قال الله ﵎: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾
[ ٦ / ٢٨٣ ]
[النساء: ٢٣] وروي عن عائشة﵂- أن رسول الله ﷺ قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلاَدةِ".
إذا ولدت امرأة ولدًا من نكاح، أو وطء شبهة، أو ملك يمين، ونزل لها لبن، فأرضعت بذلك اللبن صبيًا-: تصير المرضعة أما للصبي، وصاحب اللبن أبًا، وأولادهما إخوة له، ويحرم عليه بالرضاع ما يحرم بالنسب.
وقال إسماعيل بن علية: لبن الفحل لا يحرم، ويروى ذلك عن ابن الزبير.
والدليل على أن لبن الفحل يحرم: ما روي عن عائشة﵂- أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَاذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحِجَابُ، قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهﷺ- أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَقَالَ: "إِنِّهُ عَمُّكِ فَاذَنِى لَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ! فقَالَ رَسُولُ اللهﷺ-: إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة، ﵂.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
وسئل ابن عباس عن رجل له امرأتان، أرضعت إحداهما غلامًا، والأخرى جارية، هل يتزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، اللقاح واحد".
ولا يتعلق بالرضاع من أحكام النسب إلا شيئان: تحريم النكاح، والمحرمية، وهي: أنه يجوز للرجل أن يخلو بالمحرمة عليه بالرضاع، وأن يسافر بها.
أما الميراث، ووجوب النفقة، وحصول العتق وغيرها من أحكام النسب-: لا يتعلق شيء منها بالرضاع، ولا تثبت حرمة الرضاع بأقل من خمس رضعات متفرقات.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
وقال ابن أبي ليلى، [وأبو ثور] تثبت بثلاث رضعات، وقال مالك، وأبو حنيفة: تثبت برضعة واحدة.
[ ٦ / ٢٨٦ ]
والدليل على أن عدد الخمس شرط: ما روي عن عائشة﵂- أنها قالت: "كان فيما أنزل الله في القرآن: ﴿عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسُ مَعْلُومَاتُ﴾ فتوفي رسول الله - ﷺ- وهن مما يقرأ في القرآن.
وروي عن عبد الله بن الزبير؛ أن النبيﷺ- قال: "لا يحرم المصة ولا المصتان، ولا الرضعة ولا الرضعتان".
[ ٦ / ٢٩١ ]
ويشترط وجود هذه الرضعات قبل استكمال المولود سنتين بالأهلة، حتى لو وجد
[ ٦ / ٢٩٢ ]
بعضها بعد الحولين-: لا تثبت الحرمة عند أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة: مدة الرضاع ثلاثون شهرًا؛ لقول الله﷿-: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
والمراد منه عند الآخرين: أقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع؛ بدليل قوله ﷿: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
[ ٦ / ٢٩٣ ]
فجعل تمام الرضاعة في الحولين؛ فدل على أن ما بعد الحولين بخلافه.
والحولان أربعة وعشرون شهرًا، ثلاثة وعشرون منها بالأهلة، سواء خرجت ناقصة أو كاملة، والشهر الأول ينكسر، فيكمل بالشهر الخامس والعشرين- ثلاثين يومًا.
وتفريق الرضعات الخمس شرط، وهو: أن ترضع، ثم تترك الصبي، فيذهب أو تقطع الأم عليه، فتذهب لشغل، ثم يرضع بعده أخرى؛ هكذا تتم خمس رضعات، وإن لم يصل في كل دفعة إلى جوفه إلا قطرة.
أما إذا لم يقطعه قطع ترك، بل كان الصبي يمتص، ثم يترك، فيلهو، أو يعرض، ثم يلتقم-: فهي رضعة واحدة حتى لو أنفد جميع ما في أحد الثديين هكذا، ثم حولته الأم إلى الثدي الآخر في الحال، فأنفد ما فيها-: فهي رضعة واحدة؛ كما لو حلف ألا يأكل في اليوم إلا مرة، فأكل لقمة واحدة، وترك وذهب لشغل، ثم أكل بعده-: حنث، ولو أطال الأكل على مائدة، وهو في خلاله يشرب ويتكلم وينفد الخبز، فيذهب، ويأتي به، وينقل من لون إلى لون-: فلا يحنث، وكلها أكلة واحدة.
وإن ارتضع من ثدي امرأة، ثم انتقل إلى ثدي امرأة أخرى في الحال-: فهي رضعة في حق كل واحدة.
وقيل: لا تعد رضعة؛ لأن جميعها رضعة واحدة، فيحصل في كل واحدة دون رضعة-: فلا يتعلق به حكم.
والأول أصح؛ لأن شرط الرضعة أن يقطعها، ولا يعود إليها إلا بعد ساعة، وقد وجد، فانتقاله إلى ثدي آخر-: لا يؤثر؛ كانتقال الأكل من الأكل إلى الشرب.
وكذلك: لو أرضعت في الحولين أربع رضعات، ووصل إلى جوفه بعض الخامسة، فقبل إتمامه تم الحولان-: فالمذهب: أن التحريم يثبت؛ لأن ما يصل إلى الجوف في كل رضعة غير مقدر، وقيل: لا يثبت؛ لأنه ما لم يقطع لا تكون رضعة، وليس بصحيح.
ولو شكت هل أرضعته خمس رضعات أو أقل، أو شكت هل وصل اللبن إلى جوفه
[ ٦ / ٢٩٨ ]
في بعضها-: فلا تثبت الحرمة بالشك، ولو وصل إلى جوفه، فقاء في الحال-: تثبت الحرمة؛ كما يحصل الفطر، ويثبت التحريم بالوجود، وهو: أن يحلب، فيصب في الفم، حتى يصل إلى جوفه، وبالسعوط، وهو: ما يصب في الأنف، حتى يصل إلى الدماغ؛ لأنه جوف التغذي، وهل يثبت بالحقنة؟ فيه قولان، وكذلك: لو صب في إحليله حتى وصل إلى المثانة:
أحدهما-: وهو اختيار المزني-: يثبت؛ كما يحصل به الفطر.
والثاني: لا يثبت؛ لأنه لا يصل إلى جوف التغذي، ولا يحصل به إنبات اللحم، وإنشاز العظم، إنما الحقنة للإسهال.
فإن قلنا: يثبت، فلو ارتضع من الثدي مرتين، وأوجر مرة، وأسعط مرة، وحقن
[ ٦ / ٢٩٩ ]
مرة-: فهي خمس رضعات، ولو كان على بطنه جراحة، فصب فيها حتى وصل إلى الجوف-: فهو كالحقنة.
وإن كان في أمعائه خرق، فوصل إلى المعدة-: يثبت قولًا واحدًا.
وكذلك: لو كان على رأسه مأمومة، فصب فيها فوصل إلى الدماغ-: يثبت ولو صب في أذنه-: لم يثبت؛ لأنه لا ينفذ منها إلى الدماغ، وكذلك: لو صب في عينه؛ كالصائم، إذا اكتحل-: لا يحصل به الفطر.
وعند أبي حنيفة: لا يثبت التحريم بالحقنة والسعوط والصب في الجرح.
ولو حلب من الثدي لبن في خمس دفعات، وأوجر الصبي في خمس دفعات-: فهي خمس رضعات.
ولو حلب في خمس دفعات، وأوجر دفعة واحدة-: فهي رضعة واحدة.
ولو حلب دفعة واحدة، وأوجر خمس دفعات متفرقة-: ففيه قولان:
أصحهما: هي رضعة واحدة؛ لأنه انفصل عن الأم دفعة واحدة.
والثاني: خمس رضعات؛ لأن الإناء كالثدي، وقد وصل من الإناء إلى باطن الصبي في خمس دفعات.
ومن قال بالأول-: أجاب بأن ما في الثدي لا يكون مجتمعًا، بل يحدث شيئًا فشيئًا، فيوجد التفريق حالة الخروج من الثدي، وحالة الوصول إلى جوف الصبي، بخلاف الإناء.
ولو حلب في خمس دفعات في إناء واحد، أو في خمس أوان، ثم خلط وأوجر الصبي خمس دفعات-: ففيه طريقان.
من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالأول؛ لأن الحلبات إذا اجتمعت صارت كحلبة واحدة.
ومنهم من قال: وهو قول ابن سريج-: هي خمس رضعات قولًا واحدًا؛ لوجود التفريق حالة الحلب، وحالة السقي.
ولو حلب من خمس نسوة لبن، وأوجر الصبي دفعة واحدة-: حصل من كل واحدة رضعة.
وإن أوجر في خمس دفعات-: ففيه وجهان:
إن قلنا: الإناء كالضرع-: يحصل من كل واحدة خمس رضعات؛ وإلا فمن كل واحدة رضعة.
[ ٦ / ٣٠٠ ]
ولو كان الأصل خمس أمهات أولاد، أو أربع زوجات وأم ولد-: فأرضعن صبيًا بلبنه كل واحدة رضعة-: لا تثبت الحرمة بينهن وبين الرضيع.
والمذهب: أنه تثبت بينه وبين صاحب اللبن؛ فيصير أبًا للرضيع؛ لأنه وصل إلى جوفه خمس رضعات من لبنه.
وفيه وجه آخر: أنه لا تثبت؛ لأن الأمومة هي الأصل في الرضاع، ثم ينشز منها، والأمومة لم تثبت- ههنا- فلا تثبت الأبوة.
والأول المذهب.
وقيل: يجوز ثبوت حرمة الرضاع من أحد الجانبين دون الآخر؛ كما لو أرضعت امرأة بلبن رجل صبيًا ثلاث رضعات، ثم نكحت زوجًا آخر، فأرضعت بلبن الثاني رضعتين-: تثبت الحرمة بينها وبين الرضيع، وإن لم تثبت بين صاحبي اللبن.
فإن قلنا: تثبت الأبوة، فهل يشترط أن تكون هذه الرضعات متفرقات في خمس أوقات؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول صاحب "التلخيص": يشترط؛ لأن التحريم لا يثبت في حقهن، إنما يثبت في حق الرجل؛ فيكون كالواحدة إذا أرضعت: لا يثبت التحريم، إلا في خمسة أوقات.
والثاني: لا يشترط اختلاف الأوقات؛ لأن وجود الرضعات من نسوة في وقت واحد-: كوجودها من امرأة واحدة في أوقات مختلفة؛ ألا ترى أن اللبن لو حلب من خمس نسوة في إناء واحد، وأوجر الصبي دفعة واحدة-: يكون من كل واحد رضعة، فإذا أثبتنا الحرمة بين الرضيع وصاحب اللبن-: فالمرضعات يحرمن على الرضيع لا لكونهن أمهات، ولكن لكونهن موطوءات الأب.
ولو كان لرجل أو لامرأة خمس بنات أو خمس أخوات، وأرضعن صبيًا كل واحدة رضعة-: لا تثبت الحرمة بينه وبين المرضعات، وهل تثبت بين أب البنات وأم البنات والأخ؟ يترتب على المسألة الأولى: إن قلنا هنا: لا تثبت-: فههنا أولى؛ وإلا فعلى الوجهين:
أحدهما: وبه قال صاحب "التلخيص"-: تثبت.
والثاني: لا تثبت.
والفرق: أن صاحب اللبن هناك واحد، وههنا بخلافه.
والأصح ههنا: أنه لا تثبت؛ لأن ثبوت التحريم لكونه جدًا للرضيعة، أو لكون الأخ
[ ٦ / ٣٠١ ]
خالًا لها، فإذا لم تصر المرضعة أمًا، كيف يصير أبوها جدًا، أو أخوها خالًا؛ بخلاف المسألة الأولى، وإن لم تثبت الحرمة بثوت الشركة في اللبن، فإذا أثبتنا الحرمة: فتحرمن المرضعات على الرضيع، لا لكونهن أمهات، ولكن لكون البنات أخوات له، ولكون الأخوات عمات له.
ولو كان لرجل أقرباء: أم وبنت، وأخت، وبنت أخت، وبنت أخ، فأرضعن مولودًا؛ كل واحدة رضعة في خمس أوقات-: فهل يثبت التحريم؟ يرتب على البنات، إن قلنا هناك: لا يثبت فههنا أولى؛ وإلا فوجهان: الأصح: أنه لا يثبت؛ والفرق: أن هناك أمكن نسبته إليه بجهة واحدة، فيقال: نافلته؛ وههنا: لا يمكن.
وقال صاحب "التلخيص": يثبت التحريم؛ فيكون الرضيع ولد أب الرجل، وهو جد له، ولا يكون ولدًا لهن.
وعلى هذا الوجه: تحرم المرضعات على الرضيع، لا على معنى أنهن أمهات، بل على معنى أن أم الرجل زوجة أبيه، وأخت الرجل بنت أبيه، وبنت الرجل وبنت أخيه وبنت أخته نوافل أبيه، وإذا حرمت على أبيه، وحرمت على الرجل؛ لأنها تصير له كالأخت.
ولو تغير اللبن عن حاله بأن حمض-: تثبت به الحرمة؛ وكذلك: لو اتخذ منه الأقط والجبن، أو أخرج زبده، فأطعم الصبي من الزبد، أو المخيض، أو ثرد، أو عجن به دقيق، فخبز وأطعم الصبي-: تثبت له الحرمة.
وعند أبي حنيفة: لا تثبت.
ولو خلط اللبن بماء أو بمائع آخر، وأطعم الصبي-: نظر: إن كان اللبن غالبًا-: يثبت به التحريم، وإن شرب بعضه.
وإن كان اللبن مغلوبًا-: ففيه قولان:
أحدهما: لا تثبت الحرمة، وبه قال أبو حنيفة؛ كالمحرم إذا أكل طعامًا فيه طيب مستهلك-: لا تجب عليه الفدية.
والثاني- وهو الأصح-: تثبت؛ لأن اللبن قد وصل إلى جوفه وكونه مغلوبًا لا يعدمه بخلاف الطيب؛ لأن المحرم ممنوع من التطيب، ولا يحصل التطيب بعد الاستهلاك.
فإن قلنا: تثبت، فاختلفوا فيه.
منهم من قال: إنما تثبت إذا كان فيه من اللبن ما يقع موقع الغذاء للصبي، فإن وقعت قطرة في جرة-: فلا تثبت، وإن شرب كله.
ومنهم من قال: تثبت كيفما كان؛ كالنجاسة تقع في أقل من قلتين من الماء: تنجسه،
[ ٦ / ٣٠٢ ]
وإن كانت قليلة؛ فعلى هذا: إذا شرب بعضه-: هل يعد رضعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعد رضعة؛ كما في النجاسة يستوي بعضه وكله.
والثاني- وهو الأصح-: ما لم تشرب الكل لا يعد رضعة؛ لاحتمال أن يكون اللبن فيما بقي.
ولبن البهيمة لا يجوب التحريم؛ لأن الرضاع فرع النسب، ولا نسب في البهائم.
ولو حلب لبن امرأة، ثم أوجر صبي بعد موتها-: تثبت به الحرمة؛ لأن اللبن انفصل عنها، ولها حرمة.
أما إذا حلب لبنها بعد موتها، وأوجر الصبي، أو ارتضع الصبي من ثديها بعد موتها-: فلا يثبت به التحريم.
وعند أبي حنيفة: يثبت؛ كما لو مات صاحب اللبن، وأرضعت امرأته بلبنه صبيًا بعد موته-: ثبت التحريم بينه وبين الميت.
قلنا: الأصل في الرضاع الأم، ومنها تنتشر الحرمة، وترتفع تلك الحرمة بموتها؛ كما أن وطء الميتة وتقبيلها [لا يثبت حرمة المصاهرة، وبالاتفاق: لو صب لبن امرأة في حلق صبي ميت] لا يثبت التحريم.
ولو نزل لرجل لبن، فأرضع به صبيًا-: لا يثبت التحريم؛ لأن اللبن من أثر الولادة، والولادة تختص بالنساء، وما يخرج من الرجل بمنزلة عرق يسيل منه.
وإذا نزل للمرأة البكر لبن، فأرضعت به صبيًا-: ثبت التحريم؛ لأنها محل الولادة.
ولو نزل للصبية لبن، فأرضعت ولدًا- نظر: إن كان بعد استكمال تسع سنين-: يثبت به حرمة الرضاع، ولا يحكم ببلوغها؛ لأن الرضاع تلو النسب، فثبت بالإمكان.
وإن كان قبل استكمال تسع سنين-: لا تثبت الحرمة.
والخنثى المشكل إذا نزل له لبن لا يحكم بكونه أنثى بنزول اللبن-: فإذا أرضع به صبيًا- توقف حكم الرضيع على تبين حال الخنثى بعلامة أو اختيار.
فإن اختار الذكورة-: لم يثبت التحريم، وإن اختار الأنوثة-: يثبت، فإذا اختار أحدهما-: لم يكن له أن يرجع عنه إلا أن يختار الذكورة، ثم ظهر بها حمل-: يتبين أنه أنثى، وتثبت حرمة الرضاع.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
ولو نزل لامرأة لبن على ولد من الزنا، فأرضعت به صبيًا-: تثبت الحرمة بين الرضيع والمرأة، ولا تثبت بينه وبين الزاني؛ كما لا يثبت النسب؛ لأنه لا حرمة لماء الزاني، حتى لو كان الرضيع أنثى-: يجوز للزاني أن ينكحها، والورع ألا يفعل، ولو أتت امرأة بولد على فراش رجل، فأرضعت بذلك اللبن صبيًا؛ ثم نفى الزوج الولد باللعان-: ينتفي عنه ولد الرضاع، فإن استلحق الولد يلحقه ولد الرضاع، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا تزوج رجل رضيعة، فأرضعتها أم الزوج من الرضاع أو النسب خمس رضعات، أو ابنته، أو أخته، أو امرأة أخيه بلبن أخيه، أو امرأة أبيه بلبن أبيه-: ينفسخ النكاح، وعلى الزوج لها نصف المسمى، إن كان صحيحًا، أو نصف مهر المثل، إن كان المسمى فاسدًا وعلى المرضعة الغرم للزوج.
ثم نص- ههنا- على أ، عليها نصف مهر المثل للزوج.
ونص في شهود الطلاق: إذا رجعوا أن عليهم جميع مهر المثل، اختلف أصحابنا فيه: منهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يجب في الموضعين جميع مهر المثل، لأنهم أتلفوا عليه البضع؛ فعليهم قيمته.
والثاني: يجب نصف مهر المثل؛ لأن الزوج لم يغرم للزوجة إلا نصف المهر.
ومنهم من فرق بينهما، فقال: على الشهود جميع المهر؛ لأنهم أوقعوا الحيلولة بينه وبين البضع، ويقرون أن لا فرقة؛ كالغاصب إذا أوقع الحيلولة بين المالك وملكه: يلزمه كمال القيمة، وههنا: بفعل المرضعة وقعت حقيقة الفرقة بين الزوجين، وحقيقة الفرقة قبل الدخول-: لا توجب إلا نصف المهر، وهذه الطريقة أصح، وعليها نفرع؛ وبه قال أبو إسحاق.
وقال أبو حنيفة: على المرضعة نصف المسمى كالزوج.
قلنا: الزوج عاقد، فيلزمه ما التزم بالعقد، والمرضعة متلفة؛ فيلزمها القيمة؛ كما لو اشترى شيئًا قيمته مائة بخمسين، فمن أتلفه يجب عليه المائة، ولا يجب على المشترى للبائع إلا خمسون، ولا فرق بين أن تقصد المرضعة بالإرضاع فسخ النكاح، أو لم تقصد؛ بأن كانت الصغيرة ضائعة تبكي، فأرضعتها.
وعند أبي حنيفة: إن لم تقصد-: فلا غرم عليها، ولو لم يوجد من جهة المرضعة
[ ٦ / ٣٠٤ ]
فعل؛ بأن كانت نائمة، فدنت الصغيرة إليها، فارتضعت من ثديها-: ينفسخ النكاح، ولا شيء على صاحبة اللبن، ولا مهر للصغيرة؛ لأن ارتفاع النكاح من قبلها قبل الدخول.
ولو حلب أجنبي لبنها، وأوجر الصغيرة-: يجب الغرم على الأجنبي.
ولو جاء خمسة أنفس، وأرضع كل واحد منهم الصغيرة من لبن أم الزوج، أو من لبن أخته رضعة-: وجب على كل واحد منهم عشر المهر، وهو خمس؛ لتساويهم في الإتلاف.
فإن كانوا ثلاثة، فأرضعتها إحداهن رضعة، وأرضعتها كل واحدة من الأخريين رضعتين-: فيه وجهان:
أحدهما: يجب على كل واحد ثلث النصف؛ لاشتراكهم في إفساد النكاح؛ كما لو طرح واحد قدر درهم من النجاسة في طعام، والآخر قدر درهمين-: فهما يستويان في الضمان.
والثاني: يوزع على عدد الرضعات؛ فعلى من أرضعهما رضعة الخمس من نصف المهر، وعلى كل واحد من الأخريين الخمسان؛ لأن الفسخ حصل بعدد الرضعات؛ فيوزع الضمان عليه.
ولو ارتضعت الصغيرة من أم الزوج رضعتين- وهي نائمة- ثم أرضعتها الأم تمام الخمس، فكم يسقط من مهرها؟ فعلى الوجهين:
أحدهما: يسقط من نصف المسمى نصفه، وهو الربع، ويجب الربع.
قال الشيخ: ويرجع على المرضعة بربع مهر المثل.
والوجه الثاني: يوزع؛ فيسقط من نصف المسمى خمسان، ويجب عليه ثلاثة أخماسه.
قال﵀- ويرجع بثلاثة أخماس نصف مهر المثل على المرضعة.
ولو تزوج أمة صغيرة مفوضة، فأرضعتها أم الزوج ينفسخ النكاح، وعلى الزوج المتعة للأمة الصغيرة، ويرجع على المرضعة بنصف مهر المثل لا بالمتعة.
وإن كانت أم الزوج نائمة، فارتضعت منها الصغيرة، فلا متعة لها، ولا شيء على الأم.
ولو كانت تحته كبيرة وصغيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة خمس رضعات: انفسخ
[ ٦ / ٣٠٥ ]
نكاحهما؛ لأنهما صارتا أمًا وبنتًا في حالة واحدة، ثم إن كان قبل الدخول بالكبيرة-: فلا مهر لها؛ لأنها هي المفسدة للنكاح قبل الدخول، ويجب للصغيرة نصف المسمى على الزوج، ويرجع الزوج بنصف مهر مثلها على الكبيرة.
وإن كانت الكبيرة نائمة، فارتضعت منها الصغيرة-: لا مهر للصغيرة؛ لأن فسخ النكاح من قبلها، وعلى الزوج للكبيرة: نصف المسمى، ويرجع في مال الصغيرة بنصف مهر مثل الكبيرة، والكبيرة حرمة عليه على التأبيد؛ لأنها أم امرأته، ويجوز له نكاح الصغيرة؛ لأنها ربيبته التي لم يدخل بأمها.
أما إذا أرضعت الكبيرة الصغيرة، بعدما دخل بها الزوج-: ينفسخ نكاحهما- كما ذكرنا- وحرمتا عليه على التأبيد، ولا يسقط مهرهما، وعلى الزوج نصف المهر للصغيرة، ويرجع على الكبيرة بنصف مهر مثلها.
وإن كانت الكبيرة أمة تزوجها، فأرضعت الصغيرة، يتعلق الغرم برقبتها، وهو نصف مهر مثل الصغيرة؛ كما لو أتلفت مال إنسان-: يتعلق الضمان برقبتها.
وإن أرضعت أم ولده زوجته الصغيرة بلبنه-: ينفسخ النكاح، ولا غرم على أم الولد؛ لأن أم الولد إذا أتلفت شيئًا على سيدها لا يلزمها الضمان.
ولو كانت تحته ثلاث نسوة كبيرتان وصغيرة، فأرضعت كل واحدة من الكبيرتين الصغيرة أربع رضعات، ثم حلبتا لبنًا، وخلطتا وسقتاها الرضعة الخامسة-: انفسخ نكاح الكل، وحرمت الكبيرتان عليه على التأبيد، أما الصغيرة: فإن كان الزوج قد دخل بالكبيرتين، أو بإحداهما حرمت على التأبيد، وعليه للصغيرة نصف المسمى، ويرجع على الكبيرتين بنصف مهر مثلهما على كل واحدة بالربع؛ لأن الفسخ كان من قبلهما.
وأما الكبيرتان: فإن كان قد دخل بهما- ثبت لكل واحدة منهما عليه جميع مهرها، ويرجع على كل واحدة بنصف مهر مثل صاحبتها؛ لأن فسخ نكاح كل واحدة كان منها ومن صاحبرتها، فيسقط ما قابل فعلها، ووجب على صاحبتها النصف لأجل فعلها.
وإن لم يكن دخل بهما-: ثبت لكل واحدة منهما ربع مهرها؛ لأن الفسخ قبل الدخول كان منها ومن صاحبتها، فيسقط ما قابل فعلها، ويرجع الزوج على صاحبتها بربع مهر مثلها؛ لأنها أتلفت عليه نصف البضع.
أما إذا أرضعت اللبن المخلوط في الرضعة الخامسة إحدى الكبيرتين-: فالحكم في التحريم ما ذكرنا، ويثبت للصغيرة نصف المسمى، ويرجع الزوج بنصف مهر مثلها على الكبيرة التي أرضعتها.
[ ٦ / ٣٠٦ ]
فأما الكبيرة التي لم تباشر إرضاع الخامسة: إن لم يكن مدخولًا بها-: فلها نصف المسمى على الزوج؛ لأن الفسخ جاء من غيرها، ويرجع الزوج بنصف مهر مثلها على المرضعة، وإن كانت مدخولًا بها-: فعلى الزوج لها كمال المسمى، ويرجع بكمال مهر مثلها على المرضعة.
وأما التي باشرت الإرضاع، فإن لم يكن مدخولًا بها-: فلا مهر لها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها، وإن كانت مدخولًا بها-: فلها جميع المهر.
ولو نكح صغيرتين، فأرضعهما أجنبية- نظر: إن أرضعتهما معًا- انفسخ نكاحهما؛ لأنهما صارتا أختين معًا، وحرمت الأجنبية عليه على التأبيد، لأنها صارت من أمهات نسائه، وعلى الزوج للصغيرتين لكل واحدة نصف المسمى، ويرجع على المرضعة بنصف مهر مثل كل واحدة منهما، ويجوز له أن ينكح كل واحدة من الصغيرتين على الانفراد، ولا يجوز أن يجمع بينهما؛ لأنهما أختان.
وإن أرضعتهما على الترتيب- فبإرضاع الأولى: لا ينفسخ نكاحها، فإن أرضعت الثانية-: انفسخ نكاح الثانية، لأنها صارت أختًا للأولى، وهل ينفسخ نكاح الأولى؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المزني، ومذهب أبي حنيفة-: ينفسخ نكاحها؛ لأن انعقاد الأخوة بينهما برضاع الثانية، فصارتا أختين معًا؛ كما لو أرضعت الكبيرة الصغيرة-: ينفسخ نكاحهما؛ لأنهما صارتا أمًا وبنتًا.
والقول الثاني: لا ينفسخ نكاح الأولى؛ لأن الأخوة- وإن تمت بالثانية- ولكن سببها، وهو رضاع الأولى، كان متقدمًا؛ فصار كما لو نكح امرأة، ثم نكح أختها-: لا يصح نكاح الثانية، ولا يرتفع نكاح الأولى؛ بخلاف ما لو أرضعت الكبيرة الصغيرة؛ لأن- ثم- تثبت الأمومة والبنوة معًا.
ولو كانت تحته أربع رضيعات، فأرضعتهن أجنبية على الترتيب، فبإرضاع الأولى لا ينفسخ نكاحها، وإذا أرضعت الثانية- انفسخ نكاحها، وهل ينفسخ نكاح الأولى؟ فعلى قولين:
إن قلنا: لا ينفسخ، فإذا أرضعت الثالثة والرابعة- انفسخ نكاحها، ونكاح الأولى باق بحاله.
وإن قلنا: ينفسخ نكاح الأولى بإرضاع الثانية: فإذا أرضعت الثالثة-: لا ينفسخ نكاحها، فإذا أرضعت الرابعة-: انفسخ نكاح الكل.
[ ٦ / ٣٠٧ ]
وعلى هذا: لو نكح صغيرة وكبيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة-: انفسخ نكاح الصغيرة؛ لأنها صارت أختًا للكبيرة، وهل ينفسخ نكاح الكبيرة؟ فيه قولان.
وكذلك: لو أرضعتها جدة الكبيرة، أو بنت أخيها، أو بنت أختها-: انفسخ نكاحها، وفي نكاح الكبيرة قولان:
فإن قلنا: ينفسخ، يجوز له نكاح كل واحدة على الانفراد، ولا يجوز الجمع؛ لأنه يكون جمعًا بين الخالة وبنت أختها، والعمة وبنت أخيها.
ولو نكح كبيرة وثلاث صغائر، فأرضعت الكبيرة الصغائر الرضعة الخامسة- نظر: إن كان بعد الدخول بالكبيرة- انفسخ نكاح الكل، وحرمن جميعًا عليه على التأبيد، سواء أرضعتهن معًا، أو على الترتيب؛ لأن الكبيرة صارت من أمهات نسائه، والصغائر بنات امرأة دخل بها الزوج، وعليه المسمى للكبيرة، ونصف المسمى لكل صغيرة، ويرجع على الكبيرة بنصف مهور أمثالهن.
وإن كان قبل الدخول بالكبيرة- نظر: إن أرضعتهن معًا بأن حلبت وأوجرت في حلوقهن دفعة واحدة-: انفسخ نكاح الكل؛ لأنهن يصرن أخوات معًا، وحرمت الكبيرة على التابيد، ولا مهر لها، وله أن ينكح كل واحدة من الصغائر على الانفراد، ولا يجمع بينهن.
فإن أرضعتهن على الترتيب. فإن أرضعت الأولى حرمت الكبيرة على التأبيد، وانفسخ نكاح تلك الصغيرة، فإذا أرضعت الثانية: لا ينفسخ نكاحها، فإذا أرضعت الثالثة-: انفسخ نكاحها؛ لأنها صارت أختًا للثانية، وهل ينفسخ نكاح الثانية؟ فيه قولان:
فإن قلنا: لا ينفسخ-: ليس له نكاح واحدة من الأختين، ما دامت هذه الواحدة في نكاحه، وكل من انفسخ نكاحها-: فلها نصف المسمى، ويرجع الزوج على الكبيرة بنصف مهر مثلها.
ولو أرضعت واحدة أولًا، ثم أرضعت اثنتين معًا-: انفسخ نكاح الكل.
ولو أرضعت اثنين معًا أولًا، ثم واحدة-: انفسخ نكاح الأوليين مع الكبيرة، ولا ينفسخ نكاح الثالثة.
ولو كانت تحته كبيرة وثلاث صغائر، وللكبيرة ثلاث بنات مراضع، فجاءت البنات، فأرضعن الصغائر- نظر: إن كان بعد الدخول بالكبيرة، حرمن جميعًا على التأبيد؛ سواء أرضعن معًا، أو على الترتيب؛ لأن الكبيرة جدة نسائه، والصغائر نوافل زوجته التي دخل بها، ويرجع الزوج بتمام مهر الكبيرة عليهن جميعًا، إن أرضعن معًا، وإن أرضعن على الترتيب: فيرجع على الأولى.
[ ٦ / ٣٠٨ ]
وأما الصغائر: فلكل واحدة نصف المسمى على الزوج، ويرجع الزوج على كل مرضعة بنصف مهر مثل من أرضعتها، فإن كان قبل الدخول بالكبيرة- نظر: إن أرضعتهن معًا انفسخ نكاح الكل، وحرمت الكبيرة على التأبيد، وعلى الزوج للكبيرة ولكل واحدة من الصغائر نصف المسمى، ويرجع على كل مرضعة بنصف مهر مثل من أرضعتها من الصغائر، وسدس مهر مثل الكبيرة، لأن انفساخ نكاحها من الكل.
وإن أرضعتهن على الترتيب، فإذا أرضعت واحدة واحدة-: انفسخ نكاح الكبيرة، ونكاح تلك الصغيرة، ولكل واحدة نصف المسمى، ويرجع الزوج على المرضعة بنصف مهر مثل كل واحدة منهما.
فإذا أرضعت الأخريين: إما معًا، أو على الترتيب-: لا ينفسخ نكاحهما؛ لنهما ليستا بأختين، ولا اجتمعتا مع الجدة في النكاح، وللزوج نكاح الصغيرة الأولى عليهما، ولو نكح رجل صغيرتين وكبيرتين، فأرضعت الكبيرتان الصغيرتين؛ كل واحدة منهما واحدة: فإن كان بعد الدخول بالكبيرتين-: حرمن جميعًا على التأبيد، وإن كان قبل الدخول بهما، سواء أرضعتا معًا أو على الترتيب، حرمت الكبيرتان على التأبيد، وانفسخ نكاح الصغيرتين، وله أن يجمع بينهما بعد ذلك.
ولو أرضعتهما إحدى الكبيرتين على الترتيب-: انفسخ نكاح الصغيرة الأولى مع الكبيرة دون الثانية.
ثم إذا جاءت الكبيرة الثانية، وأرضعتهما على الترتيب- نظر: إن أرضعت على ترتيب الأولى-: لم ينفسخ نكاح الصغيرة الثانية؛ لأن الكبيرة الثانية خرجت عن نكاحه بإرضاع الأولى؛ فلم يوجد اجتماع الأم، والبنت في نكاحه، وإن أرضعت على خلاف ترتيب الأولى-: انفسخ نكاح الكل، وله أن ينكح كل صغيرة على الانفراد، ولا يجمع بينهما.
ولو تزوج رجل صغيرة، وطلقها، ونكح كبيرة، ثم أرضعت الكبيرة تلك الصغيرة-: ينفسخ نكاح الكبيرة، وحرمت عليه على التأبيد، لأنها صارت من أمهات نسائه.
ولو كانت تحته كبيرة، فطلقها، وتزوجت المرأة رضيعًا، وأرضعته بلبن الزوج الأول-: انفسخ النكاح بينها وبين الصغير؛ لأنها أمه وحليلة أبيه، وحرمت على الأول على التأبيد؛ لأنها صارت حليلة ابنه حتى لو تزوج رجل أم ولده من عبده الرضيع، فأرضعت زوجها بلبن السيد-: ينفسخ النكاح بينهما، وحرمت على السيد على التأبيد؛ لأنها صارت حليلة ابنه.
ولو نكحت كبيرة رضيعًا، ففسخت النكاح بعيب وجدت بالزوج، ثم نكحت زوجًا آخر، وأرضعت الزوج الأول بلبن الزوج الثاني-: انفسخ النكاح بينها وبين الثاني؛ لأن
[ ٦ / ٣٠٩ ]
الأول صار ابنًا للثاني، وهي حليلة ابنه، فحرمت عليهما على التأبيد.
وكذلك: لو جاءت امرأة أخرى للزوج الثاني، وأرضعت الأول بلبنه-: انفسخ نكاح من كانت زوجة للرضيع، حتى لو كان للزوج الثاني امرأة قد فارقها، فأرضعت الصغير بلبنه-: فكذلك، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا نكحت امرأة في عدة الغير، فأتت بولد، وأرضعت بذلك اللبن صبيًا-: فالرضيع تبع للمولود.
فإن كان المولود ابنًا للأول: فالرضيع للأول، وإن كان المولود للثاني-: فالرضيع كذلك.
وإن لم يحتمل منهما بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من طلاق الزوج الأول، ولدون ستة أشهر من وطء الثاني-: فهو منفي عنهما؛ كذلك الرضيع.
وإن احتمل كون الولد منهما-: يرى القائف؛ فأيهما ألحقه به-: كان الرضيع ابنًا له، فإن لم يكن هناك قائف، أو ألحقه القائف بهما، أو نفاه عنهما، أو أشكل عليه-: يوقف حتى يبلغ المولود، فينتسب، وإن بلغ مجنونًا، فحتى يفيق، فينتسب إلى أحدهما.
ثم الرضيع يكون ابنًا له: فإن مات قبل الإفاقة، وله ولد-: فولده يقوم مقامه في الانتساب، وإذا مات، وله أولاد؛ انسب بعضهم إلى أحدهما، والبعض إلى الآخر-: فهو على الإشكال.
فإذا مات ولا ولد له، أو مات صغيرًا-: فالرضيع هل له أن ينتسب؟ فيه قولان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ كما لا يعرض على القائف، بل يكون الرضيع ابنًا لهما جميعًا؛ لأن اللبن قد يكون من الوطء؛ كما يكون من الولادة، وهما قد اشتركا في الوطء.
ويجوز أن يكون للمولود الواحد آباء من الرضاع؛ بخلاف النسب.
والقول الثاني- وهو الأصح-: لا يكون ابنًا لهما؛ لأن الرضيع تابع للنسب، فلما لم يلحق النسب بهما-: لا يلحق الرضيع بهما، ولكن له أن ينتسب؛ لأن الانتساب يكون بالطبع وميل القلب، ويميل قلب الإنسان إلى من ارتضعت بلبنه، ويؤثر ذلك في أخلاقه، ولذلك قال النبيﷺ- "أنا سيد ولد آدم، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد، وأرضعت في بني زهرة".
[ ٦ / ٣١٠ ]
فافتخر بالرضاع؛ كما افتخر بالنسب.
فإن قلنا: يكون ابنًا لهما-: فلا يجوز له أن ينكح انة واحد منهما.
وإن قلنا: لا يكون ابنًا لهما، وأثبتنا للرضيع الانتساب-: فهل يجبر عليه؟ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: يجبر عليه؛ كالمولود.
ومنهم من قال- وهو المذهب-: لا يجبر عليه؛ بخلاف المولود: لأن النسب يثبت حقوقًا له وعليه؛ من النفقة، والميراث، والشهادة، وغيرها، والرضاع لا يتعلق به إلا تحريم النكاح، ويمكنه الامتناع عن ذلك؛ ولذلك تثبت أبوة الرضاع من جماعة، ولا يثبت النسب إلا من واحد، فإذا خيرناه، فانتسب إلى أحدهما-: كان ابنه من الرضاع، ولا يكون محرمًا لبنت الآخر، والاحتياط والورع: ألا ينكحها، فلو نكح-: لم يبطل.
وإن قلنا: ليس له الانتساب، أو لم ينتسب-: فهل له أن يتزوج ابنة واحد منهما؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها- وهو الأصح- لا يحل له نكاح ابنة واحد منهما؛ لأنا تيقنا أن إحداهما أخته؛ فهو كما لو اختلطت أخته من النسب بأجنبية-: لا يحل له نكاح واحدة منهما.
والثاني: أنه يتزوج بنت من شاء منهما، فإذا تزوجها، حرمت الأخرى عليه؛ لأن الأخوة مشتبهة فيهما، فإذا تزوج إحداهما-: تعينت الأخوة في الأخرى، فحرم نكاحها على التأبيد؛ كما لو اشتبه عليه ماء طاهر وماء نجس، فتوضأ بأحدهما باجتهاده، تعينت النجاسة في الآخر؛ فلا يجوز له أن يتوضأ به.
والثالث: له أن يتزوج بنت أيهما شاء، وإذا طلقها-: له أن ينكح الأخرى؛ لأن التحريم غير متعين في واحدة؛ كما يصلي بالاجتهاد إلى جهة، ثم يصلي صلاة أخرى باجتهاد آخر إلى جهة أخرى، ولا يجوز أن يجمع بينهما؛ لأن الحظر يتحقق في الجمع؛ كرجلين رأيا طائرًا، فقال أحدهما: إن كان هذا غرابًا، فعبدي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا، فعبدي حر، ولم يتبين لهما، فلكل واحد منهما أن يبني على يقين نفسه، ويتمسك بملكه، فإذا اجتمع العبدان في ملك واحد منهما-: يحكم بعتق أحدهما.
[ ٦ / ٣١١ ]
فَصْلُ
إذا فارق الزوج امرأته، أو مات عنها، ولها منه لبن أرضعت به صبيًا-: تثبت به الحرمة بينه وبين صاحب اللبن، سواء كان قبل انقضاء عدتها، أو بعده، وإن بقي ذلك اللبن عشر سنين أو أكثر، إذا لم ينقطع، وإن انقطع، ثم عاد-: فكذلك على ظاهر المذهب، سواء عاد بعد مضي أربع سنين من وقت الطلاق أو قبله.
وقيل: إن عاد بعد مضي أربع سنين، فأرضعت به صبيًا-: لا يثبت التحريم بينه وبين الزوج، كما لو أتت بولد: لا يلحقه، وبه كالبكر، إذا نزل لها لبن، فأرضعت به صبيًا: كان ابنًا لها من الرضاع، لا أب له.
ولو تزوجت امرأة، فنزل لها لبن قبل أن يطأها الزوج، أو بعدما وطئها قبل أن يكون من ذلك الوطء لبن، فأرضعت به صبيًا-: يكون الرضيع ابنًا لها دون الزوج.
وإذا فارق الرجل زوجته، وانقضت عدتها، فنكحت زوجًا آخر، وأتت منه بولد، فأرضعت بذلك اللبن صبيًا-: يكون الرضيع ابنًا للثاني؛ سواء كان لها لبن من الأول إلى أن أرضعت الثاني، أو لم يكن؛ لأن حكم الأول قد انقطع بالولادة من الثاني، وإن كان لها لبن من الأول، فأرضعت به صبيًا قبل أن تلد للثاني- نظر: إن كان قبل أن أصابها الثاني أو بعده قبل أن تحبل منه أو بعد ما حبلت، وكان من أوائل الحبل، وقالت القوابل: لا يكون لذلك لبن-: فهو لبن للأول؛ سواء زاد اللبن أو لم يزد، وسواء انقطع ثم عاد، أو لم ينقطع؛ كما لو لم يوجد نكاح الثاني.
وإن قالت القوابل: يتصور نزول اللبن بهذا الحبل، بأن كان قد قرب من الولادة؛ فلا يخلو: إما إن كان اللبن لم ينقطع من الأول، أو انقطع ثم عاد.
فإن لم ينقطع- نظر: إن لم يزد لبنها بهذا الحمل-: فالرضيع ابن للأول.
وإن زاد لبنها-: ففيه قولان:
قال في القديم: هو ابن لهما جميعًا؛ لأن اللبن كان موجودًا من الأول؛ فزاد بسبب الثاني.
وقال في الجديد- وهو الأصح، وهو اختيار المزني-: هو ابن للأول؛ لأن اللبن من الأول يقين، والزيادة تحتمل من الثاني، ويحتمل أن يكون الفضل طعامأً أكلته، فلا تثبت حرمة الرضاع بالشك.
أما إذا انقطع اللبن، ثم عاد في الوقت الذي ينزل فيه اللبن على الحمل، فأرضعت به صبيًا: ففيه ثلاثة أقاويل:
[ ٦ / ٣١٢ ]
أصحهما: أنه لبن للأول، ما لم تلد من الثاني؛ لأن اللبن غذاء للولد لا للحمل، والولد كان من الأول.
والقول الثاني: هو لبن للثاني؛ لأن انقطع لبن الأول تعين، والسبب من الثاني، وهو الحمل، ظاهر؛ فصار كما لو نزل بعد الولادة.
والثالث: هو لبنهما جميعًا؛ لأن لكل واحد أمارة تدل على أن اللبن له.
ولو أنها زنت، وحبلت من الزنا، وبها لبن من الزوج، فأرضعت به صبيًا: فإن قالت القوابل: لا يتصور نزول اللبن بهذا الحمل، فهو لبن الأول.
وإن قلن: يتصور-: فهو على التفصيل الذي ذكرنا.
فكل حالة قلنا في النكاح: يكون لبنًا للأول أولهما-: فههنا: يكون للأول.
وكل حالة قلنا: يكون للثاني-: فههنا: يكون للمرأة، ولا أب له.
وعلى هذا: لو نزل للبكر لبن، فنكحت، واللبن قائم، ووطئها الزوج وحبلت، وقالت القوابل: يتصور نزول اللبن به-: فكل حالة قلنا في النكاح: يكون لبنًا للأول-: فههنا: يكون للأم، وإن قلنا: يكون للثاني أولهما-: فههنا يكون للزوج، والله أعلم بالصواب.
بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الرِّضَاعِ
رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتًا لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ، وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إلَى النَّبِيِّﷺ- وهو بالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهﷺ-: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ " فَفَارقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ".
يثبت الرضاع بشهادة رجلين، ورجل وامرأتين، وأربع نسوة؛ لأنه مما يطلع عليه
[ ٦ / ٣١٣ ]
النساء غالبًا؛ كالولادة، ولا يثبت بأقل من أربع نسوة؛ هذا إذا شهدوا على فعل الرضاع، أو على أن بينهما حرمة الرضاع.
أما الإقرار بالرضاع: فلا يثبت إلا برجلين؛ لأن الإقرار يكون باللسان، فيطلع عليه الرجال.
وعند مالك: يثبت الرضاع بشهادة امرأتين.
وعند الزهري والأوزاعي: يثبت بامرأة واحدة.
وعند أبي حنيفة: يثبت بشهادة رجل وامرأتين، ولا يثبت بشهادة أربع نسوة.
ولو شهدت المرضعة مع ثلاث نسوة-: يقبل إذا لم تشهد على فعل نفسها، بل قالت: بينهما أخوة الرضاع، أو هما ارتضعا مني، فأما إذا شهدت أني أرضعتها-: لا يقبل؛ على
[ ٦ / ٣١٥ ]
أصح الوجهين؛ كما لا تقبل شهادتهما على ولادتها.
والثاني: يقبل؛ لأنها لا تجر إلى نفسها نفعًا بهذه الشهادة؛ بخلاف ما لو شهدت على ولادتها؛ لأنها تثبت لنفسها بذلك حقًا، وهو النفقة.
وتقبل شهادة أم المرضعة وابنتها كالمرضعة، ولو ذكرت المرضع وحدها-: لا تثبت الحرمة، ولكن الورع أن يفارقها، وإلى هذا أشار النبيﷺ- حيث قال لعقبة بن الحارث: "كيف وقد قيل"؟.
وإن شهدت أم المرأة وابنتها على حرمة الرضاع بينها وبين زوجها- نظر: إن كان الزوج يدعي الرضاع، وهي تنكر-: يقبل؛ لأنها شهادة على الولد وعلى الوالدة.
وإن كانت المرأة تدعيه-: فلا يقبل؛ لأنها تشهد للولد والوالدة، وعلى عكسه: لو شهد الرجل وابنته: فإن كان الرجل يدعيه-: لا يقبل، وإن كانت المرأة تدعيه-: يقبل.
نظيره: لو شهد أبو المرأة وابنها حسبة على أن زوجها طلقها-: يقبل، وإن شهدا على الدعوى، وكانت المرأة تدعي الطلاق-: لا يقبل، وإذا شهد الشاهد على فعل الرضاع؛ بأن
[ ٦ / ٣١٦ ]
امرأة أرضعتهما- فلا يثبت حتى يقول: أشهد أنه ارتضع من ثديها، وأنها أرضعته خمس رضعات متفرقات في الحولين، وصل كلهن إلى جوفه.
ويجوز له أن يشهد كذلك، إذا رآه التقم ثديها وامتص.
ولو صرح بأنه التقم ثديها وامتص، ولم يقل: وصل إلى جوفه-: لا يقبل.
ولو شهد على أن بينهما حرمة الرضاع، أو أنه ابنها من الرضاع-: قيل: يقبل.
والصحيح: أنه لا يقبل؛ لأن الناس مختلفون فيما تثبت به حرمة الرضاع.
ولو رأى امرأة أخذت صبيًا تحت ثيابها وأرضعته، لم يجز له أن يشهد بالرضاع؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك لبنًا من غيرها في شيء اتخذته، كهيئة الثدي ترضعه منه.
ولو أقر رجل أن فلانة أختي من الرضاع، ثم رجع، فأراد أن ينكحها، أو امرأة أقرت أن فلانًا أخي أو عمي من الرضاع، ثم رجعت، وأرادت أن تنكحه، أو تقارا، ثم رجعا-: لا يقبل رجوعهما، ولا يجوز أن ينكحها.
وعند أبي حنيفة: إن أصرا عليه-: لا يجوز أن ينكحها، وإن رجعا-: يجوز.
وبالاتفاق لو أقر إخوة النسب، أو أقر الزوج بالطلاق، ثم رجع-: لا يقبل رجوعهما.
ولو تقار الزوجان على أن بينهما حرمة رضاع، وفرق بينهما، ثم إن كان قبل الدخول-: فلا مهر للمرأة، وإن كان بعد الدخول-: فلها مهمر المثل.
وإن أقر أحد الزوجين، وأنكر الآخر، ولا بينة عليه- نظر: إن أقر الزوج، وأنكرت المرأة يحكم بانفساخ النكاح بقوله، ولكن لا يقبل-: قوله في حقها، حتى يجب لها نصف المسمى، إن كان قبل الدخول.
وإن كان بعد الدخول-: فتمام المسمى.
ثم إن كان قبل الدخول، أو كان بعده، والمسمى أكثر من مهر المثل-: له تحليفها، فتحلف على العلم؛ أنها لا تعلم حرمة الرضاع بينهما، فإن نكلت-: حلف الزوج على البت، ثم لا شيء لها، إن كان قبل الدخول وإن كان بعده-: فلا يجب أكثر من مهر المثل؛ كما لو أقام الزوج بينه على دعواه.
وإن ادعت المرأة حرمة الرضاع بينها وبين الزوج، وأنكر الزوج- نظر: إن ادعته بعد التمكين-: لا يقبل قولها، وإن كان قبل التمكين- نظر: إن زوجت بإذنها، وعينته في الإنذن-: لا يقبل قولها، وإن زوجت دون إذنها، أو أذنت، ولم تعين الزوج-: يقبل قولها مع يمينها؛ على الصحيح من المذهب.
[ ٦ / ٣١٧ ]
ولو أقرت أمة لغير سيدها بأخوة الرضاع-: يقبل، فإذا اشتراها ذلك الرجل-: لا يحل له وطؤها.
وإن أقرت لسيدها: إن كان بعد التمكين-: لا يقبل، وإن كان قبله-: فعلى وجهين.
وكذلك: لو ادعت أني موطوءة أبيك، ولو ادعت أخوة النسب-: لا يقبل، والله أعلم بالصواب.
[ ٦ / ٣١٨ ]