باب أسنانِ الإبل
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، وروي عن ابن عمرو؛ أن رسول الله - ﷺ - قال:"ألا عن في قتل العمد [و] الخطإ بالسوط والعصا - مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفةً في بطونها أولادها".
[ ٧ / ١٣٣ ]
الأصل في الديات: الإبل؛ فمن قتل مسلمًا حرًا - تجب عليه مائة من الإبل.
ثم إن كان القتل عمدًا - فديته مغلةٌ من ثلاثة أوجهٍ: من [حيث] السنُّ، ومن حيث إنها تجب في مال الجاني، ومن حيث إنها تكون حالة.
وإن كان القتل خطأً - فديته مخففة من الوجوه كلها؛ من حيث السن، وبأنها تكون على العاقلة مؤجلة.
[ ٧ / ١٣٤ ]
وإن كان القتل شبه عمدٍ - فديته مغلظة من حيث السن مخففة من حيث إنها تجب على العاقلة مؤجلة.
ولا فرق في العمد المحض بين أن يكون موجبًا للقصاص، [فيعفى على] الدية أو لا يكون موجبًا للقصاص، كقتل الأب، والجراحات التي لا توجب القود.
والتغليظ بالسن في العمد وشبه العمد: أنه تجب ثلاثون حقةً وثلاثون جذعةً، وأربعون خلفةً في بطونها أولادها.
وعند مالك وأبي حنيفة - رحمهما الله -: يكون أرباعًا: خمسٌ وعشرون بنت مخاضٍ وخمسٌ وعشرون بنت لبون وخمسٌ وعشرون حقةً، وخمسٌ وعشرون جذعة.
وقال أبو ثور: ديةُ شبه العمد: أخماسٌ؛ كدية الخطإ، وديةُ الخطإ - بالاتفاق - أخماسٌ؛ غير أن - عندنا - يجب عشرون بنت مخاضٍ، وعشرون بنت لبونٍ، وعشرون ابن لبونٍ، وعشرون حقةً، وعشرون جذعةً، ويروي ذلك عن ابن مسعود.
[ ٧ / ١٣٥ ]
وعند أبي حنيفة: تجبُ عشرون بنتَ مخاضٍ بدل بني اللبون، وديةُ الأطراف والجراح كذلك؛ إن كان عمدًا، فأثلاث، وإن كان خطأ - فأخماس مثل إن قطع إصبعه عمدًا - يجب عليه عشر من الإبل: ثلاثُ حقاقٍ، وثلاثُ جذاعٍ، وأربعُ خلفاتٍ.
وإن كان خطأ - فابنتا مخاضٍ، وابنتا لبونٍ، وابنا لبونٍ، وحقتان، وجذعتان.
وإن أوضح رأسه، أو قلع سنًا عمدًا - فخمسٌ من الإبل حقةً، ونصفٌ، وجذعةٌ ونصفٌ، وخلفتان.
وإن كان خطأ - فبنت مخاض، وبنت لبون، [وابن لبون]، وحقةٌ، وجذعةٌ، والخلفةُ الحامل، وقل ما تحمل إلا ثنية: فإن حبلت دون الثنية - تقبل منه، وفيه قول آخر: أنه لا تقبل؛ لأنه أحد أقسام إبل الدية؛ فيختص بسن كالسنين، والأول أصح؛ لأن الشرع أوجب الخلفة من غير اعتبار السن.
فلو أتى بناقةٍ، فقال هي حاملٌ، وقال الولي ليست بحاملٍ - يرى أهل المعرفة: فإن قال اثنان منهم: إنها حاملٌ - أجبر على القبول، فإن ماتت في يد المجني عليه قبل أن تضع، واختلف في كونها حاملًا - يشق بطنها، ولو أخذها الولي، ثم أتى بها [حائلًا] وقال الجاني: أسقطت - نظر:
إن كان الزمان لا يحتمل الإسقاط- ردت إليه بلا يمين، وإن احتمل الإسقاط- نظر:
إن أخذها الولي بقول للجاني - فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الحمل.
وإن أخذ بقول أهل المعرفة - فالقول قول الجاني على أصح الوجهين.
وإذا بان كونُها حائلًا بعد ما هلت عند الولي - يغرم الولي قيمة ما تلف عنده، ويطالب الجاني بالخلفة.
فصلٌ
رُوي عن عمر - ﵁ - أنه قضى فمن قتل في الحرام أو في الشهر الحرام أو
[ ٧ / ١٣٦ ]
محرمًا - بدية وثلث.
وعن عثمان: أنه قضى في امرأةٍ وطئت بالأقدام بمكة بدية وثلثٍ.
دية الخطإ في النفس والجراح تغلظ بالسن، وتلحق بشبه العمد في ثلاث مواضع:
أحدها: أن يقتل أو يجرح في حرم "مكة".
الثاني: أن يقتل في الأشهر الحرم، وهي أربعة أشهر: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجبٌ.
والثالث: أن يقتل ذا رحم محرمًا من القرابة.
لتعظيم هذه الحرمات، وتأكيد الشرع أمر القتال فيها.
قال الشيخ ﵀: وفي حرمة الحرم فيها، سواءٌ كان القاتل في الحرم أو المقتول - تغلظ؛ كما في جزاء الصيد: لا فرق بين أن يكون الصائد في الحرم أو الصيد.
وعند أبي حنيفة: لا تغلظ بهذه الأشياء، ولا تغلظ لشهر رمضان؛ لأنها ليست من الأشهر الحرم، ولا بسب الإحرام؛ لأن حرمة الإحرام غير متأبدة، ولا بحرم المدينة؛ لأن صيدها غير مضمون بالجزاء؛ على ظاهر المذهب.
وقيل: يغلظ بحرم المدينة؛ لأن صيدها حرامٌ.
ولا يغلظ بمحرمية الرضاع والمصاهرة.
وكيفية التغليظ: أن نوجب فيه ما نوجب في العمد: ثلاثين حقةً، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفةً، وعند عدم الإبل: تجبُ قيمتها في الجديد، وفي القديم: يرجع إلى بدلٍ مقدر؛ فعلى هذا: هل يُزاد بسبب التغليظ؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: يزاد الثلث؛ فإن كانت الحرمةُ واحدةً - فتجب فيها ديةٌ وثلث: ستة عشر ألف درهم، أو ألف دينار وثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ في ثلاث سنين؛ كما قضى فيه عمر وعثمان - ﵄-.
والثاني: لا يزادُ، ويسقط التغليظُ؛ لأن التغليظ في الأصل يكون بالصفة، لا بزيادة العدد، وكذلك: لا تؤخذ في الدراهم والدنانير؛ ألا ترى أن العبد لما لم تجب في بدله الإبلُ
[ ٧ / ١٣٧ ]
- لم يتغلظ بدله، وكذلك سائر المتلفات، ومن قال بهذا - حمل قضاء عمر وعثمان: على أن قيمة الإبل المغلظة كانت بلغت دية وثلثًا.
وكذلك إذا قتل عمدًا أو شبه عمد في غير هذه المواضع، وعدمت الإبل، وقلنا بقوله القديم -هل يزادُ بسبب التغليظ الثلث؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يزاد الثلثُ: فإن اجتمعت الحرمات؛ بأن قتل ذا رحم محرمًا، في الحرم، في الشهر الحرام - ففي الجديد: لا يزادُ على مائة من الإبل مغلظةٍ، وعند عدمها: تجب قيمتها، وفي القديم: إذا قلنا: يزاد بسبب التغليظ الثلث - ففيه وجهان:
أحدهما: لا يغلظ غلا مرةً؛ فيجب ديةٌ وثلث: ستة عشر ألف درهم.
والثاني: يزاد بكل سببٍ ثلثها؛ فتجب أربعٌ وعشرون ألف درهم؛ لما رُوي عن ابن عباس: أنه قضى في رجل قتل في الشهر الحرام، في البلد الحرام بعشرين ألف درهم.
فعلى هذا: إن كان قتله شبه عمد مع هذه الحرمات - تجب ثمانية وعشرون ألف درهم.
ولو أتلف جنينًا في هذه المواضع - لا تغلظ الغرة؛ لأنها لا تغلظ بالفعل، فإذا عدمت الغرة، وقلنا: تجب عليه خمسٌ من الإبل - تغلظ الإبل.
فصلٌ
عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده؛ أنه رسول الله - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن [كتابا]، وكان في كتابه: "في النفس الدية مائة من الإبل".
دية الحر المسلم: مائة من الإبل، وتؤخذ من كل من عليه شيء من الدية من القاتل أو من العاقلة من الصنف الذي في يده من الإبل: مهرية، أو أرجبية أو مجيدية أو
[ ٧ / ١٣٨ ]
بخاتي؛ كالزكاة تجب من الصنف الذي عنده إلا أن يكون إبله عجافًا أو معايب، أو مراضًا - فللولي ألا يقبل منه، ويكلفه أن يحصل صحاحًا من الصنف الذي عليه؛ لأنه حق ثبت في ذمته؛ فلا يقبل منه المعيب؛ كالرقبة في الكفارة؛ بخلاف الزكاة يؤخذ فيها المعيب؛ إذا كانت [تؤخذ] كل إبله معايب؛ لأنها حق وجب في العين؛ فان من جنسها؛ غير أن في الكفارة: كل نقصٍ لا يؤثر في العمل - لا يمنع الجواز، وههنا كل عيبٍ ينقص المالية- لا يجب على الولي أن يقبل معه؛ لأن المقصود منه المال.
وإذا اجتمع في ملكه صنفان من الإبل فأكثر - ففيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ من الصنف الأكثر، فإن استويا - دفع من أيهما شاء.
والوجه الثاني: تؤخذ من كل نوع بقدره؛ إلا أن يتبرع، فيغطي الكل من النوع الأعلى، فإن أدى من نوع آخر غير ما في يده - يُجبر على القبول، إذا كان من غالب إبل قبيلته وبلده، فإن لم يكن له إبل - فعليه أن يحصل، ويبتاع من غالب نوع إبل بلده وقبيلته.
فإن كانت العاقلة متفرقة في البلدان والقبائل - فعلى كل واحدٍ من نوع إبلِ بلده وقبيلته: فإن أدى من غير نوع قبيلته - نظر: إن كان أدنى من نوع إبل قبيلته -لم يُقبل؛ وإلا فيقبل.
وإن لم تكن في بلده أو قبيلته إبلٌ، أو كانت معايب - فعليه نقلها من البلاد القريبة منه، وعليه من نوع أقرب البلاد إليه.
فإن بعدت المسافة؛ بحيث شق نقلها عليه - فهي كالمعدومة.
وإذا أعدمت الإبلُ - ففيه قولان:
قال في القديم: يصار إلى بدل مقدر من إحدى النقدين؛ فيجب ألف دينارٍ من الذهب الخالص، أو اثنا عشر ألف درهم من الفضة الخالصة؛ لما رُوي عن مكحول وعطاءٍ قالا: أدركنا الناس على أن دية الحر المسلم، على عهد النبي - ﷺ - مائة من الإبل، فقوم عمر بن
[ ٧ / ١٣٩ ]
الخطاب - ﵁ - تلك الدية على أهل القرى ألف دينارٍ، أو اثني عشر ألف درهمٍ.
وقال في الجديد - وهو الأصح-: إذا عدمت الإبل - تجب قيمتها؛ لما روي عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله ﷺ - يقوم دية الخطإ على أهل القرى أربعمائة دينارٍ أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل، فإذا غلت - دفع قيمتها، وإذا هانت- نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينارٍ أو عدلها من الورق، وما قضى به عمر -﵁ - لم يكن على طريق التقدير، بل كانت القيمة بلغت ألف دينار في زمانه أو اثني عشر ألف درهم؛ بدليل ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم؛ حتى استخلف عمر -﵁ - فقام خطيبًا فقال: إن الإبل قد غلت؛ ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
وإذا قومنا - نقوم الإبل التي [لو] كانت موجودة وجب تسليمها: فإن كانت لهم إبلٌ، لكنها معيبة - يقوم جنس إبلهم صحيحة، فإن لم يكن لهم إبل؛ [فيقوم جنس أقرب القبائل إليهم، ويقوم بالأغلب من نقد البلد، وتعتبر قيمتها بيوم الوجوب؛ فكل حول يمضي تعتبر قيمة حصته بيوم حلوله، وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: يقوم في المواضع الموجودة.
والثاني: يقوم في هذه البلدة، لو كانت موجودة؛ لأنها وجبت فيها، ولا تجب باعتبار حالة العدم.
ولو أراد الجاني أو العاقلة دفع القيمة مع وجود الإبل، أو أراد الولي أخذ القيمة مع
[ ٧ / ١٤٠ ]
وجود الإبل - لا يجبر الآخر عليه، فإن تراضيا [عليه] جاز [كما إذا أتلف مثلًا، والمثليُّ موجودٌ لا يجبر أحدهما على الدية، وإن تراضيا - جاز] وعند أبي حنيفة - ﵀ - الأصل في الديات أحد الأشياء الثلاثة: إما مائة من الإبل، أو ألف دينارٍ أو عشرة آلاف درهم.
وعند أبي يوسف: أحد الأشياء الستة: [أحد] هذه الأشياء الثلاثة، أو مائتا بقرة، أو مائتا حُلةٍ، أو ألفا شاةٍ، ومعنى الحُلةِ عامةُ لباس العرب؛ إزارًا ورداءً.
فصلٌ
عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - إلى أهل اليمن: "في النفس مائة من الإبل، وفي الموضحة خمسٌ" هـ.
تجب في الموضحة - خمسٌ من الإبل، وفي الهاشمة عشرٌ، وفي المنقلة خمس عشرة، وهي في الرأس والوجه واللحى الأسفل.
ولو شجه متلاحمة أو سمحاقًا كبيرًا وفي وسطها موضحةٌ صغيرةً أو كبيرة - لا تجب إلا ديةٌ موضحةٍ، وتُدخل فيها حكومة السمحاق؛ لأن جميع تلك الجراحة: لو كانت موضحة - لم يكن له إلا أرش موضحة، ولو اقتص من الموضحة - هل له أخذ حكومةِ ما حولها من السمحاق؟ قال الشيخ ﵀-: يحتمل أن يكون على وجهين؛ كما لو قطع يد إنسان من نصف الكفِّ، فقطع المجني عليه أصابع الجاني - هل له أخذ حكومة نصف الكف؟ فيه وجهان:
وإن كان وسط تلك الجراحة موضحات - لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؛ لأن الكل جراحة واحدةٌ.
ولو أوضح رأسه موضحتين، وبينهما حاجز بالجلد واللحم - عليه عشرٌ من الإبل؛ فلو تآكل الحاجز؛ سواء تآكل الجلد دون اللحم، أو اللحم والجلد معًا - يعود إلى أرش موضحةٍ واحدة-: فله أن يقتص من الموضحتين دون ما تآكل؛ لأن القصاص لا يجب في الطرف
[ ٧ / ١٤١ ]
بالسراية، وتوزع دية موضحة على الكل؛ فبقدر ما تآكل - يجب.
قال الشيخ ﵀: فإن كان قد تآكل الجلدُ دون اللحمِ - وتجب له حومةٌ؛ إذا اقتص من الموضحتين، و[لو] لم يتآكل الحاجزُ، بل عاد الجاني، ودفع الحاجز بينهما قبل الاندمال - يعود إلى أرش موضحة واحدةٍ؛ سواء دفع الجلد واللحم، أو قطع الجلد دون اللحم، ولو ادخل السكين بين الموضحتين؛ فقطع اللحم بينهما، والجلد باقٍ بينهما - فهل يعود إلى أرش موضحةٍ واحدةٍ - فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لاتصال الجراحة.
والثاني: لا يعود؛ لبقاء الحاجز بينهما في الظاهر.
قال الشيخ ﵁: وكذلك: لو تآكل اللحم بينهما دون الجلد - هل يعودُ إلى أرش موضحةٍ واحدةٍ؟ فيه وجهان:
ولو دفع الجاني الحاجز بعد الاندمال، فأوضح عليه أرش موضحة ثالثةٍ.
ولو جاء أجنبي، فرفع الحاجز بينهما - فعلى الأول: أرشُ موضحتين، وعلى الثاني: أرش موضحةٍ أخرى - سواءٌ دفع بعد اندمال الأول أو قبله؛ لأن فعل أحدهما لا يُبنى على فعل الآخر.
ولو أوضح رأسه بجر السكين بإيضاح، أو بجرحٍ غير إيضاحً إلى موضوع آخر من رأسه، وأوضح في قفاه - لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ.
ولو جر السكين إلى القفا من غير إيضاح - عليه أرش موضحةٍ، وحكومةٌ لجراحة القفا، سواء أوضح القفا أو لم يوضح؛ لأنه ليس لجراحة القفا أرشٌ مقدرٌ، ولو جر السكين إلى الجبهة بالموضحة أو بغير الموضحة، وأوضح الجبهة - فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؛ لأن الجبهة محل الإيضاح؛ كالرأس؛ كما لو أوضح رأسه، وجر السكين من غير إيضاح على رأسه، ثم أوضح في متنهاه على رأسه. لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؛ لأن الجبهة محل الإيضاح؛ كالرأس.
والثاني: وهو الأصح-: عليه أرش موضحتين؛ لاختلاف المحلين.
ولو أوضح رأسه، فاتصل [فقد قيل: هل] يسقط الأرش؟ فيه قولان؛ السن ينبتُ، والصحيح: [أنه] لا يسقط الأرش؛ لأن العادة لن تجر به، حتى لو التأم بالجلد
[ ٧ / ١٤٢ ]
واللحم، ثم جاء آخر، فأوضحه ثانيًا - يجب على الثاني أرش موضحةٍ أخرى؛ سواء نبت الشعر على ذلك الموضع، أو لم تنبت، وسواءٌ كان لون الجلد متغيرًا عن لون سائر الجسد، أو لم يكنن فأما قبل أن تتصل بالجلد واللحم إذا أوضحه آخر - يجب على الثاني الحكومة.
ولو أوضح رأسه [فجاء] آخر، فأوضح قطعةً أخرى متصلًا بها - فعلى الثاني أرش موضحةٍ تامةٍ؛ كما على الأول.
ولو أخذ رجلان سكينًا، وأوضحا معًا - فلا يجب عليهما إلا أرش موضحة واحدةٍ.
قال الشيخ ﵀: وعليهما القود؛ فيوضح من رأس كل واحدٍ بقدرِ موضحةٍ المشجوج؛ كما تقطع الأطراف بطرف واحدٍ.
ولو أوضح رجلٌ رأس آخر، ثم جاء آخر، وهشمه في موضعها، ثم جاء ثالثٌ، وجعلها منقلة، ثم جاء رابعٌ، وجعلها مأمومة، وجاء خامسٌ، فخرق خريطة الدماغ -فعلى الموضح خمسٌ من الإبل، وعلى الهاشم ما بين الموضحة والهاشمة: خمسٌ، وعلى من جعلها منقلة خمسٌ، وعلى من جعلها مامومةً ما بن المنقلة والمأمومة: ثمانية عشر من الإبل وثلث، وعلى من خرق الخريطة كمالُ دية النفس؛ كمن حز رقبة إنسان بعدما قطع أطرافه -يجب على حازِّ الرقبة كمالُ دية النفس.
ولو هشم رجلًا من غير إيضاحٍ - عليه خمسٌ من الإبل، ولو نقل - فعشر من الإبل.
وقال ابن أبي هريرة: تجب فيه الحكومة؛ لأنه ليس فيه شيئين ظاهرٌ؛ كما لو كسر عظمًا آخر من ساعده أو ساقه.
والأول المذهب.
ولو هشم رأسه في موضعين، وبي الجلد واللحم، والعظم بينهما صحيحٌ - فعليه أرشُ هاشمتين: عشرٌ من الإبل، ولو بقي بينهما عظمٌ صحيح، وذهب الجلد واللحمُ - فلا يجب إلا أرش هاشمةٍ واحدةٍ؛ نص عليه؛ كما في الموضحة.
ولو بقي بينهما الجلدُ واللحمُ غير أن الهشم متصلٌ في الباطن - فوجهان:
أحدهما: لا يجب إلا أرش هاشمةٍ واحدةٍ؛ لاتصال الكسر.
[ ٧ / ١٤٣ ]
والثاني: [هما] هاشمتان؛ لبقاء الجلد واللحم بينهما.
وكذلك: لو شجه منقلةً في موضعين، ولو شجه هاشمةً، وجر السكين بإيضاح أو غير إيضاح إلى موضع آخر من رأسه، وأوضح [في] منتهاه - لا يجب إلا أرش هاشمةٍ واحدةٍ؛ كما ذكرنا في الموضحة، ويجب على المأمومة ثلث دية النفس، كما في الجائفة.
ولو خرق خده؛ فوصل على باطن الفم، أو مارن أنفه؛ فوصل إلى باطن الأنف - ففيه وجهان:
أحدهما: عليه ديةُ الجائفة؛ لأنها جراحةٌ وصلت على الجوف من الظاهر.
والثاني: وهو الأصح - عليه حكومةٌ؛ لأن باطن الفم والأنف ليس بجوف؛ بدليل أنه لا يحصل الفطر بوصول الواصل غليه، ولأن الجائفة أن تصل الجراحة إلى جوفِ يخافُ منه التلفُ، وهو جوفُ الرأس والبدن، وهذا لا يخاف منه التلف؛ فلو ضرب على وجنته، فهشمه، أو نقله وخرقه؛ فوصل إلى باطن الفم، أو هشم قصبة أنفه، فأولها إلى باطن الأنف - فيه وجهان:
أحدهما: عليه أرشُ المأمومةِ؛ ما لو هشم رأسه، فأوصل إلى خريطة الدماغ، وهذا على الوجه الأول الذي يقول: خرق الخد كالجائفة.
والثاني: وهو الأصح-: عليه أرش الهاشمة، إن كان هشم، أو المنقلة إن كان نقل، وحكومة لخرق الخد والأنف، ولا تدخل حكومة خرق الخد والأنف في أرش الهاشمة والمنقلة؛ لأنه جناية أخرى، وحكومة خرق الخد، فقد قيل: لا تبلغ أرش الموضحة، وكان [شيخي ﵀] يقول: يجوز أن تُزاد على أرش الجائفة، لأنا إذا لم نجعل له حكم الجوف فهو ليس بعضو، له بدلٌ مقدرٌ حتى لاتزاد حكومته عليه.
فصلٌ
عن عمرو بن حزم؛ أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - "وفي المأمومة ثلث دية النفس، وفي الجائفة مثلها".
[ ٧ / ١٤٤ ]
في الجائفة ثلث دية النفس، وهو: أن يضرب في بطنه أو ظهره أو جنبه أو صدره أو، ثغرة نحره أو وركه: فيصل إلى باطنه.
ولو ضرب في حلقه أو قفاه، فنفذ - فهو جائفةٌ؛ لأن وصول الطعام إليه يفطره.
ولو طعنه بسنانٍ له شُعبتان، فأجاف في موضعين - فهما جائفتان؛ ففي كل واحدة ثلث دية النفس، ولو طعن في بطنه، فأخرجه من ظهره - ففيه وجهان:
أصحهما: أنهما جائفتان، وهو قول أبي حنيفة - رحمة الله عليه- وقيل: عليه أرشُ جائفة، وحكومةٌ للجرح إلى الجانب الآخر - لأن الجائفة ما يصل [من الظاهر] إلى الجوف، والنفاذ إلى الظاهر - خروج من الجوف؛ فيجب فيها الحكومة. ولو أجاف بطنه، فجر السين بالجائفة إلى جنبه أو ظهره -لا يجب إلا أرش جائفة واحدة، وكذلك: لو جَرَّ إلى آليته؛ لأن الآلية في مقابل الجوف.
ولو أجاف بطنه، [فجر السكين] إلى فخذه أو كتفه - فعليه ديةُ جائفةٍ، وحكومةٌ لجرح الفخذ والكتف؛ لاختلاف المحلين؛ كما لو أوضح رأسه، وجر السكين إلى قفاه - عليه أرش موضحةٍ، وحكومةٌ.
ولو أجافه، ثم جاء رجلٌ آخر، ووسعها ظاهرًا وباطنًا - يجب على الثاني أرش جائفةٍ؛ كما على الأول.
ولو قطع الظاهر دون الباطن، أو الباطن، دون الظاهر - فعليه الحكومة.
ولو أدخل السكين فيها من غير جرح - عُزر، ولو اندملت الجائفة فاتصلت - لا يسقط أرشها على ظاهر المذهب؛ كالموضحة إذا اتصلت.
ولو خاط الجائفة، فجاء آخر ونزع الخيط - نظر:
إن كان قبل الالتحام - يُعزر، ولا أرش عليه، وعليه قيمة الخيط إن تلف، وأجرُ مثل الخياطة.
وإن نزع بعدما التحم ظاهرًا وباطنًا، فانفتحت - عليه أرش جائفةٍ أخرى، ولا يجب
[ ٧ / ١٤٥ ]
أجرُ الخياطةِ؛ لأنه دخل في أرش الجائفة.
وإن كان قد التحم ظاهرها دون باطنها أو باطنها دون ظاهرها - فعليه الحكومة، ولا يجب أرش الخياطة، وتجب [عليه] قيمة الخيط، إن تلف بالنزع.
ولو أدخل خشبة في دبر إنسان، فخرق حاجزًا في الباطن - هل يلزمه أرش الجائفة، أم لا تجب إلا الحكومة؟ فيه وجهان؛ بناء على الوجهين فيمن خرق الحاجز بين الموضحتين في الباطن - هل يجعلُ كما لو خرق ظاهره، حتى لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؟ فيه وجهان:
فصلٌ
يجب في الأذنين كمال دية النفس؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعةً؛ فإنها تجمعُ الصوت، وتوصل إلى الدماغ، وفي أحداهما نصف الدية، وفي بعضها بقدرها من الدية.
وعند مالك -﵀ - يجب في الأذنين الحكومة.
ولو ضرب على أذنه، فاستحشفت، ويبست - ففيه قولان:
أصحهما: هو المذهب -: يجب عليه كمال الدية؛ كما لو ضرب يده فأشلها.
وفيه قولٌ آخر، وبه قال أبو حنيفة - ﵀ - تجب عليه حكومة؛ لأن الجمال والنفع باقٍ مع الاستحشاف، فلو جاء رجلٌ، وقطع المستحشفة - فعليه الحكومةُ على القول [الأول]، وهو الأصح.
وإن قلنا: على الأول الحكومة- فعلى الثاني الدية؛ لأنه أفات النفع والجمال.
ولو ضرب رأسه، فأذهب سمعه - يجب عليه كمال الدية؛ لأنها حاسة تختص بمنفعة تامة، ولاقود فيه لعدم افمكان، وفي سمع إحدى الأذنين نصف الدية.
وإن قال عدلان من أهل البصر: إنه يعود إلى مدة قدروها، تنتظر تلك المدة: فإن
[ ٧ / ١٤٦ ]
لم يعد- أخذت الدية، وإن لم يقدروا مدة - لا ينتظر، لأن الانتظار إلى مدة غير معلومة - يؤدي إلى إسقاط موجب الجناية.
وإن أخذت الدية، ثم عاد السمع - يجب رد الدية؛ لأنه بان أنه لم يفت السمع.
ولو قطع أذنه، وأذهب سمعه - عليه ديتان.
فإن ادعى المجني عليه ذهاب سمعه، وأنكر الجاني - يختبر بأن يُصاح به عند النوم والغفلة، وعند صوت الرعد: فإن انزعج - فالقول قول الجاني مع يمينه، وإنما حلفناه؛ لاحتمال أن يكون انزعاجه لسبب آخر، فإن لم ينزعج - فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
وإنما حلفناه؛ لاحتمال أنه يتماسك جلادةً، ولو ادعى ذهاب سمع إحدى أذنيه - تُحشى أذنه الصحيحة، وتختبر في العليلة؛ كما ذكرنا.
ولو انتقص سمعه - نُظر: عن انتقص من الأذنين جميعًا - فلا يمكن تقديره إلا أن يعلم أنه من قبل من أي موضع كان يسمع؛ فيعرف قدر ما انتقص: فإن لم يعرف ففيه حكومة؛ بقدر ما يؤدي اجتهاد الحاكم إليه، وإن قال الجاني: لم ينتقص سمعك - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه لا يُعرف لك إلا من جهته.
وإن انتقص سمع إحدى أذنيه- يمكن معرفته بأن تُحشى أذنه العليلة، وتطلق الصحيحة، ويتباعد [عنه رجلٌ] وينادي ويصيح: فإن سمع - تباعد إلى حيث لا يسمع وراءه، فيعلم عليه علامةً، ثم تحشى أذنه الصحيحة، وتطلق العليلة، ويقرب الصائح؛ فيصيح إلى حيث يسمع، ثم نذرع المسافة، فتوزع الدية عليها، فتوجب بقدر ما انتقص.
وإن اختلفا - فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
ولو ضرب رأسه، [فأزال عقله] عليه كمال الدية؛ لأن العقل أشرفُ ما ينتفعُ به الإنسان في بدنه، وبه يتميز عن البهائم، ولا قود؛ لأنه لا يمكن الاقتصاص منه.
ولو ذهب بعض عقله - نظر:
إن كان مما يمكن معرفته؛ بأن كان يُجن يومًا، ويفيق يومًا - عليه نصف الدية، وإن
[ ٧ / ١٤٧ ]
كان يُجن يومين، ويفيق يومًا - فثلثا الدية.
وإن لم تمكن معرفته بأن دخله نقصٌ، واختلط كلامه، قوبل صوابه بخطئه، ويوجب من الدية بقر ما يتكلم بكلام المجانين، ويعرف ذلك ما يعرف السكر من الإفاقة: فإن لم يُعرف- ففيه حكومة بقدر ما يؤدي اجتهاد الحاكم إليه.
وإن جنى عليه جنايةً، فذهب بها عقله- نُظر: إن لم يكن لتلك الجناية أرشٌ؛ بأن ضربه أو لطمه، فذهب عقله - فعيه دية العقل، وإن كان لها أرشٌ: إما مقدرٌ؛ مثلُ: إن قطع يده، فذهب عقله، أو أوضحه - أو غير مقدرٍ؛ مثل: جراحةٍ توجب حكومةً - فهل يدخل أرش تلك الجناية وحكومتها في دية العقل؟ - فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد -: لا يدخل، [بل] عليه أرش الجناية وديةُ العقل؛ لأنه أتلف عضوًا ذهب به منفعةٌ حالةٌ في غيره؛ فلا يتداخل أرشهما؛ كما لو أوضحه، فأذهب سمعه وبصره - لا يدخل أرش الموضحة في دية السمع والبصر.
وقال في القديم: إن كان أرش الجراحة أقل من الدية؛ بأن أوضحه، فذهب عقله - يدخل الأقل في الأكثر؛ لأن زوال العقل معنى يزيل التكليف؛ فجاز أن تدخل دية الطرف في ديته؛ كما لو جرحه، فخرج به روحه.
وإن كان أرش الجناية أكثر من دية العقل، أو استويا - فيجب كلاهما، ولا يتداخلان.
ولو ضربه، فأذهب نطقه وسمعه [وعقله]- عليه ثلاث دياتٍ؛ [و] رُوي عن أبي قلابةَ؛ أن رجلًا رمى رجلًا بحجرٍ، فأصاب رأسه، فذهب سمعه وعقله وكلامه ونكاحه؛ فقضى فيه عمر - ﵁ - بأربع ديات.
فصلٌ
عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ -:"في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون أهـ
[ ٧ / ١٤٨ ]
إذا فقأ عيني بصيرٍ - عليه كمالُ دية النفس، وفي أحداهما نصفها.
ولا تفرد الحدقة بالضمان وإن عظم شينها؛ لأن البصر يحلها، وقد أوجبنا [ضمان في البصر]؛ بخلاف السمع حيث قلنا: لا تدخل دية الأذن في دية السمع؛ [لأن السمع] لا يحل جرم الأذن، وفي كل واحد منفعةً تامةٌ.
ولو فقأ العين البصيرة من الأعور - لا تجب غلا نصف الدية.
وقال الزهري ومالك - رحمة الله عليهما - تجب كل الدية -قلنا: لما لم تجب من البصير فيهما إلا نصف الدية - فمن الأعور كذلك؛ كما لو قطع يد الأقطع - لا تجب إلا نصف الدية.
ولو ضرب على رأسه، فهب ضوء بصره - يجب تمام الدية، وفي ضوء إحدى العينين نصف الدية، وتجب في البصر الضعيف الدية؛ كما في اليد الضعيفة.
ولو قال عدلان من أهل الخبرة: إنه يُرجى عوده إلى مدة معلومة -تنتظر تلك المدة: فإن عاد - فلا قصاص ولا دية، وإن لم يعد - يقتص أو [تأخذ] الدية، وإن مات قبل مضى تلك المدة - فلا قصاص؛ لأن قول أهل الخبرة: إنه يعود - يورث شبهةً، والقصاص يسقط بالشبهة؛ وتجب الدية.
وقيل: في وجوب الدية وجهان؛ كما ذكرنا في السن إذا مات المجني عيه قبل [أوان] النبات.
[والمذهب الأول]
وكذلك [في] حكم السمع إذا قال أهل الخبرة: يعود، فمات قبل مضي تلك المدة، فلو اختلفا: فقال الجاني: مات بعد عود البصر، وقال الولي: بل قبله - فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العود، ووجوب الدية.
ومن قل الحدقة العمياء عليه الحكومة، فلو ادعى المجني عليه ذهاب بصره، وأنكر الجاني - يختبر؛ بأن يقرب من عينه حديدةٌ أو عقربٌ، فإن انزعج - فالقول قول الجاني مع
[ ٧ / ١٤٩ ]
يمينه، وإلا فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
وإن ادعى ذهاب ضوء إحدى عينيه - تُعصب الصحيحة، وتختبر في العليلة بما ذكرنا.
وإن انتقص ضوء بصره - نظر: فإن انتقص من العينين جميعًا، وعُرف مقداره؛ بأن كان يرى الشخص من مسافةٍ، فصار بحيث لا يراه إلا من نصف تلك المسافة - وجب بقدره من الدية، وإن لم يعرف قدر النقصان - ففيه حكومةٌ بقدر ما يؤدي اجتهاد الحاكم إليه.
وإن انتقص ضوء إحدى عينيه بحيث يمكن معرفته بأن تعصب عينه العليلة، وتطلق الصحيحة، ويتباعد منه رجلٌ، وهو يتبعه بصره إلى حيث لا يراه [وراءه]، فيعلم عليه علامةً، ثم تطلق عينه العليلة، وتعصب الصحيحة، ويقرب ذلك الرجل منه إلى حيث يراه، ثم تُذرع المسافة - فتوجب بقدر ما انتقص من دية إحدى العينين. فإن قال أهل الخبرة: [إن الرؤية] على البعد تحتاج فيها من الضوء إلى ضعف ما يحتاج إليه على القرب، وأمكن ضبط ذلك - يحمل عليه، وقل ما يعرف ذلك.
ولو أذهب ضوء بصره، وجاء آخر، فقلع حدقته، فاختلفا: فقال الأول: قلع الثاني الحدقة بعد عود البصر، وقال الثاني: بل قبله - فالقول قول الثاني مع يمينه.
فلو أن المجني عليه صدق الأول - برئت ذمة الأول عن الدية، ولا يقبل قوله على الثاني، والثاني يحلف، وعليه الحكومة.
وفي عين الأعمش والأخفش والأحول تمام الدية.
ولو ضربه، فشخصت عينه، أو جعله أحول أو أعمش ففيه الحكومة.
وإن صار أعشى، وهو: الذي لا يبصر بالليل - يجب عليه نصف الدية، ولو عشى إحدى عينيه - فربع الدية.
وإن كان في عين المجني عليه بياضٌ - نظر:
إن لم يكن على الناظر - ففيه القصاص أو كمال الدية؛ كالثآليل على اليد؛ سواءٌ كان
[ ٧ / ١٥٠ ]
على بياض العين أو على سوادها.
وإن كان على الناظر بحيث لا يرى إلا قليلًا - ففيه حكومة بقدر ما يرى الحاكم وفي أجفان العينين كمالُ الدية، وهي الجلود التي تنطبق على الحدقة؛ سواءٌ قطعها من بصير أو أعمى؛ لأن فيها منفعةً، وهي أنها تقي البصر من الحر والبرد والآفات، وفي جفني إحدى العينين نصف الدية وفي إحدى الجفنين ربع الدية؛ سواءٌ فيه الأعلى والأسفل، وفي الأهداب - إذا أتلفها - الحكومة.
وإذا قطع الجفن - هل تدخل حكومة الأهداب في دية الجفن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يدخل؛ كشعر الذراع تدخل حكومته في أرش الذراع، وكشعر موضع الموضحة يتبع أرشها.
والثاني: لا يدخل؛ لأن في الأهداب جمالًا ومنفعة خاصة، وهي أنها تبقي البصر.
ولو ضرب على جفنه، فاستحشفت - فعليه الدية، ومن قطع المستحشفة - فعليه الحكومة.
فصلٌ
عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي تكبه رسول الله - ﷺ -: "وفي الأنف - إذا أوعى جذعًا - مائةً من الإبل".
إذا قطع مارن أنفِ إنسانٍ - تجب فيه كمال الدية؛ للحديث، ولأنه عضو فيه جمالٌ ومنفعةٌ كاملةٌ؛ لأنه يجمع الشم، ويمنع الغبار من الدماغ؛ وسواءٌ فيه أنف الشم والأخشم؛ لأن نقص الشم لي سفي جِرْمِ الأنف.
ولو قطع الحاجز بين المنخرين - ففيه الحكومة، ولو قطع المنخرين مع الحاجز - فحكومة الحاجز تدخل في الدية.
ولو قطع إحدى المنخرين - ففيه نصف الدية؛ على الصحيح من المذهب، وفيه وجه آخر: أن عليه ثلث الدية؛ لأن الدية توزع على المنخرين والحاجز.
ولو قطع إحدى المنخرين مع الحاجز - فعليه نصف الدية، وحكومةٌ للحاجز؛ على الصحيح من المذهب، وعلى الوجه الثاني: عليه ثلثا الدية.
[ ٧ / ١٥١ ]
ولو ضرب أنفه، فاستحشفت- ففيه قولان؛ ما ذكرنا في الأذنين:
أصحهما: يجب عليه كمال الدية.
والثاني: تجب [عليه] الحكومةُ؛ لأن الجمال والمنفعة باقٍ.
ولو قطع رجلٌ المستحشفة - فعليه الحكومة على القول الأول، وهو الأصح، وعلى الثاني: عليه الدية؛ لأنه أفات الجمال والمنفعة.
ولو ضرب أنفه، فاعوجت - عليه الحكومة.
ولو ضرب رأسه، فأذهب شمه - عليه كمال الدية، ولو أذهب شم أحد أنفيه - فنصف الدية، وإن انتقص شمه - ففيه حكومة بقدر ما يؤدي [إليه] اجتهاد الحاكم.
ولو أنكر الجاني نقصان شمه - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لوجود الجناية.
ولو قطع أنفه، وأذهب شمه - فعليه ديتان، ولو أنكر الجاني ذهب شمه - يختبر؛ بأن يقرب من أنفه الروائح الطيبة والمنتنة: فإن اهتش من الطيب، وتعبس من المنتن- فالقول قول الجاني مع يمينه، [وألا- فالقول قول المجني عليه مع يمينه].
ولو أذهب ذوقه، فلا يجد طعم الأشياء- ففيه مال الدية، كما في الشم، والذوق في خمسة أشياء: الحلاوة والحموضة، والمرارة، والملوحة، والعذوبة؛ فإن أذهب واحدًا منها - ففيه خمس الدية وإن انتقص بأن كان يحس هذه المذاقات، ولكنه لا يدركها على كمالها - ففيه الحكومة.
ولو قال الجاني: لم يذهب ذوقك - يختبر؛ بأن تصب في فمه الأشياء المرة، فن قطب وجهه - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ وإلا - فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
ولو عاد شمه، وذوقه - بعد أخذ الدية - يجب ردها؛ كما لو عاد سمعه وبصره.
ولو وضع المجني عليه يده على أنفه عند رائحةً، فقال الجاني: أخذت أنفك عن الرائحة؛ فقد عاد شمك، وأنكر المجني عليه - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه قد يقع
[ ٧ / ١٥٢ ]
ذلك اتفاقًا أو استمخاطًا ونحوه.
فصلٌ
عن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ -: "وفي الشفتين الدية".
إذا قطع شفتي إنسان - يجب فيهما كمال دية النفس، إذا استوعبنا، وهي: ما تجافي من جلدة الذقن والخد مما يستر اللثة، [و] في أحداهما نصف الدية؛ سواءٌ قطع العليا أو السفلى، وفي بعضها بقدره من الدية.
ولو ضرب شفته فأشلها بأن استرسلت، فلا تنقبض، أو انقبضت؛ فلا تسترسل - فعليه كمال الدية.
ومن قطع الشلاء - فعليه الحكومة.
ولو قطع شفة مشقوقة - فلا قود إلا أن يكون للقاطع مثلها، وفيها ديةٌ ناقصةٌ بقدر الشق، ومن شق شفته أو أنفه -[فعليه] الحكومة.
وفي اللسان مال دية النفس؛ لأنه فيه منفعة تامة، وهي النطق، وبه يتميز عن البهائم.
ولو ضرب لسانه، فذهب كلامه- يجب كمال الدية.
ولو قطع آخر لسانه بعد ذهاب الكلام - فعليه الحكومة، وفي لسا، الأخرس الحكومة؛ إذا كان ذلك لنقص بلسانه.
فإن كان لسانه صحيحا غير أنه ولد أصم لم يسمع الكلام؛ فلا يتكلم لذلك- ففيه وجهان:
أحدهما: تجب فيه الحكومة؛ لأن منفعة اللسان بالكلام، وهو لا يتكلم؛ كما لو قطع يدًا شلاء.
والثاني: يجب كمال الدية؛ لأنه [لا] نقص بلسانه؛ كما لو قطع لسان صبي لم يبلغ الكلام.
ولو ضرب لسانه، فأذهب بعض حروفه - فعليه بقدره من الدية، وتُوزع على حروف
[ ٧ / ١٥٣ ]
المعجم، وتقسم على حروف كلامه؛ فإن حروف اللغات مختلفة الأعداد، فكمن يتكلم بلغة توزع ديته على حروف لغته.
فإن كان يتكلم بالعربية فحروف لغتهم ثمانية وعشرون حرفًا، فإن أذهب نصفها - عليه نصف الدية، وإن أذهب حرفًا منها - عليه جزءٌ من ثمانية وعشرين جزءًا من الدية؛ سواءٌ كان ذلك الحرف مما يثقل على اللسان أو يخف عليه؛ كالباء والفاء والميم.
وقال الإصطخري: توزع على الحروف اللسانية، وهي خمسة عشر حرفًا، وفي تفويتها كمال الدية، وليس بصحيح؛ لأن الحروف - وإن انقسمت إلى لسانية، وشفوية، وحلقية - فالمعول في كلها على اللسان، والانتفاع بها يكون باللسان؛ فن مقطوع اللسان لا يكون له نطقٌ.
ولو جعله يُبدلُ حرفًا بحرف فعليه دية حرفٍ، ولو أذهب بعض حروفه، ولكن لا يُفهم كلامه بما بقي منها - فعليه كمال الدية.
وإن كان الرجل ألثغ أو أرت؛ لا يتكلم إلا بعشرين [حرفًا] وكلامه مفهوم - ففي لسانه القود أو كمال الدية لأن جرم اللسان صحيحٌ؛ كاليد الضعيفة.
وإذا ذهب بعض حروفه - توزع ديته على عشرين حرفًا؛ ففي عشر منها نصف الدية.
ولو قطع بعض لسانه، وذهب بعض حروفه - نظر:
إن استوى ما قطع من لسانه وما فات من الحروف؛ مثل: إن قطع نصف لسانه [وذهب بعض حروفه - فعليه نصف الدية، وإن اختلفا - فالاعتبار بالأكثر؛ مثل: ن قطع نصف لسانه]. وذهب ربع حروفه، أو قطع ربع لسانه، وذهب نصف حروفه- فعليه نصف الدية؛ لأن جرم اللسان الصحيح مضمون الدية، ومنفعته أيضًا مضمونة.
وقال أبو إسحاق المروزي: الحكم هكذا، ولكن ليس ذلك باعتبار الأكثر، بل الاعتبار بجرم اللسان؛ فهو إذا قطع ربع اللسان، وأذهب نصف الحروف فعليه نصف الدية؛ لأنه قطع ربع اللسان، وفوت منفعة الربع بالإشلال.
[ ٧ / ١٥٤ ]
وفائدة هذا الخلاف تتبين في حق من قطع بقية اللسان -[صح]؛ مثل: ن قطع ربع لسانه، وأذهب نصف حروفه، ثم جاء آخر، وقطع الباقي - فعلى الوجه الأول - وهو الأصح-: يجب على الثاني ثلاثة أرباع الدية، وعلى قول أبي إسحاق: يجب على الثاني نصف الدية، وحكومةٌ؛ لأن بعض ما قطعه كان أشل بفوات حروفه، وعلى عكسه: لو قطع رجلٌ نصف لسانه، وأذهب ربع حروفه، ثم جاء آخر، وقطع الباقي - فعلى الوجه الأول: على الثاني ثلاثة أرباع الدية؛ لإفاتته ثلاثة أرباع الحروف، وعلى قول أبي إسحاق: عليه نصف الدية؛ كما على الأول.
قال الشيخ ﵀: ولو أن رجلًا قُطع نصف لسانه، وذهب ربع كلامه، ومن آخر [قطع] نصف لسانه، وذهب نصف كلامه، فقطع الأول باقي لسان الآخر - لا قصاص عليه؛ لأن المجني عليه ناقصٌ في حق الجاني.
ولو قطع نصف لسانه، وأذهب حروفه، فاقتص من نصف لسانه، ولم يذهب من حروفه إلا الربع- أخذ المجني عليه مع القاص ربع الدية؛ لتمام حقه، ون ذهب بالقصاص ثلاثة أرابع حروف الجاني -[لم] يجب ضمان الزيادة؛ لأن فواتها بسبب قود مستحق؛ كسراية القصاص - لا تكون مضمونة.
وإن كان الرجل لا يتكلم بحرفٍ من الحروف، فجنى رجلٌ على لسانه، فانطلق لسانه على ذلك الحرف، وفات حرفٌ آخر - تجب عليه دية حرفٍ، ولا يجبر بما انطلق عليه اللسان.
ولو جنى على لسانه، فجعله ثقيل الكلام، أو عجولًا، أو تمتامًا، أو فأفاء فعليه الحكومة، ولا دية؛ لأن المنفعة باقية.
ولو كان للسانه طرفان، فقطع رجلٌ أحد طرفيه - نظر:
إن كان على سمت اللسان، واستويا في الخلقة - فعليه بقدر ما قطع من الدية، وإن لم يذهب [شيء] من الحروف، وإن قطع الكل فعليه كمال الدية، فهما كاللسان المشقوق.
وإن كان أحدهما تام الخلقة، والآخر ناقص - فالتام هو الأصل؛ ففيه كمال الدية وفي الناقص الحكومة، ولا تبلغ تل الحكومة دية قدره من اللسان؛ مثل أن يكون ذلك القدر سدس
[ ٧ / ١٥٥ ]
اللسان - لا يبلغ بحكومته سدس الدية، وإن قطعهما - فعليه ديةٌ وحكومةٌ.
وإن فات بقطع بعض أحدهما بعض حروفه - نُظر:
إن قطع من الأصلية - فعليه الأكثر من دية اللسان أو الحروف وإن قطع من غير الأصلية - فعليه دية ما فات من الحروف، وحكومة لجرم اللسان.
وفي لسان الرضيع الذي يُحرك ببكاء أو غيره - كمال الدية، فن كان لا يحركه - ففيه الحكومة.
وإن بلغ أوان الكلام، ولم يتكلم - ففيه الحكومة، وإن كان يحركه: فلو قطع بعض لسانه، وأخذنا منه حكومته، ثم تكلم ببعض الحروف؛ فتبين أنه لو لم يقطع لسانه - لكان ناطقًا - تكمل تلك الحكومة دية ما فات من الحروف أو جرم اللسان، أيهما كان أكثر.
ولو جنى على لسانه، فذهب نطقه، ثم عاد - سقطت الدية؛ كالبصر والسمع يعود.
وإن قطع لسانه، وأذهب ذوقه - عليه ديتان.
فصلٌ
عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ -: "في السن خمسٌ من الإبل".
إذا قلع سنًا من أسنانه - يجب عليه خمسٌ من الإبل، تستوي فيه جميعُ الأسنان؛ لما رُوي عن ابن عباس قال: جعل رسول الله - ﷺ - أصابع اليد والرجل سواء، وقال: الأسنان سواء، الثنية والضرس سواءٌ، والأصابع سواءٌ، هذه وهذه سواءٌ.
[ ٧ / ١٥٦ ]
ولو كسرها ظهر منها فوق اللثة - يجب فيه تمام دية سن.
ثم من قلع السنخ - فعليه الحكومة، ومن قلع سنًا [مع سنخها - تدخل حكومة النسخ في دية السن؛ كما أن حكومة الكف تدخل في دية الأصابع.
ولو كسر ما ظهر من سنه، ثم عاد هو، فقلع السنخ - نُظر:
إن قلع السنخ بعد الاندمال - عليه دية للسن، وحكومةٌ للسنخ.
وإن قلع السنخ قبل الاندمال - ذكر شيخي - ﵀ - فيه وجهين؛ وكذلك لو قطع أصابع يده، ثم عاد قبل الاندمال، فقطع كفه.
أحدهما: تدخل حكومة السنخ في دية السن، وحكومةُ الكف في دية الأصابع؛ كما لو أوضح رأسه موضحتين، ثم قبل الاندمال: رفع الحاجز بينهما - لا يجب إلا ارش موضحةٍ واحدةٍ.
والثاني: لا تدخل بخلاف الموضحة؛ لأن - ثم - اسم الموضحة تقع على الكل، وههنا: ينفرد السنخ والكف باسم آخر، فإذا انفرد بالجناية - انفرد بالضمان.
ولو كسر نصف ما ظهر من السن - عليه نصف دية سنٍّ، فلو جاء آخر، وقلع الباقي مع السنخ - فعلى الثاني نصف دية سن، هل تدخل فيه حكومة السنخ؟ - نظر:
إن كسر الأول نصف ما هر منها عرضًا - لا تجب على الثاني حومة السنخ؛ كما لو قطع أنامل إنسانٍ، ثم جاء آخر، وقطع يده من الكوع - تدخل حكومة الكف في دية الأصابع الناقصة الأنامل.
وإن كسر الأول نصف السن طولًا - يجب على الثاني نصف حكومة السنخ، وهو ما تحت المكسور؛ لأنه ليس فوق ذلك النصف سن تدخل فيها حكومته؛ كما لو قطع كفًا عليها ثلاث أصابع - تجب عليه حكومة خمسي الكف اللتين لا أصبع فوقها.
ولو كسر بعض ما ظهر، واختلفا، فقال الجاني: كسرت ثلثها، وقال المجني عليه: بل نصفها - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
[ ٧ / ١٥٧ ]
ولو ظهر بعض سنخه بسقوط لحم اللثة - فلا يعطى له حكم الظاهر؛ حتى لو كسر ما كان منها في الأصل ظاهرًا - يجب فيه كمال دية السن.
ولو تناثر بعض ما ظاهر من سنه، فقلع رجلٌ الباقي - لا قود [عليه، ويقدر] ما بقي من الدية، فلو اختلفا في قدر ما يتناثر - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل بقاءُ سنه.
ولو قلع سنًا فيها شق، ولم يذهب شيءٌ من أجزائها - ففيه كمالُ ديتها.
وإن كانت أسنانه متفاوتة، بعضها اقصر وبعضها أطول: فإن كانت السفلى أقصر من العليان أو كانت الثنايا أطول من الرباعيات أو كانت الرباعيات أطول - فليس ذلك ينقص - ففي كل واحدةٍ ديةُ سن تامةٍ.
وإن كانت إحدى ثنيتيه أقصر من الأخرى، فقطع القصيرة - يُنقص من ديتها بقدر نقصانها؛ لأنهما لا يختلفان في العادة، فإذا اختلفا - كانت القصيرة ناقصة.
وإن كانت له سن أطول من سائر الأسنان، حتى خرجت من الفم - فلا يجب فيها غلا دية سن؛ كالإصبع إذا كانت طويلة، ولم تزد أناملها.
ولو قلع سنًا متحركة - نظر:
إن كانت حركة يسيرة؛ لم ينتقص شيءٌ من منافعها - ففيه القود، أو دية سن تامة.
وإن كانت متزلزلة - نُظر.
إن ذهبت منفعتها - ففيها الحكومةُ.
[وإن كانت منافعها باقية مع النقصان ففيه قولان:
أحدهما: فيها الحكومة]، لنقصان منفعتها.
والثاني: يجب تمام ديتها؛ لأن منافعها باقيةٌ: من المضغن وحفظ الطعام، ورد الريق، وإن كانت ضعيفة؛ كاليد الضعيفة.
[ ٧ / ١٥٨ ]
ولو ضرب سنةُ، فتزلزلت - نظر:
إن أفات منفعتها - فعيه ديةُ سن، وعلى من قلعها الحكومة، وإن لم تفت منفعتها - فعلى القولين:
أحدهما: عليه الحومة، وعلى من قلعها الدية.
والثاني: عليه الدية، وعلى من قلعها الحكومة.
ولو ثبتت بعد التزلزل - فلا دية، ولا حكومة.
وإن ضرب سنه، فاسودت أو اخضرت - نظر:
إن ذهبت منفعتها - فعليه الدية، وعلى من قلعها الحكومة.
وإن لم تذهب منفعتها. فعليه الحكومةُ، وعلى من قلعها الدية.
ولو سقطت سن رجلٍ، فاتخذ سنًا من عظم ظاهر أو من ذهب أو [من] حديدٍ، فقلعها رجلٌ - نُظر:
إن قلع قبل الالتحام - عُزر، ولا ضمان عليه.
وإن قلع بعد الالتحام: على القول في إيجاب الحكومة، وخرج منه: أنا لجراحة إذا اندملت، ولم يبق أثرٌ - هل تجب الحومة؟ فيه وجهان:
ولو قلع جميع أسنان إنسانٍ - نظر:
إن قلع كل واحدةٍ بعد اندمال الأخرى، أو قلع عشرين منها، ثم بعد الاندمال - قلع الباقي-: تجب عليه مائةٌ وستون من الإبل؛ في كل سن خمسٌ.
وإن قلع الكل دفعةً واحدةً، اواحدةً واحدةً؛ قبل الاندمال - فالصحيح من المذهب: أن في كل سن خمسًا من الإبل.
وإن زادت على دية النفس؛ كالموضحات إذا ثرت - تجب في كل واحدةٍ خمسٌ من الإبل، وإن زادت على ديات.
وفيه وجهٌ آخر: أنه لا يجب في الأسنان كلها- إذا قلعها دفعة واحدة -[إلا دية واحدة] لأن كل متعدد في البدن تتوزع الدية على أعدادها فلا يجب في [جملتها إلا ديةٌ]
[ ٧ / ١٥٩ ]
[واحدةٌ]؛ كأصابع اليد، وأصابع الرجل، فأما إذا قلع رجلٌ عشرين، ثم جاء آخر، وقلع الباقي؛ سواءٌ كان قبل الاندمال أو بعده- فيجب على الأول دية النفس، وعلى الثاني: ستون من الإبل؛ لا يختلف القول فيه.
ولو قلع لحي إنسانٍ - ففيهما القود أو كمال دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية، واللحيان هما العظمان المتقابلان، عليهما نباتُ الأسنان السفلى، وملتقاهما [الذقن]، والأسنان العليا تكونُ في عظم الرأس، ولو قلع اللحيين، [وعليهما الأسنان] تجب من اللحيين دية النفس، وفي كل سن عليها خمسٌ من الإبل، جملتها مائةٌ وثمانون، ولا تدخل دية الأسنان في دية اللحيين؛ لأن الديات المقدرة في الأطراف - لا يدخل بعضها في بعض؛ بخلاف حكومة الكف تدخل في دية الأصابع؛ لأن الحكومة غير مقدرةٍ، ولأن اللحي تخلو عن السن، والأصابع [لا] تخلو عن الكف.
ولو ضرب لحييه، فأذهب [منفعة المضغ، أو كسر عنقه، فأذهب] منفعة الأكل - تجب الدية؛ كما لو ضرب يده، فأهب منفعة بطشه؛ فهو كإشلال العضو.
فصلٌ
عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ -: "في النفس مائة من الإبل، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشرٌ من الإبل" أهـ.
إذا قطع يدي إنسان ٍ- يجب عليه كمالُ الدية، وفي غحداهما نصفها، وكذلك: في الرجلين كمال الدية، وفي إحداهما نصفها.
ولو التقط أصابع يده، أو أصابع رجله - فعليه كمال الدية في كلإصبع عشرٌ من الإبل.
[ ٧ / ١٦٠ ]
ولو قطع الكف مع الأصابع، أو قطع القدم مع أصابع الرجل - فحكومة الكف والقدم تدخل في دية الأصابع.
ولو قطع يده من المرفق، أو رجله من الركبة - فعليه نصفُ الدية، وحكومة الساعد والساق، ولاتدخل حكومة الساعد والساق في دية الأصابع؛ بخلاف الكف والقدم؛ لأنهما منبت الأصابع، والأصابع دون الكف لا تسمى يدًا، ومع الكف دون الساعد تسمى يدًا.
ولو قطع أصابعه، ثم جاء آخر، وقطع كفه - فعلى الأول ديةُ اليد، وعلى الثاني الحكومةُ.
ولو ضرب يده أو رجله، فشلت - ففيها كمالُ الدية.
ولو قطع إصبعًا من أصابعه -يجب عليه عشرٌ من الإبل يستوي فيه جميع الأصابع؛ سواءٌ قطعها من اليد أو من الرجل، وفي كل أنملةٍ ثلث دية الإصبع: ثلاثة أبعرةٍ، وثلث تستوي فيه جميع الأصابع؛ ولأن لكل إصبع ثلاث أنامل إلا الإبهام؛ فإن لها أنملتين؛ ففي كل واحدة نصف دية إصبعٍ.
وقال مالك وأبو حنيفة - رحمهما الله-: في أنملة الإبهام ثلث دية إصبعٍ؛ لأن لها ثلاث أنامل غير أن واحدة منها مستترةٌ.
وليس كذلك؛ لأن ما دون الحز منبت [الأصابع] فلا يتقدر بدله.
ولو ضرب [إصبعه]، فشلتْ - ففيه ديتها.
فصلٌ
عن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ-:"وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية".
ويجب في الذكر كمال الدية، يستوي فيه ذكر الشاب والشيخ [والعنين] والطفل والغليظ والدقيق، والقصير والطويل، معوج الرأس ومستويه.
[ ٧ / ١٦١ ]
وكمال الدية تجب بقطع الحشفة، وفي الباقي الحكومة.
وإذا قطع الكل - تدخل حكومة الأصل في دية الحشفة.
ولو ضرب ذكره فأشله - ففيه كمال الدية.
ولو جعله بحيث لا يمكنه الجماع، وهو حي [ينقبض وينبسط]-ففيه الحكومة، وعلى من قطعه القصاص أو كمال الدية؛ كما في ذكر العنين وفي الأنثيين كمال الدية، وفي أحداهما نصفها؛ سواءٌ فيه اليمنى واليسرى.
ولو قطع أنثييه، فذهب ماؤه - فعليه ديتان.
وفي الأليتين كمال الدية، وفي أحداهما نصفها، وفي بعضها بقدره من الدية.
والإيصال إلى العظم ليس بشرط، [بل ما دفع] المشرف.
ولو قطع أليته، ثم بدت، واستوى - لا تسقط الدية على ظاهر المذهب؛ كالموضحة إذا اتصلت.
ولو كسر صلبه، فأفات مشيه- فعيه ديةٌ كاملةٌ للصلب، ولا يجب لفوات المشي شيءٌ؛ لأن فواته لكسر الصلب، والرجل سليمةٌ؛ فلا تؤخذ الدية في الحال؛ حتى تندمل، فإن انجبر، وعاد مشيه - فلا دية، بل عليه حكومةٌ لما بقي من أثره.
ولو كسر صلبه، فأفات مشيه، وشلت رجله مع ذلك - عليه ديتان.
ولو انتقص مشيه، ولم يفت بأن كان لا يمكنه أن يمشي إلا بعصا، أو محدودِبًا، أو على ضعف - ففيه الحكومة.
ولو ضرب صُلبه، فلم يفت مشيه، وذهب ماؤه - فعليه الدية.
ولو ادعى المجني عليه ذهاب جماعة، وأنكر الجاني - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه لا يعرف إلا بقوله كالمرأة؛ إذا قالت: حِضتُ.
ولو كسر صلبه، فذهب ماؤه ومشيه - ففيه وجهان:
[ ٧ / ١٦٢ ]
أصحهما: عليه ديتان؛ لأنه يجب لكل واحدٍ منهما ديةٌ على الانفراد؛ فصار كما لو كسر صلبه، ففات مشيه وشل ذكره - عليه ديتان، وكما لو قطع أذنه، وذهب سمعه.
والثاني: لا يجب إلا ديةٌ واحدةٌ؛ لأن الماء محله الصلب، وقد أوجبنا دية الصلب؛ كما لو قلع حدقته، فذهب بصره - لا يجب إلا ديةٌ واحدةٌ.
فصلٌ
دية المرأة على النصف من دية- الرجل: في النفس والأطراف جمعًا، ففي نفسها خمسون من الإبل، وفي إحدى يديها خمسٌ وعشرون، وفي إصبعها خمسٌ من الإبل، وفي سنها أو وضحتها بعيران ونصفٌ.
هذا قول عثمان وعليٍّ - ﵄ - وأكثر أهل العلم.
وقال في "القديم": المرأة تعادل الرجل إلى ثلث ديتها، وهي دية الجائفة؛ يروي ذلك عن عمر وهو قول سعيد بن المسيب ومالك وأحمد - ﵃ - وعلى ما قالوه: تجب في ثلاث أصابع منها ثلاثون من الإبل، وفي أربع أصابع عشرون، وفي حلمتي المرأة كمال ديتها، وفي أحداهما نصفها؛ لأن فيها جمالًا ومنفعةً، وهي منفعةُ الإرضاع.
ولو قطع الحلمة مع الثدي - فلا تجب إلا ديةٌ واحدةٌ، [و] تدخل حكومة الثدي في دية الحلمة؛ كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع.
ولو قطع رجلٌ حلمتها، ورجلٌ آخر ثديها - فعلى الأول: الدية، وعلى الثاني: الحكومة.
ولو قطع ثديها مع جلدة الصدر - فعليه ديةٌ للثدي، وحكومةٌ لجلدة الصدر، فإن وصل القطع على الباطن - فعليه دية الثدي، وثلث الدية للجائفة.
ولو ضرب ثديها، فشلت - عليه الدية، فإن كانت ناهدة، فاسترسلت - ففيه الحكومةُ.
ولو جنى على ثديها، وبها لبن، فانقطع اللبنُ - تجب الحكومة، وإن لم يكن لها لبن، فولدت بعده، ولم ينزل اللبن - سئل أهل البصر:
[ ٧ / ١٦٣ ]
فإن قالوا: انقطع اللبن بالجناية - فتجب الحكومةُ، وإن قالوا: قد ينقطع من غير جنايةٍ - فلا تجب بالشك، ما لم يقطعوا أنه من الجناية.
وفي حلمتي الرجل قولان:
أحدهما: تجب فيهما ديته؛ لأن ما يضمن من المرأة بالدية - يُضمن من الرجل بالدية؛ كاليد والرجل.
والثاني: - وهو الأصح-: تجب فيها الحكومة؛ لأن فيهما مجرد جمالٍ بلا منفعة، وفي ثدي المرأة جمال ومنفعة، وهي منفعة الإرضاع؛ فضمنت بالدية.
فلو قطع حلمته من الثندوة.
إن قلنا: تجب في الحلمة الدية - فحكومة الثندوية تدخل فيها.
وإن قلنا: تجب في الحلمة الحكومة - فعليه حكومتان.
ولو قطعت امراةٌ حلمة امرأة عمدًا - يقتص منها.
وإن قطعت ثديها - فلا قصاص في الثدي؛ لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه، ولها قطع الحلمة، وأخذ حكومة الثدي.
وتقطع حلمة الرجل بحلمة الرجل؛ سواء قلنا: فيها دية أو حكومة.
وإن قلنا: في حلمة الرجل الدية - تقطع حلمة الرجل بحلمة المرأة، وحلمة المرأة بحلمة الرجل.
وإن قلنا: لا دية في حلمة الرجل - فلا تقطع حلمة المرأة بحلمة الرجل، وإن رضيت به؛ كما لا تقطع [اليد] الصحيحة بالشلاء، وتقطع حلمة الرجل بحلمة المرأة، إذا رضيت؛ كما تقطع الشلاء بالصحيحة.
وفي شُفري المرأة كمالُ ديتها، وهو أن يرفع اللحم المشرف المحيط بالفرج؛ لأن فيهما، جمالًا ومنفعة؛ فإن الالتذاذ بالجماع يكون بهما وفي أحدهما نصف الدية ولا يشترط الإيصال إلى العظم، ويثبت القود، وإن كانت القاطعة امرأة؛ تستوي فيه السمينة والهزيلة، والبكر والثيب، [والرتقاء والقرناء].
[ ٧ / ١٦٤ ]
ولو جنى على شُفريها، فشلتا - يجب [كمال] الدية.
ولو أفضى امرأة - يجب مال ديتها، والإفضاء: هو أن يرفع الحاجز بين مدخل الذكر ومخرج البول، وقيل: هو أن يرفع الحاجز بين القبل والدبر، وليس بشيء؛ لأنه لا يمكن ذلك إلا بحديدةٍ؛ وسواء أفضاها بآلة الجماع، أو بإصبع، وخشبةٍ؛ سواء كانت امرأته أو أجنبية وطئها بشبهةٍ أو زنًا؛ مكرهةً كانت أو طائعةً؛ لأنها إذا طاوعت - فقد رضيت بالوطء لا بالإفضاء؛ كما لو تحامل عليها في الوطء، وكسر رجلها - يجب [عليه] ضمان الرجل.
ولو أفضاها، فصارت بحيث لايستمسك البول - تجب حكومةٌ مع الدية.
وحكم المهر لا يتغير بالإفضاء؛ إذا كان إفضاؤها بآلة الوطء؛ ففي الزوجة يتقدر المهر، وفي الأجنبية يجب المهر مع الدية؛ إن كانت بشبهة أو كانت مكرهةً.
وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه-: لاتجب الدية في الزوجة؛ لأن الوطء مستحق له؛ كما لو أزال بكارتها، فتورمت وماتت.
وفي الأجنبية قالوا: إن كانت تستمسك البول - يجب ثلث الدية مع المهر، وإن كان لا يستمسك - لا يجب المهر، ويجب تمام الدية.
فيقول: إفضاء مضمون، فيوجب مال. [الدية؛ كما إذا كان لا يستمسك البول، ولو أفضاها، فالتأم الجُرح - تسقط] الدية، وعليه حكومةٌ، إن بقى أثر؛ بخلاف الجائفة إذا التأمت - لم يسقط أرشها، لأن أرش الجائفة يجب باسمها؛ كأرش الموضحة؛ فلا يسقط بالالتئام.
ودية الإفضاء تجبُ بإزالة الحاجز، وقد عاد الحاجز؛ كدية العين تجب بإزالة البصر، فإذا عاد - يسقط.
ولو أزال بكارة امرأة - نظر:
إن كانت زوجته - لا شيء عليه؛ سواءٌ أزالها بآلة الجماع، أو بإصبع، أو خشبة؛ لأن الافتضاض مستحق للزوج.
[ ٧ / ١٦٥ ]
وإن كانت أجنبيةً - نظر:
إن أزال بإصبع أو خشبة فعليه أرش الافتضاض، وإن كان الفاعل امراة بكرًا - يقتص منها، ويكون ذلك من الإبل باعتبار السوق؟ فيه وجهان:
أصحهما: بالإبل؛ كسائر الحكومات.
والثاني: باعتبار السوق؛ كالمهر.
وإن أزال بآلة الجماع- فيجب المهر، وهل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يفرد؛ فعليه مهر مثل ثيبٍ، وأرش الافتضاض؛ لأن موجب كل واحدٍ مختلفٌ؛ فإن الأرش يجب بالجرح، والمهر بإتلاف المنفعة.
والثاني: لا يُفرد؛ بل عليه مهر مثل بكر.
وإن كانت طائعة - فلا أرش لها؛ كما لا مهر لها.
ولو وطيء أجنبية، [وأزال بكارتها، وأفضاها - فعيه المهر، ودية الإفضاء، أما أرش البكارة - فهل يجب معها؟ فيه وجهان:
كذلك: لو أزال بكارتها بخشبة، وأفضاها، هل يدخل [أرش البكارة في دية الإفضاء؟ وجهان:
أحدهما: لا يدخل [كما لا يدخل]] فيها المهر، إذا كان ذلك بالوطء.
والثاني:- وهو الأصح-: يدخل أرش البكارة في دية الإفضاء، لأن وجوبه بإتلاف جزء؛ فجاز أن يدخل في بدل الإتلاف؛ بخلاف المهر حيث لم يدخل في [دية الإفضاء] لأن وجوب المهر بالاستمتاع؛ فلا يدخل في أرش الإتلاف؛ كما لو تحامل على الموطوءة؛ فكسر رجلها - لا يدخل المهر في دية الرجل.
فصلٌ في الحكومات
يجب - في العين القائمة، واليد الشلاء، [والرجل الشلاء]، والأذن المستحشفة
[ ٧ / ١٦٦ ]
واللسان الأخرس، والذكر الأشل - الحكومة؛ لأنه لا منفعة في هذه الأعضاء؛ إنما فيها جمالٌ فحسبُ.
ومعنى الحكومة: أن يقال لو كان المجني عليه عبدًا بصفته، كم كانت قيمته وكم كان ينتقص من قيمته بتلك الجناية؟ فيجب من دية النفس بتلك النسبة؛ مثل: إن كانت قيمته مائة، وينتقص من قيمته بتلك الجناية عشرةٌ؛ فيجب على الجاني عشر دية النفس.
ولو حلق شعر رأسه، أو شفته أو لحيته أو حاجبه أو أهداب عينه، أو شعر جسده- نظر:
إن أفسد منابتها - فعليه الحكومة.
وإن لم يُفسد منابتها - نظر:
إن بقي أثرٌ أو نبت أنقص - فعليه الحكومةُ، وإن نبت، ولم يبق أثر - فلا شيء عليه إلا التعزير.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: أربعةٌ من الشهور يجب فيها تمام الدية؛ إذا أفسد منابتها: شعر الرأس، واللحية، وأهداب العينين، والحاجبين.
قلنا: ما لا منفعة فيه فلا تجب فيه الدية؛ كشعر البدن، يؤكده: أنه لو قطع أجفانه، وعليها الأهداب -[لا تجب] إلا ديةٌ واحدةٌ بالاتفاق.
ولو ضمن الأهداب بالدية - لم تدخل ديته في دية الأجفان.
ولو قطع إصبعًا زائدة، أو سنًا شاغية، أو نتف لحية امرأة، وبقي له أثر - ففيها الحكومة، فلو اندمل، ولم يبق له أثرٌ، أو زاد جمالًا - ففيه وجهان:
قال ابن سريج: لا يجب فيه ضمانٌ؛ لأن وجوب الضمان بسبب النقص أو الشين، ولا نقص ههنا، ولا شين؛ كما لو لطم وجهه، أو ضربه سوطًا، ولم يؤثر - فلا ضمان عليه.
وقال أبو إسحاق - ﵀ - وهو الأصح-: تجب الحكومة؛ لأنه جزءٌ من جملةٍ مضمونة؛ فيكون مضمونًا؛ كما لو بقي له شينٌ؛ فعلى هذا: يقوم قبل الجناية، ويقوم أقرب أحواله إلى الاندمال؛ فيجب ما بينهما؛ لأنه لما سقط اعتبارُ قيمته بعد الاندمال؛ لعدم النقص - تعتبر أقرب الأحوال إليه.
[ ٧ / ١٦٧ ]
فإن لم ينتقص قبل الاندمال - يقوم، والدم جارٍ.
وفي لحية المرأة تقوم رجلًا في سنها له لحيةٌ، ثم يقوم وقد ذهبت لحيته؛ يجب ما بينهما من ديتها.
ولو لطم رجلًا، أو ضربه؛ فلم يظهر له أثر - لا ضمان عليه.
وإن اسود أو اخضر، وبقي له أثرٌ بعد الاندمال - ففيه الحومةُ.
وإن زال الأثر - فلا ضمان فيه؛ كما لو جنى على عينه، فابيضت، ثم زال البياض - لا ضمان عليه.
وإن كان قد أخذ - فعليه رده.
وجُملته: أنكل جناية بقي لها أثرٌ بعد الاندمال [من ضعف] وشين - ففيه الحكومة، وما لم يبق لها أثرٌ - نظر: إن لم يكن أصل الجناية جراحًا أو شجًا، وإنما كان ضربًا تألم به، فزال - فلا يجب له أرشٌ.
وإن كان جراحًا أو شجًا، فاندمل، وزال أثره - ففيه وجهان:
ولو كسر ضلعه أو ترقوته - قال في موضع: فيه جملٌ، وقال في موضع: فيه الحكومة، فأومأ المُزني: إلى أنه على قولين: [في] الجديد: فيه حكومة، وفي القديم: في جمل؛ تقليدًا لعمر - ﵁- فإنه قضى فيها بجمل والصحيح: أن فيه حكومةً قولًا واحدًا؛ ما لو كسر عظمًا سواهما: من عظم ساقٍ أو ساعد، وحيث قال: فيه جمل - أوجبه على سبيل الحكومة.
وعلى هذا السبيل: كان قضاء عمر - ﵁ - أوجب جملًا؛ لأنه كان مبلغ الحكومة.
ولو ضرب على عنقه، فجله كالملتفت، أو جعله بحيث لا يلتفت إلا بشدة، أو لا يسيغ الطعام إلا بمشقة - فعليه الحكومة.
ولو كسر ساعده أو ساقه: فإن جبره مستقيمًا - ففيه حكومة؛ لأنه لا يخلو عن ضعف،
[ ٧ / ١٦٨ ]
فإن لم يبق ضعفٌ ولا شينٌ - فوجهان
أحدهما: لا شيء.
والثاني: تجب حكومةٌ باعتبار حالة الألم.
وإن بقي فيه ضعفٌ، وكان معه شين أو اعوجاج - فحكومته أكثر، فإن قال الجاني: أكسره ثانيًا؛ لينجبر مستقيمًا - ليس له ذلك، فإن [كسره] ثانيًا، فانجبر مستقيمًا - لا تسقط الحكومة الأولى، وتجب -[للكسر الثاني]- حكومة أخرى؛ لأنه جنايةٌ جديدةٌ، وكل عضو له أرش مقدر - فحكومة الجناية عليه لا تبلغ أرشه المقدر؛ لأن الحكومة تقديرها بالاجتهاد؛ فلا تبلغ [أرشه] المقدر شرعًا؛ كالتعزير. لا يبلغ الحد، والرضخ: لا يبلغ السهم.
فإن قلع ظفره، أو جنى على أنملته - لا تبلغ حكومته دية الأنملة.
ولو جنى على إصبعه - تنقص حكومتها عن دية الإصبع.
وحكومة الجناية على البطن لا تبلغ دية الجائفة.
ولو جرح برأسه دون الموضحة- لا يبلغ أرشه دية الموضحة، وإن كان شينه أكثر من شين الموضحة؛ لأنه لو أوضحه وشانه شينًا فاحشًا - لم يكن له عليه إلا أرش الموضحة، ثم عليه أكثر الحكومتين من الجرح والشين.
فإن جنى على عضو ليس له أرشٌ مقدر؛ من كتفٍ، أو فخذٍ، أو ساق أو عضد أو ذراع- يجوز أن تزاد حكومته على دية عضو آخر، ولا تبلغ دية النفس؛ بخلاف حكومة الكف والقدم - لا تبلغ نصف الدية؛ لأنهما تبع للأصابع.
فصل في ديات الكفار
رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خطب رسول الله - ﷺ- عام الفتح، فقال: "لا يقتل مؤمن بكافرٍن دية الكافر نصف دية المسلم".
[ ٧ / ١٦٩ ]
وبهذا الإسناد قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائة دينار، أو ثمانمائة ألف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ - النصف من دية المسلمين، فكان كذلك حتى استخلف عمر -﵁ - فقام خطيبًان فقال: "إن الإبل قد غلت"، ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها.
وعن سعيد بن المسيب؛ ان عمر بن الخطاب - ﵁ - قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف، وفي المجوسي ثمانمائة [درهم].
ديةُ اليهودي والنصراني إذا كان ذميًا أو مستأمنًا - ثلث دية المسلم عند الشافعي - ﵁ - وهي من الإبل ثلاثةٌ وثلاثون وثلثٌ، ومن النقدين إن صرنا على بدل مقدر على القول القديم أربعة آلاف درهم، أو ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث دينار، وهو قول عمر وعثمان - ﵄-.
وبدل أطرافه ثلث بدل طرف المسلم.
ودية المرأة منهم نصف دية رجالهم.
وعند أبي حنيفة والثوري - رحمهما الله - ديته مثل دية المسلم، وهو قول عبد الله بن مسعود.
وقال عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز: ديته نصف دية المسلم، وهو قول أحمد - ﵁-.
أما دية المجوسي - فخمس دية النصراني؛ وهو من الإبل ستةٌ وثلثان، ومن النقدين ثمانمائة درهم، أو ستة وستون دينارًا، وثلثا دينار وبدلُ أطرافه خمس ثلث بدل
[ ٧ / ١٧٠ ]
طرف المسلم، ودية نسائهم على نصف دية رجالهم.
وقال أبو حنيفة وحده: دية المجوسي مثل دية المسلم.
والسامرة من اليهود، والصابئون من النصارى: دياتهم كدياتهم.
فأما من لا كتاب لهم من الكفار؛ مثل: عبدة الأوثان والشمس والقمر والزنادقة - فلا يجوز عقد الذمة معهم، وإذا دخلوا إلينا بأمانٍ - فديتهم كدية المجوسي.
أما من لم يبلغه الدعوة - فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام، فإن دعي إلى الإسلام، فلم يجب - فهو حربي لا شيء على من قتله، وإن قتل قبل أن يدعي إلى الإسلام - يجب على قاتله الكفارة والدية.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان بقتله؛ وأصله: أن عندهم: هو محجوجٌ عليه [بعقله؛ وعندنا: هو غير محجوج عليه] قبل بلوغ الدعوة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فثبت انه لا حجة عليهم قبل مجيء الرسل.
إذا ثبت أن دمه مضمونٌ - فماذا يجب على قاتله؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: إن عرف أصل - فعليه دية أهل دينه: فإن كان كتابيًا فثلث الدية؛ سواءٌ كان قبل التبديل أو بعده: وإن كان مجوسيًا - فخمس الثلث، وإن لم يعرف أصل ديته - فعليه أقل الديات، وهي دية المجوسي؛ لأنها اليقين.
ومن أصحابنا من قال: إن كان موحدًا، لم تبلغه دعوة نبي [ما]، أو كان متمسكًا بدين غير مبدل، ولم يبلغه نسخه؛ بأن كان على دين موسى ﵇ثم تبدل، ولم تأته دعوة عيسى - ﵇ - أو كان على دين عيسى - ﵇ - ثم تبدل، ولم تأته دعوة نبينا - ﷺ-] فحكمه حم المسلمين: يجب على قاتله المسلم القود أو كمال دية مسلم، ويكون هو من أهل الجنة.
وإن كان على دين مبدلٍ - فلا قود على قاتله المسلم، ويجب بقتله ثلث الدية. يعبد الوثن - فديته دية المجوسي؛ كالوثني الذي له أمان.
[ ٧ / ١٧١ ]
فصلٌ في الجناية على الرقيق
من قتل عبدًا - تجب عليه قيمته، باعتبار السوق بالغةً ما بلغت؛ يستوي فيه القن والمكاتب وأم الولد.
وإن قطع طرفًا من أطراف عبد -[فماذا] يجب؟ فيه قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح: يعتبر بدل طرفه بقيمة نفسه؛ ما في الحر، وهو قول [عمر وعليِّ].
فن قطع إحدى يديه - يجب عليه نصف قيمته، [وإن قطع كلتا يديه فكمال قيمته.
وفي إصبعه عشر قيمته]. وفي الموضحة نصف عشر قيمته.
وإن قطع ذكره وأنثييه - فعليه قيمتان؛ كما يجب في الحر ديتان إلا أن بدل نفس الحر لا ينتقص بانتقاص الأطراف، وبدل نفس العبد ينتقص؛ حتى لو قطع رجلٌ أطراف [حر ثم جاء آخر وحز رقبته - يجب على من حز الرقبة كمال الدية، ولو قطع أطراف] عبدٍ، ثم جاء آخر، وحز رقبته يجب على حاز الرقبة قيمته يوم قتله، حتى لو لم يكن له قيمةٌ يوم القتل؛ لفوات أطرافه - لا يجب عليه ضمانٌ إلا الكفارة، وإن كان حاز الرقبة عبدًا - يقتص به، وقال في القديم: إذا قطع طرف عبدٍ - يجب عليه ما انتقص من قيمته؛ لأنه مملولٌ كالبهيمة، وبه قال مالكٌ وابن أبي ليلى.
فعلى هذا: لو جب ذكره وأنثييه، فلم ينتقص قيمته، وزادت قيمته - ففيه وجهان:
أحدهما: وبه قال مالك -: لا ضمان عليه.
والثاني: تجب عليه حكومةٌ؛ باعتبار ما قبل الاندمال.
ومن أصحابنا من أنكر هذا القول؛ وقال: القول هوا لأول؛ إن بدل طرف العبد - يعتبر بقيمته نفسه من غير اختلاف.
فعلى هذا: لو قطع إحدى يدي عبد، قيمته ألف، فعادت قيمته إلى مائتين - لا يجب عليه إلا خمسمائة، [وغن عادت قيمته إلى ثمانمائة - فعليه خمسمائة] ولو قطع إحدى يدي
[ ٧ / ١٧٢ ]
عبدٍ، ثم جاء آخر، وقطع يده الأخرى. نظر:
إن كان قطع الثاني بعد الاندمال الأول - فعلى الأول نصفُ قيمته صحيحًا، وعلى الثاني نصف قيمته مقطوعًا مندملا مثلث إن كانت قيمته ألفًا، فعادت - يقطع الأول إلى ثمانمائة؛ فعلى الأول خمسمائة، وعلى الثاني أربعمائة، وإن عادت قيمته يقطع الأول إلى مائتين - فعلى الأول خمسمائة، وعلى الثاني مائة، ولو قطع [الثاني] قبل اندمال الأول - فعلى الثاني نصف ما أوجبنا على الأول، وهو مائتان وخمسون؛ لأنه لم تستقر قيمته بعد قطع الأول بالاندمال حتى يوقف على النقصان.
ولو قطع رجلان يديه معًا - فالقيمة عليهما نصفان.
ولو قتل عبدًا، أو قطع طرفًا من أطرافه خطأ - هل تحمل بدله العاقلة؟ فيه قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح-: تحمله العاقلة مؤجلًا؛ لأنه بدل آدمي مقتولٍ؛ كدية الحر.
والثاني: - وبه قال مالك ﵀-: لا تحمله العاقلة؛ بل يكون في مال الجاني حالًا؛ لأنه حيوانٌ مضمونٌ بالقيمة، ولا تحمل بدله العاقلة؛ كالبهائم.
وقال أبو حنيفة﵀-: تحمل العاقلة بدل نفس العبد، ولاتحمل بدل طرقه؛ فنقيس الطرف على النفس؛ كما في [حق] الحر.
فإن قلنا: تحمله العاقلة، فاختلفا في قيمته فقالت العاقلة: ألفٌ، وقال السيد: ألفانٍ - فالقول قول العاقلة مع اليمين.
[فلو] صدق الجاني السيد - لا يقبل قوله على العاقلة، حتى تجب الزيادة على ما تُقر به العاقلة في مال الجاني.
وإن كان الجاني عبدًا، فصدق سيد المقتول - لا يقبل تصديقه في حق سيده.
فصلٌ في جناية الرقيق
إذا جنى العبد جناية موجبة للقود - يقتص منه، فإن عفا على مالٍ أو كانت الجناية موجبة للمال، خطأ كان أو عمدًا - يتعلق الأرش برقبته، وكذلك: لو أتلف ما لا تباع رقبته [فيه] إلا
[ ٧ / ١٧٣ ]
أن يختار السيد الفداء-: فإذا بيع في الجناية، ولم يف ثمنه بأرش الجناية - لا يجب على السيد إتمامه، وهل يبيع به العبد إذا أعتق؟ فيه قولان
في الجديد - وهو الأصح لا يتبع؛ لأن محله الرقبة، وقد بيعت فيه.
وفي القديم: يتبع؛ لأنه تعلق برقبته، وذمته جميعًا.
وإذا اختار السيد الفداء - بماذا يفدى؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد -: عليه أقل الأمرين: من ضمان الجناية، أو قيمة الرقبة؛ لأن ضمان الجناية: إن كان اقل - فلم يجب بجنايته إلا ذلك، وإن كانت قيمة الرقبة أقل - فليس على السيد إلا تسليم رقبته.
وقال في القديم: يجب عليه ضمان الجناية بالغًا ما بلغ؛ لأنه لو سلمه للبيع ربما يشتريه راغبٌ بأكثر من قيمته.
فلو مات العبد الجاني، أو هرب - نُظر:
إن كان قبل أن يطالب السيد بتسليمه للبيع، أو طولب، فلم يمنع - فلا شيء على السيد؛ لأن حق المجني عليه كان متعلقًا برقبة العبدِ، وقد فاتت؛ سواءٌ علم السيد بجنايته، أو لم يعلم.
وإن طولب، فمنع - صار مختارًا للفداء:
ولو اختار الفداء، ثم رجع - نظر:
إن كان العبد باقيًا - فله الرجوع، ويباع العبد [الجاني] في الجناية.
وإن مات بعد اختيار الفداء - فلا رجوع له.
وإذا اختار السيد الفداء - نص على أنه يعتبر قيمته بيوم الجناية.
قال الشيخ القفال - ﵀-: وجب أن تعتبر قيمته بيوم الفداء؛ لأن نقصان قيمته لا تؤخذ على المولى قبل اختيار الفداء؛ بدليل أنه لو هل - لا شيء عليه؛ والنص محمول على ما إذا سبق من المولى منعٌ من البيع حالة الجناية، ويؤخذ نقصان القيمة على المولى بعده، ولو قتل العبد الجاني - فللمولى أن يقتص، إن كان القتل موجبًا للقصاص، وعليه الفداء للمجني عليه.
[ ٧ / ١٧٤ ]
وإن كان القتل موجبًا للمال - تؤخذ القيمة من القاتل، ويُقضى منها حق المجني عليه، وللسيد أن يمسك تلك القيمة، ويفدى من سائر أمواله.
وإذا أوجبنا الفداء على المولى فيما إذا قتل العبد بماذا يفدى؟ قيل: فيه قولان؛ كما لو اختار الفداء في حياته، وقيل: يفدى بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته قولًا واحدًا؛ لأنه وقع اليأس [من أن] يشتري بأكثر من قيمته.
ولو جنى العبدُ جناياتٍ معًا، أو على الترتيب قبل فداء السيد - تُباع رقبته فيها، ونقص القيمة على الكل على قدر جناياتهم.
وإن اختار السيد الفداء، ففي الجديد - وهو الأصح: عليه الأقل من [أروش الجنايات كلها أو قيمته مرةً واحدةً.
وفي القديم: عليه أروش] الجناياتِ بالغةً ما بلغت.
أما إذا جنى العبدُ جنايةً، و[فدى] السيد، ثم [رجع] جنى مرة أخرى، واختار الفداء - عليه للأخرى فديةٌ جديدةٌ، كالأولى.
أما أم الولدِ: إذا جنت على نفسٍ أو مالٍ - فيجب على السيد الفداءُ؛ لأنه امتنع بيعها باستيلاده؛ فصار به مختارًا للفداء، في جناياتها، وبماذا [يُفدى] فيه قولان؛ كما في العبد القن؛ وقيل - وهو الأصج-: يُفدى بأقل الأمرين من قيمتها، أو أرش الجناية قولًا واحدًا؛ بخلاف العبد القن؛ لأن الرقبة هناك قابلةٌ للبيع، فلو سلمها للبيع ربما يرغب راغبٌ في شرائها بأكثر من قيمتها، وفي أم الولد الرقبة، وغير قابلة للبيع فلا يتصور أن يضمن بأكثر من قيمتها.
ولو جنت أم الولد جناياتٍ، ولم يفد السيد شيئًا منها، علم بها أولم يعلم - فماذا يلزمه؟
ففي القديم: يلزمه أروش الجنايات.
[وفي الجديد قولان:
أصحهما: عليه الأقل من أروش الجنايات] كلها أو قيمتها مرةً واحدةً؛ كما في العبد القن لأنه لم يوجد منه إلا منع واحد بالاستيلاد كالعبد القن إذا جنى جنايات كثيرة، ثم قتله المولى، أو أعتقه - لا يلزمه إلا قيمةٌ واحدةٌ.
[ ٧ / ١٧٥ ]
والقول الثاني: عليه أن يفدى لكل جنايةٍ بالأقل من أرشها أو قيمتها؛ فيجعل كأن السيد أحدث عيب كل جنايةٍ منعًا؛ بخلاف القن؛ [فن ثم لم يوجد منه إلا منع واحد بعد الجنايات باختيار الفداء؛ لأنه عقيب كل جناية يمكن أن يباع نظير هذا من القن؛ أن يجني، فيطالب السيد بالبيع، فيمنع، ثم يجني ثانيًا، فيمنع - فعليه أن يفدى لكل جناية بالأقل من أرشها أو قيمتها فأما إذا جنت أم الولد، وفداها السيد، ثم جنت مرة أخرى.
ففي القديم: عليه أرش الجناية الأخرى.
وفي الجديد: يبنى على ما إذا لم يكن قد فدى.
إن قلنا: هناك يُفدى بالأقل من أرش كل جناية أو قيمتها، [وكذلك الثالثة والرابعة.
وإن قلنا: هناك يفدى بالأقل من أرش (كل جناية) أو قيمتها]، فههنا: عليه أن يفدى للجناية الثانية بالأقل [من أرشها أو قيمتها، وكذلك الثالثة والرابعة.
وإن قلنا: هناك يفدى بالأقل] من أروش الجنايات كلها أو قيمتها مرة واحدة - فههنا قولان:
أصحهما: - وهو اختيار المُزني - ﵀-: يجب عليه أن يفدى الجناية الثانية بالأقل من أرشها أو قيمتها؛ كما في العبد إذا فداه السيد، ثم جنى ثانيًا - عليه أن يفدى ثانيًا، إذا اختار الفداء.
والقول الثاني: ليس على السيد إلا قيمةٌ واحدةٌ، وبه قال أبو حنيفة - رحمة الله عليه- فالمجني عليه الثاني يشارك المجني عليه الأول فيما أخذ؛ - فيقتسمان على قدر أرش جنايتيهما؛ مثلُ: إن كانت قيمتها ألفًان وأرشُ كل جناية ألفٌ - فالثاني يرجع على الأول بخمسمائة.
[فإن] كان أرش الجناية الأولى ألفًا، وأرش الجناية الثانية يأخذ ذلك الفضل [ألفًا، وأرش
[ ٧ / ١٧٦ ]
الثانية خمسمائة يؤخذ من الأول ثلث الألف] وإن كان أرش جناية الأول لم تستغرق قيمتها - فالثاني يأخذ ذلك الفضل] فإن وفى بحقه - فليس له إلا ذلك على الأقوال كلها، وإن لم يف ذلك [بحقه] يُحاص الأول في قدر ما بقي؛ مثل: إن كانت قيمتها ألفًا، وأرش الجناية الأولى خمسمائة، وأرش الجناية الثانية ألفٌ - أخذ الثاني من السيد الخمسمائة الثانية، ويرجع على الأول بثلث الخمسمائة المأخوذة؛ لتصير القيمة بينهما أثلاثًا: الثلث للأول، والثلثان للثاني.
وكذلك في كل جناية تجنى من بعدُ؛ كمن مات، وقسمت تركته بين الورثة والغرماء، وكان قد حفر بئر عدوات في حياته، فهلك بها مال إنسان - فصاحبه يزاحم الغرماء والورثة فيما أخذوا.
ولو جنت جاريةٌ، ولها ولدٌ - لا يتعلق الأرش برقبة ولدها وإن ولدت بعد الجناية؛ سواء كان الحمل موجودًا يوم الجناية أو حدث من بعد.
ولو جنت، وهي حامل أو حبلت بعده - هل تُباع حاملًا أم لا؟
إن قلنا الحمل يعرف - لا تباع حتى تضع.
وإن قلنا: لا يعرف - تباع؛ كما لو زادت زيادةً متصلة.
إذا ثبت أن حق الجناية لا يتعلق برقبة الولد: [فإن] كان الولد صغيرًا، ولم يجُز - التفريق بين الأم والولد - فتباع من الولد، ثم ما يقابل الأم - يصرف في الجناية، وما يقابل الولد - فللسيد.
فصلٌ
فالصبي الذي لا يعقل، والمجنون الذي لا تمييز له: إذا قتلا إنسانًا - فهو خطأٌ؛ تجب الدية مخففة على عاقلتهما.
أما المراهق والمجنون الذي لاتمييز له؛ إذا تعمدا قتلًا - ففيه قولان:
أصحهما: [ان] عمدهما عمدٌ؛ لأن القصد منهما حاصلٌ، كالبالغ؛ فعلى هذا:
[ ٧ / ١٧٧ ]
تجب الدية مغلظة في مالهما حالةً، وإن لم يتعلق به القصاص؛ لونهما غير مكلفين.
والثاني: - وبه قال أبو حنيفة﵀ - عمدهما خطأٌ؛ لعدم التكليف؛ بدليل أنه لا يجب [به] القود، فعلى هذا: تجب الدية مخففة على عاقلتهما مؤجلة، والله أعلم بالصواب.
[باب] التقاء الفارسين
إذا اصطدم رجلان، ماشيان، وماتا - فنصف دية كل واحدٍ منهما هدرٌ، والنصف على عاقلة الآخر؛ لأن كل واحدٍ منهما مات لصدمته، وصدمة صاحبه، ففعله في نفسه [هدرٌ] وفي حق صاحبه مضمونٌ؛ كما لو جرح نفسه، وجرحه غيره، فمات منهما - يجب على الغير نصف الدية، ولا تتقاص الديتان في الاصطدام؛ لأن المستحق غير الغارم؛ فإن المستحق هو الوارث، والغارم العاقلة، ويجب في مال كل [واحد] كفارةٌ بقتل صاحبه، وهل تجب الكفارة بقتل نفسه؟ فيه وجهان:
[وإن] كانا راكبين، واصدما، وماتا، وماتت دابتهما فنصف دم كل واحد منهما، ونصف قيمة دابته هدرٌ، ونصف ديته على عاقلة الآخر، ونصف قيمة دابته في مال الآخر؛ لأن قيمة الدابة لا تحملها العاقلة، سواءٌ استوت الدابتان في القوة والضعف، [أو اختلفتا] بأن يكون أحدهما راكب حمارٍ، والآخر راكب فرسٍ، أو قيل: حتى لو كان أحدهما راكب بغلٍ، والآخر على كبش - فالحكم كذلك؛ وسواء كانا أعميين أو بصيرين، أو كانا أحدهما أعمى؛ وسواءٌ كان ذلك بالليل أو بالنهار؛ ولا فرق بين أن يكونا مقبلين أو مدبرين، أو يكون أحدهما مقبلًا، والآخر مدبرًا، وبين أن يكون سير أحدهما - أشد من الآخر؛ وسواءٌ وقعا منكبين أو مستلقيين أو أحدهما منكبًا والآخر مستلقيًا.
ثم إن تعمدا الصدم] فهو شبه عمدٍ فنصف الدية مغلظة على العاقلة.
وإن لم يتعمدا - فنصف الدية مخففة.
وإن تعمد أحدهما دون الآخر - فنصف دية الآخر مغلة على عاقلة المتعمد، ونصف
[ ٧ / ١٧٨ ]
دية المتعمد مخففة على عاقلة الآخر، ولا يكون في الاصطدام العمد المحض.
وقال أبو حنيفة: إن كانا راكبين - فعلى عاقلة كل واحد منهما تمام دية الآخر، [و] في ماله تمام قيمة دابة الآخر.
وإن كانا ماشيين - قال: إن وقعا مستلقيين - فهكذا.
وإن وقعا منكبين - فدمهما هدرٌ؛ لأنه لا ينكب بفعل صاحبه.
وإن وقع أحدهما منكبًا والآخر مستلقيًا - فدم المنكب هدر، وجميع دية المستلقي على عاقلة المنكب.
وكذلك قال المزني؛ فيما إذا وقع أحدهما منكبًا وقال، فيما إذا وقعا منكبين أو مستلقيين، كما قال الشافعي - ﵁ - ونحن قد سوينا بين الحالين؛ لأنه قد يستلقي بشدة صدمته؛ إذا لقي صلابةً، كالسهم يصيب صلابة أو حجرًا - يرجع إلى الرامي.
ولو اصطدم صبيان، وماتا فكالبالغين، وسواء كانا ماشيين أو راكبين؛ إذا ركبا بأنفسهما -فنصف دية كل واحد [منهما]، ونصف قيمة دابته هدرٌ، ونصف ديته على عاقلة الآخر، ونصف قيمة دابته في ماله غير أن في كل موضع أوجبنا الدية مغلظة في البالغ - ففي الصبي إن قلنا: عمده عمدٌ- تكون مغلظة، وإن قلنا: خطأ - فمخففة.
وإن أركبها من لا ولاية له عليهما - فلا تكون شيء من دمهما ولا من قيمة دابتهما هدرًا، ولا شيء على الصبيين، بل على عاقلة كل واحد من المركبين [ديةٌ كاملةٌ: نصفٌ على الذي أركبهن ونصف على الآخر، وفي مال كل واحد من المركبين] نصف قيمة [دابة] كل واحد منهما.
وكذلك [كل] ما أتلفت الدابة بيدها أو رجلها - فضمانه على المركب.
وإن أركبهما من له عليهما ولايةٌ - نُظر:
إن لم يكن لمصلحة الصبيين - فهو كإركاب من لا ولاية [عليهما] له.
وإن كان لمصلحتهما: من ضعف الصبيين عن المشي، أو تعليم فروسية ونحوه
[ ٧ / ١٧٩ ]
- فهو ما لو ركبا بأنفسهما - فنصف دم كل واحد منهما، ونصف قيمة دابته - هدرٌ، والنصف من الدية على عاقلة الصبي الآخر، ونصف قيمة الدابة، في ماله، ولا شيء على المركب.
وقال الشيخ القفال: هو كإركاب من لا ولاية له؛ فيون ضمان الكل على عاقلة المركبين، وضمان الدابتين في مالهما.
ولو اصطدم عبدان، وماتا - فدمهما هدرٌ؛ سواء اتفقت قيمتهما، أو اختلفت؛ لأن نصف قيمة كل واحدٍ يتعلق برقبة الآخر؛ فسقط [بفوات المحل].
وإن مات أحدهما - فنصف قيمته في رقبة الحي.
ولو اصطدم حر وعبدٌ، وماتا: إن قلنا: قيمة العبد لا تحملها العاقلة - وجب نصف قيمة العبد في مال الحر، وتعلق به نصف دية الحر؛ فيتقاصان.
فإن كان نصف دية الحر أكثر -[فالفضل هدرٌ، وإن كان نصف القيمة أكثر] يأخذ السيد الفضل من تركة الحر، وإن قلنا: قيمة العبد تحمله العاقلة - يجب على عاقلة الحر نصف قيمة العبد، وتعلق بها نصف دية الحر لورثته، فإن كانت العاقلة هم الورثة - فيتقاصان، وإن مات أحدهما - نظر:
إن مات الحر - فنصف ديته تتعلق لجميع رقبة العبد، وإن مات العبد - فنصف قيمته على عاقلة الحر، أو في ماله؟ على اختلاف القولين.
ولو اصطدم امرأتان حاملان، فماتتا، وألقتا جنينهما - فحكم ديتهما حكم الرجلين، أما ضمان الجنين - فعلى عاقلة كل واحدةٍ غرةٌ كاملةٌ نصفها عن جنينها، ونصفها عن جنين صاحبتها؛ لأن المرأة إذا جنت على نفسها، فألقت جنينها - يجب على عاقلتها الغرة لورثة الجنين، وفي مال ل واحدةٍ منهما ثلاث كفارات: كفارة عن صاحبتها، وعن كل جنين كفارةٌ.
وإن أوجبنا الكفارة، بقتل نفسها - فأربع كفاراتٍ.
ولو اصطدم أما ولدٍ لرجلين، وماتتا - فنصف قيمة كل اوحد هدر، وعلى السيدين الفداء للنصف الآخر؛ لأن ضمان جناية أم الولد يكون على السيد؛ فيفدى كل واحد من اسيدين بالأقل من نصف قيمة أم ولد صاحبه، أو كمال قيمة أم ولده فإن استويا - تقاصا،
[ ٧ / ١٨٠ ]
وإلا - رجع صاحب الفضل بالفضل.
وإن كانتا حاملين، فألقتا الجنينين - فنصف ضمان الجنين هدرٌ؛ لأن أم الولد: إذا جنت على نفسها، فألقت جنينها - يكون هدرًا، ولكل واحد من السيدين على الآخر - نصف الغرة، فيتقاصان.
فإن كان لكل واحد من الجنينين وارثٌ يسوى الأب، ولا يتصور إلا الجدة أم الأم - فلا يسقط شيءٌ من حقها؛ فلكل جدة سدس الغرة نصف على هذا السيد، ونصف على ذاك؛ لأن أم الولد إذا ألقت جنينها، ولها أم حرةٌ -يغرم سيدها سدس الغرة، لأمها التي هي جدة الجنين، ثم يقع التقاص في الباقي.
وإن كانت لأحدٍ الجنينين جدةٌ فكلٌ وحدٍ من السيدين يغرم للجدة نصف سدس الغرة [ثم سيد من ليس لجنينها جدةٌ [له] نصف غرة] [سدس] على سيد من لجنينها جدة] لأنه ليس لجنينها وارث سواه وسيد من لجنينها جدة - له نصف غرة على الآخر ناقصةً بنصف السدس؛ لأن لجنينها سواه وارث، وهي الجدة، وقد أخذت نصيبها - فسيد من ليس لجنينها جدة - يأخذ نصف سدس الغرة من الآخر، والباقي يتقاصان.
وإن كانت إحداهما حاملًا دون الأخرى، فألقت الحامل جنينها- فنصف الغرة هدرٌ، ونصفها على سيد [الحامل].
وإن كان للجنين جدةٌ - فمن نصف الغرة الذي وجب على سيد الحامل نصف سدسه للجدة، والباقي لسيد الحامل.
وعلى سيد الحامل نصف سدس الغرة للجدة؛ حتى يكمل لها السدس.
ولو أن راكبين غلبتهما دابتاهما، فاصطدما، [وماتا]، وماتت دابتهما، أو راكب الدابة، أو سابقها غلبته [دابته]، فأتلفت نفسًا أو مالًا - هل يجب الضمان؟ اختلف أصحابنا فيه.
[ ٧ / ١٨١ ]
منهم من قال: فيه قولان؛ كالسفينتين إذا اصطدمتا بغلبة الريح أو الموج.
أحدهما: لا ضمان على راكب الدابة، ولا صاحب السفينة؛ لأنه مغلوبٌ.
والثاني: يجب؛ كما لو لم يكن مغلوبًا.
ومنهم من قال: ههنا يجب الضمان قولًا واحدًا، بخلاف السفينتين، وهو الأصح.
والفرقُ: أن جري السفينة تكون بالريح، وليست الريح تحت تصرفه حتى ينسب التفريط إليه، والدابة عنانها وذمامها بيد صاحبها، يصرفها كيف شاء: فإن غلبته - فلسوء فروسيته وسياسته وعمله؛ فكان مفرطًا؛ فضمن - فعلى هذا: إذا اصطدمت دابتان بالغلبة - يجب نصف قيمة الدابة في ماله، ونصف الدية مخففة على العاقلة.
قال الشيخ - ﵀-: ولو غلبته دابته، فاستقبلها رجلٌ، فردها عن وجهها، فانصرفت، وأتلفت شيئًا - يجب الضمان على الرادِّ.
ولو نخس رجلٌ دابةً، فأسقطت الراكب، وأتلفت شيئًا من نخسه - ضمن الناخس ما كان مالًا، وعاقلته إن كان نفسًا.
وإن نخس بأمر المالك - فالضمان على المالك.
[وإن غلبته دابته، فأتلفت مالًا - يجب ضمان كله لغير المغلوب].
وإن كان رجلٌ واقفٌ في موضع، فصدمه ماشٍ، وماتا - نص أندم الصادم هدرٌ، ودية المصدوم على عاقلة الصادم.
وقال أصحابنا [هذا] يُنظر فيه: فإن كان واقفًا في ملكه، فدخل رجلٌ بغير إذنه، فصدمه، فماتا، فديةُ الصادم هدرٌ، ودية المصدوم على عاقلة الصادم.
وكذلك: لو كان واقفًا في صحراء، أو في طريقٍ واسعٍ، لا يستضر الناس بوقوفه، فصدمه ماشٍ، وماتا.
وكذلك [لو قعد] أو قام في ملكه، أو في طريق واسعٍ.
فأما إذا كان واقفًا في طريق ضيقٍ، فصدمه ماشٍ، وماتا - نص [على] أن دم الصادم
[ ٧ / ١٨٢ ]
هدرٌ، ودية المصدوم على عاقلة الصادم، وقال فيما إذا كان قاعدًا أو نائمًا في طريق، فعثر به ماشٍ، وماتا: إن دم النائم والقاعد هدرٌ، ودية الماشي على عاقلة النائم والقاعد، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين.
أحدهما: دم الصادمين هدر، ودم المصدومين على عاقلة الصادمين، لأن المشي مباح له في الطريق، بشرط السلامة؛ كالأعمى إذا خرج بلا قائد، فوقع على مال إنسان، فأتلف - يجب عليه الضمان.
والثاني: دم المصدومين هدرٌ، ودية الصادمين على عاقلة المصدومين؛ لأن الطريق للمشي فيه، وليس للوقوف والقعود والنوم، فمن فعل شيئًا منها - يكون بشرط السلامة.
ومنهم من فرق بينهما، وقال في الوقوف: دم الصادم هدرٌ، وفي النوم والقعود: دم المصدوم هدرٌ؛ وهو الأصح، والفرق: أن الطريق كما هو محل للمشي - فهو محل للوقوف؛ فإن الماشي قد يحتاج إلى الوقوف؛ لانتظار رفيق أو إجابة داعٍ أو متكلم يتكلم معه - فلم يكن بالوقوف مفرطًا؛ فضمن الصادم ديته، وليس محل الجلوس والنوم؛ فجعل نفسه به عرضة للهلاك، وصار جانيًا على أخيه؛ فضمن دية الصادم.
هذا، إذا لم يوجد من جهة الواقف فعلٌ، فإن وجد من فعلٌ؛ بأن انحرف إليه كما بلغه الماشي، فصدمه في حال انحرافه، فماتا - فهو بمنزلة ماشيين اصطدما؛ سواءٌ كان في ملكه أو في طريق واسع أو ضيقٍ - فنصف دية كل واحدٍ هدرٌ، ونصفها على عاقلة الآخر.
وإن لم يكن تحرفه إليهن بل تحرف موليًا عنه - فالصادم هو الماشي، وهو كما لو كان قائمًا - لم ينحرف.
والعراقيون من أصحابنا قالوا: إذا كان واقفًا أو نائمًا في طريق ضيق، فصدمه أو عثر به ماش، وماتا - يجب على عاقلة كل واحد منهما كمال دية الآخر؛ لأن الواقف والنائم في الطريق الضيق مفرط؛ فكان سببًا لقتل صاحبه، والماشي باشر قتله بالصدم؛ فضمن كل واحد دية الآخر.
وما ذكر في "المختصر": أن دم الصادم هدرٌن وعلى عاقلة دم المصدوم: أراد به [إذا] كان واقفًا في ملكه أو في طريق واسعٍ.
قال الشيخ ﵀:
[ ٧ / ١٨٣ ]
ولو جلس في مسجد، فصدمه إنسان، وماتا - تضمن عاقلة الصادم دية المصدوم، ولا يضمن المصدوم دية الصادم.
وكذلك: لو نام [فيه] وهو معتكف؛ كما لو جلس في ملكه.
ولو جلس لأمرٍ ينزه عنه المسجد، أو استوطن المسجد لا لقربةٍ - فهو الجاني لا الصادم، فإن مات به الصادم - فيجب الضمان على عاقلته.
وقد رأيت لأصحاب أبي حنيفة أنه إن جلس لغير صلاةٍ - ضمن الجالس دية الصادم.
فصلٌ
ولو أن جماعة رموا بالمنجنيق، وعينوا شخصًا أو جماعة، والغالب: أنه يصيبهم فأصابهم، وماتوا - يجب القود على الجاذبين، أو كمال ديتهم في مالهم؛ كما لو رمى سهمًا إلى رجل، فأصابه - فلا ضمان على من نصب المنجنيق، أو وضع الحجر فيه، أو أمسك الخشبة، إنما الضمان على الجاذبين.
وقال العراقيون من أصحابنا: لا يجب القود في رمي المنجنيق؛ لأنه لا يمكن أن يُقصد به رجلٌ بعينه في الغالب، ثم إن كان قصد رجلًا بعينه، فأصابه - فتجب الدية مغلظة على العاقلة، وإن لم يقصد أحدًا بعينه، بل رمى مطلقًا، أو عين شخصًا، فأصاب غيره، أو كر الحجر على واحدٍ من النظارة - فتجب الدية مخففة على العاقلة.
ولو رمى إلى جماعة، يعلم أنه يصيب بعضهم، [ولم يعين، فأصاب واحدًا - وإلى حصن فيه قومٌ، يعرف أنه يصيب بعضهم]، فأصاب فلا قود، وتجب الدية مغلة على العاقلة.
وكذلك: لو رمى سهمًا إلى جماعةٍ، ولم يعين واحدًا؛ بخلاف [ما لو رمى سهما]، إلى جماعة من الظبي، ولم يعين واحدًا، فأصاب واحدًا - حل أكله؛ لأن حقيقة القصد إلى شخص - شرطٌ في القصاص غير شرط في حل الأكل؛ بدليل أنه لو رمى على صيدٍ، فنفذ منه إلى غيره - يحل الثاني على الأصح، وفي مثله لا يجب القود.
ولو عاد حجر المنجنيق على الجاذبين فقتل واحدًا منهم - مات هذا بفعله، وفعل
[ ٧ / ١٨٤ ]
شركائه؛ مثل إن كانوا عشرة - فعُشرُ دمه هدرٌ، وعلى عاقلة كل واحدٍ من التسعة عشر ديته.
وإن عاد على جميعهم، فقتلهم - فعشر [دية] كل واحد هدر، وعلى عاقلة كل واحد منهم - تسعة أعشار الدية، لكل واحد عشرها.
ولو أن رجلين جرا حبلًا بينهما فانقطع الحبل، فسقطا، وماتا - فنصف دية كل واحد منهما هدرٌ، ونصفها على عاقلة الآخر؛ سواء وقعا منكبين أو مستلقيين، أو وقع أحدهما منكبًا، والآخر مستلقيًا، غير أن نصف دية المنكب مغلظة على عاقل المستلقي، ونصف دية المستلقي مخففة [عُذرًا].
وقال أبو حنيفة -﵀-: إن وقعا منكبين -فعلى عاقلة كل واحد منهما تمام دية الآخر، وإن وقعا مستلقيين - فدمهما هدرٌ، وإن وقع أحدهما منكبًا والآخر مستلقيًا - فدم المستلقي هدرٌ، وعلى عاقلته جميع دية المنكب؛ لأنه ينكب بفعل صاحبه، ويستلقي بفعل نفسه.
وإن كان أحد الجاذبين غاصبًا - فدم الغاصب هدرٌ، ونصف دية الآخر على عاقلة الغاصب.
ولو جرا حبلًا، فقطع رجلٌ الحبل بنيهما، فسقطا، وماتا - فجميع ديتهما على عاقلة القاطع.
ولو أرخى أحدهما، فسقط الآخر، ومات - فنصف ديته على عاقلة المُرخي، ونصفها هدرٌ؛ لأنه لولا قوة جره- لما سقط بالإرخاء فقد مات من فعله وفعل الآخر.
فصلٌ
إذا اصطدمت سفينتان في البحر، فتكسرتا، وغرق ما فيهما، وهلك - نظر:
إن كان ما فيهما مال القائمين بالسفينتين والسفينتان ملكهما - فعلى كل واحدٍ منهما نصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها من الأموال، والنصف هدرٌ؛ لأن الهلاك حصل بفعلهما.
[ ٧ / ١٨٥ ]
وإن مات القائمان - فكالفارسين اصطدما، وإن حمل المالكان للسفينة الأموال والنفوس بأجرة أو متبرعين، فاصطدمتا، وهلك ما فيهما - نُظر:
إن قصد الصدم بما يقول أهل الخبرة؛ انه يحصل به التلف - فعليهما القود بسبب الأحرار الذين هلكوا؛ فيُقرع بين الهالكين؛ فمن خرجت قرعته - يقتل القائمان به، وديات الباقين في أموالهما؛ وعلى كل واحد منهما نصف قيمة ما في سفينته، ونصف قيمة ما في سفينة صاحبه من الأموال والعبيد لا يهدر شيء منها، وعلى كل واحد كفارةٌ بعدد كل حر وعبدٍ في السفينتين، وعلى كل واحد نصف قيمة سفينة صاحبه ونصفها هدرٌ.
وإن مات القائمان فنصف [دية] كل واحدٍ هدرٌ، ونصف ديته في مال الآخر مغلظة.
وإن قصدا الصدم بما لا ينكسر غالبًا، فانكسرتا - فحكم الضمان على ما ذكرنا، غير أنه لا يجب القود ههنا، وتكون الدية مغلظة على العاقلة.
وإن لم يقصد الصدم، ولكن توانيا في الضبط، أو سيرا السفينة في ريح شديدةٍ، لا تسير السفن في مثلها، أو أخطأ بأن قصد كل واحد جانبًا، فاصطدمتا -فالدية مخففة على العاقلة.
وإن كان القائمان بالسفينة أجيرين للمالكين، أو أمينين لهما - فالضمان عليهما، ولا يسقط شيءٌ من ضمان السفينتين، فعلى كل واحد نصف قيمة كل واحد من السفينتين لمالكها، وكل واحد من المالكين بالخيار بين أن يرجع بجميع قيمة سفينته على أمينه، ثم الأمين يرجع بالنصف على الآخر، وبين أن يرجع بالنصف على أمينه، وبالنصف على الآخر.
وإن كان القائمان بالسفينتين عبدين - فكالحرين إلا أن الضمان يتعلق برقبتهما.
وإن حصل الاصطدام بغلبة الرياح وهيجان الأمواج - لا بصنع وتفريط من القائمين، ولم يمكنهما حفظهما - ففي وجوب الضمان قولان
أحدهما: لا يجب الضمان عليهما؛ لأنهما مغلوبان؛ كما لو نزلت صاعقة من السماء فأحرقتهما، وهذا أصح.
[ ٧ / ١٨٦ ]
والثاني: يجب كالفارسين غلبتهما دابتاهما؛ لأن عهدة ركوبهما عليهما.
واختلف أصحابنا في محل القولين، منهم من قال: محل القولين فيما إذا لم يكن من جهة القائمين فعلٌ بأن كانت السفينتان واقفتين على الشط، أو أرسياهما في موضع، فجاءت ريح، فسيرتهما، وصدمتهما، فأما إذا سير السفينة بأنفسهما، ثم هبت ريح، فغلبتهما - فعليهما الضمان؛ لأن ابتداء السير كان بفعلهما.
وقال أبو إسحاق والإصطخري: لا فرق بين الحالتين، وفيهما قولان؛ بخلاف الفارسين؛ لان ضبط الدابة باللجام ممكن، ولا يمكن ضبط السفينة إذا غلبت الريح، فإن قلنا: يجب الضمان - فهو كما لو كان الاصطدام بتفريطهما إلا أن القصاص لا يجب، والدية [تكون] مخففة على العاقلة، فإن قلنا: لا يجب الضمان- فلا يجب ضمان الأحرار، ولا ضمان ما فيها من الودائع والأمانات.
وأما ما حملوا من الأموال بالأجرة - نظر
إن كان مالكها معها- فلا: يجب ضمانها؛ وإن لم يكن - ففي وجوب ضمانها قولان؛ كالمال في يد الأجير المشترك.
وإن كان فيها عبيدٌ- نظر:
إن كانوا أعوانًا أو حُفاظًا للمال - فلا يجب ضمانهم، وإن كانوا حفاظًا للمال - فلا يجب ضمان المال أيضًا؛ كما لو كان المالك معها؛ وألا - فهم كسائر الأموال؛ فعلى هذا القول: لو اختلف صاحب المال مع القائم بالسفينة، فقال صاحب المال: حصل الاصطدام بفعلك وتفريطك، وقال القائم بل بغلبة الرياح - فالقول قول القائم بالسفينة؛ لأن الأصل براءة ذمته.
وإن كان أحد القائمين مفرطًا دون الآخر - ضمن المفرط على ما كرنا فيما لو كانا مفرطين، وحكم الآخر حكم ما لو لم يكونا مفرطين.
ولو كانت السفينة مربوطة في الشط، فجاءت سفينة [أخرى]، فصدمتها، وكسرتها - فلا ضمان على قيم السفينة المربوطة، وإنما الضمان على صاحب السفينة الصادمة أهـ.
[ ٧ / ١٨٧ ]
فصلٌ
إذا كانوا في سفينةٍ، فثقلت، وخافوا الغرق فألقى رجلٌ متاع نفسه أو متاع غيره بإذنه في البحر؛ لتخف السفينةُ، فيسلم من الغرق - لا يجب الضمان على أحد، ولو ألقى متاع غيره بغير إذنه - يجب الضمان.
ولو قال رجلٌ لآخر: ألق متاعك في البحر؛ على أني ضامنٌ، فألقى - يجب الضمان على القائل، سواءٌ كان القائلُ معه في السفينة، أو لم يكن، وسواءٌ سلم أو لم يسلم، فإن لم يسلم، وغرق - يكون في تركته، وتعتبر قيمة المال لما قبل هيجان الأمواج؛ لأنه لا قيمة له في تلك الحالة، ولا تجعل قيمته في البحر كقيمته في البر؛ لأن المال في البحر يعرض للهلاك.
وقال أبو ثور: لا يجب الضمان على القائل؛ لأنه ضمان ما لم يجب.
قلنا: ليس هذا بحقيقة ضمان؛ لأن الضمان يستدعي مضمونًا عنه؛ وليس ههنا مضمونًا [عنه] ولكنه بذل مال [لنا] لتخليص جماعةٍ من الهلاك؛ كما لو قال: أطلق هذا الأسير، ولك علي ألفٌ، فأطلقه - يستحق الألف، وكذلك قال شيخي - ﵀-: لو قال لمن له القصاص: أعفُ ولك عليَّ ألفٌ، فعفا - يستحق الألف، ولا دية له، وكذلك لو قال أطعم هذا الائع، ولك عليَّ كذا، فأطعم يستحق ما سمي، فأما إذا قال: ألق متاعك في البحر، ولم يقل على أني ضامنٌ - ففعل: لا شيء عليه؛ سواءٌ كان القائل معهم في السفينة أو لم يكن؛ كما لو قال: أعتق عبدك، أو طلق زوجتك، ولم يشترط عليه عوضًا، ففعل - لا شيء على القائل، ولو قال واحدٌ من ركبان السفينة لآخر: ألق متاعك في البحر؛ على أني ضامن، وركبان السفينة، ففعل - يجب على كل واحدٍ حصته؛ إن قال ذلك بأمر أصحابه؛ مثل: إن كانوا عشرة - فعلى كل واحدٍ عشر الضمان، وإن قال دون أمرهم - فعلى القائل حصته، ولا شيء على الآخرين، وإن رضوا بعده، وقول الشافعي - ﵁-: "ضمنه دونهم" أراد به حصته، لا الجميع؛ كما توهمه المُزني.
وإن قال: على أني ضامن، وركبان السفينة، أو قال: أنا وهم ضمناء، وأنا ضامن عنهم أو أنا أضمن من مالهم - فعليه ضمان الكل، ثم إن قال بإذنهم - رجع عليهم بحصتهم، وإن أنكر أصحابه الإذن - فالقول قولهم، ولا رجوع له عليهم.
[ ٧ / ١٨٨ ]
ولو قال واحدٌ منهم لآخر: أنا ألقي متاعك في البحر؛ على أني وهم ضامنون ففيه وجهان
أحدهما: لا يلزمه إلا حصته؛ كما لو قال لصاحبه: ألقه على أني وهم ضمناء.
والثاني: عليه ضمان الجميع؛ لأنه باشر الإتلاف، ولو قال لآخر: ألق متاع فلانٍ، وعليَّ ضمانه؛ إن طالبك فلان، فألقي - فالضمان على الملقي ولا شيء على القائل.
أما في غير حال الخوف إذا قال رجلٌ لآخر: ألق متاعك في البحر، فألقي - لا ضمان على القائل؛ سواءٌ قال: على أني ضامنٌ، أو لم يقل؛ لأنه لا غرض له فيه؛ كما لو قال: اهدم ذلك، وأنا ضامنٌ، ففعل - لا شيء عليه.
ولو كان رجلٌ وحده في سفينة مع ماله، وخيف الغرق، فقال له رجلٌ: ألق مالك في البحر؛ على أني ضامنٌ، ففعل - لا يجب الضمان - ذكره شيخي - ﵀؛ لأن عليه تخليص نسه؛ كما لو قال للمضطر: كل طعامك؛ ولك علي درهمٌ، فأكل - لا يستحق شيئًان فإن كان القائل معه في السفينة - ضمن؛ لأن له غرضًا في تخليص نفسه بإتلاف مال غيره.
ولا يجوز إلقاء المال في البحر عند عدم خوف الغرق؛ لأنه إسرافٌ وإضاعةٌ للمال.
وعند خوف الغرق: يجب إلقاء غير ذي الروح؛ لتخليص ذي الروح، فلو لم يفعل، فغرقت - لا ضمان عليه؛ [كصاجب الطعام، إذا لم يطعم الجائع، حتى هلك - يعصي الله تعالى، ولا ضمان عليه.
ولا يجوز إلقاء الدواب ما دام في السفينة غير الحيوان، فإن لم يكن إلا الدواب - جاز إلقاؤها؛ لتخليص الآدميين؛ كالجائع يعقر حماره للأكل، ولا يجوز إلقاء العبيد؛ كالأحرار.
فصلٌ
لو أن رجلًا خرق سفينةً، فغرق ما فيها - يجب عليه ضمان ما فيها: من مال ونفسٍ؛ سواءٌ تعمد أو أخطأ.
فإن كان فيه أحرارٌ، فغرقوا - نظر:
إن تعمد خرقها بما يحصل به الهلاك غالبًا؛ بأن خرقها خرقًا واسعًا - فعليه القود أو الدية
[ ٧ / ١٨٩ ]
مغلظة في ماله، وإن فعل ما لا يحصل به الهلاك غالبًا - فهو شبه عمدٍ تجب به الدية مغلظة على العاقلة.
وكذلك: إن قصد إصلاح السفينة؛ فتخرق موضع إصلاحه، فغرقت - فهو شبه عمدٍ.
وإن أصاب فأسه من غير موضع إصلاحه فتخرق - فهو خطأٌ.
وكذلك: إن قصد إصلاح شيء آخر في السفينة: من قطع شيء، أو نجرٍ خشبٍ، فأخطأ، أو سقط من يده حجرٌ، أو شيء فانثقبت السفينة، فغرقت - فهو خطأ تكون الدية مخففة على العاقلة.
وعلى الأحوال كلها: يجب ضمان سائر الأموال في ماله وعليه بكل حر وعبدٍ هلك كفارةً.
ولو وضع رجلٌ متاعه في سفينة، فيها مالٌ، فغرقت؛ مثل: عن كان فيها تسعة أعدال، فوضع رجلٌ فيها عدلًا، فغرقت لا يجب ضمان هذا العدل، ويجب ضمان [الأعدال] التسعة، وكم يجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب ضمان الكل؛ لأن الهلاك حصل بفعله.
والثاني: لا يجب ضمانُ الكل؛ لأن الهلاك حصل بثقل الكل؛ فعلى هذا: كم يجب عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: عليه ضمان النصف؛ كما لو جرح رجلان رجلًا احدهما جراحةً، والآخر تسعًا، فمات المجروح - فالدية عليهما نصفان.
والثاني: عليه عشر الضمان؛ لأن الهلاك حصل بعدله، وتسعة أمثاله.
وهذا بناء على ما لو ضرب الجلاد في حد القذف أحدًا وثمانين، فمات المضروب - كم يجب عليه من الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: نصف الدية.
والثاني: جزءٌ من أحدٍ وثمانين جزءًا من الدية؛ لأنه لم يتعد إلا بضرب سوط [واحد]، والله أعلم.
[ ٧ / ١٩٠ ]
باب: من العاقلة التي تُغرم؟
ثبت عن رسول الله - ﷺ-: "أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين".
وقد ذكرنا: أن الدية في الخطإ وشبه العمد - تكون على العاقلة، وليس ذلك يقاس؛ لما فيه من مؤاخذة غير الجاني بجناية الجاني، ولكن أهل القبائل كانوا يقومون بنصرة من جنى من قبيلتهم، ويمنعون أولياء المجني عليه من طلب حقه؛ فجعل الشرع تلك النصرة ببذل المال، واختص التحمل بالخطأ، وشبه العمد؛ لأنه مما لا يمكن الاحتراز عنه، ويكثر [ذلك] من الإنسان - ففي إيجاب ضمانه في ماله إجحاف به؛ فأوجبه على العاقلة؛ على طريق المواساة؛ لكون الجاني معذورًا فيه، وجعله مؤجلًا عليهم؛ نظرًا لهم في تلك المواساة، ولا يجب [شيء منه] على الجاني، ولا على أحد من بنيه، ولا من أولاد بنيه، ولا على أبيه، ولا على احد من أجداده، لأنه لما لم يجب على الجاني - لا يجب على من بينه وبين الجاني بعصبةٍ، حتى لو كان ابن القاتل ابن عمه أو معتقه أو أبوه معتقه - فلا يتحمل؛ لوجود البعضية.
وعند أبي حنيفة -﵀ - يجب على أبيه وابنه، ويجب في ماله إذا كان عاقلًا بالغًا ذكرًا ما يجب على واحدٍ من العاقلة، والسنة حجة لمن لم يوجب.
ثم الوجوب يلاقي الجاني، ثم تتحمل عنه العاقلة أم يلاقي العاقلة ابتداء
لأصحابنا فيه جوابان:
أصحهما: يلاقي الجاني، ثم تتحمل عنه العاقلة، [بدليل أن الجاني لو] لم تكن من أهل أن تتحمل عنه؛ بأن كان مرتدًا- تؤخذ الدية من ماله، وإن كان ذميًا، وعاقلته أهل حرب - تؤخذ من ماله.
ولو أقر على نفسه بقتل خطإ، وكذبته العاقلة - تكون الدية في ماله.
والثاني: تجب على العاقلة ابتداء؛ بدليل أنه لا يطالب [به] الجاني.
وفائدته تتبين فيما إذا لم يكن للقاتل عاقلة، أو كانوا معسرين، ولم يكن في بيت
[ ٧ / ١٩١ ]
المال مالٌ أو كان، ولم يدفع - هل تؤخذ من مال الجاني؟ فيه قولان:
إن قلنا: الوجوب يلاقي الجاني - تؤخذ من ماله، وهو الأصح؛ كالذمي إذا جنى، ولا عاقلة له - تؤخذ الدية من ماله.
والثاني: لا تؤخذ؛ لأن محل جنايته بيت المال؛ [فينظر] حتى يحصل فيه مالٌ، وتؤخذ منهن فإن قلنا: تجب على الجاني عند عدم العاقلة وبيت المال فهل تجب على أبيه أو ابنه؟ فيه وجهان
أصحهما: تجب، وتبدأ بأبي القاتل وابنه، ثم بالقاتل، لأنا لم نحملهما لبعضية القاتل، فإذا أوجبنا على القاتل - فعليهما أولى.
والثاني: لا تجب عليهما؛ لأن الإيجاب على القاتل؛ لما أن الوجوب لاقاه، والأب والابن لم يجب عليهما حتى يقال: تبقى عليهما؛ إذا لم يكن من يتحمل.
قال الشيخ ﵀-: وهذا عندي أولى؛ بدليل [أنه] إذا أمر على نسه بقتل خطإ، وكذبته العاقلة، وصدقه أبوه وابنه - تكون الدية في ماله، ولايجب على أبيه وابنه شيء.
فصلٌ
والعاقلة الذين يحملون العقل هم رجال العصبة سوى الآباء والبنين، وترتيبهم فيه كترتيب الميراث.
فإن قل العقل - وفي الأقرب منهم وفاء لاتؤخذ من الأبعد، وإن كثروا، ولم يكن في الأقربين وفاءٌ - شارك الأبعد الأقرب؛ بخلاف الميراث؛ حيث لا يشارك فيه الأبعد الأقرب؛ لان ما يتحمل كل واحد من العاقلة مقدرٌ بتقديرٍ، لا يجاوز وما يرثه غير مقدرٍ.
فيبدأ بالإخوة للأب والأم، ثم بالإخوة للأب، وفيه قولٌ آخر يسوى بين الأخ للأب والأم والأخ للأب؛ كما قيل في التزويج، والأول أصح.
ثم بعد الإخوة بنو الإخوة للأب والأم، وللأب؛ يقدم الأقرب فالأقرب؛ سواء كان الأقرب [لأب] وأم، أو لأب: فإن استويا في الدرجة - يقدم من هو لأب وأم على من هو لأبٍ؛ على أصح القولين:
فإن لم يكن أحدٌ من بني الإخوة، وإن سفلوا أو لم يكن منهم وفاءٌ - فالعم للأب والأم،
[ ٧ / ١٩٢ ]
ثم العم للأب، وقيل: يسوى بينهما، ثم بنوا العم، وإن سفلوا، ثم عم الأب ثم بنوه، ثم عم الجد، وإن علوا؛ على هذا الترتيب.
فإن لم يكن أحدٌ من عصبات النسب - فالمعتق؛ ثم عصباته، ولا يجب على ابن المعتق، ولا على أبيه؛ كما لا يجب على ابن الجاني وأبيه، وقيل: يجب على ابن المعتق وأبيه؛ لأنه لا بعضية بينه وبين الجاني؛ كما يجب على المعتق، والأول هو المذهب.
فإن كان المعتق امرأة - فلا يجب عليها، والمذهب: أنه لا يجب- أيضًا - على أبيها، ولا ابنها، ويجب على سائر عصباتها، لما روي عن عمر - ﵁ - أنه قضى على عليٍّ بن أبي طالب - ﵁- بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب، وقضى للزبير بميراثهم؛ لأنه ابنها؛ فأوجب العقل على عليِّ - ﵁- لأنه ابن أخيها، ولم يوجب على ابنها الزبير.
فإن لم يكن أحدٌ من عصبات المعتق - فعلى معتق المعتق، ثم عصباته، سوى الأب والابن.
فإن كان الرجل [حر] الأصل - فعلى أبيه، ولا يجب على موالي الأب، وكذلك: على موالي أب الأب قال الشيخ - ﵀ -: إن لم يكن على أبيه ولاء للغير -غرم معتق الأم والجدات.
قال - ﵀-: إذا كان الأب مملوكًان فتجب على موالي الأم، وهل يتحمل مولى الأسفل؟ فيه قولان:
أصحهما: - وبه قال أبو حنيفة - ﵀-: لا [يتحمل]؛ كما لا يرث.
والثاني: يتحمل بعد المولى الأعلى؛ إن لم يكن في عصبات النسب والولاء وفاءٌ؛ بخلاف الميراث؛ لأنه بمقابلة النعمة التي للمعتق؛ بسبب الإعتاق، وليست تلك النعمة للمعتق، ويتحمل العاقلة للنصرة، فإذا نصر المعتق مولاه - فالمعتق أولى بنصرة معتقه: فإن قلنا: تؤخذ من المولى الأعلى، والأسفل لا تؤخذ من عصباته، ويتقدم على بيت المال: فإن لم يكن [أحدٌ من عصبات النسب، ولا من عصبات الولاء، أو لم يكن] فيهم وفاءٌ - تؤخذ
[ ٧ / ١٩٣ ]
من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال [مالٌ]- هل تؤخذ من الجاني، أم ينتظر حتى يظهر في بيت المال مالٌ؟ فيه قولان:
ولا يتحمل أهل الديوان بعضهم عن بعض، ولا الحليف ولا العديد الذي يعد نفسه من قوم، ولم يكن منهم.
وعند أبي حنيفة: أهل الديوان يتحملون، ويتقدمون على الأقارب، وكذلك: يتحمل الحليف [عنده].
فنقول: قضى النبي - ﷺ - بالدية على العاقلة ولم يكن في عهده ديوان، وإنما أحدث في زمن عمر، فلا ينزل حكم استقر في عهد النبي - ﷺ- ويبني على أمرٍ حدث من بعدُ.
وإنما يتحمل العقل من كان حرًا بالغًا عاقلًا ذكرًا؛ فلا يتحمل العبدُ، ولا الصبي، ولا المجنون، ولا المرأة؛ لأن التحمل للنصرة، وهؤلاء ليسوا من أهل النصرة.
وكذلك الكافر لا يتحمل عن المسلم، لأنه لا ينصر المسلم، وقد قطع الله الموالاة بينهما.
ويتحمل المريض إذا لم يبلغ حد الزمانة، والشيخ الكبير إذا لم يبلغ حد الهرم؛ فإن بلغ المريض حد الزمانة، والشيخ حد الهرم ففيه وجهان؛ بناء على القولين في جواز قتلهما من الكفار عند الأسر.
ولا يؤخذ من الخنثى؛ لاحتمال أنه أنثى، فإن بان ذكرًا، أو اختار الذكورية قبل انقضاء النجوم - فيتحمل في الباقين وهل يغرم مااداه غيره من حصته قبل بيان حاله؟ فيه وجهان:
ولا يجب على الفقير أن يحتمل العقل؛ لأن تحمل العقل للمواساة، وليس هو من أهل المواساة؛ كما لا تجب عليه الزكاة؛ بخلاف الجزية؛ لأنها أجرة سُكنى الدار، والفقير ساكنها.
وتؤخذ الدية من العاقلة في ثلاث سنين في ل سنة ثلثها؛ روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر.
[ ٧ / ١٩٤ ]
وعند ربيعة: تؤخذ خمس سنين.
أما دية الطرف: إن كانت قدر ثلث دية النفس أو أقل - فتؤخذ في سنة واحدةٍ؛ لأنه لا يجب على العاقلة شيء في أقل من سنة وإن قل الواجب، مقدرًا كان أو حكومة.
وإن كان الواجب أكثر من الثلث، ولم يزد على الثلثين؛ بأن قطع إحدى يديه - يؤخذ الثلثان منهما، وهو ثلث دية النفس في سنةٍ، والباقي، وإن قل في سنة.
إن كان أكثر من الثلثين، ولم يزد على دية النفس - تؤخذ في ثلاث سنين الثلث: في السنة الأولى وفي الثانية: الثلث، والباقي في السنة الثالثة.
وإن زاد على دية النفس، بأن قطع يديه ورجليه- فعليه ديتان، وتؤخذ في ست سنين في ل سنة ثلث دية على الأصح.
وقيل: يؤخذ الكل في ثلاث سنين؛ لأن الأطراف تابعةٌ للنفس، ولا تزاد مدتها على مدة بدل النفس.
والأول المذهب، كما يزاد بدلها على بدل النفس.
وإن وجب بالجناية دية نفسٍ ناقصةٍ؛ كدية المرأة والذمي والجنين - ففيه وجهان:
أحدهما: يجب في ثلاث سنين: في كل ستةٍ ثلثها؛ لأنها دية نفس كدية الحر المسلم.
والثاني: أنه كأرش الأطراف، إذا انتقص [عن الدية]؛ لأنه أقل من الدية الكاملة.
فعلى هذا: دية المرأة تؤخذ في سنتين: الثلثان منها في سنةٍ، والثلث في سنةٍ.
ودية الذمي في سنةٍ، كتابيًا كان أو مجوسيًا؛ لأن دية الكتابي ثلث دية المسلم، والمجوسي - وإن كانت ديته أقل - فلا تؤخذ في اقل من سنة وكذلك دية الجنين.
ولو قتل عبدًا خطأ، أو شبه عمدٍ، وقلنا: تحمل بدله العاقلة: فإن كانت قيمته مثل دية حر - تؤخذ في ثلاث سنين، وإن كانت أقل - فعلى وجهين؛ كالدية الناقصة.
أحدهما: تؤخذ في ثلاث سنين، وإن قلت.
والثاني: إن كانت قدر ثلث الدية - ففي سنة، وإن كانت أكثر من الثلث، ودون الثلثين - ففي سنتين، وإن كانت أكثر من الثلثين - ففي ثلاث سنين، وإن كانت قيمته مثل دية حر - ففيه وجهان:
[ ٧ / ١٩٥ ]
أحدهما: تؤخذ في ثلاث سنين، وإن كانت كدية الحر.
والثاني: في ست سنين؛ لأنها قدر ديتين إذا زاد يزاد في المدة.
وابتداء المدة في القتل يكون من وقت زهوق الروح؛ سواء كان القتل موجبًا، [أو قطع عضوًا منه، أو جرحه؛ فسرى إلى النفس بعد مدة].
وإن قطع عضوًا. منه - نظر:
إن وق؛ فيكون ابتداؤها من وقت القطع، وإن سرى إلى عضو آخر؛ مثل: عن قطع إصبعه، فسرى إلى الكف - يكون من وقت سقوط الكف؛ لأن تلك الحالة حالة استقرار الجناية.
وإن قتل رجلين خطأ، فيكون ابتداء مدة كل واحد - من وقت قتله، وإن قتلهما معًا - فمن ذلك الوقت على عاقلته ديتان في ثلاث سنين: لكل واحد في كل سنةٍ ثلث الدية.
وعند أبي حنيفة-: [يكون] ابتداء المدة من وقت حكم الحاكم؛ لوجوب الدية على العاقلة، والاعتبار فيما يؤخذ من العاقلة بآخر الحول؛ كالزكاة.
فإن تم الحول، ولهم إبلٌ - فعليهم، وإن لم يكن لهم إبلٌ - فتؤخذ قيمتها؛ على القول الجديد، وفي القديم: يؤخذ بدلٌ مقدر من التقدير، فإن وجدت الإبل بعد الحول قبل أخذ القيمة؛ بأن تأخر بعسر أو مطل فعليهم الإبل، وإن وجدت بعد أخذ البدل - ليس له أن يعود إلى الإبل؛ لأن باءة الذمة قد حصلت بدفع البدل.
وكذلك يعتبر يسار المؤدي وإعساره، وتوسطه بآخر الحول.
فإن كان موسرًا في أول الحول، معسرًا في آخره - لا شيء عليه لذلك الحول.
وإن كان متوسطًا في آخره - فعليه ما على المتوسط.
وإن كان معسرًا في أول الحول، موسرًا في آخره - أخذه منه.
وإن كان في أول الحول كافرًا أو عبدًا أو صبيًا أو مجنونًا، وكان مسلمًا حرًا بالغًا عاقلًا في آخره - هل تؤخذ تلكل السنة؟ فيه وجهان:
[ ٧ / ١٩٦ ]
أحدهما: بلى؛ كما لو كان معسرًا في أول الحول، موسرًا في آخره.
والثاني: -وهو الأصح-: لا تؤخذ؛ لأنهم لم يكونوا في ابتدائه من أهل النصرة؛ بخلاف المعسر؛ ولا خلاف: أنه لو وجد تغير الحال في الحول الثاني لا يؤخذ للأول، ويؤخذ للحول الثالث.
ولو غُرم النجم الأول، فأعسر في الحول الثاني، أو جن - فلا شيء عليه للحول الثاني.
ومن صار من أهل التحمل من العاقلة بعد مضي الأحوال الثلاثة-[لا تؤخذ منه.
وكذلك من صار من أهله بعد مضي حول - لا تؤخذ لما مضى، وقد مضى الأحوال الثلاثة]، إذا لم يكن في العاقلة وفاءٌ - تؤخذ الباقي من بيت المال، وكذلك لك حول يمضي، ولم يحصل منه الثلث يكمل من بيت المال، ولا يوزع على المسلمين.
ولو مات واحدٌ من العاقلة في خلال الحول - لا شيء عليه لذلك الحول؛ كما في الزكاة ذا مات رب المال في خلال الحول - لا زكاة عليه؛ بخلاف الجزية، إذا مات الذمي في أثناء الحول - تؤخذ منه بقدر ما مضى من الحول؛ لأن الجزية بدل السكنى؛ كالأجرة، ولو مات بعد مضي الحول - تؤخذ حصة ذلك الحول من تركته.
وعند أبي حنيفة - تسقط.
وإن لم يكن للقاتل عاقلةٌ، أو كانوا معسرين - فالدية في بيت المال في ثلاث سنين؛ لقول النبي - ﷺ -: "لا يترك في الإسلام مفرج".
ولا يجوز الإجحاف بالعاقلة فيما يؤخذ منهم؛ لا يؤخذ من كل موسرٍ في كل سنة إلا نصف دينار، ومن كل متوسط إلا ربع دينار، حتى يشترك جماعةٌ في بعير؛ فحمله كما ما يؤخذ من الموسر دينار ونصف، ومن المتوسط نصف دينار وربع، واليسار على العادة، ويختلف باختلاف الأزمان والبلدان.
وإنما قدرنا الأول بربع دينارٍ؛ لخروجه عن حد الفاقة، وما دونه تافه؛ بدليل أنه لا يقطع فيه يد السارق، ولا تحصل المواساة بالشيء التافه.
وأوجبنا على الغني نصف دينار؛ لأنه أقل قدر يؤخذ من الغني في الزكاة التي فُرضت للمواساة.
وعند أبي حنيفة: يؤخذ من كل واحد من ثلاثة دراهم على أربعة، غنيًا كان أو فقيرًا، أو متوسطًا.
[ ٧ / ١٩٧ ]
ولو كان الجاني عتيق رجلين- فالمعتقان كشخص واحد، إن كانا موسرين - فعلى كل واحد ربع دينارٍ.
وإن كانا متوسطين - فعلى كل واحد ثمن دينار؛ لأن كل واحد لم يعتق إلا نصفه، فإن كان لمعتق واحدًا، وله أخوان - فعلى كل واحد نصف دينار، إن كان موسرًا.
وإن كان متوسطًا - فربع دينار، كما لو كان للجاني أخوان، وكما تحمل العاقلة بدل النفس تحمل بدل الطرف والحكومات كلها.
قلت: أم ثرت، حتى لو جرحه جراحة خطأ، أرشها درهم فأقل يكون على العاقلة.
وقال مالك: ما دون ثلث الدية يكون في ماله.
وعند أبي حنيفة: ما دون أرش الموضحة لا تحمله العاقلة.
ثم ناقضوا؛ فقالوا: قيمة العبد تحمله العاقلة، وإن كانت قليلة.
وكذلك قالوا: لو اشترك جماعة في قتل نفس - تحمل عواقلهم [الدية] وإن خص كل واحد أقل من أرش موضحة، ومن قتل نفسه، أو جنى على طرفه، عمدًا أو خطأ - فهو هدرٌ.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق -رحمة الله عليهم- من قتل نفسه خطأ - تجب ديته على عاقلته ولورثته.
وهذا لا يصح؛ لأن الدية لو وجبت، لوجبت له؛ بدليل أن غيره لو قتله - كانت الدية مصروفة إلى ديونه ووصاياه، ولا يجوز أن يجب له بجنايته غرمٌ؛ كما لو أتلف مال نفسه -لا يجب له شيء.
ولو أقر رجلٌ على نفسه بقتل خطإ أو شبه عمدٍ - نظر:
إن صدقته العاقلة - فعلهم الدية.
وإن كذبته - فللمقر تحليفهم على أنهم لا يعلمون قتله؛ فإذا حلفوا - تكون الدية في مال المُقر مؤجلة إلى ثلاث سنين؛ بخلاف ما لو أقر لإنسان بدين مؤجل - لا يقبل قوله في الأجل؛ على أحد القولين؛ لأن دية الخطأ لا توجب إلا مؤجلة؛ بدليل ثبوت الأجل فيها من غير ذكر، وسائر الديون تكون مؤجلة وحالة، ولا يثبت الأجل فيها إلا بالذكر، ثم إذا مات المقر - هل يحل الأجل؟ فيه وجهان:
[ ٧ / ١٩٨ ]
أحدهما: يحل؛ كسائر الديون المؤجلة تحل بموت من عليه.
والثاني: لا يحل؛ لأن الأجل ثبت في الدية شرعًا؛ كما لو مات واحد من العاقلة في خلال الحول - لا يحل عليه.
والأول عندي أصح؛ لأنه بعد موته يتعلق بالتركة، ولا أجل في الأعيان؛ بخلاف العاقلة؛ لأن الوجوب على العاقلة بطريق المواساة؛ فسقط [بموته] قبل الأجل، والوجوب على الجاني نظرٌ للمستحق؛ حتى لا يضيع حقه، فإذا مات من عليه - أخذ من تركته، وإن مات المقر معسرًا - هل تؤخذ الدية من بيت المال؟ قال الشيخ ﵀: يحتمل ألا تؤخذ؛ كما لو كان معسرًا في الحياة؛ لأن ما ثبت بالاعتراف لا يري فيه التحمل؛ كما لا تحملها العاقلة؛ ويحتمل أن تؤخذ كمن لا عاقلة له.
وقال أبو ثور، والمزني - رحمة الله عليهما -: إذا أقر على نفسه بقتل الخطإ - لا تجب الدية على أحدٍ؛ لأن وجوب دية الخطإ على [عاقلته] ولا يقبل إقراره على غيره.
ولو ادعى على رجل قتل خطإ أو شبه عمد، فأنكر: فإن أقام المدعي بينة [أو أقام شاهدًا وحلف معه - تجب الدية على العاقلة، وإن لم تقم بينة - فالقول قول المدعى عليه مع يمينه] فإن نكل، وحلف المدعى - هل تجب الدية على العاقلة، وإن لم يقم بينةً - فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
فإن نكل، وحلف المدعي - هل تجب الدية على العاقلة من غير تصديقهم أم يكون في مال المدعى عليه؟ يبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار من المدعى عليه أو بمنزلة البينة من المدعى
إن قلنا: بمنزلة الإقرار - يكون في مال المدعى عليه.
وإن قلنا: بمنزلة البينة - فعلى العاقلة؛ كما لو أقام بينة.
وقيل في ماله؛ لأنه كالبينة في حق المتداعيين دون غيرهما.
قال الشيخ ﵀: إذا أقر على نفسه بجناية خطإ، ولا عاقلة له: فإن صدقة السلطان - كانت الدية في بيت المال؛ وغلا - ففي ماله، وإن كانت له عاقلةٌ كذبته، وهو معسرٌ أو مات معسرًا - يحتمل ألا يؤخذ من بيت المال؛ لأن المتحمل هو العاقلة؛ إذا كانوا موجودين؛
[ ٧ / ١٩٩ ]
فإن كذبوا - لا تجب في بيت المال، فن ماتت العاقلة، ثم صدقه السلطان - تؤخذ من بيت المال.
باب أين تكون العاقلة
إذا جنى رجلٌ خطأٌ، ووجبت الدية على عاقلته: فإن كانت العاقلة كلهم حضورًا وزع الإمام الدية عليهم، وقدم الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن في الأقربين وفاءٌ - شارك الأبعد الأقرب، وإذا وزعنا عليهم، وأخذنا من كل موسرٍ نصف دينارٍ، ومن كل متوسط ربع دينارٍ، فلم يحصل منهم جميعاص -يؤخذ الباقي من بيت المال، وإن كانوا في درجة واحدة، وكثروا بحيث لو وزعنا على جميعهم - خص كل واحد منهم أقل من نصف دينار أو ربع دينار- هل للإمام أن يختار منهم جماعة تأخذ نم كل موسرٍ نصف دينارٍ، ومن كل متوسط ربع دينار، ويدع الباقين؟ فيه قولان:
أقيسهما: لايجوز؛ لأنه حق وجب على جميعهم؛ فلا تؤخذ من بعضهم؛ فعلى هذا: يوزع على جميعهم، وينقص عن النصف والربع.
والثاني: يجوز أن يخص [به] بعضهم على اجتهاده؛ لأن في توزيعه على جماعتهم مشقة وزيادة مؤنة.
وإن كانت العاقلة غيبًا؛ مثل: إن جنى بمكة، وعاقلته بالشام - فحاكم مكة لا ينتصر حضور العاقلة؛ بل يتب إلى حاكم الشام؛ حتى يأخذ العقل منهم.
وإن كان بعض عاقلته بمكة، وبعضهم بالشام- نظر:
إن كان من بمكة أرب ممن بالشام- وزع عليهم: فإن لم يكن فيهم وفاءٌ - كتب إلى حاكم الشام؛ ليأخذ الباقي ممن ببلده.
وإن كان من بمكة أبعد ممن بالشام - هل للحاكم أن يأخذ من الأباعد الحضور، أم يكتب إلى حاكم الشام؛ ليأخذ من الأقارب؟ فيه قولان:
وكذلك: إذا استوى الحضور والغيب في الدرجة، وفي الحضور وفاء- هل يأخذ من الحضور [أم يسوى بين الكل؟ فيه قولان:
أصحهما: يسوى بين الكل.
والثاني: يأخذ من الحضور لأنه أسهل في وصول المجني عليه إلى حقه، والله أعلم.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
باب عقل من لا يعرف نسبه
من لا يعرف نسبه: إذا قتل شخصًا خطأ؛ كواحد من الأعاجم أو الترك أو النوبة أولقيطٍ لا تعرف له قبيلة قتل شخصًا - لا تجب ديته على أهل بلده؛ بل يكون في بيت المال.
فإن ادعي نسبه رجلٌ، أو انتسب على ميت، فأقر به ورثته - ثبت نسبه، وأخذت الدية من عصباته، وإن قامت بينة على أنه من قبيلة أخرى كان الحكم للبينة [وكذلك من اشتهر نسبه من قبيلة - فعلى عصبته فيهم الدية، فإن قامت بينة على أنه من قبيلة أخرى - كان الحكم للبينة].
فإن قال قوم: إنه ليس من تلك القبيلة - فلا يدفع النسب بالسماع.
والذمي إذا جنى خطأ - فالدية على عاقلته الذميين، وإن اختلفت مللهم حتى أن اليهودي يتحمل من النصراني والمجوسي بالعصوبة، وكذلك الذمي مع المستأمن - يتحمل كل واحد عن صاحبه بسبب القرابة، ولا يتحمل المسلم عن قريبه الذمي؛ كما لايتحمل الذمي عن المسلم؛ لانهما لا يتوارثان. [وإن كانت عاقلة الذمي أهل حرب، أو لم تكن له عاقلة أو كانوا معسرين - فالدية في مال الجاني، ولا تجب في بيت المال؛ بخلاف المسلم إذا جنى خطأن ولا عاقلة له، تؤخذ من بيت المال؛ لأن المسلم إذا مات، ولا وارث له - يصرف ماله إلى بيت مال المسلمين [إرثًا لعامة المسلمين]، فلما ورث منه بيت المال - تحمل ديته، ومال الذمي والمستأمن يموت؛ يوضع في بيت المال فيئًا لا إرثًا؛ فلا يتحمل عقله.
وإذا أوجبناه في مال الذمي عند عدم العاقلة - هل يتحمل أبوه وابنه- اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: يتحمل؛ لأن الأرش يسقط عن أب الجاني وابنه بالمعنى الذي يسقط عن الجاني؛ فلما وجب - ههنا - على الجاني - وجب على أبيه وابنه.
والثاني: لا يتحمل؛ لأنه ليس بجانٍ، ولا عاقلة، وهذا هو الأصح عندي؛ لأنه ليس من أهل التحمل بحال.
[ ٧ / ٢٠١ ]
وأما المرتد إذا قتل إنسانًا خطأ - فالدية في ماله مؤجلة إلى ثلاث سنين؛ لأنه لا عاقلة له؛ فن مات يسقط الأجل، وأخذت من تركته عاجلًا، والله أعلم.
بابُ: وضع الحجر
إذا وضع حجرًا في موضع، فعثر به إنسان، فهل، أو تلف عضو من أعضائه، اونصب شبكة [في موضع] فتعلق بها، فهلك - نُظر:
إن فعل في ملكه، أو في موات، أو في صحراء - لا ضمان عليه.
وإن فعل في طريق الناس - تجب الدية على عاقلته.
وإن هلكت به دابةٌ - تجب القيمة في ماله.
وكذلك: لو رش الطريق - عند باب داره، أو أبعد، ورمى فيه قشور البطيخ أو الرمان، فزلق به رجل إنسان أودابة - يجب الضمان.
وإن رمى القشور في صحراء، أو موات - فلا يجب به الضمان.
ولو حفر بئرًا في ملكه، أو في موات للتملك أو للارتفاق - فلا يضمن ما يقع فيها.
ولو حفر في طريق الناس - نظر:
إن كان الطريق ضيقًا يستضر به الناس - فيجب ضمان ما يقع فيه؛ سواء فعل بإذن الإمام أو دون إذنه.
وإن كان الطريق واسعًا لا يستضر به الناس- نظر:
إن حفر لمصلحة -[نفسه]- يلزمه الضمان؛ وإن فعل بإذن الإمام؛ لأنه لا يختص بشيء من طريق المسلمين.
وإن حفر لمصلحة المسلمين: فإن حفر بإذن الإمام - فلا ضمان عليه.
وإن حفر بغير إذن الإمام - ففيه وجهان:
أصحهما: لا يضمن؛ لأنه حفرها لمصلحة المسلمين؛ كما لو كان بإذن الإمام [فلا ضمان].
الثاني: يضمن؛ لأن الناظر للمسلمين هو الإمام، فما يتعلق بمصالحهم - يختص به.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
وكذلك لو بنى مسجدًا في طريق لا ضرر فيه على الناس، فسقط على إنسان: إن فعل بإذن الإمام - فلا ضمان عليه؛ وإلا فوجهان:
ولو علق قنديلًا في مسجد، أو بنى سقفًا، أو نصب عمادًا أوطينه، فسقط على إنسان أو حفر فيه بئرًا، لمصلحة المسجد، أو فرش فيه حصيرًا، فزلقت به رجل إنسان، أو رش به حشيشًا، فقذيت به عين إنسان ساجد.
فإن فعل بإذن القيم - لا ضمان عليه؛ كما لو فعله القيم، وإن فعل بغير إذنه- فعلى قولين:
وعند أبي حنيفة - ﵀: إن لم يكن من أهل المحلة - ضمن، وهو قول أبي إسحاق.
وكذلك: لو وضع دنا على بابه؛ ليشرب الناس، فإن فعلها بإذن الإمام - لا يضمن كل ما تلف به.
وإن فعل دون إذنه - فعلى وجهين؛ بخلاف ما لو بنى دكةً على بابه، فهل بها شيء ضمن؛ لأنه فعل لمصلحة نفسه.
وكذلك السوقي، إذا وضع متاعه في الطريق؛ فعثر به إنسانٌ أو بهيمةٌ - يضمن ما هلك بسببه.
ولو حفر بئرًا في ملك نفسه، أو وضع حباله أو حجرًا أو سكينًا، فدخله رجلٌ، فتردى في البئر، أو وقع في الحبالة أو على السكين، فهلك - نظر:
إن دخل بغير إذنه - لا ضمان (على أحدٍ)، وإن دخل بإذنه: إن أعلمه به - فلا ضمان، وإن لم يعلمه - فعلى قولين.
وبعضنا فصلوا؛ فقالوا: ننظر: إن كان المدخل متعددًا، أمكنه الدخول من باب آخر - فلا ضمان، وإن كان المدخل واحدًا - نظر: إن كان الداخل بصيرًا وكان بالنهار، والبئر مكشوفة الرأس - فلا ضمان، وإن كان الداخل أعمى، أو كان ليلًان أو كانت البئر مغطاة - ففي ووب الضمان قولان؛ كما لو قدم إليه طعامًا مسمومًا، وأكله، فمات -هل يجب الضمان؟ فيه قولان:
وكذلك: لو كان في داره دابة رموحٌ، أو كلب عقور، فعقر أو رمح الداخل - قال الشيخ
[ ٧ / ٢٠٣ ]
﵀-: الصحيح: أنه على قولين، إذا لم نعلمه من غير تفصيل؛ كما لو حفر بئرًا في الطريق - لا فرق بين أن يقع فيه بصيرٌ أو أعمى بالليل أو بالنهار.
ولو حفر بئرًا في ملك الغير بغير إذن المالك، أو وضع حجرًا، فهلك به شيءٌ لمالك الدار - يجب الضمان على الحافر.
ولو دخله رجلٌ، فهلك به- نُظر:
إن دخل بغير إذن المالك - فهل يجب الضمان على الحافر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لتعديه بالحفر.
والثاني: لا يجب؛ لأن الداخل متعد بالدخول.
ولو دخل بإذن المالك.
فإن أعلمه المالك به - فلا ضمان على أحد.
وإن لم يعلمه - يجب الضمان على الحافر وقيل: إن كان المالك عالمًا به، فلم يعلم الداخل - فالضمان عليه، ون كان جاهلًا - فعلى الحافر.
ولو وضع حجرًا في شارع. ووضع آخر [بجنبه] سكينًا، أو حفر بئرًا، [فتعقل رجل بالحجر، فوقع على السكين، أو في البئر]، فن مات - فالدية على عاقلة واضع الحجر؛ لأنه بمنزلة الدافع له في البئر؛ كما لو كان في يده سكين، فألقى رجل عليه إنسانًا- يجب القصاص على الملقي، فلو أن صاحب السكين أنحى السكين نحوه، حين ألقاه الملقي - فالقصاص على صاحب السكين.
أما إذا وضع حجرًا في ملكه، ونصب أجنبي سكينًا بقربه، أو وضع الأجنبي حجرًا، ونصب المالك سكينًا، فعثر إنسانٌ بالحجر، ووقع على السكين، فمات [به] فالدية على عاقلة الأجنبي دون المالك، سواء كان الأجنبي واضع الحجر، أو ناصب السكين؛ لأنه المتعدي فيما فعل.
ولو حفر [بئر عدوان] أو وضع سكينًا، فألقى السيل أو الريح، او سبع أو حربي إنسانًا في البئر أو على السكين، فهلك - لا ضمان على أحدٍ.
ولو حفر بئر عدوان، فوضع آخر في أسلفها سينًان فسقط رجلٌ في البئر على
[ ٧ / ٢٠٤ ]
السكين، فهلك - فالدية على عاقلة الحافر.
ولو وضع حجرًا في الطريق فتعقل به رجلٌ، فدحرجه، ثم تعقل به رجلٌ آخر، فهلك - فالضمان على عاقلة المدحرج، ويجعل كأنه وضعه.
ولو وضع رجلٌ حجرًا في الطريق، ووضع رجلان حجرًا آخر بجنبه، فتعقل بالحجري، رجل، ومات - فوجهان:
أصحهما: الدية على عواقل الثلاثة أثلاثًا؛ كما لو مات من جرح ثلاثةٍ.
والثاني: على المنفرد نصفه، وعلى الآخر) نصفه.
ولو بالت دابته أو راثت، فزلقت به رجل إنسان، أو دابة فهلك أو طار شيء من بوله إلى طعام إنسان، فنجسه نظر:
إن كانت الدابة في ملكه - لا ضمان عليه.
وإن كانت في الطريق - نظر:
إن كان المالك معها - يجب الضمان، سواءٌ كانت الدابة واقفة أو في اليسر.
وإن لم يكن المالك معها - فلا ضمان عليه؛ إن كانت مرسلة، وإن كان قد أوقفها أو ربطها في الطريق -يجب الضمان؛ إن كان الطريق ضيقًا، وإن كان واسعًا - لا يجب.
قال الشيخ ﵀-: وجب أن يجب الضمان؛ سواء كان الطريق ضيقًا أو واسعًا؛ لأنه لمصلحة نفسه.
وإن وُجد من صاحب الطعام [تعد]؛ بأن وضع الطعام على متن الطريق، فأصابه البول - لا يجب الضمان: وإن كان المال مع الدابة.
وكذلك: إذا تعمد المشي على البول أو على قشور البطيخ، أو صعد الحجر، أو نزل البئر، فسقط- فلا ضمان.
ولو وقع رجلٌ في بئر، ووقع آخر خلفه عليه من غير جذب: فإن مات الأول وجبت ديته على عاقلة الثاني؛ سواء كان الثاني بصيرًا أو أعمى؛ لأنه مات بوقوعه عليه؛ رُوي عن علي بن أبي رباح اللخمي: أن بصيرًا كان يقود أعمى؛ فوقعا في بئر، ووقع الأعمى فوق
[ ٧ / ٢٠٥ ]
البصير، فقتله، فقضى عمر - ﵁ بعقل البصير على الأعمى.
وإن مات الثاني كان دمه هدرًا؛ لأن البئر ليست بئر عدوان؛ فلا صنع لأحدٍ في هلاكه.
وإن ماتا جميعًا - فدية الأول على عاقلة الثاني، ودم الثاني هدرٌ، ولو أن الثاني ألقى نفسه على الأول عمدًا، فقتله - عليه القود، إن جذب الأول الثاني: فإن مات الأول - فدمه هدرٌح لأنه مات بفعل نفسه، وإن مات الثاني - فديته على الأول، وإن كانوا ثلاثةً: وقع الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وماتوا - نُظر: إن كان وقوعهم من غير جذبٍ - وجبت دية الأول على عاقلة الثاني والثالث: لأنه مات بوقوعهما عليهن وتجب دية الثاني على عاقلة الثالث، ودم الثالث هدرٌ.
وإن جذب بعضهم بعضًا: فالأول جذب الثاني، والثاني جذب الثالث، وماتوا - فنصف دية الأول هدرٌ؛ لأنه جنى على نفسه بجذب الثاني إليه، ونصفها على عاقلة الثاني بجذبه الثالث، ودية الثاني نصفها هدرٌ؛ لجذبه الثالث، إليه ونصفها على عاقله الأول لجذبه إياه، ودية الثالث كلها على عاقلة الثاني، لجذبه إياه.
ولو حفر رجلٌ بئر عدوان، فتردى فيها رجلٌن فجب آخر، والآخر تعلق بثالثٍ، فجذبه، والثالث جذب رابعًا، وماتوا - نظر:
إن وقع كل واحدٍ في جانب من البئر - فدية الأول على عاقلة الحافر، ودية الثاني على عاقلة الأول، ودية الثالث على عاقلة الثاني، ودية الرابع على عاقلة الثالث.
ولو وقع كل واحد على صاحبه، فماتوا - ففيه وجهان:
أصحهما: دية الأول أرباعٌ، ربعها هدرٌ؛ لجذبه الثاني إليه، وربعها على عاقلة الحافر، وربعها على عاقلة الثاني؛ لجبه الثالث، وربعها على عاقلة الثالث؛ لجبه الرابع، ودية الثاني أثلاث: ثلثها هدرٌ؛ لجذبه الثالث إليه، وثلثها على عاقلة الأول، لجذبه إياه، وثلثها على عاقلة الثالث، لجذبه الرابع.
ودية الثاني نصفان: نصفها هدرٌ؛ لجذبه الرابع إليه، ونصفها على عاقلة الثاني؛ لجذبه إياه، ودية الرابع كلها على عاقلة الثالث.
والوجه الثاني: دية الأول كلها هدرٌ؛ لأنه باشر قتل نفسه بجذب الثاني إليه، والحافر متسبب، ولا ضمان على المتسبب مع وجود المباشر، ودية الثاني نصفها هدرٌ؛ لجذبه الثالث إليه، ونصفها على عاقلة الأول؛ لجذبه إياه، ودية الثالث كذلك نصفها هدرٌ؛ لجذبه
[ ٧ / ٢٠٦ ]
الرابع إليه، ونصفها على عاقلة الثاني، ودية الرابع كلها على عاقلة الثالث.
وكل من أوجبنا عليه شيئًا من الدية - يجب في ماله كفارةٌ - فعلى الوجه الأول: يجب بقتل الأول ثلاث كفارات: كفارة على الحافر، وأخرى على الثاني، وكفارة على الثالث.
وإن قلنا يجب على من قتل نفسه كفارة فأربع كفارات: أحدها في ماله، ويجب بقتل الثاني كفارتان، كفارة على الأول، وأخرى على الثالث، ويجب بقتل الثالث كفارة على الثاني، وبقتل الرابع كفارة الثالث.
فصل فيما لو تصرف في ملكه وتضرر به غيره
إذا تصرف في ملكه، فتضرر به غيره - لا ضمان عليه؛ مثل: إن وضع حجرًا على طرف سطحه، فوقع على إنسان، أو وضع جرة ماء، فتندى تحتها فسقطت أو ألقتها الريح على إنسان. فهل لا ضمان عليه؛ كما لو أضاف إنسانًا، فانهدم عليه البيت وكذلك: لو أوقف دابةً في ملكه، فرمحت إنسانًا، أو بالت، فأفسدت بالرشاش طعام إنسان خارج الملك - لا ضمان عليه.
وكذلك لو كان يكسر الحطب في ملكه، أو في موات، فأصاب شيءٌ منه عين إنسانٍ - لا ضمان عليه.
ولو أخرج جناحًا إلى الطريق، أو ساباطًا أو ميزابًا - يجوز إذا كان عاليًا لا يتضرر به الناس، فلو وقع على غنسان، ومات تجب الدية على عاقلته، فإذا وقع على مال، فهلك - يجب الضمان في ماله؛ لأن الارتفاق بالطرق مباحٌ؛ بشرط السلامة، ثم ننظر: إن كان كل الجناح خارجًا إلى الطريق - يجب عليه [جميع] ضمان ما هلك به، وإن كان بعضه في الملك، وبعضه خارجًا إلى الطريق - نُظر: إن لم يسقط إلا ما هو خارج، فيجب جميع الضمان، وإن سقط [الكل] فيجب بعض الضمان؛ لأن التلف حصل من مباح مطلقًان ومن مباح بشرط السلامة، ثم في كيفية الضمان وجهان:
أحدهما: يضمن النصف؛ سواء كان الخارج أقل من النصف أو أكثر؛ كما لو مات بجراحة رجلين يجب على كل واحد نصف الدية، وإن كانت إحدى الجراحتين أصغر.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
والثاني: يوزع، فيضمن بقدر ما كان خارجًا، فإن كان ثلث ما سقط خارجًا - يجب ثلث الضمان، وإن كان أكثر - فأكثر.
كذلك الميزابُ؛ إذا وقع على شيء، فهلك: فإن كان له في ملكه - فلا ضمان، وإن كان بعضه خارجًا عن مله-: فإن انكسرن فسقط ما هو خارج - يجب جميع ضمان ما هلك به، وإن سقط كله - فيجب بعض الضمان بسبب ما هو خارجٌ عن ملكه؛ سواء أصابه الطرف الذي كان خارجًا أو الطرف الآخر، وسواءٌ سقط نصفين أو صحيحًا.
وفي كيفيته وجهان؛ كما ذكرنا في الجناح.
ومن أصحابنا من قال: لا ضمان في سقوط الميزاب [له] أصلًا؛ لأنه مضطر إلى نصبه؛ حتى لا يسقط بناؤه؛ بخلاف الجناح والساباط.
والأول أصح؛ لأن فعله لمصلحة نفسه، وكان يمكنه أن يحفر بئرًا في ملكه، فيرسل فيها الماء، فأشبه ما لو طرح التراب على الطريق، ليتخذ طينًا لسطح فعثر به إنسانٌ، فمات - يجب الضمان؛ حتى لو رش الماء من الميزاب على ثوب إنسانٍ - يضمن.
ولو أخرج الجناح عن ملكه إلى سكة غير نافذةٍ - نظر: فإن فعل بإذن أهل السكة - لا يضمن ما هلك به، وإن فعل بغير إذنهم يضمن.
ولو أخرج الجناح عن ملكه إلى سكة غير نافذة - نظر: فإن فعل بإذن أهل السكة - لا يضمن ما هلك به، وإن فعل بغير إذنهم يضمن.
ولو بنى جدارًا مائلًا، فسقط على إنسان، وهلك - نظر:
إن بناه مائلًا إلى ملكه، فسقط وترامى منه شيءٌ إلى إنسانٍ - فلا ضمان، وإن بناه مائلًا إلى الطريق - يضمن؛ كالساباط يسقط، وإن بناه مستويًا، فمال إلى الطريق - نظر:
إن لم يتمكن من هدمه، وإصلاحه- لم يضمن، وإن تمكن، فلم يفعل- فعلى وجهين:
أظهرهما: لا يضمن، وعليه يدل النص؛ لأنه لم يوجد الميل بفعله.
والثاني: قاله أبو إسحاق-: يضمن؛ لتعديه بترك الإصلاح.
وعند أبي حنيفة -﵀: إن وزع وأشهد عليه، فلم يهدم- ضمن، وإن لم يُشهد - فلا.
ولو كانت في ملكه شجرةٌ، فانتشرت أغصانها [إلى الطريق] [أو] إلى ملك الغير، فسقط منه غصنٌ، فأتلف شيئًا - لايضمن؛ لأنه لم يكن يصنعه، ولو نصب ميزابًا من داره إلى
[ ٧ / ٢٠٨ ]
الطريق، أو بنى جدارًا مائلًا، ثم باع الدار لا يبرأ من التعدي؛ حتى لو سقط على إنسان، فهلك - تجب الدية على عاقلة البائع.
ولو حفر في ملكه بئرًا، أو نهرًا، فتجمع فيه الماء، فتندى جدارُ الجار، فانهدم، أو غار الماء في بئر الجار، أو حفر بالوعة، فتغير ماء بئر جاره - لا شيء عليه.
ولو نصب في ملكه رحًا، أو كان حدادًا أو قصارًا يضرب بالمطرقة أو الميجنة، فتنزلزل جدارُ الجار، أو انهدم - لا ضمان عليه، وقيل: إن انهدم في حالة الضرب - ضمن.
ولو طرح في أصل حائطه سرقينا - مُنع منه. ولو أوقد نارًا في ملكه، فأطارت الريح الشرار إلى غير ملكه، فأحرقت مالًا - لا ضمان عليه، إذا فعل ما جرت به العادة، فإن لم تجر العادة به: بأن أوقد في وقت لا تقف النار على حدها - يضمن.
وكذلك لو سقى أرضه، فخرج الماء من جُحر فأرة، أو شق إلى ارض غيره، فأتلف زرعه - لا شيء عليه.
وكذلك: لو نقب الماء، فإن كان عالمًا بالجُحر والشق، أو زاد الماء عن العادة، فخرج من الجدر - يضمن.
ولو أسند خشبة إلى جدارٍ، فسقط الجدار على شيء، فأتلفه - نظر:
إن كان الجدار بغير حمال الخشبة - يجب عليه ضمان الجدار وما سقط عليه؛ سواءٌ سقط الجدار عقيب الإسناد أو بعده بسببه، بخلاف ما لو فتح قفصًا عن طائر، فطار بعد ساعة لا يضمن؛ لأن للطائر اختيارًا في الطيران، فن لم يطر في الحال، وطار بعد ساعة - فقد طار اختياره، والجدار لا اختيار له، فمتى سقط - كان منسوبًا غليه.
وإن كان الجدار للحمال أو لغيره، ولكن أسند إليه بإذن ماله - فلايجب ضمان الجدار، وهل يجب [ضمان] ما سقط عليه؟ قال صاحب "التلخيص" وبه قال الشيخ أبو زيد: إن سقط من ساعته - يجب، وإن سقط بعد ساعة - لا يجب؛ لأنه عن سقط في الحال - فكأنه أسقط جدار نفسه على مال الغير؛ فيضمن، وإن كان بعد ساعةٍ [لا] يضمن؛ كمن حفر بئرًا في ملك نفسه - لا يضمن ما سقط فيها.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
وقال الشيخ القفال: لا يضمن في الحالين لأنه غير متعد بالاستناد، ولكنه سبب لتلف الشيء، وما تلف بسبب فعله - لا بفعله - لا يجب به الضمان؛ إذا كان في ملكه؛ كحفر البئر؛ إذا كان في ملكه - لا يجب ضمان ما وقع فيها؛ سواء كان عقيب الحفر أو بعده بزمان؛ لأنه غير متعد في السبب.
ومن قال بالأول- أجاب بأنه [إن] سقط الدار عقيب الإسناد- فقد باشر إتلافه؛ كما لو [دفع] إنسانًا في البئر التي حفر في ملكه - يجب الضمان.
وإن قلنا: يضمن إذا سقط في الحال، [فلو لم] يسقط في الحال، ولكنه مال في الحال إلى الشارع، أو إلى ملك غيره، ثم سقط بعده بمدة - يضمن؛ ما لو بنى جدارًا ابتداء مائلًا؛ بخلاف ما لو مال بنفسه - لم يضمن؛ لأن الميل هناك ليس بسبب فعله، والله أعلم.
باب دية الجنين
رُوي عن أبي هريرة﵁أن امرأتين من هذيل رمت أحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله - ﷺ- بغرة عبدٍ أو وليدةٍ.
[ ٧ / ٢١٠ ]
إذا ضرب إنسان امرأة أو أوجرها دواء، فألقت جنينها - نظر:
إن ألقته حيًا، ثم مات في ساعته، أو بعده بسببه: بأن لم يزل وجعًا حتى مات - تجب على عاقلته ديةٌ كاملة؛ سواء استهل أو لم يستهل، لكن وُجد منه ما يدل على جنايته من تنفس أو حركة قوية.
وإن كان يتحقق أنه لا يعيش، ثم تعمد الضرب - فالدية مغلظة؛ لأنه شبه عمد، وإن لم يقصدها بالضرب، فأصابها- فالدية محققة.
ولا يتصور في قتل الجنين العمد المحض؛ لأنه غيرُ ظاهر يمكن قصده وإن خرج ميتًا، وإن كان به اختلاجٌ - فلا عبرة به؛ لأنه ليس بحياة، بل انتشار لخروجه من المضيق - فتجب على عاقلته غرة عبدٍ أو أمةٍ، إذا كان الجنين حرًا مسلمًا؛ سواءٌ عمد الضرب أو اخطأ؛ لأن الغرة لا تتغلظ، وتجب الكفارة في ماله.
وكان القياس ألا يضمن الميت؛ لكن الشرع أوجب غرة؛ قطعًا لماة الخصومة بين الجاني والمجني عليه؛ سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى أو لم يعرف أنه ذكر أو أنثى وبين أن يكون ثابت النسب أو كان من زنى وسواءٌ كان تام الخلق أو ناقص الخلق بعد أن ظهر فيه شيء من خلق الآدميين: إصبع أو ظفر أو غيرهما، أو ظهر فيه التخطيط.
فإن ألقت مضغة، ولم يظهر فيها تحطيطٌ: فإن قالت أربع نسوة: قد ظهر فيها تحطيطٌ باطنٌ، لايعرفه إلا القوابلُ- ففيه الغُرة، وإن [قلن] لم يظهر، أو شككن - فلا تجب الغرة، وإن قلن: هذا مبتدأ خلق الآدمي؛ كما لو ألقت علقة.
[ ٧ / ٢١١ ]
وإن خرج الجنين حيًا بعد الضرب، وبقي زمانًا سالمًا غير متألم، ثم مات - فلا ضمان على الضارب؛ لأن الظاهر أنه مات بسببٍ آخر.
ولو ضرب بطن امرأة منتفخة البطن، فزال الانتفاخ، أو بطن من تجد في بطنها حركة فسكتت الحركة - لا ضمان عليه؛ لاحتمال أنها كانت ريحًا، فانفشت.
ولو ضربها، فألقت جنينين ميتين - تجب على عاقلته غرتان.
وإن ألقت حيًا وميتًا، ومات الحي - فتجب ديةٌ كاملةٌ وغرةٌ، ويجب في ماله كفارتان.
وإن أشرك رجلان في ضربها، فألقت جنينًا ميتًا - فتجب غرة واحدة على عاقلتهما، وتجب في مال كل واحد منهما كفارةٌ كاملةٌ.
ولو ضرب بطن امرأة ميتةٍ، فانفصل منها جنين ميت - لا تجب الغرة؛ لأن الظاهر أن هلاكه [كان] بهلاك الأم؛ كما [لو] قطع عضوًا من الأم بعد موتها - لا ضمان عليه.
فأما إذا ضرب بطن امرأة، فماتت، ثم ألقت الجنين - ضمن [الجنين والأم] جميعًا: يضمن الأم بكمال الدية، ويضمن الجنين؛ إن خرج صبيًا، فمات - بدية كاملة؛ وإن خرج ميتًا - فبغرة.
وعند أبي حنيفة: إذا خرج الجنين ميتًا - لا تجب ضمانه، وبالاتفاق، لو خرج الجنين حيًا ومات مع الأم عليه ديتان، [و] كذلك: إذا خرج ميتًا.
ولو قطع طرفًا منها، أو جنى عليها جناية، فألقت جنينها - يجب عليه ضمان الجنين مع ضمان الجناية؛ سواءٌ كانت الجناية موجبة لبدل مقدرٍ، أو حكومةٍ.
أما إذا ضربها، فتألمت، فألقت الجنين - ضُمن الجنين، ولا يجب للام شيءٌ، وإن كان للضرب شينٌ - هل تجب الحكومة مع الغرة؟ فيه وجهان:
أصحهما: تجب؛ كما يجب ضمان الجراحة.
والثاني: [لا] تجب؛ كما لا يجب للأم شيءٌ.
فصلٌ
والغرة تورث من الجنين؛ فالثلث منها للأم، والباقي للأب إن كان حيًا؛ وألا
[ ٧ / ٢١٢ ]
- فلسائر العصبات.
وإن كانت الأم ألقته بشرب دواءِ أو غيرهِ - فلا شيء لها؛ لأنها قاتلةٌ، وعلى عاقلتها الغرة، وتكون للأب ولغيره من ورثة الجنين.
وإن كان قد مات للجنين موروثٌ - وقفنا التركة له؛ فخرج الجنين ميتًا بجناية جانٍ، أو بغير جنايةٍ - لا يورث منه المال الموقوف [له]؛ بل يكون لورثة موروثه؛ لأنا نجعله حيًا في حق الجاني [بإيجاب الغرة عليه؛ فنجعله حيًا في توريث الغرة عليه، فنجعله حيًا في توريث الغرة منه دون سائر الأموال.
أما إذا خرج الجنين بالضرب حيًا، أو مات في الحال] فعلى الضارب الدية، وتورث منه الدية، وجميع ما وقفنا له من تركة مورثه.
ولو ألقت جنينين حيين، وماتا، وماتت الأم بينهما - فالأم ترث من الأول، والثاني يرث من الأم.
ولو اختلفا، فقال وارث الجنين: ماتت الأم أولًا؛ فورث منها الجنين، ثم مات الجنين، فورثت منه، وقال وارث الأم: مات الولد أولًا - حلفا ثم هما متوارثان عن موتهما؛ فلا يورث أحدهما من الآخر.
ولمستحق الغرة ألا يقبلها دون سبع سنين، أو ثمان سنين؛ لأن الغرة هي الخيار، ومن كان دون سبع سنين - لا يكون من الخيار؛ لأنه لا يستغني بنفسه.
وإن كان ابن سبع؛ لكنه لا يعقل عقل مثله- لا يجب قبوله، وكذلك: لا يجب قبول الكبير الذي طعن في السن؛ لأنه لا يستغني بنفسه.
وذكر العراقيون من أصحابنا: أنه لا يجب قبول الغلام بعد خمس عشرة سنةً؛ لأنه لا يدخل على النساء، ولا الجارية بعد عر سنين؛ لأنها تتغير.
والأول أصح؛ لأن كمال القوة والعقل يكون بعده، ولا يجب قبول الكافر والخصي؛ وإن زادت به قيمته، ولا قبول الخنثى، ولا المعيب بعيب يثبت به حق الرد في البيع، بخلاف الكفارة - تجوز فيها الرقبة الصغيرةن والمعيبة بعيبٍ لا يضر بالعمل؛ لأن الكفارة حق الله
[ ٧ / ٢١٣ ]
تعالى، ومبنى حقوق الله على المساهلة، وهذا من حقوق العباد، كرد [المبيع]؛ ذا رضي بقبول المعيب - جاز؛ لأن [كل ذلك حقه؛ كما يجوز أن يتركه أصلًا، ويجبر على قبول الذكر والأنثى من أي نوع كان من الرقيق بعد أن كان سليمًا تبلغ قيمته نصف عشر الدية؛ روى ذلك عن زيد بن ثابت، ولأنه لا يمكن إيجاب دية كاملةٍ، لأنه لم يكمل بالحياة، ولا يمكن إهداره؛ لأنه جنى على بشر، فقدرناه بأقل تقدير ورد الشرع به، وهو نصف عشر الدية؛ فإن الشرع قدر به أرش الموضحة ودية السن.
وعند أبي حنيفة - ﵀: يجبر على قبول المعيب، إذا كان لا تنتقص قيمته عن خمس من الإبل أو [خمسين دينارًان ولا يجبر] على قبول غير الغرة مع وجودها إلا أن يتراضيا؛ كما في دية النفس، له ألا يقبل غير الإبل مع وجودها.
فإذا عدمت الغرة- يجب عليه خمس من الإبل؛ لأن الإبل هي الأصل في الدية. ثم إن كانت الجناية خطأ - كانت مخففة، وإن كانت عمد خطإ - فمغلظة.
وإذا عدمت الإبل - تجب قيمةُ الإبل على قوله الجديد، وهو الأصح - وعلى قوله القديم: يجب خمسون دينارًا أو ثمانمائة درهمٍ، وخرج قول (آخر من) تقويم الإبل في الدية؛ أن الغرة إذا عدمت - تجب قيمة الغرة.
فصلٌ
إذا كان الجنين محكومًا (له بالإسلام، والحرية - ففيه غرةٌ كاملةٌ مقدرة بنصف عشر دية الأب؛ إن كان الأب مسلمًا، أو بعشر دية الأم؛ إن كانت مسلمةً؛ سواءٌ كان الأبوان مسلمين أو [كان] أحدهما مسلمًا؛ لأنه يحكم بإسلام الولد تبعًا لأحد أبويه.
وإن كانت الأم رقيقة، والجنين حر - ففيه كمال الغرة.
وإن كان أبواه نصرانيين أو يهوديين - فلا تجب فيه غرة كاملة؛ بل تجب نصف عشر دية اليهودي؛ بعيرٌ وثلثا بعير، أو غرة بهذه القيمة.
وإن كان الأبوان مجوسيين - فنصف عشر دية المجوسي، وهو ثلث بعير.
[ ٧ / ٢١٤ ]
فإن وجد بهذا القدر غرة - يشتري، ويؤدي.
وإن كان أحد أبويه نصرانيًا، والآخر مجوسيًا - فيجب في الجنين ما يجب في جنين النصراني؛ اعتبارًا بخير الأبوين؛ كما لو كان أحد الأبوين مسلمًا - فيجب في الجنين كمال الغرة.
وقال أبو الطيب بن سلمة: [الاعتبار] بشر الأبوين.
وخرج قول آخر من حل الذبيحة أن الاعتبار بالأب.
والأول هو المذهب.
ولو اشترك مسلمٌ وذميٌّ في وطء ذمية [فحبلت]، وألقت الجنين بضرب ضارب يُرى الجنين القائف: فإن ألحقه بالذمي - ففيه ما في جنين الذمي، وإن ألحقه بالمسلم - ففيه تمام الغرة، ويكون للمسلم.
وإن أشكل الأمر - لم يلحق بواحدٍ منهما، ويؤخذ الأقل، وهو ما يجب في جنين الذمي.
ولو ضرب بطن ذمية، فلم تلق الجنين، حتى أسلمت، أو بطن أمةٍ، فلم تلق الجنين، حتى عتقت - تجب فيه غرة كاملة؛ لأن الاعتبار في قدر الضمان بالمال؛ كما لو جرح ذميًا، فأسلم أو عبدًا، فعتق، ثم مات بالسراية - تجب عليه دية كاملة، ويكون لسيد الأمة منها الأقل من عُشر قيمة الأمة أو الغرة.
ولو جنى على حربية، فأسلمت، ثم ألقت الجنين، أو السيد على أمته الحامل من غيره، فعتقت، ثم ألقت الجنين - ففيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن الحداد-: لا شيء عليه؛ كما لو جرح حربيًا، فأسلم، ثم مات لا شيء عليه؛ لأن ابتداء الجناية لم تكن مضمونة.
والثاني: عليه غرةٌ كاملةٌ؛ اعتبارًا بالإلقاء؛ لأن الجناية تحققت بالإلقاء.
ولو جنى على مرتدة حبلت قبل [الارتداد] فألقت الجنين - تجب عليه الغرة؛ لأن الجنين مسلم لا يحكم بردته تبعًا للأم، وإن كانت حبلت بعد الارتداد من مرتد - فمن جعل
[ ٧ / ٢١٥ ]
المولود] بين المرتدين مسلمًا - أوجب فيه الغرة، ومن لم يجعله مسلمًا - أوجب فيه ما في جنين المجوسية.
فصلٌ في الاختلاف
إذا ألقت المرأة جنينًا، وادعت على رجل؛ أني ألقيته بجنايتك - نظر: إن أنكر المدعى عليه أصل الجناية - فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته، وإن أقر بالجناية، وأنكر الحمل؛ وقال: هذا الولد استعرتيه أو التقطته - فالقول قوله مع يمينه، وعليها البينة أنها - أسقطته، وتقبل من أربع نسوة؛ لأنها شهادةٌ على الولادة.
وإن أقر بالجناية والإسقاط، ولكن قال: أسقطته، لا بجنايتي؛ بل بسبب آخر - نظر: إن أسقطته عقيب الضرب من غير فصل - فالقول قولها مع يمينها.
وإن أسقطته بعد مدةٍ - فالقول قوله مع يمينه؛ إلا أن تقيم هي بينة على أنها لم تزل ضحيئة] للفراش إلى أن أسقطته، ولا تقبل إلا من رجلين عدلين؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال.
فإن ادعى الجاني حدوث سبب آخر - فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الفصل عدمه.
وكذلك: لو قال الجاني: قد حان وقت ولادتك، وقالته القوابل [فالقول قولها]، - لأن الجناية يقينٌ، والولادة تتقدم وتتأخر.
ولو اتفقا على أنها أسقطت بضربه، واختلفا في حياته، فقال الضارب: خرج ميتًا - فلا تجب إلا الغرة، وقالت: بل حيًا، ثم مات فالواجب الدية، والقول قول الجاني وعاقلته مع اليمين، لأن الأصل براءة الذمة إلا أن يقيم بينةً على انه خرج حيًا، وتقبل من أربع نسوةٍ؛ لأنها شهادة على الولادة، وقال الربيع: [و] فيه قول آخر؛ أنه لا يقبل إلا من رجلين [عدلين] فإن صدقها الجاني، وكذبته العاقلة - فعلى العاقلة قدر الغرة، والباقي في مال الجاني.
وإن أقام كل واحد بينة على ما يدعيه - فبينتها أولى؛ لأنها تثبت زيادةً، وهي الحياة.
ولو اتفقا على خروجه حيًا، ثم مات، فقال الجاني: مات بسبب آخر، وقالت: بل بجنايتك - نظر:
[ ٧ / ٢١٦ ]
إن مات عقيب الانفصال بساعةٍ أو ساعتين - فالقول قولها مع يمينها.
وإن مات بعد يوم أو يومين - فالقول قوله مع يمينه؛ إلا أن يقيم بينةً على أنه لم يزل متألمًا إلى أن مات - فالحكم للبينة.
ولو ألقت جنينين: أحدهما حيٌّن والآخر ميت، ومات الحي، وأحدهما ذكر واختلفا فقال الجاني: كان الحي أنثى - فالواجب دية امرأة [وغرة] وقالت المرأة؛ كان الحي ذكرًا- فالواجب ديةُ رجل وغرةٌ - فالقول قول الجاني مع يمينه، فإن صدمها الجاني، وكذبته العاقلة- فعلى العاقلة دية أنثى مع الغرة، والنصف الآخر من الدية في مال الجاني.
فصلٌ
إذا ألقت المرأة جنينًا حيًا بلا سببن فقتله إنسانٌ - يجب على القاتل القود، أو كمال الدية؛ سواء ألقت لأقل من ستة أشهر أو لأكثر، وسواءٌ كانت الحياة مستقرة فيه أو لم تكن، فأما إذا ألقت جنينًا حيًا يضرب ضاربٍ، فقتله إنسانٌ سواء ألقت لأقل من ستة أشهر أو لأكثر -[نظر إن] كانت الحياة فيه مستقرة؛ بان كان مثله يعيش أكثر من عيش المذبوح- يجب القود على القاتل أو كمال الدية، ولا يضمنه الضارب.
وإن لم تكن الحياة مستقرة فيه؛ بأن كان مثله لا يعيش إلا عيش المذبوح - فالدية على عاقلة الضارب، ولا شيء على القاتل إلا التعزير؛ بخلاف ما لو ألقت بلا [بسبب] بهذه الصفة؛ لأنا لم نجد هناك سببًا نحيل الحكم عليه؛ كما لو قتل مريضًا صار إلى أدنى الرمق - يجب عليه القود أو كمال الدية.
ولو صار بجناية رجل على هذه الحالة بأن أخرج حشوته، وأبانها من جوفه، فقتله آخر - فالقاتل هو الأول.
ولو ضرب بطن امرأة، فخرج بعض الجنين، وماتت الأم، ولم ينفصل الباقي - تجب الغرة.
وإن كان حيًا، فمات - تجب الدية.
ولو قتله آخر - يجب القود على القاتل؛ لأن وجود الجنين حقيقة، والجناية موجودة؛
[ ٧ / ٢١٧ ]
فلا وجه لإسقاط الضمان؛ هذا هو الصحيح.
ومن أصحابنا من قال- وهو اختيار الشيخ القفال-: أنه اغرة على الضارب، ولا دية إن كان حيًا، فمات، ولا قود على من قتله، ولا يرث ولا يصلي عليه، وإن صاح لأن هذه الأحكام إنما تثبت بعد الانفصال؛ كما لا تنقضي العدة بخروج بعض الولد، ولا يقع به الطلاق، والعتق المعلق بالولادة، ويتبع الأم في البيع والعتق، ولا يجوز إعتاقه عن الكفارة.
ولو ق امرأة بنصفين، وفي بطنها جنينٌ - تجب الغرة على الوجه الأول، ولا تجب على الوجه الآخر.
ولو خرج بعض الجنين، فضرب ضاربٌ بطنها، فسقط ميتًا - تجب الغرة.
قال الشيخ ﵀: ولو خرج بعضه حيًا، فضرب ضاربٌ بطنها، فسقط ميتًا - تجب الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني الغرة.
ولو ضرب بطن امرأة، فألقت يدًا - يجب عليه غرة وكفارة.
ولو ألقت يدين أو أربعة من الأيدي أو الأرجل، وألقت رأسين - لا تجب إلا غرة واحدة؛ لأن الإنسان قد يون له رأسان أو أربعة أيد وأرجل. وأن ألقت يدين فعليه غرتان وكفارتان.
ولو ضرب بطنها، فألقت يدًا، ثم ألقت جنينًا بلا يد - لا يخلو إما إن ألقت قبل الاندمال وسكون وجع الضرب الأول، أو بعد الاندمال.
فإن ألقت قبل الاندمال - نظر:
إن ألقت جنينًا ميتًا - لا تجب إلا غرةٌ واحدة، وإن كانت حيًا: فإن عاش - فعلى عاقلة الضارب نصف الدية - لليد وإن مات من ضربه - فديةٌ [كاملةٌ] للنفس، وتدخل فيها دية اليد.
وإن ألقت الجنين بعد الاندمال - فلا يضمن الجنين الذي ألقته؛ سواء خرج ميتًا أو حيًا، ثم مات؛ لأنه قد زال الألم الحاصل بفعله، ثم ينظر:
إن ألقت الجنين ميتًا - فعليه نصف الغرة لليد، وإن كان حيًا - فعليه نصف الدية؛ سواء عاش الجنين أو مات؛ كما لو قطع يد إنسان، واندمل ثم مات -تجب عليه دية اليد.
ولو ضرب بطن امرأة، فألقت يدًا، ثم ضربها آخر، فألقت جنينًا بلا يد - نظر:
[ ٧ / ٢١٨ ]
إن ضرب الثاني قبل الاندمال: فإن كان الجنين ميتًا -: فعليهما غرةٌ واحدةٌ: على كل واحد نصفها، وعلى كل واحدٍ كفارة، وإن كان الجنين حيًا: فإن عاش - فعلى الأول نصف الدية، ولا ضمان على الثاني، وإن مات- فعليهما دية واحدة: على كل واحد نصفها، وإن ضرب الثاني بعد الاندمال - نظر:
إن كان الجنين ميتًا -[فعلى الأول] نصف الغرة، وعلى الثاني غرةٌ كاملةٌ كما لو قطع يد إنسان، فاندمل، ثم جاء آخر، وقتله- فعلى الأول نصف الدية، وعلى الثاني دية كاملة.
وإن كان الجنين حيًا - فعلى الأول نصف الدية، ولا شيء على الثاني [وإن] عاش الولد إلا التعزير، وإن مات - فعليه ديةٌ كاملةٌ، وإن خرج الجنين كامل [اليد - فعلى الضارب غرةٌ، كاملة، وإن خرج الجنين كامل اليدين] فعلى الضارب غرةٌ كاملةٌ لليد، وللجنين حكم نفسه. فإن خرج من غير سبب حادث: فإن كان قبل اندمال الضرب الأول - فعلى الضارب غرتان، إن خرج الجنين ميتًا: أحداهما بسبب اليد، والأخرى بسبب الجنين، وإن كان حيًا، ومات فديةٌ مع الغرة، وكذلك: لو ألقت أولًا جنينًا تامًا، ثم يدًا - فعليه غُرتان.
وإن كان بعد اندمال الضرب الأول - فلا شيء عليه بسبب الجنين، وإن [ألقته] بضرب إنسانٍ آخر - فضمان الجنين على الثاني، سواءٌ ضرب الثاني بعد اندمال الضرب الأول أو قبله، فإن خرج ميتًا - فغرة وإن خرج حيًا، ومات فدية، والله أعلم.
باب جنين الأمة
إذا جنى على أمة حامل برقيق، فألقت جنينًا ميتًا - ففيه عشر قيمة الأم؛ سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، أو لم يُعرف حاله، ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة أو مدبرة أو مكاتبة، أو أم ولدٍ.
فإن كانت الأمة كافرةً أو ناقصة الأطراف، والولد مسلمٌ - تكسي الأم صفة الإسلام والكمال، وإن كان الجنين رقيقًا، والأم حرةٌ؛ بأن كانت الأم لرجل، والجنين لآخر، فأعتق مالك الأم الأم - لا يعتق الجنين.
فإذا ألقت الجنين بجناية جانٍ - تكسى الأم صفة الرق، وتجب عشر قيمتها.
وعند أبي حنيفة: يعتبر ضمان الجنين بنفسه، فإن كان ذكرًا - يجب نصف عشر قيمته، لو
[ ٧ / ٢١٩ ]
كان حيًا، وإن كان أنثى - فعشر قيمتها؛ لو كانت حية، بالاتفاق: يجب في جنين الحرة غرة مقدرة بنصف عشر [دية] حر أو عر دية حرة.
وذلك عندنا: باعتبار دية الأبوين، وعنده: باعتبار دية نفسه.
وفائدته تتبين في جنين الأمة؛ كما ذكرنا، وما ذكرناه أولى؛ لأنه قد يخرج بصفة لا يعرف أنه ذكر أو أنثى؛ فلا يمكن اعتباره بنفسه، ولأن ما يعتبر ضمانه بنفسه - يضمن كله لا بعضه.
أما إذا ألقت الجنين حيًا، ثم مات بسبب الجناية - تجب قيمته معتبرة بنفسه؛ بالاتفاق.
ولو ألقت بالضرب جنينًا ميتًا، ثم عتقت، فألقت جنينًا آخر ميتًا بسبب ذلك الضرب - يجب في الأول عشر قيمة الأم للسيد، وفي الثاني الغرة، ويكون للأم وسائر الورثة إذا ثبت أن في جنين الأمة عُشر قيمة الأم، فبأي وقت تعتبر قيمة الأم، فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال المزني-: يعتبر بيوم الإلقاء؛ لأنه حالة استقرار الجناية؛ كما لو عتقت الجارية بعد الضرب، ثم ألقت الجنين - تجب فيه الغرة؛ اعتبارًا بحالة الإلقاء.
والثاني: وهو المنصوص، وغليه ذهب ابن سريج-: تعتبر بيوم الضرب، وهو الأصح؛ لأنه لم تتغير حالة الأمة بين الضرب والإلقاء فكان حالة الضرب أولى بالاعتبار؛ لأنه حالة الوجوب، كما لو قطع يد عبد، ومات على الرق تعتبر قيمته بيوم الجناية؛ بخلاف ما لو عتق لأن ثم تغيرت حالة المجني عليه، فاعتبرت حالة القرار.
ولو كانت أمة بين شريكين حبلت من زوج أو زنا - يكون الولد بينهما كالأم، فلو ضرب ضاربٌ بطنها، فألقت جنينًا ميتًا - يجب على الضارب [عشر قيمة الأم، ويكون بين الشركيين، فإن كان الضارب] أحد الشريكين، - يجب عليه نصف عشر قيمة الأم للشريك الثاني، ونصفه ساقط؛ لأنه أتلف ملك نفسه.
ولو وطئها الشريكان، فحبلت، ثم ضربها ضاربٌ، فألقت الجنين - نظر: إن كانا موسرين - فالجنين حر، وعلى الضارب الغرة، ويكون لمن ألحق القائف الجنين به، ولو كانا معسرين ففي الولد قولان:
[ ٧ / ٢٢٠ ]
أحدهما: كله حر، والحكم كما ذكرنا في الموسرين.
والثاني: وهو الأصح - نصفه حر؛ فعلى هذا يجب على الضارب نصف الغرة، ونصف عُشر قيمة الأم ثم بأيهما ألحقه القائف - فنصف الغرة له، ونصف عُشر قيمة الأم للآخر، والله أعلم.
[ ٧ / ٢٢١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم