بسم الله الرحمن الرحيم
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "أكثروا ذكر هادم اللذات" يعني: الموت.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وعن ابن عمر قال: أخذ رسول اللهﷺ- ببعض جسدي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، وعدَّ نفسك من أهل القبول".
ينبغي للعبد أن يكون مستعدًا للموت، يكثر ذكره، يخاف الله ويرجوه.
وقيل: ينبغي أن يكون خوفه في الصحة أكثر؛ ليرتدع عن المعاصي، ورجاؤه في المرض أكثر؛ ليكون حسن الظن بالله؛ لما روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول قبل موته بثلاث: "لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
وروي عن أنس؛ أن النبيﷺ- دخل على شابٍّ- وهو في الموت- فقال: "كيف تجدك؟ " فقال: أرجو الله- يا رسول الله وأخاف ذنوبي. قال رسول اللهﷺ-: "لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف".
[ ٢ / ٤٠١ ]
ويكره للإنسان أن يتمنى الموت؛ لما روي عن أنس، عن النبيﷺ- قال: "لا يتمنى أحدكم الموت من ضرٍّ أصابه، فإن كان لابدَّ فاعلًا؛ فليقل: اللهم أحييني ما دامت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي".
وعيادة المريض سنة؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "خمس تجب للمسلم على أخيه: ردُّ السلام، وتشميتُ العاطس، وعيادة المريض، وإتِّباع الجنازة، وإجابة الدَّعوة".
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وإذا عاد المريض، يستحب أن يدعو له. روي عن أنس؛ أن رسول اللهﷺ- كان إذا دخل على مريض قال: "أذهب البأس ربَّ الناس، واشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، لا شافي إلا أنت، اشف شفاءً لا يغادر سقمًا".
وإذا وجده منزولًا به لقَّنَهُ قول: لا إله إلا الله؛ [لما روي] عن أبي سعيد الخدري، عن النبي- صلى الله عليه سولم- قال: "لقنُّوا موتاكم قول: لا إله إلا الله".
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللهﷺ-: "من كان آخر كلامه لا إله غلا الله دخل الجنة".
[ ٢ / ٤٠٦ ]
ولا ينبغي أن يلح عليه حتى لا يضجر، بل يذكره بين يديه. وإذا قال مرة لا يعيد عليه ما لم يتكلم.
روي عن عبد الله بن المبارك؛ أنه لما حضره الوفاةُ، جعل رجل بين يديه يلقنه: لا إله إلا الله، ويكثر عليه. فقال له عبد الله: إذا قلت مرة، فأنا على ذلك ما لم أتكلم.
ويستحب أن يقرأ عنده سورة "يس"؛ لما روي عن معقل بن يسار قال: قال رسول اللهﷺ-: "اقرءوا يس على موتاكم".
وإذا حضرت الوفاة يحول وجهه إلى القبلة، وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة-: يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة؛ كما يوضع في اللَّحد.
والثاني: يضجع مستلقيًا، ورجلاه إلى القِبلة؛ كما يوضع على المغتسل، ويتولى أرفقهم به إغماض عينيه؛ لأن البصر يتبع الروح؛ فتبقى عينُهُ مفتوحة.
روي عن أم سلمة قالت: دخل رسول اللهﷺ- على أبي سلمة وقد شخص بصره؛ فأغمضه.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
ويشد لحيه الأسفل بعصابةٍ عريضة تأخذ جميع لحييه، ويربطها فوق رأسه حتى لا يسترخي لحيُهُ الأسفل؛ فيبقى فوه منفتحًا؛ فيكون فيه قبح منظر، وربما يدخله شيء من الهوامِّ، ويلين مفاصله؛ بأن يرد ساعده إلى عضده، ثم يمدها، ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه، ثم يمدها ويلين أصابعه؛ حتى تتباقى ليِّنة على غاسله؛ لأنه إذا برد لا يمكن تثنية مفاصله، ويخلع عنه ثيابه، فإن لم يفعل أدخل يديه في كمُّيه حتى لا يحتاج إلى تمزيقه إذا برد، ويوضع على سرير أو لوحٍ حتى لا يقصده الهوامُّ، ولا تغيره نداوةُ الأرض، ويوضع على بطنه سيف أو حديدة حتى لا تنتفخ بطنه، فإن لم تكن حديدة فقطعة طين رطب، ويسجَّى بثوب خفيف؛ لما روي عن عائشة؛ أن رسول اللهﷺ- حين توفي سجِّي ببرد حبرة.
ولا يجمع عليه أطباق الثياب حتى يسارع إليه الفساد، وتجعل أطراف الثوب الذي ستر عليه تحت رأسه ورجليه؛ لئلا ينكشف. ويبادر إلى تجهيزه وغسله ودفنه، ولا ينظر له غائب، وإذا مات فجأة ترك حتى يتيقن موته.
"بابُ غُسل الميِّت"
روي عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول اللهﷺ- حين توفِّيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتُنَّ ذلك بماءٍ وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتنَّ فأذنَّني". فلما فرغنا أذنَّاه؛ فأعطانا حقوه فقال: "أشعرنها إيَّاه".
[ ٢ / ٤٠٨ ]
غسل الميت فريضة يخاطب به كل من علم بموته، غير أنه إذا قام به البعض، سقط الفرض عن الباقين.
وكيفيته: أنه يوضع على المغتسل مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة، ويكون المغسل كالمُنحدر أسفله حتى لا يثبت عليه الماء، ويعاد تليين مفاصله، ويطرح عليه ثوب يستره من سرَّته إلى ركبتيه حتى لا يقع بصرُ الغاسل على عورته؛ لما روي عن علي؛ أن النبيﷺ- قال: "لا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميتٍ".
وعند أبي حنيفة: يلقى على فرجه خِرقةٌ، وفخذه مكشوفة، ويستر موضع غسله حتى لا يرى الميت أحد إلا غاسله، ومن لابدّ له من معونته، ويغضون أبصارهم إلا فيما لا يمكن؛ وهو أن يعرف الغاسل ما غسل وما بقي.
ويستحب أن يتخذ إناءين: إناء يغرف به من الماء المجموع في مرجل، أو إجَّانَة؛ فيصب منه في الإناء الذي يلي الميت حتى لو تطاير شيءٌ من بدن الميت لا يصيب الإناء الذي يغرف به.
ويستحب: أن يغسله بالماء البارد؛ لأنه أبقى لجسمه ولحمه، إلا أن يكون الهواء باردًا أو بالميت ما لا يزيله إلا الماء المسخَّنُ، حينئذ يغسله بالمسخن.
والغسل في القميص أولى؛ لأن النبيﷺ- غسل في قميص؛ وعند أبي حنيفة:
[ ٢ / ٤٠٩ ]
الأولى أن يجرد.
وقبل الغسل يعد خرقتين نظيفتين، والميت ملقىً على ظهره؛ فيبدأ الغاسل، فيجلسه إجلاسًا رفيقًا يجعل يده اليمنى على كتفه، وإبهامه في نُقرة قفاه، فيجعله كالمائل، ثم يمر يده اليسرى على بطنه إمرارًا بليغًا؛ ليخرج شيء إن كان، والماء يصب؛ ليخفي رائحة ما يخرج، وإحدى الخرقتين ملفوفة على يساره، فيبلغه إلى أليتيه؛ فيغسل قُبُلَهُ ودبره ومذاكيره وعانتهُ؛ كما يستنجي الحي، ولا يمس عورته بيده، ثم يلقي تلك الخرقة، ويغسل يده، ثم يلف الخرقة الأخرى على يده، فيدخل إصبعه في فيه، ويمرها على أسنانه بشيء من الماء ولا يغفر فاه، وهو كالسواك، ثم يدخل طرف إصبعه في أنفه بشيء من الماء؛ ليزيل أذى إن كان، ثم يوضئه؛ كما يتوضأ الحي ثلاثًا.
وعند أبي حنيفة: لا مضمضة فيه، ولا استنشاق، وإن كان فمه نجسًا يجب غسله، ثم يغسل رأسه ولحيته بالسِّدر والخطميِّ، ويسرح رأسه ولحيته بمشطٍ واسع الأسنان تسريحًا رفيقًا حتى لا ينتف شعره، فإن انتتف منه شيء عاده إليه.
وعند أبي حنيفة: لا يسرح.
ثم يبدأ بميامنه؛ لأن النبيﷺ- قال للاتي يغسلن ابنته: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها" فيغسل صفحة عنقه اليمنى، وصدره، وجنبه، وفخذه، وساقه، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك، ويغسل ما حوله من المكان حتى إذا حوَّله يكون المكان نظيفًا.
ثم يحرفه على جنبه الأيسر؛ فيغسل قفاه وظهره وفخذه وساقه اليمنى، وما تحته من المغتسل، ثم يحرفه على شقه الأيمن؛ فيغسل قفاه وظهره وفخذه وساقه اليسرى، ويغسل ما تحت قدميه، وما بين فخذيه. وهذا كله؛ لئلا يكبَّه على وجهه.
[ ٢ / ٤١٠ ]
ويستحب: ألا يمس بدنه إلا بخِرقة؛ فإنه روي أن عليًا﵁- غسَّل رسول اللهﷺ- وبيده خِرقة يتبع بها تحت القميص.
ثم يصُبُّ على جميعه الماء القراح، ويستحب أن يجعل فيه كافورًا، فإن حصل النقاءُ بغسلة واحدة فاقتصر عليه، جاز.
ويستحب: أن يغسله ثلاثًا، وإن لم يحصل النقاء بواحدة، عليه أن يزيد حتى يحصل النقاء. ثم إن حصل بشفع، يستحب أن يختم بالوَتْرِ، والغسل بالسدر والخطمي لا يكون محسوبًا من الثلاث، ولا الذي يزيل به السِّدر، إنما المحتسب ما يصب عليه من الماء القراح، فيغسله بعد زوال السدر ثلاثًا.
وإن كان على بدنه نجاسةٌ، فيغسله بعد زوال النجاسة ثلاثًا، فإن لم يتغير الماء بالسدر والخطمي، يحسب ذلك من الثلاث، ويجعل في كل ماء قراح كافورًا، فإن لم يفعل ففي الأخيرة.
وقال أبو حنيفة: يغسل مرة واحدة بالماء القراح، وأخرى بالسدر، وثلاثًا بالماء القراح، ولا أعرف الكافور.
ويستحب أن يدخل بين أظافيره عودًا ليِّنًا. يخرج ما فيها من النُّفِّ، ويتبع أذنيه؛ فيخرج ما فيها من الأف، ويمسح بطنه في كل مرة بأرفق من الأولى، ويقعده في آخر الغسلات، فإن خرج منه شيء أنقاه.
قال الشافعي؛ وإعادة غسله اختلفوا فيه: فمنهم من قال: يعيد الغسلات؛ لأنه ظهر الحدث، وقرئ بضم الغين. ومنهم من قال: يغسل ذلك المحل؛ وبه قال أبو حنيفة، وقرئ بنصب الغين. قيل: يعاد الوضوء، فالحي يحدث.
ويتفرع عليه: لو مسَّ رجل امرأة بعد ما غسلت إن قلنا: بخروج الخارج يجب إعادة الغسل أو الوضوء؛ فها هنا كذلك. وإن قلنا: لا يجب إلا غسل ذلك المحل؛ فها هنا لا يجب شيء.
ولو وطئت بعد الغسل إن قلنا: هناك يجب إعادة الغسل والوضوء؛ فها هنا يجب
[ ٢ / ٤١١ ]
إعادة الغسل. وإن قلنا: هناك يجب غسل المحل؛ فها هنا لا يجب شيء. ولا خلاف أنه يجب على الفاعل الغسل. والمرأة في غُسلها كالرجل ويجعل شعرها ثلاثة قرون، ويفتل ضفيرة فيلقي خلفها؛ لما روي عن أم عطية قالت: توفيت إحدى بنات النبيﷺ- فضفرنا شعرها ثلاثة قرون؛ فألقيناها خلفها.
وعند أبي حنيفة: يجعل شعرها ضفيرتان يلقيان على صدرها.
وهل تجب النية في غسل الميت؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه غسل واجب؛ كغسل الجنابة.
والثاني: لا يجب؛ لأن النية تكون على المغتسل، وهو ليس من أهلها.
وفائدته: تتبين فيما لو وجد ميت في ماء، هل يجب غسله؟ إن شرطنا النية يجب، وإلا فلا؛ ولأن الغسل قد حصل.
وهل يجوز غسل الكافر المسلم؟ إن قلنا: النية شرط لا يجوز، وإلا فيجوز. وهذا أصح؛ لأن الشافعي نص على أنه يكره للذمية غسل زوجها المسلم، ويجوز.
ثم بعد الفراغ من غسل الميت ينشفُّ أعضاؤه بخرقة حتى لا يبتلَّ الكفنُ؛ فيتسارع إليه البلى. وهل تقلم أظافير الميت؟ وهل يؤخذ شعر إبطه، وعانته؟ وهل يقص شارب الرجل؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى، كما يتنظَّف الحي بهذه الأشياء.
والثاني: لا يؤخذ، ويكره لو فعل. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره المزني؛ لأنها تصير إلى البلى. ولا يحلق شعر رأسه. لأن أخذه غير مشروع في غير المناسك.
ولا يختنُ الميت، ويستحب أن يكون عند غسل الميت مجمرٌ طيب لا ينقطع، إلى أن يفرغ من غسله حتى يغلب ريحه رائحة ما يخرج منه. وإذا رأى الغاسل من الميت شيئًا لا يتحدث به؛ لما عليه من ستر أخيه، وقد يحدث بالميت سوادٌ لغلبة الدم، والتواءُ عنق لتشنج أصابه. فإذا تحدث به، أساء الناس فيه الظن.
وإن كان الميت مُحرمًا لا ينقطع حكم إحرامه بالموت؛ فلا يجوز أن يحنَّط ويطيب، ولا أن يلبس المخيط، ولا يستر رأسه. وإن كانت امرأة لا يُستر وجهها، ولا يؤخذ شعره وظفره؛ وهو قول عثمان وعلي وابن عباس. وعند أبي حنيفة: هو كسائر الموتى؛ وهو قول ابن عمر.
[ ٢ / ٤١٢ ]
والدليل على ما قلنا: ما روي عن ابن عباس؛ أن رجلًا كان مع النبيﷺ- فوقصته ناقته وهو محرم؛ فمات. فقال رسول اللهﷺ-: "اغسلوه بماء وسدرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبِّيًا".
أما التجمير عند غسله: فلا يمنع منه؛ كما لا يحرم على المحرم الجلوس عند العطَّار.
وإذا ماتت المعتدة الحادة، هل يجوز تطييبها؟ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه كان حرامًا عليها في الحياة؛ كالمحرم.
والثاني: يجوز؛ لأن التحريم في حال الحياة كان لإظهار التفجُّع على فراق الزوج، وقد زال ذلك؛ بخلاف المحرم؛ فإنالتحريم في حقه كان لحقِّ الله تعالى؛ وذلك لا يزول.
فصلٌ: فيمن يغسِّل الميت
قال الشافعي: أولاهم بغسله أولاهم بالصلاة عليه.
وهذا إذا كان الميت رجلًا، وله عصباتٌ من القرابة؛ فترتيبهم في غسله كترتيبهم في الصلاة عليه؛ حتى أن الأب أولى من الابن، والابن أولى من الأخ، وإن كان الميت امرأة فلا. فإن الزوج أولى بغسلها من الأب؛ لأنه ينظر إلى ما لا ينظر إليه الأب، [والأب] والقريب أولى بالصلاة عليها؛ لأن الصلاة للدعاء ودعاء الأب والقريب أرجى لأنه أشفق، وكذلك الخال أولى بالغسل من ابن العم؛ لأنه محرم وابن العم أولى بالصلاة عليها. وترتيب نساء القرابة في غسل المرأة هو أن أولاهنَّ ذات رحم محرم، ثم ذات رحم غير محرم. تقدم
[ ٢ / ٤١٣ ]
منهن الأقرب فالأقرب حتى أن العمة أولى من بنت العم: فإن اجتمعتا في المحرمية؛ فمن كانت في محل العصوبة لو كانت ذكرًا كانت أولى؛ حتى أن العمة أولى من الخالة؛ لأنها، اجتمعتا في المحرميَّة، والعمة في محل العصوبة لو كانت ذكرًا.
ونساء القرابة أولى بغسل الميت من نساء الأجانب، ونساء الأجانب أولى من رجال القرابة، ورجال القرابة أولى من رجال الأجانب؛ حتى يجوز للأب والأخ [وابن الأخ] والعم غسلها إذا لم تكن امرأة. وكذلك في حق الرجل رجال القرابة أولى بغسله من رجال الأجانب، ورجال الأجانب أولى من نساء القرابة، ونساء القرابة أولى من النساء الأجانب. ويجوز لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه بعد الموت.
قالت عائشة﵂-: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول اللهﷺ- إلا نساؤه.
وغسلت أسماء زوجها أبا بكر، وغسل عليُّ امرأته فاطمة بنت رسول اللهﷺ-.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للزوج غسل زوجته، ويجوز للزوجة غسل زوجها ثم إلى متى تغسل المرأة زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما لم تنقض عدَّتُها.
والثاني: ما لم تنكح.
والثالث: أبدًا، وإن نكحت.
[ ٢ / ٤١٤ ]
وهل يقدم الزوج على نساء الأقارب في غسل المرأة؟ وكذلك المرأة هل تقدَّم على رجال الأقارب في غسل الزوج؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقدم؛ لأن أحد الزوجين يرى من الآخر ما لا يراه غيره من الأقارب.
والثاني: الرجل أولى بغسل الرجل من المرأة، وإن كان من الأجانب، والمرأة أولى بغسل المرأة من الزوج وإن كانت أجنبية.
وإذا غسل أحد الزوجين صاحبه يلف خرقة على يده. وكان القاضي﵀- يقول: وإن مسَّ بيده يصح الغسل، ولا يبنى على القولين في انتقاض طُهر الملموس؛ لأن الشرع أذَّن له، أما وضوء اللامس ينتقض.
ويجوز للمسلم غسل زوجته الذِّمية إن شاء، وهل تغسل الذمية زوجها المسلم؟ فعلى وجهين؛ بناءً على اشتراط النية في الغسل وإذا طلق. امرأته طلاقًا رجعيًا، ثم مات أحدهما في العدة لا يجوز للآخر غسله لمسه؛ لأن لمسها، والنظر إليها كان حرامًا في حال الحياة.
ويجوز للسيد غسل أمته، ومدبرته وأم ولده، ومكاتبته؛ لأن الكتابة ترتفع بموتها، فإن كانت الأمة مزوجة أو معتدة؛ فلا يجوز له غسلها، ولا يجوز للمكاتبة ولا المزوجة ولا المستبرأة ولا المعتدة غسل سيدها: وهل يجوز للأمة، والمدبرة، وأم الولد غسل السيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كالمرأة تغسل زوجها.
والثاني: وهو الأظهر لا يجوز؛ لأن حكم ملكه انقطع بالموت؛ فعتقت المدبرة وأم الولد، وصارت الأمة للوارث، بخلاف الزوجة؛ فإن حقوقها لا تنقطع بالموت، ولذلك يتوارثان. والخنثى المشكل البالغ إذا مات. من أصحابنا من قال: يشتري جارية من ماله حتى تغسله، فإن لم يكن له مال تُشترى من بيت المال.
وقال الشيخ أبو زيد وهو الأصح: يجوز غسله للرجال والنساء جميعًا؛ استدامة لحال الصِّغر؛ فإن في صغره لو احتيج إلى غسله حيًا أو ميتًا جاز غسله للرجال والنساء.
وقيل: يغسله من يغسل المرأة في قميص.
وقال أبو حنيفة: لا يغسله أحد، بل يُيَمَّمُ، ويدفن.
[ ٢ / ٤١٥ ]
ولو مات رجل؛ وليس هنا من يغسله إلا امرأة أجنبية، أو ماتت امرأة؛ وليس هناك إلا رجل أجنبي ففيه وجهان:
أحدهما: ييمم، ويدفن.
والثاني: يلف خرقة على يده، ويغسله في قميصه، ويغُضُّ طرفه ما أمكن. فإن لم يمكن إلا بالنظر يجوز؛ لأنه موضع ضرورة؛ كما يحل النظر إلى بدنها للمعالجة إذا كان بها علة.
وإذا مات مسلم فالمسلم الأجنبي أولى بغسله من أقاربه الكفار، وإن جوزنا للكافر غسل المسلم وإن مات مشرك؛ فأقاربه الكفار أولى بغسله من المسلمين، ولو غسله مسلم يجوز؛ فإن النبيﷺ- أمر عليًّا بغسل أبيه أبي طالب. ويجوز إتباع جنازته ودفنه، ولكن لا يصلى عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
وإذا مات ذمي، وليس له قريب يتولى أمره- لا يجب على المسلمين غسله، وهل يجب تكفينه ودفنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما يكسوه في حياته، ويطعمه.
والثاني: لا يجب.
والحربي لا يجب تكفينه؛ لأن النبيﷺ- أمر بإلقاء قتلى بدر في القليب. وهل يجب مواراته؟ وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن النبيﷺ- فعله.
والثاني: لا يجب؛ بل يجوز إغراء الكلاب عليه وكذلك المرتد. فإن تأذَّى به الناس يورى.
[ ٢ / ٤١٦ ]
بابُ الكفن
روي عن عائشة؛ أن رسول اللهﷺ- كفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
تكفين الميت واجب، والسُّنة أن يكفن الرجل في ثلاث أثواب بيض رباط، ليس فيها قميص ولا عمامة. واختلفوا في هذه اللفائف: قيل: كلها مستوية في الطول والعرض، يأخذ كل واحد جميع بدنه. وقيل: وهي متفاوتة فالأسفل إزارٌ يأخذ ما بين سرته وركبته، والثاني أكبر يأخذ من عنقه إلى كعبه، والثالث أوسع يستر جميع بدنه؛ ولو زيد قميص وعمامة لم يكره، ونجعلهما تحت الثياب، والزيادة على الخمس مكروهة.
والمرأة تكفَّن في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وثلاثة لفائف. وهل يسنُّ لها القميص؟ فيه قولان:
فإن قلنا: بقميص، فهو بدل أحد اللفائف، ولا يزاد على الخمس؛ فهي: إزار، وخمار، ودرعٌ، ولفافتان.
والخُنثى المشكل كالمرأة، والثوب الغسيل أحب إلينا من الجديد. قال الصديق﵁-: "الحي أحوج إلى الجديد من الميت". وما روي عن جابر؛ أن النبيﷺ- قال: "إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" أراد به: حُسن المنظر، لا الثمين؛ فإن المغالاة في الكفن مكروهة.
[ ٢ / ٤١٧ ]
روي عن علي؛ أن النبيﷺ- قال: "لا تغالوا في الكفن: فإنه يسلب سلبًا سريعًا".
والأبيض أحبُّ إلينا من المصبوغ في حق الرجال والنساء جميعًا؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبيﷺ- قال: [إن] من خير ثيابكم البيض؛ فليلبسها أحياؤكم، وكفِّنوا فيها موتاكم".
ولا يجوز تكفين الرجال في الديباج، ويجوز تكفين النساء فيه، غير أن القطن أحبُّ إلينا. والفرض من الكفن ثوبٌ سابغٌ يستر جميع بدن الميت. والمستحب أن يجمَّر الكفن بالعود، إلا أن يكون الميت مُحرمًا، والعود أحب إلينا من المسك وغيره المرَّاة وهو النَّي أولى، والمسك جائز.
ثم يبسط أحسن الثياب وأوسعها، ثم الثانية فوقها، ثم الثالثة التي تلي الميت؛ لأن الحي يظهر أحسن ثيابه. ويذر فيما بين الأكفان والميت الحنوط والكافور، ثم يوضع الميت فوق العليا منها مستلقيًا، ثم يأخذ شيئًا من قطن منزوع الحب؛ فيجعل فيه الحنوط والكافور. فيدخل فيما بين أليتيه إدخالًا بليغًا؛ ليرد شيئًا إن جاء منه عند التحريك. فقد قيل: يدخل في صرمِهِ؛ لأن مجرد الإلصاق بالصَّرم لا يمنع خروج الخارج، إنما يمنعه الإدخال. ولا يكره ذلك؛ لما فيه من المصلحة. وقيل: يكره الإدخال، بل يفضي إليه، ثم يجعل تحتها شيئًا كالسُّفرة يضم أليتيه، ثم يأخذ خرقة مشقوقة الطرفين تأخذ أليتيه وعانته؛ فيشدها عليه فوق السفرة كالتُّبَّان الواسع، ثم نأخذ شيئًا من قطن؛ فيجعل عليه حنوطًا، أو
[ ٢ / ٤١٨ ]
كافورًا؛ فيضعه على منافذه من العين والأذن والفم والمنخر والجروح النافذة. ويجعل الطيب على مساجده وهي الأعضاء السبعة إلزامًا، ويحنط رأسه ولحيته بالكافور، ويوضع الميت على الكفن؛ بحيث ما يفضل من الثوب الأعلى يكون عند رأسه أكثر مما عند رجليه؛ فإن الحي يجعل فضل ثيابه على رأسه، وهي العمامة، ثم الثوب الذي يلي الميت تثنى ضفَّته التي تلي شقَّه الأيسر على شقه الأيمن، والتي تلي الأيمن على الأيسر، والثانية كذلك، ثم الثالثة؛ كما يشتمل الحي بالقباء، وما فضل عند رأسه جمعه جمع العمامة، ثم يرد على وجهه، وما فضل عند قدميه رده على ظهور قدميه إلى حيث يبلغ.
وإن خيف من انتشار الأكفان عند الحمل يشدُّ عليه ثم يحلُّ إذا وضع في القبر.
وكفن الميت يكون من رأس تركته، وكذلك الحنوط ومؤنة الدفن مقدمة على الديون والوصايا والميراث؛ كما أن كفاية الحي تكون مقدمة على ديونه، إلا أن يكون عليه زكاة، والمال الذي وجب فيه الزكاة قائم؛ فالزكاة مقدَّمة على الكفن والقبر؛ لأن ذلك [القدْر] تعلق به حقُّ المساكين؛ فيجعل كالمعدوم؛ كما لو كان المال مرهونًا، أو كان عبدًا جانيًا لا يباعُ الرَّهنُ، ولا العبد الجاني في الكفن.
ويكفن في ثلاثة أثواب من تركته إن لم يكن عليه دينٌ يستغرق التركة.
فإن قال بعض الورثة: لا نكفنه إلا في ثوب واحد؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه الواجب.
والثاني: وهو الأصح-: يكفن في ثلاثة أثواب؛ لأنها الكفن المسنون.
فإن اتفقوا على ثوب واحد جاز، وإن اختلفوا في الغلظ والرِّقَّة يراعي حال الميت فيما كان يلبس. ولو لم يترك إلا ثوبًا واحدًا، كُفِّن فيه، ولا يجب على من هو في نفقته، ولا على المسلمين أن يتموه ثلاثًا.
وإن كان عليه دينٌ يستغرق التركة؛ فقال الغرماء: لا نكفِّنُه إلا في ثوب واحد- ففيه وجهان:
أحدهما: يكفن في ثلاثة أثواب؛ كالحي المُفلس لا يباع عليه ثوب يحمله.
والثاني: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه لا يحتاج إلى التقلُّب؛ بخلاف الحي.
[ ٢ / ٤١٩ ]
فإن مات- ولا مال له- نظر إن كان في نفقة الغير فعلى المنفق عليه كفنه ومؤنة دفنه، حتى يجب كفن أم الولد والمكاتب على سيده، وإن لم يكن في نفقة الغير فكفنه في بيت المال. هل يكتفي بثوب واحد، أم يكفن في ثلاثة أثواب؟ فيه وجهان.
فإن لم يكن في بيت المال مال، فعلى عامة المسلمين كفنُه، ومؤنة دفنه، ولا يجب إلا ثوب واحدي ستر جميع بدنه. وإن لم يكن له إلا ثوب قصير لا يعم البدن غُطِّي به رأسه؛ لما روي عن خباب بن الأرت قال: قتل مصعب بن عمير يوم "أحد"، فلم نجد شيئًا نكفنه فيه إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه. فقال رسول اللهﷺ-: "غطُّوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر".
بابُ الشهيد ومن يصلَّى عليه ويغسَّل
روي عن جابر، وعن أنس؛ أن رسول اللهﷺ- لم يصلِّ على قتلى أحد، ولم يغسِّلهم.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
فالمقتول من المسلمين في قتال أهل الشرك شهيد لا يغسل، ولا يصلَّى عليه؛ سواء قتله مشرك، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد عليه سلاحه أو سهمه الذي رماه إلى الكفار، أو رمحته دابته، أو تردَّى في وهدة، أو سقط عن دابته، أو عدت عليه دابة، أو لم يعرف سبب موته؛ رجلًا كان أو امرأة، حرًا كان أو عبدًا، صبيًا كان أو بالغًا؛ لأن القتل قد طهره؛ فلا حاجة [به] إلى غسل ابن آدم.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل الشهيد، ولكن يصلى عليه، وإن كان صبيًا فهو كسائر الموتى عنده.
ولو جرح في الحرب، فانكشف الحرب، وبه رمقٌ- فمات فهو كالمقتول في المعترك. ولو عاش بعد تقضِّي الحرب أيامًا، ثم مات- ففيه قولان؛ سواء طعِمَ أو لم يطعم، تكلم أو لم يتكلم:
أحدهما: هو كالمقتول في المعترك؛ لأنه مات بجرح وجد فيه.
والثاني: يغسل ويصلى عليه؛ لأنه عاش بعد انقضاء الحرب؛ كما لو مات بسبب آخر.
وقال أبو حنيفة: إن طَعِمَ أو تكلم أو صلى فيه، فهو كسائر الموتى.
[ ٢ / ٤٢١ ]
وخرج أصحابنا على هذا لو دخل مشرك، أو أكثر دار الإسلام سارقًا، فقتلوا مسلمًا هل يغسل؟ وهل يصلى عليه؟ فعلى جوابين.
ولو استشهد جُنُب: ففيه وجهان:
أصحهما: لا يغسل؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ فإن حنظلة بن راهب قتل يوم "أحد" وهو جُنُب فلم يغسله النبيﷺ- وقال: "رأيتُ الملائكة يغسِّلونه".
والثاني: وبه قال أبو حنيفة-: يغسل؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل يجب بالموت؛ كما أنه لا يغسل عنه نجاسة حصلت بالقتل.
وإن أصابته نجاسة من موضع آخر يغسل. وينزع من الشهيد الخِفاف والفراء والجلود، وما ليس من عام لباس الناس، ويدفن في قميصه وخرقة بدمائه.
روي عن ابن عباس قال: أمر رسول اللهﷺ- بقتلى "أُحد" ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم.
ولو أراد أهل الشهيد تكفينه، لم يمنعوا من ذلك، وإن أرادوا غسله؛ منعوا منه، وإن أرادوا الصلاة عليه هل يمنعون؟ فيه وجهان.
أما من مات في المعترك فجأة أو بمرض، أو قتله مسلم عمدًا، أو كان يرمي إلى صيد؛ فأصابه- فهو كسائر الموتى؛ كما لو قتل في غير المعترك عمدًا أو خطأ.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
والباغي إذا قتله العادل يغسل، ويصلى عليه؛ لأنه ظالم مقتول.
وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه؛ عقوبة له.
أما العادل إذا قتله الباغي؛ ففيه قولان:
أحدهما: لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ كالمقتول في معترك الكفار، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: هو كسائر الموتى؛ لأنه قتيل مسلم؛ كقاطع الطريق إذا قتل واحدًا من أهل الرفقة، ومن قصد إلى حريم رجل وقتله يغسل ويصلى عليه.
ومن قال بالأول أجاب: بأن قتال أهل العدل مع أهل البغي على تأويل الدين، بخلاف قاطع الطريق. وقيل: من قتله قاطع الطريق؛ كمن قتله الباغي من أهل العدل.
وقال أبو حنيفة: من قتل ظلمًا بماله فهو شهيد.
وسوى المقتول شهيدًا في هذه الأمة في ثواب الآخرة- جاء به الحديث؛ كالمبطون، والغريق، والمطعون، وصاحب الهدم، والحريق، والمرأة تموت في الطَّلق ولكنهم في حكم الطنيا كسائر الموتى في أنهم يغسَّلون، ويصلى عليهم.
"فصلٌ: في مسائل متفرِّقة"
إذا ألقت المرأة علقة أو مُضغة لم يظهر فيها شيءٌ من خلق الآدميين، فليس لها غسل، ولا تكفين، ويُوارى؛ كما يوارى دمُ الرجل إذا افتصد أو احتجم.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وإن أسقطت سُقطًا، نظر: إن استهل، ثم مات، غسل وكفن وصلى عليه؛ كسائر الموتى وإن لم يستهل، نظر: إن تحرك غسل وكفن. وهل يصلى عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يصلى عليه، كما يغسَّل.
والثاني: لا يصلى عليه؛ لأن الصلاة تكون على من فارقه الروح، ولا يعلم ذلك؛ لأن الحركة لا تدل على الحياة والغسل لخروجه عن مجامع اللَّوث.
وإن لم يتحرك كفن في خرقة، ولا يصلى عليه، وهل يغسل؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يغسل؛ كما لا يصلى عليه.
والثاني: يغسل لخروجه عن محل اللَّوث، وإن ماتت امرأة في بطنها جنين حي يتحرك، هل يشق بطنها؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لما روي عن عائشة؛ أن رسول اللهﷺ- قال: كسرُ عظمِ الميِّت ككسره حيًا".
والثاني: نشق؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأن نالحيَّ تبقى حياته بلحم الآدمي الميت.
فإن قلنا: لا يشق، فلا تدفن ما لم تسكن الحركة.
ولو ابتلع دُرَّة لإنسان ومات شق بطه وردت، وقيل: لا تُشَقُّ ويعطي القيمة من تركته. والأول أصح وإن كانت الدُّرَّة له، ففيه وجهان:
أحدهما: يشق بطنه؛ لأنها صارت للورثة.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يشق؛ لأنه أتلفها في حياته؛ كالطعام أكله.
ولو وجد عضوًا من أعضاء ميت يغسل، ويصلى عليه، ويكفن، ويدفن إذا علم أن صاحبه ميت؛ صلى عمر﵁- على عظام بـ "الشام"، وصلت الصحابة على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ألقاها طائر بـ "مكة" من وقعة "الجمل".
وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه ما لم يكن أكثر من النصف، أو يكون الرأس معه.
ولو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين صلى عليهم، وقصد المسلمين بالنيَّة، ولو صلى عليهم واحدًا واحدًا، ونوى الصلاة عليه إن كان مسلمًا- جاز، ويقول: اللهم اغفر له إن كان مسلمًا.
وعند أبي حنيفة: لا يصلى عليهم، إلا أن يكون أكثرهم مسلمين.
"باب حمل الجنازة"
روي عن رسول اللهﷺ- أنه حمل جنازة سعد بن معاذٍ بين العمودين.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
المستحب حمل الجنازة من الجوانب الأربعة، وهو أن يبدأ بياسرة السرير المقدَّمة؛ لأن فيها يمين الميت؛ فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يتقدم أمامها معترضًا بين يديها؛ فيضع يامنةِ السرير المقدَّم على عاتقه الأيسر، ثم يصير إلى يامنة المؤخرة؛ فيضعها على عاتقه الأيسر. وإنما قلنا: يصير من ياسرة المؤخَّرة إلى يامنة المقدمة معترضًا بين يديها حتى لا يكون ماشيًا خلف الجنازة؛ ولأن البداية برأس الميِّت أولى. فإن كثر الناس ولم يمكن الحملُ من الجوانب حمل بين العمودين؛ كما جاء في السُّنَّة؛ وهو أن يجعل الخشبة المعترضة بين العمودين من مقدمة الجنازة على كاهله، ثم إن قوي على أخذ العمودين بيديه فعل؛ فيحصل الحمل بثلاثة، وإن لم يمكنه حصل الحملُ بخمسة، ولا يتصوَّر الحمل بين العمودين من مؤخر الجنازة. وذهب: بعضنا إلى أن الحمل بين العمودين أفضل. وعند أبي حنيفة: الحملُ بين العمودين بدعةٌ.
والمشي أمام الجنازة أفضلُ من المشي خلفها؛ لما روى سالم، عن أبيه؛ أن النبيﷺ- وأبا بكر وعُمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل؛ وهو قول علي ﵁. وقال أحمد: إن كان ماشيًا يمشي أمامها، وإن كان راكبًا فخلفها. ويعني: بالمشي أمامها: أن يمشي قريبًا منها؛ بحيث لو التفت رأى الجنازة، لا أن يتقدم؛ فيقعد بالمصلَّى ينتظر حضورها.
فإن سبق إلى المقبرة فهو بالخيار؛ إن شاء قام حتى تُوضع الجنازة وإن شاء قعد؛ لما روي عن علي ﵁ قال: رسول اللهﷺ- مع الجنازة حتى توضع، وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود.
والمشي بالجنازة: الإسراع، وهو فوق سجيَّة المشي دون الخبب، والرَّمل في الطواف. والخبب: دون شدة السعي، وبين الصفا والمروة: السعي الشديد في خلال الطريق.
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة؛ فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك؛ فشرٌّ تضعونه عن رقابكم".
[ ٢ / ٤٢٧ ]
والسُّنَّة: ألا يركب؛ لما روي؛ أن النبيﷺ- ما ركب في عيد ولا جنازة.
فإن ركب في الانصراف، فلا بأس.
روي عن جابر بن سمرة، قال: أُتِيَ النبيﷺ- بفرسٍ معروف؛ فركبه حين انصرف من جنازة أبي الدحداح، ونحن نمشي حوله.
ويكره أن تتبع الجنازة بنارٍ ونائحةٍ. قال عمرو بن العاص: إذا أنا مِتُّ فلا تصحبني نائحة ولا نار. ومثله عن أبي موسى.
بابُ الصلاة على الميت ومن أولى بها
الصلاة على الميِّت فرض على الكفاية، وفي العدد الذي يسقط بهم الفرض أوجه:
أحدها: يسقط برجُل واحد؛ حرًا كان أو عبدًا؛ لأن الجماعة ليست بشرط فيها، ولو شرط العدد لشرط الجماعة؛ كالجمعة.
والثاني: يسقط برجلين؛ لأن الاثنين أقلُّ الجمع.
والثالث: بثلاثة: لأنها الجمع المطلق.
والرابع: بأربعة عدد حملة الجنازة، وليس الشرط أن يصلوا جماعة، فلو صلوا فرادى جاز ولو صلى عليه جماعةٌ من النساء لا يسقط بهن الفرض، ولو صلى جماعة من المراهقين فيه وجهان:
أحدهما: لا يسقط به الفرض؛ كالنساء.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
والثاني: نص عليه: يسقط به الفرض؛ لأن المراهق يصلح إمامًا؛ حتى قال: القريب المراهق أولى بالصلاة على الميت من الأجنبي البالغ.
ولو أمَّ صبي في صلاة الجنازة يجوز، ولو صلَّت جماعة من النساء على جنازة جاز؟ ويصلين فرادى؛ لأن النساء لا تسنَّ لهن الجماعة في الصلاة على الميت، فإن صلين جماعة؛ فلا بأس؟ ويقف إمامهن وسطهن، وإن كان الفرض لا يسقط بهن.
وإن بان حدث الإمام، أو بعض المأمومين بعد الصلاة؛ فالفرض ساقطٌ إذا بقي من المتطهرين قدرُ الكفاية.
والوليُّ أولى بالصلاة من الوالي؛ لأن هذا من قضاء حقِّ الميت؛ كالتَّكفين والدفن، ولأنها من الأمور الخاصة؛ فالولي فيه أولى من الوالي؛ كولاية التزويج.
وقال أبو حنيفة: الوالي أولى، ثم إمام المسجد أولى، ثم الولي. وهو قول الشافعي في القديم. وأولى الأولياء الأب، ثم الجد أب الأب وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل. وإنما قدَّمنا الأب على الابن؛ لأن المقصود منه الدُّعاء، وشفقة الأب أكثر؛ فيكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب. وقيل: فيه قولان؛ كما في ولاية النكاح:
أحدهما: الأخ للأب والأم أولى.
والثاني: هما سواء. والأصح هو الأول؛ أن الأخ للأب والأم أولى قولًا واحدًا؛ لأن قرابة الأم تثبت لهم ولاية الصلاة على الميت في الجملة؛ فيرجح بها، ولا يثبت بها ولاية النكاح؛ فلم يثبت بها الترجيح.
ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب، ثم العم للأب ثم ابن العم للأب والأم، على هذا الترتيب، ثم عمُّ الأب، ثم عم الجد؛ على ترتيب عصبات الميراث.
وإذا اجتمع وليان في درجة واحدة فالأسنُّ أولى من الأفقه والأقرأ إذا كان يحسن الصلاة؛ لأن دعاءه أقرب إلى الإجابة، فإن لم يكن الأسن محمودًا فالأفقه أولى، فإن استويا يقرع بينهما، فإن كان أحدهما رقيقًا فالحر أولى، والعبد المكاتب القريب أولى من الأجنبي الحر. وإن كانا قريبين- والرقيق أقرب- ففيه وجهان:
[ ٢ / ٤٢٩ ]
أحدهما: الحر أولى، لأنه من أهل الولاية، كما لو استويا في الدرجة، كان الحر أولى.
والثاني: العبد القريب أولى؛ لأن مبناها على الشفقة، والرِّق لا ينافيها؛ كما كان أولى من الأجنبي الحر.
فإن لم يكن أحدٌ منا لعصبات، فأب الأم أولى من الأخ للأم، ثم الخال، ثم العم للأم.
"فصلٌ: في وقت الصلاة على الميت ودفنه والترتيب بين الجنازات"
تجوز الصلاة على الميت ودفنه في أي وقت كان من ليل أو نهار، وفي الأوقات التي نهى عن صلاة التطوُّع فيها، ولا يكره.
وقال أبو حنيفة: يكره في الأوقات المنهية الصلاة دون الدفن.
وقال الحسن: يكرهان جميعًا.
ولا تحسب الصلاة قبل غسل الميت، ويُكره قبل أن يكفن، ويجوز.
والسُّنة: أن يصلى على الميت جماعةٌ، كذلك كان [يصلي] النبي- صلىلله عليه وسلم-. ويجوز فرادى؛ لأن النبيﷺ- مات؛ فصلى الناس عليه فوجًا فوجًا.
وإذا اجتمعت جنائز، يجوز أني صلى عليهم دفعة واحدة. وكيف يوضع؟ نظر إن كانوا من جنس واحد؛ بأن كانوا جميعًا رجالًا أو نساءً ففيه وجهان:
أصحهما: يوضع بعضها خلف بعض، ويقدم الإمام أفضلهم.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: يوضع صفًا واحدًا رأس كل واحد على رجل الآخر، ويقف الإمام في مقابلة الآخر حتى تكون الجنائز على يمينه.
وإن كانوا أجناسًا؛ مثل أن اجتمعت جنازة رجل وامرأة، وصبي وخنثى- يوضع بعضها خلف بعض؛ يقرب الرجل من الإمام، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة.
روى عمار بن أبي عمار؛ أن زيد بن عمر بن الخطاب وأمه؛ أم كلثوم بنت علي
[ ٢ / ٤٣٠ ]
ماتا؛ فصلى عليهما سعيد بن العاص؛ فجعل زيدًا مما يلي الإمام، وأمه مما يلي القِبلة. وفي القوم الحسن، والحسين، وأبو هريرة، وابن عمر، ونحو من ثمانين من أصحاب محمد ﷺ.
[ ٢ / ٤٣١ ]
وإن اجتمعت جنازة من الخناثى يوضع صفًا واحدًا؛ رأس كل واحد عند رجل الآخر، حتى لا تتقدم المرأة على الرجل.
ولو وضعت جنازة امرأة، ثم حضرت جنازة رجل أو صبي- ننحِّي جنازة المرأة، وتوضع جنمازة الرَّجل أو الصبي بين يدي الإمام، وولي المرأة أولى بالصلاة، لسبقها.
ولو وضعت جنازة صبي، ثم حضرت جنازة رجل- يوضع خلف الصبي، ولا نُنَحِّي جنازة الصبي؛ لأن الصبي يقف في صف الرجال، والمرأة تتأخر.
ولو وضعت جنازة رجل، ثم حضرت جنازة خنثيين يوضعان خلف الرجل؛ صفًا واحدًا.
ولو افتتح الإمام الصلاة على الجنازة، ثم حضرت أخرى- توضع حتى يفرغ الإمام، فيبتدئ الصلاة على الأخرى.
وإذا اجتمعت جنائز وأولياء، فولى السابق أولى بالصلاة عليهم؛ سواء كان السابق رجلًا أو امرأة أو صبيًا. وإن حضروا معًا، أقرع [الإمام] بينهم، وإن لم يرض كل ولي بغيره، صلى كل واحد على ميته.
والسُّنة: أن يقف الإمام في صلاة الجنازة عند [رأس الرجل، وعجيزة المرأة؛ ليكون أستر عن أعين الناس. وقيل: عند].
صدر الرجل، وعجيزة المرأة وهو قول أحمد.
روي عن سمرة، قال: صليت وراء النبيﷺ- على امرأة ماتت في نفاسها؛ فقام وسطها.
وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الميت؛ رجلًا كان أو امرأة.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
ولا يكره إدخال الميت المسجد؛ للصلاة عليه.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره.
والدليل على ما قلنا: ما روي عن عائشة، قالت: صلى رسول اللهﷺ- على سهيل ابن البيضاء في المسجد.
وتجوز الصلاة على الميت الغائب بالنية؛ سواء كان على سمت القبلة، أو لم يكن، والمصلي يستقبل القبلة وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
والدليل على جوازه: ما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى؛ فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وإن كانت الجنازة معه في البلد، فهل يجوز أن يصلّى عليها غير موضوعة بين يديه، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما لو كان غائبًا.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يمكنه حضورها.
أما إذا كانت الجنازة حاضرة؛ فوقف المصلي قدامها، وجعلها خلف ظهره- فلا يجوز؛ كما لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الإمام.
ولو اقتدى بإمام يصلي على حاضر، ونوى هو الصلاة على غائب- يجوز؛ لأن اختلاف نية الإمام والمأموم لا يمنع صحة الصلاة.
ويكره نعيُ الميت للناس، والنداء عليه للصلاة. قال حذيفة: إذا متُّ فلا تؤذنوا بي أحدًا إني أخافُ أن يكون نعيًا.
فصلٌ: في كيفية الصلاة على الميِّت
روي عن جابر؛ أن النبيﷺ- كبَّر على الميت أربعًا، وقرأ بأمِّ القرآن بعد التكبيرة الأولى.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
يشترط في صلاة الجنازة الطهارة عن الحدث والنجاسة، وستر العورة، واستقبال القِبلة؛ كما في سائر الصلوات، ويكبر أربع تكبيرات. ولو كبر خمسًا، فيه وجهان:
أحدهما: تبطل صلاته؛ كما لو زاد ركوعًا في الصلاة.
والثاني: وهو الأصح: أنه لا تبطل صلاته؛ روي؛ أن النبيﷺ- فعله إلا أن الأربع أولى؛ لأنها التي استقر عليها الأمر، واتفقت الصحابة عليه.
وإذا أراد الشروع في الصلاة ينوي عند التكبيرة الأولى أداء فرض الصلاة على هذا الميت. فإن كانوا جماعة؛ فينوي الصلاة عليهم، فإن لم يعرف عددهم؛ فإن كان خلف إمام يجب أن ينوي الاقتداء بالإمام، ولو نوى الصلاة على من يصلي عليه الإمام- جاز، ولا يعين الميت، فإن عيَّن وأخطأ؛ بأن نوى الصلاة على زيد، فإذا هو عمرو، أو على رجل؛ فإذا هو امرأة- لم تصح صلاته. وإذا نوى كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، وكذلك يرفع يديه في سائر التكبيرات. وعند أبي حنيفة: لا يرفعها إلا في التكبيرة الأولى.
قال الشيخ- وهو صاحب الكتاب﵀-: وبعد الفراغ من كل تكبيرة يجمع يديه تحت صدره، وبعد التكبيرة الأولى يتعوَّذ، ويقرأ فاتحة الكتاب. وهل يقرأ دعاء الاستفتاح؟ فيه وجهان:
[ ٢ / ٤٣٥ ]
أصحهما: لا يقرأ؛ لأن مبناها على التخفيف وكذلك هل يقرأ السورة بعد الفاتحة، فعلى وجهين: وقيل: في التعوذ وجهان.
قال الشيخ: المذهب أنه يتعوذ؛ لأجل القراءة، ويسرُّ بالقراءة؛ ليلًا كان، أو نهارًا. وقيل: إن كان بالليل يجهر: والأول المذهب؛ لأنها قُربة شرعت فيها الفاتحة دون السورة؛ كالثالثة من المغرب.
وقال أبو حنيفة: لا يقرأ الفاتحة، بل يحمد الله، ويُثنى عليه. والحديث حجَّة عليه.
ثم يكبر الثانية، فيحمد الله، ويصلي على النبيﷺ- ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يكبر الثالثة، ويخلص الدعاء للميت؛ فيقول: "اللهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج عن روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحباؤه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غنيٌّ عن عذابه وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسنًا فرد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، ولقِّه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره وجاف الأرض عن جنبه، ولقِّه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين".
وروي عن عوف بن مالك، قال: صلى رسول اللهﷺ- على جنازة فحفظت من دعائه، وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزوله، ووسِّع مدخله، وغسِّله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه، من الخطايا؛ كما نقَّيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار". حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وروي عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللهﷺ- إذا صلى على الجنازة قال: "اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكَرَنا وأنثانا، اللهم من أحييت منا؛ فأحيه على الإسلام، ومن توفيت منا؛ فتوفه على الإيمان".
ثم يكبر الرابعة، ولم يذكر عقبها دعاء. وقال البويطي من أصحابنا: يقول: "اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنَّا بعده" ثم يسلم، وفي كيفيته قولان:
أصحهما: يسلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، والأخرى عن يساره، كما في سائر الصلوات. وقال في "الإملاء": يسلم تسليمة واحدة، يبدأ بيمينه، ويختم بشماله. فيقول: السلام عليكم ورحمة الله؛ لأن مبنى هذه الصلاة على التخفيف.
وأقل ما يجزئ منها أربع تكبيرات، وقراءة الفاتحة عقيب الأولى، والصلاة على النبيﷺ- عقيب الثانية والدعاء للميت عقيب الثالثة، بما يقع عليه اسم الدعاء، والتسليم عقيب الرابعة.
ولا يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام، وإن صلى عليه غيره؛ فهو يصلي قائمًا؛ لأنه ينوي الفرض. ولو سها فيه؛ فلا سجود عليه؛ لأنه ليس فيها سجود الأصل.
ولو أدرك الإمام مسبوق في خلال الصلاة؛ فإنه يكبر، ولا ينتظر تكبيرة الإمام. وعند أبي حنيفة: ينتظر تكبيره حتى يكبر معه.
وفائدته: أنه إذا أدركه بعد الرابعة يكبر، وكان مدركًا للصلاة. وعند أبي حنيفة: لا يكبر.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ولو أدركه بعد ما كبَّر للأولى، فكما كبر الإمام الثانية يكبر معه الثانية، وسقط عنه القراءة؛ كما لو أدرك الإمام في الركوع في سائر الصلوات.
وإذا أدركه بعد التكبيرة الثانية أو الثالثة، فإذا كبر يشتغل بقراءة الفاتحة؛ لأن ما أدركه أول صلاته. وإذا فاته بعض التكبيرات يوافق الإمام فيما أدرك، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته من التكبيرات والدعاء.
ويستحب ألا تُرفع الجنازة حتى يتمها، فإن رفعت؛ لم تبطل صلاته. وفيه قول آخر: أنه يقضي التكبيرات نسقًا من غير دعاء؛ لأن الجنازة تُرفع قبل فراغه، فلا معنى لدعائه بعد ما رفع الميت. والأول أصح.
ومن صلى على جنازة مرَّةً، لا يستحب أن يصلي ثانيًا؛ لأنه لا يتطوَّع بها. فإن كان قد صلى وحده، ثم أراد أن يصلي مع جماعة، فيه وجهان:
أحدهما: يستحب؛ كما في سائر الصلوات.
والثاني: لا يصلي ثانيًا؛ لأنه لا يتنفَّل بها.
ومن لم يدرك الصلاة حتى دفن يصلي على القبر. وكذلك لو دفن ميت قبل أن يصلي عليه لا يُنبش القبر، ويصلي على القبر؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن رسول اللهﷺ- مرَّ بقبر دفن ليلًا. فقال: "متى دُفِن هذا"؟ قالوا: البارحة. قال "أفلا آذنتموني" قالوا: دفنَّاه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك. فقام؛ فصففنا خلفه- قال ابن عباس، وأنا فيهم- فصلى عليه.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وعند أبي حنيفة: لا يصلي على القبر، إلا أن يكون وليًّا لم يصل.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وإلى متى تجوز الصلاة على الميت بعد الدفن؟ فيه أربعة أوجه:
[ ٢ / ٤٤٠ ]
أحدها: يجوز إلى شهر؛ ذكره صاحب "التلخيص".
والثاني: يصلي ما دام في القبر منه شيء، وبعده لا يصلي؛ لأنه إذا بلي الكل لم يبق ما يصلي عليه. وكذلك يجوز دفن ميت آخر فيه.
والثالث- وهو الأصح-: من كان من أهل فرض الصلاة يوم موته، فله أن يصلي عليه أبدًا؛ لأنه كان من أهل الخِطاب بالصلاة عليه.
أما من كان صغيرًا يوم موته، أو ولد بعد موته- فلا يصلي عليه.
والرابع- وهو الأضعف-: يجوز أبدًا؛ لأن القصد من الصلاة الدعاء، ويجوز الدعاء في كل وقت؛ فعلى هذا الوجه إما لم تجُز الصلاة على قبر النبيﷺ- لنهيه﵇-؛ فإنه ﵇ قال: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وقيل على هذا الوجه: يجوز الصلاة على قبر النبيﷺ- وعلى قبور الأنبياء-
[ ٢ / ٤٤١ ]
﵈- فرادى، والنهي عن الصلاة عليها جماعة؛ حتى لا يزدحموا عليها؛ ليتخذوها مساجد، ويحكى هذا الوجه عن أبي الوليد. وقال: أنا أصلي اليوم على قبور الأنبياء والصالحين.
فصلٌ: في دفن الميت
روي عن جابر، أن النبيﷺ- كان يجمع بين الرجلين من قتلى "أحد" في بثوب] واحد، ثم يقول أيهم أكثر قرآنًا" فإذا أشير إلى أحد، قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلوا.
دفن الميت فرض على الكفاية، والدفن في المقبرة أولى؛ لأن النبيﷺ- كان يدفن الموتى بـ "البقيع"، ولأنه يحصل له الدعاء من المارة، وممن يزوره، ويجوز في البيت؛ لأن النبيﷺ- دُفن في حجرة عائشة. فإن قال بعض الورثة: ندفن في المقبرة، وقال بعضهم: في البيت دفن في المقبرة؛ لأن بعض من له حق في البيت غير راض به. وإذا تنازع رجلان في موضع من مقبرة مسبلة؛ يقدم السابق منهما، فإن جاءا معًا؛ أقرع بينهما.
ويستحب أن يعمق القبر قدر قامة وبسطةٍ، ويوسع واللحد أولى من الشقِّ إذا كانت الأرض صُلبة؛ وهو أن يحفر في جدار القبر الذي يلي القبلة، فإن كانت الأرض رخوة؛ يشق الوسط.
وقال أبو حنيفة: الشق أولى من اللحد.
ودليلنا: ما روي عن عروة؛ قال كان بـ "المدينة" رجلان: أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد. فقالوا: أيهما جاء أولًا عمل عمله، فجاء الذي يلحد؛ فلحد لرسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
روي عن ابن عباس قال: قال رسول اللهﷺ-: "اللحد لنا، والشقُّ لغيرنا".
ويستحب: أن يوضع الميت على شفير القبر، ورأسه عند رجل القبر، ثم يسلُّ من قبل رأسه إذا أمكن؛ لما روي عن ابن عباس؛ قال: سُلَّ رسول اللهﷺ- من قبل رأسه.
وأول ما يدخل القبر رأسه.
وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة على عُرض القبر مما يلي القِبلة ويقول من يدخله القبر؛ ما رُوي عن ابن عمر؛ أن النبيﷺ- كان إذا أدخل الميت القبر قال: "بسم الله وبالله وعلى ملَّة رسول الله"، وفي رواية: "على سُنَّة رسول الله". ويضجع الميت في
[ ٢ / ٤٤٣ ]
اللحد على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، ويجعل تحت رأسه لبِنَة، ويسند إلى جدار اللحد لئلا يستلقي على ظهره، ويقدم رأسه ورجلاه إلى اللحد؛ كالمقوَّس حتى لا ينكبَّ على وجهه، ولا بأس أن يبسط تحت جنبه شيء؛ فإنه روي عن ابن عباس قال: جُعِلَ في قبر النبيﷺ- قطيفةٌ حمراء.
ثم ينصب اللَّبَن على اللحد، ويسد فرجَ اللبن، ثم يحثي على شفير القبر ثلاث حثيات من التراب بيديه، ثم يهال بالمساحي.
روي عن جعفر بن محمد عن أبيه؛ أن النبيﷺ- حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعًا.
ويستحب ألا يزاد في القبر أكثر من ترابه الذي خرج منه؛ حتى لا يرتفع جدًا، ويشخص عن وجه الأرض قدر شبر.
روي عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أماه اكشفي لي عن قبر النبيﷺ- فكشفت لي عن ثلاثة قبور؛ لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَةِ الحمراء.
ويستحب أن يُرشَّ عليه الماء، ويوضع عليه الحصبَاءُ، فإنه روي؛ أن النبيﷺ-
[ ٢ / ٤٤٤ ]
رشَّ على قبر ابنه: إبراهيم، ووضع عليه حصباء.
وقال جابر: رُشَّ قبر النبيﷺ- وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربةٍ، بدأ من قبل رأسه، حتى انتهى إلى رجليه.
ويكره رش ماء الورد، ويستحب أن يوضع عند رأسه صخرة أو علامة.
روي عن عبد المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون فدفن، أمر رسول اللهﷺ- أن نأتيه بحجر، فلم نستطع حملها. فقام النبيﷺ- وحسر عن ذراعيه، وحملها؛ فوضعهما عند رأسه، وقال: "أعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي".
وتسطيح القبر أولى من التسنيم؛ لأن النبيﷺ- سطَّح قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء من حصباء العَرصةِ.
وعند أبي حنيفة: التسنيم أولى، ويستحب لمن صلى على الجنازة أن يتبعها حتى تدفن؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "من اتَّبع جنازة مسلم إيمانًا
[ ٢ / ٤٤٥ ]
واحتسابًا، وكان معه حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها- فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كلُّ قيراط مثل أُحُد. ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن يدفن- فإنه يرجع بقيراط".
ويستحب لمن فرغ من دفن الميت أن يقف عليه ساعة يستغفر للميت، ويسأل الله له التثبيت؛ لما روي عن عثمان قال: كان النبيﷺ- إذا فرغ من دفن الرَّجل وقف عليه وقال: "استغفروا- لأخيكم، وادعوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل".
ويكره أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، ويكتب عليه. روي عن جابر قال: نهى رسول اللهﷺ- "أن يجصَّص القبر، وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه" وفي رواية: "وأن يُكتب عليه وأن يوطأ".
وإن بنى عليه في المقبرة يهدم؛ لأنه يضيق المكان على الناس، فإن دفن في ملكه وبنى لا يهدم. ويكره أن يضرب على القبر المِظلة؛ فإن عمر﵁- رأى مظلة على قبر فأمر برفعها، وقال: دعوه يظله عمله.
ولو دفن ميت في أرض مغصوبة ينبش، ويخرج، ولو دفنه الوارث في تركته لا ينبش. ولو استعار أرضًا ليدفن فيها ميتًا، فللمعير الرجوع قبل الدفن، وبعد ما دفن لا رجوع له،
[ ٢ / ٤٤٦ ]
حتى يصير الميت ترابًا، وإذا صار الميت ترابًا في المقبرة جاز نبش قبره، ودفن غيره فيه، وقيل أن يصير ترابًا لا يجوز، ويرجع إلى أهل الخبرة بتلك الأرض، ولا يسوي التراب على القبر القديم: ليتصور بصورة الجديد حتى يدفن فيه غيره.
ولو حُفِر قبرٌ؛ فوجد فيه عظام- يعاد التراب عليه.
ولو دفن ميت قبل الغسل، أو إلى غير القبلة- ينبش القبرُ، ويغسل، ويحول إلى القبلة ما لم يتغير، فإن تغير لا يُنبش؛ لأن التوجه إلى القبلة يسقط بالعُذر، وإن دفن قبل أن يصلي عليه يصلي على القبر، وإن دفن من غير كفنٍ، هل ينبش؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينبش، ويكفن؛ كما يُنبش للغسل.
والثاني: لا ينبش؛ لأن المقصود من الكفن السَّتر، وقد حصل الستر بالدفن.
ولو دفن في ثوب مغصوب، أو وقع خاتم إنسان، أو متاع آخر في القبر يُنبش، ويرد الثوب والمتاع إلى المالك.
ويكره أن يجعل الميت في التابوت، إلا أن تكون الأرض رخوًا أو نديًّا، ولو أوصى به لا تمتثل وصيته إلا في مثل هذا الموضع ثم التابوت يكون من رأس المال.
ويكره نقل الميت من بلد إلى آخر، وإن مات رجل في سفينة: فإن كان الساحل قريبًا؛ دفن في البر، وإن لم يكن؛ غسل وكفن وصلى عليه، ثم وضع على لوح، فطرح في الماء.
ولا يجمع بين اثنين في قبر واحد، فإن كثر الموتى، ودعت إليه الضرورة- جاز، ويقدم إلى القبلة أفضلهم، فإن النبيﷺ- كان يجمع بين الرَّجلين من قتلى أُحُدٍ، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن". فإذا أشير له إلى أحد قدَّمه في اللَّحد.
وروي عن هشام بن عامر؛ أن النبيﷺ- قال يوم "أحد": "احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد وقدِّموا أكثرهم قرآنًا".
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وإن كان أب وابن قدم الأب، أو أم وبنت قدمت الأم. ولا يجمع بين الرجل والمرأة، فإن وقعت ضرورة، قدم الرجل إلى القِبلة، وجعل بينه وبين المرأة حاجزٌ من تراب، ولا تقدم الأم على الابن.
وإن كان رجل وامرأة خنثى وصبي، قدم الرجل إلى القبلة، ثم الصبي خلفه، ثم الخُنثى، ثم المرأة، وجعل بين الرجل والخنثى، وبين الخنثى والمرأة حاجز.
ولا يدفن كافر في مقبرة المسلمين، ولا مسلم في مقبرة الكفار.
ولا يدخل الميت القبر إلا الرجال؛ سواء كان الميت رجلًا أو امرأة؛ لأنه يحتاج إلى بطش وقوة؛ فالرجل أقوى عليه، وأولاهم بذلك أولاهُم بالصلاة عليه. وإن كان الميت امرأة، فزوجها أحق بدفنها، ثم ذو محارمها فالأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم. فإن لم يكن لها محرمٌ، فمملوكها أولى من ابن العم؛ لأنه كالمحرم. فإن لم يكن فالخصيان، فإن لم يكونوا فذو رحم غير محرم، ثم أهل الصلاح من المسلمين.
ويستحب أن يكون الذين يدخلونه القبر وترًا: ثلاثًا أو خمسًا، وكذلك عدد الغاسلين؛ لأن النبيﷺ- دفنه علي، والعباس، وأسامة بن زيد.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
ويستحب أن يستر القبر بثوب عند الدفن؛ سواء كان الميت رجلًا أو امرأة؛ كما يستر موضع الغسل.
روي أن النبيﷺ- ستر قبر سعد بن معاذ بثوب لما دفنه. ويكره الجلوس على القبور والاتكاء عليها ووطؤها إلا لضرورة؛ بأن يريد دفن ميت، أو زيارة قبر؛ لما روي عن أبي مرثدٍ الغنوي قال: قال رسول اللهﷺ-: "لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "لأن يجلس أحدكم على جمرة؛ فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر".
ويستحب زيارة القبور؛ لما روي عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبيﷺ- قال: "كُنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فقد أُذِن لمحمد في زيارة قبر أمِّه، فزوروها؛ [فإنها] تذكِّركم الآخرة".
[ ٢ / ٤٤٩ ]
ويكره ذلك للنساء؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهنَّ. وكيفية الزيارة؛ كزيارة ذلك الميت في حياته من القرب والبعد. وإذا خرج للزيارة يدعو لهم.
روي عن بريدة قال: كان رسول اللهﷺ- يعلِّمُهم إذا خرجوا إلى المقابر: "السلام عليكم أهل الديار؛ من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية".
[ ٢ / ٤٥٠ ]
"باب التعزية والبكاء على الميت"
روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبيﷺ- قال: "من عزَّى مصابًا فله مثل أجره".
[ ٢ / ٤٥١ ]
التعزية لأهل الميت سنة؛ وهي أن يأمرهم بالصبر، ويدعو للميت بالمغفرة، ويكون ذلك بعد الدفن، ولا تعزية بعد الثلاث؛ لأنه لتسكين قلب المصاب، والغالب أنه يسكن قلبه بعد ثلاث ويقول في تعزية المسلم للمسلم: أعظم الله أجرك، وغفر لميِّتك. ويقول في تعزية المسلم بولده الكافر: أعظم الله أجرك، وأخلف عليك. ويجوز تعزية الذمي بقرابته، ثم إن كان الميت مسلمًا يقول: غفر الله لميتك، وأحسن عزاءك.
وإن كان الميت كافرًا يقول: أخلف الله عليك ولا نقص عددك. وهذا لأن في زيادة عددهم كثرة الجزية للمسلمين. ويكره الجلوس للتعزية؛ فإنه محدثٌ، وكل محدث بدعة.
ويستحب للجيران، ولقرابة الميت الأبعدين؛ أن يصنعوا لأهل الميت الأقربين الذين أوجعتهم المصيبة طعامًا يسعهم ليومهم وليلتهم، ويلحهم على أكله.
روي عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعيُ جعفر قال رسول اللهﷺ-: "اجعلوا- لآل جعفر طعامًا؛ فإنَّه جاءهم أمرٌ يشغلُهُم".
وإذا اجتمع النساء ينحن، ويندبن؛ فلا يجوز أن يتخذ لهم طعامًا؛ لأنه عونٌ لهن على المعصية.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
فصلٌ: "في البكاء على الميت"
روي عن أنس بن مالك قال: دخلنا مع رسول اللهﷺ- على أبي سيف القين- وكان ظئرًا لإبراهيم- فأخذه رسول اللهﷺ- فقبَّله وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك- وإبراهيم يجود بنفسه- فجعلت عينًا رسول اللهﷺ- تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: "يابنُ عوفٍ، إنها رحمةٌ" ثم أتبعها بأخرى فقال: "إنَّ العين تدمعُ والقلب يحزنُ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
البكاء على الميت مباح قبل زهوق الروح وبعده، وقبل زهوق الروح أولى، أره منه للقلق على فراقه. أما النياحة والندب؛ وهو أن يعد شمائله، وضرب الخدود وشق الجيوب- حرام، ومعصية.
روي عن عبد الله بن عمر، عن النبيﷺ- قال: "إن الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذِّب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحمُ.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وعند عبد الله بن مسعود قال: قال النبيﷺ-: "ليس منا من ضرب الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهليَّة".
وروي عن عمر؛ أن النبيﷺ- قال: "إن الميت ليعذَّب ببكاء أهله عليه".
وتعذيب الميت ببكاء الحي؛ لما أنهم كانوا يوصون بالناحية؛ فعذبوا بذلك. والله أعلم بالصواب.
تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث
وأوله: "كتاب الزكاة"
[ ٢ / ٤٥٤ ]
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء الثالث
يحتوي على الكتب التالية
الزكاة - الصيام - الحج - البيوع
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
[ ٣ / ١ ]
=====
[ ٣ / ٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم