باب حد الزنا
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
[ ٧ / ٣٠٠ ]
الزنا حرامٌ، وهو من الكبائر.
[ ٧ / ٣٠٢ ]
رُوي عن عبد الله، قال: "قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا، وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك؛ خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلةِ جارك" فأنزل الله تصديقها: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وكان في صدر الإسلام: عقوبة الزاني - الحبس إلى الممات في حق الثيب، والأذى بالكلام في حق البكر؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٥، ١٦].
ثم نسخ ذلك، فجعل حد الثيب على الزنا الرجم، وحد البكر الجلد، والتغريب، رُوي عن عبادة بن الصامت؛ أن النبي - ﷺ - قال: "خذوا عني خذوا عنين قد عل الله لهن سبيلًا؛ البكر بالبكر جلدُ مائةٍ وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
[ ٧ / ٣٠٣ ]
ثم الجلد صار منسوخًا في حق الثيب؛ فإن النبي - ﷺ - رجم ماعزًا والغامدية
[ ٧ / ٣٠٤ ]
واليهوديين اللذين زنيا، ولم يجلدهم.
[ ٧ / ٣١١ ]
وليس المراد من البكر في الحديث: التي لم تذهب عذرتها، ولا من الثيب: التي زالت عذرتها، بل المراد من الثيب: المحصن، ومن البكر: غير المحصن.
إذا ثبت وجوب الحد على الزاني، فإن كان الزاني محصنًا-: فحده الرجم، رجلًا كان أو امرأة.
وشرائط الإحصان أربعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإصابة بنكاح صحيح.
ولو زنى ذمي اجتمع فيه هذه الشرائط-: يرجم؛ لما رُوي أن النبي - ﷺ رجم يهوديين زنيا، وكان قد أحصنا.
وعند أبي حنيفة: لا يرجم الذمي.
[ ٧ / ٣١٤ ]
ولا يحصل الإحصان بالإصابة. بملك اليمين، ولو بوطء الشبهة، ولا بالنكاح الفاسد، وهل يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يشترط، حتى لو أصاب عبدٌ أمةً بنكاح صحي، أو في حال الجنون والصغر، ثم كمل حاله، فزنى يجبُ عليه الرجم؛ لأنه وطء يحصل به التحليل للزوج الأول؛ فيحصل به الإحصان؛ كالوطء في حال كمال الحال؛ ولأن عقد النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال، فكذلك الوطء.
والثاني - وهو الأصح، وهو ظاهر النص: يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ، والحرية، والعقل، حتى أن الصبي، أو المجنون، أو العبد إذا أصاب بنكاح صحيح، ثم بلغ أو أفاق أو عتق، فزنى-: لا يجب عليه الرجم؛ لأنه لما شرط أكمل الإصابات، وهو أن يكون نكاح صحيح-: شرط أن تكون تلك الإصابة في حال الكمال.
فعلى هذا: لو كان أحد الزوجين حُرًا عاقلًا بالغًان والآخر عبدًا، أو مجنونًا، أو صغيرًا، فوجدت الإصابة-: هل يصير الكامل محصنًا بهذه الإصابة؟ فيه قولان:
أصحهما: يصير محصنًا، وإن لم يحصل الإحصان من حق الآخر؛ كما يجوز أن يجب الرجم على احد الواطئين دون الآخر.
والثاني: لا يصير محصنًا؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه وطء لا يصير أحدهما محصنًا؛ فلا يصير الآخر محصنًا، كوطء الشبهة.
أما غير المحصن إذا زنى نُظر:
إن كان صبيًا أو مجنونًا-: لا حد عليه، وإن كان عاقلًا بالغًا حرًا-: يجب عليه جلد مائة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة.
وعند أبي حنيفة﵀-: لا يغرب.
وعند مالك - ﵀- يغرب الرجل دون المرأة.
[ ٧ / ٣١٥ ]
دليلنا: خبر عبادة بن الصامت؛ أن النبي - ﷺ- قال: "البكر بالبكر جلد مائةٍ وتغريب عام".
وإن كان الزاني عبدًا أو أمة-: فعليه جلد خمسين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ
[ ٧ / ٣١٦ ]
بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ولا فرق في الرقيق بين من تزوج ومن لم يتزوج، ومن بعضه رقيق وبعضه حر؛ فحده حد العبيد؛ وكذلك: المدبر والمكاتب وأم الولد، وهل يغرب العبد أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يغرب؛ قال: "إذا زنت امة أحدكم فليجلدها الحد" ولم يأمر بالتغريب؛ ولأن التغريب للمعرة، ولا معرة على العبد فيه؛ لأنه ينقل من يدٍ إلى يدٍ، ومن بلدٍ على بلدٍ؛ ولأن منافعه للسيد؛ ففي نفيه إضرارٌ بالسيد.
[ ٧ / ٣١٧ ]
والثاني: وهو الأصح-: أنه يغرب؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ثم الحُرُّ يعذب بالتغريب، كذلك العبد، ولا ينظر إلى ضرر المولى؛ كما يقتل العبدُ بسبب الردة، ويجلد في الزنى والقذف، وإن تضرر به المولى؛ فعلى هذا: كم يغرب؟ فيه قولان:
[ ٧ / ٣١٨ ]
أصحهما: يغرب نصف سنةٍ؛ لأن التغريب يقبلُ التصنيف، كما يجلد نصف حد الأحرار.
والثاني: يغرب سنةً؛ لأن التغريب للإيحاش؛ وذلك معنى يرجع إلى الطبع، ويستوي فيه الحر والعبد، كمدة العنة والإيلاء.
وإذا زنى رجل بامرأة، وأحدهما محصن والآخر غير محصن: يرجم المحصن، ويجلد الآخر ويغرب، إن كان عاقلًا بالغًا؛ والدليل عليه: ما رُوي عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني؛ أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ﷺ- فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر - وكان أفقههما -: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي في أن أتكلم، فقال: تكلم، فقال: عن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاةٍ وبجارية لي، ثم سألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائةٍ وتغريب سنةٍ، وأنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله: أما والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله؛ أما غنمُك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة وغربة عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها".
[ ٧ / ٣١٩ ]
وإن كان أحدهما ممن لا يجب عليه الحد-: يحد الآخر؛ مثل: إن زنى عاقلٌ بمجنونة، أو بالغ بصبية، أو زنى رجل بامرأة نائمة، أو أكرهها فزنى بها -: يجبُ الحد على الرجل، ولا يجب على المرأة، وكذلك: لو مكنت عاقلة بالغة من مجنون أو مراهق، أو استدخلت ذكر نائم-: يجب الحد على المرأة، ولا يجب على الرجل.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد على المرأة- أيضًا.
فنقول: سقوط الحد عن أحد الواطئين؛ بمعنى فيه-: لا يوجب سقوطه عن الآخر؛ كما لو كان الرجل عاقلًا بالغًا، والمرأة مجنونة أو مراهقة يجب عليه الحد، وإن لم يجب عليها.
ولو أكره رجل حتى زنى بامرأةٍ، هل يجب عليه الحد؟ فيه وجهان:
أصحهما- وهو المذهب-: لا يجب كالمرأة إذا أكرهت على الزنا -: لا يجب عليها الحد.
والثاني: يجب؛ لأن فعل الرجل لا يكون إلا بانتشار يحدث عن الشهوة، وذلك يكون بالاختيار، ولا يدخل تحت الإكراه.
من لم يعلم تحريم الزنا: إن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين-: لا يجب عليه حد الزنا، وإن كان أحدهما بهذه الصفة، والآخر عالم-: يجب الحد على العالم منهما.
ولو نكح رجلٌ أمةً، أو امرأة من محارمه برضاع، أو نسب، أو صهرية، فوطئها-: يجب عليها حد الزنا.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد، وصورة العقد: تصير شبهة في سقوط الحد.
فنقول: لا يجوز أن تجعل الصورة شبهة؛ كما لو أن الوطء الحرام في صورة الوطء الحلال، والقتل الحرام في صورة القتل المباح-: لا يصير شبهة في سقوط الحد، والقصاص.
وكذلك: لو نكح المطلقة ثلاثًا أو الملاعنة، أو نكح أختًا على أختٍ، أو نكح خامسةً، وتحته أربع، أو نكح كافر مسلمة، أو نكح امرأة معتدة، أو ذات زوج، أو مرتدة، أو وثنية، أو مجوسية، فوطئها عالمًا بالحال-: يجب الحد، ولو استأجر امراة للزنا، فوطئها-: يجب عليها الحد.
وعند أبي حنيفة: لا يجب.
[ ٧ / ٣٢٠ ]
فيقول: عقدٌ باطلٌ، ظاهرًا وباطنًا؛ فلا ينتصب شبهة في سقوط الحد؛ كما لو اشترى حرة فوطئها عالمًا، أو اشترى خمرًا، فشربها-: يجب عليه الحد.
وأيضًا: أجمعنا على أنه لو استأجر امرأة لعمل من طبخ أو غسلٍ، فوطئها-: يجب عليه الحد، مع أن العقد صحيحٌ، فههنا: مع ساد العقد أولى أن يجب؛ يؤيده: أنه لو صار شبهة لثبت النسب، وبالاتفاق: لا يثبت [النسب] ولو أباح رجلٌ جاريته لغيره، فوطئها-: يجب الحد؛ كالمرأة إذا أباحت بضعها لرجلٍ، حتى وطئها-: يجب عليهما الحد.
ولو ملك أخته من النسب، أو الرضاع، أو عمته، أو خالته، أو أمه، أو ابنته من الرضاع، أو موطوءة أبيه، أو موطوءة ابنه، فوطئها بملك اليمين-: هل يجب عليه الحد؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب؛ لشبهة الملك، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يجب؛ لأنه فرج لا يستباح بحال؛ كما لو نكح أخته ووطئها.
ولو وطيء أمته المجوسية أو الوثنية أو المرتدة أو المعتدة أو المزوجة، أو الذمي أسلمت أم ولده أو أمته، فوطئها قبل أن تباع [عليه]-: فمن أصحابنا من جعلها على قولين، ومنهم من قال- وهو المذهب-: لا يجب ههنا، لأن تحريمهن ليس على التأبيد، كما لو وطيء امرأته الحائض أو المحرمة.
فإن قلنا: يجب الحد لا يثبت النسب، ولا حرمة المصاهرة.
وإن قلنا: لا - يجب الحد- يثبت النسب، والمصاهرة.
وقيل: يثبت النسب، وتصير الجارية أم ولد له قولًا واحدًا.
ولو وطيء امرأة ميتة-: هل يجب الحد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه إيلاج فرج في فرج محرم، لا شبهة له فيه؛ كما لو زنى بامرأة حية.
والثاني: لا يجب؛ لأن الطبع ينفر عنه، وما ينفر الطبع عنه لا يزجر عنه بالحد؛ كمن شرب البول -: لا يجب عليه الحد.
واللواط حرامٌ؛ لأنه فاحشة؛ قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾
[ ٧ / ٣٢١ ]
[الأعراف: ٨٠]، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ ﴾ [الأعراف: ٣٢].
ويجب به الحد، سواء فعل ذلك بامرأةٍ أجنبيةٍ، أو برجلٍ، أو صبي حر أو عبدٍ، أو فعل بعبد نفسه، ثم بماذا يحد الفاعلُ؟ فيه قولان:
أصحهما: عله حد الزنا: إن كان محصنًا يرجم، وإن لم يكن محصنًا يجلد مائة ويغرب عامًا؛ لأنه حد يجب بالوطء؛ فتختلف فيه البكر والثيب؛ كالإتيان في القُبُلِ.
والقول الثاني: يُقتلُ الفاعل، سواء كان محصنًا أو لم يكن؛ لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ-: "من يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
فعلى هذا: في كيفيته ثلاثة أوجه:
أحدها: تُحز رقبته؛ كالمرتد.
وقيل: يرجم بالحجارة؛ وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق - ﵀ عليهم-.
وقيل: يهدم عليه جدار؛ يروى ذلك عن أبي بكر، - ﵁-.
وقيل: يرمي من شاهق، حتى يموت، يروى ذلك عن علي - ﵁-، وذهبوا إليه؛ لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك؛ وقال تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ [هود: ٨٢].
وعند أبي حنيفة: لا يحد اللوطيُّ، بل يعزر.
أما المفعول به ماذا عليه؟ نظر.
[ ٧ / ٣٢٢ ]
إن كان مكرهًا، أو صغيرًا، أو مجنونًا-: لا عقوبة عليه، ويجب المهر، إن كانت امرأة، وإن كان ذكرًا- لا يجب؛ لأن منفعة بُضع الذكر غير متقومة.
وإن كان عاقلًا بالغًا طائعًا؛ فإن قلنا: على الفاعل القتل -: فيقتل المفعول به على صفة قتل الفاعل؛ للخبر.
وإن قلنا: على الفاعل حد الزنا-: فعلى المفعول به جلد مائة وتغريب عام، محصنًا كان أو غير محصن.
وقيل: إن كانت امرأة محصنة -: فعليها الرجم، وليس بصحيح؛ لأنها لا تصير محصنة بالتمكين في الدبر؛ فلا يلزمها حد المحصنات به؛ كما لو كان المفعول به ذكرًا.
وإن كان عبدًا، فحده نصف حد الحر ولا مهر للمرأة: لأنها زانية.
وإتيان البهيمة حرامٌ، وفي عقوبته أقوالٌ:
أحدها: يجب به حد الزنا؛ فيرجم المحصن، ويجلد غير المحصن ويغرب؛ لأنه حد يجب بالوطء.
والثاني: يقتل محصنًا كان أو غير محصن؛ لما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ-: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه"، فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟! قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عُمل بها ذلك العمل.
[ ٧ / ٣٢٣ ]
والقول الثالث - وهو الأصح، وهو قول أكثر أهل العلم-: أن عليه التعزير؛ لأن الحد شُرع للردع عما تميلُ النفس إليه، وهذا الفعل لا يميل الطبع إليه، وضعفوا حديث ابن عباس؛ لضعف إسناده.
فإن قلنا: يقتل-: ففي كيفية قتله ثلاثة أوجه؛ كما في قتل اللوطي؛ وعلى هذا: هل تقتل البهيمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لظاهر الحديث.
والثاني - وهو المذهب-: لا تقتل، والحديث ضعيف الإسناد، ولئن ثبت فقد عارضه نهي النبي - ﷺ - عن ذبح الحيوان إلا لمأكلةٍ.
فإن قلنا: تقتل البهيمة-: فلأي معنى تقتل؟ فيه معنيان:
أحدهما: حتى لا يذكر بها.
والثاني: حتى لا تأتي بخلق مُشوه.
وإن كان أتاها في دبرها: فإن قلنا بالمعنى الأول-: تقتل، وإن قلنا بالثاني -: لا تقتل.
فإن قتلناها-: هل يحل أكلها إن كانت مأكولة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأنه مذبوح مأكول.
والثاني: لاتحل؛ لأنها مقتولة لغير الأكل.
وإن كانت البهيمة للغير، وقتلناها-: يجب على الفاعل قيمتها للمالك، إن لم تكن مأكولة أو كانت مأكولة، وقلنا: لا يحل أكلها.
وإن قلنا: يحل أكلها-: يجب ما بين قيمتها حية ومذبوحة.
وقيل: يكون الضمان في بيت المال.
ولو أن امرأة مكنت من قردٍ-: فعقوبتها عقوبة من أتى من الرجال بهيمة.
[ ٧ / ٣٢٤ ]
وكل من تحرم مباشرته في الفرج بالزنا أو باللواط-: فتحرم مفاخذته ومسه بالشهوة، ولا يجب به الحد، ويعزر عليه، وكذلك: مباشرة المرأة المرأة-: لا تُوجب الحد وتعزران عليه.
ولو زنى [بكر] مرارًا قبل إقامة الحد عليه-:لا يجب عليه إلا جلد مائة ويغرب عامًا، وتتداخل الحدود، أما إذا زنى فجلد وغرب، ثم زنى ثانيًا-: يجلد ثانيًا ويغرب، ولو جلد مائة، فقبل التغريب زنى-: يجلد بعده مائة، ويتداخل التغريب؛ فلا يغرب إلا سنة واحدة.
ولو [جلد] خمسين، ثم زنى-: لا يجلد بعده إلا مائة، ويغرب، ويقع التداخل في خمسين.
ولو زنى، وهو بكرٌ، ثم زنى وهو ثيب قبل إقامة الحد عليه-: هل يدخل الجلد في الرجم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يدخل، لتجانس الجريمتين، كما لو زنى مرارًا، وهو بكر: لا يجب إلا حد واحدٌ.
والثاني- وهو الأصح-: لا يدخل؛ لأنهما حدان مختلفان؛ كما لا يدخل حد الشرب في قطع السرقة، بل يجلد مائة، ثم يُرجم ولا يغرب؛ لأن التغريب يحصل بالرجم.
وقيل: يجلد مائة، ويغرب عامًا، ثم يُرجم.
ولو زنى العبد، ثم عتق قبل أن يحد، ثم زنى، وهو بكر-: لا يجب عليه إلا جلد مائة ويغرب عامًا، ويدخل فيه حد الرق.
أما إذا زنى في حال الرق، ثم عتق، وصار محصنًا، فزنى: يجلد خمسين، ثم يرجم.
ولو زنى ذمي، وهو محصنٌ، فنقض العهد، ثم استرق، ثم زنى: هل يدخل الجلد في الرجم؟ قال الشيخ - ﵀-: فيه وجهان:
الأصح: لا يدخلُ؛ فيجلد أولًا خمسين لزنا الرق ثم يرجمه للزنا الأول، فإن قلنا: يغرب العبد-: يدخل التغريب في الرجم، ويحتمل أن يغرب نصف سنةٍ بعد الجلد، ثم يرجم؛ كما ذرنا فيمن زنى وهو بكر، ثم زنى، وهو ثيب.
[ ٧ / ٣٢٥ ]
فصلٌ: في إقامة الحد
رُوي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رجلًا من أسلم يقال له: ماعز بن مالك، أتى رسول الله - صلى الله عليه ولم - فقال: إني أصبت فاحشة، فأقمه عليَّ، فرده النبي - ﷺ - مرارًا، قال: ثم سأل قومه؟ فقالوا: لا نعلم به بأسًا، فأمرنا أن نرجمه فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظام والمدر والخزف، قال: فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عُرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت".
إقامة الحد على الأحرار، تكون إلى الإمام، أو إلى من يفوض غليه الإمام، وإذا أمر بإقامته-: لا يشترط حضوره، سواءٌ ثبت الزنا عليه بالإقرار أو بالبينة، ولا يشترط حضور الشهود.
وعند أبي حنيفة: يشترط حضور الإمام، ويبدأ هو بالرجم وإن ثبت بالبينة، فيشترط حضور الشهود - أيضًا - ويبدءون بالرجم، ثم الإمام ثم الناس.
دليلنا: أن النبي - ﷺ - أمر برجم ماعزٍ والغامدية، ولم يحضر رجمهما".
ويستحب أن تكون إقامة الحد بمحضر جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وأقلهم أربعة؛ لأن حد الزنا لا يثبت بأقل من أربعة.
وليس لأحجار الرجم تقديرٌ، لا عددًا ولا وزنًا، بل يحيط به المسلمون، فيرمونه من الجوانب إلى أن يموت.
ويحفر للمرأة إلى صدرها، حتى لا تنكشف، ويُرمى إليها، ولا يحفر للرجل؛ لحديث أبي سعيد في أمر ماعز، قال: "فما أوثقناه، ولا حفرنا له"، ولأنه هرب، ولو كان في حفرة-: لم يمكنه الهرب.
وإذا هرب المرجوم-: لا يسقط عنه الحد، وهل يتبع؟ نظر: إن ثبت عليه الزنا بالبينة-: يتبع، ويرجم؛ لأنه لا سبيل إلى تركه.
وإن ثبت بالإقرار-: لايتبع؛ لأن ماعزًا لما مسته الحجارة، هرب، فقال النبي - ﷺ -:"هلا تركتموه" وإنما قال ذلك؛ لعله يرجع عن إقراره.
فإن وقف في هربه، أو قدر عليه بعده، وهو مقيمٌ على إقراره-: يُرجم، وإن رجع فلا يرجم.
[ ٧ / ٣٢٦ ]
وإذا مات في الحد-: يغسل ويكفن، ويصلي عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
وغير المحصن: يجلد مع ثيابه ولا يجرد، ولا يمد، ولا تربط يداه، بل يترك حتى يتقي بهما.
ويضرب الرجل قائمًا، والمرأة جالسةً، وتربط عليها ثيابها، حتى لاتنكشف، ويلي ذلك منها امرأة، وتُضرب بسوطٍ وسط؛ لا جديد يجرح، ولا خلق لا يؤلم، وتضرب ضربًا بين ضربين؛ لا شديد ولا واهٍ.
وإن كان لمحدود رقيق الجلد-: يدمي بضربٍ خفيفٍ: لا يبالي بذلك.
وتُفرق السياط على أعضائه، ولا نجمعها على موضعٍ واحدٍ، ويُتقى الوجه والمهالك؛ كالبطن، والجنب، والمذاكير.
ويُضرب على الظهر، والمنكبين، والرجلين، ويضرب على الرأس، وعند أبي حنيفة: لا يضرب على الرأس.
قلنا: قال أبو بكر - ﵁- اضرب على الرأس؛ فإن الشيطان فيه.
ولو فرق سياط الحد تفريقًا لا يحصل به التنكيل مثل: إن ضرب كل يوم سوطًا أو سوطين-: لا يحسب، وإن ضرب كل يوم عشرين فأكثر-: يحسب، والأولى: ألا يفرق.
وإذا أراد تغريب الزاني-: يغربه من بلده إلى مسافة القصر؛ لأن المقصود منه التعذيب بالإيحاش، ولا يحصل فيما دون مسافة القصر؛ لاتصال خبر الأهل والعشيرة به، ويغربه إلى بلد معين، ولا يرسله إرسالًا يذهب به أين يشاء، ولا يمكن من أن يحمل مع نفسه أهله وعشيرته؛ لأنه لا يستوحش معهم، ولايمنع من حمل جارية يتسرى بها، وشيء من المال للنفقة، وإن كان غريبًا يغرب من بلد الزنا إلى بلد آخر، ولا يرد إلى البلد الذي هو بلده، ولا إلى بلد بينه وبين بلده أقل من مسافة القصر.
وإن خرج مسافرًا، فزنى في الطريق غربه إلى غير مقصده.
وإن رأى الإمام أن يغربه إلى مسافةٍ أبعد من مسافة القصر-: له ذلك، فإن عمر - ﵁- غرب إلى الشام، وغرب عثمان - ﵁- إلى مصر؛ بخلاف مدة التغريب، لا تزاد على سنة، لأنه منصوصٌ عليها، والمسافة مجتهدٌ فيها، فإن رجع قبل مضي السنة يرد إلى ذلك الموضع، فإذا انقضت المدة-: فهو مخير؛ إن شاء أقام هناك، وإن شاء رجع إلى بلده.
ولا تغرب المرأة وحدها إلا مع محرم، فإن لم يتبرع المحرم بالخروج معها-: أعطوا
[ ٧ / ٣٢٧ ]
أجرته من بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال فمن مالها، وإن لم يكن لها مال يستدان عليها.
وقيل: يستدان على بيت المال.
وقيل: في الابتداء: يكون من مالها، فإن لم يكن لها مال ففي بيت المال.
وإن لم يكن لها محرم-: تغرب مع امرأة ثقة لها محرمٌ، وهل تغرب مع النساء الثقات؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما يجب عليها الخروج على الحج معهن.
والثاني: لا؛ لأن العقوبات يحتاط لإسقاطها.
أما الرقيق إذا زنى أو شرب، عبدًا كان أو أمة-: فللمولى إقامة الحد عليه، إن كان المولى حُرًا مكلفًا عدلًا؛ وكذلك حد القذف إذا طلبه المقذوف، فإن شاء السيد أقام بنفسه، وإن شاء فوض إلى غيره.
وقال أبو حنيفة: ليس للمولى إقامة الحد على مملوكه، بل يقيمه الإمام كالحر.
دليلنا: ما رُوي عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يُثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها، ولو بحبل من شعر".
وسواء كان الرقيق قنا، أو مدبرًا، أو أم ولد، فإن كان مكاتبًا أو بعضه رقيق -: فحده إلى الإمام.
وإذا جلد عبده في الزنى-: هل يغربه؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ كما يضربه، ورُوي عن ابن عمر؛ "أنه جلد أمة له [زنت]، ونفاها إلى فدك".
والثاني: لا، بل التغريب إلى الإمام؛ لأن النبي - ﷺ - قال: فليجلدها الحد، فمل يجعل إليه إلا الجلد.
وإن كان العبد مشتركًا بين رجلين فأكثر-: فكل واحد يقم من السياط بقدر ملكه.
فإن وقع كسر في سوط-: فوضوا ذلك السوط إلى واحدٍ منهم ليضربه.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
وهل يجوز للمولى قطع يد عبده بسبب السرقة أو قطع الطريق؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ نص عليه في رواية البويطي؛ لما رُوي عن ابن عمر؛ "أنه قطع يد عبدٍ له سرق"، وكما يحده في الزنا والشرب.
والثاني: لا؛ بل القطع إلى الإمام؛ بخلاف الجلد؛ لأن المولى يملك لنفسه من جنس الجلد، وهو التعزير، ولا يملك من جنس القطع.
وكذلك: هل له قتل عبده بسبب الردة؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه له ذلك؛ لما روي عن حفصة: "أنها قتلت أمة لها سحرتها" والقتل بالسحر إنما يكون بسحر يكفر به.
أما قطع القصاص لا يستوفيه المولى؛ على الصحيح من المذهب، بل هو إلى الإمام، وكل واحدٍ يقيمه المولى على عبده، إنما يقيمه إذا ثبت باعتراف العبد، فإن كانت عليه بينة، فهل يسمع المولى الشهادة، ويقيمه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يسمع؛ لأنه ملك الإقامة بالاعتراف، فملك بالبينة كالإمام.
والثاني: لا يسمع؛ لأنه يحتاج إلى تزكية الشهود، وذلك إلى الحاكم، بل إذا ثبت عند الحاكم بالبينة-: يقيمه المولى من غير إذنه.
فإن قلنا: يسمع البينة-: فله النظر في التزكية والعدالة؛ كالحاكم.
وإذا قذف المملوك زوجته المملوكة-: فهل يلاعن المولى بينهما؟:
قال الشيخ -﵀-: يحتمل وجهين:
أحدهما: يلاعن، كما يقيم الحد.
وإذا رآه السيد يعمل ما يوجب الحد، فهل له إقامة الحد عليه بعلمه؟ فيه وجهان؛ بناء على أن القاضي هل يقضي بعلم نفسه في الحدود؟ فيه قولان.
فإن لم يكن المولى كامل الحال - نُظر: إن كان صبيًا أو مجنونًا-: فهل لوليه إقامة الحد على مملوكه؟ فقد قيل: إن كان الولي أبًا أو جدًا-: يقيمه وإن كان وصيًا أو قيمًا-: فيه وجهان.
وقيل: في الكل وجهان، بناء على أن الولي هل له تزويج أمة الطفل؟ وفيه وجهان.
وإن كان المولى فاسقًا-: فيه وجهان:
[ ٧ / ٣٢٩ ]
أصحهما: له أن يقيم الحد على مملوكه؛ لأنه ولاية تثبت بالملك، لا يمنعه الفسق، كتزويج الأمة.
وقال أبو إسحاق: لا يقيمه؛ لأنه ولاية في إقامة الحد؛ فيمنعها الفسق؛ كولاية الحكم، وكذلك: هل يقيم الكافر؟ فيه وجهان.
وهل يثبت للمرأة؟ فيه وجهان.
أصحهما: يثبت؛ لما رُوي؛ أن فاطمة ﵍- جلدت أمة لها زنت، وعن عائشة -﵂-: "أنها قطعت أمة لها سرقت وعن حفصة: أنها قتلت أمة لها سحرتها".
وقال ابن أبي هريرة: لا يثبت؛ لأنها ولايةٌ على الغير؛ فلا يثبت للمرأة، كولاية التزويج؛ فعلى هذا من يقيمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وليُّ المرأة؛ كما تزوج أمتها.
والثاني: يقيمه الإمام؛ لأنه يثبت للمولى بالملك، فإذا ذهبت ولاية المالك-: كان إلى الإمام.
ويجوز للمكاتب تعزير عبده، وهل يقيم الحد عليه؟ فيه وجهان:
أصحهما- نص عليه في الكتابة-: لا يقيمه؛ لأنه ولايةٌ؛ فلا تثبت إلا للأحرار.
ولو أن ذميًا زنى، ثم نقض العهد، [واسترق]: لا يسقط عنه الحد، ويقيمه الإمام لا المولى؛ لأنه لم يكن مملوكًا حين زنى.
قال الشيخ - ﵀-: ولو زنى العبد، ثم باعه المولى-: فإقامة الحد إلى المشتري؛ اعتبارًا بحالة الاستيفاء.
ولو قذف العبد سيده-: له إقامة الحد عليه.
ولو قذف السيد عبده-: فعليه التعزير، وللعبد أن يرفعه إلى القاضي، حتى يعزره.
فصلٌ: في متى يقيم حد الزنى
رُوي عن عمران بن حصين؛ "أن امرأة من جهينة أتت نبي الله - ﷺ - وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله، أصبت حدًا فأقمه عليَّ، فدعا نبي الله - ﷺوليها، فقال: أحسن
[ ٧ / ٣٣٠ ]
إليها، فإن وضعت فأتني بها، ففعل فأمر بها نبي الله - ﷺ- فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها". أهـ
كل من وجب عليه حد -: يجب على الإمام إقامته، ولا يجوز تأخيره إلا من عذر، فإن وجب على امرأةٍ حبلى-: فلا يقام حتى تضع؛ ذكرناه في "كتاب القصاص".
وإن كان الذي وجب عليه الحد مريضًا - نظر:
إن كان حده رجمًا-: يقام عليه؛ لأن المقصود قتله؛ فلا يمتنع بالمرض.
وإن كان جلدًا بسبب زنى أو شُرب خمرٍ - نظر:
إن كان به مرضٌ يرجى زواله من صداع أو ضعف يؤخر حتى يبرا؛ كما لو أقيم عليه حد أو قطع-: لايقام عليه حد آخر، حتى يبرأ عن الأول.
وإن كان مرضًا لا يرجى زواله؛ كالسل والزمانة وكونه نضو الخلق لا يطيق الضرب-: فلا يؤخر، [ولا] يضرب بالسياط؛ لأن فيه حتفه.
وليس المقصود من ضربه قتله، سواء كان زناه في حال الصحة، ثم مرض، أو في حال المرض بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ، فيقوم ذلك مقام مائة جلدة، كما قال تعالى في قصة أيوب - ﵇-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
وعند أبي حنيفة: يضرب بالسياط.
دليلنا: ما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ "أن رجلًا مقعدًا أصاب امرأة، فأمر النبي - ﷺ-[به] فجُلد بعثكال النخل" ورُوي: "أنه أمر أن يأخذوا مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة" لأن الصلاة إذا كانت تختلف باختلاف حاله، فالحد أولى [بذلك].
ثم إن علم أن الشماريخ [كلها] مسته بضربةٍ واحدةٍ-: سقط الحد عنه، وإن تراكم
[ ٧ / ٣٣١ ]
البعض على البعض-: يسقط أيضًا، لأن ألم الكل وصل إليه، وإن لم يمس جلده؛ كم لم ضربه فوق الثياب بخلاف ما لو ضربه بعصًا كبيرةٍ ضربةً-: لا يكون إلا بجلدة واحدة؛ لأن العدد لم يوجد، وإن لم تمسه بعض الشماريخ، ولم تتراكم، أو شك فيه -: يعاد الضرب وإن جلدناه بالشماريخ، فبريء من مرضه-: لا يعاد الحد عليه؛ بخلاف المغضوب إذا حج عن نفسه، ثم بريء-: عليه أن يحج بنفسه في قولٍ؛ لأن العبادات يحتاط لها، والعقوبات يحتاط عليها.
ولو بريء قبل أن يضرب بالشماريخ-: يُقام عليه الحد بالسياط.
ويقام الحد في وقت اعتدال الهواء، فإن كان في حال شدة حر أو برد - نظر:
إن كان الحد رجمًا -: يقامُ عليه؛ [كما يقام] في المرض؛ لأن المقصود قتله.
وقيل: إن كان الرجم ثبت عليه بإقراره-: فيؤخر إلى اعتدال الهواء، وزوال المرض، إن كان مرضًا يرجى زواله؛ لأنه ربما يرجع عن إقراره في خلال الرجم، وقد أثر الرجم في جسمه، فتعين شدة الحر أو البرد أو المرض على إهلاكه؛ بخلاف ما لو ثبت بالبينة؛ لأنه لا يسقط.
وكذلك: إذا ثبت الرجم على المرأة بلعان الزوج-: لا يؤخر، وإن كان يسقط بلعانها؛ لأنه لا يجوز لها اللعان إلا إذا كانت محقة في الامتناع.
والرجوع عن الإقرار مستحب مع كونه صادقًا؛ هذا كما لو ثبت بالبينة-: لايؤخر، وإن كان يسقط الحد برجوع الشهود؛ لأن الرجوع غير مستحب لهم، وإن كانوا صادقين.
وإن كان الحد [جلدًا]؛ بسبب الزنى، وشُرب الخمر-: لايقام في شدة الحر والبرد، كما لا يقام في المرض، بل يؤخر إلى اعتدال الهواء، وكذلك: قطع السرقة يؤخر إلى اعتدال الهواء، وزوال المرض، وأسباب التلف، فإن كان مرضًا لا يرجى زواله-: يقطع.
أما حقوق العباد؛ مثل: حد القذف، وقطع القصاص -: فيستوفي في الحر والبرد والمرض، وعلى هذا القياس: يجب أن يضرب في حد القذف بالسياط، سواءٌ كان المرض مما يرجى زواله أو لا يُرجى؛ لأن مبني حقوق العباد على الشدة والضيق، فلو أن الإمام أقام جلد الزنى أو الشرب في حر أو بردٍأو مرضٍ، فمات منه-: نص على أن لا ضمان عليه،
[ ٧ / ٣٣٢ ]
ونص فيما لو ختن الإمام رجلًا في شدة حر أو برد، فمات منه: أنه يجب الدية على عاقلته.
فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدٍ منهما إلى الآخر فجعلهما على قولين:
أحدهما: لا يجب الضمان؛ لأنه مات في إقامة حد واجب؛ كما لو فعل في وقت اعتدال الهواء.
والثاني: يجب الضمان؛ لأنه مفرطٌ بالإقامة في هذا الوقت.
ومنهم من فرق بينهما، وقال في الحد: لا يجب الضمان؛ لأنه ثبت نصًا، وفي الختان يجب: لأنه ثبت اجتهادًا، ولأن استيفاء الحدود إلا الأئمة، والختان ليس إليه؛ لأنه يجوز لكل إنسان أن يختن نفسه، فإذا فعله الإمام-: يجب عليه مراعاة وقته، فإن لم يفعل-: ضمن.
فإن قلنا: يضمن، فكم يضمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضمن جميع الدية؛ لأنه مفرط.
والثاني: يضمن نصف الدية؛ لأنه مات من واجب محظور.
فصلٌ: في الإقرار بالزنا
رُوي عن أبي هريرة قال: "جاء ماعز [بن مالك] إلى رسول الله - ﷺ- فقال: "يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الأيمن، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الأيسر، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه، فقال: إني قد زنيت، قال ذلك أربع مرات، فقال: أبك جنونٌ؟! قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنت؟ فقال: نعم، قال: فانطلقوا به، فارجموه، فانطلقوا به، فلما مسته الحجارة، أدبر يشتد فلقيه رجلٌ في يده لحى جمل، فضربه به، فصرعه فذكروا لرسول الله - ﷺ - فراره حين مسته الحجارة، قال: "فهلا تركتموه".
الزنا يثبت بالإقرار؛ كما يثبت بالشهادة، فمن أقر على نفسه بالزنى مرةً واحدة-: يقام عليه الحد؛ لأن النبي - ﷺ - قال لأنيس الأسلمي: "اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ولم يشترط التكرار.
وعند أبي حنيفة: لا يحد، ما لم يُقر أربع مرات في أربع مجالس. واحتج بحديث ماعز، ولا ججة فيه؛ لأن النبي - ﷺ - رده مرة بعد أخرى، لا لاشتراط التكرار، بل لشبهة
[ ٧ / ٣٣٣ ]
وقعت له في أمره، حتى سأل أبه جنونٌ، أشرب خمرًا فلما زالت الريبة عن أمره-: أمر يرجمه. أهـ.
والمستحب لمن ارتكب جريمة توجب حد الله تعالى: أن يستر على نفسه؛ بخلاف ما لو فعل ما يوجب عقوبة للعباد؛ مثل؛ القصاص، وحد القذف-: يجب أن يقر بها؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق والشدة، ومبنى حقوق الله تعالى على المساهلة.
وهل يستحب للشهود أن يكتموا الشهادة على حدود الله تعالى؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما يستحب لمن عليه ألا يقر به؛ سترًا عليه.
والثاني-وهو الأصح-: لا؛ بل يستحب أن يشهدوا؛ لأن في كتمانهم الشهادة تعطيل حكم الله تعالى،
وإذا ثبت الحد عند السلطات-: لا يجوز العفو عنه، ولا تجوز الشفاعة فيه؛ روي أن أسامة كلم رسول الله - ﷺ-: "أتشفع في حد من حدود الله تعالى، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍﷺ- لسرقت، لقطعت يدها".
[ ٧ / ٣٣٤ ]
ولو أقر على نفسه بالزنى، أو شرب الخمر، ثم رجع عن إقراره-: يسقط عنه الحد؛ كمن أقر على نفسه بالردة، ثم رجع عن إقراره-: يسقط عنه القتل، ولو رجع بعد إقامة بعض الحد-: لا يتمم، وإن بي سوطٌ واحدٌ، وهل يستحب الرجوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، كما يستحب ألا يقر ابتداء.
[ ٧ / ٣٣٥ ]
والثاني: لا يستحب؛ لأن هتك الستر قد حصل؛ فلا ستحب له تكذيب نفسه.
والرجوع: أن يقول: ما زنيت، أو رجعت عما قلت، أو كذبت فيما قلت، حتى لو بقيت جلدةٌ واحدةٌ، أو في الرجم رجع قبل مفارقة الروح-: يجب تركه.
وكذلك: لو قال: كنت فاخذت أو لمست وننته زنى -: يقبل قوله، ولا يجد، ولو قال: لا تقيموا عليَّ الحد-: لا يسقط؛ كما لو هرب.
ولو شهد الشهود على إقراره بالزنى، فرجع عن إقراره-: سقط عنه الحد، أما إذا قال: ما أقررت: لا يسقط؛ لأنه يكذب الشهود.
وكذلك من أقر على نفسه بسرقة موجبة للقطع أو بقطع الطريق، ثم رجع عن إقراره-: يسقط عنه حد القطع، ولا يسقط ضمان المال؛ لأنه من حقوق العباد.
وقيل: لا يسقط القطع أيضًا؛ لأنه لصيانة حق الآدمي [كحد القذف والقصاص] لا يسقط بالرجوع عن الإقرار.
والأول المذهب، حتى لو رجع بعدما قطع بعض يده-: لا يجوز قطع الباقي، فإن بقيت جلدة لا تُبان إلا بإذنه، بأن كانت تؤذيه: فإن قال السارق: أبنه-: فالقاطع بالخيار بين أن يترك أو يبين.
ولو قال: زنيت بفلانة-: فهو مقر على نفسه بالزنى، قاذفٌ لفلانة: فإن أنكرت فلانة، أو قالت: كنت تزوجتني-: يجب على الرجل حد الزنا، وحد القذف، ولا يجب على المرأة شيء، فلو رجع-: يسقط عنه حد الزنا ولا يسقط حد القذف، ولو قال: أكرهت فلانة على الزنا-: يجب عليه حد الزنا والمهر، ولا يجب حد القذف، فلو رجع-: يسقط عنه حد الزنا، ولا يسقط المهر.
ولو تاب الزاني أو السارق أو شارب الخمر-: هل يسقط عنه الحد والقطع؟ فيه قولان؛ سواء ثبت عليه الحد بالبينة أو بالإقرار:
أصحهما- وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة-: لا يسقط؛ لأنه يصير ذريعة إلى إسقاط الحدود.
وقال في القديم: يسقط؛ لما روي؛ أن النبي - ﷺ - كان يقول لماعزٍ: "ارجع، فاستغفر الله، وتب إليه".
[ ٧ / ٣٣٦ ]
وفي الحديث "التائب من الذنب مكن لا ذنب له".
فصلٌ: في الشهادة على الزنا
قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، لا يثبت الزنا إلا بأربعة من الشهود؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
وقال سعد بن عبادة: "يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا، أمهله حتى آتى بأربعة شهود؟! قال: نعم" وكذلك اللواط، وإتيان البهيمة-: لا يثبت إلا بأربعةٍ، سواءٌ قلنا: يجب الحد بإتيان البهيمة أو التعزير.
وقال أبو عليِّ بن خيران: إذا قلنا: يجب التعزير بإتيان البهيمة-: يثبت بشاهدين.
والأول أصح؛ لأنه شهادة على إيلاج فرج في فرج؛ كما إذا شهدوا على فعل الزنى، أما الإقرار بالزنى-: هل يثبت بشهادة رجلين أم لا؟ فيه قولان:
[ ٧ / ٣٣٧ ]
أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة؛ كفعل الزنا.
والثاني: يثبت بشهادة رجلين؛ بخلاف فعل الزنا؛ لأن الفعل أمر يغمض الاطلاع عليه، فاحتيط فيه باشتراط الأربع، والإقرار حركات اللسان؛ فلا يغمض الاطلاع عليه؛ فكان كسار الأقارير.
فإذا شهدوا على فعل الزنى-: يجب أن يذكروا الزاني، ومن زنى بها؛ لأنه قد يعد إتيان البهيمة زنى، وقد يراه على جارية ابنه، فيظنه زنى.
ويجب أن يشهدوا: إنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول المرود في المكحلة، فلو شهدوا مطلقًا، أنه زنى: لا يثبت؛ لأنهم ربما يرون المفاخذة والاستمناء زنى، بخلاف ما لو قذف نسانًا، فقال: زنيت-: يجب الحد، ولا يستفسر.
ولو قال: أردت به زنى اليد والعين -: لا يقبل قوله؛ لأنه قصد هتك عرضه وشينه، وقد حصل؛ بخلاف ما لو ادعت امرأة على رجل وطء شبهة ولزوم المهر، فشهد الشهود على لزوم المهر بوطء الشبهة-: يلزم، ولا يشترط أن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها؛ لأن المقصود منه ثبوت المال، وحكم المال أخف من حكم الحد.
ولو أقر على نفسه بالزنى، هل يشترط أن يفسر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط؛ كالشهود عليهم أن يفسروا.
والثاني: لا يجب؛ كما في القذف، سواء جاء الشهود متفرقين فشهدوا، أو مجتمعين.
وقال أبو حنيفة﵀-: إذا شهدوا متفرقين لا يثبت، وعليهم حد القذف.
فنقول: كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين، فيثبت إذا جاءوا متفرقين [كسائر الأحكام، بل هذا أولى، لأنهم إذا جاءوا متفرقين]: كان ابعد من التهمة، ومن أن يتلقف بعضهم من بعض؛ وكذلك: قلنا إذا وقعت للقاضي ريبة في شهادة الشهود، فرقهم؛ ليظهر على عورة، إن كانت في شهادتهم.
ولو شهدوا على الزنى أقل من أربعة-: لا يثبت الزنى، وهل يجب حد القذف على الشهود؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنهم جاءوا مجيء، الشهود؛ ولأنا لو حددناهم لانسد باب
[ ٧ / ٣٣٨ ]
الشهادة على الزنى؛ لأن كل واحدٍ لا يأمن من ألا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد.
والقول الثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليهم الحد.
والدليل عليه: ما رُوي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنى عند عمر بن الخطاب: أبو بكرةً ونافع ونفيع، قال زياد: وكان رابعهم: رأيت أستًا تنبو ونفسًا تعلو، أو رجلاها على عاتقه كأذني حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة، ولم يجلد المغيرة" وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكروه.
ولو شهد اثنان؛ أنه زنى بالبصرة، وآخران أنه زنى بالكوفة-: لا حد على [المشهود عليه، وهل يحد الشهود؟ فيه قولان.
وعند أبي حنيفة﵀-: ههنا لا يُحد الشهود] مع قوله: إن شهود الزنى إذا انتقص عددهم-: حدوا.
ولو شهد على امرأةٍ بالزنى أربعةٌ، وأحدهم زوجها-: فالزوج قاذف عليه الحد؛ لأن شهادته بالزنى عليها-: لا تُقبلن وفي الثلاثة قولان.
ولو شهد على الزنى أربعة من العبيد أو المكاتبين أو النسوان أو الكفار-: فهم قذفة، يحدون، لأنهم ليسوا من أهل الشهادة على الزنى؛ فلم يكن قصدهم غلا شينه.
وقيل في وجوب الحد عليهم قولان؛ كنقصان العدد. والأول أصح، حتى لو شهد عبدٌ أو امرأةٌ مع ثلاثة-: يحد العبد والمرأة، وفي الثلاثة قولان؛ وإذا حددنا العبيد، فعتقوا، وأعادوا الشهادة-: تُقبل.
ولو لم يتموا أربعة، فحددناهم، ثم أعادوا بعد تمام العدد-: لا تقبلُ؛ كالفاسق تُرد شهادته، ثم يعيد بعد التوبة-: لا يقبل.
ولو شهد أربعةٌ من الفُساق- نظر.
إن كان المفسق مجتهدًا فيه؛ كشرب النبيذ-: لا يجب عليهم حد القذف، وإن لم يثبت الزنى بشهادتهم وإن كان واحدٍ منهم بهذه الصفة-: لا حد عليهم، وإن كان فسقًا مقطوعًا به، كالزنى وشُرب الخمر-: فهل عليهم حد القذف؟ فيه جوابان، بناء على أن القاضي إذا قضى بشهادتهم، ثم تبين له ذلك-: هل ينقض القضاء؟ فيه قولان:
[ ٧ / ٣٣٩ ]
فإن قلنا: ينقض-: علهم حد القذف؛ كما لو كانوا عبيدًا؛ وإلا فلا حد عليهم.
ولو شهد، أربعةٌ على الزنى، ثم رجعوا-: عليهم حد القذف، لا يختلف القول فيه ولو رجع واحد منهم-: يجب عليه حد القذف، ولا يجب على الباقين، سواءٌ رجع بعد القضاء أو قبله؛ بخلاف ما لو لم يتموا أربعة يحدون في قوله، لأنهم فرطوا حيث عجلوا إلى هتك ستر أخيهم قبل تمام الأربع، ولاتفريط منهم حيث شهدوا بعد تمام العدد.
وقال أبو حنيفة: إن رجع واحدٌ قبل القضاء-: يُحد الكل، وإن رجع بعد القضاء-: يحد الرابع.
ولو شهد على الزنى أكثر من أربعة، ثم رجع الزائد على الأربع-: لا حد عليهم؛ لأنه بقي من يثبت الزنى بشهادتهم.
ولو شهد ثمانية، فرجع منهم خمسةٌ-: فعلى الراجعين حد القذف، ولو شهد شاهدان أن فلانًا أكره فلانة على الزنى-: لا يثبت به الزنى، وهل يثبت المهر للمرأة
إن قلنا: يجب حد القذف على الشاهدين، لنقصان العدد-: لا يثبت المهر؛ وإلا فيثبت.
ولو شهد أربعةٌ على رجلٍ؛ أنه زنى بفلانة: اثنان منهم قالا: كانت المراة مكرهة، واثنان منهم قالا: كانت طائعة-: لا حد على المرأة؛ لأنه لم يتم شهود زناها أربعةً، ولا حد على شاهدي الإكراه، وهل يجب حد القذف على شاهدي الطواعية للمرأة؟ فعلى قولين:
فإن قلنا: يجب عليهما الحد-: فلا يجب حد الزنى على الرجل؛ لأن شهادة شهود-: الطواعية خرجت عن أن تكون شهادة؛ فلم يتم على زناه أربعةٌ.
وإن قلنا: لا حد عليهما-: يجب حد الزنى على الرجل، ويجب عليه المهر.
فإن قلنا بالأول: أنه لا يحد الرجل-: فلا يجب حد القذف على الشهود في حق الرجل؛ لأن العدد قد تم في حقه، وترد شهادة الشهود الطواعية؛ لأنه مجتهد فيه؛ كرد شهادة الفاسق.
ولو شهد أربعةٌ نم العدول على امرأة بالزنى، وشهد أربع نسوة عدولٍ على أنها عذراء-: لا يجب عليها حد الزنى؛ لأن بقاء عذرتها شبهة يسقط به الحد عنها، ولا حد على قاذفها؛ لأن البينة قامت على زناها، ولعل عذرتها عادت بعد ذهابها؛ لعدم المبالغة في الافتضاض، ولا حد على الشهود لهذا المعنى، فلو أقامت امرأة أربعة من العدول على أن فلانًا أكرهها على الزنى، وشهد أربع نسوة عدولٍ على أنها عراء-: لا حد عليه؛ لأن
[ ٧ / ٣٤٠ ]
العذرة شبهة، ويجب عليه المهر؛ لأنه يثبت م الشبهة، ولا يجب عليها حد القذف؛ لشهادة العدول على صدقها.
وكذلك: لو شهد رجلان على وطئها بالشبهة، وشهد أربع نسوة على عذرتها-: يجب المهر.
فصلٌ: في الروع عن الشهادة
روى الشعبي؛ أن رجلين شهدا عند عليٍّ -﵇ - على رجل أنه سرق، فقطعه، ثم أتياه برجلٍ آخر، فقالا: أخطأنا الأول، وهذا السارق، فأبطل شهادتهما على الآخر، وضمنهما دية الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما.
إذا شهد الشهود على رجل بحق، ثم رجعوا - نظر: إن رجعوا قبل القضاء-: لا يجوز للقاضي أن يحكم به؛ لأنا لا ندري أيهم صدقوا في الأول وفي الآخر، ولا يجوز الحكم ما لم يغلب على القلب صدق الشهود.
وإن رجعوا بعد القضاء قبل الاستيفاء: فإن كان عقوبة من حد أو قصاص-: لا يجوز أن يستوفي؛ لأنه يسقط بالشبهة، وإن كان مالًا أو عقدًا- فوجهان.
المنصوص: أنه يستوفي؛ لأن الشبهة لا تؤثر فيه، وقد نفذ الحكم؛ فلا يرد.
وقيل في العقوبة التي هي حق للعباد- أيضًا - وجهان؛ مثلُ القصاص وحد القذف.
والمذهب الأول.
وإن رجعوا بعد [الاستيفاء: لا ينقض] الحكم، وعلى الشهود الغُرم على ما سيأتي في "كتاب الشهادات".
والمقصود من هذا الفصل بيان شهود العقوبة، إذا رجعوا فلو شهد أربعةٌ على رجل بالزنى، وهو محصن، فرجم، أو شهد شاهدان بقتل قصاص أو ردة، فقتل ثم رجعوا - نظر:
إن قالوا: تعمدنا، وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا-: يجب عليهم القصاص أو دية مغلظة في أموالهم موزعة على عدد رءوسهم؛ لأنهم ملجئون إلى القتل؛ كالمكره.
وعند أبي حنيفة والثوري: لا يجب القصاص على الشهود؛ بل عليهم ديةٌ مغلظةٌ في أموالهم.
فنقول تسبب؛ لا تقطع المباشرةٌ حكمه؛ فجاز وجوب القصاص به؛ كالإكراه، وإن
[ ٧ / ٣٤١ ]
كان هذا في زنى، [ولا] يحد الشهود حد القذف، ثم يقتلون قصاصًا.
وإن قالوا: تعمدنا، ولو نعلم أنه يقتلُ، وهم ممن يجوز أن يخفى عليهم مثله؛ لقرب عهدهم بالإسلام-: أو قالوا في الرجم: ظننا أنه بكرٌ-: حلفوا عليه، ثم هو شبه عمد-: لا يجب به القصاص، وعزروا، وتجب دية مغلة مؤجلة في أموالهم، لأنه ثبت بقولهم، إلا أن تصدقهم العاقلة؛ فيكون عليهم.
أما إذا قالوا: تعمدنا، ولم نعلم أنه يقتل بقولنا، وهم ممن لا يخفى عليهم ذلك-: فهو عمد محض: جب عليهم القود، كمن رمى سهمًا إلى إنسانٍ، فأصابه، ثم قال: لم أعلم أنه يبلغه-: يجب عليهم القود.
وإن قالوا: أخطأنا إليه من غيره-: حلفوا، وتجب الدية مخففة في أموالهم، إلا أن تصدقهم العاقلة؛ فتكون عليهم، وإن كان هذا في زنى، فحد القذف، لا يسقط عنهم بقولهم:"أخطأنا"؛ لأن القذف يوجب الحد، وإن أخطأ.
وكذلك: لو شهدوا على غير محصن بالزنى؛ أو شهدوا بشرب الخمر، فجلد، فمات فيه، أو بسرقة، أو قطع قصاص، [فقطع] فمات فيه، ثم رجعوا-: يجب عليهم القصاص في النفس، إذا قالوا: تعمدنا، ولو قطع شهادتهم قصاصًا أو سرقة، ولم يمت، ثم رجعوا-: يجب عليهم القصاص في الطرف، وإن شهدوا بقذف، أو شرب خمر، أو بالزنى، وهو غير محصن، فجلد، ولم يحث، ثم رجعوا-: يعزرون في القذف والشرب، وفي الزنى يحدون حد القذف، ويدخل فيه التعزير.
ولو شهد أربعةٌ على الزنى، فرجم، ثم رجعوا، فقال واحدٌ: تعمدت، سواءٌ قال: لا أدري ما حال أصحابي، أولم يقل، وقال أصحابه: أخطأنا-: لا قصاص على واحدٍ منهم؛ لأن العامد شريك المخطئين، بل على العامد ربعُ الدية مغلظةً في ماله، والباقي على المخطئين مخففة.
ولو قال واحدٌ: تعمدت، ولا أدي ما حال أصحابي، وقال أصحابه: تعمدنا، ولاندري ما حاله-: فقد أقروا بالعمدية؛ عليهم القصاص.
وأما إذا قال واحدٌ: تعمدت، ولا أدري ما حال أصحابي، وأصحابه موتى، أو غيبٌ-: فلا قصاص عليه؛ لاحتمال أن أصحابه أخطئوا، بل عليه ربع الدية؛ كما لو صرح، وقال: تعمدت أنا، وأخطأ أصحابي، وهم غيبٌ، أما إذا قال: تعمدت أنا وأصحابي، وهم غيبٌ، أو موتى: عليه القود.
[ ٧ / ٣٤٢ ]
ولو قال واحدٌ: تعمدت أنا وأصحابي، وقال أصحابه: أخطأنا جميعًا، أو أخطأنا وتعمد هو-: فلا قود على أصحابه، ويجب عليه؛ لأنه أقر بعمدية الكل.
وقيل: لا قود عليه؛ لأن قول أصحابه في خطئهم مقبولٌ، وهو شريك اخاطيء.
والأول المذهب.
ولو قال واحدٌ: تعمدت، وتعمد أصحابي، وقال أصحابه: تعمدنا، وأخطأ هو-: يجب القود عليه، وهل يجب على أصحابه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنهم أقروا بالعمدية، وأضافوا الخطأ إلى من هو مقر بالعمدية.
والثاني-[وهو الأصح]-: لا قود عليهم؛ لأنهم أقروا بعمد شاركهم فيه مخطيء، بل تجب الدية مغلظة في أموالهم.
ولو قال واحدٌ: تعمدت، وأخطأ أصحابي، وقال أصحابه: تعمدنا وأخطأ هو-: فعلى هذين الوجهين:
أحدهما: على جميعهم القود؛ لأن كل واحد [يقر] بعمديته، ويضيف الخطأ إلى من يقر بالعمدية.
والثاني- وهو الأصح-: للقود على واحدٍ منهم؛ لأن كل واحد يقر بعمدٍ شاركه فيه مخطيء، ولا خلاف أن الدية تكون على جميعهم مغلظة.
هذا إذا رجعوا جميعًا، فأما إذا رجع واحدٌ منهم-: فلا قود عليه، وإن قال: تعمدت؛ بل عليه ربع الدية، فإن قال الرابع: تعمدنا جميعًا - حينئذٍ: عليه القود؛ كما لو رجعوا جميعًا، وقال واحدٌ: تعمدنا، وقال الآخرون: أخطأنا-: يجب القود على من قال: تعمدنا، على الأصح، وإن رجع اثنان-: فعليهما نصف الدية، وإن كان هذا في قتل؛ شهد عليه شاهدان، ثم رجع واحد-: عليه نصف الدية، ولو شهد على أمر أكثر من عدد الشهادة، ثم رجع الزيادة؛ مثل: إن شهد على الزنى خمسةٌ، ثم رجع واحد منهم بعد الرجم، فهل يجب عليه الضمان؟ فيه وجهان:
أصحهما- وهو قول ابن سريج-: لا ضمان عليه؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه قد بقى من يتعلق الحكم بشهادته.
والثاني- وهو اختيار المزني -: يجب عليه خمس الدية؛ لأن القتل كان بقولهم جميعًا
[ ٧ / ٣٤٣ ]
فإذا رجع واحدٌ-: عليه حصته من الدية؛ كما لو رجع من الأربعة- واحد-: يجب عليه ربع الدية، ولاخلاف أن القصاص لا يجب.
أما إذا رجع اثنان من الخمسة-: فعلى الوجه الأول -وهو الأصح-: عليهما ربع الدية؛ لأنه قد بقي في الشهادة من يثبت بشهادتهم ثلاثة أرباع الدية.
وعلى الوجه الثاني: يجب عليهما الخمسان.
وعلى الوجهين: إذا قال الراجعان: تعمدنا-: قلنا: يجب عليهم كلهم القود؛ كما لو رجعوا جميعًا.
ولو قال اثنان منهم: تعمدنا جميعًا، وقال الآخرون: أخطأنا-: يجب القود على من قال: تعمدنا جميعًا.
ولو رجع ثلاثةٌ-: فعلى الوجه الأول: عليهم نصف الدية، وعلى الثاني ثلاثة أخماسها، ولو رجع أربعة-: فعلى الوجه الأول: عليهم ثلاثة أرباع الدية، وعلى الوجه الثاني: عليهم أربعة أخماسها، ولو رجعوا جميعًا-: فعلى كل واحد خمس الدية، لا يختلف القول فيه، وإن كان هذا في القصاص-: شهد عليه ثلاثةٌ، فرجع واحد منهم-: فعلى الوجه الأول- وهو الأصح-: لا شيء عليه؛ لأنه قد بقي من يثبت القصاص بشهادتهم.
وعلى الوجه الثاني: عليه ثلث الدية.
وإذا رجع اثنان-: فعلى الوجه الأول عليهما نصف الدية.
وعلى الوجه الثاني: الثلثان.
وإذا رجعوا جميعًا-: فعلى كل واحد منهم ثلث الدية.
ولو شهد أربعةٌ على الزنى، واثنان آخران على الإحصان، فرجم المشهود عليه، ثم رجعوا-: هل يجب الضمان على شهود الإحصان؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحهما- وبه قال أبو حنيفة-: لا ضمان عليهم، لأنهم لم يشهدوا بما يوجب القتل، إنما أثبتوا صفة كمال فيه، لا تتعلق العقوبة بها؛ كما لو أثنوا عليه خيرًا.
والثاني: عليهم الضمان، وإن قالوا: تعمدنا-: عليهم القود؛ كشهود الزنى؛ لأن الرجم لم يستوف إلا بقولهم.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
والثالث: يُنظر: إن شهدا بالإحصان قبل ثبوت الزنا-: فلا ضمان عليهما، لأنهما لم يثبتا إلا صفةً، وإن شهد بعد ثبوت الزنى-: فعليهم الضمان؛ لأنه رجم بقولهم.
فإن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان فالدية على شهود الزنى أربعًا، وإن قلنا يجب الضمان على شهود الإحصان: فعلى هذا: توزع، وكيف توزع الدية عليهم؟ فيه وجهان:
أصحهما: هم جميعًا بمنزلة الشهود؛ فيكون الثلث على شهود الأحصان، والثلثان على شهود الزنى فتوزع الدية على عدد رءوسهم، على كل واحدٍ سدسها، حتى لو شهد على الإحصان أربعة - أيضًا - لا يجب عليهم إلا الثلث؛ اعتبارًا بأصل ما يثبت به الإحصان.
والوجه الثاني: الإحصان مع الزنى نوعان، فيجب النصف على شهود الزنى، والنصف على شاهدي الإحصان؛ ما لو رجع القاضي مع الشهود-: يجب النصف على القاضي، والنصف على الشهود.
ولو رجع واحدٌ من شهود الزنى، وواحدٌ من شاهدي الإحصان:
إن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: فعلى الراجع من شهود الزنى الضمان.
وإن قلنا يجب الضمان على شهود الإحصان: فإن قلنا: يجب عليهم ثلث الضمان-: فههنا: [يجب] على كل واحد سدس الدية.
وإن قلنا: عليهم النصف -: فعلى الراجع من شهود الزنى ثمن الضمان، وعلى الراجع من شهود الإحصان الربع؛ لأن النصف موزع عليهما.
وكذلك: لو رجع واحدٌ من أحد الفريقين وحده-: ففيما عليه هذا الاختلاف.
وعلى هذا لو شهد أربعة على الزنى: اثنان منهم على الإحصان، ثم رجعوا:
إن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: فالدية عليهم أرباعًا.
وإن قلنا: يجب الضمان على شهود الإحصان-: ففي هذه المسألة وجهان:
أحدهما: توزع على عدد رءوسهم؛ فعلى شاهدي الإحصان نصفها، وعلى الآخرين نصفها؛ لأنا-: نجعل الرجوع عن الشهادة بمنزلة الجناية-: فهي كأربعة نفر جنوا على رجل؛ اثنان منهم جنيا كل واحد جنايتين، وآخران: جنى كل واحد جناية واحدة؛ فتكون الدية عليهم سواء.
[ ٧ / ٣٤٥ ]
والوجه الثاني: يفرد ضمان شاهدي الإحصان، فعلى هذا: يبنى على ما ذكرنا أن شاهدي الإحصان مع شهود الزنى، إذا رجعوا ماذا يجب على شاهدي الإحصان؟:
إن قلنا: يجب الثلث على شاهدي الإحصان- فههنا: يجب الثلثان عليهما: ثلث عن الزنى، وثلث عن الإحصان؛ فيكون على كل واحد منهما ثلث الدية؛ سدس عن الدية، وسدس عن الإحصان، وعلى كل واحد من شاهدي الزنى من الدية ثمن الدية.
وإن قلنا: يجب النصف على شاهدي الإحصان-: فههنا: يجب عليهما ثلاثة أرباع الضمان؛ النصف بسبب الإحصان، والربع بسبب الزنى؛ فيكون على كل واحد من شاهدي الإحصان ثلاثة أثمان الضمان؛ ربعٌ عن الإحصان، وثمن عن الزنى، وعلى كل وحدٍ ممن شهد على الزنى الثمن.
وإن رجع واحدٌ منهم - نُظر:
إن رجع ممن شهد على الزنى وحده:
إن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: عليه ربع الدية.
وإن قلنا: يجب الضمان على شهود الإحصان: إن قلنا يجب الثلث -: فعليه سدس الدية.
وإن قلنا: يجب النصف-: فعليه الثمن.
وإن رجع ممن شهد عليهما: فإن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: يجب عيه ربع الدية، وإن قلنا: يجب الضمان على شهود الإحصان، إن قلنا: إذا رجعوا جميعًا، يجب على شهود الإحصان الثلث -: فههنا: على الراجع الثلث، سدس عن الزنى، وسدس عن الإحصان.
وإن قلنا: على شهود الإحصان النصف: فعليه ثلاثة أثمان الضمان؛ ربع عن الإحصان، وثمن عن الزنى.
ولو شهد أربعة على الزنى، والإحصان جميعًا، ثم رجع واحد منهم: إن قلنا: لا غُرم على شهود الإحصان-: يجب عليه ربع الدية.
وإن قلنا: يجب فههنا: قد بقي من شهود الإحصان من يثبت بشهادته الإحصان.
فإن قلنا: يجب الضمان على الراجع، مع بقاء من يثبت به الحجة-: فيجب على الراجع ربع الدية، وإن قلنا: لا ضمان على الراجع مع بقاء من يثبت به الحجة - وهو الأصح-: فلا يجب الضمان على الراجع بسبب الإحصان، وماذا يجب بسبب الزنى؟: إن
[ ٧ / ٣٤٦ ]
قلنا: على شهود الإحصان ثلث الغرم-: فعلى الراجع سدس الغرم.
وإن قلنا: نصف الغرم-: فعلى الراجع ثمن الغرم.
هذا كله في رجوع الشهود.
أما إذا رجع القاضي دون الشهود، فقال: تعمدت-: يجب عليه القود، وكمال الدية، ولا شيء على الشهود.
ولو رجع الولي في القصاص وحده-: عليه القصاص، أو كمال الدية.
ولو رجع القاضي والشهود-: فعليهم القود، فإذا عفوا، وقالوا أخطأنا -: فعليهم الدية نصفان، نصفها على القاضي، ونصفها على الشهود.
ولو رجع الولي معهم: فإن تعمدوا-: فعليهم القود، وإن أخطؤوا-: فالدية عليهم أثلاثًا، ثلث على القاضين وثلث على الشهود، وثلث على الولي.
وقد قيل: القصاص أو كمال الدية على الولي دون القاضي والشهود؛ لأنه الذي باشر القتل.
والأول أصح.
ولو رجع القاضي مع شهود الزنى، وشهود الإحصان.
فإن قلنا: لا غرم على شهود الإحصان-: يجب نصف الضمان على القاضي، والنصف على شهود الزنى.
وإن قلنا: يجب الغرم على شهود الإحصان-: فكون ثلث الغرم على القاضي، لا خلاف فيه، وفي الباقي وجهان:
إن قلنا: شهود الزنى والإحصان يغرمون منا صفة-: فنصف الباقي على شهود الزنى، والنصف على شهود الإحصان؛ فيكون على كل طائفة ثلثها.
وإن قلنا: على شهود الإحصان ثلث الغرم، إذا كانوا مع شهود الزنى؛ فيجعل الباقي أثلاثًا ثلثه على شاهدي الإحصان، وثلثاه على شهود الزنى.
قال الإمام - ﵀-: عندي إذا قلنا: شهود الزنى والإحصان نوع واحد-: [يجب] نصف الغرم على القاضي، والنصف على شهود الزنى والإحصان جميعًا.
ولو رجع المزكي، هل عليه الضمان، وإن تعمد - فالقود فيه وجهان:
[ ٧ / ٣٤٧ ]
الأصح: لا غرم عليه؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه، لأنه إنما أثبت صفة في الشاهد.
قال الشيخ القفال - ﵀-: الوجهان فيما إذا قال المزكيان: علمنا أن الشاهدين كانا كاذبين؛ بأن أقرا بالكب بين أيدينا، وأما إذا قالا: كانا فاسقين فزكيناهما-: فلا شيء على المزكي؛ لاحتمال أن الشاهدين كانا صادقين، مع كونهما فاسقين.
فإن قلنا: يجب الضمان على المزكي-: فالمزكيان مع شهود الزنى وشهود الإحصان نوعٌ واحدٌ، حتى إذا رجعوا توزع الدية على عدد رءوسهم أم توزع حتى يجب على كل طائفة ثلثها؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا في شهود الزنى، مع شهود الإحصان، والله أعلم.
باب حد القذف
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
من قذف محصنًا أو محصنة بأن قال له: يا زاني، أو زنيت-: يجب عليه الحد ثمانون جلدة إلا الوالد يقذف ولده، أو أحدًا من نوافله-: لا يجب عليه الحد؛ كما لا يجب عليه القصاص بقتله.
وشرائط إحصان القذف خمسة:
الإسلام.
والعقل.
[ ٧ / ٣٤٨ ]
والبلوغ.
والحرية.
والعفة من الزنى.
حتى لو قذف ذميًا أو صبيًا أو مجنونًا أو عبدًا أو شخصًا قد زنى مرة- لا يجب الحد على قاذفه، ولكن يعزر للأذى.
نما يجب الحد على القاذف، إذا كان عاقلًا بالغًا، سواءٌ كان مسلمًا أو ذميًا، أو معاهدًا، ثم إن كان حرًا-: عليه جلد ثمانين، وإن كان عبدًا-: فيجلد أربعين.
وكذلك: المكاتب، وأم الولد، ومن بعضه حر وبعضه رقيقٌ-: فحدهم حد العبيد، ولا يجب الحد بقذفهم.
ولو قذف صبي أو مجنون إنسانًا-: فلا حد عليه، ثم إن كان الصبي يعقل عقل مثله، والمجنون له تمييز-: يُعزر.
ولو نسبه إلى كبيرة غير الزنى: من كفر أو سرقه، أو شرب، أو قتل-: فلا حد عليه، ولن يعزر للأذى، وأكثر مسائل هذا الباب مذكورة في "كتاب اللعان"، والله أعلم.
باب السرقة
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ الآية [المائدة: ٣٨].
السرقة أخذ المال خفية من الحرز، فكل مكلفٍ التزم حكم الإسلام، سرق نصابًا من
[ ٧ / ٣٤٩ ]
المال، مختارًا من حرز مثله لا شبهة له فيه-: وجب عليه القطع، سواءٌ كان السارق رجلًا أو امرأة، حرًا أو عبدًا، آبقًا كان العبد أو غير آبق.
[ ٧ / ٣٥٠ ]
ولو سرق صبي أو مجنونٌ شيئًا-: لا قطع عليه؛ لأن القلم عنه مرفوع.
وكذلك: لو أكره على السرقة، ففعل-: لا قطع عليه.
ويجب على الذمي القطع بالسرقة، ولا يجب على الحربي؛ لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام، وفي المستأمن قولان.
ولا يجب القطع بسرقة مادون النصاب.
والنصاب ربع دينار من الذهب الخالص، لما رُوي عن عائشة - ﵂- أن النبي - ﷺ- قال:"تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" والمراد بـ "الدينار" المثقال وزن سبعة مثاقيل.
[ ٧ / ٣٥٣ ]
وقال داود: النصاب غير شرط، ويقطع بسرقة القليل والكثير جميعًا، والخبر حجة عليه، ولأن القطع شرع للزجر عما يميل الطبع إليه، وطبع الإنسان لا يميل إلى سرقة الشيء التافه القليل، فلم تشرع فيه العقوبة، للزجر فإذا سرق ربع دينار، أو سرق شيئًا قيمته ربع دينار-: يجب القطع.
[ ٧ / ٣٥٤ ]
وتقويم المسروق يكون بالذهب، حتى لو سرق دراهم-: تقوم بالدنانير، فإن بلغت قيمتها ربع دينار-: قطع؛ وألا فلا يقطع.
[ ٧ / ٣٥٥ ]
وعند أبي حنيفة: نصاب السرقة عشرة دراهم وعند مالك: ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، ويقوم المسروق بالدراهم.
[ ٧ / ٣٥٦ ]
والخبر حجة لنا؛ لأن النبي - ﷺ - قدر النصاب بالذهب.
ولو سرق دنانير مغشوشة، فإن كان فيها من الذهب الخالص ربع دينار فيقطع وألا فلا، ولو سرق تبرًا من الذهب، أو حليًا من ذهب وزن ربع دينار، وقيمته أقل من ربع دينار مضروب-: هل يجب القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو قول الأكثرين-: يجب القطع؛ لأن الاعتبار بالذهب، وقد سرق من الذهب وزن ربع دينار.
والثاني- وهو قول الإصطخري، وأبي علي بن أبي هريرة-: أنه لا يجب القطع، لأن النبي - ﷺ - نص على ربع دينارٍ.
والدينار اسم للمضروب؛ فعلى هذا: يقوم تبر الذهب بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالدنانير المضروبة.
ولا يختلف القطع باختلاف أنواع المال، حتى تجب بسرقة الثمار الرطبة، والبقول، والخضروات، والرياحين، وسرقة الأطعمة المطبوخة، كالهريسة، والحلواء، والشواء، ونحوها.
[ ٧ / ٣٥٩ ]
وهل يجب بسرقة الماء؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه مال يباع ويبتاع.
والثاني: لا يجب؛ لأنه لا يقصد إلى سرقته، كالشيء التافه الذي لا تبلغ قيمته نصابًا.
ويجب بسرقة كل شيء [كان] أصله على الإباحة، فملك كالحشيش والحطب والصيود والطين وغيرها.
وعند أبي حنيفة: لا قطع في الثمار الرطبة، ولا في الأطعمة المطبوخة، ولا فيما كان أصله على الإباحة؛ كالحشيش والحطب والخشب، إلا أن يكون الخشب معمولًا: فيجب فيه القطع، وأوجبوا في خشب الساج، وإن لم يكن معمولًا ولم يوجبوا في الطين والزجاج، وإن كان معمولًا، فقالوا: لا يجب في الصيود والطيور، إلا الدراج.
وقالوا: لا يجب فيما يستخرج من المعادن من النفط والمومياء، ونحوه، إلا الجواهر.
والدليل على ما قلنا: ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - سئل عن التمر المعلق؟ قال: من سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين مبلغ ثمن المجن، فعليه القطع".
وعن عثمان؛ أنه قطع سارقًا في أنزجةٍ قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر
[ ٧ / ٣٦٠ ]
درهمًا بدينارٍ، ولأنه مالٌ محرز؛ فيجب بسرقة جنسه القطع؛ كالدراهم والدنانير، وإن كان أصلها على الإباحة.
ويجب القطع بسرقة المصحف والتفاسير وأخبار الرسول ﷺ.
وتجب بسرقة كتب الأشعار عن كانت حكمة، وإلا فلا، إلا أن يصلح جلده وقرطاسه للاستعمال في مباح وبلغ نصابًا.
وعند أبي حنيفة: لايقطع بسرقة المصحف، وإن كانت حليته ثمينة تزيد على النصاب.
فصلٌ: في بيان الحرز
رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة الجبل، فإذا آواه المراح والجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" فأسقط القطع في الماشية، إلا ما آواه المراح، وفي الثمر المعلق إلا ما أواه الجرين، فدل أن الحرز شرط في إيجاب القطع.
ورُوي أن صفوان بن أمية قدم المدينة فنام في المسجد وتوسد رداءه، فجاء سارقٌ، وأخذ رداءه، فأخذه صفوان، فجاء به رسول الله - ﷺ - فأمر أن تقطع يده، فقال صفوان: "إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله - ﷺ -:"فهلا قبل أن تأتيني به" الحرز شرط لوجوب القطع في السرقة؛ فإن سرق من حرز، وأخذ نصابًا-: قطع، وإن سرق من حرزين نصابًا-: لا يقطع، وإن سرق من غير حرز-: لاقطع عليه.
والحرز يختلف باختلاف الأموال، والمرجع فيه إلى العرف والعادة، فما يعرفه الناس حرزًا لنوع من الأموال، وهو ما لا ينسب المودع إلى التضييع بوضع الوديعة فيه عند إطلاق الإيداع، فإذا سرق منه: يجب القطع، وما لا يعرفونه حرزًا لمثله-: لا يجب فيه القطع؛ لان الشرع لما دل على اعتبار الحرز، ولم يجعل له حدًا-: كان الرجوع فيه إلى العرف، لقبض المبيع والتفرق عن مكان البيع، وإحياء الموات، وكل ما كان حرزًا لشيء -: فهو
[ ٧ / ٣٦١ ]
حرز لما دونه دون ما فوقه؛ فالإصطبل حرزٌ للدواب دون النقود، والثياب، والمتبن حرز للتبن دون الفرش والأواني.
وعند أبي حنيفة: الحرز لا يختلف، فما كان حرزًا لنوع -: كان حرزًا لجميع الأنواع، حتى جعلوا الإصطبل والمتبن حرزًا للنقود والثياب.
إذا ثبت أن الحرز يختلف-: فالأموال النفيسة كالنقود والجواهر والثياب الثمينة من الحرز تختلف، فالأموال النفيسة والبرد، الإبريسم فحرزها الخزائن والبيوت في الخانات والأسواق الحريزة، وفي الدور المنيعة، والصفة في الدار حرز للفراش والصحن حرز للأواني.
ولو نام رجل في صحراء أو مسجد على ثوبه، أو اتكأ عليه، [أو] توسد متاعه، فجاء سارقٌ، وأخذ الثوب من تحته، أو المنديل من رأسه، أو المداس من رجله، أو الخاتم، من إصبعه، أو أخذ شيئًا من المتاع الذي توسده- قطع؛ لأنه محرز به؛ بدليل حديث صفوان.
ولو زحف عن ثوبه في النوم، فأخذه رجل أو رفعه السارق من الثوب، ثم أخذ الثوب - لا يقطع؛ لأن الحرز قد زال بزحفه ورفعه السارق.
ولو وضع ثيابه أو خفه أو متاعه بقربه، فنام، فسرق - لم يقطع؛ لأنه غير محرز، وإن كان متيقظًا، ينظر فتغفله رجلٌ، فسرق - قطع.
ولو طُر جيب إنسان أو كمه، فأخذ المال - قطع سواء كان ربطه في الكم أولم يربطه، فادخل يده في كمه أو جيبه، فأخذه، وسواء كان الرباط داخلًا أو خارجًا، وإن أخذه من رأس منديله في رأسه: فإن كان قد شده عليه - قُطع، وإن لم يشده فلا.
والبقال والصيدلاني: إذا أخرج متاعه على باب الحانوت، وقام، فتركه- نُظر: إن ضم الأمتعة بعضها إلى بعض، وربطها بحبلٍ، أو نصب عليها شبكة، أو نصب لوحين في باب الحانوت مخالفًا: فإن كان بالنهار، والناس ينظرون - فهو حرزٌ؛ يقطع من سرق منه، وإن ترك الأمتعة خارج الحانوت متفرقة، [لم يضمم بعضها إلى بعض، ولم يربطها]- فليس بحرزٍن و[في الليلي لا يكون حرزًا، كيفما كان؛ إلا أن يكون عليه حارس [أو كان في
[ ٧ / ٣٦٢ ]
سكة أو سوق، وله باب مغلق ولذلك المكان حارسٌ] وكذلك لو سرق الطعام من غرائر يشد بعضها إلى بعض في موضع البيع بحيث لا يمكن أخذ شيء منه إلا بحل الرباط أو فتق الظرف - قُطع؛ لان العادة تركه في موضع البيع، [وإن لم يكن عليها باب مغلق عند الأمن.
وقيل: لا يقطع؛ إلا أن يكون في دار، دونها بابٌ مغلق، وكذلك لو سرق حطبًا شد بعضه إلى بعض - قطع؛ لأنه محرز بالشد، وإن كان متفرقًا- لم يقطع، وقيل: لا يقطع؛ إلا بأن يكون في دار دونها باب مغلق، أو على سطح محوط، مجتمعًا كان أو متفرقًا، والقصيل على السطح محرز؛ إن كان السطح محوطًا بالحطب.
ولو سرق أجذاعًا ثقالًا مطروحة على أبواب المساكن- قُطع، ولو ترك البقال المتاع في الحانوت بالليل، وأغلق بابه: فإن كان فيوقت الأمن - فهو محرز، وإن لم يكن- فلا يكون محرزًا؛ إلا بحارس، ومال البياع والبزاز لا يكون محرزًا إلا بحارس.
ولو سرق باب دار أو دكان أو المغلاق، أو حلقة الباب، وهي مسمرة- قطع؛ لأنها محرزة بالتركيب والتسمير، وكذلك الآجر إذا سرقه من صحن الدار أو أخرجه من الجدار، خارجًا أو داخلًا، ليلًا كان أو نهارًا، والحنطة في المطمورة أو في الجبانة، والتبن في المتبن، والثلج في المثلجة والجمد في المجمدة - غير محرز إلا بحارس، وكذلك الكدس، في الصحراء، والزرع والكرسف، قصيلًا كان أو اشتد حبهن وخرج جوزقه فلا يكون محرزًا إلا بحارس، وكذلك البذر في الأرض: إن كان مستترًا بالتراب، وإن كانت هذه الأشياء في محوط - فكالثمار، والثمار على الأشجار في البرية- لا تكون محرزة إلا بحارس، فإن كانت في البساتين والروم - نظر: إن كانت متباعدة عن الطرق والمساكن - لا تكون محرزة إلا بحارس.
وإن كانت متصلة بالدور والبساتين، لها جيران حفظة - فهو محرز، وإن لم يكن لها حارس على الخصوص؛ وإلا - فلا تكون محرزة إلا بحارس؛ كالأمتعة في الدور،
[ ٧ / ٣٦٣ ]
والأشجار الراسخة في أفنية الدور محرزة بباب الدور وفي البرية- لا تكون محرزة إلا بحارس، ولو سرق شيئًا من المواشي من الأبنية المغلقة - يجب القطع، فإن كانت الإبل في صحراء لا يخلو: أما إن كانت راعية أو مقطرة، أو باركة، فإن كانت راعية، وعليها حافظ، يرى الكل - فهي محرزة، فإذا احتال رجلٌ، وسرق منها شيئًا- قُطع، وإن كان بعضها في وهدة، أو خلف جبل، أو وراء حائل لا يراه الحافظ: فما لايراه الحافظ- لا يكون محرزًا، وكذلك، لو نام الحافظ عما يراه- لا يكون محرزًا، [وإن] كانت الإبل في السير - نظر: إن لم تكن مقطرة، ويسوقها رجل أو يقودها واحدٌ، ويتبعه الآخر - فلا يكون محرزًا، لأن حرزها التقطير في السير، وإن كانت مقطرة -نظر: إن كانت في مستوى الأرض، وواحدٌ يسوقها، أو يقودها، أو ركب واحدًا منها، وهذا القائد يلتفت كل ساعة، وإذا التفت يرى الكل- فهي محرزة بهذين الشرطين بالالتفات إليها، وبمشاهدة الكل، وكذلك لو كان يسوق بقرة، والعجل خلفه يتبعه، فسرق العجل، فإن كان قريبًا منه بحيث لو التفت يراه، وهو يلتفت كل ساعة - قطع؛ وإلا - فلا.
وإنما تكون الإبل بالإفطار محرزًا، إذا لم يزد في قطار واحد على تسع؛ لأنه العرف في القطار، فإن كان القطار في أبنية البلد - فما يقع عليه بصره؛ لو التفت - يكون محرزًا، [وما يستتر بالبناء - ولا يقع عليه بصره؛ إذا التفت - لا يكون محرزًا] وقال أبو حنيفة: إن كان يسوقها - فالكل محرز، وإن كان يقودها - فالذي بيده زمامه محرز دون غيره.
فكل موضع جعلنا الإبل محرزة- فما عليه من المتاع محرز، بقطع سارقه؛ سواء سرق المتاع من الوعاء أو مع الوعاء، أو سرق البعير الذي عليه المتاع معه.
وقال أبو حنيفة: إن سرق مع الوعاء - لا يقطع، وإن أدخل يده في الوعاء، فأخذ منه شيئًا - قطع، ولو أخذ رجلٌ بزمام البعير الذي عليه الحارس، فذهب -يقطع؛ لأنه محرزٌ بالحارس، ويد الحارس لم تزل عنه، وإن كان على البعير عبد - نظر: إن كان صغيرًا - فهو كسائر الأموال؛ يكون محرزًا بالسيد، وإن كان كبيرًا - فهو كالسيد؛ يكون المال محرزًا به.
[ ٧ / ٣٦٤ ]
قال الإمام﵀-: إن كان القائم بالمال هو ذلك العبد؛ [وألا] يجب القطع على من سرقه مع البعير، كمن سرق عبدًا بالغًا قائمًا مع المتاع - يقطع، وإن كان الراكب نائمًا، فأنزله عن البعير، وذهب بالبعير - لم يقطع؛ لأنه رفع الحرز، ولم يهتكه؛ بخلاف ما لو فتح الحرز، أو ثقب الجدار، فأخذ المال، قُطع؛ لأنه هتك الحرز.
وإن كانت الإبل باركةً، وهو ينظر إليها - فهي محرزة، وإن كان لا ينظر إليها - فلا تكون محرزة إلا بشرطين:
أحدهما: أن يعقلها.
والثاني: أن ينام عندها.
فإن فقد أحد الشرطين -فلا تكون محرزة، وما على الجمال من الأحمال محرز بحرز الجمال.
والغنم في المرعى - كالإبل.
فإن كان الراعي على نشر، يرى الكل - فهي محرزة، وإن كانت متفرقة، إذا كان يبلغها صوته، إذا زجرها، فإن كان بعضها في هبوط أو على صعود؛ لا يراها الراعي - فما غاب عن بصره - لا يون محرزًا.
وكذلك الخيل والبغال والحمير في المراعي.
وإن بعدت الأغنام عنه؛ بحيث لا يبلغها صوته فما لم يبلغها صوته - لا يكون محرزًا؛ لأنها تجتمع وتتفرق بصوته، وإن كانت الأغنام والخيل والبغال والحمير سائرة، وخلفها سائق يرى جميعها، ويبلغا صوته؛ [إذا زجرها - فهي محرزة، وما غاب عن عينه أو لم يبلغها صوته] فغير محرز.
وإن كانت في مراحها- نظر: إن كان في البلد- فلا تكون محرزة؛ إلا أن تكون في بناء، والباب مغلق، وإن كان في صحراء - فحتى يكون حولها جدارٌ من حشيش أو حطب، وينام عندها.
ولو سرق عبدًا صغيرًا، أو أعجميًا- قطع، إن كان محرزا، وحرزه: أن يكون في الدار، أو بفناء الدار؛ سواء كان نائمًا؛ فرفعه، أو منبتها؛ فدعاه؛ وسواء كان وحده أو
[ ٧ / ٣٦٥ ]
يلعب مع الصبيان؛ [لأن الولي لا ينسب إلى التضييع بترك العبد الصغير على باب الدار.
فإن بعد من داره؛ بأن دخل سكة أخرى- لم يقطع سارقه] لأن الولي ينسب على التضييع في هذه الحالة، وإن كان العبد بالغًا عاقلًا - فلا يقطع؛ إذا دعاه، فإن أكرهه، أو كان نائمًا، فرفعه - قطع؛ سواء كان بفناء الدار أو لم يكن؛ لأنه محرزًا بنفسه، ولو سرق صغيرًا حرًا لا قطع عليه؛ لأن الحر - لا يضمن باليد، فإن كان معه مال أو في عنقه قلادة تبلغ نصابًا - فيه وجهان:
أحدهما: يقطع؛ لأنه سرق نصابًا.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه محرز بالصبي، والصبي معه؛ كما لو قاد الجمل، والمالك عيه نائم؛ فنه لا يقطع.
أما إذا سرق حليًا في عنق صبي - يقطع، وإن كان صغيرًا، إذا كان قريبًا من الدار، فإن كان بعيدًا فلا، كالعبد الصغير يسرقه.
ولو سرق كلبًا في عنقه قلادة، قيمتها نصاب، أو سرق القلادة من عنقه - قطع، وحرز الكلب: أن يكون في الدار، كالدواب.
ولو سرق بقرة لا تساوي نصابًا، فتبعها العجل، فتم به النصاب لا يقطع؛ لأن اتباع العجل بسوق الأم تسبب، والقطع يجب بالمباشرة، وهل يدخل العجل في ضمانه؟ فيه وجهان:
[ولو سرق أم ولد إنسان]؟ فيه وجهان:
أصحهما: يقطع؛ لأنها مملوكة؛ تضمن باليد؛ كالعبد القن.
والثاني: لا يقطع؛ لنقصان معنى المالية فيها.
ولو سرق مكاتبًا- لا يقطع؛ لأنه في يد نفسه، وكذلك من بعضه حر وبعضه رقيق.
ولو ضرب فسطاطًا أو خيمة، وآوى إليه متاعه، فسرق الفسطاط والمتاع- نظر.
إن كان منفردًا في [مفازة]، ولم يكن معه من يتقوى به - فلا يكون محرزًا، وكذلك في البلد، وإن نام فيه؛ لأنه لا يعد حرزًا في البلد.
وإن كان الفسطاط في الصحراء -نظر: إن شده بالأوتاد، وأرسل أذياله، ونام فيه، أو
[ ٧ / ٣٦٦ ]
على بابه - فهو محرز، فمن سرق الفسطاط، أو شيئًا مما فيه - يجب عليه القطع.
وعند أبي حنيفة: إن سرق المتاع دون الفسطاط - قطع، وإن سرق مع الفسطاط - لا يقطع؛ ولا فرق عندنا بينهما؛ لأن الكل محرز به، فلو اخرج النائم من السطاط، وبعده عنه، ثم سرق-فلا قطع؛ لارتفاع الحرز بإخراجه، ولو شد الفسطاط بالأوتاد، ولم يسبل ذيوله، ونام فيه: فإن سرق شيء مما فيه- لم يقطع، وإن سرق الفسطاط - قطع؛ لأنه محرز بالشد.
قال الشيخ - ﵀-: إن كان الحافظ مستيقظًا - قطع؛ سواء سرق الفسطاط أو ما فيه.
وإن كان متاعه في دار - نظر: إن كانت منفصلة عن البلد؛ كالرباطات في البرية فإن لم يكن هناك من يتقوى به- فليس بحوز، وإن كان عليها حارس، وإن كانت متصلة بالدور في موضع مأهول نظر: إن كان باب الدار مغلقًا، وفيها حافظ - فهو حرز، ليلًا كان أو نهارًا؛ سواء كان الحافظ مستيقظا أو نائمًا، وإن لم يكن عليها حافظ، والباب مغلق - فهو حرز في وقت الأمن في النهار، وليس بحرز بالليلن ولا في أيام الخوف والنهب؛ ليلًا كان أو نهارًا، إلا بحافظ، وإن كان الباب مفتوحًا: فإن كان فيها حافظ متيقظ - فهو حرز وإن كان من فيها نائمًا - فلا يكون حرزًا؛ لأن النائم الغائب، ولو غاب صاحب البيت، وترك الباب مفتوحًا- فلا يكون ما فيه محرز، كذلك إذا نام.
وقيل: هو محرز بكون النائم فيه؛ إذا كان المتاع قريبًا منه: لأن العادة قد جرت بأن ينام صاحب الدار [ساعة]، ويترك الباب مفتوحًا.
والأول أصح؛ كما لو نام في صحراء، فترك متاعه بين يديه - لا يكون محرزًا، وحكم باب البيت وباب الدار والبستان وحلقة الباب وآجر الجدار حكم متاع الدار؛ من قلعه، فسرقه - يجب عليه القطع.
فكل موضع جعلنا ما في الدار محرزًا بإغلاق الباب نم غير حافظ: فإن كان باب الدار مغلقًا، وباب البيت مفتوح - فهو حرز؛ كما يكون الصحن والصفة حرزًا له، فإن أخرج شيئًا من البيت إلى الصحن- لم يقطع، وإن أخرج من الدار - قطع.
وإن كان باب البيت مغلقًا، وباب الدار مفتوحًا، فأخرجه من البيت إلى الدار - قطع،
[ ٧ / ٣٦٧ ]
وإن كان باب البيت والدار مغلقين: فإن أخرج من الدار - قطع، وإن أخرج من البيت إلى الصحن - ففيه وجهان:
أحدهما: يقطع؛ ما لو كان باب الدار مفتوحا.
والثاني: لا يقطع؛ لأن باب الدار: إن كان مغلقًا - فلم يخرجه عن تمام الحرز؛ كما لو أخرجه من صندوق إلى البيت، ولم يخرجه عن البيت - لم يقطع.
وإن كانت الدار يسكنها جماعة ينفرد كل واحد ببيت، كالخان والمدارس والرباطات أو دار يسكنها جماعة بالكراء، كل واحد في بيت - فهي كدار الغير فيحق من لا يسكنها، فإن سرق أجنبي من صحنها شيئًا، يحرز في الصحن - قطع، وإن أخرج من بيت إلى الصحن - فعلى وجهين؛ كالدار.
وإن سرق واحد من سكانها شيئًا - نظر.
إن أخذ من الصحن - لم يقطع؛ لأن الصحن مشترك بين سكانها.
وإن أخرجه من بيت إلى الصحن: فإن كان باب البيت مغلقًان ففتحه - قطع؛ سواء كان باب الخان مغلقًا أو مفتوحًا.
وإن أخرجه من بيت غير مغلق - لم يقطع.
وإن دخل دارًا ضيقًا، فسرق [منها] شيئًا - نظر:
إن أخذه من الموضع الذي قعد فيه - لم يقطع؛ لأنه خائن ليس: بسارق، وإن أخذه من بيت مغلق - قطع.
وإن لم يكن مغلقًا - لم يقطع؛ لأنه غير محرز عنه.
وإن سرق من الحمام إزارًا، أو ثوب واحد ممن دخل الحمام نظر إن دخل متحممًا، فسرق - لم يقطع، وإن دخل سارقًا - نظر: إن كان الحمامي حاضرًا أو حافظ غيره مستيفظًا - قطع، وإن لم يكن حاضرًا أو كان نائمًا أو معرضًا عنها، لا يشاهدها - لم يقطع؛ لأنه غير محرز، وغنما يجب بسرقة ثوب من دخل الحمام، إذا أمر الحمامي بحفظه، فإن لم يأمر - فلا قطع على السارق، [ولا ضمان على الحمامي بترك حفه.
وإن استحفظه، فتواني في حفظه - فلا قطع على السارق] لأنه غير محرز، ويجب
[ ٧ / ٣٦٨ ]
الضمان على الحمامي؛ لتفريطه في حفظه.
وكذلك: صاحب الدكان، إذا أذن للناس في دخول دكانه للشراء، فدخله مشتر، فسرق شيئًا - لم يُقطع، وإن دخل للسرقة - قطع، وإن لم يكن أذن في الدخول - قطع بكل حال، ولا فرق في هتك الحرز، ووجوب القطع: بين أن يكسر الباب، أو يقلعه، أو يفتح المغلاق أو القُفل، أو ينقب الجدار، أو يتسور الحائط، أو يدخل يده، أو محجنه، فيجر شيئًا أو يطُر جيب إنسان، أو يشق كمه، فيخرج المال.
وعند أبي حنيفة: إن أدخل يده في جوالق، فأخرج - قُطع، وإن أدخل في بيت، فلا؛ لأن العادة في البيت الدخول فيه للإخراج، ولا يجب القطع حتى يخرج المال من جميع الحرز، فإن أخذ طرف عمامة أو خشبة، فأخرج بعضها - لم يقطع ما لم ينفصل الكل عن الحرز.
ولو نقب الحرز، فأخرج أقل من نصاب، ثم عاد، وأخرج تمام النصاب - نظر: إن كان يخرج شيئًا فشيئًا، ويضعه على باب النقب؛ حتى تمام النصاب - يجب القطع، وإن فارق الحرز أو عاد إلى مسكنه بعد إخراج بعض النصاب، ثم عاد من ليلته، فأتم النصاب - ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي العباس بن سريج: يقطع؛ لأنه أخذ نصابًا من حرز هتكه؛ كما لو أخرجه دفعة واحدة، وكما لو طر جيب رجل، فجعل يخرج درهمًا درهمًا؛ حتى تم النصاب، أو خرق جرابًا، فأخذ طرف منديل يجره شيئًا فشيئًا؛ حتى أخرج كله - يجب القطع.
والثاني: قاله أبو إسحاق: لا يجب القطع؛ لأنه أخذ بقية النصاب من حرز مهتوك.
والثالث: وهو قول ابن خيران: إن عاد، فسرق الباقي بعدما اشتهر هتك الحرز، [وعلم به الناس أو علم به المالك - لم يقطع، وإن عاد قبل أن اشتهر] وعلم -قطع.
ولا فرق بين أن يعود في هذه الليلة فأتم النصاب، وبين أن يعود في الليلة الثانية، وقيل: إن عاد في اليلة الثانية، فأتمه - لم يقطع وجهًا واحدًا.
ولو نقب رجلٌ حرزًا ودخله آخر، فأخذ المال - لا قطع على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يجمع بين هت الحرز، وأخذ المال؛ بل يجب على الناقب ضمان الجدار،
[ ٧ / ٣٦٩ ]
وعلى الآخذ ضمان المال، هذا إذا لم يكن في الدار حافظ [قريب من النقب] فإن كان في الدار حافظ قريب من النقب] بحيث يكون المتاع به محفوظًا - فيجب القطع على الآخر؛ عن كان الحافظ مستيقظًا، وإن كان نائمًا - فلا يجب؛ على أصح الوجهين؛ كمن نام في الدار، وترك الباب مفتوحًا.
ولو نقب الحرز رجل ثم أدخل فيه صبيًا لا يعقل، أو عبدًا أعجميًا؛ حتى أخرج المال، أو كان في الحرز صبي أو أعجمي، فرفع إليه، حتى أخرجه - يجب القطع على الناقب؛ لأن فعل الصبي والأعجمي - محال عليه؛ كما لو أدخل فيه محجنًا، وأخرج المال -يجب القطع.
ولو نقب رجلان معًا، ثم دخلا، وأخرجا نصابين: فإن أخذ كل واحد نصابًا، أو حملًا متاعًا، ثقيلًا أو خفيفًا، معًا، قيمته نصابان - يجب عليهما القطع، ويحصل الاشتراك في النقب، بأن أخذ أحدهما سينًا، فنقب بعضه، ثم أخذ الآخر، فنقب بعضه؛ هذا هو الأصح.
وقيل: لا يحصل الاشتراك إلا بأن يأخذ آلة واحدة بأيديهما، فينقبان معًا؛ كالاشتراك في قطع الطرف؛ لوجوب القصاص.
وإن نقبا وأخذا نصابًا واحدًا - لا قطع عليهما.
وإن أخذ أحدهما نصابًا أو أكثر، ولم يأخذ الآخر شيئًا أو أخذ أقل من نصاب - فيجب على من أخذ نصابًا القطع، ولا يجب على الآخر إلا ضمان ما أخذ]] وعند أبي حنيفة - ﵀ -: إذا كانوا جماعة، وأخذ واحد قدر ما لو ودع على الكل - خص كل واحد نصابًا - يجب على جميعهم القطع، وإن كان الآخذ واحدًا؛ لأن الآخرين كانوا ردءا للآخذ، وعنده: يعاقب الردء ما يعاقب المباشر.
ولو نقبا الجدار، ودخل أحدهما، وأخذ المتاع، ولم يخرج من الحرز، ولكن أخرج يده مع المتاع من فم النقب، فأخذه صاحبه - يجب القطع على الداخل دون الآخر، ولو أدنى الداخل المتاع من النقب في البيت، فأدخل الخارج يده، فتناوله، وأخرجه - وجب القطع على الخارج، لأنه أخرج المتاع، ولا يجب على الداخل.
[ ٧ / ٣٧٠ ]
ولو نَقَبَا الجدار، فدخل أحدهما، فوضع المتاع في نصف النقب، فأخذه الآخر، وأخرجه - لا قطع على كل واحد منهما؛ لأن كل واحدٍ لم يوجد فعله في الإخراج عن جميع الحرز.
وحكى الحارث بن سريج القفال قولًا: أن عليهما القطع؛ لأنهما اشتركا في النقب، كما لو أخذا معًا، وأخرجا.
والأول المذهب؛ لأنهما. وإن اشتركا في النقب - فقد تفرقا في الإخراج؛ فصار كما لو نقب رجل الحرز، ودخل موضع المتاع في نصف النقب، فأخذه الآخر فلا قطع على واحد منهما، وكذلك لو نقب رجلٌ الحرز، ودخل غيره، فوضع في نصف النقب، فأخذه الناقب - فلا قطع عليهما.
ولو أن رجلين أعمى، ومقعدًا، نقبًا حرزًا، فدخلا، فأخذ المقعد المال، ثم حمله الأعمى، فأخرجه - يجب القطع على المقعد، وهل يجب على الأعمى؟ فيه وجهان.
وكذلك: صحيحان، نقبا، ودخلا، وأخذ أحدهما المال، ثم حمله الآخر، فأخرجه - يجب القطع على المحمول، وفي الحامل وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه حمل حامل المال، فصار كمال لو حمل المال.
والثاني: لا يجب؛ لأنه لم يحمل بنفسه المال، ولا يُجعل حمل حامل المال كحمل المال؛ بدليل أنه لو حلف ألا يحمل متاعًا، فحمل حامله- لا يحنث.
ولو أخذ المقعد المال في الحرز، فدفعه إلى الأعمى، فأخرجه - فالقطع على الأعمى، دون المقعد.
وكذلك: لو وقف أحد السارقين على طرف [السطح، ونزل الآخر الدار، فجمع المتاع، فشده في حبل، فجره الذي على طرف] السطح، وأخرجه - يجب القطع على من جره دون من [جمعه و] شده، ولو دخل الحرز، وأخذ متاعًا، فرماه إلى الخارج - قطع، سواء خرج فأخذه أو أخذه غيره.
وكذلك: لو كانت الريح تهب، فألقاه على الريح حتى خرج، أو وضعه في النقب،
[ ٧ / ٣٧١ ]
فطارت به الريح - قطع؛ لأن الفعل له، وإن عاونته الريح؛ كما لو رمي سهمًا إلى شيء، فقوته الريح - كان مضافًا إليه [في وجوب القصاص وحل الصيد، وإن كانت الريح ساكنةً، فوضعه على طرف الحرز، فهبت به الريح، فأخرجته ففيه وجهان؛ قال الشيخ - ﵀-: الأصح عندي: لا يجب.
وكذلك: لو وضعه على ماء جارٍ حتى خرج - قُطع، وإن كان الماء راكدًا في الحرز، فوضعه فيه: فإن حركه، حتى خرج - قطع، وإن حركه غيره - لم يقطع، وإن انفجر الماء، وجاء سيل، فأجراه، فأخرجه - فعلى وجهين.
ولو وضعه على ظهر دابة في الحرز، فسيرها، أو شده على جناح طائر، وطيره، حتى خرج، أو كانت الدابة في السير، فوضع على ظهرها، فخرجت قطع.
وإن كانت الدابة واقفة، فسارت بنفسها حين وضع المتاع عليها - نظر: إن وقفت ساعةً، ثم سارت - لا يقطع، وإن سارت أو طارت في الحال - فوجهان:
أحدهما: يقطع؛ لأن خروجه عن الحرز بسبب منه.
والثاني: لا يقطع؛ لأن للدابة اختيارًا.
وكذلك: إذا قلنا: إذا فتح قفصًا على طائر، فوقف، ثم طار - لا يضمن، ولو فتح حرزًا عن غنم، فخرجت: فإن حرها حتى خرجت - قطع، وإن خرجت من غير تحريك - فلا قطع، ولو فتح كندوجًا، فانثالت منه الحنطة، أو طر جيبه أو كُمَّه، فسقط منه المال - يجب القطع؛ هذا هو المذهب.
ولو حلب شاةً في الحرز، فأخرج لبنها - يجب القطع؛ إن كانت قيمة اللبن نصابًا، ولو شرب اللبن في الحرز، ثم خرج - لا قطع عليه؛ بل يجب عليه ضمان اللبن؛ لأنه لم يخرج المال عن الحرز؛ كما لو أتلف في الحرز مالًا أو أحرقه، ولم يخرجه - فلا قطع عليه.
ولو ابتلع في الحرز جوهرة أو دينارًا، وخرج - ففي وجوب القطع وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه استهلكها في الحرز؛ بدليل وجوب القيمة عليه؛ كما لو أكل الطعام.
والثاني: يقطع؛ لأنها قائمة في جوفه؛ كما لو وضعها في جيبه، أو في وعاء، فأخرجها - يجب القطع.
[ ٧ / ٣٧٢ ]
ولو أخذ في الحرز طيبًا، فتطيب به، ثم خرج - نظر: إن لم يمكن أن يجمع منه ما قيمته نصابٌ - فلا قطع عليه؛ كما لو كان طعامًا، فأكله، وإن [كان يمكن] أن يجمع منه ما قيمته نصابٌ - فعلى وجهين:
أحدهما: لا يقطع؛ لأن استعمال الطيب إتلاف؛ كالطعام يأكله.
والثاني: يقطع؛ لأن عينه باقيةٌ؛ ولهذا: يجوز لصاحبه مطالبته برده.
ولو شق في الحرز ثوبًا، أو ذبح شاةً، فأخرجه - يجب القطع؛ إن كانت قيمة الثوب المشقوق أو الشاة المذبوحة نصابًا، ولو سرق كيسًا فيه [فلوسٌ ظنها] دنانير يقطع؛ إن كانت قيمتها نصابًا.
وإن ظنها فلوسًا، لاتبلغ قيمتها نصابًا، وكانت دنانير - قُطع، وكذلك لو سرق نصابًا من دار، وهو يظن أن الدار داره، والمال ماله - يقطع.
وعند أبي حنيفة: لا يقطع.
ولو سرق ثوبًا خلقًا، لاتبلغ قيمته نصابًا، فظهر في جيبه دينارٌ - لم يعلمه ففي وجوب القطع وجهان:
أصحهما: يقطع؛ لأنه أخرج من الحرز نصابًا؛ كما لو ظن ما في الكيس فلوسًا؛ فبانت دنانير، وكما لو سرق ثوبًا ظنه لا يبلغ نصابًا، فبان ديباجًا - قطع.
والثاني: لا يقطع، وبه قال أبو حنيفة: لأنه لم يقصد أخذ الدنانير؛ بخلاف ما لو ظن الدينار فلسًا، أو الثوب قطنًا؛ لأنه قصد أخذ عينة، وهو نصابٌ.
ولو سرق شيئًا قيمته نصابٌ، فانتقصت بعد الإخراج قيمته بانخفاض السوق، أو بآفة سماوية، أو بجناية جان - لا يسقط عنه القطع.
[ ٧ / ٣٧٣ ]
وعند أبي حنيفة: إن انتقصت قيمته بالسوق - يسقط القطع] وكذلك: لو تملك السارق المسروق بإرث أو ابتياع، أو اتهاب - لا سقط عنه القطع، وعنده يسقط.
فنقول: الاعتبار في العقوبات بحالة الوجوب؛ كما لو زنى بجارية، ثم ملكها - لا يسقط الحد، وكذلك: لو انهدم الحرز بعد وجوب القطع، أو هلك المسروق، أو هلك بعضه، فانتقص النصاب - لا سقط القطع بالاتفاق.
فصلٌ
إذا استأجر دارًا، فآوى إليها متاعه، ثم سرق الآجر منه مال المستأجر - يجب عليه القطع.
وعند أبي حنيفة: - ﵀-: لا قطع عليه.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
وبالاتفاق: لو أجر عبده من إنسان لحفظ متاعه، ثم سرق الآجر المال من العبد - يجب القطع.
وكذلك: لو استعار دارًا، ثم المعير سرق منها مال المستعير - يجب القطع؛ نص عليه، وهو المذهب.
وفيه أوجه آخر: أنه لا يقطع؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأن حق الرجوع له ثابت، متى شاء؛ فلم يكن حرزًا في حقه، وقيل: إن نوى الرجوع حال السرقة - لم تقطع، وإن لم ينو - قطع؛ كمن وطيء جارية: فإن قصدها مهرها، والاستيلاء عليها - ملكها، ولا حد عليه، فإلا يجب عليه الحد، فلو غصب دارًا، فسرق المالك منها مال الغاصب لا يقطع، ولو سرق أجنبي مال الغاصب منها - فلا قطع أيضًا؛ لأن الدار المغصوبة لا تكون حرزًا، ولو اشترى دارًا، ثم سرق المشتري منها مال البائع - نظر: إن كان قبل توفية الثمن - قطع لأن [حق] الحبس ثابت للبائع؛ كالدار المستأجرة، وإن كان بعد توفية الثمن - فوجهان:
الأصح: يُقطع، ولو كان في يده مال لغيره بحق، كالوديعة والرهن، والعارية، والمال في يد الوكيل، مال المضاربة والشركة والعين المستأجرة، وكان في حرز، فجاء إنسان وسرقه - يجب القطع؛ لأن أيدي هؤلاء يد حق؛ كما لو سرق من المالك، والخصم فيه مالك المال.
وعند أبي حنيفة- لمن في يده أن يخاصم، ولو سرق المالك - فلا قطع؛ لأنه أخذ ملك نفسه.
ولو أخذ المالك مع ماله نصابًا آخر يجب [عليه] القطع.
وعند أبي حنيفة: لا يجب، والأصل عنده: أن من سرق ما يقطع فيه، وما لا يقطع - لا يجب القطع، ولو غصب شيئًا أو سرقه وأحرزه، فجاء أجنبي، وسرقه منه - هل عليه القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقطع لأنه سرق نصابًا من حرز لا شبهة له فيه.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه حرز لم يرض به مالكه؛ فكان كغير المحرز؛ وسواء كان عالمًا أنه مغصوب أو لم يكن، أما إذا قصد أخذه؛ ليرده إلى المالك - فلا قطع عليه، ولو نقب المالك حرز الغاصب، وأخذ عين ماله - لا قطع عليه، وإن أخذ معه مالًا آخر - نظر:
[ ٧ / ٣٧٥ ]
إن كان: مختلطًا بماله؛ بأن كان طعامًا قد خلطه الغاصب بماله -فلا قطع عليه، وإن كان متميزًا عن ماله - ففيه وجهان:
أصحهما: لا قطع عليه؛ لأنه أخذه من حرز هتكه بحق، فصار ما لو سرق مالًا من حرز مهتوك.
والثاني: يقطع؛ لأنا بينا أنه قصد هتك الحرز لمال غيره.
ولو سرق من بيت ظن أن المغصوب فيه، فلم يكن:
قال الشيخ - ﵀-: أو سرق من بيت فيه المغصوب، ولم يكن قصده أخذ ملكه - قُطع، ولو اشترى شيئًا، ثم سرقه من البائع- لم يقطع؛ لأنه ملكه، وكذلك: لو سرقه في زمان الخيار: فإن سرق معه مالًا آخر: فإن سرق معه مالًا آخر: فإن كان قبل توفية الثمن قُطع، وإن كان بعده - فوجهان؛ كما لو سرق من الدار المشتراة، ولو وهب له شيء، فسرقه بعد القبول، وقبل القبض - لم يقطع على الأصح، ولو أوصى له بشيء، فقبل موت [الموصى سرقه] الموصى له - قطع؛ بخلاف الهبة؛ لأنها تمت بالقبول، ولوسرقه بعد موت الموصى، والقبول - فلا قطع؛ لأنه ملكه، وإن سرقه بعد موت الموصى قبل القبول: إن قلنا: يُملك بموت الموصى - لم يقطع؛ وإلا - قُطع.
ولو أوصى للفقراء بشيء، فسرقه فقير بعد موت الموصى - لم يقطع؛ كالمشترك، وإن سرقه غنيٌّ -قطع.
فصلٌ: في حكم النباش وغيره
رُوي عن البراء بن عازب، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه".
النباش: إذا أخرج الكفن من القبر بعدما وُري، وكان نصابًا - تقطع يده؛ إذا كان القبر في بيت محرز أو في مقبرة متصلة بالعمران، فإن كان في برية بعيدة من العمران - فيه وجهان:
أحدهما: تُقطع، وهو اختيار الشيخ القفال؛ لأن القبر أينما كان يكون حرزًا للكفن، بدليل أن الولي لايكون مضيعًا بتكفين الميت ودفنه في ذلك الموضع.
[ ٧ / ٣٧٦ ]
والثاني: لا تقطع؛ لأنه ليس بحرزٍ؛ كثوب غير الكفن؛ فلا يكون حرزًا للكفن، وإنما دفن هناك، لأجل الضرورة.
قال الشيخ﵀-: على هذا: لو كان القبر في بيت محرز، فسرق الكفن حافظ القبر - لا يقطع، وعلى الوجه الأول: يقطع به، وعند الثوري وأبي حنيفة: لا قطع على النباش.
وهم مختلفون فيما إذا كان القبر في بيت حريزٍ، والحديث حجة عليهم، ولهم فيه ثلاث نكات:
إحداها: أنه موضوع للبلى؛ كالبذر في الأرض.
الثانية: أنه غير محرز؛ بدليل أنه لا يكون حرزًا لثوب أحد سوى الكفن.
الثالثة: أنه ليس له مال؛ كما لبيت المال.
قلنا: قولكم: "إنه موضوعٌ للبلى" - ليس كذلك؛ بل هو مصروفٌ إلى حاجة الميت، وإن كان يتسارع إليه البلى؛ كالثوب الذي يلبسه الإنسان يكون البلى أسرع إليه من الثوب الذي في الصندوق، ويستويان في وجوب القطع بسرقتهما.
والبذر في الأرض موضوع للنماء، ويجب القطع بسرقته.
وقولكم: أنه غير محرز ليس كذلك؛ لأن القبر حرز للكفن، بدليل أن الولي لا ينسب إلى التفريط بتكفين الصبين ولا يجعل مضيعًا.
وقولكم:"ليس له مالك - ليس كذلك، ولنا فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه ملك للوارث؛ غير أن حق الميت فيه مقدم؛ كتركة الميت ملك للورثة، ثم يقضي منها دين الميت.
والثاني: أنه باق على ملك الميت؛ بدليل أن الميت لو افترسه سبع - صرف الكفن إلى ديون الميت ووصاياه.
وعلى هذين الوجهين: الخصم فيه هو الوارث.
وقيل: الحق فيه لله تعالى، والخصم فيه هو الحاكم.
[ ٧ / ٣٧٧ ]
ويجب القطع عندنا بسرقة مالٍ لا مالك له؛ كما لو سرق ستار الكعبة - يجب عليه القطع، وإنما يجب القطع؛ إذا أخرج الكفن من جميع القبر إلى وجه الأرض، فإن أخرجه من اللحد إلى وسط القبر - فلاقطع عليه، ولو كفن في أكثر من خمسة أثواب، فسرق ما زاد على الخمسة - لا يقطع؛ لأنه مُضيع كما لو وضع في القبر مالًا أو ثوبًا آخر سوى الكفن، وإذا كُفن رجلٌ من بيت المال، أو كفنه رجلٌ متبرع، فسرق - يجب القطع، وإن كان لا يجب القطع بسرقة مال بيت المال؛ لأن مال بيت المال لكل أحد فيه حق؛ فلم يجب القطع على سارقه، فإذا صرفه الإمام إلى واحدٍ - انقطع عنه حق غيره؛ فوجب القطع بسرقته؛ كما لو صرف شيئًا منه إلى حي لحاجته؛ فسرقه سارقٌ - يقطع.
وإذا كفن الميت، فافترس الميت سبعٌ وبقى الكفن نُظر؛ إن كفن من تركته رد إلى وارثه؛ لأن مال الميت انتقل إليه بالإرث، وقيل: يكون لبيت المال؛ لأنه لا حق للورثة في قدر الكفن من تركته، وإن كفن من بيت المال- رُد إلى بيت المال، وقيل: يكون للوارث؛ لأنه صار ملكًا للميت، وإن كفنه إنسانٌ متبرعًا - رُد إلى المتبرع، وقيل: هو كما لو كفن من تركته.
فكل موضع قلنا: يُرد إلى الوارث، فإذا سرق - فالخصم فيه الوارث، وإن قلنا: إلى بيت المال فالخصم فيه الحاكم، وإن قلنا: إلى المتبرع - فالخصم فيه المتبرع.
وإذا سرق الكفن، ولم يظفر بالسارق - كُفن من تركته ثانيًا، فإن لم يكن له تركةٌ - فمن بيت المال، فإن لم يكن - فعلى المسمين تكفينه، والله أعلم بالصواب.
باب قطع اليد والرجل في السرقة
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال في السارق: "إن سرق، فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، فإن سرق، فاقطعوا رجله".
[ ٧ / ٣٧٨ ]
السارق: تقطع يده اليمنى من مفصل الكوع، ثم إذا سرق ثانيًا - تقطع رجله اليسرى
[ ٧ / ٣٧٩ ]
[من مفصل الكعب] [ثم] إذا سرق ثالثًا - تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق رابعًا - تقطع رجله اليمنى.
وعند الثوري وأبي حنيفة: تقطع يده اليمنى أولًا، ثم رجله اليسرى، فإذا سرق ثالثًا - يعزرن ولا يقطع؛ حتى قال أبو حنيفة: لو سرق أول مرة، وهو فقيد يده اليسرى، أو فقيد إبهام أو سبابة أو وسطى منها - لا تقطع يمينه، والخبر حجة عليه، ولأن السرقة تعتمد البطش والمشين ففي المرة الأولى: ينقص بطشه، لعله ينزجر، فإن عاد - ينقص مشيه، فإن عاد - يستوفي بطشه، فإن لم ينزجر - يستوفي مشيه.
[ ٧ / ٣٨٢ ]
وإذا سرق خامسًا بعد قطع أطرافه الأربعة - يعزر، ويحبس؛ حتى تظهر توبته،
[ ٧ / ٣٨٣ ]
ولا يقتل، وروي عن عثمان أنه يُقتل في الخامسة، وبه قال عمر بن عبد العزيز.
ولو سرق مرارًا فلم يتفق القطع - فلا يجب إلا قطع واحدٌ، كمن شرب مرارًا؛ فلم يُحد - لا يجب إلا حد واحدٌ، وكل مرة يقطع عضو منه - يحسم بالدهن المغلي، حتى تنسدأفواه العروق، فيرقأ الدم، ولا يؤدي سيلانه إلى الهلاك، وثمن الزيت يكون في بيت المال كأجرة القاطع والحاسم، ولو ترك الإمام الحسم - لا شيء عليه، ويستحب للسارق أن يحسم يد نفسه، فإن لم يفعل - لا يلزمه؛ لأنه مداواة العلة؛ فله تركها، وإذا رضي السارق بتركه لا يحسمه الإمام.
[ ٧ / ٣٨٤ ]
وقيل: إن رضي السارق [بترك الحسم] للإمام أن يحسمه؛ لأن فيه حفظ روحه، وهو حق الله تعالى.
ويقطع بأخف مؤنة، فيجز أولًا، حتى ينفصل الزند من الكوع، ثم يقطع بحديدة حادة غير كالة، ولا مسمومة، ويُقطع جالسًا، ويُضبط عند القطع؛ حتى لا يتحرك، فيجنى على نفسه.
والسُّنة: أن يعلق العضو المقطوع في عنقه ساعةً، ثم يزال، فإنه روي عن فضالة بن عبيد قال "أتى النبي - ﷺ - بسارق، فأمر به، فقطعت يده، ثم علقت في رقبته".
ولو سرق، ولا يمين له - تقطع رجله اليسرى، وإن كانت يده اليمنى شلاء - يسأل أهل البصر: فإن قالوا: لو قطعت يمينه يرقأ الدم - تقطع يمينه، وإنقالوا: لا يرقأ الدم - فهي كالمفقودة، تقطع رجله اليسرى، وإن كانت له يمين عليها إصبع واحدة - تقطع يمينه، ولا تقطع [رجله اليسرى].
وإن كان له كفٌّ، لا إصبع عليه، أو ذهب بعض الكف، ومحل القطع باقٍ - ففيه وجهان:
أحدهما: تقطع كفه؛ لأن محل القطع باقٍ.
والثاني: لا تقطع، بل تقطع رجله؛ لأن البطش يحصل بالإصبع، وهي فائتة؛ كما لو كان له ذراع، ولا كف عليها - لا تقطع.
ولو سرق ويمينه صحيحةٌ، فقبل القطع: سقط يمينه، أو قطعها جانٍ - سقط عنه قطع
[ ٧ / ٣٨٥ ]
السرقة، ولا تقطع رجله؛ لأن القطع تعلق بيمينه، وقد فاتت؛ بخلاف ما لو كان يوم السرقة فقيد اليد.
قلنا: تقطع رجله؛ لأن القطع هناك تعلق بالرجل لفقد اليد، ولا قصاص على من قطع يمينه؛ لأنه قطع يدًا تستحق القطع؛ غير أنه يعزر؛ لتفويته على الإمام.
ولو شلت يده بعد وجوب القطع عليه: فإن قال أهل البصر: يرقأ دمه - تقطع يمينه؟ وإن قالوا: لا يرقأ- سقط القطع؛ كما لو سقط كفه.
ولو سرق، وله يمينٌ عليها ست أصابع- هل تقطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تقطع؛ كما في القصاص - لا تقطع ست أصابع بخمس.
والثاني: تقطع؛ لأن المساواة شرط في القصاص دون السرقة.
فإن قلنا: لاتقطع يمينه - تقطع رجله اليسرى، كما لو كان فقيد اليمين.
وإن كانت له كفان - لا تقطعان بسرقة واحدة، ثم ننظر: إن كان يبطش بأحدهما - قطعت الباطشة، ثم إن سرق ثانيًا - تقطع رجله، وإن صارت الأخرى باطشة - تقطع في السرقة الثانية التي صارت باطشة، ولا تقطع الرجل، [ثم إذا سرق ثالثًا - تقطع الرجل]، وإن كانتا باطشتين تُقطع أحداهما ثم إذا سرق ثانيًا تقطع الأخرى، ولا تقطعان بسرقة واحدة؛ بخلاف الإصبع الزائدة؛ لأنه لا يقع عليها اسم يد.
ولو وجب عليه قطع اليمين بسبب السرقة، فقطع رجلٌ يساره، أو الجلاد قطع يساره قصدًا - لا يسقط عنه قطع اليمين [بسبب السرقة] وعلى من قطع يساره القصاص في يساره، فإن قال: لم أعلم أنها يساره - حلف وعليه الدية، وإن قال الجلاد: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها، وقال السارق: ظننت أني أخرجت اليمين، أو ظننت أن اليسار تقوم مقام اليمين - يسقط عنه قطع اليمين على الصحيح من المذهب، وهو المنصوص.
وقيل: لا يسقط عنه قطع اليمين؛ كما في القصاص.
وإذا هلك المسروق في يد السارق - تقطع يده، ويغرم المال.
[ ٧ / ٣٨٦ ]
وعند أبي حنيفة - ﵀-: لا يُجمع عليه بين القطع والغرم، بل إن قطع - يسقط عنه الغرم، وإن غرم - سقط القطع.
وبالاتفاق: لو كان المسروق قائمًا - يسترد، ويقطع؛ وهذا لأن القطع حق الله تعالى؛ وجب لهتك حرمة الشرع، والغرم حق العبد؛ وجب لإهلاك ماله؛ فلا يمنع أحدهما الآخر؛ كما في حال بقاء العين؛ يقطع ويسترد المال.
ولو سرق عينًا، فقطعت يده، ثم سرق تلك العين ثانيًا من المالك الأول أو من غيره - يقطع ثانيًا، وعند أبي حنيفة: لا تُقطع إلا بأن تتغير العين بصفة أو بتبدل المالك.
فنقول: عقوبة تجب بإيقاع فعل في عين غير مملوكة له، فتتكرر بعد الاستيفاء بتكرر الفعل فيها؛ كما لو زنى بامرأة، فحُد، ثم زنى بها ثانيًا- يُحد ثانيًا والله أعلم بالصواب.
باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها
لا تثبت السرقة إلا بإقرار من السارق، أو بينةً تقوم عليها؛ فإن أقر انه سرق نصابًا من الحرز - تثبت، ولا يشترط فيه التكرار.
[ ٧ / ٣٨٧ ]
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: لا تثبت؛ حتى يقر مرتين.
فنقول: [ما يثبت] بالإقرار - لا يشترط فيه التكرار؛ كسائر الحقوق.
ولو أقر بالسرقة، ثم رجع - يسقط عنه القطع، ولو أقر رجلان بسرقة [نصف] دينار، ثم رجع أحدهما - سقط القطع عن الراجع، ولا يسقط عن الآخر.
ولو أقر أنه سرق من مال فلان الغائب ربع دينار من حرز لا شبه لي فيه - فهل يقطع قبل حضور الغائب؟ فيه وجهان:
أحدهما: قاله أبو إسحاق-: يقطع؛ كما لو أقر أنه زنى بجارية [فلان، وفلان غائب] يقام عليه الحد.
والثاني: وهو المذهب-: لا تقطع حتى يحضر فلان الغائب؛ لأنه ربما أباح له الأخذ، بخلاف حد الزنا؛ فإنه لا يسقط بالإباحة.
وقال ابن سريج: لا يقام حد الزنا ولا قطع السرقة حتى يحضر المالك الغائب؛ لأنه كما يجوز أن يكون أباح له أخذ المال - يجوز أن يكون وقف عليه الجارية؛ فيصير شبهة في سقوط العقوبة.
فإن قلنا لا تقطع حتى يحضر الغائب - فهل يحبس المقر أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحبس؛ لان الحد قد وجب عليه بإقراره؛ كما لو أقر على نفسه بالقصاص لغائب أو صبي - يحبس حتى يحضر الغائب، ويبلغ الصبي.
والثاني: إن كانت المسافة قريبة - حبس على قدوم الغائب، وإن كانت بعيدة - لم يحبس لأن في حبسه إطالة الضرر عليه، والحق لله تعالى ومبناه على المساهلة.
ومن أصحابنا من قال: إن كان المسروق قائمًا- أخذ منه، ولم يحبس؛ لأنه ليس عليه إلا عقوبة لله تعالى، ومبناها على المُسامحة، وإن كان المسروق تالفًا - يحبس؛ ليغرم.
فأما إذا قامت بينة على السرقة - فلا يحكم بها، حتى يشيروا إلى السارق وإلى المسروق منه؛ إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا: نرفع في نسبه بحيث يزول الإشكال، ويبينوا
[ ٧ / ٣٨٩ ]
قدر المسروق، ويصفوا السرقة والحرز، فيقولون: سرق هذا من فلان من فلان من حرز كذا ربع دينار، أو متاعًا قيمته ربع دينار لا شبهة له فيه، وتُسمع الشهادة؛ سواء شهدوا بعد دعوى المالك أو وكيله، أو شهدوا من غير دعوى حسبة، ثم هل تُقطع [في غيبة المسروق منه - فعلى ما ذكرنا من الإقرار، والأصح: أنه لا يقطع] ويقام حد الزنا في الغيبة.
ومن أصحابنا من قال: إذا ثبتت بالبينة - فلا يقطع في غيبة المسروق منه، ولا يحد وجهًا واحدًا؛ بخلاف ما لو ثبت بالإقرار؛ لأنه لا تهمة في إقراره.
والمذهب: أن لا فرق بينهما.
ثم إذا شهد على السرقة شاهدان حسبة في غيبة المسروق منه، وقلنا: يحبس المشهود عليه، فإذا حضر المسروق منه، ولم يدعه - يطلق، وإن ادعاه - قطع من غير إعادة الشهادة، وهل تجب إعادة الشهادة لأجل المال؟ فيه وجهان:
أصحهما: تجب؛ لأن المال حق الآدمي؛ فلا يثبت بشهادة الحسبة.
والثاني: لا تجب؛ لأنه ثبت تبعًا للقطع.
ولو قال المشهود عليه بعدما شهد الشهود: لم أسرق؛ لكنه ملكين كان قد غصبه مني، فاسترجعته، أو كنت قد اشتريته منه، أو وهبنييه، أو أذن لي في أخذه - لا يُقبل قوله في حق المسروق منهن بل القول قول المسروق منه؛ في أنه لم يغصب ولم يبع ولم يهب مع يمينه.
أما القطع - فالمنصوص: أنه لا يجب؛ لان ما يدعيه محتملٌ، والقطع يسقط بالشبهة.
وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى هذا، ومنهم من قال- وإليه ذهب أبو إسحاق-: بمجرد هذه الدعوى- لا يسقط عنه القطع؛ لأنه يُفضى إلى سقوط قطع السرقة أصلًا؛ فإن أحدًا لا يعجز عن مثل هذه الدعوى؛ ليسقط القطع عن نفسه؛ فعلى هذا: إن حلف المسروق منه؛ أنه مالي، ولم آذن له أو نكل، ولم يحلف السارق - قُطع؛ لأن القطع وجب بالبينة، وإن لم يحلف المسروق منه على أنه مالي، وحلف السارق - فلا قطع عليه، وكذلك؛ إذا ادعى السارق؛ أن المسروق منه عبدي، وكان مجهول النسب، أو ادعى، أن الدار ملكي غصبها مني -سقط القطع على قول الأكثرين؛ لمجرد الدعوى، لأنه صار خصمًا، وكذلك إذا شهد
[ ٧ / ٣٩٠ ]
عليه الشهود؛ أنه زنى بجارية، فادعى أنها كانت ملكي، أو كنت اشتريتها، أو كنت نكحتها، أو كانت حرة، فادعى أنه تزوجها، وأنكرت - سقط الحد؛ بمجرد هذه الدعوى عند الأكثرين.
وعلى قول أبي إسحاق: بمجرد هذه الدعوى - لا يسقط الحد بعد قيام البينة، فإن حلف المالك؛ أنه لم يبغ منه الجارية، ولم يزوجها، وحلفت الحرة أنه لم ينكحها - حُدَّ، وإن نكلا، وحلف هو على الشراء أو النكاح - سقط الحد.
أما إذا قطع يد رجلٍ، ثم ادعى أنه قطع بإذنه - لا يسقط القصاص عنه بمجرد الدعوى وجهًا واحدًا؛ والقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه من حقوق العباد، ومبناه على الضيق كما لا يسقط في السرقة ضمان المال.
ولو سرق رجلان [شيئًا] معًا، ثم ادعى كل واحد [فيه الملك -لا قطع على واحدٍ] منهما؛ كما ذكرنا في الواحد.
أما إذا ادعى أحدهما الملك لنفسه، ولم يدعه الآخر- لا قطع على المدعي، ثم نظر: عن صدقه صاحبه، وقال: المال ملكه، وأنا أخذت منه بإذنه -: فلا قطع على واحدٍ منهما، وإن كذبه صاحبه، وقال: ليس المال ملكك، ولكنا سرقناه: قال صاحب "التلخيص": يجب القطع على المكذب، لأنه مقر بسرقة مال لا شبهة له فيه.
قال الشيخ القفال - ﵀ -: يحتمل سقوط القطع عنهما؛ لتمكن الشبهة فيه؛ ألا ترى أن المسروق منه: لو قال: هذا مال السارق، وأنكر السارق - يسقط القطع بالاتفاق، وإن كان هو يقر بسرقة ولا شبهة له فيها.
أما إذا سرق اثنان، فادعى أحدهما أن هذا مال شريكي، أخذته منه بإذنه، وأنكر شريكه، وقال بل سرقناه.
رأيت لأصحابنا أن لا قطع على المدعي، وهل يجب على شريكه؟ فيه وجهان؛ كما لو شهد اثنان بالقصاص، ثم رجعا بعد الاستيفاء، فقال أحدهما: تعمدنا جميعًا، وقال صاحبه: أنا أخطأت - لا قود على من يدعي الخطأ، وفي الآخر وجهان.
قال الشيخ - ﵀ -: والذي عندي، وهو الأولى: أنه يجب القطع على المكذب؛ لأنه لا يدعي شبهة، وفي المدعي وجهان
[ ٧ / ٣٩١ ]
أحدهما: لا قطع عليه؛ لأن ما يدعيه - لو ثبت - لم يجب عليه القطع.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئًا؛ إنما يدعي لشريكه، وشريكه منكرٌ.
نظيره من شهود القصاص: أن يقول أحد الشاهدين: تعمدنا جميعًا، [وقال الآخر تعمدت أنا، وأخطأ هو - يجب القصاص على من قال: تعمدنا جميعًا] وفي الآخر وجهان؛ لأنه يدعي الشبهة لشريكه، وهو منكرٌ.
وعلى هذا: لو أن عبدًا سرق وقامت عليه بينة بالسرقة، فادعى أن المسروق ملك لسيدي، فإن صدقه سيده - سقط عنه القطع، ولايُقبل قولهما في المال، وإن كذبه سيده، وقال: ليس المال لي - ففيه وجهان.
أحدهما: وبه قال صاحب "التلخيص"-: يسقط القطع؛ كالحر يدعي أنه ملكي.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئًا؛ إنما يدعي لمولاه، ومولاه منكرٌ.
ولو ادعى السارق نقصان قيمة المسروق عن النصاب - لم يقطع، [ولو] قامت بينة على أن قيمته تمام النصاب قطع، بخلاف ما لو ادعى أنه ملكه - لم يُقطع.
ولو شهد على السرقة رجلٌ وامرأتان، أو شاهدٌ واحدٌ، وحلف المدعي معه - لا يثبت القطع، ويثبت المال؛ لأن المال يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، والقطع عقوبة لا تثبت إلا برجلين؛ من حلف بطلاق امرأته، أو بعتق عبده؛ ألا يغصب أو لا يسرق، فشهد عليه رجل وامرأتان بالغصب أو بالسرقة، أو شهد شاهدٌ واحدٌ، وحلف معه المدعي - يثبت الغصب والسرقة، ولا يحكم بوقوع الطلاق والعتقن وهذا بخلاف ما لو شهد رجلٌ وامرأتان على قتل العمد، لا يثبت القصاص ولا الدية؛ لأن قتل العمد لا يوجب القود والمال جميعًا؛ إنما يوجب أحدهما لا بعينه؛ [فلا يتعين بالشهادة أن موجبه القود]، وهو الأصل، فإذا لم يثبت - لم يثبت المال، والسرقة توجب القطع والغُرم جميعًا، فإذا لم يثبت أحدهما لعدم حجته - ثبت الذي قامت حجته، وقيل في ثبوت المال [في السرقة] قولان، والمذهب ثبوته قولًا واحدًا، والله أعلم.
باب ما لا قطع فيه
رُوي عن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "ليس على خائن ولا منتهب،
[ ٧ / ٣٩٢ ]
ولا مُختلس - قطعٌ".
لا قطع على من سرق من غير حرزٍ، ولا على من سرق أقل من نصاب، ولا على مختلس، ولا منتهب، ولا خائن، لأن في الشرع أوجب القطع على السارق، ولا يسمى المختلس والمنتهب والخائن سارقًا، ولو سرق العبد مال سيده - لا قطع عليه؛ لأن الشبهة له
[ ٧ / ٣٩٣ ]
في ماله؛ باستحقاق النفقة؛ بخلاف ما لو زنى بجارية سيده - يجب عليه الحد، لأنه لا يستحق الإعفاف على سيده، وكذلك المدر، وأم الولد ومن بعضه حر وبعضه رقيقٌ، إذا سرق مال سيده - لا يقطع. وإذا سرق أجنبي مال من بعضه حر وبعضه رقيق - يقطع، وإن سرق مالك نصفه منه شيئًا - نظر: إن كان المال له بنصفه الحر، والسيد أخذ نصيبه:
قال الشيخ القفال: لا يقطع؛ لأن له شبهة في بدنه، والمال في الحقيقة لجميع بدنه.
وقال الشيخ أبو علي: يقطع؛ لأن ملكه تام بنصفه الحر؛ بدليل أنه يورث منه لو مات على القول المعروف -فهو كما لو قاسم شريكه المال المشترك، ثم سرق من نصيب شريكه شيئًا - قطع.
ولو سرق المكاتب مال سيده - ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول صاحب "التلخيص"-: لا يقطع؛ كالمأذون له في التجارة؛ إذا سرق مال سيده.
والثاني: يقطع؛ لأنه خارج عن حكم المولى، وله ملك؛ بدليل نفوذ تصرف المولى معه.
أما السيد إذا سرق مال مكاتبه - لا قطع عليه؛ لأن له في ماله شبهة ملك.
ولو سرق أحد الزوجين مال صاحبه ما هو محرز عنه - ففيه أقاويل:
أحدها- وبه قال أبو حنيفة﵀-: لايجب القطع؛ لأن بينهما سببًا يستحق به النفقة؛ فيصير شبهة في سقوط قطع السرقة؛ كالولاء.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال مالك، واختاره المُزني -: يجب القطع؛ لأن النكاح
[ ٧ / ٣٩٥ ]
عقد على المنفعة، فلا يمنع وجوب قطع السرقة؛ كالإجارة؛ فإن من استأجر أجيرًا لعملٍ، ثم سرق أحدهما مال الآخر - يجب القطع.
والثالث: يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة لأنه لا شبهة له في مالها، ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأن لا شبهة في ماله باستحقاق النفقة.
أما إذا لم يكن مال أحدهما محرزًا عن صاحبه - فلا يجب القطع بسرقته.
ولو سرق عبدٌ أحد الزوجين مال الآخر - فهو ما لو سرق أحدهما مال الآخر - ففي وجوب القطع هذا الاختلاف، فإن قلنا: لا يقطع العبد - ففي مكاتب أحدهما، إذا سرق مال الآخر - وجهان؛ كما لو سرق المكاتب مال سيده، ولو سرق مال ولده أو ولد ولده، وإن سفلوا من الذكور والإناث، أو سرق مال أحد أبويه، أو مال واحدٍ من أجداده أو جداته، وإن علوا من جهة الأب، أو من جهة الأم - فلا قطع عليه؛ لأن لكل شبهة في مال الآخر باستحقاق النفقة؛ بخلاف حد الزنا - يختص سقوطه بالأب، حتى لو زنا الابن بجارية الأب - يجب عليه الحد، ولو فعله الأب بجارية الابن - لا يجب؛ لأن على الابن إعفاف الأب، ولا يجب على الأب إعفاف الابن.
ولو سرق عبد الأب مال الابن أو عبد الابن مال الأب - لا يجب القطع، كما لو سرق هو بنفسه، ولو سرق مال أخيه، أو عمه أو خاله أو مال ابن أخيه - يجب القطع، وعند أبي حنيفة: لا يجب، ولو سرق أب الزوج مال الزوجة، أو أب الزوجة مال الزوج، أو ولد أحدهما مال الآخر - يجب القطع؛ كما لو سرق أحدهما مال الآخر، ولو سرق أحد الشريكين شيئًا من المال المشترك بينهما، وهو في حرز الشريك الآخر - فالمذهب أنه لا يجب القطع [كما لو وطيء] جارية مشتركة بينه وبين غيره - لا حد عليه.
وخرج قولٌ: أنه يجب القطع؛ لأنه لا شبهة له في نصيب الشريك؛ فعلى هذا: إنما يقطع إذا سرق من نصيب الشريك ربع دينار.
ثم اختلفوا في كيفيته:
الأكثرون قالوا: إن كان بينهما نصفان، فسرق نصف دينار - قطع، وإن كان الثلثان للسارق، فإذا سرق ثلاثة أرباع دينار - قطع؛ لأن ربع دينار من المسروق للشريك.
وذكر الشيخ وجهًا محتملًا، فقال: إن كان المال بينهما نصفان - فما لم يسرق [نصف الجميع] وزيادة ربع دينار - لا يقطع، وإن كان له الثلثان - فما لم يسرق الثلثين
[ ٧ / ٣٩٦ ]
وزيادة ربع دينار- لا يقطع؛ لأن النصف من جميع المال حقه؛ فيجوز أن يقع جميع [المال] المأخوذ من نصيبه عند القسمة، أو إن كان أثلاثًا - يقع جميع الثلثين في نصيبه؛ فيشترط أن يأخذ ربع دينار زائدًا عليه.
ولو سرق رجلٌ نصابًا من حرز، وأحد بعض ذلك النصاب ملك رجل، والبعض ملك رجل آخر - يجب القطع، كما لو كان الكل لواحد.
ولو سرق مسلم من بيت المال شيئًا:
قال صاحب "التلخيص": لا قطع عليه.
قال أصحابنا: هذا إذا كان له فيه شبهة؛ بأن سرق من خمس خُمس الغنيمة أو الفيء سهم المصالح، أو من تركة مسلم مات، ولا وارث له - لا قطع عليه؛ فقيرًا كان السارق أو غنيًا؛ لأنه ما من مسلم إلا وله في بيت المال حق؛ بخلاف ما لو زنى بارية من بيت المال - يجب عليه الحد، لأنه يستحق النفقة في مال بيت المال، ولا يستحق الإعفاف.
رُوي أن عاملًا لعمر - ﵁ - كتب إليه في رجل سرق من [مال] بيت المال، فكتب: لا تقطعه، فنه ما من أحد إلا وله فيه حق، وكذلك لو سرق من مال الصدقة، وهو فقيرٌ - لا قطع عليه، وإن سرق مما لا شبهة له فيه؛ بأن سرق من نصيب اليتامى من خُمس الخمس مفرزًا، أو من نصيب الفقراء من مال الصدقة، وهو غني - قُطعَ، وإن كان في ذلك البيت أخماسٌ من موضع آخر؛ لأن القطع لا يسقط بكون المال له فيه شبهة في الحرز؛ إذا لم يكن له في المسروق شبهة؛ كالمودع إذا سرق مال المودع من بيت فيه وديعته - يجب القطع.
أما الذمي: إذا سرق من مال بيت المال - تقطع يده؛ لأنه لا حق له فيه؛ إنما الحق فيه للمسلمين.
فإن قيل: أليس أن الذمي إذا اضطر - يجب على الإمام أن ينفق عليه من بيت المال؟
قيل: بلى، ولكن ينفق عليه من بيت المال بشرط الضمان، كالمضطر يأكل مال الغير؛ بشرط الضمان، ولا يصير ذلك شبهة في سقوط القطع؛ إذا سرق ماله لغير ضرورة.
قال الشيخ - ﵀-: يحتمل أن يقال: لا يقطع الذمي؛ إذا سرق من خمس الخمس سهم المصالح، وعلى الإمام أن يُطعمه منه عند الضرورة، بلا ضمان؛ لأن النبي - ﷺ - كان يعطي الكفار منه، فإن سرق من مال مسلمٍ، لا وارث له - قُطع، لأنه
[ ٧ / ٣٩٧ ]
مصروف إلى بيت المال إرثًا للمسلمين؛ فلا حق للذمي فيه، ولو سرق ستر الكعبة أو باب المسجد، أو اسطوانة منه، أو شيئًا مما جُعل في المسجد للزينة - قطع؛ روي أن عثمان قطع سارقًا سرق قبطية من منبر رسول الله - ﷺ -.
وعند أبي حنيفة: لا قطع في شيء منها.
أما ما كان في المسد لمنفعة الناس كالحصر والقناديل، فإن سرقه مسلم - لا قطع عليه؛ لأنه لمنفعة -المسلمين، وإن سرقه ذمي - قطع.
قال الشيخ - ﵀-: هذا في قناديل السرج، أما علق [فيه] للزينة من القناديل - يقطع سارقها؛ كالستور، والأبواب، ولو سرق شيئًا موقوفًا - ففي وجوب القطع وجهانَ؛ سواء قلنا: الملك فيه زال إلى الله تعالى أو إلى الموقوف عليه:
أصحهما: يجب القطع؛ لأنه مالٌ محرز؛ كأستار الكعبة.
والثاني: لا يجب؛ لأن الملك فيه ناقصٌ.
قال الشيخ﵀-: ولو سرق الموقوف عليه العين الموقوفة - لا يقطع، وإن سرق من غلة الوقف، أو ثمرة الشجرة الموقوفة المحرزة؛ نُظر:
إن كان السارق من أهل الوقف؛ بأن كان وقفًا على كافة الناس، أو كان وقفًا على جماعة [متعينين، وهو منهم، أو على جماعة] موصوفين كالفقراء، وهو فقيرٌ - فلا قطع عليه، وإن لم يكن من أهل الوقف بأن كان وقفًا على متعينين، وليس هو منهم، أو على الفقراء، وهو غنيٌّ - قطع.
ولو سرق بكرة البئر المسبلة - قطع، قال الشيخ - ﵀ -: وهو عندي كحصر المسجد؛ لأنها لمنفعة الناس، ولو سرق واحدٌ من الغانمين شيئًا من مال الغنيمة قبل إفراز الخمس - لا قطع عليه؛ سواء كان حرًا أو عبدًا؛ لأن له حقًا في أربعة أخماسها وفي خمسها؛ لأنه مال بيت المال، ولو سرق منه أجنبي - فهو كما لو سرق مال بيت المال، لأن سهم بيت المال فيه، ولو سرق بعد إفراز الخمس - لا يخلو: إما أن يون سرق من الأربعة الأخماس أو من الخمس: فإن سرق من الأربعة الأخماس التي هي سهم الغانمين:
[ ٧ / ٣٩٨ ]
فإن كان السارق من الغانمين - لا قطع عليه؛ كما لو سرق مالًا مشتركًا بينه وبين غيره، وكذلك: لو لم يكن من الغانمين؛ ولكن له في الغانمين ولدٌ أو والدٌ أو عبدٌ - فلا قطع عليه، وكذلك: لو كان السارق امرأة، ولها زوج فيهم، وقلنا: لا قطع على أحد الزوجين بسرقة مال صاحبه- فلا قطع عليها، وإن لم يكن له فيهم أحدٌ منهم - عليه القطع، وإن سرق من الخمس - فلا فرق بين أن يكون السارق من الغانمين أو لم يكن؛ فينظر: إن كان قبل إفراز خمس الخمس سهم المصالح - فلا قطع عليه؛ لأن سهم بيت المال فيه، وإن كان بعد إفراز سهم المصالح [بأن] سرق من أربعة أخماس الخمس -[يجب] عليه القطع.
قال الشيخ - ﵀-: إلا أن يكون ممن له فيه سهم - فلا قطع.
ولو كان له على رجل دين، فسرق رب الدين مال المديون - نظر: إن لم يقصد الاستيفاء - قطع، وإن قصده- نُظر: إن كان من عليه الحق وفيًا - قطع، وإن كان جاحدًا أو مماطلًا - لم يقطع؛ وإن أخذ أكثر من حقه - فالمذهب أنه لا يُقطع؛ لأنه كان له دخول ملكه؛ فلم يكن المال محرزًا في حقه، وقيل: إن كانت الزيادة منفصلة قدر نصاب- قطع.
والمضطر إلى المجاعة إذا لم يجد طعامًا، فسرق - لا قطع عليه [قال عثمان - ﵁-: لا قطع في عام المجاعة].
ولو سرق مستحق الزكاة شيئًا من مال الزكاة: فإن قلنا: [الزكاة] تتعلق بالعين - لم يقطع، وإن قلنا: بالذمة - فكما لو سرق [من] مال المديون.
ولو سرق خمرًا أو خنزيرًا أو كلبًا أو جلد ميتة لم يُدبغ - لا قطع عليه؛ لأنه ليس بمالٍ، ولو سرق إناء قيمته نصابٌ، وفيه خمرٌ - قطع؛ كما لو كان فيه بول، وقيل في إناء الخمر: لا يقطع؛ لأن ما فيه [مستحق الإراقة]، فيصير شبهة في دفعه.
ولو سرق طنبورًا، أو مزمارًا، أو صنمًا - نظر: إن كانت محلولة [أو] مغيرة، لا تصلح لمباح، أو تصلح، ولكنه بعد الحل والتغيير لا يبلغ نصابًا - لا يجب القطع، وإن كان يبلغ نصابًا- ففيه وجهان:
[ ٧ / ٣٩٩ ]
أحدهما: يقطع؛ لأنه مالٌ متقوم.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه آلة المعصية؛ كالخمر.
أما إذا حله، ثم أخرجه - يجب القطع، وكذلك: إذا كان [على الصنم حليةٌ تبلغ نصابًا - يقطع، ولو سرق إناء من ذهب أو فضة- يقطع؛ لأنه يتخذ للزينة، لا للمعصية، والله أعلم.
باب قطاع الطريق
قال الله تعالى: ﴿نَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ] ﴾ الآية [المائدة ٣٣].
قُطاع الطريق: الذين يعترضون القوم بالسلاح مجاهرةً- يحل قتالهم؛ لأنهم أسوأ حالًا من البغاة، وإذا علم الإمام من رجل أنه يعترض الرفقة، ويخيف السبيل - يجب على الإمام طلبه وحبسه؛ حتى لا تقوى شوكته، فيكثر منه الفساد، ومن خرج لقطع الطريق، فقتل نفسًا - يجب عليه القتل حتمًا وإن أخذ نصابًا من المال - تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى؛ سواء أخذ ذلك النصب من ملك واحد، أو من أملاك مختلفة.
وإن قتل وأخذ المال - يقتلُن ويصلبن ظاهر الآية التخيير، وهي على ترتيب الجرائم ويروي عن ابن عباس - ﵁- مثل ما قلنا في معنى الآية.
وعند أبي حنيفة: إن قتل وأخذ المال - يتخير الإمام بين أن يجمع عليه [القطع والقتل] [أو القتل] والصلب، وأبو يوسف معنا، والسلاح ليس بشرط، حتى لو خرجوا بالخشب واللطم، حيث لا يلحقهم الغوث- فالحكم كذلك؛ وسواء قطعوا الطريق على جماعة، أو على واحد.
ولو خرج [واحد أو] جماعة في المِصْرِ، فحاربوا، أو العساكر أغاروا على أحد طرفي البلاد] إذا خرجوا فحاربوا الطرف الآخر، أو خرجوا بالليالي مكابرة على الدور - فحكمهم حكم قطاع الطريق إذا كان لا يلحقهم الغوث؛ إذا استغاثوا، أما إذا خرج جماعة في بلدة أو قرية، أو بين قريتين، بحيث يلحقهم الغوث أو استغاثوا- فلا يكون حكمهم حكم قُطاع الطريق؛ فمن أخذ منهم مالًا - فهو الغاصب والناهب؛ يضمن ما أخذ.
[ ٧ / ٤٠٠ ]
وعند أبي حنيفة: لا يجب عقوبة قطاع الطريق على من حارب في المصر.
وأبو يوسف معنا.
وإذا خرج النساء لقطع الطريق - يقام عليهن ما يقام على الرجال.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: لايجب على النساء عقوبة قُطاع الطريق؛ حتى قال: لو خرج جماعة من الرجال، وفيهم امرأة أو صبي لا تقام العقوبة على الرجال البالغين.
وأبو يوسف معنا؛ فنه يعاقب البالغون من الرجال.
ولو قطع جماعة من المراهقين الطريق - لا عقوبة عليهم، وعليهم ضمان المال، ومن خرج مع قطاع الطريق؛ فكشر وهيب، وكان ردءًا لهم؛ ولكنه لم يقتل، ولم يأخذ المال - لايجب عليه عقوبة قطاع الطريق، ولكن يعر ويحبس، حتى يتوب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قيل: أراد به الحبس، وقيل: أراد به التغريب، وقيل: نفيه أن يرتكب ما يوجب عقوبةً، ثم يهرب، فنفيه: أن يُتْبع ويطلبن حتى لا يقر في موضع حتى يظفر به؛ فيقام عليه الحد؛ يروى هذا عن ابن عباس.
وعند أبي حنيفة: يجب على الردء عقوبة قطاع الطريق، حتى لو كانوا مائة، فقتل واحد إنسانًا - يقتل الكل، ولو أخذ واحد منهم نصابًا من المال - يقطع الكل.
قلنا: هذا حد يجب بسبب الجريمة؛ فلا يجب على غير المباشر؛ كما لا يجب حد الشرب على الساقي.
ومن أمسك إنسانًا، حتى قتله آخر، أو أمسك امرأة، حتى زنى بها آخر، لا يجب القتل والحد على الممسك، ولا يجب القطع على قاطع الطريق؛ حتى يأخذ نصابًا من المال، وكذلك: لا يجمع بين القتل والصلب حتى يأخذ مع القتل نصابًا، وهو ربع دينار.
ولو أخذ رجل ثلث دينار، ومعه [ردء] أخذ سدس دينار- يقطع من أخذ الثلث، ولا قطع على من أخذ السدس، ولا يكمل نصابه بما أخذ رقيقه.
وإذا وجب القطع على قاطع طريق - تقطع يده ورجله في مكان واحد، وإذا قطع [منه] أحد العضوين - لا يؤخر قطع الآخر حتى يبرأ الأول لأنه حد واحد، وإن كان فقيد اليد اليمنى - تقطع رجله اليسرى، ولا تقطع [يده اليسرى]؛ لأن الحد لم يتعلق بها؛ كالسارق إذا كانت يده ناقصة بإصبع - تقطع يده الناقصة، ولا تقطع رجله.
[ ٧ / ٤٠١ ]
أما إذا قطع الطريق وأخذ المال، وهو فقيد اليد اليمنى والرجل اليسرى - حينئذ: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأن ما يبدأ به معدوم؛ [فيتعلق القطع] بما بعده.
وإذا أخذ المال، وقتل، وقطع الطريق - فإنه يقتل ويُصلب.
واختلفوا في كيفيته -فالصحيح من المذهب: أن يقتل [ثم يُصلب مستور العورة.
وفيه قول آخر: أنه يصلب حيًا، وهو قول أب حنيفة - ﵀-: لأن عقوبة] قطع الطريق تُقام عليه حيًا.
والأول المذهب؛ لأنه لا عقوبة فوق القتل، والصلب [للاعتبار زجرًا] للناس عن مثل فعله، فإن قلنا: يُصلب بعد القتل - فكم يترك على الصلب؟ فيه وجهان:
أحدهما - قاله ابن أبي هريرة-: حتى يسيل صديده؛ إلا أن يتأذى به الأحياء؛ فينزل، ولا يغسل، ولا يصلي عليه.
وهذا لا يصح؛ لأن فيه تعطيل فرض الله تعالى من الغُسل، والصلاة، والدفن.
والثاني- وهو الأصح-: يُنزل على الصلب ثلاثًا؛ إن كان الزمان باردًا، أو معتدلًا، ثم يُنزل وإن كان في شدة الحر - ينزل إذا خيف عليه التغير قبل الثلاث، [ويدفع إلى أهله؛ ليقيموا عليه فرض الغسل والصلاة عليه والدفن]، وإن قلنا: يصلب حيًا - اختلفوا في كيفية قتله، منهم من قال: يُطعن حتى يموت مصلوبًا، وهو قول الليث بن سعد، ومنهم من قال: يترك بلا طعام، ولا شراب، حتى يموت، ومنهم من قال: يترك ثلاثًا حيًا، ثم ينزل، فيُقتل، وهو قول أبي يوسف، فإن مات قبل الصلب - ففيه وجهان:
أحدهما: قاله الشيخ أبو حامد الإسفرائيني - أنه لا يُصلب؛ لأن الصلب تبع للقتل، وسقط القتل؛ فسقط الصلب.
وإن قتل في قطع الطريق - يقتل حتمًا، ثم يغسل، ويصلي عليه، ويدفن، والقتل حتمٌح حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإن جرح إنسانًا في قطع الطريق - نظر: إن كانت جراحة لا يثبت فيها القود؛ كالجائفة ونحوها - فلا يقتص، وعليه أرشها، وإن قطع يدًا أو رجلًا أو عضوًا يقاد منه - وهل يتحتم؟ فيه قولان:
[ ٧ / ٤٠٢ ]
أحدهما: يتحتم؛ حتى لا يسقط بالعفو؛ كالقتل.
والثاني - وهو الأصح-: لا يتحتم؛ لأنه تغليظ لا يتبعض؛ يثبت في النفس، فلا يثبت فيما دون النفس؛ كالكفارة؛ ولكنه بالخيار؛ إن شاء اقتص، وإن شاء عفا، ولو أتلف مالًا في قطع الطريق - يجب عليه الضمان وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان، وكذلك قال: لو قطع طرفًا - فلا قصاص، ولا أرش؛ لأن الطرف كالمال.
قلنا: قاطع الطريق ظالمٌ؛ لا شبهة له في مال أهل الرفقة، ولا في طرفه؛ ما لا شبهة له في نفسه، فإذا أخذ بقتل نفسه يؤخذ بقطع طرفه وضمان ماله، وإذا قتل في قطع الطريق خطأ، بأن رمى إلى شخص، فأصاب غيره، أو شبه عمدٍ - فلا قتل عليه، وتجب الدية على العاقلة، وإذا قتل عمدًا - تحتم قتله، ففيه معنى الحدود، لأنه لا يسقط بالعفو، واستيفاؤه إلى السلطان لا إلى الولي، وفيه معنى القصاص؛ لأنه قتل بإزاء قتل، وأيهما يغلب؟ فيه قولان، وفائدته تتبني في أنه هل تُراعى فيه الكفارة والمماثلة أم لا؟ مثل إن قتل حر عبدًا، أو مسلمٌ ذميًا، أو قتل الأب ابنه؛ إن غلبنا جهة الحدود - فيقتل به، وإن غلبنا جهة القصاص - فلا قتل عليه، وتجب الدية وقيمة العبد، ولا خلاف أنه لو قتل عبد نفسه - لا يقتل؛ كما لو أخذ مال نفسه - لا يُقطع، ولو قتل جماعةً في قطع الطريق؛ إن غلبنا جهة الحدود - قُتل بهم جميعًا، ولا يجب شيء من الدية، وإن غلبنا جهة القصاص - قُتل بالأول، وللباقين الدية، فإن عفا الأول - لا تسقط، ولو قتله أجنبي غير الإمام: إن غلبنا الحد - فلا شيء عليه، إلا التعزير؛ لتفويته على الإمام، وإن غلبنا القصاص - عليه الدية لورثته.
قال الشيخ - ﵀-: ولا قود؛ لأن قتله محتومٌ، ولو مات إن غلبنا الحد - فلا شيء عليه، وإن غلبنا القصاص - تؤخذ الدية من تركته.
ولو قتل في قطع الطريق بمثقل أو قطع عضو -هل يستوفي بذلك الطريق؟ إن غلبنا الحد - فلا؛ بل تُحز رقبته؛ كالمرتد، وإن غلبنا القصاص- يقتل بذلك الطريق.
وإذا وجبت العقوبة على قاطع الطريق، فهرب- يطلب، فيتبع؛ حتى يظفر به؛ فيقام عليه الحد، فإن تاب قبل القدرة عليه - سقط عنه ما لزمه بسبب قطع الطريق؛ لقوله [﷿]: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، فإن كان قد قتل - سقط تحتم القتل، ولا يسقط القصاص، فالولي إن شاء
[ ٧ / ٤٠٣ ]
قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن كان قد قتل، وأخذ المال - يسقط عنه الصلب وتحتم القتل، وبقي القصاص، وإن كان أخذ المال - يسقط عنه قطع اليد، والرجل وإن قتل الأب الابن في قطع الطريق، أو الحر عبدًا، أو المسلم ذميًا، وأوجبنا عليه القتل: فإذا تاب قبل القدرة - سقط القتل أصلًا، ووجبت الدية والقيمة، وإن تاب بعد القدرة عليه - فهل يسقط ما وجب بسبب قطع الطريق من تحتم القتل، والصلب، والقطع - فعلى قولين؛ كالزاني، والسارق، وشارب الخمر إذا تاب هل يسقط عنه الحد؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يسقط، فإن قلنا: يسقط بالتوبة [ما يجب] في غير المحاربة، فلابد من مضي زمان يوثق بتوبته؛ لأن الله تعالى قال في الزاني: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء: ١٦] وقال في السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]- علق العفو بالتوبة والإصلاح، وقد يُظهر التوبة للتقية، فلا يُعلم صحتها، حتى يقترن بها الإصلاح: من مضي زمان يوثق بتوبته، وفي المحارب يسقط عنه الحد بإظهار التوبة والدخول في الطاعة؛ لأنه خارج من يد الإمام ممتنع؛ فلا تُحمل توبته على التقية.
ولو شهد رجلان من أهل الرفقة على قوم؛ أنهم قطعوا الطريق علينا، وأخذوا كذا من أموالنا - لا تُقبل؛ لأنهم يشهدون لأنفسهم، فإن لم يقولا علينا بل قالا: قطعوا [الطريق] على هؤلاء، وأشاروا إلى أصحابهما، وأخذوا منهم كذا وكذا يقبل، ولا يسألهما الحاكم - هل كنتما معهم أم لا؟ هذا كما لو شهد احد الشريكين للآخر، وقال: هذا العبد بيننا - لا يُقبل، ولو شهد لشريكه بنصفه - يُقبل، وكذلك: لو شهد عدلان من الفقراء؛ أن فلانًا أوصى للفقراء بثلث ماله - يقبل ولو قالا: وصى لنا بثلثه - لا يقبل.
فصل في اجتماع الحدود
إذا اجتمع على واحد حدود من جنس واحد؛ وإنما يتصور ذلك في القذف، بأن يقذف جماعة بكلمات، فعليه لكل واحد حد لواحد - لا يقام عليه حد الآخر، حتى يبرأ جلده عن حد الأول.
أما إذا زنى مرارًا - لا يجب عليه إلا حد واحدٌ، وكذلك: لو شرب مرارًا، أو سرق مرارًا - لا يجب عليه إلا حد واحد، وقطع واحد، ولو زنى مرة، فحد، أو شرب مرة،
[ ٧ / ٤٠٤ ]
فحد، ثم زنى أو شرب ثانيًا - يحد ثانيًا.
وإن ارتكب الثاني قبل أن يبرأ عن حد الأول - لا يقام الثاني ما لم يبرأ، ولو أن عبدًا قذف رجلين - هل يوالي عليه بين الحدين؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يوالي عليه؛ لأنهما حدان؛ كما في حق الحر؛ لا يوالي بين الحدين.
والثاني: يوالي؛ لأنه ليس فيه إلا الموالاة بين ثمانين جلدة، وذلك لا يمتنع كما في حق الحر.
ولو اجتمع حدان، موجبهما مختلفٌ نظر: إن كان أحدهما قتلًا - يقام ما دونه أولًا، ثم يقتل في الحال - مثل إن وجب عليه حد شرب أو حد قذف وقتل بسبب ردة، أو رجم بسبب زنى - يقام عليه الحد، ثم يقتل للردة، أو يرجم للزنى في الحال.
وكذلك: لو اجتمع عليه قطع بسبب [سرقة أو قصاص] وقتل يقطع، ثم يقتل في الحال.
وإن كانت الحدود كلها دون القتل - لا يوالي بينهما، بل يُتأنى بينهما حتى يبرأ الأول؛ مثل: إن وجب عليه حد القذف، وحد الزنا، وهو بكرٌ - يقام عليه حد القذف، أولًا، ثم يترك حتى يبرأ، ثم يحد للزنى، وإنما قدمنا حد القذف؛ لأنه حق الآدمي، ومبناه على الضيق لشحه، وقيل: إنما قدمنا؛ لأنه أقل.
وإن وجب عليه حد القذف والشرب - يقام حد القذف أولًا، ثم إذا برأ - يقام حد الشرب، وقيل: يقدم حد الشرب؛ لأنه أقل، ثم إذا برأ - يقام حد القذف، والأول أصح، ولا فرق على الوجهين بين أن يتقدم القذف أو الشرب.
ولو وجب عليه جلد بسبب الشرب، أو الزنا [أو] قطع السرقة؛ سواء تقدم [الزنا] أو تأخر - يقدم الجلد، ثم يترك حتى يندمل، ثم يقطع.
ولو وجب عليه قطع اليد والرجل بسبب قطع الطريق - تقطع يده ورجله في مكان واحد؛ لأنه حد واحد؛ كما يوالي بين الجلدات في الحد الواحد، ولو أخذ المال في قطع الطريق، وقطع يسار إنسان يُقطع أولًا يساره قصاصًا، ثم يترك حتى يبرأ، ثم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وكذلك: لو سرق، وقطع يسار إنسانٍ - لا يوالي بين القطعين، بل تقطع يساره قصاصًا، ثم إذا برأ تقطع يمينه للسرقة.
[ ٧ / ٤٠٥ ]
ولو قطع يمين إنسان، وأخذ نصابًا فيقطع الطريق -تقطع بمينه قصاصًا، ويسقط قطعها عن قطع طريق، وتقطع رجله اليسرى في الحال، ولا ينتظر؛ لأن قطع العضوين بحد واحد، وإن كان مستحقًا علبه.
وكذلك: لو سرق، وأخذ المال في قطع الطريق، تقطع اليد والرجل في مكان واحد، وقيل: يؤخر قطع الرجل حتى تندمل اليد؛ لأن قطع اليد - وجب بغير سبب قطع الرجل؛ فهما سببان مختلفان، والأول المذهب.
وإذا قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى من إنسان في قطع الطريق، وأخذ المال - يقطع عن القصاص، ويسقط القطع بسبب أخذ المال.
وإذا اجتمع عليه حد القذف، والشرب، وحد الزنا، وهو بكر، وقطع اليد والرجل بسبب السرقة وقطع الطريق وقيل: القصاص يبدأ بحد القذف، ثم يترك حتى يبرأ، ثم يُحد للشرب، ويحبس، حتى يبرأ، ثم يحد للزنى، ويحبس حتى يبرأ، ثم تقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى بسبب السرقة، وقطع الطريق، ولا ينتظر بينهما، ثم يقتل في الحال قصاصًا، فإن مات - سقطت الحدود، لوولي القتيل الدية، وإن كان القتل الواجب مع هذه الحدود بسبب المحاربة- هل يجب التفريق بين هذه الحدود أم يجوز أن يُوالي بينهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب التفريق؛ كما لو كان القتل في غير المحاربة.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق -: يجوز أن يوالي بين الكل، بخلاف القتل في غير المحاربة فإنه غير متحتم، فإذا أتى ربما يعفو، فيسلم نفسه، والقتل في المحاربة، متحتم؛ فلا معنى للتفريق، وترك الموالاة.
وعند أبي حنيفة يقام عليه حد القذف، ثم يقتل فعنده: جميع الحدود تدخل في القتل إلا حد القذف، وفيه دليل على أن حد [القذف] حق للآدمي.
باب تحريم الخمر
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
ورُوي عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ-: [كل مسكر [خمر]، وكل
[ ٧ / ٤٠٦ ]
مسكر] حرامٌ" والخمر المتخذة من العنب والرطب - حرام باتفاق الأمة، يحد شاربه،
[ ٧ / ٤٠٧ ]
وإن شرب قطرة ويفسق ويكفر مستحله، وهي نجسة، لا يجوز بيعها، أما المطبوخ من غير العنب والرطب، أو المتخذ من التمر والزبيب ونقيع الحنطة والشعير: إن كان مسكراص - فهو عندنا خمرٌ نجسٌ؛ لا يحل شرب شيء منه، وإن قل.
وعند أبي حنيفة: يحل شرب قليله، ويحرم السكر منه.
والدليل على تحريمه: خبر ابن عمر وعن جابر، أن رسول الله - ﷺ- قال: "ما أسكر كثيره - فقليله حرام" وعن عائشة - ﵂ - عن رسول الله - ﷺ- قال: "ما أسكر
[ ٧ / ٤٠٨ ]
الفرق منه - فملء الكف منه حرام"، وعن ابن عمر قال: "خطب عمر على منبر
[ ٧ / ٤٠٩ ]
رسول الله - ﷺ - فقال: "إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة والشعير، والعسل".
والخمر: ما خامر العقل، وعندنا: إذا شرب منه شيئًا، وإن قل - يحد شاربه؛ سواء كان ممن يستحله أو لا يستحله، ولكن لا يكفر مستحله؛ لاختلاف العلماء فيه، وهل يُفسق؟ نظر: إن كان ممن يقول بإباحته - لا يفسق، ولا ترد شهادته، وإن كان ممن يقول بتحريمه - يُفسق، وتُرد شهادته؛ بخلاف الحد أقمنا على الفريقين؛ لأنه على الأمام، وتُرد
[ ٧ / ٤١٠ ]
الشهادة [لارتكاب] محظور عقيدته، ومن يستبيحه لم يرتكب محظور عقيدته، فلم ترد شهادته، ودُردي الخمر حرام، يجب به الحد، وكذلك: لو كان ثخينًا، فأكله بخبز، أو شربها لدواء - يجب الحد، وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد في هذه المواضع، ولو احتقن الخمر - لا يحد، ولو استعطه - ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحد؛ كما لو احتقن.
والثاني: يحد؛ لأنه يُطرب؛ كما لو شرب.
ولو شرب جاهلًا؛ بأن رأى في [كوز لم يظن] أنه خمرٌ، فشرب - لا حد عليه.
ولا يُحد الشارب حتى يقر بأنه شرب الخمر، أو شهد الشهود؛ أنه شربها قصدًا، أو شرب من إناء شرب منه قوم، فسكروا - حينئذ يحد.
أما إذا رأوه سكرانا، أو وُجد منه ريح الخمر - فلا يحد؛ لاحتمال أنه كان مكرهًا عليه.
فصل في حد الخمر
رُوي عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "أتى رسول الله - ﷺ - بشارب، فقال: "اضربوه، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: بكثوه، فبكثوه، ثم أرسله"، فلما كان أبو بكر - ﵁ - سأل من حضر ذلك الضرب، فقوموا أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياته، ثم عمر، حتى تتابع الناس في الخمر، فاستشار، فضرب ثمانين.
[ ٧ / ٤١١ ]
ورُوي عن ثور بن يزيد الديلي أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استشار في الخمر، فقال له عليُّ - ﵁-: أرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فجلد عمر - ﵁في الخمر ثمانين".
حد شارب الخمر أربعون جلدة، إن كان حرًا، وإن كان عبدًا - فعشرون.
[ ٧ / ٤١٢ ]
وعند أبي حنيفة يُجلد الحر ثمانين جلدة؛ لأن عمر جلد ثمانين.
والزيادة على الأربعين - عند الآخرين - كان على وجه التعزير أدى إليه اجتهاده؛ بدليل أنه لما آل الأمر إلى عليٍّ - ﵁ - جلد أربعين.
ولو شرب مرارًا، فلم يُحد لا يحد إلا أربعين، وتتداخل الحدود، فإن شرب، فحُد، ثم شرب ثانيًا - يحد ثانيًا.
ولو ضرب الشارب بالنعال وأطراف الثياب والأيدي قدر أربعين جلدة - جوز؛ وبالسياط يجوز؛ لأن الصحابة - ﵃ - ضربوا بالسياط.
ولو جلد الإمام إنسانًا في قذف أو زنى، فمات - لا شيء عليه.
ولو ضربه في الخمر، فمات [نظر: إن ضرب بالأيدي والنعال، وأطراف الثياب والصفع، فمات - لا يضمن، وإن جلده بالسياط أربعين - هل يضمن؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يضمن] كما في حد القذف، وكما لو ضرب بالأيدي والنعال.
والثاني: يضمن: لأنه كان بالاجتهاد، وكان بشرط سلامة العاقبة.
رُوي عن عليٍّ -[﵁]- أنه كان يضرب أربعين، ويقول ليس احد أقيم عليه الحد، فيموت، فأجد في نفسي منه شيئًا الحق قتله إلا حد الخمر؛ فإنه شيءٌ رأيناه بعد النبي - صلى الله عليه وسمل - فمن مات منه - فديته: إما قال: في بيت المال، وما قال: على عاقلة الإمام.
[ ٧ / ٤٢٣ ]
ولو ضرب في الخمر ثمانين، فمات: إن قلنا: من مات في حد الشرب - يجب ضمانه-: ههنا: يجب تمام الدية وإن قلنا: لا يجب- فيجب نصف الدية؛ لأن نصفه حد؛ لا يجب ضمانه، ونصفه في حكم التعزير؛ فيجب ضمانه.
وإن جلد في القذف إحدى وثمانين، فمات - فلا قود، وكم يجب من الدية؟ فيه قولان:
أحدهما تجب نصف الدية؛ كما لو جرح نفسه عشر جراحات، وجرحه أجنبي جراحة واحدة، ومات منهما - يجب على الأجنبي نصف الدية؛ لأنه مات من مضمون وغير مضمون.
والثاني: يجب جزء من أحد وثمانين جزءًا من الدية؛ بخلاف الجرح؛ لأن نكاية الجراحة تكون في الباطن، وقد تكون نكاية جراحة [واحدة] أكثر من نكاية عشر جراحات، فاستويا، والضرب بالسوط يلاقي الظاهر؛ فقلما يقع التفاوت بين الضربات، فتوزع الدية على أعدادها، وكذلك: لو ضرب في الخمر أحدًا وأربعين، فمات، وقلنا: لا يجب ضمان من مات في حد الخمر - فكم يجب من الضمان؟ فعلى قولين:
أحدهما: نصف الضمان.
والثاني: جزء من أحد وأربعين جزءًا من الدية.
وإذا أقام الإمام الحد على رجل بشهادة شخصين، فبانا عبدين، أو مراهقين، أو امرأتين، أو كافرين، أو فاسقين؛ فمات المحدود- تجب الدية.
وكل موضع أوجبنا الدية في خطإ الإمام - تكون على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه قولان:
أحدهما: على عاقلته كخطإ غير الإمام - تكون على عاقلته.
والثاني: تكون في بيت المال؛ لأن خطأ الإمام يكثر؛ فلو أوجبنا على العاقلة أدى إلى الإجحاف بهم.
فإن قلنا: تجب الدية على عاقلته - فتجب الكفارة في ماله، وإن قلنا: تجب الدية في بيت المال - ففي الكفارة وجهان:
أحدهما: تجب في بيت المال؛ كالدية.
والثاني: تجب في ماله؛ لأن الكفارة لا يجري فيها التحمل؛ بدليل أنها لا تجب على
[ ٧ / ٤٢٤ ]
العاقلة، فإذا ضمنت عاقلة الإمام أو بيت المال - فهل يرجع على الشاهدين أم لا؟ نظر:
إن بانا فاسقين فسقا مستترًا - لا يرجع؛ لأنهما يقولان: نحن صدقنا فيما قلنا، وإسرارُ الفسق كان واجبًا علينا، وإن بانا عبدين، أو كافرين، أو امرأتين - فهل يرجع عليهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: لايرجع، كما لو بانا فاسقين.
والثاني: يرجع؛ لأن إظهار حالهما - كان واجبًا عليهما، فإذا لم يظهرا- فقد فرطا؛ فضمنا.
فإن قلنا: [يرجع] يرجع على الكافر، والمرأة [في الحال] وفي العبد - يتعلق برقبته أم بذمته؟ فيه وجهان؛ أصحهما: [يتعلق بذمته؛ لأنه لم يمحض جناية، وهل يرجع على المراهق أم لا؟ [إن قلنا] يتعلق برقبة العبد - يرجع في مال المراهق، وإن قلنا: بذمة العبد - لا يرجع على المراهق أصلًا؛ كما لا يلزمه دين المعاملة.
وإن بانا فاسقين فسقًا ظاهرًا - فهو ما لو بانا كافرين.
فكل موضع أوجبنا الضمان على الإمام: إما على عاقلته أو في بيت المال - فكذلك إذا باشر الإمام القتل أو الضرب بنفسه، أو أمر الجلاد به، ولم يعلم الجلاد خطأ، فإن كان الجلاد عالمًا بخطئه - فالضمان على الجلاد، فلو قال الجلاد: إني علمت أن الإمام مخطيء، ولكني علمت بقول بعض العلماء - فعليه الضمان، لأنه لم يكن له الاجتهاد.
ولو أمر الإمام الجلاد بقتل رجل في موضع اجتهاد واعتقادهما أن لا قود عليهما؛ مثل: أن يأمر بقتل المسلم بالذمي، أو الحر بالعبد، فقيل: عليهما القود.
قال الشيخ - ﵀-: هذا على قولنا: إن أمر السلطان إكراه، ويجب القود على المُكرِه والمكرَه جميعًا، فلو قال الجلاد: إني ظننت أن الإمام رجع عن ذلك إلى قول من يوجب القود وأنه يأمر بحق - لا يسقط عنه القود بهذا؛ لأنه قصد قتلًا يعتقد تحريمه، ولو كان الجلاد يعتقد جواز قتله، والإمام يعتقد تحريمه - يجب القود على الجلاد؛ اعتبارًا باعتقاد الإمام.
[ولو] أمر الإمام الجلاد بضربه، وقال: أنا ظالم في ضربه، فضربه الجلاد، مات إن قلنا: أمر السلطان ليس بإكراه - فالضمان على الجلاد، وإن قلنا: أمره إكراه: فإن قلنا:
[ ٧ / ٤٢٥ ]
لا ضمان على المكُرَه - فالضمان على الإمام، وإن قلنا: يجب الضمان على المُكرَه - فيكون عليهما نصفان، هذا إذا أمره الإمام جزمًا، ولم يخوفه، فإن خوفه - فهو إكراهٌ، وإن قال: إن شئت، فافعل - ليس بإكراه؛ فالضمان على الجلاد.
ولو أمر الإمام الجلاد؛ بأن يضرب في القذف ثمانين؛ فضرب إحدى وثمانين، ومات - فالضمان على الجلاد، وكم يجب؟ فعلى القولين.
ولو أمره بأن يضرب في الخمر ثمانين، فجلد واحدًا وثمانين، ومات المضروب.
فإن قلنا: الدية تُقسط على الضربات - تجعل الدية أحدًا وثمانين جُزءًا فيسقط أربعون جزءًا لأجل الحد، ويجب على الإمام أربعون جزءًا؛ لأن الزيادة على الثمانين في حكم التعزير، ويجب على الجلاد جزء واحد.
وإن قلنا: يسقط على عدد الجناية - ففيه وجهان:
أحدهما تجعل الدية أثلاثًا، فيسقط ثلثها، ويجب ثلثها على الإمام، وثلثها على الجلاد؛ لأن مات بثلاثة أنواع من الضرب: اثنان مضمونان، وواحد غير مضمون، وهو ضرب الحد.
والثاني: يجمع بين المضمونين، فيجعل نصفان، فيسقط نصفها لأجل الحد، والنصف الآخر يكون على الإمام والجلاد نصفان.
ولو قال الإمام للجلاد: اضرب، وأنا أعد، فغلط الإمام، فزاد في العدد - فالضمان على الإمام، وفي قدره ما ذكرنا من الاختلاف.
فصل
قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] يجوز للزوج ضرب زوجته على النشوز، وعلى ترك واجب عيها ضربًا غير مبرح، وكذلك: يباح للمعلم ضرب الصبي للتأديب، ولكن يكون ضربهما بشرط السلامة، فإن ماتت الزوجة أو الصبي من الضرب، إن جاوز الحد في الضرب - يجب عليه القود، وإن لم يجاوز - فهو شبه عمدٍ؛ تجب به الدية على عاقلته مغلظة، والكفارة في ماله، ولا فرق بين أن يضرب الصبي بإذن أبيه، أو بغير إذنه.
وإن كان الصبي مملوكًا، فضربه المعلم ضرب مثله، فهلك - يضمن، وإن ضربه بإذن
[ ٧ / ٤٢٦ ]
مولاه - لا يضمن؛ لأنه لو أمره بقتله، فقتله -لا يلزمه الضمان.
ولو عزر الإمام رجلًا لحق الله تعالى، فمات - تجب الدية، وتكون على عاقلة الإمام أم في بيت المال؟ فعلى القولين، وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان؛ كما لو حده، فمات.
وأصله: أن التعزير عندنا غير واجب وعند أبي حنيفة واجب، كالحد.
قلنا: كم من مستحق للتعزير أعرض عنه النبي - ﷺ - كالذي غل في الغنيمة، والذي لوى شدقه حين حكم لخصمه الزبير في شراج الحرة، وغير ذلك، ولو كان واجبًا - لما تركه النبي - ﷺ -.
رُوي عن عائشة - ﵂أن النبي - ﷺ - قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود".
وإن عزره لحق العباد، فمات - ففي وجوب الدية وجهان:
أصحهما: تجب؛ ما لو عزره لحق الله [﷿].
والثاني: لا تجب؛ لأنه تجب إقامته؛ إذا طلبه المستحق؛ لو مات في الحد.
ولو كان برجلٍ سلعةٌ، فقطعها صاحبها، أو قطع يده بسبب الأكلة، فمات - لا يعصي [الله]؛ لأنه قصد الإصلاح؛ بخلاف ما لو قطع يده بلا سبب - عصى الله تعالى.
لو قطع السلعة، أو الأكلة غيره، فمات - نظر: إن كان المقطوع منه عاقلًا بالغًا، وقطعها بإذنه- فلا شيء -على القاطع، وإن قطع بغير إذنه -يجب القود على القاطع، سواء قطعه السلطان أو غيره، وإن كان المقطوع منه صبيًا أو مجنونًا - فلا يجوز قطعه، خوفًا من الهلاك، فإن قطع - نظر: إن قطعها غير الولي، فمات - يجب القود، وإن قطعها وليه أو السلطان - تجب الدية مغلظة في ماله، وهل يجب القود؟ إن كان القاطع غير الأب والجد - فيه قولان:
أحدهما: يجب القود؛ لأنه قطع ما لم يكن له قطعه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه قصد الإصلاح لا الإهلاك.
وقيل: إن قطعه الأب - فلا ضمان عليه أصلًا؛ لأن ولايته أتم، فإنه يعالج الصبي بالفصد والحجامة، وقطع السلعة لشفقته.
[ ٧ / ٤٢٧ ]
فصلٌ: في بيان الختان
الختان واجبٌ، ويجب على العاقل البالغ أن يختن نفسه؛ رجلًا كان أو امرأة.
وعلى السيد أن يختن عبده أو يخلي بينه وبين كسبه؛ حتى يختن نفسه، فلو لم يختن الرجل نفسه، فختنه الإمام في وقت اعتدال الهواء، فمات - لا شيء على الإمام؛ ما لو أقام عليه حدًا، فمات وإن ختنه في حر شديد، أو برد [شديد] فمات - تجب الدية في بيت المال، أو على عاقلة الإمام؟ على اختلاف القولين.
ولو ختنه أجنبي؛ فمات: قال الشيخ - ﵀-: يحتمل أن يبنى على أن الإمام لو ختنه في شدة الحر والبرد، فمات - هل يضمن؟! إن قلنا هناك يضمن للتعدي - فههنا يضمن؛ وإلا- فلا؛ بخلاف ما لو قطع في السرقة أجنبي، فمات - لم يضمن؛ لأن قطع السرقة على الغير، والختان إليه.
ولو ختن صبيًا في سن لا يحتمل، فمات - يجب القود؛ سواء ختنه السلطان أو قيمه، فإن ختنه أبوه - فلا قود، وتجب الدية، وإن ختنه في سن يحتمل، وهو بعد عشر سنين، فمات -فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه الضمان؛ لأن الختان غير واجب على الصبي؛ كما لو قطع سلعة.
والثاني: لا يجب الضمان؛ لأن الختان واجب في الجملة.
فصلٌ: في التعزير
من أتى معصية لا حد فيها؛ كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، والسرقة من غير الحرز، وسرقة ما دون النصاب، وإيذاء الناس، والسب، والضرب، وما أشبه ذلك من المعاصي؛ فإنه يعزر بما يراه السلطان من تغليظ قول، أو حبس، أو ضرب، ولا يبلغ بالتعزير الحد؛ لأنه مجتهد فيه؛ فلا يبلغ به المقدر شرعًا؛ كالرضخ؛ لا يبلغ السهم، والحكومة لا تبلغ دية العضو.
وعن أي حد ينقص اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال - وهو الأصح-: تعزير كل شخص ينقص عن أقل حدود؛ فتعزير الحر لا يبلغ أربعين؛ لأنها أقل حدوده، وتعزير العبد لا يبلغ.
ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير ما عشرين؛ لأنه أقل الحدود.
[ ٧ / ٤٢٨ ]
ومنهم من قال: لا يبلغ أربعين؛ لأنها أقل حدود الأحرار؛ رُوي عن عمر - ﵁- في التعزير ما بين ثلاثين إلى أربعين.
ومنهم من قال تعزير كل جريمة ينقص عن حدها؛ كما أن حكومة كل عضو لا تبلغبدله المقدر؛ فتعزير الزنا بأن فاخذ أو باشر أجنبية فيما دون الفرج - يجوز أن يزاد على حد القذف ولا يبلغ مائة، وتعزير القذف؛ أن شتم أو رماه بخيانة - لا يبلغ ثمانين، ويجوز أن يُزاد على حد الشرب، وتعزير الشرب، بأن تشبه بالشرب، فأدار كأس الماء على الشرب إدارة كأس الخمر - لا يبلغ أربعين.
قال شيخنا - ﵀ -: وقد صح عن أبي بردة بن سيار؛ أن النبي - ﷺ - قال: "لا يثجلد فوق عشر جلدات، إلا في حد من حدود الله تعالى".
[ ٧ / ٤٢٩ ]
وقال ﵀ - الأمر هكذا عند قلة الفساد؛ وحصول الزجر بهذا، أما إذا أكثر الفساد واستقل الناس هذا التعزير - فلا باس أن يزاد، ولايبلغ به الحد؛ كما ذرناه؛ كما أن عمر - ﵁ - ضرب في الخمر ثمانين، فزاد أربعين؛ تعزيرًا على الافتراء.
والحدود لا تُقام في المساجد، لما رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تقام الحدود في المساجد"، ولأنه لا يؤمن أن يتلوث المسجد بجرح أو بحدث يحصل من المحدود.
فلو أقيم في المسجد - سقط الحد؛ كما لو صلى في ثوب مغصوب - سقط الفرض عنه، وإن كان عاصيًا بالغصب، والله أعلم.
[ ٧ / ٤٣٠ ]