ / ٩٣ ]
وإذا اشترى حبًا، فبذره، فنبت الزرع، أو اشترى أرضًا مبذورة مع البذر، وقلنا: يجوز، وهو بعيد، فنبت الزرع أو اشترى بيضة، فأحضنها تحت دجاجة، فأخرجت فرخًا، فأفلس المشتري بالثمن-: هل للبائع أن يرجع فيه؟ فعلى وجهين:
أصحهما: يرجع؛ لأنه وجد عين ماله؛ إلا أنه متغير؛ فصار كالوديِّ إذا كبر، فصار نخلًا، والجدي إذا صار شاة.
والثاني: لا يرجع؛ لأن الزرع غير الحَبِّ، والفرخ غير البيض، والذي اشتراه قد هلك.
ولو باع زرعًا بقلًا مع الأرض، فأفلس، وقد اشتد حبُّهح: هل له الرجوع في الزرع؟ فقد قيل: فيه وجهان؛ كالحبِّ ينبت، والصحيح: أنه يرجع فيه؛ لأنه عين ماله.
ولو اشترى عصيرًا، فتخمَّر، ثم تحلل، وأفلس بالثمن-: أخذه البائع، ولا شيء له.
قال الشيخ الإمام: ويحتمل غيره.
فصلٌ في زيادة المبيع
إذا زاد المبيع في يد المشتري بإحداث فعل فيه- لا يخلو: إما إن دخل عليه شيء آخر، أو لم يدخل: فإن دخل بأن كان ثوبًا، فصبغه المشتري بصبغ من عند نفسه، أو السويق إذا لتَّه بشيرج من عنده، ثم أفلس بالثمن- نُظر: إن لم تزد قيمته بالصبغ؛ بأن كانت قيمته عشرة، وبعد الصبغ- أيضًا- عشرة- أخذه البائع.
وكذلك إذا انتقصت قيمته عن عشرة-: أخذه ولا شيء له ولا عليه، وإن زادت قيمته-: فله ثلاثة أحوال:
إحداهما: ألا تزيد قيمته على قيمة الثوب والصِّبغ، ولا ينقص، مثل: إن كانت قيمة الثوب عشرة، وقيمة الصبغ خمسة، وقيمته بعد الصِّبغ خمسة عشر-: فللبائع فسخ البيع في الثوب، والغرماء شركاء معه بسبب الصبغ، فيباع بخمسة عشر، عشر منها: للبائع، وخمسة: للغرماء، وللبائع أن يمسكه، ويرد خمسة، وفي كيفية تنزيل هذه الشركة وجهان:
أحدهما: ثلثا الثوب، وثلثا الصبغ للبائع، وثلثهما للمشتري؛ لأن مال كل واحد لا يتميز من الآخر؛ فصارا شريكين فيه؛ كالزيت يخلطه.
والثاني: جميع الثوب للبائع، وجميع الصبغ للمشتري كالأرض يغرسها.
[ ٤ / ٩٤ ]
الحالة الثانية: أن تنقص القيمة بأن كانت قيمته بعد الصبغ ثلاثة عشر، فالنقصان يجعل من الصبغ؛ لأنه مستهلك في الثوب، والثوب قائم، فباع الثوب بثلاثة عشر: عشرة منها للبائع، وثلاثة للغرماء.
الحالة الثالثة: أن تزيد القيمة، فتصير عشرين، فما زاد بعمله على قيمة الثوب والصبغ عين أم أثرٌ؟ فيه قولان؛ كالنقصان:
إن قلنا: عينٌ-: فنصف الثوب للبائع، ونصفه للمشتري والغرماء.
وإن قلنا: عمله أثرٌ-: فالثلثان للبائع، والثلث للمشتري.
فلو ارتفع السوق أو غُبِن إنسان، فبيع الثوب منه بثلاثين:
فإن قلنا: عمله عينٌ فخمسة عشر منها للبائع، والباقي للغرماء؛ لأن ما زاد بسبب الصبغ كعين مال المشتري، وكان الثوب بينهما نصفان، وقد ربح عليه عشرةً؛ فيكون بينهما.
وإن قلنا: عمله أثرٌ-: فالكل بينهما أثلاث.
وإن اشترى ثوبًا بعشر وصبغًا من آخر بخمسة، فصبغه به، ثم أفلس، ثم فسخ البائعان البيع-: فهما شريكان فيه؛ كما ذكرنا في البائع والمشتري، إذا صبغ ثوبه؛ فإن كانت قيمته خمسة عشر-: فالثلثان لبائع الثوب، والثلث لبائع الصبغ، وإن كانت قيمته بعد الصبغ ثلاثة عشر-: فقد وجد بائع الثوب عين ماله، وبائع الصبغ بعض ماله؛ فكان لبائع الثوب عشرة، ولبائع الصبغ ثلاثة، وإن كانت قيمته بعد الصبغ أحد عشر-: فهو بين بائع الثوب وبائع الصبغ: عشرة لبائع الثوب، ودرهم لبائع الصبغ.
وإن كانت قيمته بعد الصبغ عشرين: فعلى ما ذكرنا: إن قلنا: عمله كالعين-: كانت الزيادة للمفلس: عشرة لبائع الثوب، وخمسة لبائع الصبغ، وخمسة للمفلس والغرماء، وإن قلنا: عمله أثرٌ-: فالثوب بين البائعين أثلاثًا: فالثلثان لبائع الثوب، والثلث لبائع الصبغ.
ولو اشترى ثوبًا بعشرة، واشترى من آخر صبغًا بدرهم، واستأجر أجيرًا بدرهم حتى صبغه: فإن كانت قيمته بعد الصبغ عشرة-: أخذه بائع الثوب، وبائع الصبغ مع الأجير- يضاربان الغرماء، وإن كانت قيمته بعد الصبغ عشرة-: أخذه بائع الثوب، وبائع الصبغ مع الأجير يضاربان الغرماء، وإن كانت قيمته بثمنه-: لا شيء له في الثوب.
وإن كانت قيمته بعد الصبغ خمسة عشر: إن قلنا: فعل الأجير عين-: فالأجير يكون شريكًا مع البائعين؛ يباع الثوب بخمسة عشر: عشرة لبائع الثوب، ودرهم لبائع الصبغ، ودرهم للأجير، وثلاثة للغرماء.
[ ٤ / ٩٥ ]
وإن قلنا: فعل الأجير أثرٌ-: لا شركة له فيه، بل يكون بين البائعين: يباعُ؛ فيجعل الثمن بينهما على أحد عشر سهمًا: عشرة لبائع الثوب، وسهم لبائع الصبغ.
ولو اشترى صبغًا، وصبغ به ثوبًا لنفسه، ثم أفلس-: فللبائع الرجوع في عين ماله من الصبغ، ويكون شريكًا مع المشتري؛ كما ذكرنا في البائعين، فإن كان فيه نقصٌ-: فالنقصان يكون من الصبغ؛ حتى لو لم يزد قيمته على قيمة الثوب-: فالصبغ مستهلك؛ فبائعه يضارب الغرماء، ولا شركة له في الثوب.
أما إذا أحدث المشتري به فعلًا-: لم يدخل عليه شيئًا آخر، مثل: إن اشترى ثوبًا، فقصره، أو خاطه بخيط من ذلك الثوب، أو اشترى حنطة فطحنها، أو دقيقًا فخبزه، أو شاة فذبحها، أو جلدًا فدبغه، أو لحمًا فشواه، أو طبخه، أو عبدًا فعلمه القرآن أو الحرفة، أو الشِّعر المباح، أو الكتابة، أو دابة فراضها، أو أرضًا فضرب من تربتها لبنًا أو بنى فيها من تربتها، ثم أفلس بالثمن-: فللبائع فسخ البيع، وأخذ المبيع، وهل يكون المفلس شريكًا معه؟ فيه نظرٌ: إن لم تزد قيمته بهذه الأعمال-: لا يكون شريكًا؛ لأن عمله مستهلك لا أثر له فيه، وإن انتقصت قيمته- لا شيء للبائع عليه، وإذا أخذ العين، وإن زادت قيمته-: فهذا مبنيٌّ على أن هذه الأعمال عينٌ أم أثر؟ وفيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المزني-: أنها أثرٌ؛ لأنها زيادة وصف، كسمن الدابة بالعلف، وكبر الودي بالسقي.
والثاني: أنها عين، وهو الذي اختاره الشافعي﵁- لأنها زيادة حصلت بسبب يجوز أخذ العوض عليه، فإنه يجوز الاستئجار على هذه الأعمال؟ بخلاف تسمين الدابة وتكبير الودي؛ فإنه لا يجوز الاستئجار عليها؛ لأنها تحدث لا بصنع منه؛ فإنه قد يبالغ في العلف، ولا يسمن.
ومن أصحابنا من قال: تعليم القرآن والشعر والكتابة والحرفة-: لا يكون عينًا قولًا واحدًا؛ لأنه ليس بيد المعلم إلا التلقين، وقد يجتهد في التلقين، ولا يتعلم، فهو كسمن الدابة، والأول أصح، وبه قال "صاحب التلخيص": أنه على قولين؛ لأن الاستئجار عليه جائز.
فإن قلنا: إنها أثرٌ لا شركة للمفلس فيه؛ كالزيادة المتصلة.
[ ٤ / ٩٦ ]
وإن كان المشتري استأجر أجيرًا على هذه الأعمال-: فالأجير يضارب الغرماء بأجرته.
وإن قلنا: إنها عين-: فالغرماء شركاء معه: فإن شاء البائع- ردَّ ما زاد بسبب هذه الأعمال، أو تباع؛ فيكون له بقدر قيمة العين، والباقي للغرماء.
فإن اشترى الثوب بعشرة، واستأجر أجيرًا له بدرهم، فقصره، فصارت قيمته خمسة عشر؛ عشرة منها للبائع، ودرهم للأجير، وأربعة للغرماء.
وإن كانت قيمة الثوب عشرة، واستأجر أجيرًا بخمسة، فقصره، فصارت قيمته أحد عشر: إن لم يختر الأجير فسخ الإجارة-: تباع بإحدى عشرة: عشرة للبائع، ودرهم للغرماء، والأجير يضارب الغرماء بخمسة، وإن اختار الفسخ-: فعشرة للبائع، ودرهم للأجير، ويضارب الغرماء بأربعة.
فإن قيل: إذا جعلتم فعل الأجير عينًا، وزادت بفعله خمسة، وأجرته درهم-: وجب أن تكون جميع الزيادة له، وإن كانت أجرته خمسة، ولم يزد إلا درهم-: ألا يكون له إلا درهم-: قلنا: وإن جعلناه عينًا-: فليس له ذلك بحقيقة عين؛ بل فيه معنى الأثر، فنعتبرهما، فنجعل الزيادة الحاصلة بعمله كالمرهون في حقه بأجرته، فإن كان قيمة عمله أكثر-: ليس له إلا قدر أجرته، وإن كان أقل-: فبالزيادة يحاص الغرماء.
فصلٌ [فيما إذا كان المبيع من ذوات الأمثال]
إذا كان المبيع من ذوات الأمثال، فخلطه بجنسه كالحبوب والأدهان يخلطها بجنسه- نظر: إن خلطه بمثله أو بأردأ؛ بأن اشترى صاع حنطة قيمته درهمان، فخلطه بصاع قيمته [درهم]، فخلطه بمكيلة قيمته درهم، ثم أفلس-: فقد وجد البائع عين ماله: فإن شاء أخذ منه مكيلته، وإن شاء ضارب الغرماء بالثمن، وإذا أخذ مكيلته فلا يرجع بأرش النقصان؛ إذا كان خلطه بأردأ؛ لأن المشتري لم يكن متعديًا بالخلط بخلاف ما لو غصب زيتًا، فخلطه بأردأ-: أخذ المالك مكيله وأرش النقصان؛ لأن الغاصب كان متعديًا بالخلط.
وقال أبو إسحاق: إذا خلط بأردأ، وأبى البائع أن يأخذ مكيلة زيته ناقصًا-: فيباع الزيتان، ويقسم الثمن على قدر قيمتهما؛ فالثلثان للبائع، والثلث للمفلس؛ لأنه إذا أخذ مثل زيته بالكيل-: كان أنقص من حقه، وإن كان أخذ أكثر من زيته-: كان ربا كمن باع صاعًا من زيت بأكثر، والأول المذهب: أنه يأخذ مكيلته ناقصًا إن شاء، أو يترك كما لو حدث بالمبيع عيب عند المشتري.
[ ٤ / ٩٧ ]
أما إذا خلطه بأجود بأن اشترى مكيلة زيت، قيمته درهم، فخلطه بمكيلة قيمته درهمان-: فهل له أن يفسخ العقد، ويرجع في عين ماله؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المزني-: له أن يفسخ العقد، ويكون شريكًا مع الغرماء بقدر قيمة زيته؛ كما لو خلطه بمثله، وكالثوب صبغه.
والثاني: لا فسخ له؛ بل يضارب الغرماء بالثمن؛ لأنه لا يمكن أخذ ماله إلا زائدًا، وليس كالثوب يصبغه، والسويق يلته؛ لأن الثوب بعينه موجود؛ وكذلك السويق، إلا أن صفته تغير اتصال غيره به، وههنا: عين ماله كالفائت بالخلط، وخرج قول من ههنا إلى ما لو خلط بأردأ أنه لا فسخ له، وليس بصحيح.
فإن قلنا: له أن يفسخ، فيرجع في عين ماله-: ففي كيفيته قولان:
أصحهما: أنه يباع الزيتان، ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما؛ فيكون الثلث للبائع، والثلثان للمفلس والغرماء.
والثاني- حكاه البويطي-: أنه يأخذه من هذا الزيت بقيمة مكيلته؛ فيأخذ ثلثي مكيلة، وهذا غير صحيح؛ لأنه يصير كأنه باع مكيلة زيت بثلثي مكيلة.
أما إذا خلط المبيع بجنس آخر؛ بأن خلط الزيت بألبان-: فهو كما لو تلف المبيع؛ فلا فسخ له، بل يضارب الغرماء.
ولو اشترى زيتًا، فأغلاه، فذهب ثلثه بالإغلاء، ثم أفلس البائع-: إن اختار الفسخ أخذه بثلثي الثمن، وضارب الغرماء بالثلث؛ لأنه نقصان، سواء كانت قيمته زائدة على الثلثين أو ناقصة.
ولو اشترى عصيرًا، فأغلاه، فذهب ثلثه، ولم ينتقص قيمته-: فمن أصحابنا من قال: هو كالزيت: للبائع أن يأخذ الباقي بثلثي الثمن، ويضارب بالثلث الغرماء.
ومنهم من قال: إذا لم تنتقص قيمته-: يأخذ البائع، ولا شيء له؛ لأن الذاهب من العصير ماء، ولا قيمة له؛ بخلاف الزيت؛ فإن الذاهب منه زيت متقوم.
فصلٌ [في بيان إجارة المفلس]
إذا أجر أرضًا أو شيئًا آخر من إنسان، ثم أفلس المكتري بالأجرة-: يجوز للآجر فسخ الإجارة؛ لأن المنافع في الإجارة كالعين في المبيع، ثم إذا أفلس المشتري بالثمن، والمبيع قائم-: ثبت للبائع الفسخ؛ وكذلك: إذا أفلس المكتري، والمنافع باقية-: كان للآجر الفسخ.
[ ٤ / ٩٨ ]
وإذا أفلس، وقد مضى بعض المدة في المدة الباقية فلا يفسخ في المدة الماضية؛ لأنها كالتالفة، ويضارب الغرماء بما يقابل المدة الماضية من الأجر المسمى، كما لو باع عبدين، فتلف أحدهما، ثم أفلس-: فإنه يضارب بثمن ما تلف، ويفسخ فيما بقي-: فإن فسخ الإجارة، والأرض مشغولة بزرع المكتري-: فإن قلع المفلس والغرماء الزرع- أخذ الأجراء الأرض؛ فإن لم يقلعوا ليس للآجر قلعه، بل يتركه إلى أوان الحصاد بأجر المثل.
ويقدم حقه في أجر المثل على الغرماء؛ لأن تحصيل مال المفلس كأجرة الدلال والكيال في بيع ماله: فإن لم يقدموا حقه له قلعه مجانًا، وكذلك: لو اكترى دابة، فأفلس المكتري في خلال الطريق، وفسخ المكري الإجارة-: ليس له ترك متاعه في المفازة؛ بل يحمله إلى موضع الأمن بكراء المثل، ويقدم فيه حقه على الغرماء، ويستحق لما مضى قبل الفسخ بقدر من المسمى، ويضارب الغرماء، وإن أراد بعض الغرماء قطع الزرع قبل أوان الحصاد تعجيلًا لحقوقهم، وأراد بعضهم التبقية-: يقدم قول من يريد القطع إلا أن يكون له قيمة فلا يقطع، فإن كان الأجر لم يأخذ أجره المدة الماضية-: فهو كواحد من الغرماء-: له أن يقطع الزرع-: إن كانت له قيمة، ولا يؤخره إلى الإدراك، فإن اتفقوا على ترك الزرع إلى الحصاد، أو ترك الثمرة إلى الجذاذ-: تكون مؤنة السقي في مال المفلس، فإن تطوع به، وأخذ من الغرماء-: لم يرجع عليه بشيء، وإن لم يتطوع، فطلب الأجرة-: يقدم حقه على سائر الغرماء، وإن اتفقوا جميعًا فهم سواء، ولو أفلس المستأجر، والأرض فارغة-: لم يفسخ الأجير الإجارة، بل يؤاجرها الحاكم على المفلس، والآجر يضارب الغرماء بأجرته.
ولو أسلم في شيء، ثم أفلس المسلم إليه-: فللمسلم فسخ العقد، إن كان رأس ماله قائمًا، ويأخذه، وإن كان تالفًا-: فلا فسخ له، ويضارب الغرماء بالمسلم فيه، فإن لم يكن في ماله من جنس المسلم فيه كما يخصه من مال المفلس-: يشتري به المسلم فيه، وإن كان المسلم فيه منقطعًا، ورأس ماله تالف، وقلنا بالانقطاع-: لا ينفسخ العقد، فأفلس المسلم إليه، هل للمسلم فسخ العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا فسخ له؛ لأنه يحتاج في الحالين إلى مضاربة الغرماء: إن فسخ فبرأس المال، وإن لم يفسخ فبالمسلم فيه.
والثاني: له الفسخ؛ لأن له فيه فائدة، وهو أن ما يخصه من مال المفلس يسلم إليه من جهة رأس المال؛ فإن لم يفسخ لا يسلم إليه؛ بل يوقف ليشتري به المسلم فيه.
فلو قسم مال المفلس، وأفرد نصيبه، ثم هاج بالمسلم فيه-: رخص بحيث يوجد بما خصه جميع المسلم فيه؛ ليشتري ويسلم غليه، وإن كان توفير حقه دون سائر الغرماء؛ لأن الاعتبار بيوم القسمة، وإن تلف المقرر باسمه-: كان من ضمان المفلس، وحق المسلم في
[ ٤ / ٩٩ ]
ذمته لا يرجع على الغرماء بشيء.
فصلٌ [في بيان الديون التي على المفلس]
إذا سأل الغرماء الحجر على المديون-: نظر: إن كانت الديون مؤجلة، أو بعضها حالة والبعض مؤجل، وماله يفي بديونه الحالة-: لا يحجر عليه، وإن كان ماله لا يفي بديونه الحالة يحجر عليه، وإذا حجر عليه، هل تحل ديونه المؤجلة؟ فيه قولان:
أحدهما: يحل؛ لأن بالحجر يتعلق حق الغرماء بعين ماله؛ فيحل الأجل به، كما لو مات المديون.
والثاني- وهو اختيار المزني-: لا يحل؛ لأن الذمة قائمة، وبالموت خربت الذمة؛ فحل الأجل.
فإن قلنا: تحل الديون المؤجلة، فيقسم ماله على جميع غرمائه.
ومن باع منه شيئًا بثمن مؤجل، والمبيع قائم عنده-: فله أن يفسخ البيع، ويأخذ عين ماله.
وإن قلنا: لا تحل الديون المؤجلة-: يصرف ماله إلى ديونه الحالة.
ومن باع شيئًا بثمن مؤجل، والمبيع قائم، هل يصرف ذلك في ديونه الحالة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يصرف؛ كسائر الأموال.
والثاني: لا يصرف؛ لأنه كالمرهون في حق بائعه، فيوقف، حتى يحل الأجل، فيأخذه إن شاء.
فصلٌ في تصرف المفلس
تصرف المفلس نافذٌ قبل الحجر؛ كتصرف من لا دين عليه، أما بعد الحجر فوصيته وتدبيره جائز؛ فإن فضل ماله عن الدين-: ينفذ؛ لأن كل واحد منهما تصرف بعد الموت-: لا ينفذ إلا في الفاضل عن الدين، وهما يقبلان الغرر والخطر، وكذلك خلعه جائز؛ لأن له أن يطلق مجانًا.
أما إذا باع المفلس شيئًا بعد الحجر، أو وهب، أو أعتق عبدًا، أو كاتبه، فهل يصح؟ فيه قولان:
أصحهما-: وهو اختيار المزني-: لا يصح؛ لتعلق حق الغرماء بماله؛ كما لا يجوز
[ ٤ / ١٠٠ ]
بيع المرهون؛ لتعلق حق المرتهن به، ولأنه محجور عليه كالسفيه.
والثاني: يكون تصرفه موقوفًا، فإن أفتك الحجر عنه، وفضل ذلك عن الغرماء-: بان أنه كان صحيحًا، وإن لم يفضل كان مفسوخًا؛ فعلى هذا: يؤخر بيع هذه الأعيان عن سائر الأموال، ويبدأ بنقض الأضعف عن هذه التصرفات.
فإن كان قد باع عينًا، ووهب أخرى، وأعتق عبدًا-: يبدأ بنقض الهبة؛ لأنها أضعف، فإنه لا عوض فيها، ثم ينقض البيع؛ لأنه يقبل الفسخ، ثم بالعتق؛ لأنه أقوى هذه التصرفات.
ومن أصحابنا من قال: القولان في تصرفه، إذا لم يجعل القاضي ماله لغرمائه، أما إذا حجر عليه، وجعل ماله لغرمائه، فحيث وجده فلا ينفذ تصرفه قولًا واحدًا؛ لأن فيه إبطال ما فعله القاضي؛ فقد قال الشافعي﵁- إذا جعل ماله لغرمائه-: لا زكاة عليه. ومن أصحابنا من قال: ما دام ملكه باقيًا، ففي نفوذ تصرفه قولان.
وتجب الزكاة على أظهر القولين، و"حيث يوجب الزكاة" أراد: إذا باع ماله من غرمائه، وكان معلومًا حينئذ-: لا ينفذ تصرفه، ولا زكاة عليه.
أما إذا اشترى المفلس شيئًا في الذمة أو قبل السلام-: يجوز؛ لأنه يكون في ذمته إلى قضاء الديون؛ فليس له أن يقضيه ما في يده من المال، ثم إذا أراد بيع ما اشتراه في الذمة-: منع منه؛ كما لو احتطب أو احتش، فأراد بيعه: فلو باعه فعلى القولين.
وقال "صاحب التلخيص": و[لا] يجوز بيع المفلس، إلا في مسألة واحدة، وهي أن يكون محجورًا عليه في دين رجل، فباع ماله بجميع ذلك الدين فيه؛ ليبرأ ذمته-: فيجوز، فمن أصحابنا من وافقه، وقال: لأن الحجر عليه لدينه خاصة؛ فجاز بيعه منه؛ لبراءة ذمته؛ كما لو باع الرهن من المرتهن-: يجوز، وإن لم يجز من غيره.
وعلى هذا: لو كان محجورًا عليه في دين جماعة، فباع ما له منهم بجميع ديونهم-: جاز، ومن أصحابنا من قال: هو كما لو باع من غيره-: لا يصح على أصح القولين، ما لم يرفع الحاكم الحجر عنه؛ لأن الحجر على المفلس لا يكون مقصورًا على حق غريم واحد، فربما يكون له غريم في الباطن-: فهو لا يُعرف؛ فلا يصح بيعه منه خاصة بخلاف الرهن؛ لأن الحق فيه خاص للمرتهن؛ بدليل: أنه لو باعه منه ههنا ببعض ذلك الدَّين أو باعه من غير غريمه بإذن غريمه-: لا يجوز، ويجوز كل ذلك في الرهن، وهذا لأن الحجر على المفلس بإذن الحاكم، فرفعه كان إليه بخلاف الرهن.
ولو أجر رجل دارًا، ثم أفلس، وحجر عليه-: لا يفسخ الكراء، وحق المكتري مقدم
[ ٤ / ١٠١ ]
على سائر الغرماء؛ كما لو رهن شيئًا، ثم حجر عليه: يقدم حق المرتهن.
ويجوز أن يباع الدار المكتراة على المفلس مسلوب المنفعة؛ إذا جوزنا بيع المكراة؛ وكذلك: لو باع شيئًا، ثم أفلس البائع، وحجر عليه قبل تسليم المبيع-: يجب عليه تسليم المبيع، ولم يكن له الرجوع فيه، ويقبض الثمن؛ لأن البيع سبق الحجر.
وإذا باع شيئًا بشرط الخيار، ثم أفلس البائع وحجر عليه، أو المشتري، أو هما في زمان الخيار وحجر عليهما-: نص على أنه يجوز لكل واحد منهما فسخ البيع وإجارته؛ لأنه ليس ببيع مستحدث، فمن أصحابنا من أجراه على ظاهره، وهو الأصح، وقال: المفلس ممنوع من إنشاء العقد، لا عن إجارة بيع الحجر.
وقال أبو إسحاق: يراعى حق المفلس، إن كان الحظ له في الفسخ-: لم تجز الإجارة، وإن كان في الإجارة- لم يجز الفسخ، ومن أصحابنا من ذكر تفصيلًا، فقال: إن فعل ما فيه نظر من فسخ إجارة- جاز، وإن فعل ما لا نظر فيه- نُظر: إن منع دخول الشيء في ملكه-: جاز، وإن أخرج عن ملكه-: لم يجز.
بيانه: إذا أفلس المشتري: إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع-: يجوز للمشتري الإجارة والفسخ، وإن لم يكن له فيه نظر؛ لأنه بالإجارة يدخل الشيء في ملكه، وبالفسخ: يمنع دخول الشيء في ملكه.
وإن قلنا: الملك له في زمان الخيار: فإن أجاز جاز؛ لأنه يبقى الشيء في ملكه، وإن فسخ، ونظر في الإجارة-: لم يجز؛ لأنه يخرج الشيء عن ملكه.
وإن أفلس البائع-: فإن قلنا: الملك للمشتري فللبائع الفسخ والإجارة؛ لأنه بالفسخ: يدخل الشيء في ملكه، وبالإجارة: منع دخول الشيء في ملكه، وليس له الإجارة، لأنه يخرج الشيء عن ملكه.
ولو وهب هبة تقتضي الثواب، وقلنا: الثواب يقدر بما يُرضي الواهب، ثم أفلس-: فله أن يرضى بما شاء؛ لأنا لو ألزمناه طلب الفضل، كنا ألزمناه بقبض المسلم فيه معيبًا، ولا تغير صفته إلا بإذن الغرماء؛ لتعلق حقوقهم به.
فصلٌ [في تعلق الديون بالمحجور عليه]
إذا حجر الحاكم على المفلس- يتعلق بماله كل دين لزمه قبل الحجر، سواء فيه دين المعاملة أو دين الجناية والإتلاف.
أما ما لزم من الديون بعد الحجر، فهل يشارك مستحقه الغرماء القيمة؟ نُظر: إن ثبت
[ ٤ / ١٠٢ ]
ذلك باختيار مستحقه كالقرض وثمن المبيع-: فلا يشارك الغرماء بالقيمة بشيء أخذ منه حقه، وإن لم يفضل فحتى يجد؛ لأنه لما عامله مع علمه بإفلاسه-: فقد رضي بذمة خربة، وإن لم يعلم بإفلاسه-: فقد فرط حين دخل معاملته على غير يقين؛ فيلزمه الصبر.
وإن لزم ذلك الدين بغير اختيار مستحقه بجناية أو إتلاف مال-: ففيه وجهان:
الصحيح: أنه يشارك الغرماء القيمة؛ لأنه لم يكن من جهته التفريط-: فلا يلزمه أن ينتظر.
وقيل: لا يشاركهم؛ لأنه وجب بعد الحجر، وتعلق حق الأولين بالمال؛ فيتأخر عن حقهم كدين المعاملة.
ولو أقر المفلس بمال لإنسان- لا يخلو: إما إن أقر بدين لزم قبل الحجر أو بعده: فإن أقرَّ بدين لزم قبل الحجر، سواء كان دين معاملة أو دين جناية-: لزم الإقرار في حقه، وهل يلزم في حق الغرماء؛ حتى يزاحمهم المقر له؟ فيه قولان:
أصحهما: يلزم، ويزاحمهم؛ كما لو ثبت بالبينة، وكالمريض إذا أقر بدين لإنسان: يزاحم غرماء الصحة.
والثاني: لا يلزم، وهو كدين لزم بعد الحجر؛ لأنه تعلق به حق الأولين؛ كما لو رهن شيئًا، ثم أقر به لآخر: لا يقبل إلا أن تقوم- عليه بينة؛ فيلزم، وكذلك: لو أقر بعين لإنسان، فقال: هذه لفلان، غصبته منه أو أخذته منه، أو أخذته على جهة السوم، أو عارية، هل يقبل في مزاحمة الغرماء؟ فيه قولان:
أحدهما: يقبل، ويسلم على المقر له.
والثاني: يوقف، فإن فضل عن الغرماء يسلم إليه؛ وإلا يباع في الدين والقيمة في ذمته في دينه المقر له، أما إذا أقر بدين معاملة-: فلا يقبل في حق الغرماء؛ فكذلك: لو قامت عليه ببينة، فإن فضل عن الغرماء شيء دفع إليه، وإن أقر بدين إتلاف- ففيه وجهان:
أحدهما: يتأخر كدين المعاملة.
والصحيح: أنه كما لو أسند إلى ما قبل الحجر، فعلى القولين.
ولو ادعى رجل على المفلس مالًا لزمه قبل الحجر، فأنكر، ولم يحلف، وحلف المدعي- ثبت المال، وهل يشارك الغرماء القيمة أم لا؟
إن قلنا: النكول وردُّ اليمين كالبينة- شاركهم.
وإن قلنا: كالإقرار- فعلى القولين.
ولو أقر المفلس على نفسه بما يوجب عقوبة من قصاص أو حد- يقبل.
[ ٤ / ١٠٣ ]
قال الشيخ الإمام: وإن عفى عن القصاص على مال، فهو كدين الجناية يقر به، وكذلك: لو أقر بسرقة موجبة للقطع- قُبل قوله في القطع، وهل تسلم إليه العين المسروقة؟ - فعلى القولين.
ولو جنى عبد المفلس على نفسه؛ بما يوجب على إنسان-: يقدم حق المجني عليه من ثمنه، وعلى سائر الغرماء كالعبد المرهون، فإذا جنى يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن.
ولو جنى على المفلس أو على عبده: فإن كانت الجناية موجبة للقصاص-: يجوز للمفلس أن يقبض من غير إذن الغرماء، وإن كانت موجبة للمال-: ليس له ولا لوارثه، إن كان يعفو عن المال دون إذن الغرماء.
فصلٌ هل يحبس المحجور عليه
روي عن كعب بن مالك؛ أن رسول اللهﷺ- حجر على معاذ وباع عليه ماله".
من ركبته الديون لا يحبسه الحاكم بل يأمر ببيع ماله، فإن لم يبع لا يحجر عليه؛ بل يبيع الحاكم عليه ملكه إلا أن يشاء الغرماء الحجر، حتى لا ينوي تراجع ماله، فيحجر عليه.
وإذا حجر عليه يستحب أن يشهد على الحجر ليعلم الناس حاله؛ فلا يعاملونه إلا على بصيرة.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يبيع الحاكم ماله عليه، بل يأمره بالبيع إلا الدراهم والدنانير، قال: يجوز أن يصرف أحدهما في الآخر، والحديث حُجة عليه.
[ ٤ / ١٠٤ ]
وإذا أراد الحاكم بيع ماله-: يستحب أن يبيع بحضرته، أو يحضره وكيله؛ لثلاث معان: ليكون أبعد من التهمة، وليخبر بعيب إن كان به حتى لا يرد، وليخبر بما اشترى؛ فيكون المشتري أشد رغبة في شرائه، وكذلك في بيع الرهن، ويقدم بيع المرهون في حق المرتهن وبيع العبد الجاني في حق المجني عليه؛ لتعجيل حق المرتهن والمجني عليه من ثمنه، فإن فضل من شيء ضم الفضل إلى سائر أمواله لسائر الغرماء، وإن بقي من دين المرتهن شيء تحاص الغرماء فيه، هذا إذا رهن وسلم قبل الحجر.
أما إذا رهن بعد الحجر، أو رهن قبل الحجر، وسلم بعده-: لم يصح، ويكون جميع الغرماء فيه سواء، ويبدأ ببيع ما يخاف عليه الفساد من ماله من طعام رطب وشواء ونحوه، ثم يبيع الحيوان؛ لأنه يحتاج إلى النفقة، ويخشى عليه الهلاك، ويؤخر بيع العقار والمساكن؛ فإنه لا يخشى عليه الهلاك والسرقة.
ويباع كل شيء في سوقه؛ لأن كل شيء يطلب في موضعه، ويجب أن يبيع بثمن المثل نقدًا، فلو باع نسيئة: لم يصح، وإذا باع نقدًا: لا يسلم المبيع قبل قبض الثمن، فإن فعل ضمن، وما حصل من أثمان ماله إلى أن يقسمه يقرضه من مليٍّ أمين، إن وجد، فإن لم يجد يقول للغرماء: ارتضوا بمن يوضع الأثمان على يديه فيمن ينادي على الأمتعة في السوق، فإن فعلوا؛ وإلا يختار الحاكم أمينًا لذلك الأمر، وفي الإيداع: يشرط الأمانة، ولا يشرط الملاءة؛ بخلاف القرض: فيشرط فيه الأمانة والملاءة، ورزق المنادي والدلال من بيت المال؛ لأنه مال المصالح، وهم يقومون بمصالح المسلمين، فإن لم يكن في بيت المال مال، فمن مال المفلس؛ وكذلك: أجرة الكيال والوزان والحمال وكراء البيت الذي يوضع فيه مال المفلس مقدمًا على سائر الغرماء؛ لأنه لتحصيل مال المفلس لحق الغرماء، فلو لم يقدر لم يرغب أحد في تحمل تلك المؤن، وإن وجد الحاكم من يتطوع بشيء من ذلك لم يجز إعطاء الأجرة، وما تلف من ثمن متاع في يد الأمين-: فهو في ضمان المفلس، سواء تلف في حياة المفلس أو بعد موته.
وعند أبي حنيفة: إن تلف بعد موته-: فمن ضمان الغرماء.
وإذا باع الحاكم ماله في حياته وبعد موته، وأخذ الثمن، وتلف، ثم خرج المبيع مستحقًا-: يرجع المشتري بالثمن في مال المفلس، ولا يكون الحاكم طريقًا فيه، ولو نصب الحاكم أمينًا يبيعه، ثم خرج مستحقًا بعد تلف الثمن، هل يكون الأمين طريقًا في الضمان؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ١٠٥ ]
أصحهما: لا يكون طريقًا كالحاكم.
والثاني: يكون طريقًا؛ كالوصي أو الوكيل بالبيع: يكون طريقًا في وجوب الضمان في مال الصبي والموكل، ثم المشتري إذا رجع في مال المسلم أو الأمين: إذا جعلناه طريقًا وأخذ منه، هل يقدم حقه على سائر الغرماء؟ فيه قولان: قال في رواية المزني: يقدم؛ لأنه مؤنة تحصيل ماله كأجرة الدلال والكيال.
وقال في رواية الربيع: يضارب الغرماء؛ لأنه دين كسائر الديون.
ويباع على المفلس جميع أمواله حتى الخادم والمسكن الذي يحتاج إليه، وإن كان زمنًا، ثم يسكن الرباط والمساجد، وعلى الناس كفايته بخلاف الكفارة لا يباع فيها الخادم والمسكن الذي يحتاج إليه؛ لأنها حق الله تعالى تجري فيه المسامحة، ولأن لها بدلًا، وهو الصوم.
ولا يجب قسمة كل قليل من الأثمان يحصل حتى يجتمع الكل، ويعرف الحاكم عدد الغرماء، ثم يقسمها، ويقف نصيب من كان منهم غائبًا، وإن لم يفرغ من بيع ماله، إن لم يكن له كسب-: يجب أن ينفق عليه، وعلى عياله كفايتهم، وينفق على قريبه الذي يلزمه نفقته؛ لأنه موسر ما لم يزل ملكه إلى الغرماء؛ فيجب عليه نفقة القريب.
وإذا قسم ماله، يترك له قوت يوم وليلة له ولعياله، ويُترك له ثوب يليق بحاله من قميص وسراويل ومنديل ومُكعَّب، إن كان في الشتاء فجبة معها ولعياله مثلها، وإن كان ذا مروءة يتعمم ويتطلس ويتخفف: يترك له ذلك، وإن كان يلبس غوالي الثياب فوق عادة أمثاله-: لا يترك ذلك، بل يترك ما يليق بحال أمثاله، وإن كان يقتر على نفسه، فيلبس دون عادة أمثاله-: فلا يزاد له عليه بعد الحجر.
ويباع عليه مركوبه، وإن كان ذا مروءة بخلاف ثياب البدن، ولا يترك له مضرَّبة ولا مقرمة.
وإذا قسم مال المفلس بين الغرماء، وقضى دينه، هل يزول الحجر عنه؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ١٠٦ ]
أحدهما: يزول؛ لأن الحجر عليه لحفظ المال على الغرماء، وقد قال ذلك المعنى كالمجنون إذا أفاق.
والثاني: لا يزول حتى يفتك الحاكم الحجر؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم؛ فلا يزول إلا به كالحجر على المبذر.
وإذا قسم مال المفلس، ثم ظهر غريم آخر يشاركهم بالحصة؛ مثل إن كان له غريمان، دين كل واحد ألف، ومال المفلس ألف-: أخذ كل واحد خمسمائة، ثم ظهر غريم ثالث دينه ألف-: يأخذ من كل واحد ثلث ما أخذ.
وإن كان واحد منهما أتلف ما أخذه، فإن كان موسرًا، أخذ منه ثلثه، وإن كان معسرًا-: فالغريم الذي ظهر له أن يأخذ من الأجرة نصف ما أخذ لأنهما في الاستحقاق سواء، فما تلف يكون من حقهما جميعًا؛ كما لو تلف بعض مال المفلس قبل القسمة، ثم إذا أيسر الذي تلف عنده، فيترك له حصير، وإذا مات المفلس-: يكفَّن من رأس ماله، وهل يكفن في ثلاثة أثواب، أم يكتفي بثوب واحد؟ فيه وجهان، وكذلك: حنوطه ومؤنة غسله ودفنه: يكون من رأس ماله بالمعروف، وكذلك: من مات من عبيده وأم ولده، وكذلك: كفن زوجته ومؤنة دفنها، إن أوجبنا على الزوج.
وإذا لم يكن للمفلس مال-: لا يؤمر بالاكتساب لأجل الغرماء، ولا يؤاجر نفسه، ويؤاجر عبيده، وهل يؤاجر أمَّ ولده، في الدار الموقوفة عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يؤاجر؛ كما يؤاجر عبده القن.
والثاني: لا يؤاجر؛ لأنه لا يقبل البيع؛ كما لا يؤاجر نفسه.
وقال عمر بن عبد العزيز، وأحمد، وإسحاق: يؤاجر نفس المفلس.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كان كسوبًا يؤمر بالكسب-: أخذ منه ثلث ما أخذ، وكان بينهما.
أما إذا ظهر غريم ثالث، وظهر للمفلس مال قديم أو حادث-: يدفع إلى الغريم الثالث من المال الذي ظهر بقدر ما أخذ الأولان، ثم الباقي يجعل بينهم أثلاثًا، ولو كان الغريم الذي ظهر حدث بعد الحجر-: فلا يشارك الأولين حتى لو ظهر مال قديم، وغريم حادث بعد الحجر-: صرف المال القديم إلى الغرماء القديمة، فإن كان الغريم حادثًا، والمال- أيضًا- حادث-: حصل باحتطاب أو احتشاش بعد الحجر، قال الشيخ﵀-: أو استدانة لوجود ركاز-: صرف ذلك إلى الغرماء القديمة والحادثة جميعًا.
وإذا أكرى رجل داره من رجل سنة، وقبض الأجرة، وتصرف فيها، ثم أفلس، وحجر
[ ٤ / ١٠٧ ]
عليه، ثم انهدمت الدار في أثناء المدة-: فالمكتري يرجع على المفلس بأجرة ما بقي، وهل يشارك الغرماء- نُظر، إن انهدمت قبل قسمة المال بين الغرماء-: يشاركهم فيه، وإن انهدمت بعد قسمة المال، هل يشاركهم فيما اقتسموا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه دين-: وجب بعد القسمة؛ كما لو استقرض مالًا بعد القسمة.
والثاني: يشاركهم وهو الأصح؛ لأنه دين وجب بسبب يستند على ما قبل الحجر، وهو الإجارة؛ فصار كما لو انهدمت الدار قبل القسمة، وليس كالقرض؛ لأنه لا مستند بثبوته إلى ما قبل الحجر؛ بدليل أن المقرض لا يشارك الغرماء في المال قبل القسمة، والمكتري يشاركهم قبل القسمة، ويشاركهم بعدها.
فصلٌ في بيان دعوى الورثة
إذا مات رجل، وعليه دين، فادعى وارثه من جهته على إنسان دينًا، وأقام شاهدًا، وحلف معه-: ثبت الدين؛ ولو لم يحلف، هل للغريم أن يحلف؟ فيه قولان:
قال في الجديد- وهو الأصح-: لا يحلف؛ لأن للغريم حقًا في مال هو ثابت للميت، فأما أن يثبت له مالًا بيمينه فلا؛ كما لو أوصى له بشيء، فمات قبل القبول، ولم يقبل وارثه: لا يصح قبول الغريم.
وفي القديم: له أن يحلف؛ لأن له حقًا في تركته كالوارث، وكذلك: لو لم يكن للوارث شاهدًا، ونكل المدعى عليه عن اليمين، ولم يحلف الوارث، هل للغريم- أن يدعي؟ فعلى هذا الاختلاف: فإن قلنا: يحلف الغريم لا يحلف إلا على قدر حقه.
أما المفلس إذا ادعى دينًا على إنسان، وأقام شاهدًا، ولم يحلف، ونكل المدعى عليه، ولم يحلف المفلس يمين الرد-: فهل للغريم أن يحلف؟
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه قولان، كما في غرماء الميت، ومنهم من قال: غريم المفلس لا يحلف قولًا واحدًا؛ لأن الحق ثبت للمفلس، فامتناعه عن اليمين يورث ريبة في ثبوته؛ فلم يكن للغريم أن يحلف، وفي غريم الميت: ثبت الحق للميت، فهو لم يمتنع عن اليمين، والغريم والوارث سواء في الإطلاع عليه، فلما جاز للوارث أن يحلف- جاز للغريم، لأنهم غرماء الميت.
باب حبس المفلس
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
[ ٤ / ١٠٨ ]
من ركبته الديون، وله مال-: يأمره الحاكم ببيع ماله، فإن لم يفعل-: باع عليه الحاكم، فإن كتم ماله-: حبسه وعزره؛ حتى يُظهر ماله، ولصاحب الحق ملازمته.
[ ٤ / ١٠٩ ]
قال النبيﷺ-: "لي الواجد يُحل عرضه وعقوبته" قوله: "عِرضه" يعني: يقول له: يا ظالم، يا مانع الحق، ونحوه، وأراد بالعقوبة: الحبس.
فإن ادعى تلف ماله، لم يقبل إلا ببينة، إن لم يصدقه الغرماء، ولا يحلف مع البينة، ولا يشترط أن تكون البينة من أهل الخبرة الباطنة؛ لأن هلاك المال يكون ظاهرًا يطلع عليه، وإن لم يكن له بينة له تحليف الغرماء؛ لأنهم لا يعلمون تلف ماله.
وإن ادعى الإعسار- نُظر: إن لزمه ذلك الدين يعوض من ابتياع أو استقراض-: لا
[ ٤ / ١١٥ ]
يقبل قوله إلا ببينة تقوم على هلاكه، فإن لم يكن له بينة-: له تحليف الغرماء؛ أنهم لا يعلمون تلف ماله.
وإن ادعى الإعسار- نُظر: إن لزمه ذلك الدين بعوض من ابتياع أو استقراض-: لا يقبل قوله، إلا ببينة تقوم على هلاكه، فإن لم يكن له بينة-: له تحليف الغرماء؛ أنهم لا يعلمون إعساره، وإن لزمه بغير عوض من ضمان أو أرش جناية أو صداق امرأة-: يقبل قوله؛ أنه معسر، ويحلف عليه، فإن كانت البينة على إعساره-: تسمع.
ويشترط أن تكون البينة من أهل الخبرة الباطنة؛ لأنه قد يكون له مال في الباطن ولا يعرف حاله إلا أهل الخبرة: يشهدون أنه معسر لا يملك إلا ثياب بدنه وقوت يومه، ولا يشترط أن يقولوا: هو من أهل الصدقة، ولو قالوا، لا يضر.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: لا تسمع الشهادة على الإعسار؛ لأنه شهادة على النفي.
قلنا: الشهادة على النفي، إنما لا تسمع إذا لم يغلب على الظن صدق الشهود، فإن غلب يسمع؛ كما إذا شهد أنه وارث فلان لا يعرف له وارثًا سواه، فإذا أقام البينة على الإعسار، هل يحلف مع البينة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحلف وجوبًا بعد إقامة البينة؛ كما إذا ادعى ملكًا، وأقام بينة: لا يحلف معها، ولو حلف احتياطًا استحسانًا-: يجوز، إذا قال صاحب الحق: إنه يعلم إعساري.
والثاني- وهو الأصح-: يحلف؛ لأنه يجوز أن يكون له مال في الباطن لا يطلع عليه الشهود، فإن لم يكن له بينة، ولم يحلف على إعساره أو أقام بينة، وقلنا: يحلف معها وجوبًا، فلم يحلف-: حُبِس.
وإن قلنا: لا يحلف مع البينة، أو قلنا: يحلف فحلف-: يخلَّى سبيله، وإذا خلينا سبيله-: لم يكن للغرماء ملازمته؛ لأنه لا يعامله الناس مع ملازمته الغرماء-: فلا يحصل له ما يؤدي ديونه.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: للغرماء ملازمته.
وعنه رواية أخرى: أنه بعدما أقام البينة على الإعسار أو هلاك المال-: يحبس شهرًا.
ومنهم من يقول: يحبس حتى يضجر، فيظهر مالًا إن كان له، والله يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ أمر بإنظار المعسر؛ فدل أنه لا يجوز ملازمته ولا حبسه.
وعندنا: إذا لم تقم البينة على إعساره، وحلف الغرماء أنهم لا يعلمون إعساره،
[ ٤ / ١١٦ ]
وحبسناه-: فلا غاية لحبسه أكثر من انكشاف حاله عند الحاكم، ولا يغفل عن المساءلة عن حاله في الحبس، فادعى بعد الحبس أنه قد صح عند الغرماء إعساري-: له تحليفه ثانيًا، وثالثًا، هكذا حتى يمضي زمان، وإذا خلَّى سبيله، هل ينفك الحجر عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينفكُّ عنه؛ لأنه كان سبب المال، وظهر أن لا مال له.
والثاني: لا ينفك حتى يرفعه الحاكم الذي حجر عليه، فإذا قلنا: ينفك إذا استفاد مالًا له أن يتصرف ما لم يحدث الحاكم عليه حجرًا.
فإن قلنا: لا ينفك- فليس له أن يتصرف بما يستفيد، فلو ادعى الغرماء بعدما خلى سبيله: أنه قد استفاد مالًا- سُئل-: فإن أنكر، فالقول قوله مع يمينه، وعلى الغرماء إقامة البينة.
ولو شهد شاهدان؛ أنا رأينا في يده مالًا يتصرف فيه-: أخذ ذلك الغرماء، وإن أقر بأنهم رأوا مالًا في يده أو شهد عليه الشهود، فقال: إنه لفلان أخذته مضاربة أو ادعيته-: كان لفلان إذا ادعاه، ولا حق للغرماء فيه، وإن أنكر فلان: أن يكون له-: صرف إلى الغرماء، وإن قال: هو لفلان الغائب-: وقف حتى يحضر فلان، فإن ادعاه له؛ وإلا صُرف إلى الغرماء، وهل يحبس الأبوان بدين الولد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يحبسان بشيء من ديون الولد؛ نفقة كانت أو غيرها؛ لأن الحبس عقوبة، ولا يتعاقب الوالد بالولد.
والثاني: يحبس؛ لأنه يجب عليه الأداء، ويؤمر أن يعمل، ويكتسب نفقته.
وقال أبو حنيفة: لا يحبس إلا في نفقة الولد، إن كان صغيرًا أو زمنًا.
فصلٌ في سفر المديون
إذا أراد المديون السفر- نظر: إن كان الدَّين حالًا- فلرب الدَّين منعه حتى يقضي الدين، وإن كان الدين مؤجلًا- نظر: إن كان السفر مخوفًا- لم يكن له منعه، ولا مطالبته برهن ولا كفيل، وإن لم يكن بقي من الأجل إلا قليل، ويتحقق انقضاؤه قبل عوده؛ لأنه ضيَّع حظ نفسه، حيث أجَّل، ولم يشترط رهنًا ولا كفيلًا.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كان يعلم حلول الأجل قبل رجوعه- له منعه حتى يعطيه كفيلًا، وإن كان السفر مخوفًا من جهاد أو ركوب بخر، فهل لرب الدَّين منعه؟ فيه وجهان:
أصحهما: ليس له منعه؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال.
والثاني: له منعه؛ لأن الغالب من أمر هذا السفر الهلاك؛ فيضيع حق صاحب الحق.
وقيل: في السفر المخوف: إن لم يخلف وفاء- له منعه، وإن نخلف- فوجهان.
[ ٤ / ١١٧ ]