روي عن ابن عباس؛ أن النبيﷺ- قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء قوم وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعى عليه.
[ ٨ / ٣١٧ ]
وروي عن ابن عباس؛ أن النبيﷺ- قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
وروي عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: "جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبيﷺ - فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي؛ فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق؛ فقال النبيﷺ- للحضرمي: ألك بينة؟ قال لا؛ قال: "فلك يمينه" قال: يا رسول الله؛ إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه؛ قال: "ليس لك منه إلا ذلك".
الدعوى في اللغة هي التمنى، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي يتمنون.
ومن ادعى شيئًا لا يعطى إليه ما يدعيه إلا بحجة يقيمها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] طلب منهم البرهان على دعواهم، والنبيﷺ- جعل البينة حجة للمدعي، واليمين حجة للمدعى عليه.
قال أبو حنيفة: المدعي من يثبت شيئًا، والمدعى عليه من ينفيه. وللشافعي ﵁ فيه قولان استنبطهما أصحابه من مسائله:
أحدهما: المدعي من يدعي أمرًا باطنًا، والمدعى عليه من يدعي أمرًا ظاهرًا.
والثاني: المدعي من لو سكت ترك، وسكوته، والمدعى عليه من لا يترك وسكوته.
بيانه: من ادعى على إنسان دينًا؛ فأنكر، أو ادعى عينًا في يده؛ فأنكر- فالمديع يدعي أمرًا باطنًا؛ وهو اشتغال ذمة المدعى عليه وما في يد المدعى عليه ليس له والمدعى عليه يدعي
[ ٨ / ٣١٩ ]
أمرًا ظاهرًا؛ وهو فراغ ذمته وأن ما في يده ملك له، والمدعي لو سكت ترك وسكوته ودعواه تترك، والمدعى عليه لا يتركه بل يطالبه بما يدعيه.
والدعوى لا تسمع مجهولًا إلا في الوصية. وإن ادعى دينًا، يجب أن يذكر الجنس، والنوع، والصفة؛ وإن ادعى عينًا، يذكر صفتها، ولا يجب ذكر القيمة؛ فإن ذكر، كان أحوط وإن كانت العين تالفة: فإن كان لها مثل ذكر صفتها، وإن ذكر القيمة؛ كان أحوط. وإن لم يكن لها مثل، ذكر قيمتها؛ وإن كان حليًا من ذهب قومه بالفضة، وإن كان من فضة قومه بالذهب؛ وإن ادعى قتلًا ذكر صفته؛ كما ذكرناه في "كتاب الجنايات".
ومن ادعى دعوى صحيحة، تسمع؛ سواء ادعى على دنيء، أو شريف؛ عرف بينهما سبب معاملة، أو لم يعرف.
وقال مالك: لا تسمع دعوى الدنيء على الشريف؛ إذا لم يعرف بينهما معاملة.
ولو ادعى دارًا أو عينًا في يد رجل؛ فأنكر المدعى عليه- حلف، وحكم له بها. فلو أقام المدعي بينة بعد ما حلف المدعي عليه، أو قبله- يقضي له. وإنما قدمنا البينة؛ للحديث؛ ولأن البينة حجة صريحة في إثبات الملك، واليد تحتمل الملك وغيره، ويتقوى باليمين، واليمين لا تخلو عن التهمة؛ فكانت البينة أولى؛ فلو أقام صاحب اليد بينة بعد ما عدلت بينة المدعي- تسمع، ويقضي لصاحب اليد؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، وترجح جانب المدعي عليه باليد.
وعند أبي حنيفة: لا تسمع بينة ذي اليد، إلا في ثلاث مواضع:
أحدها: في دعوى النتاج وهو أن يتنازعا في دابة أقام كل واحد منهما بينة أنها ملكي أنا أنتجتها.
والثاني: إذا تنازعا في ثوب؛ لا ينسج إلا مرة واحدة، وأقام كل واحد بينة أنه ملكي، أنا نسجته.
الثالث: إذا عزيا الملك إلى شخص واحد، أقام كل واحد بينة؛ أنها ملكي، اشتريته من فلان؛ سميا رجلًا واحدًا.
قال في هذه المواضع: تسمع بينة ذي اليد، وترجح؛ فنحن نقيس عليها.
ثم عندنا: بينة الخارجي مسموعة، إذا شهدوا له بالملك مطلقًا، ولم يبينوا السبب. أما بينة ذي اليد، فهل تسمع من غير بيان السبب؛ أنه ابتاعها، أو ورثها، أو اتهبها؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو الظاهر-: تسمع؛ كبينة المدعي.
والثاني: لا تسمع؛ حتى يبينوا السبب؛ لأنهم ربما يشهدون له بظاهر اليد.
[ ٨ / ٣٢٠ ]
وإن قلنا: لا يشترط بيان السبب، فبينة ذي اليد مرجحة بكل حال؛ سواء بينت بينة الخارجي [ذكر] السبب أو أطلقت.
وإن قلنا: يشترط بيان السبب؛ فلم يبين- يقضى للخارجي؛ سواء بينت بينته السبب، أو أطلقت. وهل يحلف ذي اليد مع بينته؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو الأصح-: لا يحلف؛ كما لا يحلف الخارجي إذا أقام البينة.
والثاني: يحلف؛ لاحتمال أنهم شهدوا له بظاهر اليد؛ وهي في يده بإجارة، أو عارية.
وأصل هذا: أن القضاء يقع باليد، أم بالبينة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بالبينة، وترجحت باليد؛ فعلى هذا لا يحلف.
والثاني: باليد؛ لأن البينتين تعارضتا؛ فسقطتا؛ فيصار إلى اليمين.
ولو أقام ذو اليد البينة قبل إقامة المدعي البينة- لا تسمع؛ لأنه مستغن عن إقامة البينة باليد، وحجته اليمين.
وقال ابن سريج: تسمع بينته؛ كما تسمع بعد إقامة المدعي البينة.
أما إذا أقام ذو اليد البينة بعد ما أقام المدعي البينة قبل تعديلها- فهل تسمع؟ هذا يرتب على ما لو أقام قبل إقامة البينة: إن قلنا هناك: تسمع، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والأصح: أنه تسمع وترجح؛ لأن يده أشرفت على الزوال بإقامة المدعي البينة.
ولو أقام ذو اليد البينة بعدما قضى القاضي للمدعي بينته- هل تسمع؟ فيه وجهان:
الأصح: وهو المذهب-: تسمع؛ كما لو أقام أجنبي البينة بعد ما قضى القاضي للمدعي بينته- تسمع.
وقيل: لا تسمع؛ لما فيه من نقص قضاء القاضي.
ولو أقام الخارجي شاهدين، وأقام ذو اليد شاهدًا وامرأتين- تسمع، وترجح بينة ذي اليد.
ولو أقام الخارجي شاهدين، أو شاهدًا وامرأتين، وأقام ذو اليد شاهدًا، وحلف معه - ففيه قولان:
أحدهما: يقضي لذي اليد؛ لأن الشاهد واليمين؛ كالشاهدين في المال.
والثاني: يقضي للخارجي؛ لأن حجته أقوى.
[ ٨ / ٣٢١ ]
قال شيخنا الإمام ﵁: ولكن بناء القولين؛ على أن صاحب اليد، هل يحلف مع بينته، أم لا.
إن قلنا: يحلف، فها هنا يقضي للخارجي؛ لأن اليمين ثابت مع البينة الكاملة، فلا تقع في معارضة بينة المدعي.
وإن قلنا: لا يحلف، فاليمين ها هنا كشاهد آخر يقيمه؛ فيترجح به.
ولو لم يكن لهما بينة؛ فنكل صاحب اليد عن اليمين، وحلف المدعي، وقضي له، ثم أقام ذو اليد بينته- تسمع؛ كما لو أقام البينة بعد إقامة المدعي البينة.
وقيل: إذا قلنا: النكول ورد اليمين بمنزلة إقرار المدعى عليه- لا تسمع بينته، كما لو أقام بعد الإقرار والأول أصح؛ لأنه جعل كالإقرار حكمًا، لا أنه حقيقة إقرار.
ولا فرق في ترجيح بينة ذي اليد بين أن يدعيا الملك مطلقًا؛ على المذهب الصحيح الذي يقول: لا يجب على ذي اليد بيان سبب الملك، وبين أن يبينا سبب الملك؛ وسواء اتفق السببان؛ أو اختلفا؛ بأن يقول أحدهما: هذا ملكي اشتريته من فلان، ويقول الآخر: بل ملكي ورثته من أبي، أو أصدقني زوجي وسواء عزيا الملك إلى شخص واحد؛ بأن يقول كل واحد: هذا ملكي اشتريته من زيد أو كان أحد الخصمين امرأة تقول: أصدقني زوجي، ويقول الآخر: اشتريته من زوجك؛ أو عزيا إلى شخصين؛ بأن يقول أحدهما: ملكي اشتريته من زيد، ويقول الآخر: ملكي اشتريته من عمرو، وأقام كل واحد بينة- ترجح بينة ذي اليد؛ في الأحوال كلها.
أما إذا أقام الخارجي بينة؛ أنها ملكي غصبها مني ذو اليد، أو أجرتها منه، أو أودعتها منه، وأقام ذو اليد بينة؛ أنها ملكي- فالصحيح أنه يقضي لذي اليد.
وقال الشيخ ابن سريج: يقضى للخارجي؛ لأن بينته تثبت له اليد والملك؛ ولأن يد المستأجر والوديعة تكون للمالك؛ كما في الغصب.
أما إذا ادعى الخارجي تلقي ذلك في ذي اليد؛ بأن قال: اشتريته منك، وأقام عليه بينة، وذو اليد يقيم البينة؛ أنها ملكه يقضى للخارجي، لأن بينته تثبت الملك لذي اليد، ثم ينقله منه؛ فكانت الناقلة أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ حتى لو أقام الخارجي بينة؛ أني اشتريتها من أبيك، وأقام ذو اليد بينة؛ أني ورثتها من أبي- ترجح بينة الخارجي، ويقضى له.
وكذلك لو أقامت امرأة بينة؛ أن أباك أصدقني هذه الدار، وأقام ذو اليد بينة؛ أنه ورثها من أبيه- يقضى للمرأة.
[ ٨ / ٣٢٢ ]
وكذلك لو أقام رجل بينة؛ أن أبا المدعى عليه وقفها، أو كان عبدًا أقام بينة؛ أن أباه أعتقه وأقام ذو اليد بينة، أنه ورثه من أبيه- يقضى له بالوقف والعتق.
هذا إذا كانت الدار والعين في يد أحد المتداعيين فأما إذا كانت الدار في أيديهما؛ يدعي أحدهما كلها، والآخر نصفها- فالقول قول مدعي النصف في النصف الذي في يده. فإن أقام مدعي الكل البينة، قضي له بالكل، وإذا أقام كل واحد بينة، كان بينهما؛ فينبغي أن يقيم مدعي الكل البينة أولًا؛ لأن مدعي النصف لا يدعي أكثر مما في يده.
وبينة ذي اليد لا تسمع ابتداءً؛ فإذا أقام مدعي الكل البينة؛ على أن جميعها له- سمعت بينته، وإن كان النصف مسلمًا له، ودخول ذكر ذلك النصف في كلام الشهود- لا يقدح في شهادتهم.
ولو شهدت له بينته؛ أن النصف الذي في يد صاحبه له- صح، وقضي له بجميعها، ثم مدعي النصف يقيم البينة؛ فيرجح بينته باليد فتكون الدار بينهما.
ولو ادعى كل واحد منهما؛ أن جميع الدار له، حلف كل واحد منهما على ما يدعيه، وكانت بينهما وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قضى للحالف بالكل؛ ولو أقام كل واحد بينة، كانت بينهما؛ لأنه ترجحت بينة كل واحد منهما في النصف الذي في يده.
بيانه: من أقام البينة أولًا، سمعت بينته في النصف الذي في يد صاحبه، ثم الثاني إذا أقام البينة، سمعت بينته في الكل؛ فرجحت في النصف الذي في يده باليد؛ فيحتاج صاحبه إلى أن يعيد البينة على النصف الذي في يده، للمعارضة؛ فتكون الدار بينهما.
وإن كان أحدهما يدعي جميع الدار، والآخر يدعي ثلثها- فالقول قول مدعي الثلث في الثلث مع يمينه؛ لأنه صاحب يد فيها؛ فإن أقاما بينتين، ترججت بينة مدعي الثل في الثلث، والباقي لمدعي الكل.
أما إذا كانت الدار في يد ثالث؛ فادعاها رجلان- يحلف صاحب اليد يمينين على نفي دعواهما. فإن أقام أحد المتداعيين بينة، قضي له بها؛ وإن أقاما بينتين، تعارضتا، فإذا تعارضت البينتان، ففيه قولان:
أصحهما: وهو اختيار المزني-: أنهما يتهاتران، ويسقطان؛ لأنهما متناقضان من حيث يستحيل أن يكون جميع الدار لكل واحد منهما في وقت واحد؛ كالدليلين إذا تعارضا سقطا، ويصار إلى طلب دليل آخر كذلك ها هنا يجعل كأنهما لم يقيما البينة؛ فيصار إلى اليمين.
والقول الثاني: أن البينتين بعد التعارض لا يسقطان، بل يستعملان؛ لأن البينتين اتفقتا؛ على أن لا حق لصاحب اليد فيها؛ فتنتزع من يده ثم في كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال:
[ ٨ / ٣٢٣ ]
أحدها: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة، قضي له بها؛ لأن القرعة لها مدخل في الشرع؛ فإن النبيﷺ- أقرع بين العبيد في العتق وقسم الغنائم بالقرعة.
ثم إذا خرجت القرعة لواحد، هل يحلف مع القرعة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن بينته ترجحت بالقرعة؛ فتمت الحجة.
والثاني: يحلف؛ لأنهما استويا في البينة؛ فالقرعة لتجعله أحق باليمين.
والقول الثاني: يوقف؛ حتى يتبين أو يصطلحا؛ لأنا نعلم أن المالك أحدهما لا بعينه؛ كما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ومات قبل البيان- يوقف الميراث بينهما؛ حتى يصطلحا.
والقول الثاني: وبه قال أبو حنيفة: يجعل بينهما نصفين؛ لأن كل واحد من البينتين لو انفردت، عمل بها؛ فعند التعارض لا يسقطان؛ كما لو مات عن ألف، وله غريمان؛ لكل واحد عليه ألف، يشتركان فيه؛ وكرجلين أقام كل واحد بينة؛ أنه أوصى له بجميع هذه العين؛ يجعل بينهما.
وإن كانت الدرا في يد ثالث جاء رجلان [أقام أحدهما بينة] أن نصفها له، وأقام الآخر بينة؛ أن جميعها له؛ فتعارضت البينتان في نصف الدار.
إن قلنا: بقول التهاتر، بطلت البينة في نصف الدار وهل تبطل في النصف الذي لا يدعيه إلا أحدهما؟ فيه قولان؛ بناء على تبعيض الشهادة.
إن قلنا: لا تتبعض، بطل في الكل وصار كما لو لم يكن لواحد منهما بينة.
وإن قلنا تتبعض تسلم نصفها لمدعي الكل. وإن قلنا: بقول الاستعمال، يكون نصفها لمدعي الكل. وفي النصف الآخر أقوال:
في قول: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة، كان له.
وفي قول: توقف؛ حتى يتبين.
وفي قول: تنصف بينهما؛ فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباع الدار، ولمدعي النصف ربعها.
وإذا كانت الدار في يدهما، أو في يد ثالث، فأقام أحدهما رجلين، والآخر رجلًا وامرأتين فهما متعارضتان وإن أقام أحدهما- شاهدين، أو رجلًا وامرأتين، وأقام الآخر شاهدًا وحلف معه- ففيه قولان:
أحدهما: تتعارضان؛ كما لو أقام كل واحد شاهدين؛ لأن كل واحد حجة كاملة في المال.
[ ٨ / ٣٢٤ ]
والثاني: يقضى لمن له شاهدان؛ لأن حجته مجمع عليها؛ وحجة الآخر مختلف فيها.
وإذا أقام أحد المتداعيين رجلين، أو رجلًا وامرأتين، وأقام الآخر أربعة أو عشرة- فهل ترجح بكثرة العدد.
في الجديد وهو المذهب-: لا ترجح؛ لأن كل واحد حجة كاملة. وعلق القول في القديم.
وكذلك لو أقام كل واحد بينة عادلة، وإحدى البينتين أورع- هل يقع به الترجيح؟ فعلى هذا الاختلاف.
والمذهب: أنه لا ترجيح.
وما ذكره في القديم- حكاية مذهب مالك.
وإذا اختلف البينتان في التاريخ؛ مثل: أن أقام أحدهما بينة؛ أنها ملكه منذ سنة، وأقام الآخر بينة؛ أنها ملكه منذ سنتين- هل ترجح بسبق التاريخ؟ فيه قولان:
روي البويطي: أنه لا يرجح وهما سواء؛ لأن مبنى الملك على التنقل؛ فالاعتبار بثبوت الملك في الحال؛ وهما متعارضان فيه؛ كما لو كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد.
وروي الربيع- وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، وهو الأصح-: ترجح، ويقضى لمن سبق تاريخه، لأنه ثبت له ملك من قبل بلا معارضة.
وإن قلنا: ترجح بسبق التاريخ؛ فلو أرخت إحدى البينتين، وأطلقت الأخرى- ففيه وجهان:
أحدهما: يقضى لمن أرخت بينته.
والثاني: لا، بل هما متعارضتان؛ لاحتمال أن المطلقة سابقة على المؤرخة.
وكذلك لو تنازعا في دابة أقام أحدهما بينة؛ أنها نتجت في ملكه، وأقام الآخر بينة؛ أنها ملكه مطلقًا-فهو كما لو أرخت إحدى البينتين، وأطلقت الأخرى.
وكذلك لو تنازعا في أرض مزروعة، أقام أحدهما البينة، أنها أرضه زرعها، وأقام الآخر بينة؛ أنها ملكه مطلقًا فهو كما لو أرخت إحدى البينتين، وأطلقت الأخرى، لأن بينة من يشهد بالزرع تثبت الملك من وقت الزراعة. فإن قلنا: ترجح بسبق التاريخ، فإن كانت العين في يد
[ ٨ / ٣٢٥ ]
أحدهما، وبينة الخارجي أسبق تاريخًا، بأن أقام الخارجي بينة؛ أنها له منذ سنة، وأقام ذو اليد بينته؛ أنها له منذ شهر.
إن قلنا: لا ترجح بسبق التاريخ، حكم لصاحب اليد.
وإن قلنا: ترجح بسبق التاريخ، فها هنا ترجح بالسبق، أم باليد؟ وفيه وجهان:
أحدهما: بالسبق؛ كما لو كانت في يد ثالث.
والثاني: باليد؛ لأنها سبب موجود في الحال، فهي أولى من ملك متقدم.
ولو عزيا إلى شخص واحد بتاريخين، بأن أقام أحدهما بينة؛ أنه اشتراها من زيد منذ سنة، وأقام الآخر بينة، أنه اشتراها من زيد منذ شهر- فالسابق أولى. فإن عزيا إلى شخصين، بأن أقام أحدهما بينة؛ أنه اشتراها من زيد منذ سنة، وأقام الآخر بينة؛ أنه اشتراه من عمرو منذ شهر- فهل ترجح بالسبق؟ فعلى القولين.
وإن كان في يد رجل عبد ادعى رجل؛ أن هذا العبد لي، اشتريته منك [بألف]، وقال الذي في يده: بل هو لي اشتريته منك- فأيهما أقام البينة قضي له؛ وإن أقاما بينتين، فبينة ذي اليد أولى؛ لفضل يده- ووافقنا أبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقال محمد بن الحسن: يحكم به للخارجي.
ولو ادعى رجل دارًا على رجل، وأقام بينة شهدت أن هذه الدار كانت ملكًا له بالأمس - ففيه قولان:
قال في الجديد وهو المذهب-: لا يقضى له بالملك؛ لأن مبنى الملك على التنقل؛ وهم لم يشهدوا له بالملك في الحال، كما لو ادعى شيئًا، وقال: كان ملكًا لي بالأمس، ولم يقل: الآن ملكي- لا تسمع الدعوى؛ كذلك لا تسمع البينة.
وقال في القديم: يقضى له بالملك؛ لأنهم أثبتوا له الملك بالأمس، والأصل دوامه، وكذلك في دعوى اليد: إذا ادعى أن هذه العين كانت في يدي بالأمس، فغصبها مني- تسمع؛ وإن شهد شهود، أنها كانت في يده بالأمس، ولم يقوموا: غصبها منه هذا- فهل تسمع؟ فعلى هذين القولين.
وهذا بخلاف ما لو ادعى على رجل؛ أن هذا الشخص الذي في يدك تسترقه كان عبدًا
[ ٨ / ٣٢٦ ]
لي، وأعتقته، وأقام عليه بينة- تسمع. وإن كانوا لا يثبتون له في الحال ملكًا؛ لأنهم يشهدون على وفق دعواه؛ وهو لا يدعي الملك لنفسه في الحال، وما نحن فيه بخلافه.
ولو ادعى رجلان دارًا في يد رجل، أقام أحدهما بينة؛ أنه غصبها مني، وأقام الآخر بينة؛ أن الذي في يده أقر له بها- فبينة الغصب- أولى؛ لأن الغصب ثبت ببينته وإقرار الغاصب في المغصوب لغير من غصب منه- لا يقبل.
فصل في دعوى النكاح
الدعوى على ثلاثة أقسام: دعوى تسمع مطلقًا؛ وهو دعوى المال.
إذا ادعى؛ أن لي على فلان كذا درهم، لا يحتاج إلى بيان السبب؛ لأن أسبابه كثيرة.
الثاني: دعوى لا تسمع إلا مفسرًا؛ وهو دعوى القتل؛ كما ذكرنا في القسامة.
الثالث: دعوى النكاح.
إذا ادعى نكاح امرأة: قال الشافعي: لا تسمع؛ حتى يقول: نكحتها بولي وشاهدي عدل، ورضاها إن كان رضاها شرطًا، وكذلك الشهود إذا شهدوا بالنكاح، فلا يقبل إلا مفسرًا.
واختلف أصحابنا فيه: منهم من قال وهو المذهب: لا يسمع إلا مفسرًا- كما ذكرنا- لأن مبنى النكاح على الاحتياط؛ تغليظًا لأمر الفرج؛ فإنه معنى تتعلق بجنسه العقوبة، فاشترط فيه التفسير؛ كالدم.
ومن أصحابنا من قال: تسمع الدعوى مطلقًا؛ لأنه دعوى في ملك؛ كدعوى المال.
وما قاله الشافعي﵁- محمول على الاستحباب.
ومن أصحابنا من قال: إن ادعى؛ أن هذه زوجته، فلا يحتاج إلى التفسير؛ لأنه يدعي دوام النكاح فلا يشترط في دوام النكاح الولي والشهود والرضا.
وإن ادعى؛ أني نكحتها، فيحتاج إلى التفسير؛ لأنه يدعي الابتداء، والابتداء يحتاج إلى هذه الشرائط؛ والمذهب: أن لا فرق بينهما وهذا بخلاف ما لو ادعى؛ أن هذه الجارية ملكي، يسمع، وتقبل البينة مطلقًا؛ لأن المقصود منه المال، وحكم المال أخف؛ بدليل أن العقد على المال لا يفتقر إلى الشهادة؛ بخلاف عقد النكاح.
وأيضًا: فإن بضع الحرة لا يملك إلا بوجه واحد؛ وهو النكاح؛ فشرطنا التفسير؛ حتى لا يكون واقعًا على وجه فاسد؛ بخلاف ملك اليمين؛ فإنه يحصل من وجوه شتى، وفي يوم واحد مرارًا، فقل، ما يشتبه؛ فلا يشترط فيه التفسير.
[ ٨ / ٣٢٧ ]
أما الإقرار بالنكاح، هل يقبل مطلقًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ حتى يقول: هذه زوجتي نكحتها بولي، وشاهدي عدل ورضاها، والمرأة إذا أقرت فكذلك.
والثاني: يقبل مطلقًا، ويثبت؛ بخلاف الدعوى؛ كما لو ادعى ألفًا، لا تسمع إلا مفسرًا.
ولو أقر بألف مطلقًا، تسمع وإن ادعى مالًا بجهة عقد من: بيع أو هبة، أو ادعى عقد إجارة- هل يحتاج إلى ذكر شروطه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا يحتاج؛ لأن المقصود منه المال؛ فلا يفتقر إلى ذكر الشروط؛ كدعوى المال.
والثاني: يحتاج إليه؛ لأنه دعوى عقد؛ فيفتقر إلى ذكر شروطه؛ كعقد النكاح.
والثالث: إن كان يدعي عقدًا على جارية، يحتاج إلى ذكر الشروط؛ لأنه يملك به الوطء؛ كالنكاح، وفي غير الجارية لا يحتاج إلى ذكرها.
إذا ثبت هذا، فإذا ادعى رجل نكاح امرأة؛ لا يخلو: إما إن كانت المرأة خلية، أو كانت تحت زوج: فإن كانت خلية؛ لا يخلو: إما إن كانت صغيرة أو بالغة: فإن كانت صغيرة؛ نظر: إن كانت بكرًا، فالدعوى تكون على الأب؛ لأن عقد النكاح عليها إلى الأب، ويقبل إقراره عليها.
وإن كانت ثيبًا، فلا تسمع دعوى نكاحها؛ لأنه لا يملك أحد تزويجها.
فإن ادعى؛ أني نكحتها؛ وهي بكر، لا تسمع أيضًا؛ لأن الدعوى تكون على الأب، والأب لا يملك تزويجها في هذه الحال.
وإن كانت المرأة بالغة، فالدعوى تكون عليها بكرًا كانت أو ثيبًا؛ لأنها مالكة لأمرها؛ ثم نظر: إن أقرت بالنكاح، ثبت النكتاح بتقارها هذا هو المذهب، وقوله الجديد؛ سواء كانا غريبين أو بلديين.
وقال في القديم- وبه قال مالك-: إن كانا بلديين، فلا يثبت النكاح بتقارهما، لأنه يمكنهما إثباته بالبينة.
وإن كانا غريبين، يثبت. والأول المذهب؛ حتى لو ادعى على امرأة، أن أباك زوجك مني بمشهد فلان وفلان، وأقرت المرأة، وأنكر الأب والشهود يحكم بالنكاح؛ لأن الحق في دوام النكاح لها.
وإن أنكرت المرأة النكاح، فالقول قولها مع يمينها، وفإن حلفت، لها في الحال أن تنكح
[ ٨ / ٣٢٨ ]
زوجًا آخر، وليس له أن ينكح أختها، ولا أربعًا سواها، ولا ابنتها ما لم يطلقها، ولا يحل له نكاح أمها أبدًا.
وإن نكلت، حلف الزوج، وقضي له بالنكاح؛ كما لو أقام بينة.
أما إذا كانت المرأة تحت زوج؛ فادعى رجل نكاحها- فالصحيح من المذهب: أن الدعوى تكون على المرأة، لا على من هي تحته؛ لأن اليد لا تحتوي على المرأة. ثم إن أقام بينة، قضي له بها، ولا ينظر إلى إقرارها لمن هي تحته.
وإن أقام كل واحد بينة، لا ترجح بينة من هي تحته؛ لأن الزوجة لا تثبت عليها اليد؛ وهما بمنزلة أجنبيين ادعيا نكاح امرأة خلية، وأقام كل واحد بينة- فينظر: إن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين، فهي للسابق؛ بخلاف المال لا يرجح بالسبق؛ على أحد القولين؛ لأن مبنى المال على الانتقال من يد إلى يد؛ بخلاف الزوجة.
وإن كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد- فقد تعارضتا: إن قلنا: يسقطان، فهو كما لو لم يكن لأحدهما بينة.
وإن قلنا: يستعملان يوقف، حتى يتبين؛ ولا يأتي قول القرعة، ولا قول القسمة.
ولو أقام أحدهما بينة؛ أنها زوجته، وأقام الآخر بينة، أنها أقرت له بالنكاح- فبينة من شهدت له؛ أنها زوجته أولى؛ لأن إقرارها بالزوجية للغير بعد قيام الحجة عليها لواحد- لا تسمع؛ كما لو أقام أحد المتداعيين بينة، أنه غصب مني هذه العين، وأقام الآخر بينة، أنه أقر له بها- فبينة الغصب أولى.
أما إذا لم يكن لواحد بينة؛ نظر: إن أنكرت دعوى المدعي، وأقرت لمن هي تحته- فهي زوجة لمن هي تحته.
وهل للمدعي تحليفها، أم لا؟
يبنى على أنها لو أقرت للثاني بعد ما أقرت للأول- لا تكون زوجة للثاني.
وهل تغرم المهر للثاني؟ فيه قولان:
إن قلنا: تغرم المهر، له تحليفها؛ رجاء أن يقر؛ فيغرم المهر.
وإن قلنا: لا يغرم، فهذا يبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار من المدعى عليه، أو بمنزلة البينة من المدعي؟ وفيه قولان:
[ ٨ / ٣٢٩ ]
إن قلنا: بمنزلة الإقرار، لا تسمع دعواه عليها، وليس له تحليفها؛ لأن أقصى ما فيه أن يقر، أو ينكل؛ فيحلف المدعي؛ فيكون كالإقرار، ولا فائدة له في إقرارها.
وإن قلنا: بمنزلة البينة، له تحليفها، وإن حلفت لا شيء عليها، وإن نكلت حلف المدعي، وأخذ المهر. ولا ينفسخ نكاح من أقرت له؛ لأن النكول ورد اليمين كالبينة في حق المتداعيين، لا في حق غيرهما.
ولو أقرت للمدعي، أو قالت: كنت زوجة لك؛ فطلقتني، فهو إقرار له بالنكاح، يقضي أنها زوجته.
وإذا ادعت المرأة الطلاق حلف؛ أنه لم يطلقها.
أما المرأة إذا ادعت على رجل؛ أنه نكحها؛ نظر: إن كانت تطلب حقًا لها؛ بأن قالت: نكحتني فعليك المهر، أو النفقة، أو الكسوة، أو بعد موته تدعي الميراث- تسمع دعواها.
وإن لم تكن تطلب شيئًا منها، ولكن ادعت محض الزوجية- ففيه وجهان:
أحدهما: لا تسمع دعواها؛ لأن بإنكاره يرتفع النكاح، فلا معنى لدعواها؛ ولأن النكاح حق الزوج، ودعوى المرأة إقرار له، ولا معنى للإقرار مع إنكار المقر له.
والثاني: تسمع؛ لأن النكاح في نفسه مقصود يتضمن حقوقًا، وفائدته: أنه إذا نكل، تحلف المرأة، وتستحق المهر والنفقة؛ فحيث قلنا: يسمع، فإذا أنكر الرجل، فالقول قوله مع يمينه، وإذا حلف لا شيء عليه، وله أن ينكح أربعًا سواها وأختها، وليس عليه نفقة لها، وليس لها أن تنكح ما لم يطلقها المدعي عليه، أو يموت، أو يعسر؛ فينفسخ النكاح بسبب الإعسار.
وإن كان موسرًا، ولكنه لا ينفق عليها؛ لإنكاره الزوجية- فهل لها أن تفسخ النكاح؟ فيه وجهان؛ بناء على أن الموسر إذا امتنع من الإنفاق، هل للمرأة فسخ النكاح؟ فيه وجهان.
وإذا أنكر الزوج النكاح، ثم قال بعد ذلك: هي صادقة يقبل؛ كما لو ادعى الزوج أنه راجعها؛ فكذبته؛ ثم قالت: صدق- قبل، وتثبت الرجعة.
ومهما أنكر الزوج النكاح، فلا نكاح بينهما في الظاهر؛ وهل يكون طلاقًا في الباطن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون طلاقًا ينتقص به العدد، وقد قال الشافعي: لو نكح حر أمة، ثم قال: كنت يوم النكاح واجدًا لطول حرة- فرق بينهما بطلقة؛ وهذا يدل على أن إنكاره، ومنع كل واحد منهما عن الآخر- كالطلاق؛ فعلى هذا: يجوز لها أن تنكح زوجًا غيره، كما لو طلقها صريحًا.
[ ٨ / ٣٣٠ ]
والثاني: لا يكون طلاقًا ولا ينتقص به العدد؛ وهي زوجته في الباطن إن كان كاذبًا في إنكاره؛ لأنه لم يوجد منه صريح طلاق، ولا كناية؛ وكذلك لا يجوز لها أن تنكح زوجًا آخر؛ فإن نكحها المدعي عليه بعده ظاهرًا، تكون عنده بثلاث طلقات.
وكذلك لو نكح رجل امرأة، ثم قال: كنت يوم العقد محرمًا، أو كانت هي محرمة، أو معتدة أو مرتدة، أو كان الشهود فسقة- فلا نكاح بينهما في الظاهر بقول الزوج، ولا يقبل قوله في حقها؛ حتى إن كان قبل الدخول، يجب لها نصف المسمى، وإن كان بعده فجميع المسمى.
وهل يجعل في الباطن طلاقًا ينتقص به العدد؟
فيه وجهان: وينبغي أن يوفق الحاكم بينهما في هذه المواضع؟ فيقول له: إن كنت نكحتها، فطلقها؛ حتى تحل لمن نكحها.
ولو أن امرأة لها ولد، ادعت على رجل؛ أنه نكحها، وهذا الولد منه: فإن أنكر الزوج النكاح والنسب جميعًا، فالقول قوله مع يمينه.
وإن قال: هذا ولدي من غيرها، أو هذا ولدي، ولم يقل: منها- لا يكون إقرارًا بالنكاح، ويكون إقرارًا بالنسب.
ولو قال: ولدي منها يجب المهر؛ لأن الإصابة المثبتة للنسب لا تخلو عن المهر، ولا تحمل على استدخال الماء؛ لأنه نادر.
وإن أقر الرجل بالنكاح، وأنكر المهر، يجب عليه المهر، والنفقة، والكسوة؛ لأن النكاح لا يخلو عن المهر، فإن قال: كان النكاح تفويضًا؛ فإن كان قبل الدخول، لها مطالبته بالفرض، وإن كان بعد الدخول، فقد وجب المهر بالدخول؛ فلا معنى لإنكاره.
فصل
إذا ادعى دارًا، أو عينًا في يد رجل؛ فقال المدعي عليه. هذه الدار ليست لي، أو قال: ليست لي ولا لك، أو قال: هي لرجل لا أعرفه، أو قال: لا أسمي هل تنتزع الدار من يده؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنتزع الدار من يده؛ وهو مال ضائع يحفظه الحاكم إلى أن يظهر مالكها، أو يقيم المدعي بينة، فتكون له.
والثاني: وهو الأصح-: لا تنتزع من يده؛ لأن الظاهر أن ما في يده ملكه، ولا يزول ملكه بقوله: ليس لي.
[ ٨ / ٣٣١ ]
فعلى هذا: إن أقام المدعي بينة، أخذها، وإلا حلف المدعي عليه؛ أنه لا يلزمه تسليمها إليه، وإن نكل حلف المدعي، وأخذ. فإن كان يصر على قوله: ليست لي، ولا يحلف- فهو ناكل، يحلف المدعي.
وفيه وجه آخر ثالث: أنه تسلم إلى المدعي؛ لأنه ها هنا مدعيًا غيره.
وقيل: إن قال المدعي عليه: ليست هذه لي ولا لك، أو هو لغائب لا أعرفه- هل تنتزع من يد المدعي عليه؟
فعلى الوجهين، ولا تسلم إلى المدعي وجهًا واحدًا، إلا بحجة.
ولو قال المدعي عليه: نصف هذه الدار لي، والنصف الآخر لا أدري لمن هو فالنصف له، وفي النصف الآخر الأوجه الثلاثة:
في وجه تترك في يده.
وفي الثاني: يحفظه الحاكم؛ كالمال الضائع.
والثالث: يسلم إلى المدعي.
أما إذا قال المدعي عليه: ليست هذه الدار لي، ولكنها لفلان سماه- نظر: إن كان فلان حاضرًا وصدقه، سلمت الدار إلى فلان، وانتقلت الخصومة إليه؛ فالمدعي يدعي عليه العين، فإن كانت له بينة، أقامها، وأخذها وإن لم تكن له بينة، حلف المقر له، وسقطت دعوى المدعي عنه.
وهل له أن يدعي على المقر القيمة؟
فيه قولان؛ بناء على ما لو أقر له بعدما أقر للأول، لا تسلم العين إليه. وهل يغرم له القيمة؟
فيه قولان:
إن قلنا: يغرم، له أن يدعي عليه، ويحلفه؛ رجاء أن يقر، فيغرم.
وإن قلنا: لا يغرم؛ فهذا يبنى على أن النكول، ورد اليمين بمنزلة البينة، أم بمنزلة الإقرار؟
إن قلنا: بمنزلة الإقرار، ليس له أن يحلفه؛ لأن أقصى ما فيه أن يقر، أو ينكل عن اليمين؟ فيحلف المدعي، فيكون كالإقرار، وبالإقرار لا يلزمه شيء.
وإن قلنا: بمنزلة البينة، له أن يحلفه؛ رجاء أن ينكل، فيحلف المقر له، فإن حلف المقر له، سقط حق المدعي عن العين، ويمسك القيمة.
[ ٨ / ٣٣٢ ]
وإن نكل المقر له عن اليمين، حلف المدعي، وأخذ العين، ورد القيمة إلى المقر؟ لأن القيمة أخذت منه؛ لإيقاع الحيلولة بين المدعي، وبين العين، وقد ارتفعت الحيلولة بوصول العين إليه.
وأما إذا كذبه المقر له، وقال: ليست الدار لي- اختلف أصحابنا فيه:
قال ابن سريج- وهو الأصح-: يأخذها الحاكم، ويحفظها إلى أن يظهر مالكها؛ كالمال الضائع؛ لأن من في يده يفي ملكه عنها بالإقرار لمن يصح له الإقرار.
والمقر له أسقط إقراره بالتكذيب، ولا حجة للمدعي على دعواه فلم يبق إلا أن يحفظها الحاكم؛ كالمال الضال. وقال أبو إسحاق: يسلم إلى المدعي؛ لأن ليس هاهنا من يدعيها غيره، وهذا ضعيف؟ لأنه حكم له بمجرد الدعوى وقيل هاهنا: يترك في يد المدعي عليه، كما ذكرنا فيما لو أقر لمجهول؛ وليس بصحيح.
فأما إذا أقر المدعي عليه لغائب، فلا تسقط دعوى المدعي عنه بهذا الإقرار؛ لأن العين في يده. ثم لا يخلو: إما إن كان للمدعي بينة، أو لم يكن: فإن لم يكن له بينة، له أن يحلف المدعي عليه؛ أنه لا يلزمه تسليم العين إليه، وإن نكل حلف المدعي وأخذ، وكتب في السجل؛ أنه أخذه بيمينه بعد إقرار المدعي عليه لفلان ونكوله. وإن أقام المدعي بينة، أخذ العين. وهل يحتاج أن يحلف مع البينة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج؛ لأنا حكمنا بإقرار المدعي عليه؛ أنها ملك للغائب، والقضاء على الغائب بالبينة يكون مع اليمين.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق: لا يحتاج إلى اليمين؛ لأنه قضى على الحاضر؛ وهو المدعي عليه؛ فصار كما لو أقر به لحاضر، وأقام المدعي بينة أخذها بلا يمين.
وإذا أخذها المدعي، كتب في السجل: أنه أخذها ببينته بعد ما أقر المدعي عليه لفلان؛ حتى إذا رجع المقر له وادعاها، وأقام البينة، قضي له؛ لأن له يدًا وبينة، وإن لم يقم بينة أقرت في يد المدعي. فإن سأل المدعي الحاكم أن يزيد في السجل: أن فلانًا الغائب قدم، ولم يأت ببينة- فعل فلو أراد المدعي عليه إقامة البينة؛ أنها للغائب- هل تسمع؟
فالمنصوص: أنها لا تسمع؛ لأنه ليس بمالك للعين بزعمه، ولا وكيل من جهة المالك.
وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا: أن المدعي عليه إن كان يدعي أنها في يده بإجارة، أو رهن تسمع بينته؛ لأنه يدعي لنفسه حقًا فيها على المالك؛ فتسمع البينة ليثبت الملك للغائب، ثم يحكم له بالإجارة، والرهن.
وإن كان يدعي، أنها في يده بعارية أو وديعة- لا تسمع بينته؛ لأنه لا يدعي لنفسه حقًا،
[ ٨ / ٣٣٣ ]
وهذا ضعيف؛ لأنا إذا لم نسمع بينته في إثبات الملك للغائب وهو الأصل، ففي إثبات الإجارة؛ وهي فرع الملك أولى ألا نسمع، فلو أقام المدعي والمدعي عليه كل واحد بينة.
إن قلنا: لا تسمع بينة المدعي عليه، يحكم للمدعي.
وإن قلنا: تسمع، ترجح بينته، لأنه فيما يدعيه كصاحب اليد؛ كما لو قال: هذا لفلان الغائب، وأنا وكيله- كانت بينته أولى.
ولو ادعى على رجل عينًا في يده، فقال المدعي عليه: هي لابني الطفل، ووقف على ابني الطفل- فلا تسقط عنه الدعوى بهذا؛ كما لو أقر للغائب؛ فإن أقام المدعي بينة أخذها. وإن لم يكن له بينة قال شيخنا الإمام ﵁: حلف المدعي عليه؛ أنه لا يلزمني تسليمها إليك إن كان هو قيم الطفل.
ولو ادعى المدعي أنها وقف علي، وقال من في يده: هي ملك لي حلف المدعي عليه، فإن نكل حلف المدعي، وأخذ، فإن قال المدعي عليه: هذا ملك لفلان، فادعاه فلان- سلم إليه، وانتقلت الخصومة إليه، وليس للمدعي أن يدعي على المقر القيمة؛ لأنه يدعي الوقف، ولا يعتاض عن الوقف. والله أعلم.
باب الدعوى في الميراث
إذا مات رجل عن ابنين: مسلم، وكافر، واختلفا في دين الأب: فقال المسلم: مات مسلمًا؛ فلي الميراث، وقال الكافر: بل مات كافرًا؛ فلي الميراث- نظر: إن عرف أصل دين الأب؛ أنه كان كافرًا- فالقول قول الابن الكافر مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء كفر الأب.
فإن أقام أحدهما بينة قضي له، وإن أقام كل واحد بينة، فبينة المسلم أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ وهو انتقال الأب من الكفر إلى الإسلام.
ولو وجدت من الأب كلمة عند موته؛ فقال المسلم: كانت كلمة الإسلام، وقال الآخر: كانت كلمة الكفر- فالقول قول من تمسك بأصل دينه. فإن أقاما كل واحد بينة، تعارضتا.
فإن قلنا: يتهاتران، يسقطان، والقول قول الابن الكافر مع يمينه.
وإن قلنا: يستعملان، فعلى الأقوال الثلاثة:
في قول: يوقف؛ حتى يصطلحا.
[ ٨ / ٣٣٤ ]
وفي الثاني: يقسم؛ فيجعل نصفه لورثته المسلمين، ونصفه لورثته الكفار.
والثالث: يقرع بينهما- فمن خرجت له القرعة، كانت التركة له.
وإن لم يعرف أصل دين الأب، كان المال بينهما بعد أ، حلف كل واحد لصاحبه.
وإن أقاما بينتين، تعارضتا؛ كما ذكرنا؛ وبهذا الشك لا يترك الصلاة عليه، بل يصلى عليه بالنية إن كان مسلمًا، ويدفن في مقابر المسلمين.
ولو مات مسلم، عن ابنين: مسلم وكافر، ورث المسلم منه دون الكافر؛ فلو وجدنا الابن الكافر مسلمًا بعد موت الأب فقال: أسلمت قبل موت الأب، وقال الآخر: بل أسلمت بعده فلا ميراث لك- فالقول قول من يقول: أسلمت بعده مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤه على الكفر؛ وإن أقاما بينتين، فبينة من يدعي أنه أسلم قبل موته أولى؛ لأن عندها زيادة علم.
وكذلك لو اتفقا؛ على أن الأب مات يوم الجمعة، وقال الابن: أسلمت يوم الخميس، وقال أخوه: بل يوم السبت- فالقول قول من يقول: أسلمت يوم السبت- ولو اتفقا؛ على أنه أسلم يوم الجمعة، واختلفا في موت الأب: فقال المسلم الأصلي: مات يوم الخميس، وقال الآخر: بل مات يوم السبت- فالقول قول من يقول: مات يوم السبت؛ لأن الأصل بقاء حياته.
ولو مات رجل عن أبوين كافرين، وابنين مسلمين؛ فقال الأبوان: مات كافرًا؛ فالميراث لنا، وقال الابنان: مات مسلمًا؛ فلنا.
أحدهما: القول قول الأبوين، لأنه إذا ثبت كفرهما كان المولود محكومًا بحكم الأبوين قال ابن سريج: وهذا أشبه بقول العلماء.
والثاني: يوقف الميراث إلى أن يصطلحوا؛ لأن الولد إنما يتبع الأبوين في الكفر قبل البلوغ، أما بعد البلوغ، فله حكم نفسه؛ فيحتمل أنه كان مسلمًا، ويحتمل أنه كان كافرًا؛ فيتوقف حتى ينكشف الأمر.
وعلى هذا: لو مات رجل عن: زوجة مسلمة، وأخ مسلم، وأولاد كفرة، واختلفوا: فقالت الزوجة والأخ: مات مسلمًا؛ فلنا الميراث، وقال الأولاد: بل مات كافرًا، فالميراث لنا - فإن عرف أصل دينه، فالقولقول من تمسك بأصل دينه؛ وهم الأولاد. وإن أقام كل واحد بينة، ترجح بينة من يقول: مات مسلمًا؛ لأنها ناقلة، ويجعل الميراث بين الزوجة والأخ. فإن لم يعرف أصل دين الأب، فالميراث موقوف. فإن اتفقوا، واصطلحوا، يجعل بين الطائفتين: نصفه للزوجة والأخ، والنصف للأولاد- ثم الزوجة كم تأخذ من النصف الذي جعلناه لها وللأخ؟ فيه وجهان:
[ ٨ / ٣٣٥ ]
أحدهما: ربع ذلك النصف، ويجعل كأن التركة لم تكن إلا ذلك القدر.
والثاني: تأخذ نصفه؛ ليكون لها ربع جميع التركة؛ لأن الأخ مقر أن لها ربع الجميع. وإن أقاما بينتين يتعارضان ثم يتهاتران، أم يستعملان؟ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
وإذا كان لرجل زوجة؛ وابن منها؛ فماتت الزوجة والابن، ثم اختلف الزوج مع أخي الزوجة: فقال الأخ: مات الابن أولًا، وورثته الأم، ثم ماتت الأم؛ فصار ميراثها لي وللزوج. وقال الزوج: بل ماتت المرأة أولًا؛ فصار ميراثها لي وللابن، ثم مات الابن؛ فصار ميراثه لي - فإن أقام أحدهما بينة، قضي له، وإن أقاما بينتين، أو لم يكن بينة- فهي مسألة عمى الموت لا يورث أحد الميتين من الآخر، بل ميراث الابن للأب، وميراث الزوجة نصفه للزوج، والباقي للأخ.
فصل
إذا ادعى رجل مالًا في يد آخر؛ أنه ورثه من أبيه، وأقام عليه بينة- دفع إليه إن لم يكن له وارث سواه، وإن كان له وارث سواه، دفع إليه نصيبه، ووقف نصيب الآخرين. وإن لم يعرف عدد ورثته، ينتزع المال من يد المدعي عليه، ويوقف؛ حتى يعرف عددهم.
وإن جاء رجل، وادعى؛ أنه وارثه، لا يسمع؛ حتى يبين أنه ابنه، أو أخوه. وإذا أقام بينة؛ أنه ابنه لا يقضى؛ حتى يقول: ابنه وارثه؛ لأنه قد يكون ابنًا، ولا يكون وارثًا. فإن شهدوا؛ أنه ابنه وارثه لا نعرف له وارثًا سواه: فإن كان الشهود من أهل الخبرة الباطنة دفع إليه التركة، وإن كان هذا الوارث صاحب فرض، رفع إليه أكمل الفروض من غير كفيل. وإنما شرطنا أن تكون البينة من أهل الخبرة الباطنة. لأن الإنسان قد يتزوج في بلاد الغربة، ويولد له بها؛ فلا يطلع عليه إلا من كان من أهل الخبرة الباطنة.
ولو أن الشهود لم يقولوا: لا نعرف له وارثًا سواه، ولكن قطعوا، وقالوا: ليس له وارث سواه- لا يقدح ذلك في شهادتهم، ولكن يقال لهم: أخطأتم بالقطع؛ لأنه قد يتسرى ويتزوج في الخفية؛ فيولد له.
وإن لم يكن الشهود من أهل الخبرة الباطنة، أو كانوا من أهل الخبرة الباطنة ولكن لم يقولوا: لا نعرف له وارثًا سواه- نظر: إن كان المشهود له صاحب فرض، لا يحجب ويعطى أقل فرضه عائلًا قبل التلوم والتفحص عن البلاد التي كان بها الميت؛ كالزوجة تعطى ربع الثمن عائلًا؛ يجعل كأنه مات عن: أبوين وبنتين وأربع زوجات، والزوج يعطى الربع عائلًا، يرجع
[ ٨ / ٣٣٦ ]
كأنها ماتت عن: أبوين وبنتين وأربع زوجات، والزوج يعطى الربع عائلًا يجعل كأنها ماتت عن: أبوين وبنتين وزوج، ويعطى الأبوان السدس عائلًا. ففي الأب: إن كان الميت ذكرًا، يجعل كأنه مات عن: أبوين وبنتين وزوجة، وإن كان الميت أنثى؛ كأنها ماتت عن: أبوين وبنتين وزوج.
وفي الأم: إن كان الميت ذكرًا، يجعل كأنه مات عن: أختين لأب وأم وأختين لأم وزوجة وأم، وإن كان الميت أنثى؛ كأنها ماتت عن: أختين لأب وأم وأختين لأم وزوج وأم لها سهم من عشرة.
ولو كان الحاضر ابنًا وزوجة، تعطى الزوجة ربع الثمن غير عائل؛ لأن المسألة لا تعول مع الابن؛ وإن كان المشهود له عصبة، لا يحجب؛ كالابن، أو ممن يصير عصبة؛ كالبنت؛ فلا يعطى قبل التفحص عن البلاد التي كان بها الميت.
فإذا تفحص القاضي، ومضت مدة لو كان له بها وارث لظهر، ولم يظهر- حينئذ يعطى المال إلى هذا الابن؛ وهل يطالب بالضمين؟ نص ها هنا أنه يعطى إليه بالضمين.
وقال في "الأم"؟ أحب أن يأخذ ضمينًا.
اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يعطى إلا بالضمين؛ لأنه ربما يظهر له وارث آخر.
والثاني: يستحب أن يأخذ ضمينًا، ولا يجب؛ لأن الظاهر: أنه لا وارث له غيرهم.
ومنهم من قال: لا يجب أخذ الضمين.
وحيث قال: يعطى بالضمين، أراد به: على طريق الاستحباب، أو أراد به: إذا كان الوارث الظاهر ممن يحجب فإن كان ممن يحجب؛ كالأخ وابن الأخ- فهل يعطى بعد التفحص؟ فيه وجهان:
أصحهما: يعطى، ولا يعطى إلا بضمين.
وقيل في مطالبته بالضمين: قولان؛ كالابن؛ لأن الابن يحجب حجب النقصان؛ كما يحجب الأخ حجب الحرمان.
[ ٨ / ٣٣٧ ]
باب جامع الدعوى
إذا ادعى رجلان دارًا في يد رجل، وادعى أحدهما؛ أني اشتريتها منه بمائة، ونقدت الثمن؛ فليسلم إلي، وادعى الآخر؛ أني اشتريتها بمائتين، ونقدت الثمن؛ فلتسلم إلي- فإن لم يكن لواحد بينة، حلف لمدعي عليه لهما يمينين، وإن أقر لأحدهما سلم إليه، والآخر يدعي عليه الثمن الذي دفع؛ كما لو هلك المبيع قبل القبض؛ وإن أقام أحدهما بينة سلمت إليه، والآخر يدعي ثمنه الذي أعطى. وإن أقاما بينتين، نظر:
إن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين، فهي للسابق منهما، والآخر يدعي ثمنه؛ وإن كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد، أو إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة- فقد تعارضت البينتان.
إن قلنا: يتهاتران، سقطتا، ويحلف المدعي عليه يمينين؛ كما لو لم يكن بينة.
وإن قلنا: يستعملان، فلا يجيء قول الوقف؛ لأنهما يتداعيان عقدًا، والعقد لا يوقف.
ويجيء القولان الآخران: في قول: يقسم.
وفي قول: يقرع؛ فمن خرجت له القرعة، سلمت إليه الدار، والآخر يرجع عليه بالثمن الذي سمي؛ لأن شهوده شهدوا على أنه نقد الثمن.
وقيل: يجيء قول الوقف؛ فتنتزع من يده، ويوقف إلى أن ينكشف الحال.
فإن قلنا بقول القسمة، يجعل بينهما نصفان، ولكل واحد منهما فسخ البيع؛ لأنه لم يسلم له جميع ما اشترى؛ ثم إن فسخنا، رجع كل واحد بجميع الثمن الذي سماه شهوده على المدعي عليه.
وإن أجازا، رجع كل واحد بنصف الثمن الذي سماه شهوده.
وإن أجاز أحدهما، ثم رد الآخر، فالذي رد رجع بجميع الثمن، والذي لم يرد يرجع بنصف الثمن، ولا يسلم إليه ما رد صاحبه؛ لأنه رضي بنصفه، حيث أجاز. ولو عرض أولًا على أحدهما، ورد، وفسخ- هل للآخر أخذ جميعها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن هذا جواب على قول القسمة، فلا نسلم لأحدهما الكل؛ كما في الصورة الأولى.
والثاني: له ذلك؛ بخلاف الصورة الأولى؛ لأن هناك أجاز قبل رد الثاني، فكأنه رضي في النصف، ورد في النصف.
وهاهنا لم يجز قبل رد الثاني، ولم يرض بالنصف- فكان الفسخ له بسبب المزاحمة،
[ ٨ / ٣٣٨ ]
وقد ارتفعت المزاحمة؛ فله أخذ الكل.
وإذا أقام كل واحد بينة؛ فكانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد، أو أحدهما مطلقة، والأخرى مؤرخة، وأقر المدعي عليه لأحدهما فإن قلنا بقول التهاتر، فهي للمقر له؛ كما لو لم يكن بين؛ فأقر له.
وإن قلنا بقول الاستعمال، ففيه وجهان:
قال ابن سريج: يجعل لمن صدقه البائع؛ لأن الدار في يد البائع، وقد نقل يده بالإقرار إلى أحدهما؛ فقد اجتمع في حقه اليد والبينة.
والثاني: وهو قول أكثر الأصحاب؛ وهو الأصح: لا يرجح بالإقرار؛ لأن البينتين اتفقتا على إزالة الملك من البائع، وإسقاط يده، بل هي على القولين في الاستعمال.
في قول: يقرع بينهما.
وفي قول: يقسم ولا يأتي قول الوقف؛ كما ذكرنا.
وقيل: يأتي قول الوقف؛ وهذا كله إذا كانت الدار في يد البائع، فإن كانت الدار في يد أحد المتداعيين، وأقاما بينتين- يقضى لصاحب اليد.
ولو ادعى رجلان ثوبًا في يد رجل: فقال أحدهما: كان هذا الثوب ملكي بعته منك بمائة؛ فأد الثمن. وقال الآخر: كان ملكي بعته منك بمائتين؛ فأد الثمن. فأنكر الذي في يده - فالقلو قوله مع يمينه؛ يحلف يمينين لهما؛ فإن أقر الذي في يده لأحدهما، دفع إليه الثمن الذي يدعيه، وحلف للآخر؛ وإن أقام أحدهما بينة، قضى له بالثمن الذي شهدت به بينته.
وإن أقام كل واحد بينة؛ نظر: إن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين؛ يجب على المدعي عليه الثمنان جميعًا؛ كأنه اشتراه من أحدهما، ثم صار ملكًا للآخر؛ فاشتراه منه.
وإن كانت البينتان مؤرختين بتاريخ واحد، يتعارضان: فإن قلنا: بقول التهاتر، حلف المدعي عليه لهما. وإن قلنا: بقول الاستعمال، ففي قول: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة، قضى له بالثمن الذي شهدت به بينته.
وفي قول القسمة: أخذ كل واحد نصف الثمن الذي شهدت له به بينته، كأن الثوب لهما؛ فباعاه في وقتين بثمنين مختلفين.
وفي قول: يوقف إلى أن يتبين.
[ ٨ / ٣٣٩ ]
وقيل: لا يأتي قول الوقف في كل موضع كان الاختلاف في العقد؛ لأن العقد لا يوقف.
وإن كانت البينتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة- ففيه وجهان:
أحدهما: يتعارضان؛ كالمؤرختين بتاريخ واحد.
والثاني: هما كالمؤرختين بتاريخين مختلفين؛ فيلزمه الثمنان جميعًا؛ لأنه يحتمل أنه اشتراه من أحدهما، ثم صار ملكًا للآخر؛ فاشتراه منه؛ وهو اختيار المزني.
وكذلك إذا كانت شهادتهما على إقرار المدعي عليه، أقام أحدهما بينة؛ أنه أقر أنه اشتراه منه بمائة، وأقام الآخر بينة؛ أنه أقر أنه اشتراه بمائتين- فالحكم في إطلاق البينتين والتاريخ بأن شهد؛ أنه أقر أني اشتريته في وقت كذا- ما ذكرنا.
وإذا ادعى ثوبًا في يد رجل؛ فقال: إنه ملكي اشتريته من فلان- فلا تسمع هذه الدعوى؛ حتى يقول: اشتريته من فلان، وكان يملكه، بخلاف ما لو ادعى على صاحب اليد؛ أني اشتريته منك- لا يحتاج أن يقول: وأنت تملكه؛ لأن يده تدل على أنه ملكه.
ولو قال: اشتريته من فلان، وسلمه إلي، وتسلمت منه ذلك- جاز؛ لأنه لا يسلم إلا ما يملك. فإذا ادعى وقال ذلك، وقال من في يده: أنا اشتريته من فلان، وكان يملكه؛ سواء سمى الذي سمى المدعي، أو غيره- فالقول قول صاحب اليد مع يمينه. وإن أقاما بينتين، فبينة ذي اليد أولى.
وإذا جاء أجنبيان، وادعى كل واحد؛ أني اشتريته من فلان، وكان يملكه؛ فأنكر صاحب اليد- يحلف لهما يمينين. وإن أقاما بينتين، يتعارضان؛ سواء عزيا إلى شخص واحد، أو إلى شخصين.
فإن قلنا: يسقطان، ترك في يدي صاحب اليد؛ وهو يحلف لهما.
وإن قلنا: يستعملان، ففي قول: يقرع بينهما.
وفي قول: يقسم، ولا يأتي قول الوقف؛ كما ذكرنا.
ويشترط أن يقول الشاهد في شهادته: اشتراه من فلان، وكان يملكه، أو اشتراه من فلان وسلمه إليه، أو تسلمه منه، فلو لم يقبل بينة أحدهما، وكان فلان يملكه، أو سلمه إليه- قضى للذي قالته بينته.
ولو أقام أحدهما بينة؛ أنه اشتراه من فلان، وكان يملكه، وأقام الآخر بينة؛ أني اشتريته
[ ٨ / ٣٤٠ ]
منك- قاله لهذا الذي أقام البينة- أو أقام البينة على ذي اليد أني اشتريته منك- ترجح بينة من يقول- أني اشتريته منك، ولا يحتاج أن يقول: اشتريته منك، وأنت تملك لا لذي اليد، ولا لمقيم البينة؛ لأن اليد والبينة تدل على أنه ملكه.
فصل
عبد في يد رجل ادعى رجل؛ أني اشتريته منك وادعى العبد أن الذي في يده أعتقه: فإن أنكر ذو اليد دعواهما، حلف لهما يمينين، فإن أقام أحدهما بينة، قضي له، وإن أقام كل واحد بينة على ما يدعيه؛ نظر: إن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفتين، قضى للسابق منهما، وإن كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد- يتعارضان.
فإن قلنا بقول التهاتر سقطتا، وحلف ذو اليد لهما.
وإن قلنا بقول الاستعمال، ففي قول: يقرع بينهما.
وفي قول: يقسم؛ ولا يأتي قول الوقف.
وإن قلنا: بقول القسمة، يعتق نصفه، ونصفه للمدعي بنصف الثمن، وله الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع المعقود عليه، فإن فسخ العقد، فلا يمين عليه، ولا يحكم بعتق النصف الذي فسخ منه العقد؛ لأنه لا يكون حكمًا بالقسمة.
وقيل: يحكم بعتق جميعه؛ لارتفاع المزاحمة.
وعند المزني: بينة العبد أولى؛ لأنه في يد نفسه بالحرية، وبينة صاحب اليد أولى.
قلنا: لو كان العبد تحت يده، لكان الدعوى على العبد، لا على السيد؛ فلما كان الدعوى على السيد، ثبت أنه في يد السيد.
وإذا ادعى رجل، على شخص مجهول النسب؛ أنه عبدي، وأقام عليه بينة، وأقام المدعي عليه بينة؛ أنه كان ملكًا لفلان؛ فأعتقه- فبينة العبد أولى، لأن عنده زيادة علم؛ وهو النقل من الرق إلى الحرية.
ولو ادعى على شخص؛ أنك عبدي، وقال المدعي عليه: أنا حر- فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل في الناس على الحرية. فإن أقام المدعي بينة على رقه، وأقام المدعي عليه بينة؛ أنه حر- فبينة الرق أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ وهو إثبات الرق.
ولو ادعى عبد في يد رجل؛ أنه ولد أمته، وأقام عليه بينة- لا يحكم له بالملك؛ لأنه قد
[ ٨ / ٣٤١ ]
يكون ولد أمته، ولا يكون ملكًا له؛ بأن تلد في ملك غيره. فإن شهدوا؛ أنه ملكه ولدته أمته، أو لم يقولوا: ولدته أمته- يحكم له بالملك. وإن شهدوا أن أمته ولدته في ملكه، نص أنه يقضى له به؛ كما لو أقام بينة؛ أنه ملكه، وهذه شهادة بملك متقدم؛ لأنهم يشهدون أنها ولدته في ملكه، ويشهدون بالملك في تلك الحالة؛ وهي حالة الولادة.
وقد ذكرنا أنه إذا أقام بينة؛ أنه كان ملكه بالأمس، لا يحكم به؛ على أصح القولين؛ فإن ابن سريج نقل جواب تلك المسألة إلى هذه، وجعلهما على قولين. وسائر أصحابنا فرقوا، وقالوا هاهنا: يقضى له به قولًا واحدًا؛ بخلاف تلك المسألة؛ لأن شهادتهم هناك بأصل الملك، فلم تقبل إذا لم يثبتوا الملك في الحالة. وهاهنا شهادتهم بنماء الملك؛ فلم يفتقر إلى إثبات الملك في الحال، إذا حصلت الشهادة بحدوثه في الملك.
ولو شهدوا؛ أن هذه الشاة نتجت في ملكه، أو هذه الثمرة حصلت من شجرته- فهو كما لو شهدوا؛ أنه ولد أمته ولدته في ملكه.
أما إذا شهدوا أن هذا الغز من قطنه، أو هذا الكرباس من غزله، أو هذا الخبز من دقيقه، أو هذا الدقيق من حنطته، أو هذا الطير من بيضته، أو هذا الآجر من طينه- يقضى له بالملك؛ لأن جميع ذلك عين ماله تغيرت صفته؛ بخلاف ولد الجارية، وثمرة الشجرة.
فصل في اختلاف المتكاريين
إذا اختلف المتكاريان: فقال المكري: أكريتك هذا البيت من هذه الدار بعشرة، وقال المكتري: بل جميع الدار بعشرة- يتحالفان، ثم يفسخ العقد بينهما. وعلى المكتري أجر مثل ما سكن؛ فإن سكن جميع الدار، فعليه أجر مثل جميعها، وإن سكن بيتًا، فعليه أجر مثله. فإن أقام أحدهما بينة قضى له، وإن أقام كل واحد بينة على ما يدعيه يتعارضان؛ فإن قلنا بقول التهاتر، سقطتا، ويتحالفان.
وإن قلنا بقول الاستعمال، يقرع بينهما، ولا يأتي قول الوقف ولا القسمة؛ لأن المكتري لا يدعي الملك.
وفيه قول آخر- وبه قال أبو حنيفة-: بينة المكتري أولى؛ لأنها تثبت زيادة؛ وهي اكتراء جميع الدار؛ حتى لو كانت الزيادة في جانب المكري في الكراء يقول: أكريتك الدار بعشرين، والمكتري يقول بعشرة- فكان القول قول المكري مع يمينه؛ على هذا القول.
وإن كانت الزيادة مع الجانبين؛ بأن يقول المكري: أكريتك هذا البيت بعشرين، ويقول المكتري: بل جميع الدار بعشرة- ففيه وجهان:
[ ٨ / ٣٤٢ ]
أحدهما: يتعارضان.
والثاني: ذكره ابن سريج-: يقضي للمكتري باكتراء جميع الدار بعشرين؛ أخذًا بالزيادة من الجانبين؛ وهذا ضعيف؛ لأنه حكم بخلاف البينتين، وبخلاف قول المتداعيين.
ولو ادعاه رجلان: أقام أحدهما بينة؛ أنه اكترى هذه الدار سنة من رمضان بكذا، وأقام الآخر بينة أنه اكتراها سنة من شوال بكذا- فبينة رمضان أولى؛ لأنها أسبق.
فصل
إذا ادعى رجل ألفين على رجل، وأقام شاهدين: شهد أحدهما بألف، والآخر بألفين- ثبت الألف بشهادتهما. فإذا أراد المدعي إثبات الألف الأخرى، حلف مع شاهده، وأخذ الكل.
وكذلك لو كانت شهادتهما على الإقرار: شهد أحدهما؛ أنه أقر له بألف، وشهد الآخر؛ أنه أقر له بألفين- ثبت الألف.
وعند أبي حنيفة: لا يثبت الألف. ووافقنا: أنه لو شهد أحدهما بألف، والآخر بألف وخمسمائة- أنه يثبت الألف.
أما إذا كان المدعي يدعي ألفًا؛ فشهد أحدهما بألف، والآخر بألفين؛ فشاهد الألفين شهد بالزيادة قبل الاستشهاد- فهل يجرحه ذلك؟ فيه وجهان:
إن قلنا: يجرحه، حلف المدعي مع شاهد الألف، وأخذ.
وإن قلنا: لا يجرحه، فشهادته في الزيادة مردودة، وهل تبطل في الباقي؟ فعلى قولي تبعيض الشهادة.
إن قلنا: تتبعض، ثبت الألف. وإذا أراد المدعي إثبات الألف الثانية، يحتاج إلى استئناف الدعوى والشهادة.
ولو شهد أحدهما بثلاثين، والآخر بعشرين- فالمذهب: أنه يثبت العشرون، كما ذكرنا في الألف والألفين.
وقيل: لا يثبت العشرون؛ لأن لفظ العشرين غير موجود في الثلاثين، وفي الألف والألفين لفظ الألف موجود في كلام الشاهد؛ فيحتمل أن يكون أحدهما لم يسمع الزيادة، واتفقا على سماع الألف.
ولو ادعا ألفًا. فشهد أحدهما؛ أن له عليه ألفًا من ثمن متاع، وشهد الآخر؛ أن له عليه
[ ٨ / ٣٤٣ ]
ألفًا من قرض، أو شهد أحدهما؛ أن له عليه ألفًا من ثمن عبد، وشهد الآخر؛ أن له عليه ألفًا من ثمن ثوب- لا يثبت واحد منهما. فإن عين المدعي أحدهما، واستأنف الدعوى- حلف مع شاهده، واستحقه. وإن ادعاهما، وحلف مع كل واحد من الشاهدين- استحقهما.
وإن كانت شهادتهما على الإقرار: شهد أحدهما؛ أنه أقر؛ أن عليه ألفًا من ثمن متاع، وشهد الآخر؛ أنه أقر؛ أن له عليه ألفًا من قرض- هل يثبت الألف؟ فيه وجهان؛ بناء على ما لو ادعى على رجل ألفًا من ثمن متاع، فقال المدعي عليه: هي من جهة القرض- فهل يحل له أخذ تلك الألف؟ فيه وجهان:
إن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ، لا يثبت الألف، إلا أن يحلف مع أحدهما.
وإن قلنا: لا يمنع الأخذ؛ يثبت.
والفرق بين الإقرار، وبين الصورة الأولى: أن الإقرار إجبار، وقد يقر الإنسان بشيء واحد مرارًا بألفاظ مختلفة، واختلاف الألفاظ [لا يمنع] الثبوت.
ولو ادعى على رجل ألفًا، وشهد شاهدان؛ أن له عليه ألفًا، وشهد أحدهما؛ أنه قد قضاه أو أبرأه- نظر: إن ذكر القضاء، أو الإبراء موصولًا بشهادته- بطلت شهادته؛ لأنه وصل بشهادته ما يضادها؛ فيبقى للمدعي شاهد واحد يحلف معه، ويأخذ. وإن لم يقله موصولًا بشهادته، بل عاد بعد ذلك وقاله- نظر: إن عاد قبل الحكم بشهادته، سئل: فإن قال: كان قد قضاه قبل أن شهدت، فهذا رجوع عن الشهادة، وإقرار ببطلانها، وبقي للمدعي شاهد آخر؛ بحلف معه، ويأخذ.
وإن قال: قضاه بعد ما شهدت، ذكر "صاحب التلخيص"؛ أن شهادته تبطل، ويحلف المدعي مع الشاهد الآخر، وذكر فيما لو كان شهادتهما على الإقرار؛ بأن شهد شاهدان؛ أنه أقر بألف، وشهد أحدهما؛ أنه قضاه، أو أبرأه- فهو على التفصيل الذي ذكرنا: إن قاله موصولًا، بطلت شهادته، وإن لم يقل موصولًا، بل عاد بعده - وقاله: فإن عاد قبل الحكم بشهادته، سئل: فإن قال: كان قد قضاه، أو أبرأه قبل أن شهدت- فهو رجوع عن الشهادة وبطلت شهادته، فيحلف المدعي مع الشاهد أو أبرأه الآخر وأخذ وإن قال: قضاه أو أبرأه بعدما شهدت- قال صاحب "التلخيص": يقضى له بالألف، إلا أن يحلف المدعي عليه مع شاهده؛ أه قد قضى. أراد: أن شهادته لا تبطل؛ فهذه شهادة للمدعي عليه بالقضاء والإبراء؛ بخلاف الصورة الأولى؛ فإن هناك شهد؛ بأن الحق عليه.
وقوله: "قضاه"، أو "أبرأه" مخالف له؛ فكان رجوعًا. وفي هذه الصورة: لم يشهد؛ أن
[ ٨ / ٣٤٤ ]
الحق عليه، بل يشهد على إقراره، وقد يقر بالحق، ثم يقضي؛ فليس في قوله: قضاه ما يؤثر في إقراره.
وذكر الشيخ أبو زيد في المسألة الأولى وجهًا آخر، أن شهادته لا تبطل، وتقع شهادته للمدعي عليه بالقضاء والإبراء؛ إن حلف معه برئ؛ كما لو قاله بعد الحكم، لا فرق فيه بين الإقرار والإنشاء.
والأصح: هو الفرق بينهما قبل الحكم؛ كما ذكر صاحب "التلخيص".
ولو شهد شاهدان على الوكالة: شهد أحدهما أو وكيله؛ أنه وكله بكذا، وشهد الآخر؛ أنه وكله وعزله: فإن قال موصولًا بطلت شهادته، وإن قال بعده؛ نظر: إن قال قبل الحكم: أشهد؛ أنه عزله، سأله القاضي: متى عزله؟ فإن قال: عزله قبل أن شهدت، بطلت شهادته. وإن قال: عزله بعد ما شهدت، ذكر ابن سريج فيه قولين:
أحدهما: بطلت شهادته؛ فلا يحكم بها؛ لأنه حدث قبل الحكم ما لو كان مقرونًا بالشهادة لأبطلها؛ كالفسق.
والثاني: يحكم؛ لأن الشهادة بالوكالة صحت، وهذه شهادة بالعزل؛ فلا يثبت به وحده؛ كما لو قال بعد الحكم: إنه كان عزله، لا يرد الحكم.
وقال صاحب "التلخيص": لو ادعى على رجل؛ أنه أقرضه ألفًا، وأنكر المدعي عليه أن يكون عليه شيء؛ فأقام المدعي بينة؛ أنه أقرضه ألفًا، وأقام المدعي عليه بينة؛ أنه قضاه الألف، ولم يعلم التاريخ- فبينة القضاء أولى.
ولو ادعى؛ أنه أقرضه ألفًا، وأنكر أن يكون أقرضه؛ فأقام المدعي بينة؛ أنه أقرضه ألفًا- فبينة القرض أولى.
والفرق بين الصورتين: أن في الصورة الأولى لم يتعرض المدعي عليه للقرض، لكن أنكر أن يكون عليه شيء؛ فيسمع بينته على القضاء بعد إقامة المدعي البينة؛ لأن بينته لا تكذبه. وفي الصورة الثانية: أنكر القرض؛ فهو إقرار، بأنه لم يقضه شيئًا؛ فلم تسمع بينته على القضاء.
نظيره: ما قال الشافعي: لو ادعى وديعة؛ فقال المدعي عليه: ما لك عندي شيء؛ فأقام المدعي البينة؛ أنه أودعه، ثم أقام المدعي عليه بينة على الرد تسمع.
ولو قال: لم يودعني شيئًا، ثم أقام المدعي البينة؛ فأقام المدعي عليه بينة على الرد- لم
[ ٨ / ٣٤٥ ]
تسمع؛ لأن قضية قوله: لم يودعني- أنه لم يزد عليه شيئًا؛ فلا تسمع بينته على خلافه.
وإذا شهد أحد الشاهدين؛ أنه باع عبدًا؛ صفته كذا بألف، وشهد الآخر؛ أنه باع ذلك العبد بعينه بألفين- لا يثبت، ويحلف المدعي مع أيهما شاء، ويأخذ.
ولو شهد شاهدان؛ أنه باع عبدًا بألف، وشهد آخران؛ أنه باع ذلك العبد بعينه بألفين - يتعارضان؛ لأن كل واحد حجة كاملة؛ فتعارضا؛ بخلاف الصورة الأولى.
ولو شهد شاهدان على الوكالة: شهد أحدهما، أنه وكله، وشهد الآخر؛ أنه أقر بوكالته- لا يجمع بينهما.
وكذلك لو اختلف الشاهدان في زمان، أو مكان.
أما إذا كانت شهادتهما على الإقرار؛ فشهد أحدهما؛ أنه أقر في البيت، أنه وكل فلانًا، وشهد الآخر؛ أنه أقر في السوق؛ أنه وكله فلان، أو شهد أحدهما؛ أنه أقر يوم السبت؛ أنه وكله، وشهد الآخر؛ أنه أقر يوم الأحد؛ أنه وكله- يجمع بينهما، لأن الإقرار يتكرر.
ولو شهد أحدهما؛ أنه وكله بالبيع وحده، وشهد الآخر؛ أنه وكله مع فلان- لا يثبت. ولو شهد أحدهما؛ أنه وكله بالبيع، وقبض الثمن، وشهد الآخر؛ أنه وكله بالبيع- يثبت البيع دون قبض الثمن.
ولو شهد أحدهما، أنه وكله بالبيع، وشهد الآخر؛ أنه أذن له في البيع- يجمع؛ لأن التوكيل ليس هو إلا الإذن بالبيع.
وكذلك لو شهد أحدهما؛ أنه قال له: أنت وكيلي؛ فشهد الآخر؛ أنه أذن له، أو سلطه - يجمع؛ لأن أحدهما ينقل لفظ الموكل، والآخر يخبر عنه.
وكذلك لو شهد أحدهما؛ أنه وكله بتطليق زوجته، وشهد الآخر؛ أنه سلطه، على تطليقها- يثبت.
ولو شهد أحدهما؛ أنه قال له: أنت وكيلي بكذا، وشهد الآخر؛ أنه قال: جريي- لا يثبت؛ لأنهما اختلفا في لفظ المشهود عليه. والجري: الوكيل بلغة "البصرة".
وكذلك لو شهد أحدهما؛ أنه قال له: وكلتك، وشهد الآخر؛ أنه قال له: أذنت لك- لا يثبت.
أما إذا شهد أحدهما؛ أنه أقر؛ أنه وكيله، وشهد الآخر؛ أنه أقر؛ أنه جريه- يثبت.
[ ٨ / ٣٤٦ ]
باب القافة ودعوى الولد
روي عن عائشة﵂- قالت: دخل علي رسول اللهﷺ- أعرف السرور في وجهه. فقال: ألم ترى أن مجزرًا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما؛ فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض".
إذا ادعى رجلان، أو أكثر نسب مولود مجهول النسب، أو اشترك رجلان أو جماعة في وطء امرأة؛ فأتت بولد لمدة يمكن أن يكون من كل واحد منهم- فلا يلحق بهم جميعًا، بل يرى معهم القائف؛ فبأيهم ألحقه، يلحق به.
وعند أبي حنيفة: يلحق بهم جميعًا؛ وإن كثروا.
وإن ادعته امرأتان، أو ثلاث، أو أربع، يلحق بهن، ولا يلحق بأكثر منهن.
وعند أبي يوسف: إذا ادعاه رجلان، أو ثلاثة، يلحق بهم، ولا يلحق بأكثر، ولا يعمل بقول القائف عندهم.
والحديث حجة عليه؛ من حيث إن النبيﷺ- أظهر السرور بقول مجزر في أسامة وزيد ولو لم يكن ذلك حقًا، لكان لا يظهر السرور، ولكان يزجره عنه، ويقول: إنك وإن أصبت هاهنا، فربما تخطئ في غيره؛ فيكون في خطئك قذف محصنة، ونفي نسب.
ويشترط: أن يكون القائف مسلمًا، عاقلًا، بالغًا- وهل يشترط أن يكون حرًا ذكرًا؟ فيه وجهان:
المذهب: أنه يشترط؛ كالقاضي.
وفيه وجه آخر: أنه يجوز أن يكون عبدًا، أو امرأة؛ وهل يختص ببني مدلج. فيه وجهان:
أحدهم: لا؛ بل هو علم يتعلم، فمن تعلمه، عمل بقوله؛ سواء كان عربيًا، أو أعجميًا.
والثاني: يختص ببني مدلج؛ وقد يخص الله- تعالى- قومًا بنوع من العلم والفضائل، لا
[ ٨ / ٣٤٧ ]
يشاركهم فيه غيرهم؛ كما خص قومًا بالنبوة والولاية.
ومن الرعاة من له هداية تتبع الأغنام في ظلمة الليل، وهي تلد؛ فيلتقط السخال؛ فيلقيها في وعاء، ثم إذا أضاء النهار، يلقي كل سخلة بين يدي أمها، ولا يخطئ. حتى قال الإصطخري: إذا تنازع رجلان في سخلة، يؤخذ بقول هذا الراعي؛ كما يحكم بقول هذا القائف.
والمذهب: أنه لا يعمل فيه بقول الراعي، ويعمل بقول القائف في نسب الآدمي؛ لشرفه؛ حتى لا يضيع نسبه. ويكتفي بقائف واحد؛ كالقاضي يكون واحدًا.
وقيل: يشترط اثنان؛ كالمزكي والمقوم.
والأول أصح.
ويشترط: أن يكون القائف مجربًا معروفًا بالقافة؛ كما لا يصح القضاء إلا ممن عرف بالعلم.
وكيفية تجربته: أن يؤتى بولد معروف النسب مع جماعة من النسوان؛ فيقال له: ألحقه بإحداهن، أو يؤتى بأولاد من نسوة، وبامرأة واحدة؛ فيقال: ألحق ولدها بها من بين الكل؛ فإذا عرفوا إصابته، حينئذ يرجع إليه، ولا يجرب بالأب؛ لأن لحوق الولد بالأب لا يعلم يقينًا؛ فلا تحصل به التجربة.
وإذا مات الوالد أو الولد، هل يرى القائف بعد الموت؟
نظر: إن كان بعد ما تغير لا يرى، وإن كان قبل التغير: فإن كان بعد الدفن لا ينبش، وإن كان قبله وجهان:
قال أبو إسحاق: يرى القائف؛ لأنا لشبه لا تنقطع بالموت.
والثاني: لا يرى؛ لأن القائف قد يلحق بالأشباه الخفية، من: الكلام والحركة، ونحوهما وذلك ينقطع بالموت.
وإذا مات أحد المتداعيين، يرى مع ابنه وأخته أو عمته القائف.
ولو ألحق أحد القائفين الولد بأحد المتداعيين بالأوصاف الظاهرة، وألحقه قائف آخر بالثاني بالأوصاف الباطنة من الخلق ونحوه- فأيهما أولى؟ فيه وجهان:
أحدهما: الأوصاف الظاهرة؛ لأنها أظهر.
[ ٨ / ٣٤٨ ]
والثاني: الباطنة أولى؛ لأن فيها زيادة علم وبصيرة.
ولو ألحقه قائف بأحدهما، ثم رجع؛ فألحقه بالآخر- لا يقبل رجوعه؛ كالقاضي إذاقضى لم يكن له نقضه.
وإن لم يكن هناك قائف، أو أشكل عليه، أو ألحقه بهما- فلا يعمل به، بل يترك؛ حتى يبلغ الصبي؛ فينتسب إلى أحدهما؛ وليس ذلك على التشهي، بل يجتهد؛ فأيهما كان طبعه إليه أميل، انتسب إليه، لأن الإنسان قد يجد ميلًا في طبعه إلى من هو أبوه. فإذا انتسب إلى أحدهما، ثم رجع إلى الآخر، لا يقبل- والانتساب يكون بعد البلوغ.
وقيل: إذا بلغ سنًا يخير فيه بين الأبوين؛ وهو سبع سنين، أو ثمان سنين- ينتسب. والأول المذهب.
فإذا انتسب إلى أحدهما، ثم وجد القائف؛ فألحقه بالآخر- يقدم قول القائف؛ لأنه حكم.
وإذا ألحقه القائف بأحدهمأ، ثم أقام الآخر بينة- تقدم البينة؛ لأنها أقوى.
والمسلم والذمي في دعوى النسب سواء.
ولو ادعى عربي نسب عجمي مجهول النسب، أو هندي نسب تركي- يسمع.
وجملته: أن كل من ادعى نسب مجهول، أمكن ثبوت نسبته منه- يلحق به؛ إن كان صغيرًا- وإن كان كبيرًا؛ فأقر، ثبت، وإن أنكر، فالقول قول المنكر مع يمينه. فإن أقام المدعي بينة، أو نكل المدعي عليه عن اليمين، وحلف المدعي- حكم بثبوت نسبه. فإن كان المدعي أو المدعي نسبه رقيقًا، أو معتقًا- فهل يثبت بمجرد الدعوى من غير بينة؟ فيه اختلاف ذكرناه في "كتاب اللقطة".
باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان
إذا اختلف الزوجان في متاع البيت؛ فأيهما أقام بينة على عين؛ أنها له- قضي له بها. فإن لم يكن له بينة، فما كان في يد واحد منهما، فالقول قوله مع يمينه.
فإن كان سيف في عنق الرجل، أو في عنق المرأة، أو قلادة، في عنق واحد منهما، أو منطقة على وسط واحد منهما، أو ثوبًا وأحدهما لابسه- فالقول فيه قول صاحب اليد مع يمينه.
[ ٨ / ٣٤٩ ]
أما ما كان في البيت، وهما يسكنانه، يجعل في أيديهما، سواء كان في حال بقاء الزوجية بينهما، أو بعد المفارقة، أو بعد موتهما اختلف ورثتهما، أو بعد موت أحدهما اختلف الحي مع وارث الميت؛ وسواء كان المتاع مما يصلح للرجال أو يصلح للنساء؛ كما لو تداعيا الدار التي يسكنانها، تجعل في أيديهما. ثم لكل واحد أن يحلف صاحبه؛ فإن حلف، قسم بينهما، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر- قضى بالكل للحالف.
وقال أبو حنيفة: ما يصلح للرجا؛ كالسيف والمنطقة- يجعل في يد الزوج، وللمرأة تحليفه؛ وما يصلح للمرأة؛ كالحلي والخنش والمغزل- يجعل في يد المرأة وللزوج تحليفها، وما يصلح لكل واحد منهما يجعل في أيديهما في حال بقاء الزوجية، وبعد الفراق يجعل للزوج، وبعد موت أحدهما يجعل للحي.
قلنا: لا يجوز الحكم بالصلاحية عند التنازع من غير دليل؛ كما لو تنازع عطار ودباغ في عطر ودباغ في أيديهما- لا يجعل العطر للعطار، والدباغ للدباغ، أو تنازع ملك وفقير في جوهرة نفيسة هي في أيديهما- لا تجعل اليد فيها للملك؛ لأنها بحاله أليق كذلك هاهنا.
ولو كانت الدار يسكنها إنسان بالأجرة، فاختلفا في متاع البيت- فالقول قول المكتري مع يمينه؛ لأنه في يده.
ولو تداعيا سلما فيها؛ نظر: إن كان مسمرًا- فالقول قول المكري مع يمينه؛ لأنه من أجزءا الدار، وإن كانت غير مسمر فالقول قول المكتري؛ كمتاع البيت. أما الرفوف إن كانت مسمرة، فللمكتري، وإن كانت غير مسمرة: قال الشافعي ﵁-: تجعل بينهما، ويتحالفان؛ لأن الرف قد يترك في العادة، وقد ينتقل، فيجوز أن يكون لكل واحد منهما.
ولو تداعيا دابة، وأحدهما راكبها، والآخر أخذ بلجامها- فهي للراكب.
وكذلك إذا كان لأحدهما على ظهرها حمل، فهي لصاحب الحمل. فإن كانا آخذين بلجامها، فوثب أحدهما؛ فركبها- لا يصير به صاحب يد.
ولو تداعيا أرضًا، ولأحدهما فيها غراس أو بناء- فهي لصاحب الغراس والبناء. وكذلك إذا كان لأحدهما فيها زرع، فهي لصاحب الزرع.
وكذلك لو تنازعا في دار لأحدهما فيها متاع- فهي لصاحب المتاع. فإن كان متاعه في
[ ٨ / ٣٥٠ ]
بيت واحد؛ يقضى له بذلك البيت، دون سائر الدار.
وإن تنازعا في جارية أو دابة حامل، واتفقا على أن الحمل لأحدهما- فهي لصاحب الحمل.
ولو تنازعا في ثوب، وأحدهما لابسه، والآخر أخذ بكمه- فهو للابس. وإن تنازعا في عمامة، وفي يد أحدهما منها ذراع، والباقي في يد الآخر- فهي بينهما يحلفان.
ولو تداعيا عبدًا، ولأحدهما عليه ثياب- فهو بينهما، ولا يقدم صاحب الثياب؛ لأن منفعة الثياب تعود إلى العبد، لا إلى المدعي والله أعلم.
باب أخذ الرجلب حقه ممن يمنعه إياه
روي عن عائشة﵂ - أن هندًا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل - شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه سرًا؛ وهو لا يعلم؛ فهل علي في ذلك من شيء؟ فقال النبيﷺ-: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وإذا كان لرجل على آخر حق، وهو مليء غير ممتنع عن أدائه- لم يكن له أن يأخذ من ماله شيئًا دون إذنه، وإن كان جنس حقه؛ فإن أخذ، فعليه رده فإن تلف عنده، ضمنه؛ لأنه أخذ مال غيره بغير حق. وإن كان ممتنعًا عن أدائه، نظر: إن كان لا يقدر على أخذه بالحاكم؛ بأن كان جاحدًا ولا بينة لصاحب الحق، فله أن يأخذ جنس حقه من ماله بغير إذنه، وليس له أخذ غير جنس حقه إذا وجد جنس حقه؛ فإن لم يجد إلا غير جنس حقه، له أخذه.
وقيل: هو بالخيار: إن شاء أخذ جنس حقه، وإن شاء أخذ غير جنسه. والأول أصح.
وإن لم يصل إلى ماله إلا بنقب جداره، له نقبه، وأخذ حقه.
وإن كان يقدر على أخذ حقه بالحاكم، بأن كان من عليه مقرًا، ولكنه ممتنع عن الأداء، أو كان جاحدًا، ولصاحب الحق بينة عادلة، يمكنه إثبات الحق عليه- فهل يجوز له أخذ حقه من غير أن يثبته بالحكم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يقدر على أخذه بالحكم؛ كما لو قدر على أخذه بالتقاضي.
والثاني: يجوز؛ لأن النبيﷺ- قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك" أذن لها في الأخذ مع القدرة على الأخذ بالحكم، ولأنه يلحقه في المرافعة وإثباته بالحكم مؤنة ومشقة.
[ ٨ / ٣٥١ ]
وعند أبي حنيفة: ليس له أخذ غير جنس حقه، إلا أن يأخذ أحد النقدين عن الآخر؛ فيجوز والحديث حجة عليه؛ فإن النبي ﷺ أطلق الإذن لهند في أخذ ما يكفيها من غير فصل بين جنس حقها، وغير جنسه.
ثم إذا أخذ جنس حقه، ملكه، وإن أخذ غير جنس حقه، لا يملكه، بل يبيعه، ثم إن كان نقد البلد جنس حقه، باعه بجنس حقه، لا يملكه، بل يبيعه؛ ثم إن كان نقد البلد جنس حقه، باعه بجنس حقه، وإن كان نقد البلد غير جنس حقه، لا يبيعه بجنس حقه، بل يبيع بنقد البلد، ثم يصرف الثمن في حقه- ثم إن كان الحاكم عالمًا بالحال، لا يبيعه إلا بإذنه؛ على ظاهر المذهب.
وإن كان جاهلًا، ولا بينة له، باعه بغير إذنه؛ لأنه إذا أقر بين يدي الحاكم، أني أخذت مال فلان بحقي، لا يصدقه الحاكم بغير حجة، وما أخذه صاحب الحق من ماله، هل يكون مضمونًا عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كالمرهون حتى لو تلف في يده يكون من ضمان من عليه الحق.
والثاني: يكون مضمونًا عليه؛ لأنه أخذه بغير إذن مالكه، بخلاف المرهون.
فإن قلنا: يكون مضمونًا عليه، فإن كانت قيمته زائدة؛ فانتقصت، أو ناقصة فزادت يكون مضمونًا عليه بالأكثر.
ولا يجوز له الانتفاع بتلك العين، فإن فعل، فعليه أجر المثل ولو أخذ أكثرمن قدر حقه، نظر: إن أمكنه ألا يأخذ إلا قدر حقه- فالزيادة مضمونة عليه، وإن لم يمكنه، بأن لم يجد عينًا قيمتها أكثر من حقه- ففي ضمان الجميع ما ذكرنا من الوجهين، وكما يجوز لصاحب الحق أخذ مال غريمه، يجوز أخذ مال غريم غريمه؛ مثل: إن كان لزيد على عمرو حق؛ وهو منكر، أو مماطل، ولعمرو على بكر حق- جاز لزيد أن يأخذ من مال بكر حقه الذي له على عمرو؛ لأن بكرًا غريم غريمه.
ولو كان لزيد على عمرو حق؛ وهو جاحد، فجاء بكر؛ وأقر بحق لعمرو، ورد عمرو إقراره، وقال: لا شيء لي عليك، وصدق بكر زيدًا؛ أن له على عمرو ما يدعيه- فيجوز لزيد أن يأخذ من بكر ما أقر به لعمرو.
وقال شيخنا الإمام ﵁: ولو جحد بكر حق زيد على عمرو، وعلم زيد؛ أنه ما أقر به بكر لعمرو ثابت عليه- فلزيد أن يأخذ مال بكر دون إذنه- والله أعلم.
[ ٨ / ٣٥٢ ]