قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
جعل الله تعالى خُمس الغنيمة لأصناف، وأبقى الباقي مشتركًا بين الغانمين.
[ ٤ / ١٩٣ ]
وروي عن أبي هريرة؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "يقول الله ﷿: "أنا ثالث الشريكين، ما لم يخُن أحدهما صاحبه؛ فإذا خانه خرجت من بينهما" الشركة: اسم لثبوت الحق في الشيء الواحد لجماعة على الشيوع.
وهي على أقسام:
شركة في الأعيان والمنافع؛ كالميراث: يكون مشتركًا بين الورثة، والغنيمة بين الغانمين، أو اشترى جماعة شيئًا، أو وُصي لهم فقبلوا، أو اتَّهبوا.
وشركة في المنافع دون الأعيان؛ كما لو استأجر جماعة عينًا، أو أوصى لهم بخدمة عبد، أو وقف عليهم شيئًا يشتركون في منفعته.
وشركةٌ في الأعيان دون المنافع؛ كمن أوصى لرجل بخدمة عبد، ومات عن عدة من الورثة، فعيَّن العبد لهم، والمنفعة للموصى له.
وشركة في حقوق الأبدان؛ مثل: حد القذف والقصاص: يرثه جماعة.
وشركة في حقوق الأموال؛ كالشفعة: تثبت لجماعة.
والمقصود من هذا لكتاب عقد الشركة في التجارات والمعاملات، وهي على أربعة أقسام:
شركة العنان، وشركة الوجوه، وشركة الأبدان، وشركة المفاوضة، وكلها-
[ ٤ / ١٩٥ ]
عندنا- باطلة إلا شركة العنان؛ فإنها جائزة بالاتفاق؛ أخذت من عنان الدابة؛ لاستواء الجانبين في موجب العقد؛ كاستواء طرفي العنان.
وقيل: لأن كل واحد يمنع صاحبه أن يعمل ما يشتهي كعنان الدابة يمنع الدابة.
وصورتها: أن يُخرج كل واحد دنانير مثل دنانير صاحبه في الوصف، أو دراهم مثل دراهم صاحبه، ويخلطا المالين، ثم بعد الخلط: يعقدا عقد الشركة، فيقولا: عقدنا الشركة أو اشتركنا؛ ولا يصح العقد قبل الخلط.
ويجب أن يأذن كل واحد منهما صاحبه في التصرف.
وقيل: إذا خلطا المال، وعقدا الشركة-: لا يشترط الإذن في التصرف؛ بل مجرد العقد إذن، وليس بصحيح، بل الإذن شرط، والعقد والخلط سبب الشركة.
وكذلك: لو كان لكل واحد عرضٌ، فتبايعا النصف بالنصف؛ فبمجرد التتابع: لا يستفيد التصرف؛ لأنه سبب الشركة، وسبب الشركة لا يفيد التصرف في مال الشريك؛ كمال وارثه؛ فإنهما لو ورثا مالًا مختلطًا: لا يجوز لأحدهما أن يتصرف فيه إلا بإذن الآخر.
ويشترط أن تكون على الدنانير والدراهم المطبوعة؛ لأنهما مالا التجارة، ولا يجوز على السبيكة والنُّقرة؛ لأنهما عرضان كالثياب.
ويشترط اتفاق المالين في الجنس والوصف؛ بحيث لا يمكن التمييز بينما بعد الخلط: فإن كان من أحدهما دراهم، ومن الآخر دنانير، واختلفا في الوصف: بأن كان دنانير أحدهما صحاحًا، ودنانير الآخر مكسرًا، أو أحدهما عين والآخر وسط، أو اختلفا في
[ ٤ / ١٩٦ ]
سكِّه وتاريخه؛ بحيث يمكن التمييز بينهما بعد الخلط بذلك الوصف، أو إحداهما مثقوبة، أو ذات عِزي: فلا يصح العقد.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: خلط المالين ليس بشرط، وإن كان لأحدهما دراهم، وللآخر دنانير-: تصح الشركة، وبالاتفاق: لو كان لأحدهما حنطة، وللآخر شعير-: لا يصح؛ فنقيس عليه، ولا يشترط اتفاق المالين في القدر، ويكون الربح بينهما على قدر المالين، ولا يشترط ذكره في العقد؛ بل إطلاقه يقتضيه، وذكره لا يضر، ولا يُنظر إلى تفاوتهما في العمل، فلو اشترط التفاوت في الربح مع الاستواء في المال-: لا تصح الشركة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يصح على ما شرطا، فنقول: هذا رفق يستحق بملك الأصل؛ فيستحق بقدر الملك؛ كثمار الأشجار المشتركة ومنافع الدواب المشتركة.
ومهما فسد عقد الشركة بوجه من الوجوه-: فالتصرف جائز مع فساد الشركة؛ لوجود الإذن؛ كما لو دخل ببيع شيء، وشرط فيه شرطًا فاسدًا- فالوكالة باطلة، ولا يفسد الإذن، ويصح البيع، ويكون الربح بينهما على قدر المالين، وهل تجب الأجرة- نُظر: إن استويا في المال والعمل-: فلا شيء لأحدهما على الآخر، ويتقاصان، وإن اختلفا- نُظر: إن اختلفا في العمل، واستويا في المال: فإن كان عمل من شرط له الزيادة أكثر-: رجع بنصف أجر الزيادة، وغن كان عمل الآخر أكثر-: فهل يرجع بنصف أجر الزيادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع؛ لأنه عقد ربح، فإذا فسد استحق العامل أجر المثل؛ كما في القراض.
والثاني: لا يرجعُ؛ لأنه عمل حصل في الشركة من غير شرط عوض، والعمل في الشركة لا يقابله العِوض؛ ألا ترى أن العقد لو كان صحيحًا، وزاد عمل أحدهما-: لا يستحق عليه شيئًا، بخلاف القراض؛ فإن العمل هناك بمقابلة العوض، وإن اختلفاف ي المال؛ بأن كان لأحدهما ألف، وللآخر ألفان، وشرطا الاستواء في الربح، واستويا في العمل، فيرجع من قلَّ ماله على الآخر بثلث أجرة عمله؛ لأن له ثلث المال وعمل نصف العمل-: فثلث عمله زائد؛ فيرجع به لفساد العقد.
وهل يجوز عقد الشركة على غير الدراهم والدنانير؟ نظر-: إن كان من ذوات القيم؛ كالحيوان والثياب-: لا يجوز؛ لأن القيمة تتغير بالارتفاع والانخفاض فيؤدي إلى أن يدخل الربح في رأس المال، وإن كان من ذوات الأمثال؛ كالحبوب والأدهان ونحوها-: ففيه قولان:
[ ٤ / ١٩٧ ]
قال في رواية البويطي- وبه قال أبو يوسف-: لا يجوز؛ كما لا يجوز عقد القراض عليه، لأنها ليست من مال التجارة؛ كذوات القيم.
والثاني- وهو الأصح-: يجوز، وبه قال محمد بن الحسن؛ لأنهما مالان لا يتميز أحدهما عن الآخر عند الخلط؛ كالنقدين، ويفارق مال القراض؛ لأن العامل حقه في الربح، فلو جوزنا في العروض، واختلفت قيمتها من العقد إلى المفاضلة؛ فيؤدي إلى أن يدخل الربح في رأس المال أو رأس المال في الربح، وفي الشركة يؤمن هذا المعنى؛ لأنه لا حاجة فيها إلى تحصيل رأس المال؛ بل ما حصل في أيديهما: يكون مقسومًا بينهما على قدر المالين من غير احتياج إلى تمييز ربح، ويفارق العروض المتقومة قيمتها: تختلف من يوم العقد إلى يوم البيع؛ فربما تزيد قيمة مال أحدهما دون الآخر بارتفاع مال أحدهما ويتأخر بيع مال الآخر، فتزداد قيمته أو تنقص؛ لأن الاختلاط فيه لا يمكن، وقد تهلك سلعة أحدهما، وتبقى سلعة الآخر، فلا يجوز بيع مال أحدهما بينهما، وفي المختلط: يؤمن هذا المعنى؛ لأن ما يتلف حقهما، فإن جوزنا: يشترط اتفاق المالين جنسًا ووصفًا، كما في النقود؛ حتى لو كان المالان من جنس واحد، والنوع مختلف يمكن التمييز بينهما بمشقة؛ كالحنطة الغريبة مع البلدية-: لا يجوز عقد الشركة؛ كما لو كان لأحدهما سمسمٌ، وللآخر ذُرة-: لا يجوز؛ لإمكان التمييز، وإن لحق المشقة؛ فإن جوزنا الشركة على المال المثلي، فإن كانت قيمة العرضين متساوية-: كانا شريكين فيه؛ كالسواء، ويتراجعان عند المفاضلة إلى مثلهما، والربح بينهما، وإن كانت القيمة مختلفة؛ بأن يكون لأحدهما كُرّ حنطة، قيمته مائة، ولآخر كُرٌّ قيمته خمسون، فخلطا؛ فهما شريكان بقدر قيمة المالين؛ فيكون المال والربح بينهما أثلاثًا، وعند القسمة يبيعانه، ويقسمان على قيمة رأس المال أثلاثًا؛ فإن أراد قسمة عين رأس المال أثلاثًا-: لم يجز؛ على أصح القولين، وإن كان لكل واحد عرضٌ، وأرادا الشركة-: باع أحدهما نصف عرضة بنصف عرض صاحبه؛ فيصير الكل مشتركًا بينهما؛ فيتقاصان، ويأذن كل واحد لصاحبه في التصرف؛ فيكون صحيحًا، وهو أبلغ في الاشتراك من خلط المالين؛ لأنه ما من جزء- ههنا- إلا وهو مشترك بينهما، وهناك-: وإن وجد الخلط-: فمال كل واحد في الحقيقة ممتاز عن مال الآخر، ولو لم يتبايعا هكذا، ولكن اشتريا بالعرضين غير مشتركين بينهما عرضًا، أو باعهما بثمن واحد-: ففي صحة البيع قولان:
فإن جوزنا: يكون الثمن مشتركًا بينهما؛ فيأذن كل واحد صاحبه في التصرف، وإن اختلفت قيمة العرضين-: فيكون المال والربح بينهما على التفاوت، وإذا كان لأحدهما عشرة دنانير، وللآخر مائة درهم، وابتاعا شيئًا، وربحًا: فلو كان نقد البلد أحدهما- قُوِّم الآخر به، فإن استوت قيمتهما- استويا في الربح، وإن اختلفت قيمتهما- تفاوتا في الربح على
[ ٤ / ١٩٨ ]
قدر المالين؛ مثل: إن كانت قيمة عشرة دنانير مائتي درهم؛ فيكون الثلثان لصاحب الدنانير، والثلث لصاحب الدراهم.
وأما شركة الوجوه، وشركة الأبدان وشركة المفاوضة عندنا باطلة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: كلها صحيحة.
فصورة شركة الوجوه أن يكون رجلان؛ لكل واحد منهما وجه عند الناس ومنزلة، فاشتركا على أن يبتاعا في الذمة بجاههما إلى أجل، وما يبتاع كل واحد: يكون بينهما، ثم يبيعا ويقضيا الدين عند الأجل، فما يفضل: يكون بينهما، أو يكون أحدهما وجيهًا يعرفه التجار، فيشتري منهم في الذمة، ويحمله إلى رجل مجهول؛ ليبيعه؛ فما يحصل من الربح: يكون بينهما؛ وهذا فاسد.
وإذا اشترى أحدهما شيئًا: يكون ذلك له خاصة، له ربحه، وعليه خسرانة، ولا يكون لصاحبه فيه شركة إلا بأربع شرائط:
أحدها: أن يأذن له في الشراء: أما بمطلق الشركة فيه فلا يستفيده.
والثاني: أن يبين جنس ما يشتري، ويبين قدره، وينوي عند الشراء: أنه يشتري لفلان، أو يسميه كالوكيل.
وصورة شركة الأبدان: أن يشترك محترفان على أن يكتسبا؛ فما يحصل من كسبهما: يكون بينهما؛ فهو فاسد؛ لأن العمل معدوم، وهو مجهول، كما لا يصح شركة العنان على مال معدوم ومجهول، ثم ما حصل بكسب كل واحد منهما؛ يكون له؛ كما لو اشتركا في الاحتطاب، والاصطياد-: لا يصح، وما أخذ كل واحد: يكون له على الخصوص.
وشركة المفاوضة: جوزها أبو حنيفة﵀- وشرطها عنده: أن يعقد على الدراهم أو على الدنانير.
وأن يستويا في قدر المال.
وأن يكون الربح بينهما على قدر المالين.
وألا يكون لأحدهما من ذلك الجنس مال آخر.
وأن يسميا المفاوضة.
[ ٤ / ١٩٩ ]
وأن يستوي الشريكان في الدين والحرية؛ فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر ذميًا، أو كان أحدهما مكاتبًا والآخر حرًا-: لا يصح.
ثم حكمه عندهم: أن كل ضمان لزم أحدهما بغصب أو جناية-: كان الآخر مؤاخذًا به، إلا الجناية على الحر، وبدل الخلع والصداق، ولا يؤاخذ به الآخر، فكل ما ملك أحدهما بشراء أو التقاط: يشاركه الآخر فيه إلا ثلاثة أشياء:
قوت يومه، وثياب بدنه، وجارية يتسرى بها.
وما ملك بإرث أو هبة: قال: لا يشاركه الآخر فيه؛ غير أنه إن كان من جنس مال الشركة: تفسد الشركة، وقد قال الشافعي﵁- في "اختلاف العراقيين": إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة- فليس في الدنيا عقد باطل، وذلك لكثرة ما فيها من الجهالات والمحالات وأنواع الغرر، ثم عندنا في شركة المفاوضة: يكون الربح بينهما على قدر المالين؛ لأنهما يتجران في ماليهما، وحكم الأجرة ما ذكرنا في الشركة الفاسدة، ولو اشترك ثلاثة، فأعطى واحد جملًا، والآخر راوية على أن يستقي الثالث الماء على أن ما يحصل: يكون بينهما-: فهذا فاسد، ثم إن استقى من ماء مملوك للسقاء، فعمله: يقع له، وعليه لصاحب الجمل والراوية أجرُ مثل الجمل والراوية؛ لأنه استوفى منفعتهما بأجرة فاسدة.
وإن استقى من مباح- نُظر: إن استقى بنيَّة نفسه-: فهكذا، وإن استقى بنيَّة الشركة-: ففيه قولان: بناءً على أن التوكيل والاستئجار للاحتطاب والاحتشاش والاستقاء من المباح-: هل يجوز؟ فيه قولان:
أصحهما: يجوز كما لو استأجره لعمل آخر.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه مباح يملك بالحيازة، والحيازة من الأجير؛ فيقع ملكًا له.
فإن قلنا: يجوز-: فما يستقي يكون ملكًا لهم جميعًا، ويرجع كل واحد على صاحبه بثلثي أجر المثل؛ فصاحب الجمل: يرجع بثلثي أجر مثل الجمل على صاحب الراوية والسقاء، وصاحب الراوية يرجع بثلثي أجر مثل الراوية على صاحب الجمل والسقاء، والسقاء يرجع بثلثي أجر مثل عمله على صاحب الجمل والراوية، وإن قلنا: لا يجوز الاستئجار على الاستقاء-: فعمل السقاء وقع لنفسه، والماء له، ويرجع عليه صاحب الجمل والراوية بأجر مثل الجمل والراوية.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
فلو استأجرهم رجلٌ بأن يقول لصاحب الجمل: استأجرت جملك، ولصاحب الراوية: استأجرت راويتك، وللثالث: استأجرتك لحمل الماء من موضع كذا إلى موضع كذا، فأجروا-: هل تصح هذه الإجارة؟ فيه وجهان؛ كما لو اشترى عرضين من رجلين غير مشتركين بينهما بعقد واحد-: ففي قول: يصح ويوزَّع المسمى على أجور أمثالهم.
والثاني: لا يصح؛ لأن ما يخص كل واحد مجهول، وكل واحد يستحق أجر المثل على المستأجر، وعلى هذا: لو اشترك ثلاثة في عمل الطحن: من أحدهم الطاحونة، ومن الآخر الدابة، ومن الثالث العمل-: لا يصح.
فلو قال لهم رجل: استأجرتكم مع الآلات لطحن هذه الحنطة-: فهو كما لو استأجر ثلاثة دور من ثلاثة نفر غير مشتركة بينهم؛ وفي صحته قولان: إن قلنا: يصح-: يوزع المسمى على أجور أمثالهم، وإن قلنا: لا يصح-: فسد المسمى، ولكل منهم أجر مثل عمله أو آلته.
أما إذا لزم ذمتهم الطحن بمسمى معلوم، وقبلوا، أو قبل واحد على نفسه، وعلى أصحابه بإذنهم-: صحت الإجارة قولًا واحدًا؛ لأن العمل في الذمة معلوم، وهو طحن الثلث على كل واحد منهم؛ فهو كما لو باع عبدًا مشتركًا بين أربعة نفر-: يصح، ويوزع المسمى على أجورهم.
فصلٌ [في التصرفات في شركة العنان]
إذا عقد رجلان شركة العنان، وأذن كل واحد منهما لصاحبه أن يتصرف في كل ما يرى من أنواع التجارات-: جاز، ولا يشترط أن يثبت جنسًا ونوعًا؛ كما في القراض.
وقيل: يشترط بيان الجنس الذي يتصرف فيه؛ كما في الوكالة.
وإذا بين جنسًا، وقال: تصرف في كذا-: فكل واحد منهما لا يتصرف في نصيب شريكه؛ إلا فيما سمى، وله أن يتصرف في نصيب نفسه فيما شاء.
ولو أذن أحدهما لصاحبه أن يتصرف في جميع مال الشركة، وقال: أنا لا أتصرف إلا في نصيبي-: جاز، وهو لا يتصرف إلا في نصيب نفسه، وكذلك: لو أذن أحدهما لصاحبه في التصرف مطلقًا، ولم يأذن الآخر-: فالمأذون يتصرف في جميع المال، وغير المأذون لا يتصرف إلا في نصيب نفسه، ولو قال أحدهما: أنا لا أتصرف في نصيبي، أو شرط على
[ ٤ / ٢٠١ ]
شريكه: أنك لا تتصرف في نصيبك إلا في نوع واحد-: لم يصح العقد؛ لأنه حجر على المالك التصرف في ملكه، ولا يجوز لأحد الشريكين: أن يبيع أو يشتري بالغبن الفاحش، أو يبيع نسيئة، أو بغير نقد البلد بغير إذن الشريك؛ فلو باع شيئًا من مال الشركة بغبن فاحش، أو إلى أجل أو بغير نقد البلد-: لا يصح في نصيب الشريك، وهل يصح في نصيبه؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
ولو اشترى في الذمة شيئًا بالغبن: يصح، ويقع العقد له-: فعليه أن يؤدي الثمن من خالص ماله.
ولو اشترى من مال الشركة شيئًا، فوجد به عيبًا: له رده، فلو اشتريا، وأراد أحدهما الإمساك-: يجوز للآخر رد نصيبه؛ لأن تعدد المشتري يوجب تعدد الصفقة.
ولا يجوز لأحدهما أن يسافر بمال الشركة، ولا أن يبعضه بغير إذن الشريك؛ فإن فعل كان ضامنًا لنصيب الشريك؛ لأنه خاطر بماله، والمال في يد الشريك يكون أمانة، كما في يد المودع؛ فإن هلك في يده من غير تعد منه-: لا ضمان عليه.
ولو ادعى أحدهما هلاك المال في يده، أو رده إلى شريكه-: قبل قوله مع يمينه.
ولو ادعى أحدهما على الآخر جناية-: لا يسمع، ما لم يبين قدر الجناية، فإذا بيَّن، وقال: خانني في عشرة-: يسمع، وإن لم يبين الجهة-: فالقول قول المنكر مع يمينه؛ لأنه أمين.
ولو اشترى أحدهما شيئًا، وفيه ربح، فقال: اشتريته لنفسي، وقال الآخر: بل للشركة، أو كان فيه خسران، فقال: اشتريته للشركة، وقال الآخر: بل لنفسك: فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه أعرف بنيته.
ولو كان في يد أحدهما مال، فقال من في يده هذا خاص مالي، وقال الآخر: بل مال الشركة، أو قال من في يده: هذا مال الشركة، وقال الآخر: بل هو ملكي-: فالقول قول من في يده مع يمينه.
ولو كان في أيديهما مال، فاختلفا؛ فقال كل واحد منهما: هذا نصيبي من مال الشركة، وأنت أخذت نصيبك-: تحالفا، وكان المال بينهما، فأيهما حلف، ونكل الآخر-: كان للحالف، قال الشيخ: وكذلك: لو كان المال في يد أحدهما، وكل واحد
[ ٤ / ٢٠٢ ]
يقول: هذا نصيبي، وأنت أخذت نصيبك، ولو كان المال في يد أحدهما، فقال من في يده: اقتسمنا مال الشركة، وهذا نصيبي، وقال الآخر: ما اقتسمنا، وهو مشترك-: فالقول قول المدعي أنه مشترك؛ لاتفاقهما على أنه من مال الشركة، والأصل بقاؤه.
فصلٌ في فسخ عقد الشركة
عقد الشركة عقد جائز؛ يجوز لكل واحد منهما فسخه، فإذا قال أحدهما: فسخت الشركة: ينفسخ، وانعزلا جميعًا عن التصرف في نصيب الآخر؛ لأن الفسخ يقتضي رفع العقد من الجانبين.
ولو قال أحدهما لصاحبه: عزلتك، أو نهاه عن التصرف-: ينعزل عن التصرف في نصيب العازل، ولا ينعزل العازل عن التصرف في نصيب الآخر.
ولو مات أحدهما، أو جُنَّ، أو أُغمي عليه-: انفسخ العقد؛ كالوكالة، حتى لو حسنت حالته بعد ذلك-: لا يجوز له التصرف في مال الشركة إلا بعد استئناف عقد جديد.
وإذا مات أحدهما: فلوارثه المقاسمة، فإن أراد الوارث المقام على الشركة-: يجوز بعقد مستأنف؛ لأن العقد الأول قد ارتفع؛ وإنما يجوز إذا لم يكن على الميت دين يتعلق بحصته، ولا هناك وصية لغير متعين، وكان الوارث بالغًا رشيدًا، فإن كان الوارث موليًا عليه؛ لصغر أو جنون، فإن رأى وليه النظر له في المقام على الشركة-: استأنف عقد الشركة، وإلا قسم المال، وكذلك: إذا أوصى لمعيَّن بثلث ماله-: فللموصى له المقام على الشركة، ولولي الموصى له، إن كان الموصى له صغيرًا، إذا رأى النظر فيه، وإن كان قد أوصى بثلثه لغير معين، أو عليه دين، ولم يكن في غير مال الشركة وفاء بالدين-: لم يكن لوارثه المقام على الشركة، فإن قضى الدين من موضع آخر-: فله ذلك.
فصلٌ [في الدعوى بين الشَّرِيكَيْنِ]
إذا كان بين رجلين عبدٌ، فأمر أحدهما صاحبه ببيعه، فباع كله بألف، ثم اختلف الآمر والبائع، فقال الآمر: استوفيت الثمن، فأدِّ نصيبي، وقال البائع: ما استوفيت، والمشتري يصدق الآمر-: يسقط عن المشتري خمسمائة من نصيب الآمر؛ فإقراره أن البائع الذي هو وكيله استوفاه، وهذا على قولنا: إن الوكيل بالبيع يملك استيفاء الثمن، ولو كان مأذونًا في الاستيفاء، ثم ههنا دعوتان:
أحدهما: بين البائع والمشتري.
والأخرى: بين الآمر والبائع، فإن جاء البائع أولًا، وادعى على المشتري حصته من
[ ٤ / ٢٠٣ ]
المشتري، فقال المشتري: قد أديته، فإن أقام المشتري بينة على الأداء، أو أقام شاهدًا، وحلف ومعه-: سقط عنه جميع الثمن.
ولو شهد له الآمر هل يقبل أم لا؟ نُظر: إن شهد بعدما أبرأ البائع عن حقه-: قبلت شهادته، وإن لم يبرئه-: لم تقبل شهادته عليه في قبض حصته؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا، وهو حق الرجوع عليه بما قبض من حصته، فهل يقبل في حصة البائع؟ فيه قولان؛ بناءً على تبعيض الشهادة:
فإن قلنا: تبعَّض الشهادة: يقبل، ويحلف المشتري معه، ويبرأ عن جميع الثمن.
وإن قلنا: لا تُبعض-: لا تقبل شهادته.
وإن قلنا: لا تقبل، ولم يكن عدلًا، أو لم يكن للمشتري بينة-: فالقول قول البائع مع يمينه؟ أنه لم يقبض؛ فإذا حلف: أخذ منه بعض الثمن، ولا يشاركه الآمر فيه، لأنه أقر أنه أخذ الحق مرة، فإن ما يأخذه الآن يأخذه ظلمًا، ثم إن ادعى الآمر على البائع-: حلف البائع أنه لم يستوف إلا نصيب نفسه.
ولو نكل البائع عن اليمين: حلف الآمر، وأخذ منه خمسمائة، ولا رجوع له على المشتري؛ لأنه يُقر أن الآمر ظلمه فيما أخذ، أما إذا نكل البائع في الابتداء مع المشتري، وحلف المشتري-: تبرأ ذمته، ثم إن ادعى الآمر على البائع: للبائع أن يحلف، فإن كان قد نكل مع المشتري؛ لأن نكوله كان في حق غيره؛ فإن نكل البائع عن اليمين-: حلف الآمر، وأخذ منه خمسمائة، ولا رجوع له على المشتري، وكذلك: إذا جاء الآمر أولًا، وادعى على البائع قبض الثمن، فإن أقام عليه بينة-: أخذ منه حصته، وإن لم يكن له بينة حلف البائع، فإن نكل البائع: حلف الآمر، وأخذ منه خمسمائة، ثم إذا ادعى البائع على المشتري: فللبائع أن يحلف، وإن نكل في حق الآمر.
فإن كانت المسألة بحالها [وادعى الآمر] بأن البائع قد قبض الثمن من المشتري، والمشتري يدعيه، والآمر منكر: قال المزني﵀-: يبرأ المشتري عن نصف الثمن الذي هو نصيب الآمر بإقرار البائع أن شريكه قد قبض؛ لأنه أمين، ويرجع البائع على المشتري بالنصف الباقي، وهذا لا يصح على أصل الشافعي- رحمة الله عليه- لأن البائع وكيل من جهة الآمر، ولا يقبل إقرار الوكيل على الموكل أنه قد استوفى الثمن.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- يُقبل.
والمزني قد نقل هذه المسألة من كتب العراقيين، فأجاب على مذهبهم.
وقيل: صورة مسألة المزني: أن يكون الآمر مأذونًا من جهة البائع في قبض الثمن، أو كان كل واحد من الشريكين مأذونًا من صاحبه في قبض الثمن، فإذا أقر البائع بقبض الآمر: يسقط عن المشتري مطالبة البائع في الثمن، ويسقط عنه نصيبه بإقراره أن وكيله قد قبض، ثم- ههنا- دعوتان؛ كما ذكرنا:
إحداهما: بين البائع والآمر.
والأخرى: بين الآمر والمشتري.
وإذا أجرى الدعوى بين الآمر والمشتري-: حلف الآمر أنه لم يأخذ شيئًا، وأخذ منه خمسمائة، وخلص له، ولا رجوع للمشتري على البائع؛ لأنه يقر بأن الآمر أخذ منه ظلمات وإن نكل الآمر حلف المشتري وبرئ، وأما إذا ادعى البائع على الآمر-: حلف الآمر، وبرئ، فإن نكل حلف البائع، وأخذ منه خمسمائة، ولا رجوع له على المشتري، وإن كان قد نكل الآمر عن اليمين مع المشتري: فله أن: يحلف مع البائع.
ولو شهد البائع للمشتري في هذه الصورة: لم يقبل؛ لأنه يشهد لنفسه على الآمر، فإذا لم يكن الآمر مأذونًا من جهة البائع في قبض الثمن: فبإقرار البائع أن الآمر قد قبضه- لا تبرأ ذمة المشتري عن شيء من الثمن، غير أن البائع لا يمكنه مطالبة المشتري بنصيب الآمر؛ لأنه أقر أن الآمر قد قبض نصيبه، وأنه معزول عن وكالته، بل يأخذ نصيب نفسه بلا يمين؛ لأن قبض الآمر نصيب البائع بغير إذنه- لا يبرئ ذمة المشتري، ثم إذا تخاصم الآمر والمشتري، فادعى المشتري على الآمر القبض، فإن كان للمشتري بينة- أقامها، وبرئ من حقه، وإن لم يكن له بينة- حلف الآمر أنه لم يقبض، فإذا حلف- قال المزني: هو بالخيار بين أن يرجع على المشتري بخمسمائة، وبين أن يشارك البائع فيما أخذ؛ فيأخذ منه مائتين وخمسين، ومن المشتري مائتين وخمسين؛ لأنه ما من جزء من الثمن إلا وهو مشترك بينهما، لاتحاد الصفقة، بخلاف المسألة الأولى، إذا كان الآمر مأذونًا في القبض: لم يكن للبائع أن يشاركه فيما يقبض من المشتري، لأن بزعمه: أنه مبطل فيما يقبض من المشتري، وليس له مشاركته فيما يقر ببطلان يده عليه.
وقال ابن سريج: ليس للآمر أن يشارك البائع فيما أخذ، بل يأخذ حقه من المشتري،
[ ٤ / ٢٠٥ ]
لأن البائع قد انعزل عن وكالته بإقراره: أن الموكل أخذ حقه، وهو لا يأخذ بعد العزل إلا حق نفسه؛ فلا يشاركه الآمر فيه.
ولو شهد البائع للمشتري على قبض الآمر: لا تقبل شهادته على قول المزني؛ لأنه يدفع عن نفسه بهذه الشهادة مشاركة الآمر معه فيما أخذ، وعلى قول ابن سريج: يُقبل؛ لأن عنده لا رجوع له عليه، فهو لا يدفع بشهادته ضررًا عن نفسه.
فصلٌ [في ثبوت حق لرجلين على رجل بسبب واحد]
إذا كان لرجلين حق على رجل ثبت بسبب واحد، هل ينفرد أحدهما بقبض نصيبه؟ نظر: إن ثبت إرثًا لا ينفرد، وكذلك إذا كاتب رجلان عبدًا كتابة واحدة: لا ينفرد أحدهما بأخذ نصيبه من النجوم.
وإن ثبت بغير الميراث والكتابة؛ بأن باعا سلعة صفقة واحدة، هل ينفرد أحدهما باستيفاء نصيبه من الثمن؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو اختيار المزني﵀-: لا ينفرد، بل إذا أخذ منه شيئًا شاركه الآخر فيه، كما في الميراث؛ لأن قسمة الدَّين: لا تجوز؛ كما لا يجوز بيع الدين بالدين.
والثاني: ينفرد بخلاف الميراث، لأنه لا يتجزأ، وكذلك: الكتابة؛ ألا ترى أن أحد الورثة لا يجوز أن يرث بعض التركة منفردًا به لا يشاركه فيه الآخر؛ وكذلك: كتابة بعض العبد لا يجوز، وكذلك: لا يتجزأ في القبض، أما سائر الحقوق تتجزأ في الأصل، فتتجزأ في القبض، أما إذا باع كل واحد منهما نصيبه بعقد آخر، فينفرد كل واحد منهما بأخذ نصيبه بعقد آخر؛ لا يختلف القول فيه.
فصلٌ [في بيع العبد الشريك بغير إذن الآخر]
عبد مشترك بين شريكين؛ باع أحدهما جميع العبد بغير إذن شريكه: لا يصح البيع في نصيب الشريك، وهل يصح في نصيبه؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
ولو باع أحدهما نصف العبد- نظر: إن قال: بعتُك نصيبي: صح البيع، وإن باع نصفه مطلقًا: ففيه وجهان:
أحدهما: ينصرف إلى نصيبه، ويصح البيع.
والثاني- وهو الأصح-: يقع شائعًا؛ فيصير كأنه باع نصف نصيبه، ونصف نصيب شريكه، فلا يصح في نصف نصيب الشريك، وفي نصف نصيبه قولان.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
ولو أقر بنصفه مطلقًا لإنسان: فعلى هذين الوجهين:
أحدهما: ينصرف إلى نصيبه؛ فيصح.
والثاني: يكون شائعًا، فلا يقبل في نصف نصيب الشريك، ويقبل في نصف نصيبه قولًا واحدًا؛ لأن الإقرار ليس بعقد يتفرق.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: ينصرف إلى نصيبه، والإقرار يقع شائعًا.
ولو كان بين رجلين عبد، فغصب غاصب نصيب أحدهما؛ وذلك يتصور بأن يستولى عليه، فيزيل يد أحد المالكين عنه، ولا يزيل يد الآخر، فلو باع من لم يغصب منه نصيبه-: جاز، ولو باع المغصوب منه نصيبه- نظر: إن باعه من الغاصب جاز، وإن باع من غيره لا يجوز؛ إلا ممن يقدر على أخذه من الغاصب.
ولو باع من لم يغصب منه مع الغاصب جميع العبد صفقة واحدة: صح البيع في نصيب المالك، وبطل فيما باعه الغاصب، ولم يجعل في نصيب المالك قولين؛ لأن القولين في الصفقة الواحدة إذا بطل بعضها، وههنا: الصفقة متعددة؛ لأن البائع اثنان، فبطلان أحد الصفقتين لا يوجب بطلان الأخرى، وقيل ههنا في نصيب المالك: إنه يصير كما لو باع نصفه منفردًا؛ فيقع شائعًا، أم ينصرف إلى نصيبه؟ فعلى الوجهين:
إن قلنا: ينصرف إلى نصيبه: صح البيع.
وإن قلنا: يقع شائعًا: يبطل البيع في ثلاثة أرباعه، وفي ربعه قولان؛ بخلاف ما لو باع المالكان معًا: صح، ولا يجعل كأن كل واحد باع نصفه مطلقًا؛ لأن العقد الصحيح هناك تناول جميع العبد.
ولو وكل الغاصب الشريك في البيع، أو وكَّل الشريك الغاصب، فباع الكل: فهذه صفقة واحدة؛ فلا يصح في النصف المغصوب، وفي نصيب الشريك قولان، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم