قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ﴾ الآية [البينة: ٥] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
[ ٣ / ٣ ]
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى "اليمن": "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم: فادعهم [إلى] أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرضعليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم. فإن من أطاعوا لك بذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب".
الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها عصى الله - ﷿ثم إن كان في قبضة الإمام، أخذ منه الزكاة كرهًا، وإن لم يكن في قبضته، أو امتنع بجماعة، قاتلهم الإمام على
[ ٣ / ٥ ]
منعها وأخذها منهم كرهًا. قال أبو بكر الصديق -﵁-: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ لقاتلتهم على منعها.
وإن منعها منع جحود، كان كافرًا، وقتل بسبب الردة.
وروي عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ - قال: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه؛ تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها، ردت عليه أولاها؛ حتى يقضي بين الناس".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم،
[ ٣ / ٦ ]
فتكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد".
زكاة العين تجب في ثلاث أشياء: في الحيوان، والجواهر، والمستنبتات؛ فلا تجب في الحيوان إلا في النعم، ولاتجب في الجواهر إلا في الذهب والفضة، ولاتجب في المستنبتات إلا فيما هو قوت من الزروع والثمار في النخيل والكروم، وأما سائر الأموال: فلا زكاة فيها، إلا أن يتجر فيها؛ فيجب عليه زكاة التجارة.
"باب زكاة الإبل"
روي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
لا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمسًا، فإذا بلغت خمسًا، ففيها شاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، ثم لا يزاد حتى تبلغ عشرًا ففيها شاتان، ثم لا يزاد حتى تبلغ خمس عشرة ففيها ثلاث شياة، ولا يزاد حتى تبلغ عشرين، فإذا بلغت ففيها أربع شياة، حتى تبلغ خمسًا وعشرين، فإذا بلغت سقطت الشياه، وفيها بنت مخاض؛ وهي التي استوفت سنة، وطعنت
[ ٣ / ٧ ]
في الثانية؛ لأن أمها تمخض في تلك المدة؛ فإذا بلغت ستًا وثلاثين ففيها بنت لبون، وهي التي استوفت سنتين؛ لأن أمها ترضع ولدًا آخر. فإذا بلغت ستًا وأربعين، ففيها حقه؛ وهي التي استوفت ثالث سنين؛ لأنها تستحق الحمل والإنزاء. فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة؛ وهي التي استوفت أربع سنين؛ لأنها تجذع السن؛ أي: تسقطها. ووراء الجذعة أسنان للإبل الثنية والسديس وغيرهما، ولكنها لا تجب في الزكاة إلا أن يتبرع رب المال به. فإذا بلغت ستًا وسبعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زاد على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون. ثم بعدها تستقر
[ ٣ / ٨ ]
الفريضة على نصابين وسنين؛ فيجب فيكل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولا تتغير الفريضة إلا بعقد كامل؛ وهو عشرة. فإذا اجتمع عدد من بنات لبون، وزاد عقد؛ فأبدل بنت لبون بحقة، ثم إذا زاد عقد آخر أبدل بنت لبون أخرى بحقة؛ هكذا حتى يصير الكل حِقاقًا، ثم إذا زاد عقد آخر بعدها أبدل ثلاث حقائق بأربع بنات لبون.
بيانه: في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، فإذا صار مائة وثلاثين ففيها بنتًا لبون وحقة، فإذا بلغت مائة وأربعين ففيها ابنة لبون وحقتان، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حِقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة، وفي مائة وثمانين ابنتا لبون وحقتان، وفي مائة وتسعين ثلاث حِقاق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، يجب عليه أحدهما؛ لأنها أربع خمسينات وخمس أربعينات.
إذا ثبت أن في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون فهل لهذا الواحد قسط من الواجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن المغير للفرض له قسط من الواجب كالمعاشر.
والثاني: لا؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "إذا زادت على مائة وعرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
ولو جعلنا لتلك الواحدة قسطًا من الواجب، لكان في كل أربعين وشيء بنت لبون، وقد يتغير الفرض؛ فمن لا قسط له كمن مات عن أبوين وأخوين، فالأخوين لا ح لهما في الميراث، ويتغير بهما فرض الأم؛ فإنهما يردان الأم من الثلث إلى السدس. ولو زاد على مائة وعشرين شقص بعير، وإن قل؛ هل تتغير به الفريضة؟ فيه وجهان.
[ ٣ / ٩ ]
قال الإصطخري: تتغير؛ فيجب فيها ثلاث بنات لبون؛ لأن النبي - ﷺ- قال:"فإن زادت على عشرين ومائة" وقد حصلت الزيادة.
والثاني - وهو الأصح والمذهب -: لا يتغير؛ لأن مبنى الزكاة على إن الواجب يتغير فيها بالأشخاص لا بالأشقاص.
وقال أبو حنيفة: إلى مائة وعشرين؛ كما قلنا: إن فيها حقتين، ثم بعده قال: يستأنف الحساب؛ فيجب في كل خمس شاة مع الحقتين إلى مائة وخمس وأربعين قال: فيها ابنة مخاض مع الحقتين. فإذا بلغت مائة وخمسين، ففيها ثلاث حقاق، ثم يستأنف الحساب بإيجاب الشياه مع الحقاق الثلاث إلى مائة وخمس وسبعين، ففيها ابنة مخاض وثلاث حقاق، وفي مائة وست وثمانين بنت لبون وثلاث حقاق، وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق إلى المائتين تكون عفوًا، ثم بعد المائتين يستأنف الحساب، وعلى رأس كل خمسين أربعة تكون عفوًا لا يتعلق بها الواجب.
دليلنا: ما روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - كتب تاب الصدقة، فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمر حتى قبض.
[ ٣ / ١٠ ]
وعن أنس: أن أبا بكر تب له كتاب الصدقة لما وجهه إلى "البحرين" وفي كل واحد منهما: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
وعند مالك: إنما تستقر الفريضة إذا زادت على مائة وعشرين [عشرة]، فصارت مائة وثلاثين؛ فحينئذ في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ فتكون فيها ابنتا لبون وحقة. فإذا زادت على مائة وعشرين أقل من عشرة لا يتغير الواجب.
فصل: [فيما إاوجبت عليه سن ولم توجد عنده]
روي عن أنس؛ أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله - ﷺ-: من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة؛ فإنها تقبل منه الحقة،
[ ٣ / ١١ ]
ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما من بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، إلى أن قال: ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين؛ فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون؛ فإنه يقبل منه، وليس معه شيء.
إذا وجبت عليه سِنٌّ وهي موجودة عنده، لايجوز أن يعطي سنًا دونها، ويجوز أن يعطي سنًا فوقها متبرعًا، ولا يأخذ شيئًا. أما إذا لم تكن السن الواجبة موجودة عنده، أو كانت معيبة، يجوز أن يعطي سنًا دونها، ويعطي معها شاتين، أو عشرين درهما، أو يعطي سنًا فوقها، ويأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهمًا.
بيانه: إذا وجبت عليه جذعة، وليست عنده وأعطي حقة مكانها مع شاتين أو عشرين درهمًا - جاز، ولا يجوز تفريق الجبران؛ فيعطي شاة وعشرة دراهم؛ كما لا يجوز تفريق الكفارة الواجبة؛ فيطعم خمسًا ويكسو خمسًا من المساكين؛ سواء كانت الشاتان أو الدراهم مع الحقة تبلغ قيمة الجذعة، أو لا تبلغ؛ فلا ينظر إليه؛ لأنه الواجبة بالنص؛ وكذلك لو وجبت عليه حقة، وليست عنده؛ فأعطي بنت لبون مع الجبران، أو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده؛ فأعطي بنت مخاض مع شاتين، أو عشرين درهمًا - يجوز ولو وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده؛ فأعطى بنت لبون، وأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهمًا يجوز.
قال الشيخ: فلو أراد الساعي أن يعطي شاة وعشرة دراهم، ورضي به رب المال - يجوز؛ لأن ذلك حقه؛ فله أن يرضى بالتفريق؛ كما يجوز ألا يأخذ شيئًا، بخلاف الإعطاء؛ فإنه أداء عبادة؛ فيتبع فيها النص. وكذل لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده؛ فأعطي حقة، وأخذ الجبران، أو وجبت عليه حقة، وليست عنده؛ فأعطى جذعة، وأخذ الجبران- جاز.
ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده جذعة ولا حقة؛ فأعطي بنت لبون مع جبران أربع شياه، أو أربعين درهمًا - يجوز، أو يجوز أن يعطي أحد الجبرانين غنمًا، والآخر دراهم؛ بأن يعطي شاتين مع عشرين درهمًا؛ كما لو لزمته كفارتان؛ يجوز أن يطعم عن أحدهما، ويكسو عن الأخرى.
[ ٣ / ١٢ ]
وكذلك لو وجبت عليه حقة، وليست عنده حقة ولا بنت لبون؛ فأعطي بنت مخاض مع جبرانين يجوز.
[ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده جذعة ولا بنت لبون؛ فأعطي بنت مخاض مع جبرانين يجوز].
ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده جذعة ولا حقة ولا بنت لبون؛ فأعطي بنت مخاض مع ثلاث جبرانات: ست شياه أو ستين درهما - يجوز.
وكذل في الارتقاء؛ لو وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده بنت مخاض ولا بنت لبون؛ فأعطى حقة؛ وأخذ جبران ستين، أو لم يكن عنده حقة؛ فأعطي جذعة، وأخذ ثلاث جبرانات -يجوز.
وإذا احتاج الإمام إلى إعطاء الجبران، وليس في بيت المال دراهم -باع شيئًا من أموال المساكين، وصرف إلى الجبران.
ولو وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده - يؤخذ منه ابن لبون ذكر؛ سواء كانت قيمته أقل من قيمة بنت المخاض، أو أكثر، ولاجبران له.
ولا يجوز أخذ الذكر في الزكاة، إذا كان بعض ماشيته إناثًا إلا في هذا الموضع، وأخذ التبيع من زكاة البقر، وإنما لم يوجب الجبران؛ لأن فضل سن ابن اللبون بمقابلة فضل أنوثة بنت المخاض؛ فاستويا. ولا يجوز أخذ ابن اللبون مع وجود بنت المخاض، ويجوز أخذه مع القدرة على تحصيل بنت المخاض؛ لأنه بدل كامل؛ فمن حيث إنه بدل لا يجوز أخذه مع وجود الأصل، ومن حيث إنه بدل كامل يجوز أخذه مع القدرة على تحصيل الأصل.
ولو لم يكن عنده بنت مخاض، ولا ابن لبون؛ فأيهما وجده اشتراه، وأعطي ولو وجدهما جميعًا هل يجوز أن يشتري ابن اللبون؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه عادم لبنت المخاض.
والثاني: وهو الأصح -: لا يشتري غلا بنت المخاض؛ لأنهما لو استويا في الوجود لم يجز إخراج ابن اللبون، كذلك عند عدمهما إذا أمكن تحصيلهما.
ولو وجبت عليه بنت مخاض - وهي موجودة- لكنها كريمة سمينة، وإبله مهازيل-
[ ٣ / ١٣ ]
لا يجبر على إعطائها، بل يشتري بنت مخاض عَدلًا بين غذاء المال وخياره. وهل يقبل منه ابن اللبون في هذه الحالة؟ قيل: لا يقبل؛ لأنه واجد لبنت مخاض تجزئ. والمنصوص أنه يقبل؛ لأن بنت المخاض - لما لم يجب إخراجها - كانت المعدومة؛ كما لو كانت إبله سمانًا، وعنده بنت مخاض مهزولة - جاز إخراج بنت اللبون.
ولو وجبت عليه بنت اللبون في ست وثلاثين، وليست عنده - لا يجوز إخراج حق ذكر؛ لأنه لم يرد به النص؛ ولأن بنت اللبون تساوي الحق في ورود الماء والشجر، والامتناع من صغار السباع، ويفضل بالنوثة؛ فلم تكن زيادة قوة الحق معتبرة.
ولا يجوز تكثير الجبران مع إمكان التقليل؛ مثل: أن وجبت عليه حقة، وليست عنده، وعنده بنت لبون وبنت مخاض - لا يجوز إخراج بنت المخاض مع جبرانين؛ لأنه يمكنه إعطاء بنت اللبون؛ ليقل الجبران. وكذلك لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده وعنده حقة وجذعة - لا يجوز أن يعطي الجذعة، [ويأخذ جبرانين، بل يعطي الحقة؛ ليقل الجبران. فلو أعطي الجذعة] ورضي بجبران واحد، يجوز، وهو متبرع بالزيادة.
ولو وجبت عليه حقة، وليست عنده، وعنده جزعة وبنت لبون؛ فرب المال بالخيار؛ إن شاء نزل؛ فأعطي بنت اللبون مع جبران سن واحدة، وإن شاء ارتقى، فأعطي الجذعة، وأخذ جبران سن.
وكذل لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض وحقه فله الخيار؛ إن شاء أعطي ابنة المخاض مع جبران سن، وإن شاء أعطي الحقة، وأخذ جبران سن. والخيار بين الدراهم والشاة في الجبران إلى من يعطي؟ فإن أن المعطي هو الساعي، فعليه أن يختار ما هو الأنفع للمساكين، والخيار في النزول والارتقاء إلى رب المال؛ لأن له أن يدع النزول والارتقاء جميعًا، ويحصل السن التي وجبت عليه.
وفيه وجه آخر: أن الخيار فيه إلى الساعي؛ كما في المائتين؛ الخيار إلى الساعي في أخذ الحقاق، وبنات اللبون.
ولو وجبت عليه حقة، وليست عنده، وعنده جذعة وبنت مخاض؛ فهل له أن ينزل إلى بنت المخاض؛ فيعطي مع جبرانين؟ فيه وجهان:
[ ٣ / ١٤ ]
أحدهما: لا يجوز، بل يعطي الجذعة؛ ليقل الجُبران.
والثاني: هو بالخيار؛ إن شاء نزل فأعطي بنت المخاض مع جبرانين، وإن شاء ارتقى فأعطي الجذعة، وأخذ جبران سن؛ لأن الجهة مختلفة التقليل في الأخذ والتكثير في الإعطاء، وإنما لا يجوز تكثير الجبران مع إمكان تقليله إذا كانت الجهة واحدة في الأخذ والإعطاء.
وكذلك لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض وجذعة؛ هل يجوز إعطاء الجذعة وأخذ جبرانين، أم يعطي ابنة مخاض مع جبران واحد؟ فعلى وجهين.
ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده، وعنده ثنية؛ فأخرجها متبرعًا - يجوز، وهل يجوز أن يخرجها، ويأخذ الجبران؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما لو أخرج الجذعة عن الحقة.
والثاني-وهو الأصح -: لا يجوز أخذ الجبران؛ لأن الثنية لا مدخل لها في الزكاة؛ فلا يقابل الزيادة التي فيها بالجبران؛ كما لو وجبت عليه بنت مخاض، وليس عنده إلا الفصيل- لا يجوز أن يعطي الفصيل مع البران.
ولو وجبت عليه سن؛ وهي حامل أو ذات در، أو أكرم إبله - ليس للساعي أخذها؛ لأن النبي - ﷺ- قال:"إياك وكرائم أموالهم". فإن تبرع رب المال، وأعطاها، يجب أخذها؛ لأنها أقرب إلى النفع، بخلاف ما لو أسلم في سن؛ فأتى بها حاملًا، له ألا يقبل؛ لأنه ربما يريدها للعمل، وغير الحامل أقوى على العمل، فإن لم يتبرع رب المال بها، له أن ينزل إلى سن دونها؛ فيعطي مع الجبران، أو يرتقي إلى سن فوقها، ويأخذ الجبران.
فصل: [في الواجب في مائتين من الإبل]
يجب في مائتين من الإبل أربع حقاق، أو خمس بنات لبون؛ لأنها أربع خمسينات، وخمس أبعينات ثم لا يخلو عن ستة أحوال: إما أن يكون الصنفان موجودين أو مفقودين، أو أحد الصنفين موجودًا دون الآخر، أو أحدهما وبعض الآخر، أو بعض كل واحد منهما، أو بعض أحدهما، فإن كانا موجودين، فالخيار إلى الساعي؛ يأخذ الصنف الذي هو أنفع للمساكين، بخلاف الجبران، جعلنا الخيار فيه على رب المال في النزول والارتقاء؛ لأن هناك لرب المال ترك النزول والارتقاء، وتحصيل السن التي وجبت عليه؛ فكان الخيار إليه، وهاهنا ليس له ترك الصنفين والانتقال إلى غيرهما فلو أخذ الساعي أدنى الصنفين؛ نظر: إن
[ ٣ / ١٥ ]
أخذه عالمًا به، أو لم يجتهد - لا يقع عن الزكاة؛ سواء كان رب المال عالمًا به، أو جاهلًا؛ فعلى رب المال إخراج الزكاة، ويسترد من الساعي ما أخذه إن كان قائمًا، أو قيمته إن كان هالكًا. وإن أخذ الساعي الأدنى بالاجتهاد، فوقع له أنه الأجود؛ نظر: إن كان رب المال عالمًا، فالمذهب أن الفرض لا يسقط؛ كما لو كانا عالمين؛ وكما لو أخفى رب المال أجود الصنفين.
وقيل: حكمه حكم ما لو كانا جاهلين، وإن كانا جاهلين؛ نظر؛ إن كان ما أخذ قائمًا في يد الساعي، رده وأخذ الأجود، وإن كان قد تلف في يده، فما أخذ الساعي محسوب عن الزكاة. وهل يجب عليه إخراج الفضل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لايجب؛ لأن الإمام أخذه بالاجتهاد؛ وكما لو أخذ القيمة بالاجتهاد، تحسب عن الزكاة.
والثاني - وهو المذهب-: يجب عليه إخراج الفضل، لوقوع البخس في حق المساكين؛ بخلاف ما لو أخذ القيمة؛ لأن ثم لم يبخس حقهم؛ فعلى هذا إن كان النقصان شيئًا يسيرًا، يجوز أن يعطي من الدراهم، ويعطي بنفسه إلى المساكين، وإن كان كثيرًا؛ بحيث يؤخذ به جزء من البعير، هل يجوز أن يعطي من الدراهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يجب من الإبل؛ لأنها الواجب.
والثاني: يجوز؛ لأنه ليس بأصل الزكاة، ولكنه جبر نقص؛ كما في الجبران.
فإن قلنا: يجب جزء من البعير، لا يجوز أن يخرج من غير هذين الصنفين. ومن أي صنف يخرج؟ فيه وجهان
أحدهما: من الصنف الأجود؛ لأنه الواجب.
والثاني: من الصنف الذي أخذه الساعي، حتى لا يؤدي إلى تفريق الفريضة.
فإن قلنا: يجب عليه جزء من البعير، يجب الدفع إلى الساعي على قولنا: إنه لا يجوز أن يفرق زكاة الأموال الظاهرة بنفسه.
وإن قلنا: يعطي من النقد، هل يجوز أن يفرق بنفسه فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه من جنس المال الباطن.
[ ٣ / ١٦ ]
والثاني: يجب الدفع إلى الساعي؛ لأنه جبران المال الظاهر؛ كالدراهم في الجبران.
وإن كان الصنفان مفقودين، معيبين؛ فإن شاء نزل؛ فأخرج خمس بنات مخاض مكان خمس بنات لبون، مع خمس جبرانات عشر شياه أو مائة درهم، وإن شاء ارتقى؛ فأخرج أربع جذاع مكان أربع حقاق، واسترد أربع جبرانات، وليس له أن يعطي أربع بنات مخاض مكان أبع حقاق مع ثمان جبرانات، ولا أن يعطي خمس جذاع مكان خمس بنات لبون، ويسترد عشرة جبرانات؛ لإمكان تقليل الجبران؛ بأن يجعل الجذاع مكان الحقاق، ويجعل بنات المخاض مكان بنت اللبون.
وإن كان أحد الصنفين موجودًا أخذ الموجود، وليس له أن يكلفه تحصيل الصنف الآخر، وإن كان أنفع للمساكين، ولايجوز النزول، ولا الارتقاء مع الجبران.
وكذلك إذا كان أحد الصنفين موجودًا، وبعض الآخر؛ فيأخذ الصنف الموجود، والناقص كالمعدوم.
فإن كان بعض كل واحد موجودا؛ بأن وجد ثلاث حقاق، وأربع بنات لبون؛ فهو بالخيار بين أن يجعل الحقاق أصلًا؛ فيعطيها مع بنت اللبون مع جبران سن، وبين أن يجعل بنات اللبون أصلًا؛ فيعطيها مع حقة، ويسترد جبران سن.
ولو أعطى حقة وثلاث بنات لبون مع كل بنت لبون جبران-ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما يجوز أن يعطي ثلاث حقاق وبنت لبون.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يعطي ثلاث حقاق وبنت لبون؛ حتى يقبل البران؛ ولأنه إذا أعطى هكذا يبقى عنده بعض الفرائض، ويعدل إلى الجبران.
قال الشيخ: فلو جعل الحقاق أصلًا؛ فأعطاها مع جذعة، وأخذ جبران سن، أو جعل بنات اللبون أصلًا. فأعطاها مع بنت مخاض وجبران سن -يجوز.
ولو وجد بعض أحد الصنفين؛ بأن لم يجد إلا حقتين -أخرج الحقتين مع جذعتين، وأخذ جبران سنين. فلو ترك الحقتين، وجعل بنات اللبون أصلًا؛ فأخرج خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات - جاز، وكذلك لو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون، أخرجها مع بنتي مخاض، وجبران سنين.
ولو ترك بنات اللبون؛ فجعل الحقاق أصلًا؛ فأخرج أربع جذاع مكانها، وأخذ أربع جبرانات - جاز. وإذا كان الصنفان موجودين، فلا يجوز التفريق؛ فيأخذ حقتين وابنتي لبون ونصف.
[ ٣ / ١٧ ]
قال الشيخ: فإن أعطي ثلاث بنات لبون مع حقتين متبرعًا -جاز؛ كما لو أعطي حقة مكان بنت لبون، ولو كانت له أربعمائة من الإبل؛ فيجب فيه عشر بنات لبون، أو ثمان حقاق. فلو أراد أن يفرق؛ يخرج خمس بنات لبون، وأربع حقاق؛ هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: قال الإصطخري. لا يجوز؛ كما في المائتين.
والثاني- وهو المذهب-: يجوز بخلاف المائتين؛ لأنها أول فريضة ثبت فيها الخيار، وهذا معادها؛ فصار كالجبران الواحد لا يجوز تفريقها؛ فيعطي شاة وعرة دراهم، ويجوز في الجبرانين أن يعطي في أحدهما الدراهم، وفي الآخر الشياه.
فصل: فيها إذا كانت إبله أو ماشيته مراضًا"
إذا كانت ماشيته كلها مراضًا، لم يجز للساعي أن يكلفه الصحيح في الزكاة، بل يأخذ وسطًا من المراض؛ لا يأخذ الأردأ ولا الأعلى. فلو لم يجد الساعي فيها السن التي وجبت، فاشترى رب المال مريضة تليق بماله جاز، وإن أراد أن يعطي سنًا دونه مع الجبران يجوز، ولا يجوز أن يعطي في الجبران شاة مريضة؛ لأنه يؤدي عما في الذمة، وما في الذمة لا يكون إلا صحيحًا.
ولو أراد الساعي أن يأخذ سنًا فوقها، ويعطي الجبران لا يجوز؛ لأنه ربما يريد قيمة الجبران على ما أخذ في الصدقة، وفيه ترك النظر للمساكين.
ولو كان بعض إبله صحاحًا، والبعض مراضًا - لم يجز أن يأخذ مريضة حتى لو كانت جميع إبله إلا واحدة، لم ينك له أخذ مريضة، ولا يجب إخراج تلك الصحيحة بعينها، بل يأخذ صحيحة لائقة بماله.
مثل: أن ملك ثلاثين من الإبل: خمسة عشر منها صحاح، وخمسة عشر مراض، فعليه صحيحة بقيمة نصفه صحيحة ونصف مريضة؛ لأن نصف ماله مراض؛ بأن كانت قيمة كل صحيحة أربعة دنانير، وقيمة كل مريضة ديناران؛ فعليه صحيحة بقيمة ثلاث دنانير.
ولو وجبت عليه سنان، ونصف ماله مراض؛ مثل: أن ملك ستًا وسبعين من الإبل - يجب فيها ابنتا لبون. [وإن كان] نصف إبله مراض؛ هل يجوز أن يأخذ صحيحة ومريضة؟ أو مل مائتين من الغنم: مائة صحاح، ومائة مراض هل يجوز إخراج صحيحة ومريضة؟ فيه وجهان:
[ ٣ / ١٨ ]
أحدهما: يجوز؛ وهو الأصح عند الشيخ الإمام؛ كما لو ملك مائة ضأن، ومائة معز، يجوز إخراج ضائنة وماعزة.
والثاني: يجب عليه إخراج صحيحتين من عين بماله؛ حتى لو لم يكن في ست وسبعين إلا صحيحة واحدة، يجب عليه إخراج صحيحتين.
ولو ملك خمسًا من الإبل كلها مراض، يجب عليه شاة صحيحة، لأنها في الذمة. فلو أخرج منها بعيرًا يجوز، وإن كانت قيمته أقل من قيمة شاة، وكذلك لو ملك خمسًا صحاحًا من الإبل؛ فأخرج منها بعيرًا قيمته أقل من قيمة شاة يجوز.
ومن أصحابنا من قال: يجوز في المراض إذا كانت قيمته أقل؛ لأنه لا يعتقد التبرع، ولا يجوز في الصحاح؛ لأنه يعتقد أن يعطي أكثر مما عليه متطوعًا، وأقل ما في التطوع ألا ينقص عن الأصل. والمذهب جوازه في الموضعين؛ لأنه لو أخرج هذا البعير عن خمس وعشرين يجوز، ولا ينظر إلى قيمته، فإذا أخرجه عن خمس من الإبل أولى أن يجوز، وإذا أخرج بعيرًا عن خمس من الإبل؛ هل يون كله فرضًا، أم يكون خمسة فرضًا؟ فيه وجهان ينبنيان على أصل؛ وهو أن الواجب في خمس من الإبل شاة، أو خمس بعير؟ وفيه جوابان:
أحدهما: الواجب فيها شاة، وهي الأصل؛ لأن الشرع أوجب فيها شاة، والبعير بدل عنها.
والثاني: فيها خمس بعير؛ لأنه لما أوجب في خمس وعشرين بعيرًا - علمنا أن في كل خمس منها خمس بعير؛ غير أنه أوجب الشاة ترفيهًا؛ لأنه يشق على أرباب الأموال إخراج الشقص.
فإن قلنا: الأصل هو الشاة، فإذا أخرج بعيرًا يكون كله فرضًا كالشاة. وإن قلنا: الأصل هو البعير؛ فيكون خمسة فرضًا، وأربعة أخماسه تطوعًا.
ولو أخرج بعيرًا من عشر من الإبل، أو من خمسة عشر، أو من عشرين - هل يجوز أم لا؟ إن قلنا: الأصل هو الشاة، فلا يجوز حتى يخرج من عشر بعيرين، ومن خمسة عشر ثلاثة أبعرة، ومن عشرين أربعة أبعرة.
[ ٣ / ١٩ ]
وإن قلنا: البعير هو الأصل؛ فيجوز، وإن أخرجه من عشر يكون تبرعًا بثلاثة أخماسه، وإن أخرجه من خمسة عشر يكون متبرعًا بخمسيه، وإن أخرج من عشرين يكون متبرعًا بخمسة. وإن كانت إبله كلها كرامًا، لا يؤخذ نوع دونها؛ كما لا يؤخذ من اللئام كريمة وإن كانت كلها كبارًا من جهة السن؛ بأن كانت فوق الجذاع والثنايا -ليس له أن يأخذ منها - واحدة، إلا أن يتبرع رب المال. فإن لم يتبرع يجب عليه أن يحصل السن التي وجبت عليه.
وإذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثًا - لا يجوز أخذ الذكر في الزكاة، إلا في موضع وردت السنة به. وهو أخذ التبيع من ثلاثين من البقر، وأخذ ابن اللبون بدل بنت المخاض من خمسة وعشرين من الإبل؛ لما روي عن أنس؛ أن أبا بكر - ﵁كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ -: "ولا يخرج من الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيسًا إلا ما شاء المصدق".
والواجب فيما دون خمس وعشرين من الإبل الشاة، وهل يجوز إخراج شاة ذكر؛ سواء كانت إبله ذكورًا، أو إناثًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كالشاة في أربعين من الغنم، وكسائر أسنان الإبل كلها إناث.
والثاني: يجوز؛ لأن الشرع أوجب شاة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى؛ كالشاة في الأضحية، كذاك في الجبران إذا كان المعطي رب المال هل يجوز أن يعطي شاة ذكرًا؟ فيه وهان. ويجب من الضأن الجذعة، ومن المعز الثنية، ولا تجوز الجذعة من المعز، ولا تجب الثنية من الضأن، إلا أن يتبرع رب المال، ولا يختص بشاة بلدة حتى لو كانت غنمه معزًا، له أن يشتري جذعة من الضأن، أو ضانًا له، يشتري ثنية من المعز للزكاة. وإن كانت ماشيته كلها ذكورًا يأخذ منه الذكر، إذا كان لا يؤدي إلى التسوية بين
[ ٣ / ٢٠ ]
نصابين؛ كما في زكاة الغنم؛ فإن أسنان الواجب فيها لا تختلف باختلاف النصب، وكذلك زكاة الإبل. إذا ملك خمسًا وعشرين ذكورًا يؤخذ منه ابن مخاض ذكرًا، أو ملك ستًا وأربعين ذكورًا يؤخذ منه حق ذكر، أو إحدى وستين يؤخذ منه جذع ذكر، فإن كان يؤدي إلى التسوية بين نصابين؛ مثل: أن ملك ستًا وثلاثين بعيرًا ذكرًا، هل يؤخذ منه ابن لبون ذكر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل عليه بنت لبون؛ لأن في خمس وعشرين ابن لبون عند عدم [بنت مخاض]، فلو أخذنا من ست وثلاثين ابن لبون أدى إلى التسوية بين النصابين.
والثاني - وهو الأصح -: يؤخذ؛ فيخرج منها ابن لبون فوق ما يخرج من خمس وعشرين.
فصل: [في حلول الحول في الزكاة]
روي عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". ومثله عن ابن عمر.
[ ٣ / ٢١ ]
حلول الحول على المال شرط لوجوب الزكاة، كما أن النصاب شرط؛ لأن الزكاة للمواساة مع الفقراء؛ فشرطنا النصاب حتى يبلغ المال مبلغًا يحتمل المواساة؛ لأن القليل لا يحتمل المواساة، وشرطنا الحول حتى ينمو فيه المال، فلا يشق على رب المال المواساة.
أما الثمار تجب الزكاة فيها ببدو الصلاح، وفي الزروع بالإدراك، وإن لم يتم الحول؛ لأن إدراكه نماء، ويشترط حلول الحول على جميع النصاب، حتى لو تلف بعض ماله قبل الحول، أو باعه؛ حتى انتقص النصاب انقطع الحول، ولا زكاة عليه. ويشترط إمكان الأداء وهو ألا يشتغل بشيء يهمه من أمر دينه أو دنياه، ووجد من يجوز الدفع إليه، ثم إمكان الأداء شرط الوجوب، أم شرط الضمان والاستقرار؟ فيه قولان:
أصحهما -وبه قال أبو حنيفة-: شرط الضمان والاستقرار. كما أن الصلاة تجب
[ ٣ / ٢٢ ]
بدخول الوقت، وتستقر بمضي إمكان الأداء.
والثاني- وهو قول مالك -: هو شرط الوجوب؛ كما هو شرط وجوب الداء بالاتفاق؛ بدليل أنه لو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء لا زكاة عليه، بخلاف الصلاة؛ لأن بعد دخول وقت الصلاة يمكنه أداء الصلاة، والاشتغال بأسبابها. وها هنا لا يمكنه الأداء. إلا بعد وجود المستحق. والأول أصح؛ بدليل أنه لو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء سقطت الزكاة، ولو تلفت بعد الحول، وقبل الأداء لا تسقط عنه الزكاة وعلى القولين يكون ابتداء الحول الثاني من تمام الحول الأول، لا من وقت إمكان الأداء.
ولو حصل النتاج بعد الحول قبل إمكان الأداء، يضم إلى الأصل في الحول الثاني.
وعند مالك: يضم إليه في الحول الأول، وابتداء الحول الثاني من وقت إمكان الأداء.
وفائدة القولين فيما لو تلف بعض ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء؛ نظر: إن كان الباقي نصابًا يجب عليه زكاته، وإن كان أقل من نصاب لا تجب عليه زكاة ما تلف وهل تجب عليه زكاة ما بقي؛ مثل: أن ملك خمسًا من الإبل؛ فتلف منها واحدة بعد الحول قبل إمكان الأداء: إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، فلا زكاة عليه؛ كما لو تلف قبل الحول.
وإن قلنا: شرط الضمان، فعليه أربعة أخماس شاة، لأنه وجبت عليه شاة بحلول الحول، ولم يستقر عليه بالإمكان إلا أربعة أخماسها.
وكذلك لو ملك ثلاثين من البقر؛ فتلفت منها عشرة بعد الحول قبل إمكان الداء.
إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، فلا زكاة عليه.
وإن قلنا: شرط الضمان، فعليه ثلثًا تبيع.
"فصل: في الوقص"
الوقص وهو ما بين النصابين، هل يتعلق به شيء من واجب النصاب الأول، أو يكون عفوًا؟ فيه قولان.
قال في الجديد- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة - يكون عفوًا، وهو يتبع النصاب
[ ٣ / ٢٣ ]
الذي بعده؛ كالوقص وهو ما دون النصاب.
وقال في رواية البويطي: ليس بعفو؛ فذا ملك تسعًا من الإبل، فعلى القول الأول: يجب في خمس منها لا بعينها شاة، والباقي عفو.
وعلى القول الثاني: يجب عليه شاة في الكل؛ لحديث أنس:"في أربع وعشرين فما دونها من الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض". فجعل الفرض في النصاب وفيما زاد؛ ولأنه حق لله - تعالى - تعلق بنصاب من المال؛ فيتعلق به وبما زاد؛ كقطع السرقة، فإنه إذا سرق أكثر من نصاب يتعلق القطع بالكل.
وكذلك لو أوضح رأسه موضحة كبيرة، يجب فيها خمس من الإبل، ويتعلق بالكل.
وفائدته: تتبين فيما لو هلت الزيادة بعد الحول، وقبل إمكان الأداء مثل: أن ملك تسعًا من الإبل؛ فهلك منها أربعة بعد الحول، وقبل إمكان الأداء ماذا يجب عليه؟ إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، يجب عليه شاة؛ كما لو تلفت الزيادة قبل الحول.
وإن قلنا: شرط الضمان إن قلنا: الوقص عفو، فعيه شاة وإن قلنا: ليس بعفو، يجب عليه خمسة أتساع شاة؛ لأن الشاة وجبت في جميع التسع؛ وقد تلفت منها أربعة ولو تلفت منها خمسة بعد الحول قبل مكان الأداء إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب؛ فلا زكاة عليه؛ لأن النصاب قد انتقص قبل الوجوب.
وإن قلنا: شرط الضمان إن قلنا: الوقص عفو فعليه أربعة أخماس شاة؛ لأن الشاة وجبت في خمس، وقد تلفت منها واحدة.
وإن قلنا: ليس بعفو، فيجب أربعة أتساع شاة؛ لأن الشاة وجبت في التسع، وقد هلكت منها خمسة.
ولو ملك ثلاثين من الإبل، فهلك منها عشر بعد الحول قبل إمكان الأداء.
إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، يجب عليه أربع شياه.
وإن قلنا: شرط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو؛ فعليه أربع أخماس بنت مخاض؛
[ ٣ / ٢٤ ]
لأنها وجبت في خمس وعشرين، وقد تلف خمسها.
وإن قلنا: ليس بعفو، فعليه ثلثا بنت مخاض؛ لأنها وجبت في ثلاثين، وقد تلف منها ثلثها.
ولو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء، فلا زكاة عليه. وإن أتلفه لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنه مفرط بالإتلاف. وإن أتلفه غيره. إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، لا زكاة عليه، كما لو أتلفه قبل الحول.
وإن قلنا: شرط الضمان ينبني على أن الزكاة تتعلق [بالعين]، أم بالذمة؟ وفيه قولان.
إن قلنا: تتعلق بالذمة تسقط، وإن قلنا: تتعلق بالعين، ينتقل حق المساكين إلى قيمته؛ كالمرهون إذا أتلفه إنسان، أو العبد الجاني إذا قتل -يتعلق حق المرتهن والمجني عليه بقيمته.
وإذا هلك ماله بعد الحول، وإمكان الأداء؛ بأن وجد الإمام أو الساعي في الأموال الظاهرة، أو وجد المساكين في الأموال الباطنة؛ فلم يدفع إليهم حتى هلك - لا تسقط عنه الزكاة؛ سواء طالبوه أولم يطالبوه.
وعند أبي حنيفة: تسقط عنه الزكاة بتلف المال بعد الإمكان.
فنقول: عبادة يتكرر وجوبها، فإذا أخرها بغير عذر لا يسقط؛ كالصلاة والصوم.
ولو وجد المساكين في الأموال الظاهرة؛ فلم يدفع إليهم حتى يدفع إلى الساعي، فتلف: إن قلنا: لا يجوز تفريقها بنفسه، لا يضمن، وتسقط عنه الزكاة. وإن قلنا: يجوز، فعلى وجهين:
أحدهما: يضمن؛ لأنه منعه عمن لو دفعه إليه جاز.
والثاني: لا يضمن: لأنه منعه ليدفع إلى الأفضل.
وكذل لو ظفر بالساعي في الأموال الباطنة؛ فلم يدفع إليه ليدفع بنفسه، أو ظفر بالمستحقين من الأجانب؛ فلم يدفع إليهم ليدفع إلى أقاربه أو جيرانه، فتلف -هل يضمن؟ فيه وجهان.
[ ٣ / ٢٥ ]
وجملته: أنه إذا منعه من الأفضل حتى هلك - ضمن، وإن منع؛ ليدفع إلى الأفضل - فعلى وجهين؛ فكل موضع أوجبنا الضمان، فلا فرق بين أن يكون أفرز قدر الصدقة من ماله، أو لم يفرز، وإن كان قد دفع إلى وكيله، تلف عنده؛ فيكون من ضمان الموكل.
أما إذا دفع إلى الإمام أو إلى الساعي سقط الفرض عنه؛ لأنه دفعه إلى نائب المستحقين، وإن تلف في يد الإمام، أو الساعي من غير تفريط؛ بأن لم يجد المستحقين، أو كان مشتغلًا بتعرف أحوالهم، أو كان الإمام ينتظر اجتماع المال، إذ لا يجب عليه قسمة كل قليل بين المساكين؛ لأنه يشق عليه - فلا ضمان عليه.
وإن أخر القسمة بغير عذر، فهو كما لو أتلفه؛ فعليه الضمان من مال نفسه، ولا تبعة على رب المال؛ سواء طالبه المساكين، أو لم يطالبوه، وإنما ضمن الإمام؛ لأنه كما يجب على رب المال الإخراج بعد الإمكان، يجب على الإمام التفريق بعد الإمكان، والساعي إنما يضمن بتأخير القسمة إذا كان الإمام فوضه إليه، فإن لم يفوض إليه، فلا يضمن.
"باب صدقة البقر السائمة"
روي أن النبي - ﷺ- أمر معاذًا حين بعثه إلى "اليمن" أن يأخذ من ثلاثين تيعًا، ومن أربعين مسنة.
[ ٣ / ٢٦ ]
لا زكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع؛ وهو ما استوفى سنة، وطعن في الثانية سمي تبيعًا؛ لأنه يتبع الأم في المسرح.
فلو أعطى تبيعة جاز، وهو متبرع بالزيادة، ثم لا يزاد حتى يبلغ أربعين، ففيها مسنة، وهي التي استوفت سنتين، وطعنت في الثالثة، ثم لا يزاد حتى تبلغ ستين، ففيها تبيعان، ثم تستقر الفريضة؛ فيجب في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، ولا تتغير الفريضة إلا بعقد كامل.
[ ٣ / ٢٧ ]
فإذا اجتمع عدد من الأتبعة، فإذا زاد عقد أبدل تبيعًا بمسنة حتى يصير الكل مسنات، ثم ذا زاد عقد، فأبدل مسنتين بثلاثة أتبعة؛ ففي سبعين تبيع ومسنة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشرة مسنتان وتبيع، وفي مائة وعرين ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة؛ يختار الساعي ما هو الأنفع للمساكين - كما قلنا في الإبل - ولا مدخل للجبران في زكاة البقر. فإن وجبت عليه مسنة، ولم يجد، لم يكن له أن يعطي التبيع مع الجبران؛ لأن السنة لم ترد به، ويقوم المسن الذكر مقام التبيع، وهو بالزيادة متبرع.
وعند أبي حنيفة: في خمسين بقرة مسنة وربع، وعنه رواية أخرى كمذهبنا.
وقال سعيد بن المسيب والزهري: يجب في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين، ثم فيها تبيع ولو وجبت عليه مسنة في أربعين أو خمسين؛ فأخرج تبيعين - يجوز؛ لأنه أخرج أعلى من المنصوص عليه؛ لأن التبيعين لما جاز عن ستين، فأولى أن يجوز عن أربعين؛ كما لو أخرج بنت اللبون بدل بنت المخاض.
قال الشيخ: وعندي لا يجوز أن يخرج تبيعين بدل مسنة؛ لأن الشرع أوجب في أربعين سنًا زائدة؛ فلا يجبر نقصان السن بزيادة العدد؛ كما لو أخرج عن ست وثلاثين ابنتي مخاض، لا يجوز. والله أعلم.
"باب صدقة الغنم السائمة"
روي عن أنس؛ أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله - ﷺ-:"وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، وإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة".
لا زكاة في الغنم السائمة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز ثم لا يزاد الواجب حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، ففيها شاتان، ثم لا يزاد حتى تبلغ [مائتين وواحدة، ففيها ثلاث شياه. ثم لا يزاد حتى] تبلغ أربعمائة، ففيها أربع شياه، ثم بعده في كل مائة شاة، والشاة الواجبة الجذعة من الضأن، أو الثنية من المعز.
والجذعة: ما استوفت سنة، سميت جذعة؛ لأنها تجذع السن، والثنية: مااستوفت سنتين. وقيل: الجذعة ما استوفت ثمانية أشهر إلى سنة. وقيل: إن كانت ربيعية فإنها تجذع
[ ٣ / ٢٨ ]
بعد ثمانية أشهر، وإن كان خريفية، فبعد سنة. فإن أجذعت الضائنة، أو استكملت سنة فلم تجذع- جازت، وكذلك في الأضحية.
ولا تقبل الجذعة من المعز.
وقال مالك: تجوز الجذعة منهما.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز منهما دون الثنية. وفي الأضحية اتفاق.
ولا تقبل العوراء والعرجاء والمعيبة في الزكاة؛ كما لاتجوز في الأضحية. وقد يجوز في الزكاة ما لا يجوز في الأضحية؛ وهو ما لا ينقص القيمة والمنفعة؛ كقطع بعض الأذن والشرقاء والخرقاء؛ لأن المقصود من الأضحية اللحم، وفيه نقصانه، ومن الزكاة النفع بالدر والنسل؛ ولك لا يؤثر فيه. ويجوز في الضحايا الذكر، ولا يجوز في الزكاة إذا كان بعض ماشيته إناثًا، وإن كانت أغنامه فوق الثنايا، لا يؤخذ شيء منها، إلا أن يتبرع رب المال. فإن لم يتبرع، يجب عليه تحصيل جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، ولا مدخل للجبران في زكاة الغنم. فإن كان بعض أغنامه كرامًا، والبعض لثامًا، أخذ من الوسط، وتعد السخال والعجاجيل والفصلان على رب المال مع الأمهات في النصاب، ولايؤخذ شيء منها؛ كما لا يؤخذ الخيار؛ مثل: الأكولة؛ وهي السمينة التي تعد للأكل، ولا الربى وهي التي معها ولدها، ولا الماخض، ولا فحل الغنم؛ وهو الذي يعد للضراب؛ لقول النبي - ﷺ- لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم".
وإنما تؤخذ الوسط؛ وهي الجذعة والثنية؛ فإن أعطي شيئًا من هذه الخيار متبرعًا - يقبل منه.
"فصل: في ضم النتاج إلى الأمهات في الحول"
النتاج يضم إلى الأمهات في الحول؛ حتى لو حدثت - وقد بقي من حول الأمهات يوم- فإذا تم حول الأمهات بعد النتاج مع الأمهات، وتؤخذ الزكاة من الكل، وإن حدث النتاج بعد تمام الحول يضم إلى الأمهات في الحول الثاني.
وفائدة الضم: إنما تتبين إذا كانت الأمهات نصابًا، وتم بالنتاج نصاب آخر، فإن لم يكن الأمهات نصابًا وتم بالنتاج؛ فيبتدأ الحول من اليوم الذي تم فيه النصاب بالنتاج. وإن كانت الأمهات نصابًا ولم يتم بالنتاج نصاب آخر، فلا تظهر فائدة الضم.
[ ٣ / ٢٩ ]
مثل: أن ملك مائة شاة، فنتجت عشرين سخلة، فلا فائدة في الضم؛ لأن الواجب في جميعها شاة واحدة. ولو نتجت إحدى وعشين سخلة، أو ملك مائة وعشرين؛ فنتت واحدة في آخر الحول، فإذا تم الحول، عليه شاتان.
ولو ملك مائة وعشرين؛ فخرج بعض الحمل من بطن واحدة، وتم الحول قبل الانفصال، فلا حكم له ما لم ينفصل الجميع قبل الحول. أما إذا استفاد من جنس ماشيته شيئًا بشراء، أو قبول هبة أو إرث، أو قبول وصية؛ فلا يضم إلى ماشيته في الحول.
وعند أبي حنيفة: لا يضم إلى المزكي بدله؛ وهو أن يكون له دراهم؛ فأخرج زكاتها، ثم اشترى بها ماشية. قال: لا يضم إلى ما عنده في الحول، بل يستأنف للمستفاد بالشراء حول آخر.
فنحن نقيس عليه؛ فنقول: مستفاد أصل بنفسه تجب الزكاة في عينه، فيقتضي في الزكاة حولًا بنفسه؛ كالمستفاد من غير جنسه، وكالمزكي بدله.
فلو اختلف الساعي، ورب المال: فقال رب المال: حصل هذا النتاج بعد الحول، وقال الساعي بل حصل قبله. أو قال رب المال: هذا مستفاد من موضع آخر. وقال الساعي: بل نتاج ماشيتك؛ فالقول قول رب المال. فإن اتهمه، حلفه.
إذا ثبت أن المستفاد لا يضم ما عنده في الحول، يضم إليه في النصاب؛ مثل: أن ملك عشرين من الإبل فبعد ستة أشهر ملك عشرًا، فإذا مضت ستة أشهر، تم حول العشرين عليه أربع شياه؛ لأنها كانت منفردة في بعض الحول. ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول المستفاد؛ فيجب عليه ثلاث بنات مخاض؛ لأنها كانت في جميع حولها مع عشرين. ثم بعد ستة أشهر عليه ثلثا ابنة مخاض، ثم بعد ستة أشهر أخرى، عليه ثلث بنت مخاض؛ هكذا يزكي أبدًا.
وقال ابن سريج: لا يضم المستفاد إلى الأصل في النصاب؛ كما لا يضم في الحول؛ فعليه في العشرين، كما تم حولها أربع شياه، وفي المستفاد إذا تم حولها شاتان. وعلى هذا لو ملك ثلاثين من البقر ستة أشهر، ثم اشترى عشرًا فإذا تم حول الأصل عليه تبيع، ثم إذا تم حول المستفاد عليه ربع مسنة. ثم إذا تم حول الأصل ثانيًا عليه ثلاثة أرباع مسنة؛ هكذا يزكي أبدًا.
وعند ابن سريج: لا ينعقد الحول على العشرة؛ حتى يتم حول الأصل؛ فيخرج التبيع؛ ثم يستأنف الحول على الكل، وعلى هذا لو ملك أربعين شاة أربعة أشهر، ثم ملك
[ ٣ / ٣٠ ]
أربعين أخرى، ثم بعد مضي أربعة أشهر ملك أربعين أخرى، فإذا مضت أربعة أشهر من وقت الشراء الأخير - تم حول الأربعين الأولى؛ فعليه فيها شاة؛ لأنها كانت منفردة في بعض حولها، فإذا مضت أربعة أشهر أخرى، تم حول المستفاد الأول؛ فعليه فيها نصف شاة؛ لأنها كانت في بعض حولها مع أربعين، وفي بعضه مع ثمانين؛ فيغلب حكم الأقل؛ فإذا مضت أربعة أشهر أخرى تم حول المستفاد الثاني؛ فعليه فيها ثلاث شياه، ثم بعده عند انقضاء كل أربعة أشهر ثلاث شياه.
وعند ابن سريج: يجب عليه في كل أربعين إذا تم حولها شاة.
"فصل: في صغار الماشية"
قال عمر بن الخطاب - ﵁ - لساعيه: سفيان بن عبد الله الثقفي اعتد عليهم بالسخلة، يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربى والماخض، ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية؛ فذلك عدلبين غذاء الغنم وخياره.
إذا كانت ماشيته صغارًا وكبارًا، لا تؤخذ منه صغيرة؛ حتى لو كانت فيها كبيرة واحدة، لا يؤخذ منه صغيرة، بل عليه كبيرة لائقة بماله؛ مثل: أن ملك أربعين من الغنم، وعشرون منها صغار - يجب عليه كبيرة بنصف قيمة كبيرة، ونصف قيمة صغيرة.
أما إذا كان الكل صغارًا سخالًا أو فصلانا أو عجاجيل، وإنما يتصور أن يتم الحول وهي صغار؛ بأن يضمها إلى الأمهات في آخر الحول، ثم ماتت الأمهات قبل الحول، وبقيت الصعار نصابًا، فإذا تم حول الأمهات تجب الزكاة في الصغار.
وقال أبو القاسم الأنماطي: إذا ماتت الأمهات، أو انتقص نصابها، انقطع الحول عن الصغار. والمذهب الأول؛ لأنها جملة حادثة في الحول؛ فهلاك بعضها إذا لم ينقص النصاب، لا ينقطع الحول؛ ما لو بقي من الأمهات نصاب.
إذا ثبت أن الزكاة تجب في الصغار، فكيف تؤخذ [فيه] قولان: قال في الجديد- وهو الأصح -: عليه صغيرة لائقة بماله، ثم تؤخذ أنثى إن كان بعضها أنثى، إلا من ثلاثين عجلًا يؤخذ عجل ذكر.
[ ٣ / ٣١ ]
وقال في القديم: يجب عليه كبيرة لائقة بماله؛ وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز في الصغار، إلا أن يكون فيها كبيرة واحدة: ذكر أو أنثى، ثم في الجديد إنما تؤخذ صغيره إذا كان لا يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير؛ مثل زكاة الغنم. وكذلك يخرج من خمس وعشرين فصيلًا فصيلٌ، ومن ثلاثين عجلًا عجل، فإن كان يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير؛ ففيه وجهان؛ مثل: أن ملك ستًا وثلاثين، أو ستًا وأربعين فصيلًا، هل يؤخذ منه فصيل أو ملك أربعين عجلًا، هل يؤخذ منه عجل؟
أحدهما: لا يؤخذ، بل عليه الفرض المنصوص بالقسط؛ فيقوم النصاب من الكبار، ثم تقوم فريضته، ثم يقوم النصاب من الصغار؛ فتؤخذ كبيرة بالقسط؛ فعليه بنت لبون في ست وثلاثين، وحقه في ست وأربعين، ومسنة في أربعين عجلًا على هذا التقدير؛ لأنا لو أخذنا الفصيل أدى إلى التسوية بين النصاب الأول والثاني.
والوجه الثاني - وهو الأصح-: يؤخذ؛ لأن المأخوذ يكون من جنس المأخوذ منه، ويجتهد حتى يأخذ من ست وثلاثين فصيلًا فوق ما يأخذه من خمس وعشرين، ومن ست وأربعين فوق ما يأخذه من ست وثلاثين.
ولو ملك ستًا وثلاثين بنى مخاض، هل يؤخذ ابن مخاض؟ فعلى هذين الوجهين:
أحدهما: لا، لأنه لا يؤخذ من خمس وعشرين، بل عليه ابن لبون.
والثاني: يؤخذ فوق ما يأخذ من خمس وعشرين.
ولو ملك خمسًا من الإبل؛ فنتجت خمس فصال، ثم ماتت الأمهات قبل الحول، فإذا تم حول الأمهات على الفصال، لا يؤخذ منه سخلة، بل عليه شاة كاملة؛ فلو أعطي فصيلًا، يؤخذ على القول الجديد.
فصلٌ: فيما يضم من المال
المال الزكاتي يضم بعضه إلى بعض في النصاب عند اتفاق الجنس، وإن اختلفت الأنواع؛ وذلك في الإبل مثل: المهرية والأرحبية والمجيدية، وفي البقر: العراب والجواميس، وفي الغنم: الضأن والمعز، ثم كيف تؤخذ الزكاة؟ فيه قولان:
أحدهما: تؤخذ من الأغلب، فإن استوى النوعان، أخذ الساعي ما هو أنفع للمساكين.
[ ٣ / ٣٢ ]
والقول الثاني: يؤخذ باعتبار القيمة من كل نوع بحصته.
مثل: أن ملك ثلاثين ضأنًا، وعشرًا معزًا.
فعلى القول الأول يخرج جذعة من الضأن، وعلى الثاني يخرج جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز بقيمة ثلاثة أرباع ضائنة، وربع ماعزة فيقال: لو كان الكل ضأنا، كان أقل ضائنة تجزئ قيمتها عشرون، ولو كان الكل ماعزًا كان أقل ماعزة تجزيء قيمتها اثنا عشر فيخرج جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز قيمتها ثمانية عشر. وإن كان النصف ضأنًا، والنصف معزًا - يخرج واحدة بقيمة نصف ضائنة، ونصف ماعزة.
ولو ملك خمسًا وعشرين من الإبل: عشر مهرية، وعشر أرحبية، وخمس مجيدية - فعلى القول الأول: عليه بنت مخاض؛ بقيمة نصف مهرية، ونصف أرحبية؛ لأن هذين النوعين أغلب، وعلى القول الثاني عليه بنت مخاض بقيمة خمسي مهرية، وخمس أرحبية، وخمس مجيدية.
بيانه: أقل مهرية تجزيء قيمتها عشرة فخمساها أربعة، وأقل أرحبية تجزيء قيمتها سبعة ونصف فخمساها ثلاثة، وأقل مجيدية تجزيء قيمتها خمسة فخمسها دينار؛ فعليه بنت مخاض من أي الأنواع شاء، قيمتها ثمانية دنانير، وهذا بخلاف الثمار لا يأخذ من الأغلب، ولا باعتبار القيمة، بل يأخذ من الوسط؛ لأنه شق عليه التمييز بين أنواع الثمار.
ولو مل أربعين ضأنا؛ فأعطي منها ثنية من المعز؛ باعتبار القيمة، أو ملك أربعين معزًا؛ فأعطي جذعة من الضأن - هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ ما لا يجوز البقر من الغنم، والأصح جوازه، لاتفاق الجنس كالمهرية عن الأرحبية. قال القاضي - ﵀-: ويحتمل ألا يؤخذ المعز من الضأن؛ لأن المعز دون الضأن، ويؤخذ الضأن من المعز؛ كما تؤخذ المهرية من المجيدية، ولاتؤخذ المجيدية من المهرية.
فصلُ: فيما لو مل أربعين من الغنم
إذا ملك أربعين من الغنم ثلاثة أحوال، لم يؤد زكاتها؛ نظر: إن حصل عند انقضاء كل حولٍ: إما مع تمام الحول، أو قبله نتاج واحد عيه ثلاث شياة؛ لأن النصاب لا ينتقص بإخراج زكاة الحول [الأول]؛ كما لو ملك ثلاثًا وأربعين ثلاث سنين. وإن لم يحصل نتاج فكم يجب عليه؟ فيه قولان؛ بناء على أن الزكاة تتعلق بالعين، أو بالذمة؟ وفيه قولان.
[ ٣ / ٣٣ ]
قال في القديم: تتعلق بالذمة، والعين مرتهنة بها؛ لأن العبادات تعلقها بالذمم؛ كالصلاة والصوم والكفارة وصدقة الفطر. والدليل عليه: أنه يجوز أن يعطي حق الفقراء من غيرها، ولو كانت متعلقة بالعين، لكان لا يجوز؛ كما أن حق الشريك لايجوز للشريك الآخر أداؤه.
وقال في الجديد- وهو الأصح؛ وبه قال أبو حنيفة -: تتعلق بالعين؛ كتعلق حق الشريك بمال الشركة؛ بدليل أنها تسقط بهلاك المال بعد الحول قبل إمكان الأداء؛ كحق المضارب والشريك يسقط بهلاك المال.
فإن قلنا: تتعلق بالذمة، يجب عليه ثلاث شياه لثلاث سنين؛ على ظاهر المذهب الذي يقول: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
فإن قلنا: يمنع، لا يجب إلا شاة واحدة للسنة الأولى؛ لأن تلك الشاة دين في ذمته، فيمنع وجوب الزكاة للسنة الثانية.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فلا يجب إلا شاة واحدة للسنة الأولى؛ لأن المساكين ملكوا واحدة منها في الحول الأول؛ فانتقص النصاب.
ولو ملك خمسًا من الإبل ثلاث سنين لم يؤد زكاتها.
إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، يجب عليه ثلاث شياه، على ظاهر المذهب الذي يقول: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فقد قيل: هو كالقول الأول الذي يقول: إن الزكاة تتعلق بالذمة؛ لأن الواجب ليس من جنس ماله. فإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة، عليه ثلاث شياه، وإلا فشاة واحدة.
والصحيح: أن حكمه حكم ما لو كان الواجب من جنسه، وحق المساكين يتعلق بعينه؛ بدليل أنه إن لم تحصل الشاة، فللإمام أن يبيع جزءًا من الإبل في الشاة ولو أدى منها بعيرًا، يجوز بالاتفاق؛ فلا يجب عليه إلا شاة واحدة للسنة الأولى.
ولو ملك خمسة وعشرين بعيرًا ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فعليه ثلاثة بنات مخاض وإن قلنا: بالعين، فعليه بنت مخاض للسنة الأولى، وأربع شياه للسنة الثانية، وأربع للسنة الثالثة.
فصلٌ: [هل تجب الزكاة في المال المغصوب ونحوه؟]
المال المغصوب والمجحود والضال ايجب على المالك إخراج زكاته ما لم يرجع
[ ٣ / ٣٤ ]
إليه، فإذا رجع إليه بعد سنين؛ هل يلزمه إخراج زكاته لما مضى؟ نصَّ في المواشي: أنه يزكيها لأحوالها، وقال في الدراهم والدنانير: لا يجوز فيها إلا واحد من قولين: إما أن لا زكاة فيها؛ لأنه يحول دونها. وإما أن يزكي للأحوال كلها؛ لأن ملكه عليها باق اختلف أصحابنا فيه: منهم من جعل فيها قولين:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة-: لا يجب عليه زكاتها؛ لأن نماء الملك كان منقطعًا عنه؛ كما لو باعه سنين، ثم اشتراه.
والثاني - وهو الأصح-: يجب أن يزكيها لأحوالها؛ لأن مِلكه كان باقيًا عليها؛ كالمرهون.
ومنهم من قال: يجب أن يزكيها لأحوالها قولًا واحدًا وحيث قال: لا يجوز فيها إلا واحد من قولين، أراد به: ملكًا؛ فإنه يقول: يجب عليه زكاة العام الأول دون ما بعده؛ فقال لا يجوز إلا واحد من قولين. أما ما قلت: وهو أن يزكيها لأحوالها، أو ما قال أبو حنيفة: إنه لا زكاة عليه فيها- فإما أن يفصل بين عام وعام فليس ذلك بقياس.
ومنهم من فرق بينهما على ظاهر النص: فقال في الماشية: يجب أن يزكيها لأحوالها؛ لأنها تعود إليه بنمائها، وفي الدراهم والدنانير قولان؛ لأنها لا تعود إليه بربحها؛ لأن الربح الذي حصل عليه يكون للغاصب؛ حتى لو كانت الماشية غصبها أهل الحرب، أو عبيده أبقوا: فذهبوا بها، وأتلفوا الدر والنسل -فهي كالدراهم والدنانير. خرج منه: أنها إذا عادت إليه من غير نماء، ففي وجوب زكاتها لما مضى قولان. فإذا عادت إليه مع النماء، ففيه طريقان:
أحدهما- وهو قول ابن سريج -: يلزمه زكاتها قولًا واحدًا.
والثاني- وهو الصحيح-: أنه على قولين.
أما إذا أسر رب المال، وحيل بينه وبين المال؛ حتى مضت أحوال فهل تلزمه زكاتها؟ فيه طريقان:
أحدهما: فيه قولان؛ كما لو غصب المال.
والثاني: يجب قولًا واحدًا؛ لأنه كان في الأسر يملك بيعها ممن شاء؛ فكان كالمودع، بخلاف المغصوب.
فإن قلنا: يجب أن يزكيها لأحوالها، فلو كان نصابًا واحدًا، وعاد إليه بعد ثلاثة
[ ٣ / ٣٥ ]
أحوالٍ، فهو كما لو كانت في يده، ولم يخرج زكاتها ثلاثة أحوال؛ على ما ذكرنا.
ولو كانت له أربعون شاة، فضلت منها واحدة ثم وجدها - إن قلنا: لا زكاة في الضالة حتى يجدها، ستأنف الحول؛ سواء وجدها بعد ما تم الحول أو قله؛ لأنه إذا ضل انقطع الحول.
وإن قلنا: فيها زكاة، فإن وجدها قبل الحول بنى على الحول وإن وجدها بعد الحول، أخرج الزكاة عن الكل.
وإن كان ماله مدفونًا، فنسي، ثم تذكر بعد سنين - فكالمغصوب؛ سواء كان في داره أو خارجًا.
وقيل هاهنا: يجب قولًا واحدًا، وهو بالنسيان غير معذور.
وقال أبو حنيفة: إن دفنه في حرزه، فإذا وجد زكى لما مضى، وإن دفنه في غير حرزه، فلا زكاة عليه؛ لأنه خارج عن يده.
"فصلٌ: فيما إذا تنازع الساعي ورب المال"
إذا طالب الساعي رب المال بالزكاة؛ فقال رب المال: هذه وديعة عندي، أو لم يحل عليها الحول، أو هي معلوفة، أو بعتها في خلال الحول ثم اشتريتها، أو أديت الزكاة إلى ساع آخر، أو دفعت بنفسي - حيث جوزنا، فالقول قول رب المال. فإن اتهمه الساعي أحلفه، فإن لم يحلف، اختلف أصحابنا فيه. منهم من قال: لا شيء عليه؛ لأنه ليس هاهنا من يرد اليمين عليه، ولا يجوز القضاء بالنكول؛ حتى لو كان مساكين البلد محصورين.
وقلنا: نقل الصدقة لا يجوز؛ فهم يحلفون، ويستحقون.
ومنهم من قال: تؤخذ منه الزكاة؛ لأن الظاهر أن ما في يده ملكه، وأنه لم يبعه؛ فهو في الحقيقة يقر بوجوب الزكاة، ثم يدعي سقوطها، إلا أنا قبلنا قوله؛ لأنه أمين. فإذا لم يحلف صار كأنه لم يدع أداء ولا بيعًا، والأصل وجوبها عليه، ولا يكون قضاء بالنكول وحده، وإن كان لو حلف لا يأخذ منه شيئًا؛ كالمرأة إذا نكلت عن اللعان يحدها لا بنكولها وحدها، بل بلعان الزوج؛ لأن لها إسقاطه عن نفسها باللعان، فإذا لم تفعل استوفى.
ومنهم من قال - وهو الأصح، وبه قال ابن سريج -: إن تصور بصورة المدعي عليه؛ بأن قال: هي وديعة عندي، أو لم يحل عليه الحول، أو ها النتاج حدث بعد الحول - فلا نحكم عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
[ ٣ / ٣٦ ]
وإن تصور بصورة المدعين؛ بأن قال: أديتُ إلى ساع آخر، أو فرقتها بنفسي؛ فهو يقر بالوجوب، ويدعي سقوطه وكذلك لو ادعى: أنه باع، ثم اشترى، فهو مقر بوجود النصاب، وتمام الحول في يده، ويدعي حدوث سنة السقوط، لا يقبل قوله، وعليه الزكاة.
وذكر صاحب "التلخيص" وجهًا آخر: أنه يحبس حتى يقر؛ فيؤخذ منه، أو يحلف؛ فيبرأ؛ لأن القضاء بالنكول لايجوز، وترك الزكاة لا يجوز؛ فلا وجه إلا هذا.
ولو نقل رب المال فأخفي بعض ماله؛ لتقليل الصدقة - عُزر عليه. فإن ادعى الجهالة لم يعزر وأخذت الصدقة منه.
وإن قال: أخفيت لأؤدي بنفسي؛ فإن الساعي جائرٌ: فإن كان كما يقول، لم يعزر، وإلا عزر. والله أعلم.
باب صدقة الخلطاء
روي عن أنس؛ أن أبا بكر تب له [فريضة الصدقة] التي فرض رسول الله - ﷺ -: "ولا يُجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية".
الخلطة في المواشي بين الشركاء تجعل أموالهم مال الواحد في حق الزكاة، إذا كان الشريكان جميعًا من أهل وجوب الزكاة عليهم؛ فتارة تؤثر الخلطة في [إيجاب الزكاة] وتكثيرها، وتنفع المساكين، وتارة تؤثر في تقليلها ويضر المساكين ففي النصاب الأول ينفع المساكين إذا كان بين رجلين أربعون من الغنم مختلطة، عليها فيها شاة إذا تم الحول. ولو انفرد كل واحد منهما بنصيبه، لا زكاة عليهما، ويضر المساكين فيما إذا كان بينهما ثمانون شاة، أو كان بين ثلاثة مائة وعشرون شاة مختلطة. لايجب عليهم إلا شاة واحدة. ولو انفرد كل واحد بنصيبه، كان على كل واحد شاة، ولا يشترط أن يكون نصب كل واحد نصابًا في ثبوت حكم الخلطة؛ حتى لو كانت أربعون شاة مشتركة بين أربعين رجلًا، يجب عليهم فيها شاة، بل الشرط أن يكون مجموع المختلط نصابًا.
وعند مالك: لا حكم للخلطة؛ حتى يكون نصيب كل واحد نصابًا.
[ ٣ / ٣٧ ]
وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة، وعلى كل واحد أن يزكي زكاة الانفراد إذا كان نصيبه نصابًا، والحديث حجة عليه؛ فإن فيه:"لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. فهذا نهي يتناول الساعي، ورب المال جميعًا من جهة صاحب الشرع، نهاهما عن الجمع والتفرق؛ لتقليل الصدقة، ونهى الساعي عنهما؛ لتكثير الصدقة، فجمع رب المال أن يكون لرجلين لكل واحد أربعون من الغنم متفرقة؛ فأراد الجمع؛ لتقل الصدقة، وتعود إلى شاة واحدة وتفريقه: أن يكون بينهما أربعون مختلطة، فأراد التفريق؛ لتسقط الصدقة.
وجمع الساعي -: أن يكون لرجلين لكل واحد عشرون من الغنم متميزة، فأراد الجمع؛ ليأخذ منهما شاة، وتفريقه: أن يكون بينهما ثمانون مختلطة، فأراد أن يفرق؛ ليأخذ شاتين؛ فليس لهما ذلك. ثم هذا النهي لمن يقصد به تغيير حكم الزكاة، فن لم يقصد فهو تصرف في ملكه لا يمنع منه. والجمع في خلال الأول لا يغير حكم الزكاة في ذلك الحول، والتمييز يغير إن كان قبل الحول؛ لأن المال إذا كان منفردًا في بعض الحول يغلب حكم الانفراد. وإنما يثبت حكم الخلطة، إذا كان الخليطان من أهل وجوب الزكاة عليهما، وإن كان أحدهما ذميا أو مكاتبًا؛ فلاحكم للخلطة. فإن كن نصيب المسلم الحر نصابًا، عليه زكاة الانفراد، وألا فلا شيء عليه.
والخلطة نوعان: خلطة مشاركة، وخلطة مجاورة: فخلطة المشاركة ألا يتميز نصيب أحدهما عن الآخر؛ بأن ورثا ماشية أو ابتاعاها معًا؛ فما من جزء منها إلا وهو مشترك بينهما.
وخلطة المجاورة: أن يكون لكل واحد منهما ماشية متميزة، فخلطاها؛ يعرف كل واحد منهما عين ماله وكلا الخليطين سواء في حكم الزكاة، ويشترط مضي الحول على المالين. والسوم: أن يكون مجموعهما نصابًا، ويشترط في خلطة المجاورة شرائط؛ وهي أن يجتمعا في: المراح، والمسرح، والمشرب، وموضع الحلاب الراعي والفحولة.
روي عن سعد بن أبي وقاص؛ أن رسول الله - ﷺقال: "والخليطان ما اجتمعا على الفحل الراعي والحوض" فنص على هذه الثلاثة، ونبه على ما سواها - ونعني بالاجتماع
[ ٣ / ٣٨ ]
على الفحل: أن يكون الفحل مرسلًا، لا يميز أحدهما ماشيته عند الإنزاء، ولا يكون لكل واحد راع على الانفراد، بل من يرعى وسقي هذه يرعى ويسقي تلك، ولا يشترط أن يكون الفحل مشتركًا بينهما. وقيل يشترط.
فإن تميزا في مُراح، أو مسرح ومشرب، أو موضع حلبٍ، أو راعٍ، أو في الإنزاء - فلا يكونا خليطين، ولا يشترط أن يحلب أحدهما فوق لبن الآخر، ثم يقتسما، ولا أن تكون الغلة مشتركة بينهما؛ ولا يضر تعدد الرعاء والمرعى والحالب والفحل والحوض والبئر التي يسقي منها، إذا لم يتميز غنم أحدهما عن غنم الآخر في شيء منها. وإن ميز أحدهما ماشيته في شيء منها قصدًا، وإن كان يسيرًا - انقطع حكم الخُلطة. ثم من كان نصيبه نصابًا، عليه زكاة الانفراد، إذا تم الحول من يوم ملكها، لا من يوم ميزها. وإن تفرقتا من غير قصد؛ بأن يكون لماشية كل واحد منهما هادٍ، وتعودت كل واحدة اتباع هاديها؛ فتفرقتا - لا يرن كان يسيرًا، إلا أن يراها المالكان فيقراها عليه، أو جاء أحد الخليطين، وأخذ هادي غنم صاحبه؛ حتى لا يتبعه غنمه - فترتفع الخلطة لو تفرقتا من غير قصدٍ، ولم يعلم المالكان؛ حتى طال الزمان؛ هل ترتفع الخلطة؟ فيه وجهان، وكذلك لو فرقهما الراعي في شيء منها؛ هل ترتفع الخلطة؟ فيه وجهان. وكذلك هل يشترط القصد إلى الخلطة لثبوت حكمها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط؛ لأنه يتعين بها الفرض.
والثاني: لا يشترط؛ لأن الخلطة إنما أثرت في حكم الزكاة؛ لتأثيرها في خفة المؤنة؛ باتحاد الراعي والمُراح والمسرح، ولخفة المؤنة تأثير في أمر الزكاة؛ ولذلك لا تجب الزكاة في المعلوفة، وإنما تجب في السائمة، وخفة المؤنة حاصلة بالاختلاط من غير القصد، ونظير هذين الوجهين القصد إلى السوم؛ هل هو شرط لوجوب الزكاة؟ فيه وجهان.
واتفاق الحول ليس بشرط لثبوت حكم الخلطة.
وقال ابن سريج: اتفاق الحولين شرط. والأول المذهب.
أما مُضيُّ الحولِ على الاختلاط شرط؛ فإن كان في شيء من الحول منفردًا وإن قل كان الحكم للانفراد.
[ ٣ / ٣٩ ]
وتفصيله: إذا كان بين رجلين نصاب من الماشية مختلطة؛ لا يخلو: إما أن كان نصيب كل واحد منهما نصابًا، أو لم يكن.
فإن لم يكن؛ لا يخلو: إما أن اتفقا في الحول، أو اختلفا.
فإن اتفقا، بأن كان لكل واحد عشرون من الغنم؛ فخلطاها - ينعقد الحول من يوم الخلط، فعند انقضائه عليهما شاة، فإن اختلفا في الحول بأن كان لرجل أربعون من الغنم، باع نصفها مُشاعًا بعد ستة أشهر، أو باع معيبًا، ولم يميز، بل سلم الكل إلى المشتري؛ ليحصل تسليم النصف - ينعقد حول المشتري من يوم الشراء؛ فإذا مضت ستة أشهر من يوم الشراء تم حول البائع، فعليه نصف شاة، ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول المشتري فعليه نصف شاة، هكذا يزكيان أبدًا؛ كلما مضت ستة أشهر، يجب على كل واحد نصف شاة، إذا أديا الزكاة من موضع آخر؛ حتى لم ينتقص النصاب.
وقيل: لا زكاة على المشتري إذا تم حوله على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين، لأن حول الأول إذا تم زال ملكه عن قدر الزكاة؛ فانتقص النصاب.
أما إذا قلنا: تتعلق بالذمة، فعليه نصف شاة.
وقيل على القولين: عليه الزكاة؛ لأن الأول إذا أدى الزكاة من غيرها لم يزل مله عن العين؛ فلم ينتقص النصاب.
ولو باع نصفها معيبًا، وأقرن التسليم، ثم خلطا في الحال - فهل يبطل حكم الخلطة بهذا التفريق اليسير؟ فيه وجهان.
إن قلنا: يبطل، يستأنف الحول من وقت الخلط.
وإن قلنا: لا تبطل؛ فهو كما لو لم يتفرقا.
ولو لم يسلم إلى المشتري؛ حتى تم الحول، فالمذهب: أن المبيع قبل القبض إذا تم عليه الحول - يجب فيه الزكاة. وقيل: فيه قولان؛ كالمغصوب.
فإن قلنا: يجب فيه الزكاة، فهو كما لو سلم.
وإن قلنا لا يجب، فها هنا يجب على البائع عند تمام حوله نصف شاة، ثم إذا تم حول المشتري من يوم قبض، يخر نصف شاة.
ولو كان بينهما أربعون مختلطة؛ فجاء رجل بعشرين وخالطهما، ثم أخذ الخليطين الأولين ميز ماله فلا شيء على المميز عند تمام الحول، وعلى الذي بقي في الخلطة
[ ٣ / ٤٠ ]
نصف شاة عند تمام حوله، وعلى الثالث نصف شاة إذا تم حوله من يوم الخلط.
أما إذا كان نصيب كل واحد منهما نصابًا؛ لا يخلو: إما إن اتفقا في الحول، أو اختلفا: فإن اتفقا؛ نظر: إن انعقد الحول على الاختلاط؛ بأن ملكا ثمانين شاة مختلطة أو ملكا متفرقين؛ فكلما ملكا خلطا، فإذا تم الحول من يوم ملكا يزكيان زكاة الأخلاط عليهما شاة واحدة. وإن انعقد الحول على الانفراد؛ بأن ملك كل واحد أربعين شاة أول المحرم، وخلطا أول صفر؛ فإذا جاء المحرم تم حولهما يزكيان زكاة الانفراد؛ فيجب على كل واحد منهما شاة، لأن مال كل واحد منفردًا في بعض الحول؛ فيغلب حكم الانفراد. ثم في السنة الثانية يزكيان زكاة الاختلاط؛ فيجب عليهما شاة واحدة؛ على كل واحد نصفها. هذا هو المذهب.
وقال في القديم: في السنة الأولى أيضًا يزكيان زكاة الاختلاط، فعليهما شاة؛ لأن الاعتبار في قدر الزكاة بآخر الحول؛ بدليل أنه لو ملك مائة وإحدى وعرين شاة؛ فتلفت منها واحدة قبل الحول بيوم- لا يجب عليه إلا شاة واحدة والأول المذهب؛ كما لو كان لكل واحد أقل من نصاب؛ فخلطا قبل الحول بيوم - لا يزكيان زكاة الاختلاط وإن اختلفا في الحول بأن ملك أحدهما أول المحرم أربعين، وملك الآخر أول صفر أربعين، ثم خلطا أول رجب؛ فإذا جاء المحرم، ثم حول الأول؛ فعليه شاة، ثم إذا جاء صفر، تم حول الثاني؛ فعليه شاة، ثم بعده يزكيان زكاة الاختلاط فعلى الأول عند أول كل محرم نصف شاة، وعلى الثاني عند أول كل صفر نصفها.
وعند ابن سريج: يزكيان أبدًا زكاة الانفراد؛ لاختلاف الحول، وإن كان الاختلاط مقترنًا بملك الثاني؛ مثل: أن ملك رجل أربعين أول المحرم، وملك آخر أربعين أول صفر - فكما ملك خلطا؛ فإذا جاء المحرم، يجب على الأول شاة، وإذا جاء صفر، ثم حول الثاني؛ فعليه نصف شاة، ثم بعده على كل واحد نصف شاة عند تمام حوله.
ولو ملك رجل ثمانين من الغنم، فباع نصفها مشاعًا من رجل أول صفر، فإذا جاء المحرم، ماذا يجب على الأول؟
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يجب عليه شاة؛ لأنه ملك نصابًا إلى آخر الحول، وكان منفردًا في بعض الحول؛ فيغلب حكم الانفراد.
[ ٣ / ٤١ ]
ومن أصحابنا من قال: لا يجب عليه إلا نصف شاة.
قال الشيخ: وهو الأصح عندي؛ لأن الحول انعقد على ثمانين، وبقي له نصفها، وكان ذلك النصف مختلطًا بأربعين في جميع الحول فإذا جاء صفر، ثم حول المشتري؛ فعليه نصف شاة بالاتفاق، ثم بعده على كل واحد عند تمام حوله نصف شاة.
قال الشيخ: وهذا لو كان بين رجلين ثمانون من الغنم؛ فباع أحد الخليطين نصيبه في خلال الحول مشاعًا - فعلى الذي بقي في الخلطة إذا تم حوله نصف شاة، ثم إذا تم حول المشترين عليه نصف شاة. هكذا يزكيان أبدًا ولو كان لرجل ثمانون من الغنم ببلدين؛ في كل بلد أربعون؛ فباع بعد ستة أشهر نصف أحد الأربعين مشاعًا، فإذا تم حول البائع، نص: أن عليه شاة؛ تغليبًا لحكم الانفراد؛ ويخرج الوجه الآخر.
قال الشيخ: وهو الأقيس؛ أن عليه ثلاثة أرباع شاة، على قولنا: إن الخلطة خلطة ملك، ويحتمل أن يكون النص جوابًا على قولنا: إن الخلطة خلطة عين.
أما المشتري إذا تم حوله، فعليه ربع شاة، إذا قلنا: الخلطة خلطة ملك.
وإن قلنا: خلطة عين، فنصف شاة. نص عليه.
أما إذا كان ثمانون شاة بين مسلم وذمي من أول المحرم؛ فأسلم الذمي أول صفر، فإذا جاء المحرم يجب على الأول شاة بالاتفاق؛ لأن حكم الخلطة لا يثبت بين المسلم والذمي؛ فكأنه انفرد بالأربعين جميع الحول، ثم إذا جاء صفر يجب على صاحبه نصف شاة، ثم بعده يجب على كل واحد عند تمام حوله نصف شاة. وإن كنا نصيب أحدهما نصابًا؛ بأن ملك أربعين من الغنم ستة أشهر، ثم جاء رجل وخلط بها عشرين، فإذا مضت ستة أشهر من يوم الخلط، تم حول صاحب الأربعين؛ فعليه شاة.
وإذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول صاحب العشرين؛ فعليه ثلث شاة؛ لأن ماله كان مع أربعين في جميع الحول، ثم بعد ستة أشهر أخرى يجب على صاحب الأربعين ثلثا شاة.
ولو كان لرجلين لكل واحد أربعون شاة غير مختلطة، فبعد مُضي ستة أشهر باع أحدهما نصف أغنامه بنصف أغنام صاحبه مشاعًا وتقابضا، فإذا مضت ستة أشهر من يوم البيع، يجب على كل واحد نصف شاة من العشرين الباقية في ملكه؛ لأنها كانت مختلطة في جميع الحول بعشرين، ثم بعده حكم الخلطة ثابت، والحول مختلف، وإحدى الأربعينين متميزة عن الأخرى؛ فكل ستة أشهر يجب على كل واحد ربع شاة؛ لأن الكل ثمانون؛ فيجب في كل عشرين منها ربع شاة.
[ ٣ / ٤٢ ]
ولو كان بينهما ثمانون مشتركة؛ فاقتسما بعد ستة أشهر: إن قلنا: القسمة إفراز حق، فإذا مضت ستة أشهر من يوم القسمة - يجب على كل واحد منهما شاة؛ كما في خلطة المجاورة إذا ميز وإن قلنا: بيع فيما بقين ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم الحول من وقت القسمة؛ فعلى كل واحد نصف شاة فيما تجدد ملكه عليه، ثم هكذا في كل ستة أشهر؛ كما لو كان بينهما أربعون شاة، فبعد مُضي ستة أشهر اشترى أحد الشريكين نصيب صاحبه- يجب عليه عند مضي كل ستة أشهر نصف شاة.
فصلٌ: في التراجع
رُوي عن النبي - ﷺ- "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية الحديث في خلطة المجاورة؛ لأن في خلطة المشاركة إذا أخذ الساعي واحدًا منهما يكون المأخوذ من ماليهما جميعًا، فلا يثبت فيه التراجع، إلا أن يكون المأخوذ من جنس المال؛ بأن يكون بينهما خمس من الإبل وجدها الساعي في يد أحدهما؛ فأخذ منه شاة، رجع هو على صاحبه بنصف قيمتها، ويكثر التراجع في خلطة المجاورة. فإن كان بينهما أربعون شاة يجوز للساعي أن يأخذ الشاة من نصيب أيهما شاء، فإذا أخذ الشاة من نصيب أحدهما، رجع المأخوذ منه بنصف قيمتها على خليطه، ولا يرجع بنصف قيمة شاة؛ لأن الشاة ليست بمثلية، فإن اختلفا في قيمته، فالقول قول المروع عليه؛ لأنه غارم.
فلو أخذ الساعي من أحدهما شاة رُبي أو ماخضًا أو ذات در - فلا يرجع هو على خليطه بنصف قيمة المأخوذ، إنما يرجع بنصف قيمة الواجب؛ لأنه مظلوم بأخذ الزيادة من جهة الساعي؛ فليس له أن يرجع على غير من ظلمه.
فإن كان المأخوذ قائمًا في يد الساعي، يسترده رب المال، وإن كان تالفًا استرد منه الفضل، والفرض ساقط عن رب المال، وإن أخذ الساعي أكثر من الحق بتأويل؛ بأن أخذ كبيرة من السخال على قول مالك ﵀، فإنه يرجع على خليطه بنصف ما أخذ منه؛ لأنه والٍ أخذه بالاجتهاد، فلا ينقض عليه اجتهاده، وإن أخذ منه القيمة؛ هل يرجع على خليطه بشيء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لايرجع؛ لأن القيمة لا تجزئ في الزكاة.
والثاني- وهو الأصح-: يرجع؛ لأن الوالي أخذه بالاجتهاد؛ كما لو أخذ الكبيرة عن السخال.
[ ٣ / ٤٣ ]
وإن وجبت عليهما شاتان أو أكثر، فن لم يجد الفرض إلا في مال أحدهما، له أخذه منه، وإن وجد ما يجب على كل واحد منهما في ماله، ففيه وجهان:
أحدهما - قاله أبو إسحاق-: يأخذ من كل واحد ما وجب عليه، وليس له أن يأخذ من مال الآخر. وقال ابن أبي هريرة - وهو الأصح -: له أن يأخذ من أي المالين شاء؛ سواء وجد الفرض في نصيبهما، أو في نصيب أحدهما؛ لأنا جعلنا المالين بالخلط كالمال الواحد.
ولو كان بينهما مائة وخمسون شاة: لأحدهما مائة، وللآخر خمسون - عليهما شاتان، والثلثان على صاحب المائة، والثلث على الآخر؛ فإن أخذ الساعي [الشاتين] من صاحب المائة، رجع هو على صاحبه بقيمة ثلث الشاتين، ولايرجع بقيمة ثلثي شاة؛ لأن قيمة اشاتين تختلف. ولو أخذهما من صاحب الخمسين، رجع هو على الآخر بقيمة ثلثي الشاتين لا بشاة وثلث، ولو أخذ من كل واحد شاة، رجع صاحب المائة على صاحب الخمسين بقيمة ثلث شاة، ورجع صاحب الخمسين عليه بقيمة ثلثي شاة.
ولو كان بينهما سبعون من البقر: لأحدهما أربعون، وللآخر ثلاثون - يجب فيها مسنة وتبيع، ولا نقول: تجب المسنة على صاحب الأربعين، والتبيع على صاحب الثلاثين، بل تجب المسنة والتبيع عليهما على صاحب الأربعين أربعة أسباعها، وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعها. فلو أخذ الساعي الشاتين جميعًا من صاحب الأربعين، رجع هو على صاحب الثلاثين بثلاثة أسباعها، وإن أخذهما من صاحب الثلاثين، يرجع هو على الآخر بأربعة أسباعها، ولو أخذ المسنة من صاحب الأربعين، والتبيع من [صاحب] الثلاثين- رجع صاحب الأربعين بثلاثة أسباعها على صاحب الثلاثين، ورجع صاحب الثلاثين بأبربعة أسباع التبيع على صاحب الأربعين، ولو أخذ من صاحب الأربعين التبيع، ومن صاحب الثلاثين المسنة، رجع صاحب الأربعين بثلاثة أسباع التبيع على صاحبه، ورجع صاحبه عليه بأربعة أسباع المسنة.
فصلٌ: فيما إذا كانت الماشية متفرقة"
إذا كانت ماشية الرجل متفرقة في القرى والبلاد، يجمع بين الكل في حق الزكاة؛ حتى
[ ٣ / ٤٤ ]
لو ملك مائتي شاة في مواضع؛ في كل موضع عشرة أو أقل أو أكثر؛ فإذا تم الحول، عليه شاتان.
أما إذا كان بعض ماله مختلطًا، والبعض منفردًا؛ نظر: إن كان المختلط أقل من نصاب، فلا حكم للخلطة، مثل: أن كان بين رجلين عشرون شاة مختلطة؛ لكل واحد عشرة، ولكل واحد بموضع آخر ما يتم به نصاب كل واحد منهما؛ فيجب على كل واحد زكاة الانفراد، وإن كان المختلط نصابًا؛ مثل: أن كان بينهما أربعون شاة مختلطة، ولأحدهما ببلد آخر أربعون؛ فكيف يزكيان؟ فيه قولان، وأصل القولين أن الخلطة خلطة ملك، أم خلطة عين؟ فيه قولان:
أصحهما: أن الخُلطة خلطة ملك؛ لأن الخلطة تجعل المالين المال الواحد، ومال الواحد وإن كان متفرقًا يضم البعض إلى البعض؛ فها هنا نجعل كأن صاحب الستين خلط جميع الستين بعشرين صاحبه؛ فيجب عليهما شاة؛ ثلاثة أرباعها على صاحب الستين، وربعها على صاحب العشرين.
والقول الثاني: الخلطة خلطة عين؛ لأن الخلطة كاسمها؛ فلا يثبت حكمها غلا في القدر المختلط؛ فعلى هذا يجب على صاحب العشرين نصف شاة؛ لأن جميع ماله مختلط بعشرين، وفي أربعين شاة شاة؛ فيخصه نصف شاة، وماذا يجب على صاحب الأربعين المنفردة فيه خمسة أوجه:
أصحها: عليه شاة، نص عليه؛ لأن بعض ماله منفرد، وبعضه مختلط؛ فيغلب حكم الانفراد، وجملته: ستون وفيها شاة.
والثاني: يجب عليه ثلاثة أرباع شاة؛ لأن جملة ماله: ستون، وبعض ماله مختلط بعشرين؛ فتكون جملته: ثمانين؛ فيكون في ستين منها ثلاث أرباع شاة.
والثالث- قاله أبو زيد والخضري: يجب عليه خمسة أسداس شاةٍ، ونصف سدس شاة، توجب في الأربعين المنفردة بحساب ما لو كان ل ماله منفردًا، ولو كان له منفردًا كان ستونًا، وفي ستين شاة؛ فيخص الأربعين منها ثلثاها، ويوجب في العشرين المختلطة بحساب ما لو كان الكل مختلطًا كان ثمانون، وفي ثمانين شاة شاة،
[ ٣ / ٤٥ ]
فيخص العشرين منها ربعها والثلثان مع الربع يكون أحد عشر سهمًا من اثني عشر، وهو خمسة أسداس ونصف سدس.
والوجه الرابع: يجب عليه شاة وسدس؛ نوجب في الأربعين المنفردة بحساب ما لو كان الكل منفردًا؛ فيون ثلثي شاة؛ نوجب في العشرين المختلطة ما أوجبنا على شريكه، وهو نصف شاة؛ فيون شاة وسدس.
والوجه الخامس يجب عليه شاة، ونصف شاة للأربعين المنفردة، ونصف للعشرين المختلطة؛ وهو ضعيف؛ لأن ملك الرجل الواحد عند اتفاق الجنس لا يفرد بعضه عن بعض.
ولو كان بين رجلين أربعون مختلطة، ولكل واحد منهما أربعون ببلد آخر - فعلى هذا الاختلاف: فإن قلنا بالقول الأصح: وهو أن الخلطة خلطة ملك، يجب عليهما شاة على كل واحد نصفها؛ لأن جملة المال مائة وعشرون، وفيها شاة، ولكل واحد منهما نصفها.
وإن قلنا: الخلطة خلطة عين، فماذا يجب على كل واحد منهما؟ فعلى الأوجه الخمسة:
أصحها: على كل واحد شاة؛ تغليبًا لحكم الانفراد.
وعلى الوجه الثاني: يجب على كل واحد ثلاثة أرباع شاة؛ لأن جميع مال كل واحد ستون، وهي مختلطة بعشرين.
وإن قلنا في الصورة الأولى: إنه يجب على صاحب الأربعين المنفردة خمسة أسداس شاة ونصف سدس شاة - فهاهنا لا يجب على كل واحد منهما إلا خمسة أسداس شاة؛ نوجب في الأربعين المنفردة بحساب ما لو كان الكل منفردًا؛ فيكون ثلثي شاة، ونوجب في العشرين المختلطة بحساب ما لو كان الكل مختلطًا؛ فيكون مائة وعشرين، وفي مائة وعشرين شاة شاة فيخص العشرين منها سدس شاة.
وعلى الوجه الرابع: يجب على كل واحد شاة وسدس وفي الأربعين المنفردة ثلثا شاة وفي العشرين المختلطة نصف شاة.
وعلى الوجه الخامس: على كل واحد شاة ونصف شاة للأربعين المنفردة ونصف شاة للعشرين المختلطة.
ولو كان لرجل ستون شاة؛ فخلط بكل عشرين رجلًا له عشرون؛ فإذا تم الحول ماذا يجب على كل واحد منهم؟
[ ٣ / ٤٦ ]
إن قلنا: الخلطة خلطة ملك، يجب على صاحب الستين نصف شاة؛ لأن ماله مختلط بمال ثلاثة لهم ستون؛ فجملته: مائة وعشرون، وفيها شاة، وله نصفها، وفيما يجب على كل واحد من خلطائه وجهان:
أحدهما - وهو اختيار صاحب "التقريب" -: يجب على كل واحد سدس شاة؛ فيضم ماله إلى مال خليطه، وخليط خليطه، وجملته: مائة وعشرون، ولكل واحد منهم سدسها.
والثاني: يضم مال كل واحد إلى مال خليطه دون خليط خليطه، فيصير كأنه خلط عشرين بستين من صاحبه، وجملته: ثمانون، وله ربعها؛ فيجب على كل واحد ربع شاة.
وإن قلنا: الخلطة خلطة عين، يجب على كل واحد من الخلطاء نصف شاة، وماذا يجب على صاحب الستين؟ فيه وجهان:
أحدهما: عليه شاة بضم غنمه بعضها إلى بعض؛ وتجعل كأنها منفردة.
والثاني: يجب عليه ثلاثة أرباع شاة؛ لأنه لا يمكن ضم كل عشرين من غنمه إلى واحد من الثلاثة؛ فيضم الكل إلى واحد منها؛ فتصير ثمانين، وفيها شاة؛ فتكون في ستين منها ثلاثة أرباعها.
وذكر ابن الحداد: لو كان لرجل عشر من الإبل؛ فخالط بخمس منها رجلًا له خمسة عشر، وبخمس منها رجلًا آخر له خمسة عشر قال: على صاحب العشرة ربع بنت لبون، وعلى كل واحد من خليطيه ثلاث شياه؛ فخلط أحد القولين بالآخر؛ فإياب ربع بنت اللبون على صاحب العشرة جواب على قولنا: إن الخلطة خلطة ملك، وإيجاب الشياه على الخليطين جواب على قولنا: إن الخلطة خلطة عين، ونخرجها على القولين.
أما إن قلنا: إن الخلطة خلطة ملك، فعلى صاحب العشر ربع بنت لبون؛ لأن مجموع الأموال أربعون، وفيها بنت لبون، ولصاحب العشرة ربعها؛ فان عليها ربع بنت لبون، وفيما يجب على كل واحد من خليطيه؟ وجهان:
أحدهما: على كل واحد ثلاثة أخماس بنت مخاض؛ فيضم مال كل واحد إلى مال خليطه دون خليط خليطه، فيكون خمسة وعشرون، وفيها بنت مخاض، ولكل واحد منهما ثلاثة أخماسها.
والثاني: يضم مال كل واحد منهما إلى مال خليطه، وخليط خليطه؛ فيجب على كل واحد ثلاثة أثمان بنت لبون.
[ ٣ / ٤٧ ]
وإن قلنا: الخلطة خلطة عين، يجب على كل واحد من الخليطين ثلث شاه؛ لأنا لا نضم ماله إلا إلى الخمسة المختلطة؛ فتكون عشرون؛ فيكون في خمسة عشر منها ثلاث شياه، وفيما يجب على صاحب العشرة وجهان:
أحدهما: يجب على كل واحد شاتان يفرد ل خمسة من ماله عن الأخرى.
والثاني - وهو الأصح -: على كل واحد خمسًا بنت مخاض؛ لأن ماله لا يفرد بعضه عن بعض، فيجعل كأنه خلط العشرة بخمسة عشر؛ فيكون خمسة وعشرون، وفيها بنت مخاض؛ فيقابل العشرة خمساها.
"فصلٌ: في الخلطة في غير المواشي"
هل تثبت الخلطة في غير المواشي من الدراهم والدنانير والزروع والثمار؟ أما خلطة المشاركة؛ بأن ورثوها، أو اشتروها مشاعة ففيها قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح-: تثبت لأنهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشي، لخفة المؤنة باتحاد الراعي والمرعى والمسرح- يرتفقان بالخلطة ي غيرها باتحاد الحارس والمتعهد؛ وكذا البيت وغيرها.
وقال في القديم: لا تثبت الخلطة فيها بخلاف المواشي؛ لأن لها أوقاصًا، ونصبًا؛ فالخلطة إن ضرت رب المال مرة، نفعت أخرى، ولا وقص في الناض والمعشرات، فالخلطة تضر رب المال في النصاب الأول، ولا يثبت له نفع بإزائه فيما بعده. وهل تثبت خلطة المجاورة في هذه الأشياء؟.
في الجديد بأن يكون لكل واحد صنف معلوم من نخيل، أو زرع في قطعة من أرض في حائط واحد، أو دراهم كل واحد في كيس أحرزها في صندوق واحد أو خزانة واحدة فيه قولان:
أصحهما: تثبت خلطة المشاركة؛ لأنهما يرتفقان باتحاد الحارس والعامل والسقي والزرع ومكان الحفظ وغيرها.
والثاني: لا تثبت؛ لأن كل نخلة متميزة عن الأخرى في مكانها الذي تشرب منه، وإن اتحد الحارس والمجري؛ كالماشيتين إذا اتفقا في المراح، واختلفا في المشرب، لا يثبت بينهما حكم الخلطة، فإن قلنا: تثبت الخلطة فيها، فلو كانت نخيل موقوفة على جماعة معينين في حائط واحد فأثمرت؛ فإن بلغت مجموع أنصبائهم نصابًا، يجب عليهم الزكاة،
[ ٣ / ٤٨ ]
وإن لم يكن نصيب [كل] واحد إلا شيء قليل.
فإن قلنا: لا تثبت حكم الخُلطة، فلا زكاة على أحدٍ منهم؛ حتى يكون نصيبه على الانفراد نصابًا.
وفرعوا على قول ثبوت الخلطة لو استأجر أجيرًا؛ ليتعهد نخله على ثمرة نخلة بعينها بعد خروج ثمرها قبل بدو الصلاح فيها، وشرط القطع؛ فلم يتفق القطع، حتى بدا الصلاح - فعلى الأجير عشر ثمرة تلك النخلة، إن كان في جميع الحائط خمسة أوسق، وإن لم يكن على تلك النخلة إلا قنوان فلو استأجر أجيرًا؛ يرعى غنمه على شاة بعينها، فحال الحول والغنم كلها- يجب على الأجير زكاة تلك الشاة.
ولو أن جماعة ورثوا نخيلًا، أو اشتروها مشاعة وعيها ثمرة لم يبد صلاحها؛ فاقتسموها بعد ما أثمرت - نص على: أنه إن كان قبل بدو الصلاح، ثم بدا فيها الصلاح، فكل من بلغت حصته خمسة أوسق يجب عليه الزكاة، ومن لا فلا زكاة عليه.
وإن اقتسموا بعد بدو الصلاح، فعليهم العشر إن بلغ مجموع الحصص نصابًا، وإن لم يبلغ نصيب كل واحد نصابًا؛ لأنها كانت مجتمعة حالة وجوب الزكاة.
وأجاب على قولنا: إن الخلطة تثبت في الثمار، وأجاب على قولنا: إن القسمة إفراز حق.
فإن قلنا: القسمة بيع؛ وهو المذهب -لا تصح هذه القسمة؛ لن بيع الثمر بالثمر على رءوس الأشجار لا يجوز.
وإن اقتسموا مع الأشجار، فهو بيع مال الربا بجنسه مع غيره؛ فلا يجوز أيضًا.
باب من يجب عليه الزكاة
روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة".
[ ٣ / ٤٩ ]
كل مسلم تام المِلك مَلك نصابًا من المال الزكوي حولًا كاملًا - يلزمه الزكاة؛ فيجب في مال الصبي والمجنون، ويخاطب الوليُّ بإخراجها من ماله، وهو قول عمر، وابن عمر، وعائشة، وجماعة من أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: الزكاة في مال الصبي والمجنون، وبالاتفاق يجب عليهما العشر وصدقة الفطر. والحديث حجة عليه.
ولا يجب على الكافر؛ كما لا يجب عليه الصوم والصلاة وأما المرتد: فلا تسقط عنه ما وجب عليه حال في الإسلام، أما إذا جاء الحول على ماله في الردة، فهذا يُبنى على أن ملكه؛ هل يزول بالردة؟ فيه أقوال:
إن قلنا: يزول ملكه فلا زكاة عليه، وإذا ارتد في أثناء الحول انقطع الحول، فإذا عاد إلى الإسلام ابتدأ الحول.
وإن قلنا: لا يزول ملكه، فلا ينقطع حوله، وعليه الزكاة إذا تم الحول، فإذا أخرج في حال الردة جاز؛ كما لو أطعم عن الكفارة؛ بخلاف الصوم لا يصح منه؛ لأنه عمل البدن؛ فلا يصح إلا ممن يكتب له، وإن مات في الردة يخرج من ماله.
وإن قلنا: ماله موقوف؛ فإن مات أو قتل في الردة، بان أن مِلكه كان زائلًا، ولا زكاة عليه.
وإن أسلم، بان أنه لم يزك، وعليه الزكاة. ولا تجب الزكاة على المُكاتب؛ لأن مِلكه ضعيف؛ بدليل أنه لا يرث ولا يورث منه، ولا يعتق عليه قريبه؛ كالعبد المأذون له في التجارة؛ فإن عجز صار ما في يده للمولى، وابتدأ الحول، وإن عتق وبقي في يده المال الزكوي ابتدأ الحول من يوم عتق.
[ ٣ / ٥٠ ]
أما من نصفه حر ونصفه رقيق إذا ملك بنصفه الحر نصابًا -هل يجب عليه الزكاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه ناقص بالرق كالعبد.
والثاني - وهو الأصح-: يجب عليه الزكاة؛ لأن ملكه بنصفه الحر تام.
ولو ملك رجل عبده مالًا زكويًا: فإن قلنا - بقوله الجديد؛ وهو المذهب -: إن العبد لا يملك، فزكاته على المولى.
وإن قلنا: بقوله القديم: إنه يملك، فلا تجب زكاته على أحد.
فصل: في الوقت الذي يجب فيه الصدقة
روي عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - "إذا أتاكم المصدقُ، فلا يفارقنكم إلا عن رضى".
[ ٣ / ٥١ ]
يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات؛ لأن جمعها وتفريقها على المستحقين - واجب عليه، والنبي - ﷺ - والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة لأخذها؛ ولأن من الناس من لا يعرف ما يجب عليه، ومن يحب أن يصرف إليه فإذا بعث الإمام ساعيًا، فلا يبعث إلا حرًا عدلًا ثقةً؛ لأن هذه ولاية وأمانة؛ وليس العبد والفاسق من أهلهما، ولا يبعث إلا فقيهًا يعرف ما يؤخذ، وما لا يؤخذ، وقد يحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض له، وإنما يبعث السعاة في الوقت الذي يوافي حلول الحول على الأموال، إن اتفقت أحوالهم.
فإن كان ذلك في زكاة الثمار والزروع، فوقت وجوبها إدراك الثمار، واشتداد الحبات في الزروع؛ وذلك لا يختلف.
وإن كان في المواشي، واختلف أحوال الناس فيها، فيبعث في المُحرم؛ لأنه ول السنة الشرعية؛ شتاء كان أو صيفًا، فينبغي أن يكون خروجه قبل الحرم؛ حتى يوافي أرباب الأموال في أول المحرم، فلا يتأخر الأداء عن أول الحول ثم من تم الحول على ماله أخذ الساعي زكاته، ومن لم يتم حوله يستحب لرب المال تعجيل الزكاة، فإن لم يفعل لم يجبر عليه؛ فيقيم الساعي نائبًا يأخذ صدقته إذا تم حوله، وينصرف.
ويأخذ صدقة المواشي على مياه أهلها إذا أوردوها الماء؛ ليس له أن يكلف أرباب الأموال جمع المواشي في البلد؛ لأن فيه مشقة عليهم، ولا عليه أن يتبع مراعيها في المفاوز؛ لأن فيه مشقة عليه. وإن كان لرب المال ماءان أمره الساعي أن يجمعها عند أحدهما، وإذا حرنت الماشية في الربيع عن الماء بالكلأ، حصر الساعي عليهم؛ حيث كانت؛ قريبة أو بعيدة؛ فأخذ الزكاة في أفنيتهم في مُراحها؛ فإذا أراد إحصارها، جمعها في حيرة؛ يخرج منها واحدة بعد أخرى، وينصب في بابها خشبة ثبت كل شاة وصل غليها؛ ليكون أسهل في العدد، ويقف رب المال أو نائبه على باب الحظيرة، والساعي أو نائبة من الجانب الآخر يعدانها. فإن اختلفا في الإحصاء؛ نظر: إن لم يكن في اختلافهما تكميل نصاب؛ بأن قال رب المال: مائة وعرة، وقال الساعي: مائة وعشرون؛ فلا معنى لهذا الاختلاف؛ لأن زكاة العددين واحد. وإن كان فيه تكميل نصاب؛ بأن قال رب المال: مائة وعشرون، وقال الساعي: مائة وإحدى وعشرون -يُعاد الإحصاء ولو أخبره رب المال قبل الإحصاء بالعدد؛ وهو ثقة -قُبِل منه.
[ ٣ / ٥٢ ]
ويستحب إذا أخذ الزكاة، أن يدعو لرب المال؛ لقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم.
روي عن عبد الله بن أبي أوفي قال كان النبي - ﷺ - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان. فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" وقيل: كان هذا اللفظ مخصوصًا بالنبي - ﷺليس لأحد أن يصلي على أحد إلا على الأنبياء، أو على آلهم تبعًا لهم أما أن يقول: اللهم صل على أبي بكر وعمر فلا، وجاز ذلك للنبي - ﷺ لأن الصلاة حقه؛ فله وضعها فيمن شاء؛ كصاحب المجلس يرفع من أراد في مجلسه، ولا يفعله غيره.
قال الشافعي: أحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهورًا، وبارك لك فيما أنفقت.
باب تعجيل الصدقة
روي عن علي؛ أن العباس سأل رسول الله - ﷺ - في تعجيل صدقته قبل أن تحل؛ فرخص له في ذلك.
[ ٣ / ٥٣ ]
كل مال يجب فيه الزكاة بالحول والنصاب يجوز تعجيلها بعد وجود النصاب قبل الحول. وعند مالك - ﵀-: لا يجوز والحديث حجة عليه. ووافقنا مالك في: أنه يجوز تعجيل كفارة اليمين قبل الحنث، وأبو حنفة يجوز تعجيل الزكاة، ولايجوز تعجيل الكفارة.
[ ٣ / ٥٤ ]
فنقول: هذا حق مالي أجل؛ للرفق، فصار تعجيله قبل محله كالدين المؤجل، ودية الخطأ، أما تعجل الزكاة قبل النصاب لا يجوز بالاتفاق.
مثل: أن ملك تسعة وثلاثين من الغنم؛ فعجل منها شاة، أو ملك مائة وتسعين درهمًا؛ فعجل منها خمسة؛ حتى إذا أكمل النصاب، كان ذلك زكاته لم يجز؛ لأنه لم يوجد سبب الوجوب؛ كما لو أدى الثمن قبل وجوب البيع.
ولو عجل صدقة عامين، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: يجوز؛ لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "تسلقت من العباس صدقة عامين".
والثاني- وهو الأصح -: لايجوز؛ لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، وتعجيل الزكاة قبل انعقاد الحول لا يجوز؛ كما لو عجل الزكاة قبل كمال النصاب.
وقوله: "تسلفت منه صدقة عامين" أي: مرتين، وصدقةمالين لكل واحد حول منفرد.
[ ٣ / ٥٥ ]
فإن قلنا: يجوز، إنما يجوز إذا ملك زائدًا على نصاب واحد؛ بحيث يبقى في يديه بعد تعجيل الزكاة نصاب كامل؛ مثل: أن ملك اثنين وأربعين شاة أو أكثر؛ فعجل منها شاتين، فإن لم يملك الأربعين أو إحدى وأربعين فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز؛ كما لو عجل عن نصاب واحد صدقة عام يجوز.
والأصح: أنه لا يجوز؛ لأنه إذا عجل زكاته سنتين، ينتقص النصاب للسنة الثانية قبل دخولها؛ فيصير معجلًا للزكاة قبل النصاب.
ولو ملك نصابًا واحدًا؛ فعجل زكاة نصابين؛ مثل: أن ملك ثمانين شاة؛ وهو يرجو حصول السخال منهن، وأخرج شاتين؛ حتى إذا كمل النتاج نصابين كانتا زكاتهما - جازت زكاة نصاب واحد، وفي زكاة السخال وجهان.
وكذلك: لو ملك خمسًا من الإبل؛ فعجل منها شاتين؛ فتم الحول، وهن بالنتاج عشر -هل تجوز الشاة الثانية؟ فعلى وجهين:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه تقديم الزكاة على النصاب.
والثاني: يجوز؛ لأن السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها إذا تم حول الأمهات، كذلك جعلت كالموجودة في تعجيل زكاتها.
ولو ملك أربعين شاة، فعجل منها شاة، ثم ولدت أربعين سخلة، وماتت الأمهات، وبقيت السخال -هل يجزئه ما أخرج عن زكاة السخال؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه عجل الزكاة عن غير السخال؛ فلا يجزئه عن السخال.
والثاني: تجزئه؛ لأنه لما كان حول الأمهات حول السخال، كانت زكاة الأمهات زكاة السخال.
ولو اشترى بمائتي درهم عرضًا للتجارة؛ فأخرج عنها زكاة أربعمائة، ثم حال الحول - والعرض يساوي أربع مائة - أجزأه؛ لأن الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول؛ حتى لو اشترى سلعة تساوي مائة؛ فعجل زكاة مائتين؛ فحال الحول-وهي تساوي مائتين - جاز ما عجل عن الزكاة؛ على ظاهر المذهب، وإن لم يكن يوم عجل نصابًا؛ لأن الحول ينعقد.
أما المعشرات من الزروع يجوز إخراج زكاتها بعد اشتداد الحب في الزروع، وبدو الصلاح في الثمار، ولا يجوز قبل نبات الزرع، وقبل خروج الثمرة. أما بعد ما تسنبل، وانعقد الحب بعد ما اشتد، وبعد خروج الثمرة قبل بدو الصلاح، أو بعد ما أطلعت النخلة هل يجوز؟ فيه وجهان.
قال ابن أبي هريرة: يجوز؛ كزكاة المواشي قبل الحول.
[ ٣ / ٥٦ ]
وقال أبو إسحاق - وهو المذهب-: لا يجوز؛ لأن العُشر يجب بسبب واحد؛ وهو اشتداد الحَب، وإدراك الثمرة، ولم يوجد، ولأنه لا نصاب له قبل الإدراك؛ فصار كما لو قدم الزكاة على النصاب.
أما صدقة الفطر يجوز تعجيلها بعد دخول شهر رمضان؛ فإن ابن عمر كان يبعث صدقة الفطر إلى الذي يجمع عده قبل الفطر بيومين؛ ولأن وجوبها بشيئين: برمضان، وبالفطر منه، وقد وُجد أحدهما؛ وهو دخول شهر رمضان. وهل يجوز تعجيلها قبل دخول رمضان؟ فيه وجهان؛ كتعجيل صدقة عامين
الأصح لا يجوز، فإذا عجل الزكاة فتلف ذلك المال في يد المسكين، أو أكله قبل الحول - يجعل ذلك كالباقي على ملك رب المال؛ حتى يحسب عن الزكاة يوم حلول الحول.
ولو عجل زكاة نصاب ثم تم بالنتاج نصاب آخر قبل الحول بيوم - يجب عليه أن يُخرج شاة أخرى؛ حتى لو ملك مائة وعشرين شاة؛ فعجل منها شاة؛ فهلكت الشاة في يد المسكين، أو أكلها، ثم نتجت واحدة قبل الحول-عليه شاة أخرى، ويجعل المعجلة كالقائمة؛ حتى يكون عددها مائة وإحدى وعشرين؛ فيجب فيها شاتان.
أما إذا ملك مائة وعشرين غير واحدة؛ فعجل منها شاة معلوفة، أو اشترى شاة؛ فأخرجها عن زكاتها - جاز، فلو نتجت واحدة قبل الحول؛ لايجب عليه شاة أخرى؛ لأن المعلوفة والمستفاد لا يتم بها النصاب، وإن جاز إخراجها في الزكاة. ويشترط أن يكون المدفوع إليه يوم حلول الحول بصفة الاستحقاق، والدافع بصفة وجوب الزكاة عليه؛ حتى يحتسب عن الزكاة، فإن مات المدفوع إليه قبل حلول الحول، أو ارتد أو مات الدافع، أو هلك ماله؛ فأعسر، أو انتقص النصاب، أو ارتد على قولنا: إن ملك المرتد يزول -لم بحسب ما عجل عن الزكاة.
فإن أيسر المدفوع إليه؛ نظر: إن أيسر بما دفع إليه، أو به وبمال آخر- يحسب عن الزكاة؛ لأنه يدفع إليه الزكاة؛ ليستغني؛ فلا يجوز أن يكون غناه مانعًا من الإجزاء، وإن أيسر بمال آخر، لم يحسب عن الزكاة.
ولو خرج عن الاستحقاق بعد الحول؛ وقع الزكاة موقعه، وإن خرج عن الاستحقاق قبل الحول؛ بأن ارتد، أو أيسر، وعاد مستحقًا يوم حلول الحول - هل يسحب عن الزكاة؟ فيه وجهان:
[ ٣ / ٥٧ ]
أحدهما: يحسب، لأنه دفع إليه. وهو بصفة الاستحقاق.
والثاني: لا يحسب؛ كما لو عجل زكاته، ثم هلك ماله قبل الحول، ثم استفاد مالًا آخر قبل الحول - لا يحسب الأول عن الزكاة.
وعند أبي حنيفة: الاعتبار بيوم الدفع، فإن كان يوم الدفع بصفة الاستحقاق، حسب عن الزكاة، وإن زال الاستحقاق بعده.
ولو عجل شاة عن مائة وعشرين شاة، ثم تبعت واحدة، قال: لاتجعل المعجلة؛ كالباقية، ولا يجب عليه شاة أخرى، فكل موضع قلنا: لا يحسب عن الزكاة، فهل له أن يسترد من المسكين ما دفع إليه؟ نظر: إن أخبر المسكين أنها زكاة معجلة، يسترد؛ كما لو عجل أجرة الدار، ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة - يسترد ما عجل به، ون لم يخيره، وأطلق الدفع إليه، هل يسترد أم لا؟
نص في "الأم": إذا أعطي يسترد. ونص في رب المال أنه إذا دفع بنفسه لا يسترد.
ومن أصحابنا من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يسترد: كما لو دفع مالًا إلى إنسان؛ على ظن أن عليه دينًا؛ فمل يكن - يسترد ما دفع إليه.
والثاني: يسترد: لأن الصدقة تنقسم إلى فرض وتطوع، فإذا لم تقع عن الفرض، تقع عن التطوع؛ كما لو أخرج زكاة ماله الغائب؛ على ظن أنه قائم؛ فبان تالفًا، يقع تطوعًا.
ومنهم من فرق؛ على ظاهر النص؛ فقال: يسترد الإمام دون رب المال؛ لأن رب المال يعطي من ماله الفرض والتطوع، فإذا لم يقع الفرض كان تطوعًا، والإمام لا يعطي من مال الغير إلا الفرض؛ فكان مطلق دفعه كالمتقيد بالفرض.
ومنهم من قال: لا فرق بين الإمام ورب المال، والمسألة على حالين؛ حيث يسترد، أراد به: إذا علم المسكين أنها زكاة معجلة وحيث قال: لا يسترد، أراد به: إذا لم يعلمه بالتعجيل؛ سواء أعلمه أنها زكاة مفروضة، أو لم يعلمه. فعلى هذا: إذا اختلفا: فقال الدافع: أعلمتك، وأنكر المدفوع إليه - ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول الدافع مع يمينه؛ كما لو دفع ثوبًا إلى إنسان، واختلفا: فقال الدافع: عارية، وقال القابض: هبة - فالقول قول الدافع مع يمينه.
والقول الثاني: القول قول المدفوع إليه مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على دفع ناقل للملك. فحيث قلنا: يسترد إذا هلك مال رب المال؛ فلو أنه أتلف ماله، أو بعض ماله؛ حتى
[ ٣ / ٥٨ ]
انتقص النصاب -فهل له أن يسترد ما دفع إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسترد؛ كما لو هلك ماله بغير فعله.
والثاني: لا يسترد؛ لأنه مفرط بإتلاف المال؛ فحيث قلنا: يسترد؛ فإن كانت العين قائمة، أخذها، ودفع إلى المستحق. وإن كان الدافع هو الإمام، أخذ، ودفع إلى آخر، ولا يحتاج إلى إذن جديد من جهة رب المال؛ وإن كانت العين تالفة في يد المدفوع إليه، لزمته قيمتها؛ إن كانت متقومة، ومثلها؛ إن كانت مثلية وتؤخذ من تركته إن كان قد مات. وكيف تعتبر قيمتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: تعتبر بيوم التلف؛ كالعارية.
والثاني: بيوم الدفع؛ لأن ما حصل فيه من الزيادة حدث في ملكه؛ فلم يلزمه ضمانها. وهل يحتاج الإمام في أخذ القيمة إلى إذن المالك؟ فيه وجهان؛ وإن كانت العين قائمة، لكنها تغيرت، لا يخلو: إما إن تغيرت بزيادة، أو نقصان: فإن تغيرت بزيادة؛ نظر: إن كانت متصلة؛ كالسمن والكبر، يستردها مع الزيادة. وإن كانت منفصلة؛ كالولد واللبن، فهل يسترد الزيادة معها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل تبقى الزيادة للمسكين؛ لأنها حدثت في ملكه، كولد المبيعة يبقى للمشتري إذا رد الأصل بالعيب.
والثاني: له أن يسترد الزيادة؛ لأنه لماخرج عن الاستحقاق، ظهر أنه لم يملكه. وإن تعين نقصان، هل يلزمه أرش النقصان؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه؛ كما يلزمه ضمان العين.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه نقص حصل في ملكه؛ فلا يؤاخذ بضمانه.
أما إذا بان المدفوع إليه أنه لم يكن بصفة الاستحقاق يوم الدفع إليه؛ بأن كان رقيقًا أو كافرًا أو غنيًا - يسترد مادفع ليه بالزوائد المتصلة والمنفصلة، ويغرمه أرش النقصان، وإن كان يوم حلول الحول بصفة الاستحقاق؛ لأن الدفع لم يقع محسوبًا؛ فحيث قلنا: لاتحسب عن الزكاة، فعلى رب المال إخراج الزكاة ثانيًا، إن كان ما بقي في يده نصابًا، وإن كان أقل من نصاب، فإن قلنا: لا يسترد ما عجل، أو قلنا: يسترد، ولكن لو ضم إليه ذلك لا يبلغ نصابًا - فلا زكاة عليه وإن كان معه ما يبلغ نصابًا: فإن كان قائمًا في يد من أخذه، عليه إخراج الزكاة ثانيًا، وإن كان تالفًا فهو كالدين: إن كانت ماشية فلا زكاة عليه؛ لأن ما على المسكين قيمة الشاة؛ فلا يكمل به نصاب الماشية، وإن كان نقدًا، فعلى قولي الزكاة في الدين.
[ ٣ / ٥٩ ]
ولو عجل من ألف شاة عشر شياه، ثم تلف ماله قبل الحول إلا أربعمائة غير عشرة، وما عجله قائم في يد المسكين- يضم المخرج إلى ما عنده على قولنا: إنه يسترد؛ حتى يصير أربعمائة؛ تحب من الزكاة أربع، ويسترد ستًا؛ لو عجل من خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض؛ فبلغت ماله بالنتاج ستًا وثلاثين قبل الحول - فعليه فيها بنت لبون، وصارت بنت المخاض في يد المسكين بنت لبون؛ يستردها ويخرجها ثانيًا، أو يخرج بنت لبون أخرى.
قال الشيخ: فلو كان المخرج هالكًا، والنتاج لم يزد على أحد عشر؛ حتى كان مع المخرج ستًا وثلاثين، وجب ألا يجب بنت لبون؛ لأنا إنما نجعل المخرج كالقائم إذا كنا نحسبه عن الزكاة، وهاهنا لا نحسب عن الزكاة؛ فيصير كهلاك بعض المال قبل الحول.
ولو عجل الزكاة قبل الحول، لم يكن له أن يسترد من المسكين؛ لأنه تبرع بالتعجيل، كما لو عجل دينًا مؤجلًا، لا استرداد.
فصلٌ: فيما لو أخذ رب المال مالًا للمساكين
رُوي عن أبي رافع؛ أن رسول الله - ﷺ - استسلف من رجل بكرًا؛ فجاءته إبل الصدقة، فمرني أن أقضيه إياه.
فإذا أخذ رب المال مالًا للمساكين قبل حلول الحول؛ فلا يخلو: إما أن أخذه على جهة القرض، أو على جهة الزكاة، فإن أخذه على جهة القرض؛ لا يخلو: إما أن استقرض
[ ٣ / ٦٠ ]
بمسألة المساكين أو بغير مسألتهم: فإن استقرض بغير مسألتهم؛ نظر: إن لم يكن بهم حاجةٌ، فالقرض يقع للإمام، وعليه الضمان من خاص ماله، سواء تلف في يده، أو دفع إلى المساكين، ثم إن دفع إلى المساكين متبرعًا، لم يرجع عليهم؛ فإن أقرضهم، فكأنه أقرضهم من مال نفسه، ويرجع إليهم وإن كانت بهم حاجة؛ فاستقرض لهم؛ نظر: إن هلك في يد الإمام، يجب عليه الضمان من خاص ماله؛ بخلاف ولي اليتيم يستقرض ليتيم شيئًا لحاجته؛ فهلك في يده من غير تفريط - يكون الضمان على الصبي؛ لأنه يلي أمر متعين ليس من أهل التصرف؛ بدليل أنه يتصرف في ماله بالتجارة، وولاية الإمام في أخذ الزكاة على جماعة غير متعينين، وفيهم أهل رُشد لا يولي عليهم؛ بدليل أنه لا يتصرف في مالهم بالتجارة، ولا يجوز منع الصدقة عنهم من غير عذر.
وعند أبي حنيفة: يكون من ضمان المساكين؛ فيقضيه الإمام من مال المساكين؛ كولي اليتيم؛ وبه قال بعض أصحابنا؛ كما لو أخذ بعد الحول؛ فهلك عنده - يكون من ضمان المساكين. والأول المذهب؛ حتى قال أصحابنا؛ لو كان مساكين قرية متعينين، وكلهم صغار، واحتلت أوالهم؛ فاستقرض لهم الإمام؛ فتلف في يده - لا ضمان عليه؛ كقيم الصبي يستدين له. وإن أوصله إلى المساكين، فالضمان عليهم؛ فالإمام يون طريقًا فيه. فإن حال الحول على أموال البائس والمسكين بصفة الاستحقاق - يقضيه الإمام من مال الصدقة، أو يجعله محسوبًا للمقترض من الصدقة؛ حتى لو مات المسكين بعد الحول جاز للإمام قضاؤه من مال الصدق؛ لأن الاعتبار بيوم حلول الحول، وإن لم يكن يوم حلول الحول من أهل الصدقة بردة، أو موت أو استغناء بمال آخر - فليس للإمام قضاؤه من مال الصدقة، بل يقضي من مال نفسه، ثم يرجع على المسكين إن وجد له مالًا. أما إذا استقرض للمساكين بمسألتهم، فالضمان عليهم؛ سواء تلف في يد الإمام، أو أوصله إليهم؛ كما لو استرض للغير مالًا يؤديه؛ فتلف في يده - يكون من ضمان الموكل؛ وهل يكون للإمام طريق فيه؟ نظر: إن علم المقرض به يستقرض للمساكين بمسألتهم، لا يرجع عليهم. وإن ظن أنه يستقرض لنفسه، أو يستقرض للمساكين بغير مسألتهم - فله أن يرجع على الإمام، ثم الإمام يقضيه من مال الصدقة، أو يجعلها محسوبة عن زكاة صاحب القرض.
ولو دفع رب المال مالًا على الإمام فرضًا للمساكين من غير مسألتهم؛ فتلف في يد الإمام- لا ضمان على أحد؛ لأنه وكيل رب المال؛ كما لو دفع مالًا إلى إنسان؛ ليقرضه من آخر؛ فهلك عنده - لا يجب الضمان؛ وإن استقرض بمسألة رب المال والمساكين جميعًا؛ فهلك عنده، فمن ضمان من يكون عنده؟ فيه وجهان:
أحدهما: من ضمان رب المال؛ لأن الخيار في الدفع والمنع إليه.
[ ٣ / ٦١ ]
والثاني: يكون من ضمان الفقراء؛ لأن النفع فيه لهم، والضمان على من تكون له المنفعة كضمان العارية يكون على المستعير؛ لأن المنفعة له ولو أخذ الإمام المال من رب المال على جهة الزكاة المعجلة؛ حتى يحسبه عن الزكاة عند حلول الحول -فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الاستقراض؛ فإن أخذ بغير مسألة المساكين؛ لخلة أو حاجة بهم، ثم هلك في يده قبل الحول - ضمنه من مال نفسه لرب المال، وعلى رب المال إخراج الزكاة ثانيًا، وإن أوصله إلى المساكين حبسه عن الزكاة، إن كانوا بصفة الاستحقاق يوم حلول الحول، وإن خرجوا عن الاستحقاق؛ إما الدافع أو المدفوع إليه، استرده من المدفوع إليه، وإن لم يوجد له مال ضمنه الإمام من مال نفسه؛ لأنه أخذه على أن يحتسب له من الزكاة؛ فإذا لم يحتسب، ضمنه. وإن استعجله بمسألة الفقراء؛ فإن دفع إليهم وحال الحول - وهو بصفة الاستحقاق - وقع موقعه، وإن كانوا خرجوا عن الاستحقاق، يجب عليهم الضمان، وعلى رب المال إخراج الزكاة وإن تلف في يد الإمام قبل الحول، ضمنه من مال المساكين. فإن لم يكن للمساكين مال، ففيه وجهان.
أحدهما: على رب المال إخراج الزكاة؛ لأن ما دفع لم يقع عن الصدقة.
والثاني: تسقط عنه الزكاة؛ لأن الإمام نائب المساكين، وقد أخذ منه، ولا ضمان على الإمام؛ لأنه أخذ بمسألة المساكين؛ فينر على هذا الوجه حتى يحول الحول على أموال أرباب المال؛ فيأخذ من أرباب الأموال لهم، ويصرفها إلى قوم آخرين عن جهة رب المال. وإن تعجل الإمام بمسألة رب المال، فإن أوصلها إلى المساكين؛ فحال الحول - وهم بصفة الاستحقاق - وقع موقعه. وإن خرجوا عن الاستحقاق، رجع رب المال على المساكين دون الإمام. وإن هلك في يد الوالي من غير تفريط من جهته، فلا ضمان عليه، ولا على المساكين، ويجب على رب المال إخراج الزكاة ثانيًا، إن تعجل بمسألة المساكين ورب المال، فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان.
وإن هلك المعجل في يد الإمام بعد حلول الحول، تسقط الزكاة عن رب المال؛ سواء استعجله الإمام، أو عجله رب المال؛ لأن الحصول في يد الإمام أو الساعي بعد الحول - كالوصول إلى المساكين؛ كما لو أخذه بعد الحول، ثم الإمام إن فرط في الدفع إليهم ضمن من مال نفسه، وإلا فلا ضمان على أحد.
"باب النية في إخراج الصدقة"
رُوي عن عمر بن الخطاب؛ أن رسول الله -ﷺ - قال: "إنما الأعمال بالنيات".
[ ٣ / ٦٢ ]
الزكاة تفتقر إلى النية؛ لأنها عبادة؛ كالصلاة والصوم. ومحل النية القلب؛ فلو نوى بقلبه، ولم يتلفظ باللسان جاز، ولو ذكر بلسانه ولم ينو بقلبه، لم يجز؛ على أصح الوجهين؛ كالصوم والصلاة. وفيه وجه آخر: يجوز؛ لأنه تجزيء فيه النيابة؛ فلما ناب فيها شخص عن شخص، جاز أن ينوب فيه اللسان عن القلب. ولا يلزم الحج؛ حيث تجزيء فيه النيابة، ويشترط فيه النية بالقلب؛ لأنه لا ينوب فيه من ليس من أهل الحج، وفي الزكاة ينوب عنها من ليس من أهل وجوب الزكاة عليه؛ فنه لو أناب عبدًا أو كافرًا بأداء الزكاة يجوز، ويجوز للمرتد إخراج زكاة ماله.
وكيفية النية: أن ينوي هذا فرض زكاة مالي، أو فرض صدقة مالي، أو فرض يتعلق بمالي، أو ينوي الصدقة المفروضة أو الواجبة.
ولو قال: صدقة مالي، أو الصدقة مطلقًا، لم يجز؛ لأن الصدقة قد تكون نفلًا؛ كما لو أعتق رقبة ونوى العتق مطلقًا، لا يقع عن الكفارة.
وقيل: لو نوى صدقة المال، أو صدقة مالي، جاز. ولو قال: زكاة مال، جاز؛ لأن الزكاة اسم الفرض المتعلق بالمال؛ ولو نوى أن هذه زكاة، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لو نوى الصدقة.
والثاني: يجوز؛ لأن الزكاة اسم للفرض.
ويجب أن ينوي عند الدفع إلى المستحق، أو إلى الإمام؛ فلو نوى قبل الأداء، أو حالة الإفراز، ولم ينو حالة الأداء- فيه وجهان:
أحدهما: لايجوز؛ كما في الصلاة.
والثاني: يجوز؛ كالصوم، ولأن التوكيل في أدائه جائز، ويشق عليه أن يقرن النية بتفريق الوكيل. ولو وكل وكيلًا بدفع الزكاة، ونوى حالة الدفع إلى الوكيل، جاز. ون لم ينو حالة تفريق الوكيل؛ كما لو دفع إلى الإمام، ونوى أو لم ينو حالة الدفع إلى الوكيل ثم نوى - نظر: إن نوى قبل تفريق الوكيل جاز، وإن نوى بعده لم يجز؛ كما لو دفع بنفسه إلى الفقير، ونسي، ثم نوى بعده - لم يجز؛ ونية الوكيل لا تقوم مقام نيته.
ولو دفع إلى الإمام ولم ينو، فالمذهب: أنه لا يجوز؛ كما لو دفع إلى الوكيل، ونية الإمام لا تقوم مقام نيته.
وقيل: إذا دفع إلى الإمام ولم ينو، جاز؛ لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض؛ فاكتفى بهذا الظاهر عن النية. والأول أصح؛ لأن الإمام نائب الفقراء.
[ ٣ / ٦٣ ]
ولو دفع إلى الفقير ولم ينو لم يجز، كذلك إذا دفع إلى نائبه. ولو امتنع رب المال عن أداء الزكاة، فللإمام أن يأخذها منه كرهًا. ثم إن نوى رب المال حالة أخذه، سقط عنه الفرض؛ ظاهرًا وباطنًا؛ وإن لم ينو رب المال؛ نر؛ إن نوى الإمام يسقط عنه الفرض ظاهرًا؛ حتى لا يبنى عليه. وهل يسقط في الباطن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يسقط؛ لأنه لم ينو، والباقي سقط، ونية الإمام تقوم مقام نيته؛ كنية الولي في إخراج زكاة اليتيم تقوم مقام نية المالك. وإن لم ينو واحد منهما لم يسقط الفرض عنه في الباطن، وهل يسقط في الظاهر؟ فيه وجهان.
وكذلك المتغلبون كأهل البغي والخوارج إذا أخذوا الزكاة العشر كرهًا، لا تجوز في الظاهر، وهل تسقط في الباطن؟ وفيه وجهان؛ كالإمام يأخذ من الممتنع.
أما المساكين إذا أخذوا الزكاة من رب المال قهرًا عند امتناعه، لا يسقط الفرض عنه؛ لأنهم ليس لهم ولاية القهر. ولو كان ماله غائبًا مثلًا: مائتا درهم، فأخرج خمسة، أو أربعون شاة؛ فأخرج شاة، فقال: إن كان مالي سالمًا فهذا زكاته، وإلا فهو تطوع، فن كان سالمًا جاز عن زكاته، وإلا كان تطوعًا؛ لأن إخراج الزكاة عن الغائب هذا يكون. وإن لم يقله؛ حتى لو أخرج خمسة عن ماله الغائب، فبان ماله تالفًا كان تطوعًا، ولا استرداد له، إلا أن يشترط؛ فيقول: إن كان مالي سالمًا فهذه زكاته، وإلا فأرجع، فإن بان تالفًا له الرجوع؛ كمن أعتق رقبة عن كفارته، ثم ظهر به عيب يمنع الجواز عن الكفارة لا يرد العتق. فإن شرط؛ فقال: أعتقه عن كفارتي جاز، وإلا فهو رقيق؛ فظهر به عيب يمنع الجواز عن الكفارة- كان رقيقًا. أما إذا أخرج خمسة؛ فقال: هذه زكاة مالي الغائب؛ إن كان سالمًا، أو نافلة؛ فبان سالمًا - لم يجز عن الكفارة؛ لأنه لم يجزم النية، بل رددها بين الفرض والتطوع.
ولا يجب تعيين النية في الزكاة؛ حتى لو كان نصابان من المال: أحدهما حاضر، والآخر غائب؛ مثل: أن ملك أربع مائة درهم مائتان حاضرتان، ومائتان غائبتان؛ فأخرج خمسة دراهم عن أحدهما، ولم يعين، ثم أخرج خمسة أخرى - جاز. وكذلك لو ملك أربعين شاة، وخمسًا من الإبل؛ فأخرج شاتين بنية الزكاة، ولم يعين - جاز.
ولو أخرج خمسة وقال: هذا عن مالي الغائب إن كان قائمًا، وألا حق الحاضر، فإن كان الغائب قائمًا وقع عنه، وألا وقع عن الحاضر.
ولو أخرج خمسة مطلقًا، ثم بان تلف أحد المالين، أو تلف بعده - له أن يحتسبها عن الآخر. ولو عين عن أحد المالين، ثم بان تلفه، لم يكن له صرفه إلى الآخر.
[ ٣ / ٦٤ ]
ولو قال: هذه عن مالي الغائب أو الحاضر، يجوز؛ لأنه نوى عن الفرض، وإن لم يعين بخلاف ما لو قال: عن مالي، أو عن نافلة، لم يجز.
ولو أخرج خمسة، وقال: ن كان مات أبي، وورثت ماله، فهذه زكاته؛ فبان موت الأب - لا يحسب عن الزكاة؛ لأن الأصل حياة الأب؛ بخلاف الغائب إذا شك في تلفه؛ لأن الأصل ثم بقاء المال.
"فصلٌ: في إخراج القيم في الزكاة"
لا يجوز إخراج القيم في الزكوات، إنما يجب ما ورد به الشرع.
وعند أبي حنيفة، يجوز أن يعطي أي جنس شاء؛ باعتبار القيمة؛ حتى يجوز البعير عن البعير، والكلب عن الشاة، وجوز شاة سمينة عن شاتين؛ باعتبار القيمة، ولم يجوز صاعًا جيدًا عن صاعين رديئين، وقال: لأن الجودة لا قيمة لها في دواب الأمثال؛ بدليل أنه يجوز بيع صاع جيد بصاع رديء.
وجوز مالك أحد النقدين عن الآخر، ولا يجوز إخراج المكسر عن الصحاح إذا كان بينهما تفاوت، ويجوز إخراج الصحيح عن المكسر ويجب بوزن المكسر مثل: أن وجبعليه دينار مكسر، وخمس دوانق صحاح بمقابلة دينار مكسر - يجب عليه إخراج دينار، ولا يجوز أن ينقص عن الوزن؛ لفضل الصحيحة.
باب ما يسقط الصدقة عن الماشية
لا يجب الزكاة في النعم، إلا أن تكون سائمة في حميع الحول؛ لما روي عن أنس؛ أن أبا بر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله - ﷺ - وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة؛ ولأن العوامل المعلوفة لا تقتني للنماء، إنما تقتنى للاستعمال؛ فلا يجب فيها الزكاة؛ كثياب البدن، ومتاع الدار؛ لأن علفها ربما يقوم بفوائدها، ووجوب الزكاة في المال؛ لحصول الفوائد. أما العوامل والنواضح إذا كانت سائمة، هل يجب فيها زكاة؟ وهان:
أصحهما: يجب؛ كغير العوامل.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يجب؛ لأن العمل ينقص الدر والنسل؛ وإن كانت سائمةن فعليها في أثناء الحول قصدًا، وإن قل ينقطع الحول، على أصح الوجهين.
[ ٣ / ٦٥ ]
وقيل: لا ينقطع؛ حتى يبلغ العلف قدرًا لا يبقى الحيوان دونه. ولو علفها لا عن قصد؛ بأن ركب واحدة منها إلى البلد؛ لحاجة؛ فألقى بين يديها علفًا أو علفها يومًا أو يومين بعذر الثلج- فهل ينقطع الحول؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينقطع؛ لوجود العلف.
والثاني: لا ينقطع؛ كما لو لبس ثوب التجارة لا بنية القنية، لا تسقط الزكاة. ولو كانت له سائمة؛ فنوى أن يعلفها، لا تصير معلوفة بمجرد النية؛ حتى يعلف. وكذلك لو كانت له معلوفة، ونوى أن يسميها، لا تصير سائمة، حتى يسيمها. ولو كانت له سائمة؛ فغصبها غاصب وعلفها، هل ينقطع الحول فيه وهان:
أصحهما: ينقطع؛ لارتفاع شرط الزكاة؛ وهو السوم، كما لو ذبح الغاصب شاة من النصاب قبل الحول؛ حتى انتقص النصاب، انقطع الحول.
والثاني: لا ينقطع؛ كما لو غصب ذهبًا وصاغ منه حليًا، لا ينقطع به الحول. من قال بالأول، فرق بأن صياغة الغاصب محرمة؛ فمل يكن لها حكم، والعلف غير محرم؛ فقطع الحول؛ كعلف المالك. وعلى عكسه: لو غصب معلوفة وأسامها الغاصب حولًا، وقلنا: يجب الزكاة في المال المغصوب؛ فهاهنا وجهان:
أحدهما: تجب الزكاة؛ لأنها كانت سائمة حولًا، وإن لم يقصد المالك؛ كما لو غصب حنطة فزرعها، وجب العشر فيها.
والثاني: لا يجب؛ لأن المالك لم يقصد إلى إسامته، كما لو رتعت الماشية بنفسها، وليس كالحنطة؛ لأن القصد إلى الزراعة، ثم ليس شرط. وكذلك قلنا: لو تبدد طعامه فنبت، وجب العشر فيه. وقيل: إذا ضلت ماشية سنة فرتعت، ففي وجوب زكاتها وجهان:
فإن قلنا: إذا أسامه الغاصب، يجب فيه الزكاة، فعلى من تجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: على الغاصب.
والثاني: على المالك؛ لأن نفع خفة المؤنة عائد إليه؛ فعلى هذا: إذا خرج المال، هل يرجع على الغاصب؟ فيه وجهان:
ولا تجب الزكاة على المتولد بين الظباء والأغنام، ولا في المتولد بين البقر الأهلي والوحشي؛ لأنه لم يتمخض نعمًا؛ ما لو ملك عشرين ضأنًا وعشرين ظبيًا. وكما لا يسهم للبغل من الغنيمة؛ لأنه لم يتمخض فرسًا.
وعند أبي حنيفة: إن كانت الأم من الأغنام، وتشبه خلق الشياه -يجب فيها الزكاة،
[ ٣ / ٦٦ ]
ولا تجب في غير النعم من الحيوانات؛ كالخيل والبغال والحمير والعبيد.
وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في الخيل إذا كانت كلها أو بعضها إناثًا - قال: يجب في كل فرس سائمة دينار. والحجة عليه: ما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ - قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
وهل يجب في الماشية الموقوفة الزكاة، إن قلنا بظاهر المذهب -: إن الملك في الوقف زال إلى الله تعالى، فلا يجب.
وإن قلنا: للموقوف عليه، فيه وهان:
أحدهما: يجب؛ كسائر أملاكه.
والثاني: لا يجب؛ لأن مِلكه عليها ضعيف؛ بدليل أنه لا يملك التصرف فيه.
"باب المبادلة بالماشية"
إذا بادل المال الزكوي في خلال الحول، ينقطع الحول؛ سواء بادل بجنسه؛ كالإبل بالبقر، والغنم بالدراهم والدنانير، وكذلك لو بادل بعض النصاب؛ حتى بقي في ملكه أقل من نصاب؛ بخلاف حول التجارة - لا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة، والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر. فإن
[ ٣ / ٦٧ ]
قصد بالمبادلة الفرار من الصدقة، يكره، وإلا فلا تكره، وفي المحالين ينقطع الحول.
وقال مالك: إن قصد بالمبادلة الفرار لا ينقطع الحول، وإن لم يقصد ينقطع، إلا أن يبادل بجنسه؛ فلا ينقطع.
وعند أبي حنيفة: مبادلة بعض النصاب بالجنس لا تقطع الحول؛ بناء على أصلين له؛ وهو أن نقصان النصاب في أثناء الحول عنده يقطع الحول، والمستفاد يبني حوله على حول ما عنده. ولو بادل مبادلة فاسدة، لا ينقطع الحول؛ سواء سلم إلى المشتري، أو لم يسلم. فإن علفها المشتري، فهو كعلف الغاصب، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان.
وإن كانت معلوفة؛ فأسامها المشتري، فهو كما لو أسامها الغاصب. وإذا بادل مبادلة صحيحة، ثم رده المشتري بعيب، أو تقايلا قبل مضي الحول في يد المشتري - فالمردود عليه يستأنف الحول؛ سواء رد بعد القبض، أو قبله.
وعند أبي حنيفة: إن رد قبل القبض، أو بعده بقضاء القاضي، ينبني على الحول الأول. ولو أقامت حولًا في يد المشتري، فقد وجبت عليه الزكاة؛ فإذا ردها بعيب قديم نظر: إن كان قبل أداء الزكاة، لم يكن له ذلك؛ لتعلق حق الزكاة بها؛ سواء قلنا: تتعلق الزكاة بالعين، أو بالذمة؛ لأن الساعي يجوز له أخذ الزكاة من عينها؛ كمن اشترى عبدًا؛ فجنى في يده جناية، لم يكن له رده بعيب قديم يجده به؛ لتعلق أرش الجناية برقبته.
ولا فرق بين أن تكون سائمة تجب الزكاة في عينها، أو عرضًا للتجارة تجب الزكاة في قيمتها؛ لأنه إذا تعذر أخذها من المشتري تؤخذ من عينها، وإن كان المشتري أدى الزكاة؛ نظر: إن أدى من موضع آخر غير هذا المال، فله ردها بالعيب، وإن أدى من غير هذا المال، فهل له رد الباقي، واسترداد حصته من الثمن. فعلى قولين؛ كما لو اشترى عينين، فهلكت أحداهما في يده، ووجد بالأخرى عيبًا - هل له ردها؟ فيه قولان.
فإن قلنا: لا يرد، يسترد أرش العيب.
ولو باع المال الزكوي في خلال الحول، يشترط الخيار، ففسخ البيع إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع، أو موقوف - ينبني على حوله، وبالبيع لم ينقطع الحول.
وإن قلنا: للمشتري، يستأنف البائع الحول.
ولو باع وقد قرب الحول؛ فتم الحول في زمان الخيار، فإن قلنا: الملك للبائع في زمان الخيار، تجب الزكاة على البائع، وإن تم البيع. ثم هو كما لو باعه بعد وجوب الزكاة.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا زكاة على البائع، لأن ملكه قد زال قبل الحول،
[ ٣ / ٦٨ ]
فإذا فسخ البيع، يستأنف الحول.
وإن قلنا: الملك موقوف، فإن فسخ البيع تجب الزكاة على البائع، وإن تم فلا يجب على أحد، والمشتري يبتديء الحول.
أما إذا باع المال الزكوي بعد الحول، ووجوب الزكاة فيه [و] قبل أدائها - هل يصح، أم لا؟ إن قلنا: تتعلق الزكاة بالذمة، يصح بيعه، والمشتري بالخيار: بين فسخ البيع، وإجازته، لأن الساعي أخذ الزكاة من عينه، فإن أدى البائع الزكاة من موضع آخر، سقط خيار المشتري، وإن أخذ الزكاة من عينه، بطل العقد فيما أخذه الساعي، وفي الباقي قولان.
فإن قلنا: لا تبطل، فله الخيار إن كان جاهلًا بالحال، فإن أجاز لا يجب إلا بحصة ما بقي من الثمن.
وإن قلنا: تتعلق الزكاة بالعين، فالبيع باطل في قدر الزكاة، وفي الباقي قولان. بناء على قولي تفريق الصفقة.
ولا نعني بقولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين: أن المساكين ملكوا واحدًا منها بعينها، بل نعني به: أنهم ملكوا من الكل جزءًا يتعين ذلك بالإخراج في واحدة؛ كما يتعين حق الشريك بالقسمة.
فإن قلنا: يصح في الباقين فللمشتري الخيار: بين فسخ العقد في الباقي، وبين الإجازة بحصته من الثمن، فإذا أدى البائع الزكاة من موضع آخر لا يسقط خياره؛ لأن العقد لا ينقلب صحيحًا في قدر الزكاة.
وإن قلنا: بطل العقد في الكل، فلأي معنى بطل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لأنه جمع بين الحلال والحرام.
والثاني: لجهالة الثمن؛ لأن الثمن يوزع عليهما؛ باعتبار القيمة، فلا يدري حالة العقد كم يقابل ما يصح فيه العقد؟
ولو باع ثمر حائط وقد وجب فيه العشر؛ نظر: إن قال: بعتك إلا العشر يصح، وإن باع الكل، فهو كما ذكرنا.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، يصح البيع في الكل، وللمشتري الخيار، وإن أدى البائع العشر من موضع آخر سقط خياره.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، لا يصح، وهل يصح في الباقي؟ ترتب على الماشية.
إن قلنا هناك: يصح، فهاهنا أولى، وإلا فقولان؛ بناء على المعنيين: إن قلنا:
[ ٣ / ٦٩ ]
المعنى هناك: أنه جمع بين الحلال والحرام، فهاهنا لا يصح.
وإن قلنا: جهالة الثمن، يصح؛ لأنه معلوم بالحراثة؛ فيلزمه تسعة أعشاره، وله الخيار، وبأداء الزكاة من موضع آخر لا يسقط خياره، وفي الموضعين قول آخر: أنه إذا جاز العقد فيما صح فيه العقد يخير بجميع الثمن.
والأصح: أنه يخير بحصته، هذا إذا باع قبل الخرص، فإن باع بعد الخرص: إن قلنا: الخرص غيره، فهو كما لو باع قبل الخرص.
وإن قلنا: تضمين، صح بيع الكل؛ لأن حق المساكين صار في ذمته بالخرص. ولا فرق في بيع الماشية التي وجبت فيها الزكاة بين أن يكون الواجب فيها من جنسها، أو من غير جنسها؛ مثل: خمس من الإبل يجب فيها شاة.
وحكم بيع مال التجارة إذا وجب زكاته حكم الثمار؛ على الصحيح من المذهب؛ بدليل سقوط الزكاة عن جميعها إذا هلك المال قبل إمكان الأداء، وقبل زكاة - التجارة، وزكاة المواشي إذا كانت صدقتها من غير جنسها لا يمنع البيع؛ والأول أصح. ولو رهن ماشية وجبت فيها الزكاة فكالبيع: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، صح الرهن، وللمرتهن الخيار في فسخ البيع، إن كان الرهن مشروطًا وكان جاهلًا به، فإن أدى الزكاة من موضع آخر سقط خياره.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، لا يصح في قدر الزكاة أو في الباقي هل يصح ترتب على البيع.
إن قلنا: يصح البيع، يصح الرهن.
وإن قلنا: لا يصح البيع، ففي الرهن قولان؛ بناء على المعنيين.
إن قلنا: المعنى في البيع الجمع بين الحلال والحرام، لا يصح.
وإن قلنا: جهالة الثمن، يصح؛ لأنه لا عِوض للرهن؛ ليصير مجهولًا.
فإن قلنا: لا يصح الرهن، فإن كان الرهن مشروطًا في البيع، هل يبطل البيع ببطلان الرهن؟ فيه قولان.
فإن قلنا: لا يبطل، فللمرتهن الخيار إن كان جاهلًا، وبأداء الزكاة من موضع آخر لا يسقط خياره.
أما الماشية المرهونة إذا جال عليها الحول يجب فيها على الراهن الزكاة، فإن أدى من موضع آخر بقي الرهن فيها، وإن لم يؤد فللساعي أخذ الزكاة منها، فإن كانت الزكاة من غير
[ ٣ / ٧٠ ]
جنسها مثل خمس من الإبل - فيباع جزء منها في الزكاة. ثم إذا أخذت الزكاة منها، فإن قلنا: تتعلق الزكاة بالذمة، يجب على الراهن أن يرهن قيمته مكانه، أو مثله إن كان مثليًا.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، لا يجب أن يرهن قيمته مكانه، ولا خيار للمرتهن؛ لأن استحقاق الزكاة طرأ على دوام الرهن؛ كما لو هلك الرهن بعد القبض.
"فصل في مسائل متفرقة"
إذا اشترى نصابًا من الماشية، ولم يقبض؛ حتى مضى حول في يد البائع -هل يجب الزكاة على المشتري؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالمغصوب.
ومنهم من قال - وهو المذهب -: يجب عليه الزكاة؛ لأنه يقدر على أخذه من البائع فيها متى شاء؛ بخلاف المغصوب.
ولو أصدق امرأته نصابًا من الماشية مثلًا: أربعين شاة ملكتها المرأة بالعقد، فإذا مضى حول، تجب عليه الزكاة؛ سواء قبضت أو لم تقبض، دخل بها الزوج أو لم يدخل؛ وسواء قلنا: الصداق في يد الزوج مضمون عليه ضمان العقد، أو ضمان اليد، هذا هو المذهب.
وإذا قلنا: ضمانه ضمان العقد، يخرج فيه الطريق الذي ذكرنا في البيع قبض القبض؛ أنه على قولين؛ كالمغصوب.
وعند أبي حنيفة: إن كان قبل القبض لا يجب عليها زكاته؛ لأنه له نصفه لو طلقها. قلنا: هذا المعنى موجود بعد القبض قبل الدخول، ويجب فيه الزكاة كذلك قبل القبض. ثم إذا طلقها الزوج قبل الدخول؛ نظر: إن طلقها قبل الحول، عاد إلى الزوج نصفها، فإن لم يميزا فحكم الخلطة ثابت بينهما. فإن تم الحول من يوم الإصداق، يجب على المرأة نصف شاة، وإذا تم من يوم الطلاق، يجب على الزوج نصف شاة. وإن طلقها بعد الحول؛ نظر: إن لم تؤد المرأة الزكاة، عاد نصفها إلى الزوج شائعًا، ثم إذا جاء الساعي وأخذ من عينها شاة، رجع الزوج عليها بنصف قيمتها؛ لأن الزكاة كانت عليها. فإن أدت المرأة الزكاة؛ نُظر: إن أدت من موضع آخر أخذ الزوج نصف الشاة، وإن أدت من عينها، فالزوج كيف يأخذ حقه؟ فيه أقوال:
أحدها: يأخذ حقه فيما بقي مثلًا: كانت قيمة النصاب أربعين شاة فالزوج يأخذ عشرين شاة منها، وتجعل ما أخرجت عن الزكاة من نصيبها.
[ ٣ / ٧١ ]
والثاني: يأخذ نصف ما بقي من الأغنام، ونصف قيمة الشاة التي أخرجت من الزكاة؛ لأن ما أخرجت كان من الحقين شائعًا.
والثالث: هو بالخيار: بين أن يأخذ نصف الباقي، ونصف ما أخرجت في الزكاة، وإن شاء ترك الأغنام إليها، وأخذ نصف قيمة الكل.
ولو ورث رجل مالًا جاريًا في حول الزكاة؛ سائمة كانت أو مال تجارة - هل ينبني حول الوارث على حول الموروث؟ فيه قولان
قال في الجديد - وبه قال أبو حنيفة -: لا بل يبتدئ الوارث الحول من يوم ملك؛ كما لو مله بشراء واتهاب؛ حتى لو كان مال تجارة، فلا ينعقد الحول؛ حتى يتصرف الوارث فيه بنية التجارة.
وقال في القديم ينبني حول الوارث على حول الموروث؛ لأنه يخلفه في الملك؛ حتى إذا تم حول الموروث، تجب الزكاة عليه؛ سواء علم الوارث، أو لم يعلم.
فإن قلنا: لا ينبني وكانت سائمة، ولم يعلم الوارث بموته؛ حتى مضى حول - فهل يجب عليه الزكاة، أم يبتدئ الحول من يوم علمه؟ فيه وجهان؛ بناء على أن القصد إلى السوم هل هو شرط؟ فيه وجهان.
ولو عجل زكاة ماله قبلا لحول، ثم مات، نص الشافعي على أن ورثته يقومون مقامه؛ فأجزأ عنهم ما أجزأ عنه. وهذا جواب على قوله القديم: إن حول الوارث ينبني على حول الموروث.
أما على القول الآخر: لا يجزيء عنهم، وهذا خارج على قول من يجوز تعجيل صدقة عامين؛ فإذا مات الموروث، استأنف الوارث الحول، واحتسب بما عجل أبوه قبل الموت. والأصح: أنه لا يحتسب، بل إذا تم الحول من يوم الموت، يجب عليهم الزكاة.
ولو أوصى لإنسان بنصاب من السائمة، فمات الموصي، وحال عليها الحول من يوم موته قبل قبول الموصى له - إن قلنا يملك الموصى له بالموت، يجب عليه الزكاة، ون كان لو رده يرتد؛ كما لو وهب لابنه سائمة، وسلم؛ فحال الحول عليها - يجب عليه زكاتها، وإن كان للأب الرجوع فيها.
وإن قلنا: الملك في الوصية مُراعى. فإن قيل: [بان] بأنه ملك بالموت، فهل على الموصى لهم زكاته؟ فيه وجهان:
[ ٣ / ٧٢ ]
الأصح: لا يجب؛ لأن ملكه لم يكن مستقرًا عليه.
وإن قلنا: يملك بالقبول، فلا زكاة على الموصى له.
ثم إن قلنا: قبل قبوله باق على مل الميت، فلا زكاة على أحد.
وإن قلنا: ملك الوارث؛ حتى يكون النماء له؛ فهل تجب الزكاة على الوارث؟ فيه وجهان:
الأصح: لا تجب؛ لأنه قد أوجب الملك فيه لغيره.
"فصلُ: في الزكاة في الدين"
إذا كان ماله دينًا على إنسان؛ نظر: إن كان غير لازم مثل: مال الكتابة، لا يلزمه زكاته؛ لأن ملكه غير تام عليه؛ فإن العبد يقدر على إسقاطه.
وإن كان لازمًا؛ نظر: إن كان ماشية، فلا زكاة عليه فيها؛ لأن تعيينها وسومها شرط، وإن كانت دراهم، أو دنانير، أو عروضًا للتجارة -قال في القديم: لا زكاة فيها؛ لأنه ليس عليها حقيقة ملك؛ كملك المكاتب.
وقال في الجديد - وهو المذهب-: إنه ن كان على ملء، وفي مقدرته تجب عليه زكاته، ويجب الإخراج في الحال؛ ما لو كان ماله وديعة عند إنسان يجب عليه زكاته.
وعند أبي حنيفة: يجب، ولكن لا يجب الإخراج في الحال حتى يقبض. وإن كان الدين مؤجلًا، فهل يجب عليه زكاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: حكمه حكم المغصوب، وفيه قولان.
والثاني: يجب عليه قولًا واحدًا؛ لأن التأجيل كان بصيغة. فإن قلنا: يجب، فلا يجب الإخراج ما لم يقبض، فإذا قبض أخرج لما مضى.
وإن كان الدين على معسر فهو كالمغصوب، وإن كان على جاحد؛ نظر: إن كان له بينة عاد له وإن لم يقدر على إثباتها؛ فهو كما لو كان على معسر. وإن كان ماله غائبًا، يجب عليه فيه الزكاة، ثم إن لم يكن الطريق منقطعة، يجب الإخراج في الحال، وإن كان منقطعًا فلا حتى يصل إليه.
وقيل: إن كان الطريق منقطعًا، فكالمغصوب.
فإن قلنا: لا تجب الزكاة في المغصوب والدين، فإن كان في يده أقل من نصاب، وما
[ ٣ / ٧٣ ]
يتم به النصاب مغصوب أودين، فلا زكاة عليه فيما في يده؛ حتى يقبض ما يتم به النصاب، ثم يبتدئ الحول.
وإن قلنا: تجب الزكاة في المغصوب والدين، أو كان ماله غائبًا، ولكن لا يجب الإخراج، حتى يصل إليه، فإن كان في يده أقل من نصاب، أو قبض منهما أقل من نصاب - هل يجب إخراج زكاة ذلك القدر.
إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، لا يجب؛ لأنه ربما لا يصل إليه الباقي.
وإن قلنا: شرط الضمان، يجب؛ لأن هلاك ما لم يصل إليه لا يسقط عنه زكاة القدر الذي في يده.
"فصلٌ: في الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ "
ولو ملك رجل نصابًا من المال الزكوي، وعليه دين يستغرقه، أو ينقص المال عن النصاب - فالدين هل يمنع وجوب الزكاة فيه أم لا فعلى قولين.
قال في الجديد وهو المذهب: لا يمنع وجوب الزكاة؛ فيخرج الزكاة منها، والباقي للغرماء؛ لأنا إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فالذمة تتسع لتعلق حقوق بها.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فالدين الذي في ذمته لا يمنع تعلق الحق بعين ماله؛ كما لو جنى عبده، يتعلق أرش الجناية برقبته، وإن كان عليه دين.
وقال في القديم وبه قال أبو حنيفة: الدين يمنع وجوب الزكاة؛ لأن المال الذي في يده بغرض الانتزاع من يده لحق الغرماء.
فإن قلنا: يمنع وجوب الزكاة، فلا فرق بين أن يكون الدين لله تعالى؛ كالعشر والكفارة والنذر، أو كان للعباد، وبين أن يكون حالًا أو مؤجلًا لمسلم أو ذمي أو مكاتب، وبين أن يكون من جنس مال الزكاة أو من غير جنسه؛ حتى لو ملك نصابًا من الإبل، ونصابا من البقر، ونصابًا من الغنم، ونصابًا من النقدين، وحصل له نصاب من الزروع والثمار وعليه دين لا من جنس واحد منهم انتقص على الكل، فإن خص كل واحد قدرًا ينتقص النصاب به - لا زكاة عليه في شيء منها على هذا القول.
وقيل: إن كان الدين من جنس تلك النُّصب، يختص بجنسه، وإن كان له مال من مال الفيئة والعقار ما بقي بالدين، فيجب الزكاة في المال الزكوي قولًا واحدًا، وكذلك إذا كان ماله أكثر من نصاب، ودينه لا يزيد على تلك الزيادة، يجب الزكاة في النصاب.
فإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة، فلو حجر عليه القاضي لحق الغرماء، هل
[ ٣ / ٧٤ ]
ينقطع الحول. وهل يمنع الوجوب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يمنع قولًا واحدًا؛ لأنه ضعف ملكه بامتناع الصرف؛ فصار ماله كمال المكاتب، وقد قال الشافعي - ﵀ -: ولو قضى عليه، وجعل لهم ماله؛ حيث وجدوه لم يكن عليه زكاة؛ لأنه صار لهم.
والثاني: على قولين؛ ما قبل الحجر؛ لأن ملكه لم يزل بالحجر، وإن امتنع تصرفه؛ كالمرهون والمراد من النص: أن يتبع الحاكم ماله من الغرماء، وكان معلومًا له ولهم؛ فقد زال بالبيع ملكه، وانقطع الحول.
ولو كان له نصاب من الورق؛ فقال: لله علي أن أتصدق بهذا، أو بعشرة منها؛ فلم يتصدق بها؛ حتى مضى عليه حولٌ - هل يجب عليه زكاتها
من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالدين هل يمنع الزكاة، وكما لو نذر مطلقًا أن يتصدق بعشرة.
ومنهم من قال هاهنا: لا يجب قولًا واحدًا؛ لأن عين ذلك مستحق الصرف إلى المساكين.
ولو وجد رجل نصابًا من المال لقطة، نظر: إن أمسكها المالك، أو عرفها سنة؛ فظهر مالكها قبل أن يختار الملتقط التملك لا شيء على الملتقط وهل يجب على المال زكاته؟ فعلى قولي المغصوب. وإن عرفها سنة، واختار تملكها، فزكاة الحول الأول هل تجب على المالك؟ فعلى القولين.
وأما زكاة سائر السنين بعد اختيار التملك، هل تجب على الملتقط فعلى القولين في أن الدين هل يمنع الزكاة؛ لأن قيمتها دين عليه.
الأصح: أنه يجب. وهل يجب على المالك الزكاة في القيمة التي في ذمة الملتقط؟ فعلى قولي وجوب الزكاة؛ لأن قيمتها دين عليه.
الأصح: أنه يجب. وهل يجب على المالك الزكاة في القيمة التي في ذمة الملتقط؟ فعلى قولي وجوب الزكاة في الدين.
وإذا وقعت الغنيمة في يد الإمام، يجب تعجيل قسمتها إذا لم يكن عذر؛ فإذا عجل قسمتها، فكل من أصابه نصاب من المال الزكوي ابتدأ الحول، ولم يتفق قسمتها؛ حتى مضى حول؛ نظر: إن كان قبل إقرار الخمس، فلا زكاة فيها؛ لأن الغانمين لم يملكوها في قول.
وفي قول: ملكوا ملكًا ضعيفًا؛ بدليل أنه يجوز للإمام أن يخص كل طائفة بنوع من المال، ولو ملكوها لم يجز إبطال حق بعضهم من نوع منها إلا برضاها. أما بعد إقرار الخمس، فلا زكاة في الخمس؛ لأنه ليس لمالك متعين، أما الأربعة الأخماس؛ نظر: إن
[ ٣ / ٧٥ ]
أفرز الإمام نصيب كل طائفة، واختاروا تملكه، أو كانوا محصورين فجعلها لهم، واختاروا تملكه - يجب عليهم الزكاة إذا تم الحول، وكان مجموع النصباء نصابًا؛ كالمال بني الخلطاء، وإن لم يفرز نصيب كل طائفة، ولم يكونوا محصورين، فلا زكاة فيها؛ لأن كل واحد لا يدري ماذا نصيبه من الأعيان، وإن أقرروا وكانوا محصورين ولم يختاروا التملك - فهل عليهم الزكاة؟ فيه وجهان.
فصل
إذا أكرى داره سنة بعشرين دينارًا، فبعد مُضي السنة يجب على الآجر الزكاة في الأجرة إن كانت عينًا، أو كانت دينًا، وقلنا بظاهر المذهب: إن الزكاة تجب في الدين.
ولو أجر داره أربع سنين بمائة وستين دينارًا، فبعد مُضي أربع سنين، تجب زكاة جميعها لأربع سنين؛ وهو ستة عشر دينارًا: وفي كيفية إخراجها قولان
أصحهما يجب عليه أن يخرج كل سنة زكاة حصة ما مضى، ويوقف الأمر في الباقي؛ لاحتمال أن الدار تنهدم، فيجب عليه رد باقي الأجرة، فإذا سلمت حينئذٍ يؤدي عن الباقي حصة ما مضى.
بيانه: يؤدي عند تمام الحول الأول زكاة أربعين دينارًا؛ وهو دينار؛ لأن ملكه استقر على هذا القدر؛ فإذا مضى الحول الثاني يجب عليه زكاة ثمانين دينارًا لسنتين؛ وهو أربعة دنانير، ويحط عنه ما أدى؛ وهو دينار؛ فعليه ثلاثة دنانير. فإذا مضى الحول الثالث عليه زكاة مائة وعشرين لثلاث سنين؛ وهو سبعة دنانير، ويحط عنه ما أدى؛ وهو أربعة دنانير فعليه خمسة دنانير. فإذا مضى الحول الرابع استقر ملكه على الكل؛ فعليه زكاة مائة وستين لأربع سنين؛ وهو ستة عشر دينارًا، ويحط ما أدى؛ وهو تسعة دنانير؛ فعليه سبعة دنانير.
والقول الثاني - وهو اختيار المزني، والبويطي -: يجب عليه أن يؤدي كل سنة زكاة مائة وستين دينارًا؛ لأنه ملك كلها بالعقد، وإن كان يتوهم سقوط بعضها بانهدام الدار؛ كما أن المرأة يجب عليها زكاة الصداق قبل الدخول، وإن كانت تتوهم عود بعضه إلى الزوج بالطلاق.
ولو أكرى داره أربع سنين بعشرين دينارًا - فعلى القول الأصح -لا زكاة عليه ما لم تمض أربع سنين، ثم عليه نصف دينار، ويمضي حول لا ينبني عليه؛ لأنه لا يتم ملكه إلا على ريعها، إلا أن يكون له ذهب مع هذا الريع ناضًا؛ فيجب عليه زكاتها.
وعلى القول الآخر: إذا تم الحول الأول، عليه نصف دينار، ثم لا ينبني عليه بعده؛ لانتقاص النصاب، إلا أن يؤدي الزكاة من موضع آخر؛ فعليه كل سنة نصف دينار.
[ ٣ / ٧٦ ]
باب زكاة الثمار
رُوي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسمل - قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من الثمر صدقة".
لا يجب العشر في الثمار، إلا في ثمر النخيل والكرم؛ لأن الشرع لم يرد إلا به؛ ولأنهما مما يعظم منفعتهما، فإنهما من الأقوات والأموال المدخرة المقتناة؛ كالأنعام. ولا يجب في طلع النخل؛ لأنه ليس بثمر.
وعند أبي حنيفة: يجب في الثمار كلها من التين، والتفاح، والرمان، والسفرجل وغيرها، وفي جميع الخضراوات.
[ ٣ / ٧٧ ]
وعند أبي يوسف ومحمد: يجب في الثمار، ولا يجب في البقول والخضراوات. وأوجب الشافعي في القديم العشر في: الزيتون والورس والقرطم وهو حب العصفر.
واختلف قوله في القديم في الزعفران والعسل، فقال: من أوجب العشر في الورس يحتمل أن يوجب في الزعفران لنهما طيبان ويحتمل ألا يوجب؛ لأن الورس شجر له ساق، والزعفران نبات؛ فإن أوجبنا في الورس والزعفران يجب في قليله وكثيره؛ لأنه لا يوسق.
ولا يجب في الزيتون حتى يكون خمسة أوسق، ويخرج من الزيتون. ويجوز أن يخرج من الزيت؛ فإنه أنفع من الزيتون؛ فإن أوجبنا في العسل، يخرج من كل عشر قرب قربة. والمذهب الأول: أنه لا يجب في شيء منها الزكاة، إلا في تمر النخيل والكرم، ويشترط فيه النصاب؛ وهو أن يون تمر النخل قدرًا يحصل منه خمسة أوسق من التمر، وتمر الكرم قدرًا يحصل منه خمسة أوسق من الزبيب.
والزكاة وجوبها بُدُرُّ الصلاح، والنصاب يعتبر بعد الجفاف، والوسق ستون صاعًا كل صاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث؛ فيكون الوسق؛ مائة وستون صاعًا، وجملة الأوسق الخمسة ثمانمائة من وهو للتحديد أو للتقريب؟ فيه وجهان:
أحدهما: للتقريب؛ فإن انتقص منه شيء وإن قل لم تسقط الزكاة؛ لأن حمل البعير يزيد وينقص.
والثاني: للتحديد، فإن انتقص منه شيء - وإن قل - لا تجب الزكاة، ثم ما زاد على هذا يكون بحسابه. ولا وقص للمعشرات بخالف المواشي؛ لأنا لو أجبنا فيما زاد على النصاب بحسابه في المواشي، تثبت الشركة لجماعة في شاة واحدة، ويعتبر واحد؛ وفيه ضرر على أرباب الأموال، ولا ضرر فيه على أرباب الثمار والزروع؛ لأنها تجزئ.
وعند أبي حنيفة: لا نصاب للمعشرات؛ حتى يجب في عشر ثمرات ثمرة، وفي عشر حبات حنطة حبة. وأبو يوسف اشترط النصاب فإذا أثمرت نخلة عامًا، ولم يبلغ نصابًا، ثم أثمرت عامًا آخر - لا يضم ثمر العام الثاني إلى الأول في تكميل النصاب؛ وإن كان إطلاع ثمر العام الثاني قبل أن يجد تمر العام الأول.
وإن كانت له نخيل تثمر في كل عام مرتين، لا يضم الحمل الثاني إلى الأول؛ لأن كل حمل كثمرة عام آخر. أما إذا أدرك بعض ثماره قبل بعض في عام واحد؛ مثل: أن يكون له نخيل تهامية ونخيل نجدية؛ فربما يدرك التهامية والنجدية بعد بُسر وبلح -فهل يضم أحداهما إلى الأخرى في تكميل النصاب؟ نظر: إن أطلعت النجدية قبل بدو الصلاح في التهامية، يضم؛ لأن النجدية موجودة يوم وجوب الزكاة في التهامية، وإن أطلعت النجدية
[ ٣ / ٧٨ ]
بعد بُدُو الصلاح في التهامية قبل جُذادها - ففيه أوجه:
أصحها: لا يضم أحداهما إلى الأخرى؛ كثمرة عامين.
والثاني: يضم؛ كما لو أطلعت قبل بدو الصلاح في التهامية.
والثالث: إن أطلعت النجدية قبل بُلُغ التهامية أوان الجُذادِ يضم، وإن أطلعت بعده فلا يضم؛ كما لو أطلعت بعد الجُذَادِ فلا يضم؛ فحيث قلنا: يضم: فجُذتِ التهامية، ثم أطلعت التهامية ثانيًا قبل جُذَادِ النجدية لا يضم، وإن كان قبل بُدُو الصلاح في النجدية؛ لأنا جعلنا النجدية من تمر العام الأول؛ حيث ضممناها إليها من الأول؛ فلا يضم إلى تمر عام آخر، ولا يضم التمر إلى الزبيب؛ لاختلاف الجنس، وإن كان في حائط أنواع من التمر من البردي والكبيس والجعرور يضم بعضها إلى بعض في النصاب، وكذلك أنواع العنب يضم بعضها إلى بعض. ثم إن قل كل نوع منها أخذ الزكاة من الوسط، وإن كثر كل نوع منها نظر؛ إن كثر عدد الأنواع؛ بحيث يشق الأخذ من كل نوع أخذ من الوسط، وإن قل عدد الأنواع، وكثر كل نوع منها- أخذ من كل نوع بحصته، ولا تترك الأنواع إلى نوع واحد.
وإن كان في حائطه رطب؛ لا يصير تمرًا، أو عنب؛ لا يصير زبيبًا - يجب فيه العشر. وكيف يعتبر نصابه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط أن يكون الرطب قدرًا لو كان يتجفف لحصل منه خمسة أوسق من التمر، وكذلك العنب؛ لأن اعتبار النصاب يكون بعد الجفاف؛ كالذي يصير تمرًا.
والثاني: إذا كان الرطب أو العنب خمسة أوسق، يجب فيها الزكاة؛ لأنه ليس لهذه التمرة حالة جفاف، فلا يعتبر تلك الحالة ولا خلاف أنه يضم الذي لا يصير تمرًا إلى الذي يصير تمرًا في حق النصاب، وكذلك العنب الذي لا يصير زبيبًا يضم إلى الذي يصير زبيبًا.
"فصلٌ: في خرص الثمار"
روي عن عتاب بن أسيد؛ أن رسول الهل - ﷺ - قال: "في زكاة الكرم يُخرص كما
[ ٣ / ٧٩ ]
يُخرص النخيل فيؤدي زكاته زبيبًا؛ كما يؤدي زكاة النخل تمرًا".
الزكاة تجب فيتمر النخل والكرم ببدو الصلاح؛ وهو أن يظهر فيه أثر الحمرة والصفرة، وبتموه العنب، وفي الزروع باشتداد الحب.
وإذا بدا الصلاح في الثمار، يبعث الإمام من يخرصها على أربابها، والخرص يكون في الثمار لا في الزروع؛ لأنه لا يمكن الوقوف عليها.
ويشترط أن يكون الخارص مسلمًا عدلًا عالمًا بذلك الأمر. وهل يكتفي بخارص واحد، أميشترط أن يكون اثنان؟ فيه قولان؛ كالقاسم:
[ ٣ / ٨٠ ]
أحدهما: يكتفي بالواحد؛ القائف والقاضي.
والثاني: يشترط اثنان؛ كالمقوم والمزكي.
[ ٣ / ٨١ ]
روي أن رسول الله - ﷺ - سامى أهل خيبر على نصف التمر والزرع، وكان يبعث عبدالله بن رواحة، فيخرص بينه وبينهم.
[ ٣ / ٨٣ ]
وروي أنه كان يبعث مع عبد الله بن رواحة غيره فيطوف الخارص بالنخيل والكرم؛ فيرى جميع ثمارها لا يرى بعض الأشجار، ويقيس عليها الباقي؛ لأنها تتفاوت. وإذا رأى الكل، يقول: رطب هذه النخيل كذا، ويحصل منه من الثمر كذا، وكذلك العنب. ثم بعد الخرص يخلي بينها وبين المالك، فإذا صار تمرًا أو زبيبًا أخذ عُشرها. ولا يجوز الخرص قبل بُدو الصلاح، وإذا بدا الصلاح في بعضه، فهو كما لو بدا في كله في جواز الخرص إن كان النوع واحدًا. وإن كان النوع مختلفًا؛ فبدا الصلاح في أحد النوعين، هل يجوز خرص الكل؟ فيه وجهان.
ولا يجوز بعد بُدُو الصلاح للمالك أن يأكل منه شيئًا، ولا أن يتصرف فيه ما لم يخرص عليه. فإن لم يبعث الحاكم خارصًا، أو لم يكن حاكم، يتحاكم رب المال إلى عدلين يخرصان عليه. والخرص تضمين؛ على أصح القولين، فبعد الخرص بقول الخارص
[ ٣ / ٨٤ ]
لرب المال ضمنتك نصيب المساكين من الرُّطب؛ لتعطي مكيلة خرصي، ويقبله رب المال.
ثم بعد الخرص يجوز لرب المال بيع كله، وأكل كله وحق المساكين في ذمته.
وفيه قول آخر: أن الخرص غيره؛ لأنه ظن؛ فلا يصير به حقهم في ذمته. فعلى هذا: لا يتصرف المال إلافي تسعة أعشارها. والأول أصح.
وعند أبي حنيفة: لا حكم للخرص، وربما يقولون: الخرص تخويف لرب المال. الحديث حجة عليه.
ولو أصابت الثمار جائحة، أو سرق من الشجرة، أو من الجرين قبل الجفاف - نظر: إن سرق الكل، أو ذهب الكل بجائحة، فلا زكاة عليه؛ وإن ذهب البعض؛ نظر: إن كان الباقي نصابًا، فعليه زكاة ما بقي، وإن كان أقل من نصب يُبنى على أن إسكان الأداء شرط الوجوب، أم شرط الضمان
إن قلنا: شرط الوجوب، لا زكاة عليه.
وإن قلنا: شرط الضمان، يجب عليه حصة ما بقي من الزكاة.
أما إذا سرق بعد الجفاف، وإن كان الأداء، أو ترك في الجرين أكثر من العادة؛ حتى سرق - يجب عليه زكاة الكل؛ كما لو ضيعه حتى سرق؛ فإن ادعى رب المال هلاك الثمرة؛ نظر: إن ادعى بسبب خفي من سرقة، أو جائحة أصابت بعض ماله، قُبِلَ قوله مع يمينه؛ واليمين مستحبة أم واجبة؟ فيه وجهان.
فإن ادعى أمرًا ظاهرًا من نهب، أو غارة، أو جائحة عامة، وعرف ذلك - صدق بلا يمين؛ وإن لم يعرف، لم يقبل قوله إلا ببينة. وإن عرف، ولم يعم، واحتمل أنه لم يصبه - حلف.
وإن ادعى إجحافًا في الخرص؛ نظر: إن ادعى أن الخارص تعمد ذلك لم يقبل؛ كما لو ادعى على الحاكم الميل وعلى الشاهد الكذب - لا يقبل إلا ببينة.
وإن ادعى أنه غلط في الخرص؛ نظر: إن لم يتبين المقدار لم يسمع، وإن تبين نظر؛ إن ادعى غلط محتملًا؛ مثل: أن ادعى في مائة وسق غلط خمسة أوسق، يقبل، فإن أبهم أحلف. واليمين مستحبة، أم واجبة؟ فيه وجهان.
[ ٣ / ٨٥ ]
وإن ادعى نقصانًا فاحشًا لا يقع بمثله الغلط؛ كالثلث والربع - لا يقبل، ويحط عنه القدرُ المحتمل؛ على أصح القولين.
وقيل: لايحط؛ دعواه محال.
ولو ادعى بعد الكيل غلطًا في الخرص يسيرًا بقدر ما يقع بين الكيلين - فهل يحط؟ فيه وجهان:
أصحهما: يحط؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، والإحالة على الخرص أولى.
والثاني: لا يحط؛ لاحتمال أنه وقع في الكيل، ولعله لو كيل ثانيًا وفي؛ كما لو اشترى حنطة مكايلة، وباعها مكايلة، فانتقص بقدر ما يقع بين الكيلين -لا يرجع على الأول؛ لأنه كما احتمل أنه لنقص في الأول، احتمل أنه لزيادة في الثاني.
ولو أن رب المال أهلك الثمرة قبل الجفاف، أو أكلها؛ نظر: إن فعل قبل بُدُو الصلاح، فلا زكاة عليه، إلا أنه إن قصد به الفرار من الصدقة كُره، وإن لم يقصد الفرار، بل أراد الأكل والإطعام، أو التخفيف عن الشجرة - فلا يكره. وإن فعل بعد بُدُو الصلاح، ضمن حق المساكين. ثم ينظر إن كان بعد الخرص: فإن قلنا: الخرص تضمين، ضمن عشرة للمساكين تمرًا، وإن قلنا: الخرص غيره، ضمن قيمة عشرة رطبًا.
وإن كان قبل الخرص، ضمن قيمة عشرة رطبًا قولًا واحدًا؛ لأن قبل الخرص لا يصير التمر في ذمته للمساكين، وعُزر على هذا الاستهلاك إن كان عالمًا.
وقيل: إذا قلنا: الخرص تضمين، يجب عشرة تمرًا؛ ل، الثمرة لما بدا صلاحها فإذا تلف، فهو الذي منع الخرص؛ فصار كما لو أتلفه بعد الخرص.
فأما إذا كان رطبًا لا يصير تمرًا؛ فأتلفه بعد الخرص أو قبله - يجب قيمة عشرة رطبًا قولًا واحدًا؛ لأنه ليس له حالة جفاف؛ حتى نوجب التمر.
ولو أصاب حائطه عطش يعلم أنه لو ترك الثمرة على الشجرة احتلبت ماءها وضربها في قابل فله قطع الثمرة؛ لأن المساكين إن تضرروا به في الحال، انتفعوا في قابل. ثم المستحب أن يخبر الإمام؛ حتى يبعث من يقطع بمحضره؛ فيكون نائبًا عن المساكين؛ لأن الثمرة مشتركة بينه وبين المساكين، ثم يأخذ حق المساكين.
ثم قال الشافعي: ويؤخذ ثمن عشرها، أو عشرها مقطوعة: فمن أصحابنا من قال: يتخير الإمام بينهما؛ فيختار باجتهاده ما هو أنفع للمساكين. ومنهم من قال وهو الأصح-:
[ ٣ / ٨٦ ]
ليس هذا على طريق التخيير، بل هو تعليق القول؛ وهو بناء على أن القسمة بيع أم إفراز حق؟
إن قلنا: إفراز حق أخذ عشرة.
وإن قلنا: بيع، فلا يجوز قسمته؛ فيباع الكل، ويأخذ الإمام عشر ثمنه؛ وكذلك العِنب الذي لا يصير زبيبًا، والرطب الذي لايصير تمرًا، أخذ الإمام عشرة مقسومًا: إن قلنا: القسمة إفراز حق. وإن قلنا: بيع، أخذ كله؛ فيكون عشرة للمساكين على الشيوع، ثم باعه مع المالك، وأخذ عشر ثمنه مقسومًا على هذا القول يجب عليه رده، ويكون شريًا في بيعه؛ كما ذكرنا.
ولو اشترى نخلة مثمرة، أو ورثها قبل بُدو الصلاح؛ فبدا فيها الصلاح بعد الشراء والإرث بيوم - يجب عليه العشر. ولو باع نخلة مثمرة من ذمي قبل بُدو الصلاح؛ فبدا الصلاح في يد المشتري، ثم ردها بعيب - لا تجب الزكاة على أحد؛ لأن الثمرة كانت للذمي يوم بدو الصلاح، والذمي لا زكاة عليه. ولو باعها من مسلم، فبدا الصلاح في يد المشتري، ثم وجدبها عيبًا - لا رد له إلا برضا البائع؛ لأنه تعلق بها حق الزكاة، فإن أدى الزكاة من موضع آخر له الرد؛ ولو باعها بشرط الخيار للبائع؛ فبدا الصلاح في زمان الخيار: إن قلنا: المِلك في زمان الخيار للبائع، فالزكاة عليه وإن تم البيع، وإن قلنا: للمشتري فالزكاة عليه، وإن فسخ البيع، وإن قلنا: موقوف، فإن تَمَّ البيع فالزكاة على المشتري، وإن فسخ فعلى البائع.
ولو اشترى ثمرة قبل بُدو الصلاح يشترط القطع؛ فلم يتفق القطع؛ حتى بدا فيها الصلاح - فقد وجب فيه العشر. فإن رضيا بالترك ترك، والعشر على المشتري، وإن لم يتراضيا لا تقطع الثمرة؛ لضرر المساكين. ثم فيه قولان:
أحدهما: يفسخ البيع؛ لتعذر إمضاء البيع، فإن البائع يطالب بالقطع لشرطه، والقطع متعذر لحق المساكين؛ وهذا قول مخرج.
والقول الثاني- وهو الأصح -: لا ينفسخ البيع؛ لأنه عيب لحق المبيع بعد المبيع، بل إن لم يرض البائع بالترك يفسخ البيع بينهما. وإن رضي البائع، وأبي المشتري، ففيه قولان:
أحدهما: يفسخ البيع؛ لأنه اشتراها بشرط القطع، وقد يعذر؛ كالبائع إذا لم يرض يفسخ.
والثاني- وهو الأصح -: لا يفسخ، ويجبر على الترك؛ لأن القطع لحق البائع؛ حتى
[ ٣ / ٨٧ ]
لا تحتلب الثمرة ماء الشجرة، وإذا رضي بالترك ترك. ولو رضي البائع، ثم رجع له ذلك؛ لأن برضاه أعاره النخل من المشتري، وله الرجوع عن العارية؛ فحيث قلنا: ينفسخ البيع ففسخ، على من يجب العشر؟ فيه قولان:
أصحهما: على المشتري؛ لأن بدو الصلاح كان في ملكه ما لو رده بعيب بعد بدو الصلاح.
والثاني: على البائع؛ لأن الفسخ كان بشرطه؛ فصار كما لو لم يخرج عن ملكه.
فإن قلنا: يجب على المشتري، فإذا جاء الساعي، وأخذ من غيره الثمرة، فللبائع أن يرجع على المشتري بما أخذ.
ولو مات رجل، وله نخيل مثمرة؛ سواء كانت مطلعة أو مؤبرة لم يبد فيها الصلاح، وعليه دين؛ فبدا فيها الصلاح - يجب العشر على الورثة؛ لأنها ملكهم قبل أن تباع في الدين؛ بدليل أنهم لو أرادوا إمساكها، وأداء الدين من موضع آخر - يجوز. وإن لم يؤد الورثة الزكاة من موضع آخر، أو لم يكن لهم مال؛ فتقدم الزكاة على حق سائر الغرماء؛ سواء قلنا: الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة؛ كالمرهون إذا وجب فيه الزكاة تقدم حق [سائر] المساكين على حق المرتهن. ثم بعد أداء الزكاة ن لم يف الباقي بالدين، فعلى الورثة أن يغرموا قدر الزكاة من أموالهم للغرماء.
قال الشافعي - ﵀ -: هذا على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فلا يغرمون؛ كما ذكرنا في الرهن.
باب زكاة الزرع
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي - ﷺ - قال: "ليس في حَب ولا ثمرة صدقة؛ حتى تبلغ خمسة أوسق".
ولا يجب العشر في شيء من الزروع، إلا فيما يُقتات غالبًا فيما يزرعه الآدميون، ويدخرونه؛ مثل: الحنطة والشعير والدخن، والذرة، والأرز، والمنج، واللوبيا والفول والعدس والعلس؛ وهو الحنطة الشامية تكون في كمام حبتان والسلت، وهو
[ ٣ / ٨٨ ]
الشعير العاري يكون لونه لون الحنطة، وطبعه طبع الشعير في البرودة.
أما ما لا ينبته الآدميون، وإن كان يقتات في بعض الأوقات؛ كالقت وحب الحنظل والبزور البرية - فلا زكاة فيها؛ كما لا يجب في الحيوانات الوحشية من الظباء وبقر الوحش، وكذلك ما لا يكون قوتا، وإن أنبته الآدميون؛ كالبقول وبزورها والإسيبوش والسمسم والحلبة والجلجلان وبزر الكتان والبطيخ والقثاء والفجل والسلق والجزر والقنبيط وبزورها - فلا زكاة فيها، وكذلك
[ ٣ / ٨٩ ]
الترمس؛ وهو يشبه الباقلي؛ غير أنه أصفر منه. والعصفر والكرسف لا شيء فيها.
وعند مالك: في كل ما يعم منفعته ويدخر؛ كالسمسم، والحلبة، وبزر الكتان، والقطن.
وعند أبي حنيفة: يجب في جميع الخضروات، وكل ما ينبته الآدميون، إلا الحشيش والحطب والقصب الفارسي. أما قصب السكر: قالوا: يجب فيه العشر.
ونحن إنما لم نوجب في غير القوت؛ لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أخذ من غيرها.
ووجوب الزكاة يكون عند اشتداد الحَب، وآداؤه يون بعد الجفاف والتنقية.
والنصاب فيه شرط؛ وهو أن يكون خمسة أوسق بعد التنقية.
والأرز والعلس يدخران مع العشر؛ فلا يجب العشر في واحد منهما؛ حتى يكون خمسة أوسق دون العشر؛ لأنهما لا يُطبخان مع العشر، ولا يؤكلان معه؛ فالعشر منهما بمنزلة التين في الحنطة.
أما الذرة والحنطة فيهما العشر إذا كان خمسة أوسق مع العشر الذي هو نخالة؛ لأنهما
[ ٣ / ٩٠ ]
يُطحنان مع ذلك العشر، ويؤكلان مع تلك النخالة.
وإذا حصل نصاب من الحب، فما زاد يكون بحسابه، وإن كان قليلًا؛ كالثمار.
ولا يضم صنف من الحبوب إلى صنف آخر في تكميل النصاب، ويضم الأنواع بعضها حكم الصورة الثانية حكم ما لو زرع في سنة مرارًا في فصول مختلفة وفيه أقوال. وقال ابن سريج: صورة هذه المسألة في الذرة زرعت فنبت، والتفت؛ فغطى بعضها بعضًا؛ فسنبل ما أصابته الشمس، وحصد، ثم تسنبل ما كان مغطى - ضم الثاني إلى الأول؛ لأن الكل زرع واحد.
وقال ابن إسحاق: حكمه حكم زرع فصلين.
وفيه أقوال: وشبه الشافعي - ﵀ - مسألة الكتاب بما لو اختلف ابتداء البذر؛ بأن بذر البعض، وبذر البعض بعده بشهر - ضم الثاني إلى الأول.
"فصلٌ: في قدر الصدقة"
روي عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سُقي بالنضح نصف العُشر".
[ ٣ / ٩١ ]
يجب في المسقي من الثمار والزروع بماء السماء والبئر الذي يخرج الماء إليه بطبعه من غير أن يحمل إليه مؤنة ثقيلة - العشر، وكذلك في البعل؛ وهو الذي يشرب بعرقه؛ فإن احتاج في سقيه إلى مؤنة ثقيلة، يجب فيه نصف العشر؛ كالمسقي بالنواضح والدواليب؛ وكذلك ذا كان يُسقى من قناة أوعين تكثر مؤنتها؛ بأن كانت لاتزال تنهار ويصوب ماؤها؛ فتحتاج إلى استحداث حفر- فهو كالبئر التي ُنزح منها بالسواقي.
أما إذا لم يكن لها مؤنة أكثر من مؤنة الحفر الأول، وكسحها في بعض الأقات - فسبيله سبيل النهر في وجوب العُشر؛ وذلك لأن مبنى الزكاة على أن المؤنة إذا كثرت خف الواجب، وإذا خفت كثر الواجب؛ وكذلك وجبت الزكاة في الماشية السائمة دون المعلوفة.
وإن كان الزرع يسقى بالجاري، أو بماء السماء مرة، وبالنضح أخرى - نظر: فإن استويا؛ بأن كان نصف عيشه بماء السماء، ونصفه بالنضح- ففيه ثلاثة أرباع العُشر، وإن كان أحدهما أكبر ففيه قولان:
أحدهما: الاعتبار بالأكثر، وإن كان أكثر عيشه بماء السماء ففيه العشر، وإن كان بالنضح فنصف العشر.
والثاني - وهو الأصح-: يقسط على السقيات.
وإن كانثلثا عيشه بماء السماء، وثلثها بالنضح - فعليه خمسة أسداسه العشر: ثلثا
[ ٣ / ٩٢ ]
العشر، وثلث نصف العشر، والاعتبار في معرفة الأكثر بالمدة أم بعدد السقيات
فيه وجهان مثل: أن كان من يوم الزراعة إلى الإدراك ثمانية أشهر، احتاج في ستة أشهر؛ وهو زمان الشتاء والربيع إلى سقيتين، يسقى فيهما بماء السماء، وفي شهرين؛ وهو زمان الصيف إلى ثلاث سقيات، يسقى إلى بعض عند إيقاف الحبس.
وقال مالك: يضم القطنية بعضها إلى بعض، ويضم الحنطة إلى الشعير؛ ولا يُضمان إلى القطنية. وعندنا: لا يضم؛ لأن كل واحد صنف آخر منفرد باسم خاص؛ كما لا يضم الثمر إلى الزبيب، والعلس لا يضم إلى الحنطة ولا إلى الشعير؛ على الوجه الأصح؛ لأنه صنف آخر.
وقال صاحب التقريب: يضم إلى الحنطة؛ لأن لونه لون الحنطة.
وقيل: يضم إلى الشعير؛ لأن طبعه طبع الشعير. والأول المذهب.
ولا يضم زرع عام إلى زرع عام آخر في النصاب؛ كما ذكرنا في الثمار. وإن كان زرعًا يُزرع في سنة واحدة مرارًا؛ كالذرة يزرع في أوقات مختلفة في خريف وصيف وربيع -هل يضم بعضها إلى بعض فيه أربعة أقوال:
أحدها: لا يضم، وزروع الفصول كزروع السنين.
والثاني: إن اجتمع زرع الكل في سنة واحدة، ضم بعضها إلى بعض، وإن كان حصاد الثاني خارج السنة، ونعني بالسنة: اثني عشر شهرًا بالعربية؛ فينبغي أن يكون من وقت الزرع الأول إلى زرع الثاني أقل من ثاني عشر شهرًا؛ لأن الزراعة هي الأصل، والحصاد فرع، والاعتبار بالأصل أولى.
والثالث: الاعتبار بوقت الحصاد. وإن اجتمع الحصادان في سنة واحدة ضم، وإن كان زرع الأول خارجًا من السنة؛ لأنه حالة الوجوب؛ فاعتباره أولى.
والرابع: يشترط أن يكون الزرعان والحصادان في وقت واحد؛ وهو أن يكون بين زرع الأول وحصاد الثاني أقل من اثني عشر شهرًا.
قال الشافعي: والذرة تزرع مرة؛ فتخرج وتحصد، ثم تستخلف في بعض المواضع - فهو زرع واحد.
واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة: منهم من قال - وهو الأصح -: أراد به الذرة الهندية تزرع؛ فتسنبل، ثم تحصد سنابلها، ويبقى ما فيها؛ فيخرج منها سنابل أخر.
والثاني: يضم إلى الأول؛ لأنه زرع واحد؛ بخلاف النخلة إذا حملت في سنة مرتين،
[ ٣ / ٩٣ ]
لا يضم الثاني إلى الأول؛ لأنها أصل يبقى؛ فتثمر سنين.
والذرة زرع لا يبقى سنين، فإذا خرج من ساقها؛ فيكون في حكم الأول مضمومًا إليه؛ كزرع تعجل إدراك بعضه، وتأخر إدراك بعضه.
ومنهم من قال: أراد به غير الهندية من الذرة تسنبل؛ فتقع العصافير على سنابلها، أو على سنابل الهندية؛ فتتبين حباتها، أو تتبين بالريح، ثم تنبت تلك الحبات المنثورة في تلك السنبلة؛ فالكل زرع واحد.
ومن قال بهذا، قال في الصورة الأولى: لا يضم الثاني إلى الأول؛ كالنخلة تثمر مرتين في سنة، لا يضم الثاني إلى الأول.
ومن قال بالأول، قال بالنضح. فمن اعتبر عدد السقيات، قال عليه نصف العشر؛ لأن عدد السقيات بالنضح أكثر، ومن اعتبر الزمان قال: عليه العشر؛ لأن مدة السقي بماء السماء أطول، وإن جهل عدد الذي سقي بل واحد منهما جعلا نصفين، فعليه ثلاث أرباع العشر.
ولو زُرع زَرع على الماء الجاري، فانقطع الماء؛ فاحتيج إلى سقيه بالنضح، أو زرع على النضح؛ فجاء السيل فسقي به - فهل يتعين حكم مازرع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعتبر؛ لأن الأصل ما زرع عليه، وما حدث نادر؛ فعلى هذا: إن كان مزروعًا على ماء السماء، ففيه العشر، وإن كان على النضح، فنصف العشر، ولا عبرة بما حدث من بعد.
والثاني - وهو الأصح -: يتغير، ثم الاعتبار بالأغلب، أم يقسط؟ فعلى القولين.
وإذا أراد الساعي أخذ العشر كان تسعة آصع لرب المال وصاع للمساكين وفي نصف العشر أن لرب المال تسعة عشر صاعًا ثم صاعًا للمساكين؛ وإنما بدأنا بالمالك؛ لأن حقه أكثر؛ ولأن نصيب الماسكين يظهر بنصيب رب المال. فإن لم يكن لرب المال شيء، فما زاد يُكال للمساكين، ولا يؤخذ العشر من الزرع، إلا بعد الجفاف والدياسة والتنقية من التبن؛ كما لا يؤخذ من ثمر النخل والكرم إلا بعد الجفاف. وإن أخذ قبله عليه رده؛ إن كان قائمًا، أو قيمته؛ إن كان تالفًا، ويأخذ اليابس.
"فصلٌ: فيما إذا زرع أرضًا وعليها خراج"
إذا زرع أرضًا، وعليها خراج بحق؛ وذلك يكون في موضعين:
أحدهما: أن يفتح الإمام بلدًا عنوة، وصارت أراضيها للغانمين؛ فأبدلهم الإمام عنها،
[ ٣ / ٩٤ ]
ووقفها، وضرب عليها خراجًا معلومًا؛ كما فعل عمر - ﵁ - بسواد "العراق".
والثاني: أن يفتح البلد صلحًا؛ على أن تكون الأراضي للمسلمين، وأهلها الكفار يسكنونها بخراج معلوم يؤدون - فالأراضي فيء للمسلمين والخراج الذي ضرب عليهم الإمام بمنزلة أجرة الأرض لا يسقط بإسلامهم، فمن زرع من المسلمين أرضًا من هذه الأراضي، يجب عليه الخراج إذا جاء وقته، ويجب عليه عشر الزرع.
وعند أبي حنيفة؛ لا يجب عليه العشر، والخراج يمنعه.
وكذلك لو اكترى أرضًا للزراعة فزرع، يجب على المتكري عندنا الكراء، وعشر الزرع. وعند أبي حنيفة: يجب العشر على المكري؛ لأن العشر عنده؛ حق الأرض، وعندنا: هو زكاة الزرع؛ فهو كما لو اكترى حانوتًا للتجارة، يجب عليه كراء الحانوت مع زكاة التجارة لا يمنع أحدهما الآخر، كذلك هاهنا.
ويخرج هذا على أن الذمي والمكاتب لا يجب عليهما العشر، وكذلك الضيعة الموقوفة على المسجد والرباط؛ فزرعها القيم لا عشر في زرعها. وكذلك لو وقف بستانًا على الفقراء، أو على المسجد - لا يجب العشر في ثماره.
وعند أبي حنيفة: يجب العشر في هذه المواضع.
"باب زكاة الذهب والورق"
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] وقال ابن عمر: كل مال يؤدي زكاته، فليس بكنز؛ وإن كان مدفونًا، وكل مال لا يؤدي زكاته، فهو كنز، وإن لم يكن مدفونًا.
وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
وعن أنس؛ أن أبا بكر تب له فريض الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - "وفي الرفة رب العشر".
لا تجب الزكاة في الورق؛ حتى يبلغ خمس أواقٍ؛ وهي مائتا درهم؛ كل أوقية أربعون
[ ٣ / ٩٥ ]
درهمًا، فإذا بلغتها ففيها خمسة دراهم؛ وهي ربع العشر، وما زاد فبحسابه، والاعتبار بوزن "مكة"؛ كل درهم ستة دوانق كل عشرة دراهم منها سبعة مثاقيل ذهب.
ولا تجب الزكاة في الذهب؛ حتى تبلغ عشرين مثقالًا، فإذا بلغتها ففيها نصف دينار؛ وهو ربع العشر، وما زاد فبحسابه، ولا وقص للدراهم والدنانير؛ كالثمار.
وعند أبي حنيفة: لها أوقاص، وقال: لا شيء في الدراهم بعد المائتين ما لم يبلغ أربعين درهمًا؛ فحينئذٍ فيها درهم، ولا في الدنانير بعد العشرين؛ حتى تبلغ أربعة دنانير.
وأبو يوسف معنا، وليس المواشي؛ لأن الأوقاص فيها الاحتراز عن إيجاب الشقص، وفيه ضرر، ولا ضرر في إياب الشقص في التقدير؛ وسواء كان الذهب أو الورق مطبوعًا أو تبرًا أو سبيكة، ولا يجب؛ حتى يملك مائتي درهم نقرة خالصة، أو عشرين دينارًا ذهبًا خالصًا. فإن انتقص منه شيء وإن قل، لا زكاة فيه، وإن كان يروج رواج الوازنة وأكثر.
وعند مالك: إن كان النقصان قدرًا يتسامح فيه مثل حبة ونصف دانق - تجب الزكاة، وإن كان أكثر فلا يجب، إلا أن يروج رواج الوازنة نصابًا.
ولا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر؛ كما لا يملك نصاب التمر بالزبيب.
وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة: يضم أحدهما إلى الآخر في النصاب، ثم عند مالك وأبي يوسف: يضم من طريق الإجزاء، وعند أبي حنيفة: يضم إلى طريق القيمة، ويعتبر بأسرعهما نصابًا، ويشترط أن يكون النصاب كاملًا من أول الحول إلى آخره؛ حتى لو انتقص النصاب في خلال الحول، ثم مكل استأنف الحول من يوم كَمُل النصاب.
وعند أبي حنيفة: النصاب شرط في أول الحول وآخره في جميع أموال الزكاة، فإذا انتقص النصاب في أثناء الحول، لا ينقطع الحول. والخبر حجة عليه؛ حيث قال النبيﷺ -: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وما زاد بعد نقصان النصاب لم يحل عليه الحول؛ فلا يجوز إيجاب الزكاة فيه، وإن كانت دراهمه أو دنانيره مغشوشة، فلا زكاة فيها؛ حتى يكون قدرًا يحصل منها نصاب خالص، فإن كان قدرًا يحصل فيها مائتا درهم خالصة؛ فأخرج الزكاة من المغشوشين - يجوز، ويجب أن يخرج قدرًا يكون فيه خمسة دراهم نُقرة خالصة. ويكره للرجل إمساك الدراهم المغشوشة؛ لئلا يغر بها غيره.
وعند أبي حنيفة: إذا ملك مائتي درهم مغشوشة، تجب عليه الزكاة إن كانت الغلبة
[ ٣ / ٩٦ ]
النقرة، وإن كان بعض دراهمه أجود وبعضها أردأ؛ بأن كان أسود أو أصلب؛ وكلها نقرة - يضم بعضها إلى بعض في النصاب، وتخرج الزكاة من كل بحصته فإن كانت كبيرة مختلطة لا يمكنه التمييز بين الجيد والرديء، أخذ من الوسط، ولو أعطي الجيد عن الرديء، كان أفضل. ولو أعطي الرديء عن الجيد، لا يسقط عنه الفرض؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وإن كان له ذهب مخلوط بعضه، فإن عرف قدر كل واحد منهما، أخرج زكاتهما، وإن لم يعرف ميزه بالنار، وأخذ بالاحتياط؛ فيخرج الزكاة عن كل واحد منهما على أكثر ما يتوهم. ولا يكفي في الاحتياط أن يُجعل القدر المشكوك فيه ذهبًا؛ فيخرج عنه زكاة الذهب؛ لاحتمال أنه فضة. ولايجوز الذهب عن الفضة، بل يخرج عن القدر المشكوك فيه زكاة الذهب والفضة جميعًا. فإن كانت له فضة ملطوخة على لجام، أو مُموهًا بها سقف بيت - نظر: إن كان لو عرض على النار لا يحل منه شيء، فهو مستهلك لا زكاة فيه، وإن كان يحصل منه نصاب، أو يحصل منه شيء، وعنده ما يتم به النصاب- يجب عليه الزكاة.
"باب زكاة الحُلي"
روي عن عائشة؛ أنها كانت تلي بنات أختها يتامى في حجرها لهن الحلي؛ فلا تخرج منه الزكاة.
وعن ابن عمر؛ أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب؛ فلا يخرج منه الزكاة.
الحلي المُتخذ من الذهب والفضة، إن كان محظورًا يجب فيه الزكاة؛ سواء كان محظورًا بعينه؛ كالأواني والقوارير والقصاع والملعقة والمجمرة والسرير والخوان، أو كان محظورًا لبسه؛ كالرجل يتخذ حلي النساء؛ ليلبس، أو يلبس غلمانه، أو المرأة تتخذ حُلي الرجال؛ لتلبس بنفسها، أو تلبسه جواريها، أو تعيره من النساء.
أما الحلي المُباح، هل يجب فيه الزكاة، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ وهو قول ابن عمر، وعائشة، وجابر؛ وبه قال الشعبي، ومالك، ولأنه مُعد لاستعمال مباح؛ كالعوامل من الإبل والبقر.
أحدهما: لا يجب؛ وهو قول ابن عمر، وعائشة، وجابر؛ وبه قال الشعبي، ومالك، ولأنه معد لاستعمال مباح؛ كالعوامل من الإبل والبقر.
[ ٣ / ٩٧ ]
والثاني: يجب؛ وهو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس؛ وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة؛ لما رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن امرأتين أتتا رسول الله - ﷺ- وفي أيديهما سواران من ذهب. فقال لهما: "أتؤديان زكاته" قالتا: لا. قال رسول الله - ﷺ -: "أتحبان أن يسوركما الله بسوار من نار؟ " قالتا: لا. قال: "فأديا زكاته".
ولأنه من جنس الأثمان؛ فأشبه ما لو كان معدًا للقنية، لا للاستعمال. فمن الحلي المباح أن تتخذ المرأة لنفسها عقدًا أو خاتمًا أو سوارًا، أو خلخالًا من ذهب أو فضة، وهذه الأشياء حرام للرجال إلا خاتم الفضة. فإن اتخذ الرجل أسنان خاتمه من ذهب، أو سنًا واحدة - فهو حرام. فإن اتخذ من فضة مموهة بذهب فيه وجهان.
ولو اتخذ الرجل حلية سيفه، أو سكينه الذي هو للحرب، أو رمحه، أو منطقته من فضة - فمباح، ولا يجوز من الذهب؛ وهو حرام في حق النساء؛ سواء كان من ذهب أو فضة. فإن اتخذ الرجل حلية السرج واللجام أو بُرة الناقة من الذهب- فحرام، وإن اتخذه من فضة فوجهان:
أحدهما: مُباح؛ كحلية المنطقة والسيف.
والثاني- هو الأصح، والمنصوص -: أنه لا يباح؛ لأن هذه حلية الدابة؛ بخلاف - جلية السيف والمنطقة؛ فإنها حلية الرجل في الحرب.
وهل يجوز تحلية المصحف بالذهب فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كسائر الكتب.
[ ٣ / ٩٨ ]
والثاني - يجوز؛ وبه قال أبو حنيفة، إكرامًا للمصحف.
ولا يجوز تمويه سقف المسجد بالذهب، ولا أن يتخذ له قنديل أو مسرجة منهما.
ولا يجوز تحلية سكين العلم والمهنة والمقراض والمقلمة والدواة والمرآة بالذهب. وهل يجوز بالفضة فيه وجهان
أحدهما: يجوز؛ كالسيف.
والثاني: لا يجوز؛ لأنها ليست آلة الحرب.
والتطبيب القليل في الإناء للزينة مكروه؛ وهو في وجوب الزكاة كالمحرم. قال الشيخ: والأولى أن يكون كالمباح.
ولو قُطع أنفه، أو قلعت سنة؛ فاتخذ أنفًا وسنًا من ذهب أو فضة - جاز.
وكذلك لو قطعت أُنملته. ولو قطعت يده، أو أصبعه، لايجوز أن يتخذها من ذهب، أو فضة؛ لأنها لا تعمل. فإن قلنا: لا زكاة في الحلي، فإن انكسر الحلي؛ نظر: إن كان الكسر يسيرًا يمكن التحلي به مع ذلك الكسر - فلا زكاة فيه، وإن بان البعض عن البعض؛ بحيث لا يمكن التحلي به إلا بالإصلاح- نظر: إن أرصده لا للإصلاح ففيه الزكاة، ويبدأ الحول من يوم الانكسار، وإن أرصده للاصلاح، ففيه وجهان:
أحدهما: يجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس بحلي، فهو كورق يريد أن يتخذ منه حُليًا يجب فيه الزكاة.
والثاني: لا يجب؛ لأنه كان حليًا، ويرصده للإصلاح؛ كما لو كان الكسر يسيرًا. ولو اتخذ الرجل حُلي النساء لجواريه ونسوانه، أو ليعير من النساء، أو اتخذت المرأة حلي الرجال لزوجها وبنيها وغلمانها- فهو مباح. ولو اتخذ الرجل حلي النساء - ولا نية له - أو المرأة حلي الرجال؛ ولا نية لها - ففيه قولان:
أحدهما: يجب الزكاة؛ لأن الظاهر أنه يتخذه لنفسه.
والثاني: لاتجب؛ لأن الاتخاذ مباح؛ فلا شغل شغل الذمة بالشك.
ولو ورث رجل حلي النساء؛ فأرصده لنفسه، أو لغلمانه، أو روث حلي الرجال؛ فأرصده لنسائه جواريه، أو ورثت امرأة حلي الرجال؛ فأرصدته لنفسها، أو لجواريها، أو بناتها، أو ورثت حلي النساء؛ فأرصدته لغلمانها- فهو حرام تجب فيه الزكاة.
ولو أمسك الرجل حلي النساء لزوجته وجواريه، أو المرأة أمسكت حلي الرجل لزوها وغلمانها - فمباح. فإن غير النية؛ لبعده إلى الحظر، يستأنف الحول من وقت تغيير
[ ٣ / ٩٩ ]
النية. ولو اتخذت المرأة لنفسها خلخالًا ثقيلًا أو سوارًا خارجًا عن العادة في الوزن، وقلنا: لا زكاة في الحلي -فيه وجهان:
أحدهما: لا زكاة فيه؛ كما لو اتخذت عددًا من الخلاخيل.
والثاني: يجب؛ لأنه قيد، وليس بزينة، وإنما أبيح لها الزينة.
ولو اتخذ لصبي حليًا، يجوز. قال الشافعي: ويزين الصبيان بالصبغ والحلي. ولم يفصل بين أن يكون من ذهب أو فضة، ثم في وجوب الزكاة قولان.
قال الشيخ: اتخاذه من الذهب، أو ما لا يجوز استعماله بعد البلوغ يوجب أن يكون محظورًا؛ لأن الصبي وإن كان لا يعصي بلبسه لصغره، فالولي مأمور بمنعه عنه؛ حتى لا يعتاده. وكل حلي حرمناه على الذكور، فهو محرم على الخنثى؛ لجواز كونه رجلًا. وهل عليه الزكاة؟
قيل: تجب للتحريم.
وقيل: فيه قولان؛ كالحلي المباح؛ لأن التحريم غير حقيقة. ولو اتخذ حُليًا مباحًا، وأجره ممن يجوز، هل تجب فيه الزكاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجب؛ لأنه معد لطلب النماء؛ كما لو اشترى حليًا للتجارة.
والثاني: هو على قولين: لأن ما يحصل من الأجرة شيء قليل؛ فلا يؤثر في إيجاب الزكاة؛ كأجرة العوامل من الإبل والبقر؛ فهو كما لو اتخذه للإعارة.
وكل موضع أوجبنا الزكاة في الحلي، فيجب في وزنه، لا في قيمته؛ حتى لو كان وزنه خمسمائة، وقيمته ألف -تجب عليه زكاة خمسمائة؛ فيجعل ربع عشرة للمساكين - كما قلنا- في الرطب الذي لا يصير تمرًا.
وقال ابن سُريج: تخرج زكاته بالقيمة من موضع آخر.
وكل حُلي مباح لبسه لبعض الناس، فمن كسره يضمن الصنعة، وكل حلي لا يباح لأحد من الناس؛ فمن كسره هل يغرم صنعته فيه وجهان. ولا تجب الزكاة في اليواقيت والفيروزج واللاليء وحلية البحر، ولا في شيء من الجواهر غير الذهب والفضة، ولاتجب في المسك والعنبر، إلا أن تكون للتجارة.
وقال أبو يوسف يجب في العنبر الخمس؛ وهو شيء دسره البحر.
[ ٣ / ١٠٠ ]
"باب زكاة التجارة"
رُوي عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب - ﵁ - وعلى عنقي أدمة أحملها. فقال عمر: ألا تؤدي زكاتها يا حماس. فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه التي على ظهري، وأهبة في القرظ. فقال: ذلك مال فضع فوضعتها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاة؛ فأخذ منها الزكاة.
زكاة التجارة واجبة في جميع الأموال عند أكثر العلماء؛ وهي ربع العشر، وتبج في القيمة؛ حتى لا يجوز إخراجها عن العين.
وعلق القول في القديم في وجوب زكاة التجارة، فلم يوجب في قول؛ وبه قال داود.
فإن قلنا يجب، فهل يجب في العين، أم في القيمة فعلى قولين آخرين في القديم:
أحدهما: يخرج ربع عشر القيمة.
والثاني: يخرج ربع عشر العين، والمذهب وجوبها، ويجب في القيمة، والحول والنصاب فيه شرط. وهل يشترط كمال النصاب في جميع الحول؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يشترط؛ كما في المواشي والنقود.
والثاني: يشترط في أول الحول وآخره؛ فإن انتقص في خلال الحول، لا يضر؛ وهو قول أبي حنيفة.
والثالث - وهو المذهب-: ايشترط النصاب، إلا في آخر الحول؛ حتى لو اشترى بدراهم شيئًا للتجارة، انعقد الحول. فإذا تم الحول وقد بلغ قيمة ما في يده نصابًا؛ يلزمه الزكاة؛ لأن زكاة التجارة تجب بالقيمة، ويشق مراعاة النصاب في القيمة في جميع الحول؛ لأنها تختلف باختلافرغبات الناس بخلاف المواشي والنقود؛ فإن زكاتها تجب في العين؛
[ ٣ / ١٠١ ]
فيمكن حفظها إلى آخر الحول. فإن قلنا: يشترط النصاب في آخر الحول، فقومنا العرض في آخر الحول؛ فلم يكن قيمته نصابًا - هل يبتدئ الحول الثاني؟ فيه وجهان:
أصحهما: يلي، ويسقط حكم الحول الأول؛ حتى لو كمل النصاب بعده، لا زكاة عليه ما لم يتم الحول الثاني، وكان نصابًا في آخره؛ كالنتاج الحاصل في الحول الثاني لا يحسب في الحول الأول.
والوجه الثاني: لا يسقط حكم الحول الأول، بل متى بلغت قيمته نصابًا بعد شهر أو شهرين، تجب الزكاة، ثم يبتديء الحول الثاني؛ لأن قيمته إذا بلغت نصابًا في اثني عشر شهرًا، أخذنا منه الزكاة، وكذلك في أربعة عشر شهرًا، ولا ينعقد حول التجارة إلا بشرطين:
أحدهما: أن العقد يُعقد معاوضة.
والثاني: أن ينوي حالة العقد أنه يتملكه للتجارة؛ فلو كان له غرض للقنية، فنوى أنه للتجارة، أو اشترى لا للتجارة، ثم نوى بعد ذلك أنه للتجارة - لا يصير للتجارة ما لم يبعه بنية التجارة؛ بخلاف ما لو كان له غرض للتجارة؛ فنوى أنها للقنية، صار للقنية، وانقطع الحول.
والفرق: أن القنية أصل في الأموال، والتجارة عارضة؛ فمجرد النية يعود إلى الأصل، ولا يزول الأصل بمجرد النية، ما لم يضم إليه فعل التجارة. كالمقيم لا يصير مسافرًا لمجرد النية ما لم يوجد فعل السفر؛ لأن الإقامة هي الأصل، والمسافر يصير مقيمًا بمجرد النية.
ولو اشترى عرضًا بنية التجارة بنقد لا بعرض أو بدين حالًا أو مؤجلًا - انعقد حول التجارة في حقه، وفي حق شريكه إذا لم ينوه، ثم بعده إذا بادل عرض التجارة، لا يحتاج إلى نية جديدة عند كل ترف. فلو باع عرضًا بعرض، ونوى المتبايعان جميعًا التجارة - صار ما قبض كل واحد منهما للتجارة؛ فلو تقابلا ذلك البيع أو ترادا بالعيب، لا يبطل حكم التجارة.
ولو اتهب شيئًا بنية التجارة، أو قبل الوصية، أو ورث مالًا، أو استقرض، ونوى التجارة - فلا يصير للتجارة؛ لأنه لم يملكه بطريق التجارة. ولو اتهب بشرط الثواب بنية التجارة، يصير للتجارة.
ولو صالح عن دين له في ذمة إنسان على عرض بنية التجارة - كان للتجارة؛ سواء كان
[ ٣ / ١٠٢ ]
ذلك الدين ثمنًا، أو قرضًا، أو بدل إتلاف. أما إذا صالح عن دم العمد على مال، أو خالع زوجته على مال أو أودع أحدًا على مال، ونوى التجارة، أو المرأة نكحت على صداق، ونوت التجارة في الصداق، أو أجر نفسه أو ماله على مال بنية التجارة - فهل يكون للتجارة؟ فيه وجهان:
أحدهما - وبه قال أبو يوسف -: بلى؛ لأنه ملكه بعقد معاوضة؛ بدليل ثبوت الشفعة في هذه العقود؛ فيقوم العرض في آخر الحول بنقد البلد.
والثاني - وبه قال محمد بن الحسن -: لا يكون لها؛ لأنه لم يملكه بعين مال. وعلى هذا: لو كان الرجل يتصرف في المنافع، بأن كان يستأجر المستغلات بنية التجارة؛ ولو أجرها، هل يجب عليه زكاة التجارة؟ فيه وجهان.
ولو بادل مال التجارة بمنفعة دار، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان.
ولو باع عرضًا للقنية لا بنية التجارة؛ فرد عليه بالعيب، أو فسخ البيع؛ فنوى التجارة عند الاسترداد - لا يصير للتجارة لأن الفسخ ليس بتجارة.
فصلٌ: في انبناء حول الربح على حول الأصل
إذا باع عرض التجارة بعرض لا ينقطع الحول، وإن كان فيه ربح، فحول الربح ينبني على حول الأصل، فإذا تم حول الأصل تقوم العروض التي في يده. فإن كانت قيمتها نصابًا، عليه أن يزكي عن الكل، وإن كان فيه ربح كبير؛ حتى لو اشترى عرضًا بمائتين؛ فصار قيمته قبل الحول بيوم ثلثمائة فأكثر؛ إما بزيادة في نفسها، أو بارتفاع السوق - عليه زكاة جميع قيمتها، إذا مضى اليوم وتم الحول. وإن ظهر الربح بعد الحول؛ بأن كانت قيمته يوم الحول مائتين، فصارت بعده ثلثمائة: إما بارتفاع السوق، أو بأن عين إنسان فباعه منه بثلثمائة، يكون الربح مضمونًا إليه في الحول الثاني؛ كالنتاج الحاصل بعد الحول؛ هذا إذا لم يصر المال ناضًا. فإن صار ناضًا؛ نظر: إن صار ناضًا من غير جنس رأس المال؛ بأن كان قد اشترى بالدراهم، فصار ناضًا دنانير - تقوم الدنانير بالدراهم، وإن كان فيه ربح يبنى حول الربح على حول الأصل؛ كالعروض. أما إذا صار المال ناضًا من رأس جنس رأس المال، وفيه ربح؛ مثل: أن اشترى عرضًا بمائتي درهم، فباعه في خلال الحول بثلثمائة، فتم الحول، وهي في يده، أو اشترى بها عرضًا قيمته ثلثمائة، فهل يبنى حول الربح على حول الأصل؟ فيه قولان:
أحدهما: ينبني؛ كما لو لم يصر ناضًا، وحول النتاج ينبني على حول الأصل - فعليه
[ ٣ / ١٠٣ ]
أن يزكي عن ثلثمائة عند تمام الحول.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينبني، بل يستأنف للربح حول من وقت ما نض، فإذا تم حول الأصل يزكي عن المائتين، ثم إذا مضى حول من وقت ما نض يزكي عن المائة؛ لأن هذا الربح لم يحصل من غير النصاب؛ فهو كالمستفاد بالكسب من موضع آخر يستأنف له الحول؛ بخلاف النتاج؛ فإنه حصل من غير ماله؛ بدليل أن النتاج حصل في يد الغاصب، يجب عليه رد النتاج.
وإذا غصب مالًا فربح فيه، لا يجب عليه رد الربح؛ على أصح القولين، وليس كما لو لم ينض؛ لأن الربح هناك كامن لم يتميز عن الأصل، والزكاة تجب في القيمة، وقيمة الثاني والأول جنس واحد. وعلى هذا: لو اشترى بمائة درهم عرضًا للتجارة، فباعه بعد ستة أشهر بثلثمائة، واشترى بها عرضًا؛ فتم الحول؛ وهو في يده قيمته ستمائة؛ إن قلنا: يضم الربح إلى الأصل، يجب عليه ستمائة.
وإن قلنا: لا يضم، تجب عليه زكاة ثلثي السلعة؛ وهو أربعمائة؛ لأن ثلثي السلعة يشتري بمائتي الأصل، ثم بعد مضي ستة أشهر أخرى يتم حول الربح؛ فيخرج زكاة الثلث الباقي.
وعلى هذا لو ملك مائتي درهم؛ فاشترى بها عرضًا للتجارة، ثم أربعة أشهر من يوم ملك الأصل نضت العروض بثلثمائة؛ فاشترى بها عرضًا فبعد أربعة أشهر نضت أربعمائة؛ فحال الحول وهي في يده، أو صرفها إلى عرض وقيمتها أربعمائة - إن قلنا: يضم الربح إلى الأصل، يجب عليه زكاة أربعمائة.
وإن قلنا: لايضم، ففي آخر الحول من يوم ملك المائتين يزكي عن المائة، ثم بعد أربعة أشهر يُزكى عن مائة، ثم بعد أربعة أشهر أخرى يزكى عن المائة الأخرى، فإن بقي ذلك العرض في يده لم يزد ولم ينقص، هكذا يزكي عن مائتين، ثم بعد أربعة أشهر أخرى يزكي عن مائة، ثم بعد أربعة أشهر أخرى يُزكى عن مائة.
فرع ابن الحداد على هذا؛ إذا ملك عشرين دينارًا؛ فاشترى بها من ساعته عرضًا للتجارة، ثم بعد ستة أشهر بأربعين دينارًا، واشترى بها سلعة باعها بعد الحول بمائة؛ إن قلنا: يضم الربح إلى أصل المال، يجب عليه أن يُزكى عن المائة.
وإن قلنا: لا يضم، يجب عليه زكاة خمسين؛ لأنه اشترى هذه السلعة بأربعين؛ عشرون منها ربح، وربح على العشرين ستين نصفها يتبع أصل ماله؛ وهو عشرون، فخرج زكاة الأصل وربحه؛ لأن ربحه كان كامنًا وقت حلول حوله، ثم بعد ستة أشهر أخرى يجب
[ ٣ / ١٠٤ ]
عليه زكاة عشرين؛ لأنها نضت ربحًا في خلال الحول، ولا يضم إليه ربحه؛ لأنه صار ناضًا قبل تمام حوله، ثم بعد ستة أشهر أخرى يُزكي عن ثلاثين. فإن كانت الخمسون الأولى في ملكه، فقد تم حولها ثانيًا، فعليه خراج زكاتها مع هذه الثلاثين.
ولو اشترى عرضًا أقل من نصاب؛ مثل: أن اشترى بمائة درهم، أو بعشرة دنانير؛ فباعه بعد ستة أشهر بمائتي درهم، وبقيت عنده إلى آخر الحول من يوم الشراء الأول - فإن قلنا: حول الربح على حول الأصل يجب عليه زكاة مائتين.
وإن قلنا: لا ينبني، عليه زكاة مائة الأصل؛ لأنه ون لم ينك نصابًا فهو في حكم النصاب ما لم يبعه، ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول المائة الثانية - فعليه زكاتها. هذا إذا قلنا بظاهر المذهب: إن النصاب شرط في آخر الحول دون أوله.
أما إذا قلنا: يشترط في جميع الحول؛ فابتدأ حوله من يوم البيع، فإذا تم زكي عن الكل.
ولو اشترى عرضًا بنصاب من الدراهم، فصار ناضًا في خلال الحول بأقل من نصاب - نظر: إن نض بغير جنس رأس المال؛ مثل: أن يشتري بمائتي درهم، فصار ناضًا بعشرة دنانير - لا ينقطع الحول. فإذا تم الحول يقوم الدنانير بالدراهم، وإن نض بجنس ما اشترى بأقل من نصاب، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينقطع؛ كما لو نض بغير جنسه. وكما لو انتقص قيمة العرض، ولم ينض.
والثاني: ينقطع؛ لأن الحول انعقد على غير الدراهم، وقد انتقص نصابها؛ بخلاف ما لو نض من غير جنس رأس المال؛ لأن الحول تم لم ينعقد على عينه، إنما انعقد على قيمته، ونقصان القيمة في خلال الحول لا يضر في زكاة التجارة.
ولو اشترى بمائتي درهم عرضًا للتجارة؛ فباعه بعشرين دينار، فتم الحول وهي في يده يقوم الدنانير بالدراهم؛ كالعروض فإن كانت قيمتها نصابًا من الدراهم أخرج الزكاة، وإن لم تبلغ قيمتها نصابًا نم الدراهم - فهل يسقط حكم الحول، أم لا؟ يسقط؛ حتى إذا بلغت قيمته بعد ذلك بأيام نصابًا يلزمه الزكاة؛ فعلى ما ذكرنا من الوجهين: فإن قلنا: يسقط، ويبتدئ الحول، فهل تنتقل الزكاة منا لدراهم إلى الدنانير؟ فيه وجهان:
أحدهما: لاتنقل؛ كما لو كان عرضًا، ولم يبلغ قيمته نصابًا، لا ينتقل إلى نقد البلد.
[ ٣ / ١٠٥ ]
والثاني: ينتقل، وبطل حق الدراهم؛ حيث لم يبلغ قيمة ما في يده نصابًا، والدنانير في نفسها نصاب، واعتبار نفسها أولى من اعتبار قيمتها. فإن قلنا: تنتقل الزكاة إلى الدنانير، فمن أي وقت يحسب حول الدنانير؟ فيه وجهان:
أحدهما: من وقت التقويم؛ لأن حول الدراهم بطل عند التقويم.
والثاني: من وقت ما نضت العروض نصابًا من الدنانير؛ لأن ملك العشرين حصل له من ذلك الوقت.
فصلٌ: في بيان الحول
إذا اشترى عرضًا للتجارة بنصاب من أحد النقدين إما بمائتي درهم، وبعشرين دينارًا؛ فابتدأ الحول من يوم ملك تلك الدراهم، أو الدنانير، وحول التجارة ينبني على حول النقد؛ لأن زكاتهما واحد؛ فإن وجوب الزكاة في النقدين بكونهما مرصد للتجارة، فليس صرفهما في التجارة إلا جعلهما مبهمة بعد ما كانا معينة؛ فهو كما لو أقرض دراهم من مليء. وكذلك لو كان له في ذمة إنسان نصاب من أحد النقدين، وقلنا: تجب الزكاة في الدين؛ فاشترى منه به عرضًا للتجارة - ينبني حول التجارة على حول الدين، وكذلك لو كانت له سلعة للتجارة؛ فباعها بنصاب من أحد النقدين بنية القنية انبنى حول النصاب على حول التجارة في وجوب الزكاة. أما إذا اشترى بأقل من نصاب من أحد النقدين، أو بعرض من ثوب، أو متاع عرضًا للتجارة- ينعقد الحول من يوم الشراء.
ولو اشترى بنصاب من السائمة عرضًا للتجارة، فالمذهب: أن حول التجارة يكون من وقت الشراء، وينقطع حول السائمة، ولا ينبني حول التجارة على حول السائمة؛ لأن زكاتهما مختلفة، وزكاة النقد والتجارة متفق؛ وهو ربع العشر؛ ولأن زكاة التجارة في القيمة، والقيمة تكون في النقدين.
وقال الإصطخري: ينبني حول التجارة على حول السائمة؛ لأن الشافعي قال: ولو اشترى عرضًا للتجارة بدراهم، أو دنانير، أو بشيء يجب فيه الصدقة من الماشية - لم يقوم العرض؛ حتى يحول الحول من يوم أفاد الثمن، والمراد من النص عند الآخرين: أن يملك الماشية؛ فكما ملكها صرفها إلى عرض التجارة؛ فلا يكون بين ملك الماشية، وشراء العرض فضل.
ولو اشترى عرضًا للتجارة بنصاب من أحد النقدين في الذمة، وله مائتا درهم أو عشرون دينارًا نقدها في ثمنه ينقطع حول النقد، وينبني حول التجارة من يوم الشراء؛ لأن هذه الدراهم والدنانير لم يتعين الصرف فيها؛ سواء نواه، أو لم ينوه.
[ ٣ / ١٠٦ ]
ولو ملك رجل نصابًا من أحد النقدين؛ فبادله بجنسه، أوبادل الدراهم بالدنانير - نظر: إن لم يكن الرجل صيرفيًا بعقد نية التجارة، ينقطع الحول، وإن كان صيرفيًا بادله بنية التجارة، فهل ينقطع الحول؟ فيه قولان:
قال في القديم: وبه قال أبو حنيفة: لا ينقطع الحول؛ كما لو اشترى بها عرضًا للتجارة.
وقال في الجديد: ينقطع الحول، ويبتديء الحول على ما اشترى؛ لأن التغابن لا يجري في مبادلة النقد بالنقد، ولا يكثر الربح فيه، والتجار لا يعدونه من باب التجارة، ولا يطلبونبه الربح؛ فهو كما لو بادله لا بنية التجارة؛ ولأن السلعة بيع للدراهم والدنانير في التجارة؛ بدليل أنه يقوم السلعة بها، فجاز أن ينبني حولها على حول الأصل. أما النقود فلا يتبع بعضها بعضًا؛ فلا ينبني حول بعضها على بعض.
"فصلٌ: في التقويم"
زكاة التجارة تجب في القيمة، وبماذا يقوم ماله في آخر الحول؟ لا يخلو: إما أن يكون أصل ماله الذي اشترى به مال التجارة من جنس النقدين، أو لم يكن: فإن كان من جنس النقدين؛ لا يخلو: إما أن كان نصابًا، أو لم يكن؛ فإن كان نصابًا؛ مثل: أن اشترى بمائتي درهم، أو بعشرين دينارًا عرضًا للتجارة - يقوم في آخر الحول بجنس ما اشترى، فإن بلغ نصابًا أخرج الزكاة، وإلا فلا زكاة عليه. وإن كان الجنس الآخر هو نقد البلد، ولو قوم به بلغ نصابًا؛ فلا ينظر إليه؛ حتى لو اشترى بمائتي درهم عرضًا، فكان في آخر الحول في يده عشرون دينارًا يقوم بالدراهم؛ كالعرض. فإن بلغت قيمتها نصابًا من الدراهم زكى من الدراهم، وإن لم تبلغ فلا زكاة عليه.
ولو باع العرض بعد الحول بالدنانير، يقوم العرض بالدراهم لا الدنانير؛ لأنه كان في يده يوم حلول حول العرض، وفي منقول المزني - ﵀ - خلل. فإن كان رأس ماله أقل من نصاب من أحد النقدين؛ بأن اشترى بمائة درهم أو بعشرة دنانير، ففي آخر الحول ماذا يقوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقوم بجنس ما اشترى؛ كما لو اشترى بنصاب منها.
والثاني: يقوم بنقد البلد؛ كما لو اشترى بعرضٍ؛ لأن ما دون النصاب كالعرض في أنه لا زكاة فيه.
[ ٣ / ١٠٧ ]
وإن كان أصل ماله سلعة اشترى بها عرضًا للتجارة، ففي آخر الحول يقوم ما في يده بنقد البلد، فإن بلغ نصابًا، زكى، وإلا فلا زكاة عليه. وإن كان في البلد نقدان، يقوم بأغبهما، فإن كان سواء يقوم بما هو أنفع للمساكين فإن كان التقويم بأحدهما يبلغ نصابًا، وبالآخر لا يبلغ - يقوم بالذي يبلغ نصابًا، وإن استويا فيه ففيه ثلاثة أوجه
أحدهما: يقوم بأيهما شاء؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
والثاني: يقوم بالدراهم؛ لأنها أكثر استعمالًا.
والثالث: يقوم بنقد أقرب البلاد إليه، وإن كان رأس ماله كلا النقدين؛ مثل: أن اشترى بمائتي درهم وعشرين دينارًا عرضًا للتجارة صفقة واحدة ففي آخر الحول يقوم ما اشترى بالدراهم بالدراهم، وما اشترى بالدنانير يقوم بالدنانير، وطريق معرفته: أن يقوم أحد النقدين بالآخر يوم الشراء، فإن كان قيمة مائتي درهم عشرين دينارًا، فيومئذ علمنا أن شراء نصفه وقع بالدراهم، وشراء النصف بالدنانير. فن كان قيمة مائة درهم عشرة دنانير، علمنا أن شراء الثلث وقع بالدراهم، وشاء الثلثين [وقع] بالدنانير؛ فيقوم الثلث بالدراهم، ويقوم الثلثان بالدنانير. فإن بلغ نصابًا، زكى، وإلا فلا زكاة عليه، ولا يضم أحدهما إلى الآخر، وحول كل واحد يعتبر من يوم ملك ذلك النقد.
وإن كان رأس ماله أقل من نصاب من النقدين؛ مثل: أن اشترى بمائة درهم وعشر دنانير عرضًا، ففي آخر الحول إن قلنا: ما دون النصاب كالعرض يقوم الكل بنقد البلد.
وإن قلنا: يقوم بجنس ما اشترى، فما اشتراه بالدراهم يقوم بها، وما اشتراه بالدنانير يقوم بها؛ كما ذكرناه.
ولو اشترى بمائتي درهم وعشرة دنانير، فحول ما يقابل الدراهم يكون من يوم ملك النصاب، وحول ما يقابل الذهب من يوم شراء العرض. فإذا تم الحول من يوم ملك الدراهم، يقوم ما يقابل الدراهم بها، ثم إذا تم الحول من يوم شراء العرض، يقوم ما يقابل الدنانير، وبماذا يقوم؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: بالدنانير، لا يكمل نصاب أحدهما بالآخر، لا يضم أحدهما إلى الآخر.
وإن قلنا: يقوم بنقد البلد، ونقد البلد دراهم، يضم أحدهما إلى الآخر. وكذلك لو اشترى بمائتي درهم وبعرض، فما يقابل الدراهم يقوم بالدراهم، وما يقابل العرض يقوم بنقد البلد، فإن كان نقد البلد دراهم يضم أحدهما إلى الآخر، وإن كان دنانير فلا يضم.
[ ٣ / ١٠٨ ]
ولو اشترى بنصاب من الدنانير: نصفها صحاح ونصفها مكسر، وبينهما تفاوت - يقوم ما يخص الصحاح بالصحاح، وما يخص المُكسر بالمكسر.
ولو ملك مائتي درهم؛ فاشترى بمائة منها عرضًا للتجارة - يقوم في آخر الحول بجني ما اشترى وجهًا واحدًا؛ لأنه اشتراه ببعض ما انعقد الحول عليه.
قال الشيخ: وابتداء الحول من يوم ملك الدراهم.
ولو ملك مائتي درهم؛ فاشترى بها عرضًا للتجارة، ثم بعد مُضي ستة أشهر من يوم ملك الدراهم، ورث مائة؛ فاشترى بها عرضًا للتجارة، فحول هذه المائة من يومورثها.
قال الشيخ: فإذا تم حول الأصل يقوم، فن لم يبلغ نصابًا يضم إليه المستفاد؛ حتى تؤخذ الزكاة من الأصل، لا من المستفاد؛ لأن النصاب في مال التجارة شرط في آخر الحول؛ فكان في آخر الحول نصابًا مع المستفاد، ثم إذا تم حول المستفاد من يوم ورثه، يقوم العرض الذي في يده بالفضة؛ لأن الشراء وقع بما انعقد الحول عليه؛ لأنه كما ورثها انعقد الحول عليها بالضم إلى مال التجارة، فإذا قومناه فلم يبلغ نصابًا إلا بالضم إلى الأول - يضم؛ حتى تؤخذ الزكاة من المستفاد.
فرع لابن الحداد: لو اشترى شقصًا مشفوعًا بعشرين دينارًا للتجارة؛ فحال الحول، وقيمته مائة دينار - يجب عليه زكاة مائة، ويأخذ الشفيع بعشرين. ولو اشترى بمائة؛ فحال الحول، وقيمته عشرون - عليه زكاة عشرين واحدة الشفيع بمائة.
فصلٌ: في اجتماع زكاتين
إذا اشترى للتجارة ما يجب الزكاة في عينه؛ مثل: أن اشترى نصابًا من السائمة، ونخيلًا للتجارة؛ فأثمرت، أو أرضًا مزروعة؛ فأدرك الزرع - فلا يجب زكاة العين والتجارة جميعًا، وأيهما يغلب؟ فيه قولان:
أصحهما: زكاة العين؛ لأنها أقوى؛ فإنها مُجمع عليها، وزكاة التجارة مختلف في وجوبها.
والثاني - وهو قوله القديم فيه: قال أبو حنيفة: تغلب زكاة التجارة؛ لأنها أعم وأنفع للمساكين. واختلفوا في محل القولين: منهم من قال: القولان فيما إذا لم يسبق حول أحدهما؛ بأن اشترى بمال لا يجب فيه الزكاة نصابًا من السائمة للتجارة، ينعقد الحول من يوم الشراء؛ فلا يختلف حول زكاة العين والتجارة.
أما إذا سبق حول أحدهما، يغلب السابق؛ مثل: أن اشترى بمال التجارة نصابًا من
[ ٣ / ١٠٩ ]
السائمة، أو كان له نصاب من أحد النقدين ستة أشهر؛ فاشترى به نصابًا من السائمة بنية التجارة - يغلب زكاة التجارة؛ لأن حولها من يوم ملك الثمن؛ وهو سابق. ولا يتصور أن يسبق حول زكاة العين في السائمة؛ لأن المبادلة فيها تقطع الحول.
قال الشيخ: يتصور في الثمار؛ وهو أن يشتري نخيلًا للتجارة؛ فبدا الصلاح في ثمارها قبل أن يحول حول التجارة - تغلب زكاة العين؛ لأن السابق وجد بسبب وجوبه، وليس هناك معارض.
ومنهم من قال: في الكل قولان؛ سواء سبق حول أحدهما، أو لم يسبق. وهذا أصح؛ حتى لو اشترى خمسًا من الإبل بمائتي درهم، أقامت عنده ستة أشهر - ففي قول: عليه زكاة العين؛ وهو شاة إذا تم الحول من يوم الشراء.
وفي قول: عليه زكاة التجارة إذا تم حول الثمن.
فإن قلنا: يغلب زكاة التجارة، فلا عبرة بنقصان النصاب في أثناء الحول، فإذا تم الحول يقوم ثمن النخل والجذع وأرض الجذع وفي الزرع تقوم الأرض والزرع، وفي السائمة تقوم مع درها ونسلها وصوفها، وما اتخذ من لبنها. فإن بلغت نصابًا، أخرج ربع عشرها، وإن لم تبلغ نصابًا، فهل يصار إلى زكاة العين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنا أعرضنا عنها.
والثاني - وهو الأصح -: تؤخذ زكاة العين إن كان نصابًا، لأن سقوط زكاة العين لأجل زكاة التجارة؛ وهي غير واجبة: فعلى هذا يخرج العُشر من الزرع والثمار في الحول؛ لأنه لا حول لها بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب.
أما السائمة: هل يجب إخراج زكاتها في الحال، أم يستأنف لها الحول من وقت التقويم؟ فيه وجهان: فإن قلنا: تغلب زكاة العين، يجب عليه إخراج العشر من الثمار والزروع، إن بلغت خمسة أوسق، وإخراج السنين الواجبة من السائمة والسخال تضم إلى الأمهات، فإذا أخذنا زكاة السائمة لا يبقى لإيجاب زكاة التجارة موضع، فإذا أخذنا زكاة العين من الثمار والزروع، هل تجب زكاة التجارة في قيمة جذع النخلة وبين الزرع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن المقصود منها الثمار والحب، وقد أخذنا زكاتها.
والثاني: تجب؛ لأن هذه الأشياء لا يجب فيها زكاة العين؛ فيبقى فيها زكاة التجارة.
وأما أرض النخيل، وأرض الزرع، فهل تجب في قيمتها زكاة التجارة؟ قيل: فيه وجهان: كالجذع.
[ ٣ / ١١٠ ]
وقيل: تجب وجهًا واحدًا؛ بخلاف الجذع والتبن؛ لأن الثمرة والحب خارجًا من عين الجذع والتبن؛ فكان المخرج عن الكل بخلاف الأرض؛ فإن الجذع والتبن مودع فيهما. فإن أوجبنا زكاة التجارة في هذه الأشياء، فلم تبلغ نصابًا - هل نضم فيه الثمرة والزرع إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه قد أدى زكاتهما.
والثاني: يضم ليكمل نصاب التجارة، وفي النخيل حتى يعقد قدر ما يخص النخيل، لا لإيجاب الزكاة فيه مرة أخرى. ولو انتقصت سائمة في النصاب في أثناء الحول، ينتقل إلى زكاة التجارة، وهل ينبني حول التجارة على قولي زكاة العين، أم يستأنف الحول؟ فيه وجهان هذا كله في اجتماع النصابين.
أما إذا اشترى نخيلًا أو أرضًا مزروعة للتجارة، فخرجت أقل من خمسة أوسق، أو اشترى من السائمة أقل من نصاب بنية التجارة - يجب عليه زكاة التجارة، إذا تم الحول وقيمتها نصابًا قولًا واحدا؛ لأن زكاة العين لا تجب هاهنا؛ ما لو اتهب نصابًا من السائمة بنية التجارة، عليه زكاة العين إذا تم حولها؛ لأن حول التجارة لم ينعقد بالاتهاب. فلو اشترى أقل من نصاب من السائمة بنية التجارة، فبلغت بالنتاج نصابًا في خلال الحول، وكانت قيمته أقل من نصاب في آخر الحول - من أصحابنا من قال: لا زكاة عليه؛ لأن الحول انعقد على زكاة التجارة؛ فلا يبدل.
ومنهم من قال: ينتقل إلى زكاة العين، فعلى هذا حولها يعتبر من يوم تم النصاب بالسخال، أو من وقت نقصان قيمتها عن النصاب؟ فيه وجهان. فإذا اشترى نصابًا من السائمة للتجارة، ثم اشترى بعدها بعد ستة أشهر عرضًا. إن قلنا: زكاة التجارة تغلب، لا ينقطع الحول.
وإن قلنا تغلب زكاة العين، ينقطع الحول، ويبتديء حول التجارة من يوم شراء العرض.
ولو اشترى أرضًا للتجارة، وزرعها ببذر للقنية، يجب عليه العشر في الزرع قولًا واحدًا، وزكاة التجارة في الأرض قولًا واحدًا. وإذ كان له رقيق للتجارة، يجب عليه زكاة فطرهم مع زكاة التجارة، لنهما حقان يجبان بسببين مختلفين: أحدهما: حق المال،
[ ٣ / ١١١ ]
والآخر: حق البدن؛ وهو زكاة الفطر؛ فإنها طُهرة للصائم عن الرفث واللغو. وكذلك يجب على الأحرار؛ فلا يتداخلان كجزاء الصيد في الإحرام، والقيمة إذا كان الصيد مملوكًا لا يتداخلان.
وعند أبي حنيفة: لا تجب صدقة الفطر في رقيق التجارة.
"بابزكاة مال القراض"
إذا دفع ألف درهم قراضًا إلى رجل؛ حتى يتصرف فيها، ويكون الربح بينهما نصفين، فإذ حال أطول عليه، وفيه ربح، فزكاة رأس المال تكون على رب المال، وزكاة الربح على من تكون؟
هذا ينبني على أن العامل هل يملك نصيبه من الربح بنفس الظهور، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -: يملك بنف سالظهور؛ لأنه شرط له نصف الربح، وقد حصل؛ كما في المساقاة يملك العامل نصيبه من الثمار بنفس الخروج.
والقول الثاني- وهو الأصح. وهو اختيار المزني -: لا يملك إلا بعد المُقاسمة؛ كما في الجعالة يستحق العامل الجعل بعد الفراغ من العمل؛ ولأنه لو ربح على الألف ألفًا، ثم خسر؛ حتى عاد إلى الألف - لا يكون للعامل فيه شيء. ولو ملك نصف الربح، وصار ربع المال له، لكان بالنقصان لا يبطل حقه عن ربع الباقي؛ لأن من ملك شيئًا زائدًا ملكه ناقصًا؛ كما لو مات رجل عن زوجة وأخ، كانت التركة بينهما أرباعًا؛ فلو هل أكثر التركة، لا يبطل حق الزوجة عن ربع الباقي؛ وكما في المساقاة، لو هلك بعض الثمرة، لا يبطل حق العامل عن الباقي؛ فلما سقط هاهنا حق العامل بهلاك الربح، دل أنه لم يملك شيئًا منه.
فإن قلنا: لا يمل إلا بعد المُقاسمة، فزكاة الجميع تكون على المال، وحق الربح ينبني على حول الأصل، ثم إذا أخرج الزكاة من مال القراض فما حكم المخرج؟ فيه وجهان:
أصحهما: يحتسب من الربح؛ كالمؤن التي تلزم المال من أجرة الدلال والكيال.
وقد نص الشافعي - ﵀ - على أن صدقة فطر عبيد القراض تكون من مؤن المال.
والوجه الثاني: يجعل؛ كأنه استرد طائفة من المال؛ فيكون من الربح، ورأس المال جميعًا؛ حتى إن كان رأس المال ألفًا والربح خمسمائة؛ فيكون ثلثا المخرج من رأس المال وثلثه من الربح، والوجهان يبنيان؛ على أن الزكاة تتعلق بالعين، أو بالذمة. إن قلنا: يتعلق
[ ٣ / ١١٢ ]
بالعين؛ فهو كسائر المؤن. وإن قلنا: بالذمة، فكأنه استرد بعض المال. وإن قلنا: يملك العامل نصيبه من الربح بنفس الظهور، فيجب على رب المال زكاة رأس المال، وزكاة نصيبه من الربح. ولا يجب عليه زكاة نصيب شريكه وهل تجب على العامل زكاة نصيب نفسه؟ اختلف أصحابنا فيه.
قيل: فيه قولان؛ كالمال المغصوب؛ لأن العامل لا يقدر على النصيب كيف شاء؛ المغصوب.
وقال صاحب "التقريب": يجب قولًا واحدًا؛ لنه يصل إليه متى شاء بالفسخ، فهو كدين له على مليء. فإن أوحد نصابًا ومجموع المال نصاب، فمن أثبت الخلطة في النقدين، تجب عليه الزكاة، ومن لم يُثبت فلا توجب، إلا أن يكون له من جنسه [ما يكمل به] نصيبه معه نصابًا، فتجب عليه زكاة نصيبه، ولا يجوز للعامل [الأخذ] من مال القراض. فلو فعل، فهو كما لو أتلف بعض المال، ولا [له أن يأخذ] من موضع آخر في الحال؛ لأنه لا يدري هل يسلم له الربح، أم لا؟ ويخرج لما مضى وقيل: يجب الإخراج في الحال؛ لأنه يصل إليه متى شاء رب المال [و] يكون من يوم ملك رأس المال، إن كان رأس المال [باقيًا وإن] لم يكن، فمن وقت الشراء للتجارة، وحول حصته من الربح يبني [على حول الأصل] وحول العامل يكون من وقت ظهور أدنى شيء من الربح، وإن كان أحدهما ذميًا أو مكاتبًا، والآخر حُرًا مسلمًا - نظر: إن كان [ذلك] بعد المُقاسمة.
فإن قلنا: يملك بنفس الظهور، فلا زكاة على [العامل]، ويجب على رب المال زكاة رأس المال، وحصته من الربح إن بلغت نصابًا. وإن لم تبلغ، فلا تكمل بنصيب العامل؛ لأن حكم الخلطة لا يكون بين الحر المسلم؛ وبين الذمي والمكاتب. ون كان رب المال ذميًا مكاتبًا: ن قلنا: لا يملك العامل إلا بعد المقاسمة، فلا زكاة [في المال؛ لأن جميعه ملك الذمي وإذا لم يبلغ] نصابًا فعلى الاختلاف الذي ذكرناه. والله أعلم.
[ ٣ / ١١٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم: رب يسر ووفق للخير
باب زكاة المعدن والركاز
رُوي أن رسول الله - ﷺ - أقطع لبلال بن الحارث المُزني معادن القبلية؛ وهو من ناحية الفرع؛ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.
المَعْدنُ: اسم للمال المخلوق في الأرض.
والرِّكازُ: المدفون، ولا شيء فيما يستخرج من المعدن، إلا في الذهب والفضة.
وعند أبي حنيفة يجب من كل جوهر يتطبع ويصير على المطرقة؛ كالحديد والنحاس؛ قياسًا على الذهب والفضة.
فتقول: كل مال لو ورثه، لا يبتدئ الحول عليه، ولا يتكرر الحق فيه إذا بقي من ملكه، فإذا استخرج من المعدن لا يجب فيه شيء؛ كالفيروزج، ثم ماذا يجب في الذهب والفضة المستخرجين من المعدن؟ فيه ثلاثة أقوال:
[ ٣ / ١١٤ ]
أصحهما: ربع العشر؛ لحديث بلال بن الحارث.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة -: يجب فيه الخمس؛ لأنه يب فيه الحق بالوجود؛ كالركاز.
والثالث - وبه قال مالك -: إن وجد ندرة مجتمعة من غير تعب ومؤنة، ففيه الخمس وإن أصابه بتعب، ومؤنة، ففيه ربع العشر؛ لأن المؤنة إذا كثرت، قل الواجب، وإذا قلت المؤنة كثر الواجب؛ كالزرع المسقي بالسماء يجب فيه العشر، وفي المسقي بالنضح نصف العشر؛ لكثرة المؤنة.
فإن قلنا: يجب فيه ربع العشر، فيشترط فيه النصاب، لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض؛ كالزرع.
وهل يشترط فيه الحول؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يشترط؛ كما في الثمار والزروع.
والثاني: يشترط؛ كسائر الزكاوات.
وإن قلنا: الواجب فيه الخمس، لا يشترط فيه الحول. وفي النصاب قولان؛ كالركاز.
وعلى القولين: مصرفة مصرف الصدقات. وقيل: إذا قلنا: فيه الخمس، فمصرفه مصرف الفيء؛ الخمس لأهله، والباقي له؛ وبه قال أبو حنيفة أن مصرفه مصرف الفيء. وإذا اشترطنا النصاب؛ فليس من الشرط أن يكون المستخرج في نفسه نصابًا، بل إذا استخرج قدرًا، وله مال لو ضم إليه بلغ نصابًا، يجب عليه إخراج ربع عشر المستخرج على قولنا: إن الحول ليس بشرط فيه؛ مثل: أن ملك تسعة عشر دينارًا، واستخرج من المعدن دينارًا - يجب أن يخرج ربع العشر من الدينار المستخرج في الحال، ثم إن أخرج ربع العشر من موضع آخر غير هذه العشرين - ينعقد الحول على العشرين. وإن قلنا: الحول يشترط في المستخرج من المعدن، فلا شيء عليه في الحال، وينعقد الحول عليه في الكل بإخراج الدينار.
وإن قلنا: الواجب في المعدن الخمس، يجب عليه إخراج الخمس من هذا الدينار في الحال، وإن قلنا: النصاب شرط؛ لأنه مع ما عنده وكذلك الركاز إذا وجد أقل من نصاب، وعنده ما يكمل به نصاب.
وإن قلنا: النصاب شرط دون الحول، فأصابه دفعات، هل يضم البعض إلى الكل في تكميل النصاب نظر: إن كان العمل متتابعًا، والنيل غير منقطع، ضم البعض إلى البعض، ولا يشترط بقاء ما استخرج في ملكه. وإن لم يقطع العمل، ولكن حضر المعدن فلم يجد
[ ٣ / ١١٥ ]
النيل؛ نظر: إن كان يسيرًا يومًا أو يومين، ثم وجد، ضم الثاني إلى الأول، ون طال الزمان ففيه قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح -: يضم؛ لأن نيل المعدن لا يدوم.
وقال في القديم - وبه قال مالك: لا يضم: كما لو قطع العمل، والمعدن غير حافر، ثم عاد؛ نظر: إن قطع لغير عذر، لا يضم الثاني إلى الأول؛ طال الزمان أو قصر. وإن قطع لعذر من: مرض، أو هرب عبد، أو بعذر أذاه - ضم ما يجد بعد زوال العُذر إلى ما قبله؛ طال الزمان أو قصر. ولا فرق بين أن يون المعدن في موات، أو في ملكه في وجوب الحق فيما يستخرج منه.
وعند أبي حنيفة: إن كان في ملكه، لا يجب فيه الحق.
وإن استخرجه من معدن في ملك الغير، فهو لصاحب الملك، فإذا أخذه المالك أخذ منه الحق؛ ويجب حق المعدن بالوجود؛ على ظاهر المذهب الذي يقول: إن الحول فيه ليس بشرط، ويجب الإخراج بعد التمييز؛ كما أن عُشر الزرع يجب إخراجه بعد التنقية؛ فلو أخرج قبل التمييز عن الحجر والتراب، لا تقع عن الزكاة، والساعي ضامن لما أخذه، وعليه رده. وإن تلف؛ فن اختلفا في مقداره، فالقول قول الساعي مع يمينه؛ لأنه غارم، ولو ميزه الساعي، ثم حسبه المال عن الزكاة، جاز، ومؤنة التمييز على المالك، إلا أن يتبرع به الساعي، فلو تلف بعضه قبل التمييز في يد المالك، فهو كتلف بعض المال قبل الإمكان.
فصلٌ: في الركاز
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "يجب في الركاز الخُمس" والباقي للواجد وله شرطان:
[ ٣ / ١١٦ ]
أحدهما: أن يجده مدفونًا في موات لم يجر عليه ملك مسلم، أو القلاع العادية، والقرى القديمة التي لم تكن عامرة لأهل الإسلام، ولا لأهل العهد.
[ ٣ / ١١٧ ]
والثاني: أن تكون بضرب الجاهلية.
والحول فيه ليس بشرط؛ لأن الحول في الأموال الزكوية بحصول النماء اولفائدة، والركاز نفسه فائدة. وهل يشترط فيه النصاب وهل يختص بالنقدين؟
قال الشافعي - ﵀ -: لو كنت أنا الواجد لخمست القليل والكثير، والذهب والفضة وغيرهما.
فمن أصحابنا من قال هذا تعليق القول منه، وجعل في اشتراط النصاب، وفي وجوب الحق في غير الذهب والفضة قولين.
ومنهم من قال- وهو الأصح-: بشرط النصاب، ولا يجب في غير الذهب والفضة قولًا واحدًا، وما قاله الشافعي - ﵁ - احتياط؛ للخروج عن الخلاف. فإن قلنا: النصاب ليس بشرط، يخرج الخمس عن قليله وكثيره، والباقي للواجد.
[ ٣ / ١١٨ ]
وإن قلنا: النصاب شرط، فإن وجد أقل من نصاب، ولم يكن عنده ما يكمل به النصاب - فكله للواجد. وإن كان عنده ما يكمل به النصاب، ضم إليه؛ لإخراج الخمس من الركاز ولو وجد مائة، وعنده نصاب من جنسه، ووجد الركاز مع تمام الحول في النصاب الذي عنده - يجب إخراج الخمس من الركاز، وربع العُشر من النصاب؛ لأن الحول لا يعتبر في الركاز في النصاب.
ومصرف خمس الركاز مصرف الصدقات.
وقيل: إذا قلنا: لا يعتبر النصاب، ولا يختص بالنقدين، فمصرفه مصرف الفيء. والأول المذهب.
ولو وجد الركاز بضرب الإسلام، فهو لقطة؛ في أي موضع وجد؛ كما لو كان على وجه الأرض. وقال الشيخ القفال: لا يكون لقطة؛ لأنه محرز بالدفن؛ كالإبل الممتنعة من السباع، توجد في صحراء - تدخل بالأخذ في ضمانه والأول المذهب.
وإن لم يعرف أنه من ضرب الجاهلية بأن ضرب مثله في الإسلام والجاهلية، أو كان إناء أو حليًا لم يدر أنه من دفن الجاهلية أو الإسلام - فالمنصوص أنه لقطة؛ تغليبًا لحكم الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: هو ركاز؛ لأن الموضع الذي وجده فيه يشهد له، وإن وجده في قرية مسكونة، أو في خربة جرى عليها ملك في الإسلام، أو في العهد، أو في ميناء، أو في مسجد، أو كان في موات، لنكه شيء لا يبقى مدفونًا من وقت الجاهلية - فهو لقطة. فإن وجده في ملك غيره، فهو لمالكه إن ادعاه بلا يمين، بأي ضرب كان. فإن لم يجد مالكه فللورثة، وإن لم يدعه مال الدار، كان لمن تلقى المالك الملك من جهته؛ هكذا حتى يرجع إلى من أحياها. وإن وجده في ملك نفسه؛ نظر: إن كان هو الذي أحياها، فهو ركاز. وإن ملكها من غيره، دفع إلى من يملكها منه. فإن تنازع فيه مُكترى الدار أو مستعيرها مع مالكها، كان للمكتري أو للمستعير؛ لأن اليد له، وإن وجده في أرض موقوفة، فهو لمن في يده الأرض.
وإذا وجد العبد ركازًا أو استخرج من المعدن شيئًا، فهو لسيده يخرج الحق منه، والباقي له.
وإذا وجده، أو استخرجه مكاتب، له فهو له، ولا حق عليه فيه؛ كما لا زكاة عليه في ماله.
وإذا وجده أو استخرجه ذمي في دار الإسلام، فلا حق فيه؛ لأنه ليس من أهل وجوب
[ ٣ / ١١٩ ]
الزكاة، ويمنع الذمي من أخذ المعدن والركاز من دار الإسلام؛ كما يمنع من إحياء الموات.
باب زكاة الفطر
رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس؛ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على كل حر أو عبدٍ، ذكر أو أنثى من المسلمين.
زكاة الفطر فريضة على كل مسلم؛ صغيرًا كان أو كبيرًا؛ ذكرًا كان أو أنثى، حُرًا أو عبدًا، إذا ملك فضلًا عن قوته يوم العيد وليلته
وعند أبي حنيفة: هي واجبة، وليست بفريضة. والحديث حجة عليه.
ولا تجب على الكافر. وفي المرتد أقوال: كما في زكاة المال. وهل تجب على المكاتب فطرة نفسه؟ فيه وجهان:
[ ٣ / ١٢٠ ]
أصحهما - وهو المذهب -: لا تجب؛ كما لا تجب عليه زكاة ماله؛ لأن ملكه ضعيف.
والثاني: تجب في كسبه؛ كما أن نفقته تكون في كسبه.
وكما يجب على المسلم فطرة نفسه، يجب عليه فطرة كل مسلم يلزمه نفقته ابتداء عند القدرة؛ لما رُوي عن ابن عمر قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون فيجب عليه فطرة من تلزمه نفقته من الوالدين وإن علوا، والمولودين وإن سفلوا، وإن كانوا معسرين صغارًا أو مجانين أو زمنى. فإن كانوا موسرين، فلا تجب فطرتهم، فإن كانوا عقلاء كبارًا غير زمني. فإن كانوا موسرين، فلا تجب فطرتهم، فإن كانوا عقلاء كبارًا غير زمني، ففي وجوب فطرتهم قولان.
ولا تجب فطرة الجنين، ولا تجب فطرة غير الوالدين والمولودين من الأقارب؛ كالإخوة، وبني الإخوة، والأعمام، والأخوال؛ كما لا تجب نفقتهم.
ويجب على الزوج فطرة زوجته غنية؛ كانت أو فقيرة، حرة كانت أو أمة أو مكاتبة؛ كما يجب نفقتها.
وعند أبي حنيفة: لا يجب فطرة الزوجة على الزوج. والحديث حجة عليه.
ويجب فطرة خادم الزوجة، وفطرة زوجته الرجعية. أما فطرة المبتوتة الحامل إن قلنا:
[ ٣ / ١٢١ ]
النفقة للحمل، لا تبج. وإن قلنا: للحامل، تجب. ولا تجب فطرة الناشزة، ولا تجب فطرة الزوجة الأمة إذا لم يئويها سيدها معه بيتًا بل فطرتها على سيدها. وهل تجب فطرة زوجة الأب المعسر الزمن، وفطرة أم ولد الأب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما يجب نفقتها.
والثاني - وهو الأصح-: لا يجب؛ بخلاف النفقة، لأنه بسبب فقد النفقة يثبت لها سخ النكاح، ثم يجب على الابن تزويجه، وبسبب فقد الفطرة لا يثبت لها الفسخ.
ولا يجب على العبد فطرة زوجته؛ حرة كانت أو أمة. وهل يجب على المكاتب فطرة زوجته؟ فعلى وجهين؛ كفطرة نفسه. المذهب: أنه لا يجب.
ويجب على السيد فطرة عبيده وإمائه، وفطرة المدبر، وفطرة أم الولد، والمعلق عتقة بالصفة؛ كما يجب نفقتهم، ويجب فطرة عبده المرهون، والجاني، والمغصوب، والذي في إجارة الغير، وعبده الآبق والغائب إذا علم حياته. وإذا شك في حياته فقولان:
أحدهما: يجب؛ لأن الأصل حياته.
والثاني: لا تجب؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ويجب الإخراج في الحال؛ لأنها لا تجب لمعنى النماء؛ بخلاف زكاة المال، ويجب فطرة العبد المأذون له في التجارة وعبيده، ولا يجب على المولى فطرة مكاتبه، ولا عبيد مكاتبه. وهل يجب على المكاتب فطرة عبيد نفسه؟ فعلى وجهين؛ كفطرة نفسه.
ولا تجب فطرة العبد الموقوف على أحد، وكذلك قيم المسجد إذا اشترى عبدًا لخدمة المسجد، لا تجب فطرته. ويجب فطرة العبد المشترك على السادات؛ على كل واحد بقدر ملكه.
وعند أبي حنيفة: لا يجب فطرة العبد المشترك.
ومن نصفه حر، ونصفه رقيق، إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، فيجب نصف فطرته على مولاه، ونصفها في ماله، إن ملك بنصفه الحر نصف صاع فاضلًا عن نصف قوته ليوم الفطر وليلته، وإن كان بينه وبين السيد مهايأة فهذا من المؤن النادرة، هل تدخل في المهايأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تدخل؛ فيكون عليهما في أي يوم كان. والمذهب: أنه تدخل في المهايأة. فإن أهل هلال شوال في نوبة السيد، فعليه جميع فطرته، وإن أهل في نوبة العبد، فعليه جميعها. وكذلك العبد المشتر إذا كان بين السيدين مهايأة.
[ ٣ / ١٢٢ ]
إذا ثبت أن فطرة الزوجة والعبد على الزوج والمولى، فالوجوب يلاقيها، ثم يتحمل عنها الزوج والمولى، أم لا في الزوج والمولى ابتدأ؟ فيه قولان:
أحدهما: يلاقي الزوجة والعبد؛ لأن في الحديث: "عُلَى كل حر وعبد" دل على أن الوجوب يلاقي العبد.
والثاني: يلاقي الزوج والسيد؛ لأنه قال:"عن الحر والعبد ممن تمونون" دل على أن الوجوب على من تمونون.
وكل إذا وجبت فطرته على قريبه، فالوجوب يلاقي المؤدي أو المؤدى عنه؟ فيه قولان:
وفائدته: تتبين فيما إذا كان الزوج معسرًا، وهي غنية، لا يجب على الزوج فطرتها، وهل تجب عليها فطرة نفسها؟
إن قلنا: الوجوب يلاقيها، يجب؛ لأنه ليس هاهنا من يتحمل عنها.
وإن قلنا: يلاقي الزوج، لا يجب. فإن كانت الزوجة أمة، والزج معسر، فهل يجب على سيدها فطرتها؟
فيه قولان؛ كالحرة.
وقيل - وهو الأصح -: يجب قولًا واحدًا؛ لأنها لا تخرج عن قبضه المولى بالتزويج؛ بدليل أنه يجوز أن يسافر بها، ولا يجبر على تسليمها إلى الزوج، بل هو متبرع بتسليمها؛ فلا يسقط بذلك ما وجب عليه من الزكاة، والحرة غير متبرعة بالتسليم؛ لأنه يجب عليها تسليم نفسها؛ فسقطت الفطرة، وكذلك العبد لا يجب عليه فطرة زوجته. وهل يجب عليها فطرة نفسها، إن كانت حرة؟ قيل: فيه قولان؛ كما لو كان الزوج حرًا معسرًا.
وقيل: يجب قولًا واحدًا؛ لأن الزوج ليس من أهل أن يخاطب بالفطرة. وإن كانت زوجة العبد أمة، فالمذهب: أنه يجب على سيدها فطرتها، وكذلك إذا كان الزوج مكاتبًا وقلنا: لا يجب عليه فطرة نفسه، فحكم زوجته حكم زوجة العبد.
ولا يجب على المسلم فطرة عبد الكافر، ولا قريبه الكافر، ولا زوجته الذمية؟ لحديث ابن عمر قال: "على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين" ولأنها لتطهير المؤدي عنه، والكافر ليس ممن يطهر بالصدقة.
[ ٣ / ١٢٣ ]
وعند أبي حنيفة: يجب على المسلم فطرة عبده الكافر، وهل يجب على الكافر فطرة عبده المسلم وأم ولده المسلمة؟ إن قلنا: الوجوب يُلاقي المولى، لا يجب.
وإن قلنا: يلاقي العبد، ثم يتحمل عنه المولى، يجب.
وقيل: في وجوب فطرة المسلم على قريبه الكافر قولان، كالعبد المسلم.
ولو تكلف من وجبت فطرته على قريبه، فأخرجها من موضع آخر بغير إذن من عليه، أو أخرجت المرأة فطرتها دون إذن الزوج - هل يجوز أم لا؟
إن قلنا: الوجوب يلاقيها، ثم يتحمل الزوج والقريب، يجوز؛ لأنهما أخرجا ما وجبت عليهما.
وإن قلنا: يلاقي الزوج والقريب، لا يجوز؛ كما لو أخرج زكاة ماله عنه بغير إذنه.
وإذا أهل شوال، وله أب معسر فقبل أن يخرج الابن فطرته أيسر الأب - إذا قلنا: الوجوب يلاقي الأب، فعليه فطرة نفسه، ولا يجب على الابن. وإن قلنا: يلاقي الابن ابتداء، فعلى الابن فطرة الأب.
"فصلٌ: فيمن لا يلزمه إخراج صدقة الفطر"
من لم يفضل عن قوته وقوت عياله، ومن تلزمه نفقته لليلة الفطر ويومه - شيء - لا يجب عليه فطرته وفطرة غيره. وإن فضل قدر صاع من أي جنس من المال، كان عليه فطرة نفسه، ولا يجب فطرة غيره؛ حتى لو أخرج ذلك الصاع عن غيره، يكون فرضه في ذمته. فإن فضل عن قوته بعض صاع، هل يلزمه إخراجه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ كما في الفارة إذا وجد نصف رقبة، لا يجب إعتاقه.
والثاني- وهو الأصح -: يلزمه إخراجه؛ لأن صدقة الفطر تتبعض؛ كما لو مل نصف عبد، يلزمه بسببه نصف صاع، والكفارة لا تتبعض.
ولو كان له عبد محتاج إلى خدمته، هل يباع بعضه في صدقة الفطر عن العبد، وعن نفسه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وهو كالمعدوم؛ كما في الكفارة.
والثاني: يباع؛ كما يباع في الدين؛ بخلاف الكفارة، فإن لها بدلًا. والأول أصح؛ فإن الشافعي نص على أنه لو كان لابنه الصغير عبدٌ، وهو محتاج إلى خدمته - يجب على الأب نفقه ذلك العبد وفطرته.
[ ٣ / ١٢٤ ]
وعند أبي حنيفة: لا يجب صدقة الفطر ما لم يملك نصابًا من المال، ولو لم يملك شيئًا وقت الوجوب، ووجد بعضه، لا يلزمه؛ فإن كان واجدًا يوم الوجوب، فلم يخرج؛ حتى تلف ماله بعد الإمكان - كانت في ذمته. ولو فضل عن قوته صاعان، وله زوجة وقريب، يخرج عن الزوجة، وإن كان له قريبان، يخرج عمن هو أولى نفقته.
فصلٌ: في وقت الوجوب
صدقة الفطر متى تجب؟ فيه أقوال:
أصحهما: تجب بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، إذا أهل هلال شوال؛ لحديث ابن عمر؛ أن النبي - ﷺ - فرض صدقة الفطر من رمضان وحينئذٍ يكون الفطر في رمضان.
وقال في القديم - وهو مذهب أبي حنيفة -: يجب بطلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن حقيقة الفطر تكون في قوت كان يصوم فيه قبله.
وفيه. قول ثالث: أنه يجب بإدراك الوقتين. يخرج من هذا: أنه لو ولد له مولود قبل غروب الشمس، ومات بعد الغروب، أو ملك عبدًا قبل الغروب، أو نكح زوجته، وماتا بعد الغروب - تجب فطرتهم؛ على القول الأول.
ولا تجب على القولين الآخرين.
وكذلك لو أسلم كافر قبل الغروب، ومات بعد الغروب، ولو ولد أو ملك العبد، أو أسلم الكافر بعد الغروب، ومات بعد طلوع الفجر - فلا يجب فطرته؛ على القول الأول والثالث، وتجب على الثاني.
ولو ولد أو ملك أو أسلم بعد الغروب، ومات قبل طلوع الفجر - فلا تجب فطرته على الأقوال كلها.
ولو اشترى عبدًا بعد غروب الشمس، أو باعه بعد طلوع الفجر، فعلى القول الأول: تجب فطرته على البائع الأول، وعلى القول الثاني: تجب على المشتري الثاني، وعلى القول الثالث: لا تجب على أحد.
ولو دخل وقت الوجوب - وهم عنده - فماتوا قبل إمكان الأداء - فيه وجهان:
أحدهما: تسقط؛ كزكاة المال تسقط بهلاك المال.
[ ٣ / ١٢٥ ]
والثاني: لا تسقط؛ لأنها تجب في الذمة، فلا تسقط بموت المرأة؛ ككفارة الظهار.
ولو باع عبدًا بشرط الخيار؛ فأهل هلال شوال في زمان خيار الشرط وخيار المكان، إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع: فعليه فطرته، وإن تم البيع بينهما. وإن قلنا: للمشتري، فعليه وإن فسخ البيع. وإن قلنا موقوف فإن تم البيع، يجب على المشتري، وإن فسخ فعلى البائع. وإن تم البيع بينهما، ثم فسخ بعد هلال شوال بعيب، أو تحالف- فزكاة الفطر على المشتري.
فلو مات عن رقيق بعد هلال شوال، فزكاة فطره، وفطرة رقيقه في ماله مقدمًا على لميراث والوصايا، وهو كزكاة المال. وهل يقدم على ديون العباد؟ فيه أقوال:
أقيسها أن الكل سواء.
وإن مات قبل هلال شوال عن رقيق، ثم أهل هلال شوال، فصدقة فطرهم على الورثة، وإن بيعوا في دين الميت بعده.
ولو أوصى لإنسان بعبد، فمات الموصي بعد هلال شوال، ففطرته من تركته، وإن مات قبل هلال شوال نظر: إن قبل الموصى له قبل هلال شوال، فعلى الموصى له فطرته، ون لم يقبل؛ حتى أهل شوال، يُبنى على أن الموصى له متى يملك الوصية؟
إن قلنا: يملك بالموت، فعليه فطرته، وإن رد الوصية.
وإن قلنا: يون موقوفًا فإن قبل فتكون عليه، وإن رد فعلى ورثة الموصى.
وإن قلنا: يملك بالقبول، فالملك قبل القبول لمن يكون؟ فيه وجهان:
أصحهما: للورثة؛ فعلى هذا عليهم فطرته.
والثاني: يكون باقيًا على ملك الموصى، فعلى هذا لا يجب فطرته على أحد؛ لأن الزكاة لاتجب ابتداء على الميت.
وقيل: يجب في تركته، ولو مات الموصى قبل هلال شوال، ومات الموصى له بعد هلال شوال قبل لقبول-قام وارثه مقامه في القبول، ويقع الملك للموصى له بقبول الوارث.
وكل موضع أوجبنا الفطرة عليه لو قبل بنفسه، فإذا قبل وارثه يجب في تركته، فإن لم يكن له تركة فلا يجب على الوارث؛ كمن أوصى له ببعض من يعتق عليه، فقبل وارثه بعد موته، عتق وقوم على الميت الباقي؛ وإن كان له تركة هذا إذا كان موت الموصى له بعد غروب الشمس، فإن كان موته مع غروب الشمس أو قبله، كانت الصدقة على ورثة الموصى
[ ٣ / ١٢٦ ]
له إذا قبلوا؛ لأن الملك حصل للموصى له قبل هلال شوال، ووقت وجوب الصدقة كان في ملك الوارث.
ولو أوصى برقبة عبده لإنسان، وبمنفعته لآخر، وقبلا، وأهل شوال - ففطرته على الموصى له بالرقبة.
ولو وُهِبَ له عبد فقبل، فأهل شوال قبل القبض، فالمذهب: أنه لا يملكه قبل القبض، وفطرته على الواهب.
فصلٌ: في مكيلة زكاة الفطر
روي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب.
يجب إخراج صدقة الفطر، وطعام الكفارة مما يُقتات غالبًا من الحبوب، أو من التمر والزبيب، ولايجوز من الأقوات النادرة؛ كالقت وحَب الحنظل، وأشباه ذلك؛ وإن كان ذلك قوته وقوت بلده. ويجب من هذه الأقوات العامة ما هو غالب قوت البلد.
وقال أبو عبيد بن حربويه: تجب من غالب قوت نفسه.
[ ٣ / ١٢٧ ]
قال إمام الأئمة: والصحيح: أنه تجب من غالب قوت أمثاله في البلد، فإن كان مثله يقتات الحنطة، وهو يقتات الشعير - يجب عليه الحنطة. وإن كان مثله يقتات الشعير، وهو يقتات الحنطة. فهل يجوز له إخراج الشعير فيه وجهان:
القياس: أنه يجوز.
ولو عدل عن قوت البلد إلى قُوتٍ أعلى، فإن كان قوته الشعير؛ فأخرج الحنطة، جاز وزاد خيرًا. وإن عدل إلى شيء دونه؛ مثل: أن كان قوته الحنطة؛ فأخرج الشعير - لايجوز. وإن كان قوتهم تمرًا؛ فأخرج حنطة أو شعيرًا - جاز؛ على الأصح؛ لأنه أبلغ في الاقتيات. وإن كان قوتهم حنطة، وشعيرًا؛ فأخر تمرًا، لم يجز؛ على الأصح.
وإن كان قوتهم اللحم، أو ثمرة لا عشر فيها، فلا يجوز أن يُخرج منها، بل يخرج من غالب قوت أقرب البلاد إليه. فإن كان يقربه بلدان متساويان، وقوتهما مختلفٌ، أخرج من قوت أيهما شاء، وإن كنا قوتهم الأقط ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا عشر فيه؛ كاللحم.
والثاني: يجوز؛ ظاهر الحديث.
والجبن كالأقط، ولا يجوز المصل؛ لأنه منزوع الزبد. وإن كان قوت لبنًا فهل يجوز منه؟ ترتب على الأقط: إن لم يجز الأقط، فاللبن أولى، وإلا فوجهان. والفرق: أن الأقط مما يُدخر للاقتيات، واللبن لا يدخر.
وإن كان أهل البلد يقتاتون أصنافًا مختلفة، يخرج من الأغلب، فإن لم يكن بعضها أغلب فالأفضل أن يخرج من أفضلها، ومن أيها أخرج جاز.
وإن كان له عبد غائب، وقوت بلد العبد مخالف لقوت بلد المولى - فمن أيهما يجب إن قلنا: الوجوب يلاقي المولى، فيخرج من قوت بلد المولى.
وإن قلنا: يلاقي العبد، فمن قوت بلد العبد.
ومن أي نوع أدى لا يجوز أقل من صاع بصاع النبي - ﷺ- والصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث؛ فجملة الصاع: خمسة أرطال وثلث.
وعند أبي حنيفة: الصاع أربعة أمداد، كل مد رطلان؛ فجملته: أربعة أمداد.
[ ٣ / ١٢٨ ]
وعنده. يجوز من البُر نصف صاع، ويجب من غيره صاعٌ. وإن كان في البلد قوتان متساويان، لا يجوز أن يفرق الصاع؛ فيخرج نصف صاع من هذا، ونصف صاع من ذلك. وكذلك إذا كان قوته الشعير، فلا يجوز أن يخرج نصف صاع حنطة، ونصف صاع شعيرًا؛ كما في كفارة اليمين، لا يجوز أن يطعم خمسة، ويكسو خمسة.
ولو كان عبد بني اثنين في بلدين قوتهما، مختلف، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما - قاله ابن سريج-: يخرج كل واحد منهما بقدر ملكه من غالب قوته، وقوت بلده.
والثاني - قاله أبو إسحاق-: لا يجوز التفريق، بل عليهما صاع من أدنى القوتين؛ لأن تفريق الصاع لا يجوز، ولو أوجبنا من أعلى القوتين؛ لتضرر به صاحب أدنى القوتين.
والثالث: يخرجان صاعًا من غالب قوت بلد العبد، وكذلك إذا كان العبد بعضه حرًا، وبعضه رقيقًا، وقوت العبد والمولى مختلف.
ولو ملك عبدين وقوته الشعير؛ فأخرج عن أحدهما الحنطة، وعن الآخر الشعير، أو ملك نصفين من عبدين، وأخرج عن أحدهما نصف صاع بُرٍّ، وعن الآخر نصف صاع شعير - يجوز.
ولا يجوز أن يخرج في صدقة الفطر خبزًا، ولا دقيقًا ولا سويقًا؛ لأن الحب يصلح لما لا يصلح له الدقيق.
وكذلك لا يجوز إخراج القيمة.
وعند أبي حنيفة: يجوز كل ذلك.
ولا يجوز حب معيب ولا مسوس فإن كان قديمًا لم يتغير طعمه ولونه، جاز.
ويستحب أن يخرج صدقة الفطر ليلة العيد أو يومه، قبل الخروج إلى صلاة العيد؛ لما روي عن ابن عمر قال: فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى صلاة.
ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد؛ لقول النبي - ﷺ - "اغنوهم عن الطلب في هذا
[ ٣ / ١٢٩ ]
اليوم" فإن أخر حتى خرج يوم العيد، عصى الله تعالى، وعليه القضاء.
ويستحب أن يقيمها بنفسه، فلو دفع إلى الأمام، أو طرحها إلى من يجمع عنده؛ ليفرقها - جاز.
ويجب على الولي إخراج صدقة فطر الصبي والمجنون من مالهما، ولو أخرج عنهما من مال نفسه عنه متطوعًا؛ نظر: إن كان أبًا أو جدًا، جاز، وجعل كأنه ملكه، ثم يولي عنه في الأداء. وإن كان وصيًا أو قيمًا، لا يجوز إلا بإذن الحاكم، فإذا أذن، جعل كأنه يملك للصبي منهما، ثم أذن لهما في الإخراج. ولو قال رجل لآخر: أد عني زكاة فطرتي؛ ففعل، جاز؛ كما لو قال: اقض ديني.
"باب صدقة التطوع"
رُوي عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ - قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول".
صدقة التطوع أمر مندوب إليه، عظيم الأجر والثواب.
[ ٣ / ١٣٠ ]
وروي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ -:"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها؛ ما يربي أحدكم فلوه؛ حتى يكون مثل الجبل".
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".
وإخفاء صدقة التطوع أفضل؛ لقول الله ﷿: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وروي عن ابن مسعود؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "صدقة السر تطفيء غضب الرب". وذلك لأن الإخفاء أبعد من الرياء. أما إعطاء الفرض فالإعلان به أفضل؛ ترغيبًا
[ ٣ / ١٣١ ]
للناس فيه، ونفيًا للتهمة عن نفسه بمنع الزكاة؛ كما أن الصلاة المكتوبة في المسجد بالجماعة أفضل، والتطوع في البيت.
ويجوز أن يدفع صدقة التطوع إلى الفقراء، والأغنياء، والكفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] قل نزلت في علي - ﵁- حين أطعم أسيرًا حربيًا.
ويجوز أن تدفع إلى أقاربه الذين تلزمه نفقتهم، وهو أولى من الدفع إلى الجانب.
روي عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، ألى أجر أن أنفق على بني أبي سلمة، إنما هم بني فقال: "أنفقي عليهم، ولك أجر ما أنفقت عليهم".
وقالت امرأة عبد الله بن مسعود لبلال: سل رسول الله - ﷺ - أتجزيء الصدقة عني على زوجي، وأيتام لي في حجري؟ فسأله فقال: "نعم لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
ولا يجوز للرجل أن يتصدق صدقة التطوع؛ وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته، أو نفقة عياله؛ لما روي أبو هريرة؛ أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: "أنفقه على نفسك". قال: عندي آخر. قال: "أنفقه على ولدك". قال عندي آخر قال: "أنفقه على أهلك". قال: عندي آخر. قال: "أنفقه على خادمك". قال: عندي آخر. قال: "أنت أعلم".
[ ٣ / ١٣٢ ]
وروي أن النبي - ﷺ - قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت".
ولا يجوز أن يتصدق إلا بما يفضل عن دين إن كان عليه؛ لأنه حق واجب؛ فلا يجوز تركه بالتطوع. فإن فضل عن حاجته، يستحب أن يتصدق به؛ لما روي عن جرير، عن النبي - ﷺ - قال: "يتصدق الرجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره؛ حتى قال: ولو بشق مرة وهل يستحب للرجل أن يخرج عن جميع ماله؛ فيتصدق به؟ اختلف الأخبار فيه، روينا أن النبي - ﷺ - قال:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى".
وروي أن الصديق - ﵁خرج عن جميع ماله؛ فلم يُنكر النبي - ﷺ-.
[ ٣ / ١٣٣ ]
وروي أن النبي - ﷺ - قال لأسماء: "تصدقي ولا توعي فيوعي الله عليك" وقال لبلال: "أنفق يابلال، ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا".
ووجه الجمع بين هذه الأخبار: أن الرجل إذا قويت نفسه، وتم يقينه؛ بحيث ألا يضطرب عليه حاله إذا أصابته فاقة - فالأفضل أن يتصدق بجميع ماله. وكذلك كان حال الصديق، وبلال - ﵄ - وإن لم يكن له تلك القوة، فالأولى أن يتصدق عن ظهر غنى. والله أعلم ومن يتصدق بشيء، وأخرجه في زكاة أوكفارة، ثم باعه المتصدق عليه - يكره للمتصدق أن يشتريه.
روي عن عبد الله بن عمر؛ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله، ثم وجده يباع؛ فأراد أن يبتاعه. فسأل رسول الله - ﷺعن ذلك. فقال: "لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك" ولأنه إذا علم أنه تصدق عليه، ربما يحابي معه في الثمن؛ فيكون كنم رجع في بعض صدقته. فإن باعه المسكين من أجنبي؛ فاشتراه المتصدق من الأجنبي، أو اشترى وكيل المتصدق من المصدق ليه، ولم ين الوكيل معروفًا به - لم يكره، ولكن الأولى ألا يفعل.
[ ٣ / ١٣٤ ]