قال الله ﵎: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: برجعتهن، وقال جل وعلا: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٢] أراد ببلوغ الأجل: مقاربة انقضاء العدة، وبالإمساك: الرجعة.
المطلقات قسمان: مستوفى عدد طلاقها؛ فلا تحل لمن طلقها إلا بعد نكاح زوج آخر، وغير مستوفى عدد طلاقها، فهي قسمان: بائنة ورجعية.
[ ٦ / ١١٣ ]
فالبائنة: هي التي طلقها زوجها قبل الدخول، أو طلقها على عوض؛ فلا تحل له إلا بنكاح جديد.
والرجعية: هي التي طلقها طلقة أو طلقتين من غير عوض بعد الدخول، فيجوز للزوج رجعتها بغير إذنها ولا بإذن وليها، ما دامت في العدة، ويصح من غير علمها؛ ويستحب: أن يعلمها.
وإن كانت أمة-: لا يشترط إذن سيدها، ويملك العبد المراجعة بغير إذن مولاه، والحر يملك على زوجته ثلاث طلقات ورجعتين، سواء كانت زوجته حرة أو أمة.
والعبد لا يملك إلا طلقتين ورجعة واحدة؛ سواء كانت زوجته حرة أو أمة، فإذا طلقها طلقتين-: لا تحل له إلا بعد زوج آخر، ويستحب الإشهاد على الرجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وهل يجب؟ فعلى قولين:
أصحهما: لا يجب؛ لأنه ليس بعقد جديد؛ كما لا يحتاج إلى إذن الولي.
والثاني: وبه قال مالك-: يجب الإشهاد؛ لظاهر الآية.
ولا يجوز للزوج وطء الرجعية، ولا مسها، ولا النظر إليها بشهوة، ولا الخلوة بها.
وعند أبي حنيفة: يجوز وطؤها، ولا يجوز الخلوة بها إذا لم يرد الرجعة.
ولا يحصل عندنا الرجعة إلا بالقول، فيقول: راجعتك، أو ارتجعتك، أو رددتك، فهل يشترط أن يقول في الرد: رددتها إلي، أو إلى زوجيتي؟ فيه وجهان:
[ ٦ / ١١٤ ]
أحدهما: لا؛ لأن ظاهره الرد إلى الحالة الأولى من الزوجية؛ كما لا يشترط في لفظ "الرجعة" بل يستحب.
والثاني: يشترط؛ لأنه يحتمل أن يريد الرد إلى الأبوين بالفراق، والظاهر من أمر المراجعة الرجعة إلى الزوجية.
ويستحب أن يقول أيضًا: راجعتك إلى زوجيتي، ويحصل بلفظ الإمساك؛ على الأصح؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وأراد به الرجعة.
ويستحب أن يقول: أمسكتك على زوجيتي، ولا يحصل بلفظ الإنكاح والتزويج؛ على أصح الوجهين؛ لأنه غير مستعمل فيه.
وقيل: يحصل؛ لأنه لما صلح لاستحداث الملك فلأن يصلح للتدارك أولى، وهل تحصل الرجعة بالكتبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تحصل؛ كالنكاح.
والثاني: تحصل؛ لأنه لا يحتاج إلى قبول ولا إشهاد.
وهل يجوز التوكيل فيه؟
فعلى وجهين:
أصحهما: يجوز؛ كالنكاح، ولا تحصل الرجعة بالوطء، ولا باللمس بالشهوة، والتقبيل.
وعند أبي حنيفة: تحصل بالوطء، واللمس بالشهوة، والنظر إلى الفرج بالشهوة.
وعند مالك: إن قصد بالوطء الرجعة-: تحصل، وإلا فلا.
وإذا وطئ الرجعية-: فلا حد عليه للشبهة؛ لأنه لم يزل به الملك على الثبات، ويجب المهر، سواء راجعها أو لم يراجعها.
وقيل: إن راجعها-: لا يجب المهر، ويلزمها من وقت الوطء كمال العدة، وتدخل من عدة الوطء في عدة الطلاق بقدر ما بقي منها، وله الرجعة في بقية عدة الرجعة؛ مثل: أن وطئها بعد مضي قرء من عدتها-: فعليها أن تعتد من وقت الوطء بثلاثة أقراء. ويجوز له مراجعتها في قراين، ولا يجوز في القرء الثالث، ويجوز فيه ابتداء النكاح، له دون غيره.
ولو أنها حبلت من هذا الوطء، فهل تدخل عدة الطلاق في عدة الوطء؟ فيه وجهان:
[ ٦ / ١١٥ ]
أحدهما: تدخل، ويوضع الحمل تخرج من العدتين.
وقيل: [وهل] تصح رجعته قبل الوضع؟ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: لا تصح؛ لأن عدتها بالحمل، وهي عدة الوطء.
والثاني: تصح؛ لأن عدة الطلاق باقية.
والثاني: لا تدخل؛ لأنهما جنسان مختلفان، ولكن تقدم عدة الحمل، ثم بعد الوضع: تتم باقي عدة الطلاق، وتصح رجعته في القرأين بعد وضع الحمل، وهل تصح رجعته قبل وضع الحمل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها في عدة وطء بالشبهة.
والثاني: تصح؛ لأن عدة الطلاق عليها، فلو ارتد الزوجان أو أحدهما في عدة الرجعة، فراجعها في حال الردة-: لم تصح؛ لأنها جارية في البينونة، والرجعة لا تلائم حالها؛ بخلاف ما لو راجعها في حال الإحرام: يصح.
وكذلك لو ارتد أحدهما بعد الدخول، ثم طلقها في العدة، وراجعها-: فالطلاق يكون موقوفًا، فإن جمعهما الإسلام في العدة-: بان أن الطلاق كان واقفًا، ولم تصح الرجعة، ولا يصح تعليق الرجعة إذا قال: راجعتك إن شئت، فقالت: شئت-: لم يصح.
ولو قال: إذا طلقتك فقد راجعتك-: لم يصح؛ كما لو علق الطلاق بالنكاح.
ولو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها طلاقًا رجعيًا ثم قال: راجعت المطلقة، هل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ كما يقع الطلاق لا على التعيين.
والثاني: لا يصح؛ لأنه ليس للرجعة من الغلبة ما للطلاق، والله أعلم.
فصل
إذا ادعت المرأة انقضاء عدتها، وأنكر الزوج- نظر: إن كانت عدتها بالأشهر-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنه في الحقيقة اختلاف في وقت الطلاق.
ولو اختلفا في أصل الطلاق-: كان القول قول الزوج، كذلك: إذا اختلفا في وقته، وإن كان عدتها بوضع الحمل أو الأقراء-: فالقول قول المرأة مع يمينها في موضع الإمكان.
وإن كانت حاملًا- نظر: إن ادعت المرأة ولادة ولد كامل وأقل مدة تصدق فيها ستة أشهر وساعتان من يوم النكاح: ساعة لإمكان الوطء، وساعة للولادة.
[ ٦ / ١١٦ ]
فإن ادعت أقل من ذلك-: لا يقبل، وإنما جعلنا أقل مدة الحمل ستة أشهر، لما روي أن امرأة ولدت في زمن عثمان﵁- لستة أشهر، فشاور عثمان، ﵁- القوم في رجمها؟ فقال ابن عباس: أنزل الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وأنزل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فيكون الحمل ستة أشهر.
وإن ادعت إسقاط سقط ظهر فيه خلق الآدميين-: فأقل مدة تصدق فيها مائة وعشرون يومًا وساعتان من يوم النكاح؛ لما جاء في الحديث: "يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا نُطْفَةً، وَأَرْبَعُونَ عَلَقَةً، وَأَرْبَعُونَ مُضْغَةً".
وإذا ادعت إلقاء المضغة-: ففي انقضاء العدة بإلقائها قولان:
فإن قلنا: تنقضي-: فأقل مدة تصدق فيها ثمانون يومًا وساعتان من يوم النكاح.
وقال أبو إسحاق-: لا يقبل قولها في ولادة ولد كامل، لأن إقامة البينة عليه ممكن؛ بخلاف إسقاط السقوط.
والمذهب: أنه يقبل، وإنما يقبل قولها في الولادة، إذا كانت ممن تحيض.
فإن كانت صغيرة أو آيسة-: لا يقبل [قولها]؛ لأنها لا تحبل، وإن كانت عدتها بالأقراء- لا يخلو: إما أن كانت مبتدأة أو معتادة:
فإن كانت مبتدأة: ينبني على أن الصغيرة إذا رأت الدم في خلال الأشهر-: هل يحسب ما مضى قرءًا؟ فيه وجهان:
إن قلنا: يحسب قرءًا: فأقل مدة تصدق فيها اثنان وثلاثون يومًا وساعتان من يوم الطلاق، وتجعل كأنها حاضت عقيب الطلاق، فتلك الساعة قرء، ثم بعده حيضتان وطهران، ثم ساعة الطعن في الحيضة الثالثة.
وإن قلنا: لا تحسب قرءًا، فلا تصدق في أقل من ثمانية وأربعين يومًا وساعة لثلاثة أطهار، وثلاث حيض.
فإن كانت معتادة: فإن ادعت انقضاء عدتها على وفق عادتها: تصدق، وإن ادعت لأقل من ذلك، وقالت: اختلفت عادتي-: تصدق؛ على أحد الوجهين.
وإن كانت عادتها مختلفة، فادعت انقضاء عدتها لأق الطهر وأقل الحيض-: تصدق، فإن كان الطلاق في حال الطهر-: تصدق لاثنتين وثلاثين يومًا وساعتين من وقت الطلاق،
[ ٦ / ١١٧ ]
وإن كان في حال الحيض-: فلسبعة وأربعين يومًا وساعة؛ تجعل كأن الطلاق وقع في ىخر جزء من الحيض.
فلو قالت المرأة: طلقني، وقد بقي من الطهر ما يحسب قرءًا، وقال الزوج: طلقتك، ولم يبق شيء من الطهر-: فالقول قول المرأة مع يمينها؛ لأنه اختلاف في وقت الحيض؛ فالقول في الحيض قولها؛ كما لو اختلفا في وضع ما تنقضي به العدة-: كان القول قولها.
فإذا ادعت انقضاء العدة لأقل من زمان الإمكان، ورددناه: فإذا بلغت زمان الإمكان-: يحكم بالانقضاء، وإن كانت مصرة على قولها السابق.
وقيل: لا يحكم ما لم ترجع عن قولها السابق؛ لأن أمانتها بطلت بالإصرار على الخيانة.
وعند أبي حنيفة: يعتبر أقل الطهر وأكثر الحيض.
وقول الأمة مقبول في انقضاء عدتها كالحرة، وأقل مدة تصدق فيه ستة عشر يومًا وساعتان إن كان الطلاق في حال الطهر. وإن كان في حال الحيض-: فإحدى وثلاثين يومًا وساعة.
وإذا قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فولدت ولدًا-: طلقت، ثم هو كالطلاق في حال الحيض، فأقل مدة تصدق فيه المرأة سبعة وأربعون يومًا وساعة تجعل كأنها ولدت، ولم تر الدم؛ فلا بد من ثلاثة أطهار بعده وحيضتان، ثم ساعة للطعن في الحيضة الثالثة.
هذا إذا قلنا: يتصور الحيض في زمان النفاس؛ وهو المذهب.
فإن قلنا: لا يتصور-: فلا يقبل في أقل من اثنين [وسبعين] يومًا وساعة: ستون يومًا للنفاس، ويحسب ذلك قرءًا، ثم بعده حيضتان وطهران، وساعة للطعن في الحيضة الثالثة.
فصل في الاختلاف
إذا نكحت الرجعية بعد انقضاء عدتها، ثم جاء زوجها الأول، وادعى بأني كنت راجعتها- نظر: إن أقام عليه بينة، أو صدقة الزوجان-: فهي زوجة الأول، سواء دخل بها الزوج الثاني، أو لم يدخل بها؛ وهو قول علي، كرم الله وجهه.
وعند مالك: إن دخل بها الثاني-: فهي زوجة الثاني.
[ ٦ / ١١٨ ]
وإن لم يكن له بينة، ولم يصدقاه-: فدعواه مسموعة على المرأة، وهل تسمع على الزوج؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنها في فراشه.
والثاني: لا؛ لأن المرأة لا تحتوي عليها يد الزوج.
وإن قلنا: لا تسمع، فادعى على المرأة- نظر: إن أقرت له بالرجعة-: لا يقبل إقرارها ف حق الثاني؛ بخلاف ما لو ادعى على امرأة، وهي تحت رجل أنك زوجتي، فقالت: كنت زوجة لك، وطلقتني-: كان إقرارًا له به، وكانت زوجة له، والقول قوله مع يمينه أنه لم يطلقها؛ لأن ثم لم يتفقا على الطلاق-: فههنا: اتفقا على الطلاق، والأصل عدم الرجعة إلا أن المرأة تغرم للزوج الأول مهر مثلها؛ لتفويت البضع عليه.
وإن أنكرت المرأة رجعته-: فالقول قولها مع يمينها، وإن نكلت حلف الزوج، وأخذ منها مهرها، ولا يحكم ببطلان نكاح الثاني.
وإن جعلنا النكول ورد اليمين كالبينة؛ لأنه كالبينة في حق المتداعيين لا في حق غيرهما.
وإن قلنا: تسمع دعوى الزوج الأول على الزوج الثاني، فادعى عليه- نظر: إن أقر له بالرجعة-: حكم ببطلان نكاحه؛ ولكن قوله على المرأة لا يقبل، وللزوج الأول أن يدعي عليها، فإن أقرت له كانت زوجة له، وإن أنكرت-: حلفت، وإن كذبه الزوج [الثاني]-: فالقول قوله مع يمينه، وإن حلف-: فللأول أن يدعي على المرأة، وإن نكل الزوج الثاني، وحلف الأول-: ارتفع النكاح بينها وبين الثاني، ولكن لا تسلم المرأة إلى الأول، ولكن الأول يبتدئ الدعوى على المرأة، وهل يجب للمرأة على الزوج الثاني شيء أم لا؟ هذا ينبني على أن النكول ورد اليمين كالبينة أم كالإقرار؟ فيه جوابان:
إن قلنا: كالبينة-: يصير كأن النكاح لم يكن، فإن كان قبل الدخول-: لا شيء لها، وإن كان بعده-: يجب مهر المثل.
وإن قلنا: كالإقرار أو أقر الثاني للأول-: لا يقبل إقراره في حقها؛ فيجب لها كمال المسمى، إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله-: فنصف المسمى.
قال الشيخ﵀-: والصحيح عندي أن نكوله لا يعمل في سقوط حقها، وإن جعلناه كالبينة في حق المتداعيين لا في حق المرأة؛ بدليل أنه لا تكون منكوحة للأول، كذلك في المهر، بل عليه المسمى.
[ ٦ / ١١٩ ]
قال﵀-: أما إذا [نكلت] المرأة، وحلف الأول بعد نكول الزوج الثاني ويمين الأول-: فهي زوجة الأول، وعلى الثاني لها مهر المثل، إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله-: فلا شيء، كما لو أقرت للأول.
فكل موضع قلنا: لا تسلم المرأة إلى الأول بعد إقرارها ونكولها-: فيمين الأول لحق [الزوج] الثاني.
فإذا زال حق الثاني بموت أو طلاق-: ردت إلى الأول؛ لإقرارها له؛ كمن أقر بحرية عبد في يد الغير، ثم اشتراه-: حكم بحريته.
هذا إذا اختلفا في الرجعة بعد نكاح زوج آخر، فأما إذا اختلفا قبل أن نكحت- نظر: إن كان في حال بقاء العدة-: فدعواه الرجعة رجعة؛ لأن من ملك إنشاء شيء-: كان دعواه كالإنشاء، وإن كان بعد انقضاء العدة-: قال الزوج: كنت راجعتك قبل انقضاء عدتك، وأنكرت-: فالقول قولها مع يمينها.
فلو صدقته [بعد الجحود-: كانت زوجة له؛ كمن جحد حقًا، ثم أقر به، وإن اختلفا في الرجعة، وانقضت العدة] بعد وجودها-: ففيه ثلاث مسائل.
إحداها: أن يتفقا على وقت الرجعة؛ أنها كانت يوم الجمعة، واختلفا في وقت انقضاء العدة، وقال الزوج: انقضت يوم السبت، وقالت: بل يوم الخميس-: فالقول قول الزوج مع يمينه، لاتفاقهما على صدقه فيما يدعيه، واختلفا في انقضاء العدة، والأصل بقاؤها.
الثانية: أن يتفقا على وقت انقضاء العدة أنه كان يوم الجمعة، واختلفا في الرجعة، فقال الزوج: راجعتك يوم الخميس، فقالت المرأة: بل يوم السبت-: فالقول قولها مع يمينها؛ لاتفاقهما على صدقها فيما تدعيه.
الثالثة: إذا لم يتفقا على وقت، بل يقول الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك، وتقول المرأة: انقضت عدتي قبل مراجعتك-: فالقول قول من سبق بالدعوى.
فإن قالت المرأة أولًا: انقضت عدتي، ثم قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك-: فالقول قولها مع يمينها، ويجعل كأن الزوج أنشأ الرجعة هذه الحالة.
وإن سبق قوله، فقال: راجعتك قبل انقضاء عدتك، وقالت بعده: انقضت عدتي-
[ ٦ / ١٢٠ ]
نظر: إن قالت المرأة متراخيًا عنه بزمان: انقضت عدتي-: فالقول قول الزوج مع يمينه، ويجعل كأن عدتها انقضت حالة الدعوى.
وإن قالت ارتجالًا عقيب قوله: انقضت عدتي-: فالقول قولها مع يمينها، وهي مسألة الكتاب؛ لأن الرجعة تكون بالقول، فيجعل قوله: "راجعتك" كأنه ينشئ الرجعة الآن، وانقضاء العدة لا يكون بالقول؛ فيكون قولها: "انقضت عدتي" إخبارًا عن أمر كان قبل؛ فيصير كأن قول الزوج "راجعتك" صادف انقضاء العدة؛ فلم يصح، وإن جاءا متداعيين: هذا يدعي الرجعة، وتدعي المرأة انقضاء العدة، ولا يعرف البادئ منهما-: فالقول قولها مع يمينها، ويصير كأن الرجعة صادفت انقضاء العدة.
وإن لم يختلفا، بل قالا جميعًا: نعلم وجودهما، ولا نعلم أيهما كان أسبق-: فالأصل بقاء العدة، وله الرجعة.
وإن كانت المرأة حاملًا، فوضعت، وطلقها زوجها، فاختلفا؛ فقال الزوج: وضعت قبل الطلاق؛ فلي الرجعة، وقالت المرأة: بل بعد الطلاق، فانقضت عدتي- نظر: إن اتفقا على وقت الولادة، واختلفا في وقت الطلاق-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الطلاق بيده.
فإن اتفقا على وقت الطلاق، واختلفا في وقت الولادة-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن القول في أصل الولادة قولها.
وإن لم يتفقا على شيء، بل الزوج يقول: كان الولادة قبل الطلاق، وهي تقول: كان الطلاق قبله-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل وجوب العدة، وبقاء الرجعة.
فإن قالا: لا ندري السابق-: فله مراجعتها، والورع أن يترك، ولا يجوز لها أن تنكح إلا بعد مضي ثلاثة أقراء.
وكذلك: إذا ادعى الزوج الولادة قبل الطلاق، وقالت: لا أدري.
ولو ادعت المرأة الطلاق قبل الولادة، وقال الزوج: ولا أدري-: فيجعل الزوج بقوله: "لا أدري". منكرًا، ويعرض عليه اليمين، فإن أعاد هذا-: كان ناكلًا، فتحلف المرأة، ولا عدة عليها ولا رجعة له، فإن نكلت-: عليها العدة لا بمجرد نكولها، بل لما أن الأصل وجود العدة عليها.
وإن كانت المرأة أمة، فاختلفا، وصدقه السيد-: فلا أثر لقوله؛ لأنه أجنبي من النكاح.
ولو طلقها الزوج، واختلفا في الإصابة، فقال الزوج: قد أصبتها، فلي الرجعة، وأنكرت المرأة الإصابة-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم الإصابة، فإذا حلفت
[ ٦ / ١٢١ ]
فلا رجعة له، ولا عدة عليها، ولا نفقة لها، ولا سكنى، ولها أن تنكح في الحال، ولا يجوز للزوج أن ينكح أختها ولا أربعًا سواها، ما لم ينقض زمان إمكان عدتها.
ثم هو مقر لها بكمال المهر، وهي لا تدعي إلا نصفه، فإن لم تكن قبضت-: فليس لها إلا طلب النصف.
وإن كانت قبضت الصداق كله-: فلا يطالبها الزوج بشيء.
ولو ادعت المرأة الإصابة، وأنكر الزوج-: فالقول قوله مع يمينه، وعليها العدة، ولا رجعة له عليها؛ لإنكاره الإصابة، ولا نفقة لها، ولا سكنى، ولها نصف المسمى.
فلو قالت المرأة بعد ذلك: كنت كاذبة، ولم يصبني: لا تسقط عنها العدة بعد ما لزمتها بإقرارها، والله أعلم.
باب المطلقة ثلاثًا.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣.].
وروي عن عائشة﵂- قالت: جَاءَتِ امْرَأَةُ رفَاعَةَ القُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهﷺ- فقالت: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله - ﷺ- فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ! لاَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ".
[ ٦ / ١٢٢ ]
وإذا طلق الحر امرأته ثلاثًا قبل الدخول أو بعده، في نكاح واحد، أو في أنكحة متفرقة، أو العبد طلق امرأته طلقتين-: فلا يحل له بعد ذلك نكاحها حتى تنكح زوجًا غيره ويصيبها، ثم يفارقها، وتنقضي عدتها منه، ثم إن شاء الأول نكحها.
فأقل الإصابة، إن كانت بكرًا: أن يفتضها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيبًا: أن يغيب الحشة، سواء كان قوي الانتشار ودخل بنفسه، أو ضعيفًا أدخله بيده أو بيدها.
فإن كان لا ينتشر-: فهو كالذكر الأشل لا يحصل التحليل بإدخاله؛ لأن النبيﷺ - شرط ذواق العسيلة وذواق العسيلة لا يحصل به.
ولو أصابها، وهي نائمة أو هو نائم، استدخلت هي ذكره-: يحصل التحليل، وسواء كان الزوج الثاني عبدًا أو مجنونًا أو مراهقًا، إذا كان يتأتى منه فعل الوطء، فإن كان طفلًا لا يتأتى منه فعل الوطء، فأدخل فيها-: لا يحصل التحليل.
[ ٦ / ١٢٤ ]
ويحصل بإيلاج الخصي، فإن كان مجبوبًا، وبقي من ذكره قدر الحشفة، فأدخله-: حلت، وإن بقي أقل من الحشفة-: لم يحصل؛ كالصحيح إذا غيب بعض الحشفة.
ولو أصابها في دبرها-: لا يحل، ولو أصابها فأفضاها-: حلت.
ولو أصابها في حال الحيض والنفاس، أو في الصوم أو الإحرام-: حصل التحليل.
ولو أصابها على ظن أنه يطأ أجنبية حصل؛ لأن القصد ليس بشرط يشترط.
ولو طلق المسلم امرأته الذمية ثلاثًا، فنكحت زوجًا ذميًا على اعتقادهم، فأصابها-: ح. صل به التحليل؛ لأن أنكحة أهل الشرك لا يحكم لها بالبطلان، وكذلك المسلم إذا نكح الذمية، فأصابها يحللها لزوجها الذمي، ويشترط أن تكون إصابة الذمي إياها في وقت، لو ترافعا إلينا في تلك الحالة-: أقررناهم عليه حتى يحل.
ولا يحصل التحليل بالزنا، ولا بوطء السيد بملك اليمين، ولا بوطء الشبهة، ولا النكاح الفاسد؛ كما لا يحصل به الإحصان.
فلو أنها وطئت بالشبهة في نكاح الزوج الثاني، ثم وطئها الزوج الثاني في عدة الوطء-: هل يحصل به التحليل؟ ذكر شيخنا فيه وجهين:
أحدهما: لا؛ كالوطء بالشبهة.
والثاني: يحصل؛ لأنه وطء صادف نكاحًا صحيحًا؛ كما لو وطئها في حال الحيض والنفاس.
وإذا استدخلت المرأة مني الزوج الثاني، أو فاخذها، فسبق الماء إلى رحمها، أو أتاها في دبرها-: لا يحصل بشيء منها التحليل، ولكن يجب عليها العدة.
ولو أنها ارتدت بعد وجود شيء منها- يتوقف النكاح بينهما على انقضاء العدة، فلو وطئها الزوج الثاني في حال الردة-: لا يحصل به التحليل؛ لأنها جارية في الفسخ.
ولو طلق امرأته ثلاثًا، فغاب عنها زمانًا، ثم رجع، فادعت المرأة أنها قد نكحت زوجًا آخر، وأصابها، وانقضت العدة-: قبل قولها، إن كان الزمان يحتمل ذلك.
ثم إن غلب على ظن الزوج الأول صدقها-: لم يكن له نكاحها، وإن ارتاب في أمرها-: جاز له نكاحها، والورع ألا يفعل حتى لو جاء الزوج الثاني والشهود، وأنكروا ذلك-: لا يقبل منهم.
[ ٦ / ١٢٥ ]
ولو أنكر الزوج الثاني الإصابة-: فالقول قوله في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر، والقول قولها في الإصابة في حق الزوج الأول.
وإن قال الأول: أنا أعلم أنه لم يصبها-: فلا تحل له، فإن رجع، وقال: قد صح عندي إصابته إياها-: جاز له نكاحها؛ لأنه قد يظن شيئًا، ثم يزول ذلك الظن.
ولو طلق رجل امرأته طلقة أو طلقتين، فنكحت زوجًا آخر، وأصابها، ثم فارقها، فنكحها الأول-:
تكون عنده ببقية الطلقات الثلاث، والزوج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث.
وعند أبي حنيفة: تعود إليه بكمال الطلقات، والزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث؛ كما يهدم الثلاث.
قلنا: بالطلقة والطلقتين لا يحصل شيء من التحريم، المحتاج إلى زوج آخر، فتلك إصابة غير محتاج إليها؛ فلا تؤثر في هدم الطلاق؛ كإصابة السيد بملك اليمين بعدما طلقها الزوج ثلاثًا.
ولو طلق امرأته الأمة ثلاثًا، ثم اشتراها-: لا يحل له وطؤها بملك اليمين إلا بعد زوج آخر.
وكذلك: لو ظاهر عن زوجته الأمة، ولزمته الكفارة، ثم اشتراها-: لا يحل له وطؤها إلا بعد التكفير.
ولو لاعَنَ عنها، ثم ملكها-: لا يحل له وطؤها أبدًا؛ كما لا يحل له نكاحها، والله أعلم.
[ ٦ / ١٢٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم