قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤].
[ ٥ / ٤٧٥ ]
الصداقُ والصدُقةَ والمهر: اسم لما يجب على الرجل للنساءِ في النكاح والوطء، وقد سماه الله تعالى صدقة وأجرًا، وليس هو بركن في النكاح، بل هو من جملة الزوائد؛ كالرهن في البيع، [والركن: هما الزوجان] حتى يصح النكاح من غير تسمية الصداق.
قال الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلا أن المستحب أن يسمى حتى لا يُشبه نكاح الموهوبة التي كانت خاصة للنبي - ﷺ - وحتى يكون أقطع للخصومة والاختلاف، حتى لو زوج أمته من عبده يُستحب أن يسمى صداقًا، وإن كان لا يجب.
وقيل: يجب، ثم يسقط.
ولو سمى في النكاح صداقًا فاسدًا من خمرٍ، أو خنزيرٍ، أو ميتةٍ، أو سمي مجهولًا - لا يصح، ويجب مهر المثل؛ لأن المرأة لم ترض ببذل بُضعها مجانًا، وقد احتبس البضع عنده، فعليه عوضه؛ كما لو اشترى سلعة بثمن فاسدٍ، فهلكت عنده، تجب عليه قيمتها.
وعند مالك: فساد الصداق يمنعُ صحة النكاح، ووافقنا أن ترك التسمية لا يمنع
[ ٥ / ٤٧٦ ]
صحة العقد، بل تقدير الصداقِ موكولٌ إلى تسمية الزوجين لا يتقدر أقله ولا أكثره، بل ما جاز أن يكون مبيعًا، أو ثمنًا في البيع، أو أجرة في إجارة - جاز أن يكون صداقًا.
وقال مالك، وأبو حنيفة - ﵄-: يقدر أقله بنصاب السرقة، غير أن عند مالك نصاب السرقة ثلاثة دراهم، وعند أبي حنيفة: عشرةُ دراهم.
ولو سمي أقل من عشرةٍ، فيكمل عشرة دراهم.
وعند أبي حنيفة، وزفر: يجب مهر المثل. والدليل على أنه لا يتقدر: ما رُوي عن النبي - ﷺ- أنه قال: "أدوا العلائق" قيل: وما العلائق يا رسول الله؟ قال: [ما تراضى] به الأهلون".
وقالﷺ -: "من استحل بدرهمين فقد استحل". يعني: طلب الحلال.
ويستحب ألا ينقص الصداق عن العشرة، وألا يغالي فيه اقتداء بالنبي ﷺ.
[ ٥ / ٤٧٨ ]
رُوي عن أم سلمة قالت: سألت عائشة - ﵂- كم ان صداق رسول الله - ﷺ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية وَنَشَّا. قالت أتدري ما النشُّ؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقيةٍ.
وقال عمر بن الخطاب -﵁ -: "ألا لا تُغالوا في صدقات النساء؛ فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا وتقوى لله، لكان أولاكم بها النبي - ﷺ - ما علمت رسول الله - ﷺ - نكح شيئًا من نسائه، ولا أنكح نساء من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية".
ولو تزوج وسمي مالا ًكثيرًا معلومًا لزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]. قيل: القنطار: ملء مسك ثورٍ ذهبًا.
ولو سمي حبةِ حنطةٍ أو ثمرةً حيث لا تكون لها قيمةٌ، أو شيئًا لا يتمول - يجب مهر المثل، فغن سمى ثمرةً لها قيمةٌ لا يجب غيرها.
إذا قال: زوجتك ابنتي بألف، فقال: قبلت بخمسمائة - يجب مهر المثل.
وقال الشيخ - ﵀-: وجب ألا يصح النكاحُ لاختلاف الإيجاب والقبول.
[ ٥ / ٤٨٠ ]
فصل في أنه هل تصح المنفعة صداقًا؟
قال الله تعالى إخبارًا عن شُعيب قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. فشرع من قبلنا يلزمنا إذا لم يرد به النسخ.
كلُّ عملٍ جاز عقدُ الإجارة عليه - جاز أن يجعل صداقًا؛ مثل: الخدمة، والبناء، والخياطة، وتعليم القرآن، والحرفة.
وعند أبي حنيفة: منفعة الحر لا تجوز أن تُجعل صداقًا، ومنفعة العبد تجوز، وفعل شعيب حجة على جوازه.
وكذلك عنده لا يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقًا، والدليل على جوازه: ما روي عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله - ﷺ - جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن ل بها حاجة. قال رسول الله - ﷺ-: "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله - ﷺ -: "إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس ولو خاتمًا من حديد". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -:"هل معك شيءٌ من القرآن؟ " قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا سورٌ سماها. قال رسول الله - ﷺ-:"زوجتُكها بما معك من القرآن".
وفي رواية "زوجتكها فعلمها". ففيه دليلٌ على جواز أن يتزوج على القليل التافه من المال؛ فإن خاتم الحديد لا قيمة له إلا الشيء القليل، ودليلٌ على جواز أن يُجعل القرآن صداقًا.
فإن نكحها على تعليم القرآن، أو على تعليم سورة عينها - جاز، ولزمه التعليم.
وإن سمى آية لا يلحقه كُلفة في تعليمها؛ كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] ونحوه - يجب مهر المثل؛ لأنه تعليمه لا يتقوم؛ كما لو نكح على حبةِ حنطةٍ.
ولو شرط على تعليم آية أو سورةٍ ولم يبين - يجبُ مهر المثل، وإن زوجها على أن يُعلمها سورة بعينها، وبين أنه يعلمها بحرف ابن كثير، أو أبي عمرو - جاز، وإن أطلق ولم يبين ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن هذه الحروف ينوب بعضها عن بعض؛ فله أن يعلمها بأي حرفٍ شاء مما تجوز قراءته؛ كما لو نكحها على قفيز من صُبرة يكال بأي قفيز شاء إذا كان لا يتفاوت.
[ ٥ / ٤٨١ ]
والثاني: المسمى فاسدٌ، ويجب مهر المثل؛ لأن الحروف مختلفة بعضها يكون أصعب وأشق من بعضٍ؛ كما لو سمي آية ولم يبين الخلاف الصبرة؛ فإنها متساوية الأجزاء.
ولو تزوجها على تعليم سورةٍ، والزوج لا يحسنها- نظر؛ إن تزوج على أن يحصل لها تعليمُها - يصح؛ لأنه عملٌ جعلته في ذمته، فيأمر غيره بتعليمها، وإن تعلم بنفسه ثم علمها - جاز.
ولو تزوجها على أن يُعلمها بنفسه - لم يجز، ويجب مهر المثل؛ كما لو تزوج على منفعة عبدٍ بعينه وهو لا يملكه.
ولو شرط التأجيل ليتعلم، ثم يُعلمها - لم يجز؛ لأنها استحقت من عينه، والعين لا تقبل التأجيل، وهو بخلاف ما لو تزوج امرأة على ألف درهم، وهو لا يملك شيئًا - يصح؛ لأن الصداق هناك يكون في ذمته؛ فيصح، وإن لم يملكه.
ولو تزوجها على أن يُعلمها سورةً، ثم جاءت بغيرها من ابن أو غُلام، وقالت: علمه هل يجبرُ عليه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجبر؛ لأن الناس يتفاوتون في التعليم، ولأنه شرط إيقاع العمل في عين بعينها، فلا يجبر على إيقاعه في غيرها؛ كما لو تزوج على خياطة ثوبٍ بعينه، فلا يجبر على خياطة غيره.
والثاني: يجبر لأنها استحقت استيفاء منفعته، فإن شاءت استوفت بنفسها، وإن شاءت بغيرها؛ كما لو اكترى دابةٍ للركوب، فإن شاء ركب بنفسه، وإن شاء أركب غيره.
وإن أراد الزوج أن يأمر غيره بتعليمها - نظر؛ إن كان التعليم في ذمته جاز، وإن كان على عينه لم يجز.
ولو تزوجا على تعليم غيره من ابن أو غلام - لم يجز؛ كما لو شرط الصداق لغيرها.
قال الشيخ - ﵀-: إن افترض عليها تعليم الولد، أو ختان الولد، أو ختان العبد، فشرطت عليه - جاز، وإن تزوجها على تعليم سورة، فتعذر التعليم؛ بأن تعلمت المرأة من غيرها، أو كانت بليدةً لا تتعلم، أو يحتاج الزوج إلى أن يصرف جميع أوقاته في تعليمها، أو مات أحدهما- فقد سقط التعليم، فماذا يجب على الزوج؟ فيه قولان؛ كما لو تلف الصداق قبل القبض.
أصحهما- وهو قوله في الجديد، واختيار المزني: يجب عليه مهر المثل:
والثاني: وهو قوله القديم: يجب عليه أجرةُ مثل التعليم، وإن علمها فنسيت بعده لا شيء عليه؛ كما لو تلفت عين الصداق في يدها بعد القبض.
[ ٥ / ٤٨٢ ]
وإن كانت سريعة الحفظ والنسيان، وكلما علمها حفت ونسيت في الحال- نظر إن لقنها دون آيةٍ فنسيت لا يعتد بذلك؛ لأنه لا يعدُّ تعليمًا إنما هو تذكير.
وكم يُشترط أن يعلمها حتى تخرج عن عهدة التعليم، ولو نسيت بعده لا تجب الإعادة؟ - فيه وجهان:
أحدهما: آية، فإذا علمها آية فنسيتها يعتد بذلك، ولا تجب عليه إعادة التعليم.
والثاني: سورة وما دونها لا يعد تعليمًا في العادة.
ولو تزوج كتابية على أن يُعلمها سورة من القرآن - نظر؛ إن كان يتوسم منها أمر الإسلام يجوز، وإن كان يرى ذلك أنها تتعلم للمباهاة، فلا يجوز، ويجب مهر المثل.
ولو تزوج مسلمٌ مسلمةً أو كتابية على أن يُعلمها التوراة والإنجيل - لا يجوز، ويجب مهرُ المثلِ؛ لأن الذي في أيديهم مُبدلٌ لا يجوز تعليمه.
ولو تزوج كافرٌ كافرةً على أن يُعلمها التوراة ثم أسلما، أو ترافعا إلينا بعد التعليم - لا نوجب شيئًا آخر، وإن كان قبل التعليم نوجب مهر المثل، ولو تزوجها على تعليم شعرٍ أو حكاية.
فإن كان مباحًا جاز ولزم، وإن كان محظورًا من هجوٍ أو فُحشٍ، أو على تعليم الغناء - لا يجوز، ويجبُ مهر المثل.
ولو تزوج كتابية على تلقين الشهادة، أو امرأة على أداء شهادةٍ لها عليه لم يجز؛ لأنه فرضٌ عليه، ويجب مهر المثل.
وإن تزوجها على أن يعلمها الفاتحة- نظر؛ إن لم يكن متعينًا عليه- جاز، وإن كان متعينًا عليه، ففيه وجهان؛ كالإجارة عليه.
وإن تزوجها على تعليم سورةٍ، ثم طلقها - لا يخلو؛ إما أن طلقها بعد التعليم أو قبله، فإن طلقها بعد التعليم نظر؛ إن كان بعد الدخول فقد أوفاها حقها، وإن كان قبل الدخول يرجع الزوج عليها بنصف أجرة التعليم؛ كما لو أصدقها عينًا فهلكت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول يجرع بنصف قيمة العين؛ لأن الصداق في يدها مضمونٌ ضمان اليد، وإن طلقها قبل التعليم، فإنه يُعلمُها بعد الطلاق جميعه إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبل الدخول.
ويعلمها من وراء حجابٍ من غير أن يخلو بها.
[ ٥ / ٤٨٣ ]
وقيل: لا يجوزُ تعليمُها لخوفِ الفتنة فإن قلنا: لا يجوز التعليم، أو تعذر التعليم، فماذا يجب على الزوج فيه قولان كما ذرنا:
أصحهما: عليه مهر المثل جميعه إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبله.
والثاني: عليه أجرُ مثل التعليم إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله فنصفه.
وإن نكحها على أن يرد عبدها الآبق، أو جملها الشارد من موضع معلومٍ - يجوز، ويلزم رده. وإن كان الموضع مجهولًا يجب مهر المثلِ، بخلاف الجعالة تجوز مع جهالة الموضع؛ لأنه عقدٌ جائزٌ.
ثم إن طلقها بعد الرد قبل الدخول يسترد منها نصف أجر مثل الرد.
وإن طلقها قبل الرد، فإن كان بعد الدخول يجب عليه رده، وإن كان قبل الدخول يرده إلى نصف الطريق.
وإن تعذر الرد بأن مات العبد، أو رجع بنفسه، فماذا يجب على الزوج؟ فيه قولان:
أصحهما: مهر المثل:
والثاني: أجر مثل الرد.
ولو تزوجها على خياطة ثوب معلومٍ - جاز، إن كان يُحسن الخياطة، وإن كان لا يُحسن الخياطة فلا يجوز، ويجب مهر المثل، إلا أن تلزم ذمته الخياطة، فيصح له أن يأمر الغير بالخياطة، وكذلك إن كان يُحسن الخياطة، فله أن يأمر الغير إذا كان في الذمة.
وإن تعذرت الخياطة معه؛ بأن مات أو شُلت يدُه- نظر إن كان تزوجها على تحصيل الخياطة فلا تسقط الخياطة، ويأمر غيره بالخياطة.
وإن تزوجها على أن يخيط بنفسه، فقد سقطت الخياطة، وفيما عليه؟ قولان:
أصحهما: مهر المثل.
والثاني: أجر مثل الخياطة.
ولو تلف الثوبُ: اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال هاهنا: لم يتلف الصداقُ، ولها أن تأتي بثوبٍ مثله حتى يخيطه؛ لأنها استحقت عليه منفعة، فلها استيفاؤها كيف شاءت؛ كما لو اكترى دابةً ليركبها، فإن شاء ركب بنفسهن وإن شاء أركبها غيره.
ومنهم من قال- وهو الأصح: قد تلف الصداق، فعلى الزوج مهر المثل في قول، وفي الثاني أجرُ مثل تلك الخياطة؛ لأن العقد انعقد على إيقاع منفعةٍ في عينٍ، وقد تلفت
[ ٥ / ٤٨٤ ]
تلك العينُ؛ كما لو تلف المستوفى منه؛ فهو كما لو استأجر رجلا ليحصد له زرعًا، فتلف الزرعُ، يبطل العقد.
وكذلك في حال بقاء ِ الثوب، هل لها إبداله بثوبٍ آخر مثله ليخيطه؟ فيه وجهان:
وهذا بناء على ما لو استأجر امرأة لإرضاع ولدٍ، فمات الولدُ، فهل له إبداله بولدٍ آخر؟ فيه قولان. [وإن طلقها الزوج قبل الدخول بعد الخياطة يسترد منها نصف أجر مثل الخياطة].
وإن طلقها قبل الخياطة، نظر إن كان بعد الدخول يجب عليه الخياطة، وإن كان قبل الدخول يجب عليه أن يخيط نصفه فإن تعذر يجب عليه نصف مهر المثل على أصح القولين، وعلى الثاني نصف أجر الخياطة. والله أعلم بالصواب.
باب صداق ما يزيد وينقص
إذا أصدق امرأة شيئًا تملك المرأة جميعه بالعقد، ويستقر بالدخول، ولا يدخل في ضمانها ما لم تقبض.
وعند مالك: لا تملك المرأة بالعقد إلا نصف الصداق، فنقول: هو عوضٌ بمقابلة معوضٍ، فتملك بملك المعوض كالثمن المبيع.
والصداقُ قبل التسليم إلى المرأة مضمونٌ على الزوج، ويكون ضمانه ضمان العقدِ أو ضمان اليد؟ فيه قولان:
أصحهما - وهو قوله الجديد، واختيار المزني: ضمانه ضمان العقد؛ لأنه مملوك بعقد معاوضةٍ؛ كالمبيع في يد البائع.
وقال في القديم: ضمانه ضمان اليد؛ لأن المملوكَ [عندنا] بعقد المعاوضة إذا لم يفسخ العقد بتلفه في يد العاقد- يكون ضمانه ضمان اليد؛ كما إذا غصب البائع المبيع من المشتري بعد تسليمه إليه؛ فيكون ضمانه ضمان اليد، وكذلك بدل الخلع في يد المرأة قبل تسليمه إلى الزوج، وبدل الصلح عن دم العمد في يد المعطي - مضمون ضمنا العقد، أم ضمان اليد؟ فعلى قولين.
وفائدته: أنه إذا تلف في يد الزوج، أو ردته بعيبٍ بعد القبض أو قبله-، ماذا يجب على الزوج؟
[ ٥ / ٤٨٥ ]
إن قلنا: ضمانه ضمان العقد يجب [عليه] مهر المثل، وهو قيمة البضع؛ لأن البضع كالتالف، فإن عقد النكاح لا يرتفع فهو الثمن المتين إذا ملك في يد المشتري بعد بض المبيع، وتلفه - يجب على المشتري للبائع قيمةُ المبيع التالف إن كان متقومًا، ومثله إن كان مثليًا لتعذر المبيع.
فإن قلنا: ضمانه ضمان اليد، يجب عليه قيمة عين الصداق إن كان متقومًا، ومثله إن كان مثليًا، فعلى هذا أي قيمةٍ تلزمه؟ فيه وجهان:
[أحدهما - وهو الأصح]: أكثر ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم الهلاك؛ كضمان الغصب.
والثاني: تجب قيمته باعتبار يوم الهلاك؛ لأنه غير متعد في إمساكه.
ولم يختلف القول في أن الناكح لا ينفسخ بهلاكه؛ لأنه من جملة الزوائد.
أما إذا تلف الصداق في يد الزوج بجناية جان-، نظر إن أتلفته المرأة، فقد استوفت حقها، وإن أتلفه أجنبي، يجب على الأجنبي قيمته، والمرأة بالخيار؛ إن شاءت فسخت عقد الصداق، وإن شاءت أجازته، فإن فسخت أخذت مهر المثل من الزوج، إن قلنا: ضمانه ضمان العقد، وهو المذهب.
وإن قلنا: ضمان يد أخذت قيمته إن كان متقومًا، أو مثله إن كان مثليًا، والزوج يرجع على المتلفِ بقيمته أو مثله، فإن لم يفسخ الصداق أخذت القيمة من المتلفِ، أو المثلِ، وهل يكون الزوج طريقاص؟
إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ، فلا.
وإن قلنا: ضمان يد فبلى، للمرأةِ أن تأخذ منه، ثم هو يرجع على المتلف.
وإن أتلفه الزوج، فهو كما لو تلف بآفة سماوية على ظاهر المذهب؛ فترجع المرأة عليه بمهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني بقيمته.
وقيل: إتلاف الزوج كإتلاف الأجنبي، أما إذا تغير الصداق في يد الزوج؛ لا يخلو، إما أن تغير بنقصان أو زيادة، فإن تغير بنقصان، فللمرأة الخيار بين الرد والإجازة.
[ ٥ / ٤٨٦ ]
ثم ذلك النقصان لا يخلو، إما إن كان نقصان جزء أو نقصان وصفٍ، فإن كان نقصان جزءٍ، مثل أن أصدقها شيئين، فتلف أحدهما، انفسخ العقد في التالف.
والمذهب أنه لا ينفسخ في القائم، ولها الخيار، فإن فسخت في القائم أخذت مهر المثل على قولنا: إن ضمانه ضمان عقدٍ، وهو الأصح.
وإن قلنا: ضمانه ضماني د تأخذ قيمة الشيئين، أو مثلهما إن كانا مثليين، وإن أجازت القائم أخذت بحصة التالف من مهر المثل على قولنا: إن ضمانه ضمان عقدٍ.
وإن قلنا: ضمان يدٍ أخذت قيمة التالف.
وإن كان هلاك أحدهما بجناية جانٍ، فإن كانت بجناية المرأة، فقد استوفت بقدره من الصداق، وإن كان بجناية أجنبي، فلها الخيار، فإن فسخت في التالف أخذت القائم، وتُقدر قيمة التالف من مهر المثل على الأصح.
وعلى القول الآخر: قيمته.
وإن أجازت ترجع على الأجنبي [بقدر] ما أتلف إن كان متقومًا، أو مثله إن كان مثليًا، وإن كان بجناية الزوج، فكالآفة السماوية على الأصح ينفسخ العقد في التالف.
وإن كان النقصان نقصان وصفٍ، فإن كان عبدًا فعمى أو شلت يده، أو [كان محترفًا] فنسي الحرفة -، فالمرأة بالخيار: إن شاءت فسخت الصداق، ورجعت بمهر المثل على الأصح، أو بقيمته سليمًا على القول الآخر.
وإن أجازت فإن قُلنا: ضمانه ضمان عقدٍ، فلا شيء لها؛ كما لو رضي المشتري بعيب المبيع لا شيء له.
وإن قلنا: ضمانه ضمان يد، أخذت بقدرٍ ما انتقص من قيمته.
وكذلك لو اطلعت على عيبٍ قديم بها- فلها الخيار كما بينًا.
ولو أصدقها دارًا فانهدمت في يده، فإن لم يفت شيء من النقص فهو نقصان وصفٍ، وإن فات النقص أو احترقت - فقد، قيل هو كنقصان الوصف؛ كما لو سقط أطراف العبد، والأصح أنه كنقصان الجزء؛ ولأنه يقبل الإقرار بالبيع، بخلاف أطراف العبد.
وإن حصل التغير بجناية جانٍ، نظر إن حصل بجناية المرأة، فقد استوفت من الصداق بقدر ما انتقص من قيمته؛ فتأخذ الباقي، ولا خيار لها.
[ ٥ / ٤٨٧ ]
فإن هلك في يد الزوج بعد جنايتها، فلها بقدر ما بقي من مهر المثل على الأصح، وعلى الثاني: بقيمة ما بقي.
وإن حصل بجناية أجنبي، فلها الخيار، فإن فسخت الصداق أخذت مهر المثل من الزوج على الأصح، وقيمته سليمًا على القول الآخر. والزوج يرجع على الجانب بضمان الجناية.
وإن أجازت أخذت ضمان الجناية من الجاني، فهل يكون الزوج طريقًا فيه؟
إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ لا يكون طريقًا، وإن قلنا: ضمان يد يكون طريقًا.
ثم إن لم يكن لتلك الجناية أرش مقدرٌ، أولها أرش مقدرٌ، ولكنه مع أرش النقصان سواء، أو كان المقدر أكثر من أرش النقصان -، فالمراة ترجع على أيهما شاءت، ويكون على الأجنبي.
وإن كان المقدار أقل، رجع به على أيهما شاء، والقرار على الأجنبي، ويرجع بالباقي إلى كمال أوش النقصان على الزوج، وإن حصل بجناية الزوج، فهو كما لو حصل بآفةٍ سماوية على ظاهر المذهب، ولا شيء لها إن أجازت على أصح القولين، وهو أن ضمانه ضمان عقدٍ.
وإن قلنا: [ضمانه] ضمان يد، فيجب ضمان النقصان، ثم إن لم يكن لتلك الجناية أرشٌ - يقدر عليه أرش النقصان.
وإن كان له أرش مقدرٌ؛ بأن كان قطع إحدى يدي العبد-، فعليه أكثر الأمرين؛ إما نصف القيمة، أو أرش النقصان.
وقيل: هو كجناية الأجنبي، ولها الرجوع على الزوج، وإن أجازت بقدر الجناية من مهر المثل، أو أرش النقصان؛ كما ذكرنا في جناية الأجنبي.
أما إذا تغير الصداق في يد الزوج بالزيادة-، نُظر؛ إن كانت الزيادة متصلة كاللبن، والسمن، وتعليم الحرفة -فهي للمرأة، وإن زالت في يد الزوج لا يجب ضمانه إلا على الوجه الذي يقول: إن ضمانه في يده ضمان الغصب، فيضمن إن كانت الزيادة منفصلة؛ كالولد، واللبن، وثمر الشجر، وكسب العبد كلها تكون للمرأة؛ لأنها حدثت في ملكها، ولا تكون مضمونة على الزوج إلا على الوجه الذي يقول: ضمان الأصل ضمان الغصب.
فإن أتلف الأصل في يده تبقى تلك الزوائد للمرأة، وإن طالبته المرأة بدفعها إليها
[ ٥ / ٤٨٨ ]
وقيل: إذا قيل: ضمانه ضمانُ العقد، فإذا هلك الأصل في يده تكون الزوائد للزوج، وهذا بناء على أن المبيع إذا هلك في يد البائع بعد حصول الزوائد - يرتفع العقد من حينه أم من أصله؟:
وفيه وجهان:
أصحهما: يرتفع من حينه، وتكون الزوائد للمشتري، كذلك هاهنا تكون للمرأة.
والثاني: يرتفع من أصله، ويكون للبائع، فعلى هذا تكون الزوائد للزوج.
ولو استعمل الزوج عين الصداق هل عليه الأجرة؟
إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ لا يجب على ظاهر المذهب، وإن جعلنا جنايته كجناية الأجنبي يجب.
وإن قلنا: ضمانه ضمان يد يجب. ولو امتنع من تسليمه إليها بعد الطلب، فإن قلنا ضمانه ضمان عقد لا تظهر له فائدة، وإن قلنا: ضمان يد، فيجب عليه أجر المثل من وقت الامتناع.
وإن قلنا: نُعتبر قيمته بيوم التلف، يصير غاصبًا.
فإذا تلف تجب قيمته أكثر ما كانت من وقت الامتناع إلى التلف.
ولو أصدق امرأته نخلة، فأخذ الزوج ثمرها، وجعلها في قارورة لنفسه، وجعل عليها صقرًا من صقر تلك النخلة-، فلا يخلو؛ إما عن كانت الثمرة صداقًا، أو لم تكن، فإن كانت صداقًا؛ بأن أصدقها [نخلة] مثمرة أو مطلعة، نُظر: إن لم تدخل الثمرة ولا الصقر نقص-: لا تأخذه المرأة، ولا شيء لها؛ لأن الزوج كفاها مؤنة الاجتناء.
وإن دخله نقصٌ لا يخلو، إما إن كان نقصان عين، أو نقصان وصفٍ.
فإن كان نقصان عين؛ كأنه صب عليها مكيلتين من الصقر، فتشرب الرطب إحدى المكيلتين، فلا يجب نقصان الصقرين بزيادة قيمة الرطب؛ لأن الزيادة لها، والنقصان عليه.
ثم إن قلنا: ضمانه ضمان العقد، انفسخ الصداق في قدر ما ذهب من الصقر إن قلنا: جنايته بآفة سماوية وهو الأصح، ولا ينفسخ في الباقي، وللمرأة الخيارُ، فإن فسخت أخذت مهر المثل من الزوج، وإن أجازت في الباقي أخذت بقدر ما ذهب من الصقر من مهر المثل.
وإن قلنا: جنايته كجناية الأجنبي لا ينفسخ في شيء، ولها الخيار، فإن فسخت أخذت مهر المثل، وإن أجازت أخذت النخلة والرطب، ومثل الصقر الذي ذهب.
[ ٥ / ٤٨٩ ]
وإن قلنا: ضمانُهُ ضمانُ يدٍ، فإن فسخت أخذت قيمة النخلة والثمرة، ومثل الصقر، لأنه مثليٌّ، وإن كان الثمر قد جف فهو أيضًا مثلي، فإن أجازت أخذت الباقي، ومثل ما انتقص من الصقر.
وإن كان النقصان نقصان وصفٍ؛ بأن انتقصت قيمة الصقر والملكية بحالها أو تغير الرطب، فللمرأة الخيار، فإن فسخت أخذت مهر المثل إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ.
وإن قلنا: [ضمانه] ضمان يد أخذت قيمة النخلة والرطب ومثل الصقر.
وإن أجازت قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ، وجنايته كآفةٍ سماوية لا شيء لها بسبب النقصان، وإن قلنا: كجناية أجنبي يجب عليه أرش النقصان.
وإن قلنا: ضمانه ضمان يد، أخذت أرش النقصان.
وإن كان الرطب بحيث لو نُزع من القوارير لم يتعيب، ولو تُرك يتعيب-، لها تكليفه النزع، ولا خيار لها.
وإن كان بحيث لو نزع تعيبن وبحيث لو ترك لا يتعيب، فلها الخيار، ولا يجبر الزوج على ترك القارورة إليها.
فإن تبرع بترك القارورة إليها تجبر المرأة على القبول إمضاء العقد، ويسقط خيارها، ثم هل تملك المرأة القارورة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، حتى لا يمكنه الرجوع فيه، ولو نُزعت ما فيها لا يجب عليها رد القارورة.
والثاني: لا، بل هو قطع للخصومة حتى يجوز للزوج أن يرجع، وخيارها قائمٌ.
فإن نزعت ما فيها لا يجب عليها رد القارورة.
وإن كنا قد صب على هذه الثمرة صقرًا من عند نفسه، فنقصان الصقر لا يعتبر؛ إنما يعتبر نقصان الرطب في إثبات الخيار لها.
فإن لم يدخله نقصٌ أخذ الزوج صقر نفسه، والمرأة تأخذ الثمرة، ولا شيء له فيما تشرب الثمرة من الصقر. وإن كان الرطب بحيث لو ترك في الصقر لا يتعيب، ولو نُزع يتعيب - فلا الخيارُ. فإن تبرع بترك الصقر إليها تجبر على القبول، ويسقط خيارها؛ كما قلنا في القارورة.
فأما إذا لم تكن الثمرة صداقًا؛ كأنه أصدقها نخلة حائلًا فأثمرت - فالثمرة لها، فإن
[ ٥ / ٤٩٠ ]
أخذها الزوج وجعلها في القارورة، وجعل عليها من صقر تلك النخلة شيئًا - فهو من غصب ثمرًا وجعل عليها صقرًا مغصوبًا؛ فلا خيار للمرأة؛ لأن العيب ليس في الصداق.
ثم إن لم تنتقص الثمرة والصقر أخذته المرأة، ولا شيء لها، وإن تعيبت أخذتها وأرش النقصان.
وإن كان بحيث لو نزع تعيب، ولو ترك لا يتعيب، فيتبرع الزوج بترك القارورة وردها إليها ولا يجبر على القبول؛ لأنه لا حاجة إليه في إمضاء العقد.
فصل
في حكم الصداق بعد الطلاق
قبل الدخول
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
إذا طلق الرجل [امرأته] قبل الدخول يعود نصف الصداق إلى الزوج بنفس الطلاق.
وقال أبو إسحاق: لا يعودُ إلا باختيار التملك، والمذهب الأول.
وفائدته تتبين فيما لو حدثت زيادة في عين الصداق بعد الطلاق قبل الاختيار - يكون نصفها للزوج على ظاهر المذهب.
وعلى قول أبي إسحاق: تكون [كلها] للمرأة؛ كما لو حدثت قبل الطلاق، وكذلك لو حدث نقص بعد الطلاق قبل اختيار التملك أخذ الزوج نصفها مع أرش النقصان؛ كما لو حدث بعد اختيار التملك على ظاهر المذهب.
وعلى قول أبي إسحاق: هو بالخيار؛ إن شاء أخذ نصفه ناقصًا ولا شيء له، وإن شاء ترك وأخذ نصف قيمته صحيحة؛ كما لو حدث النقص قبل الطلاق.
ولا خلاف أن عود النصف إليه لايحتاج إلى قضاء القاضي.
وقول الشافعي - ﵁- "هذا كله ما لم يقض له القاضي" أراد ما لم يعلم سبب عود نصف الصداق إلى ملك الزوج، وهو الطلاق على ظاهر المذهب، والطلاق مع
[ ٥ / ٤٩١ ]
اختيار التملك على قول أبي إسحاق، حتى تصير المرأة ضامنة [منه] لما حدث في الصداق من النقص، فعبر بالقضاء عن وجود السبب؛ لأنه أوضح وأشهرُ إذا ثبت أن نف الصداق يعود إلى الزوج بالطلاق قبل الدخول، فلا يخلو إما إن كانت عين الصداق قائمة أو هالكة أو متغيرة.
فإن كانت قائمة في يد المرأة أخذ الزوج نصفها، ونصيب الزوج يكون أمانةً في يدها بعد الطلاق، حتى لو هلك، أو تعيب - لا يجب عليها ضمانه.
وإن كان الصداق دينًا في ذمة الزوج سقط بالطلاق نصفه، وإن كان قد عينه وسلم إليها هل يتعين حقه في نصف ما أدى، أم يجوز لها أن تؤدي حقه من موضع آخر؟:
فيه وجهان: أحدهما: [لها أن] تؤدي من موضع آخر قدر نصفه؛ لأن العقد لم يتعلق بعينه.
والثاني: يتعين حقه فيه؛ لأنه تعين بالتسليم، وإن كان الصداق عينًا وهي تالفة في يدها، أو خرج عن ملكها بإعتاقٍ، أو بيع، أو هبة أو تسليم، [أو وقفته] أو كان عبدًا فكاتبته؛ فلا يبطل ذلك العقد، والزوج يرجع بنصف مثله إن كان مثليًا، أو نصف قيمته [إن كان متقومًا] أقل ما كانت قيمته من يوم الإصداق إلى يوم التسليم إليها؛ لأن قيمته إن كانت يوم الإصداق أقل فزادت، فتلك الزيادة للمرأة لحدوثها على ملكها، فليس للزوج أن يرجع في نصفها.
وإن كانت قيمتها يوم الإصداق أكثر، فانتقصت؛ فذلك النقصان حصل في ضمانه؛ فلا روع له بما هو مضمون عليه، وإن كان قد خرج عن ملكها، ثم عاد إليها، ثم طلقها الزوج قبل الدخول - يتعين في حقه نصفه، وفيه وجهان
أصحهما - وهو المذهب: يتعين؛ لأنه وجد عين الصداق.
وقيل: يأخذ نصف قيمته؛ لأنه ملكته من غيره. والأول أصح، بخلاف ما لو وهب لولده شيئًا، فخرج عن ملكه، ثم عاد إليه - لا رجوع للأب على الأصح من الوجهين؛ لأن حق الروع للأب مختص بالعين؛ بدليل أنها لو هلكت لا يرجع في قيمتها، فبخروج العين عن ملك الابن سقط حقه وحق الزوج بتلف العين؛ فلا يبطل حتى يرجع بالقيمة، فبخروج العين عن الملك لا يبطل حقه عن العين إذا عاد إليها.
أما إذا طلقها قبل أن عاد إلى ملكها، ثم عاد إلى ملكها قبل أخذ القيمة، فحقه [في
[ ٥ / ٤٩٢ ]
القيمة] وإن كانت قد أوصت به أو وهبته، ولم تقبض أو رهنته ولم تسلم - فللزوج الرجوع في نصفه.
وإن كانت قد أجرته، أو كانت أمةً، فهو نصفان، فن شاء الزوج أخذ نصفه مسلوب المنفعة، وإن شاء أخذ نصف القيمة.
وإن كان الصداق قائمًا عندها، إلا أنه قد تغير - لا يخلو إما أن تغير بزيادة أو بنقصان، أو بهما جميعًا.
فإن تغير بزيادة نُظر إن كانت الزيادة منفصلة، كالولد، والكسب، [وثمر الشجرة] ونحوها - تبقى كلها للمرأة، سواء حصلت في يده أوفي يدها قبل الطلاق، والزوج يأخذ نصف الأصل، وإن كانت الزيادة متصلة، [كالسمن] والكبر، [وتعلم القرآن]، والحرفة، أو كانت جارية عميًا، [الأصل]، فأبصرت قبل التسليم أو بعده.
فإن تبرعت المرأة بتسليم نصفه إليه، فليس للزوج إلا ذلك، وإن لم تتبرع لا تُجبر المرأة عليه، وللزوج نصف قيمتها أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى وقت التسليم، وهذا بخلاف ما لو أفلس المشتري بالثمن رجع البائع على المبيع بزيادته المتصلة.
وكذلك يرجع في هبة [الولد] زائدًا؛ لأن الفسخ في هذه المواضع يستند إلى أصل العقد، فيصير كأن هذه الزوائد حصلت في ملك البائع والواهب، وفي الطلاق يحصل الملك للزوج ابتداء في نصف ما كان أصدقها؛ لأن الطلاق ليس بفسخ، لكنه تصرف في الملك، وقطع له في الحال كالعتق في ملك اليمين، فلم يكن للزوج أخذ شيء من الزوائد التي حصلت عندها.
ولو فسخ احد الزوجين النكاح بعيب وجد بصاحبه قبل الدخول - أخذ الزوج عين الصداق بزيادتها المتصلة؛ كما لو فسخ البيع بالعيب أخذ البائع المبيع زائدًا، وفي الردة قبل الدخول يأخذ الزوج نصف الصداق في ردته، وجميع الصداق في ردتها.
فإن كانت زائدة، فلا حق له في الزيادة إلا برضاها؛ كما في الطلاق، فإن لم ترض رجع بالقيمة، فإن كان التغيير بالنقصان نظر؛ لا يخلو إما أن كان النقصان نقصان عينٍ، أو نقصان وصفٍ.
فإن كان نقصان عين، مثل أن أصدقها عينين، فتلفت أحداهما، ثم طلقها قبل الدخول فالزوج بماذا يرجع عليها؟ فيه قولان:
[ ٥ / ٤٩٣ ]
أحدهما - وهو الأصح: يرجع بنصف العين القائمة، ونصف قيمة التالفة.
والثاني: يأخذ القائمة بحقه إن كانت قيمتها سواء؛ مثل إن كانا عبدين قيمتهما سواء، فهلك أحدهما، أخذ القائم بحقه.
وفيه قول آخر: أنه بالخيار إن شاء أخذ نصف القائمة ونصف قيمة التالفة، وإن شاء ترك العين، وأخذ نصف قيمة العبدين أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم التسليم.
فأما إذا كان النقصان نقصان وصف؛ مثل العمى، والعور، ونسيان الحرفة وغيرها- نر إن حدث في يده، فحقه في نصفه ناقصًا، وللمرأة الخيارُ في نصيبها، وإن حدثت في يدها فالزوج بالخيار؛ إن شاء أخذ نصفه ناقصًا، ولا شيء له سواه، وإن شاء ترك وأخذ نصف قيمته أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم التسليم، بخلاف المرأة حيث قلنا: تأخذ نصيبها مع الأرش في قول؛ لأن الصداق في يده ملك للمرأة، وهو مضمونٌ على الزوج، فعليه ضمان النقصان، وفي يد المرأة ملكٌ لها لا حق للغير فيه، ولا يجب عليها ضمان ما حدث من النقص في يدها.
وإن كان الصداق زائدًا من وجه ناقصًا من وجه؛ بان كان عبدًا صغيرًا فكبر - ازداد من حيث العملُ، وانتقصت قيمته بالكبر، أو كانت شجرة فصارت فحامًا لا تثمر، وزاد حطبها وانتقص ثمرها، [أو كان عبدٌ تعلم حرفة ومرض أو عورت عينه] فإن اتفقا على أن يرجع الزوج في نصفه رجع، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وأيهما أبى لا يُجبر عليه، بل يرجع الزوج بنصف قيمته، ولا يجبر الزوج على أخذ نصفه؛ لما فيه من النقصان، ولا المرأة على إعطاء نصفه لأجل الزيادة.
ولو أصدقها جاريةً أوشاةً حائلًا فولدت، ثم طلقها قبل الدخول - فالولد لها، وليس له أخذ نصف الأم إن كان الولد رضيعًا؛ لأنه يحل بالرضاع، وإن رضيت المرأة، ولكن يأخذ نصف قيمتها، وإن كان فطيمًا يأخذ الزوج نصف الأم إن لم تنتقص قيمتها بالولادة.
وإن انتقصت [قيمتها بالولادة] نظر؛ إن كانت الولادة في يد الزوج، فليس له إلا أخذ نصفها ناقصًا، وللمرأة الخيار في نصيبها، فإن شاءت تركت إليه، وأخذت نصف مهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني نصف قيمتها، وإن شاءت أخذت نصف الجارية، ولا شيء لها بسبب النقصان إن جعلنا ضمانه ضمان عقدٍ.
[ ٥ / ٤٩٤ ]
وإن قلنا: ضمان يد، أخذت أرش النقصان، وإن كانت الولادة في يدها، فللزوج الخيار إن شاء أخذ نصفها ناقصًا ولا شيء له بسبب النقصان، وإن شاء أخذ نصف قيمتها أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم التسليم.
وإن كان الحبل في يده، والولادة في يدها - فالنقصان من ضمان من يكون؟:
فيه وجهان:
أحدهما: من ضمانه، ولها الخيارُ؛ لأن السبب وجد في يده.
والثاني: يكون من ضمانها، وله الخيار؛ لأن النقص حصل في يدها.
وإن أصدقها جارية حائلًا، وكانت حاملًا يوم الطلاق- نظر؛ إن كان قبل القبض، فلها الخيار إن شاءت أخذت جميع الجارية؛ لأن الحمل زيادة حدثت في ملكها، وللزوج نصف قيمتها عليها، وإن شاءت تركت الجارية إليه، وأخذت نصف مهر المثل على الأصح.
وعلى القول الآخر: نصف قيمتها.
وإن رضيت المرأة بأخذ نصفها يجبر الزوج عليه؛ لأن نقص الحمل حدث في يده، وإن كان الطلاق بعد قبض المرأة الجارية، وحدوث الحمل - فالحمل زيادة من وجهٍ، ونقصان من وجهٍ، جارية كانت أو بهيمة.
وإن [اتفقا] على أخذ نصفها، فللزوج نصف قيمة الأم أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم التسليم، وإن أصدقها حاملًا، فإن طلقها وهي حاملٌ بذلك الحمل - أخذ الزوج نصفها حاملًا، فإن ولدت ثم طلقها، فحكم الأم ما ذكرنا، وهل له حق في الولد؟
هذا يُبنى على أن الحمل هل يُعرف؟ وفيه قولان:
فإن قلنا: لا يعرفُ، فهو [كولد] يحدث بعد العقد، فيكون لها.
وإن قلنا: الحمل يعرف، فهو ما لو أصدقها عينين، إلا أن الولد قد زاد على ما كان عليه حالة الإصداق، فإن رضيت المرأة بدفع نصف الولد إليه، وإلا فله نصف قيمته باعتبار حالة الانفصال؛ لأنه أول حالة يمكن فيها تقويمه.
وقيل: لا يجب له شيءٌ بسبب الحمل؛ لأن تقويمه لا يمكن حالة الاجتنان في البطن، وقد زاد بالانفصال، فلا يمكن تسليم نصفه إليه، فيسقط ضمانه، والأول أصح.
ولو أصدقها نخلة مثمرة، ثم طلقها أخذ الزوج نصفها مع نصف الثمرة، سواء جدت
[ ٥ / ٤٩٥ ]
المرأة الثمرة أولم تجد، فإن كانت مطلعة يوم الصداقِ، نظر إن طلقها وهي مطلعة بذلك الطلع، [فله] نصفها.
وإن كانت مؤبرة يوم الطلاق، فهل له حق في الثمرة؟
قيل: فيه قولان:
وقيل - وهو الأصح: له حق نصف الثمرة قولًا واحدًا؛ لأنها كانت مشاهدة يوم الإصداق بخلاف؛ كما لو أصدقها حاملًا فولدت، هل له حكم في الولد ففيه قولان: حمل الحيوان.
قال الشيخُ - ﵀-: إذا جعلنا له حقًا في الثمرة، فلا يمكنه أخذ نصفها بغير رضاها؛ لأنها زائدة، ولن يأخذ نصف قيمة الطلع.
ولو أصدقها نخيلًا حائلًا، وطلقها قبل الدخول وهي مطلعةٌ- ليس له أخذ شيءٍ من الطلع، بخلاف ما لو باع نخلةً مطلعةً دخل الطلع في البيع؛ لأنه يملك بالتراضي، فإن رضيت المرأة بأن يأخذ الزوج نصف الشجرة مع الطلع - أجبر الزوج على القبول.
وإن كانت الثمرة قد أبرت، ورضيت المرأة بأن تأخذ نصفها مع نصف الثمرة- هل تجبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى كالطلع لاتصال الثمرة بالشجرة.
والثاني - وهو الأصح: لا تجبر؛ لأن الثمرة المؤبرة في حكم المنفصلة؛ بدليل أنها لا تدخل في مطلق بيع الشجرة ولا يجبر أحد على قبول ملك الغير.
ولو قال الزوجُ: أنا أرجعُ في نصف الشجرة، وأكلفها قطع الثمرة - لم يكن له ذلك؛ لأن الثمرة حدثت في ملكها، فاستحقت التربية على الشجرة. ثم إن تراضيا على أن ياخذ الزوج نصف الشجرة ويترك الثمرة إلى الجداد فأخذ غلته لزم، وليس لأحدهما أن يرجع عن ذلك.
وإن رغب الزوج فيه فقال: آخذ نصف الشجرة، وأترك الثمرة لها على أوان الجداد والمرأة أبت - تجبر المرأة عليه.
فإن دعت المرأة إلى ذلك فللزوج ألا يرضى ويأخذ القيمة؛ لأن حقه في شجرة فارغةٍ، ولو قال الزوج: أنا أرضى بتأخير حقي حتى تجدي الثمرة، ثم آخذ نصف الشجرة - فللمرأة ألا ترضى به؛ لأن [الشجرة] نصيبه يكون مضمونًا عليها، بخلاف ما لو رجع في
[ ٥ / ٤٩٦ ]
نصفه، وترك الثمرة - تُجبر المرأة؛ لأن ملك النصف انتقل إليه، فإذا قبضه مشاعًا سقط الضمان عنها.
ولو دعته المرأة إلى تأخير حقه إلى أن تجد الثمرة - له ألا يرضى؛ لأن حقه معجل، فإن تراضيا على التأخير، فلكل واحدٍ منهما أن يرجع على ذلك؛ لأنه تبرعٌ لا يلزم.
وعند المزني: يأخذ الزوج نصف النخلة، وتبقى الثمرة إلى أوان الجداد؛ كمن باع نخلًا وعليها ثمرة مؤبرة تكون الثمرة للبائع، وتبقى إلى أوان الجَدَادِ.
قلنا: لأن البيع يصدر عن تراضٍ منهما، فيقران على ما تراضيا عليه، وحكم سائر الأشجار إذا خرج نورها حم النخلة تطلعُ، فإذا انعقد ثمرها فكالنخلة تؤبر.
وإن كان الصداق أرضًا فزرعتها المرأة، ثم طلقها الزوج قبل الدخول - فلا حق له في الزرع، ولا له أن يكلفها قلع الزرع، فإن تراضيا على أن يأخذ الزوج نصف الأرض، ويترك الزرع إلى الحصاد- فحسن، وإن رغب فيه الزوج وأبت المرأة تجبر المرأة عليه، وإن رغبت [فيه المرأة] وأبىلزوج - فله ذلك، ويأخذ نصف قيمة الأرض؛ كما ذكرنا في الثمرة.
ولو رضيت المرأة بأن يأخذ الزوج نصف الأرض مع نصف الزرع - هل يُجبر الزوج عليه؟: فيه وجهان كالثمرة المؤبرة:
أصحهما: لا يجبر، وكذلك إذا كانت قد غرست فيها، فإن تراضيا على أن يأخذ الزوج نصف الأرض، ويترك الغراس له - جاز، وإن رغب فيه الزوج تُجبر المرأة عليه؛ كما في الزرع. وقيل: لا تجبر لأنه للتأبيد.
وإن رغبت فيه المرأة لا يجبر الزوج، بل يأخذ نصف قيمة الأرض.
ولو تركت نصف الغراس إليه لا تجبر على القبول على الأصح؛ كما قلنا في الزرع.
ولو كانت حرثت الأرض، فهي زيادة من وهو نقصان من وجهٍ، فإن كان يُراد للبناء، فهو نقصان وإن كان يُراد للزراعة، فهو زيادة.
وإن تراضيا على أن يأخذ الزوج نصفها - جاز، وأيهما أبى لا يجبر الآخر عليه، وللزوج نصف قيمتها غير محروثة.
وإن كان الصداق عبدًا وقد دبرته المرأة، فهل للزوج أخذ نصفه؟ نص أنه لا يأخذ. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على أن التدبير وصيةً أم تعليق عتقٍ بصفةٍ؟
[ ٥ / ٤٩٧ ]
فإن قلنا: وصية، فله أخذ نصفه؛ كما لو أوصت به لإنسان [له] أخذ نصفه.
وإن قلنا: تعليق عتق بصفة، فيأخذ نصف قيمته.
ومنهم من قال: ليس له أخذ نصفه.
وإن قلنا: وصية؛ لأنها قد قصدت فيه قربةً؛ فلا يبطل عليها ذلك مع إمكان جبرِ حق الزوج بالقيمة.
فإن رجعت عن التدبير، وقلنا: يصح الرجوع عنه، ثم طلقها الزوج - جاز له أخذ نصفه.
قال الشيخ - ﵀-: ولو وهب لابنه عبدًا فدبره، أو باع عبدًا بثوبٍ فدبره المشتري، ثم وجد بالثوب عيبًا فرده - يجوز أن يسترد العبد؛ كما يأخذه بالزوائد المتصلة بخلاف الصداق.
ولو علقت عتقه بصفة، ثم طلقها الزوج - فالمذهب: أنه لا يرجع في نصفه؛ لأنه لا يقبل الروع. بخلاف التدبير، بل بأخذ نصف قيمته.
فصل في وطء جارية الصداق
إذا أصدق امرأته جارية، ثم وطئها الزوج عالمًا بأنها جارية الصداق - نظر إن وطئها بعد الدخول بالمرأة، فهو كما لو وطيء جارية أجنبي، فعليه الحد، فإن أولدها فالولد رقيق لها. وإن ادعى أنه لم يعلم أنها ملكتها بالإصداق - لا يقبل قوله، وإن كان قبل الدخول بها، وادعى أنه لم يعلم أن المرأة تملك الصداق قبل الدخول - يقبل قوله، ولا حد عليه.
ولأي معنى لم يجب عليه الحد؟ فيه معنيان:
أحدهما: للجهل؛ لان العوام مما تخفى عليهم مثل هذه المسائل.
والثاني: لاختلاف العلماء، فإن عند مالك لا تملك [المرأة] قبل الدخول إلا نصف الصداق.
وإن كان عالمًا بأن المرأة تملك جميع الصداق قبل الدخول، فهل عليه الحد؟ فعلى وجهين بناء على المعنيين.
[ ٥ / ٤٩٨ ]
فإن قلنا: المعنى فيه الجهالة، فهاهنا يجب عليه الحد؛ لأنه كان عالمًا بحصول الملك لها. وإن قلنا: اختلاف العلماء، فلا يجب، فحيث أوجبنا الحد، فإن أولدها يكون الولدُ رقيقًا لها، ويجب المهر إن كانت مكرهة، وإن لم نوجب الحد، فالولد حر ثابت النسب، وعلى الزوج قيمته للمرأة باعتبار يوم السقوط، وعليه المهر.
فصل في تفريق الصداق وجمعه
إذا جمع بين البيع والنكاح، بأن قال: زوجتك ابنتي هذه، وبعتك هذا العبد بألف، فقال: تزوجتها واشتريت العبد، أو قال: قبلت النكاح والبيع - فالنكاح صحيحٌ، وفي البيع قولان
أحدهما: باطلٌ، لما بينه وبين النكاح من اختلاف الأحكام.
والثاني: صحيح؛ لأن العقد على كل واحدٍ على الانفراد جائز، فيجوز الجمعُ؛ كما لو باع عبدين.
فإن قلنا: البيع باطلٌ، فالمسمى فاسدٌ، ويجب للمرأة مهر المثل.
وإن قلنا: البيع صحيحٌ، فتوزع الألف على مهر المثل، وقيمة العبد ويصور فيما إذا كان مهر المثل وقيمة العبد سواء.
وإن طلقها [الزوج] قبل الدخول رجع إليه نصف الصداق، [وهو ربعُ] الألف.
وإن ارتدت هي، أو فسخ احدهما النكاح بعيب وجد بصاحبه قبل الدخول، عاد إليه كل الصداق، وهو نصف الألف.
ولو وُجد بالعبد عيبًا ورده يسترد الثمن، وهو نصف الألف، وليس للمرأة رد باقي الألف، والمطالبة بمهر المثل، وإن لم تجوز تفريق الصفقة؛ لأن المسمى صحيحٌ لا يترك بمهر المثل. فإن رد الزوج العبد بالعيب، أو فسخ النكاح قبل الدخول بالعيب - عاد إليه كل الألف، وإن كانت الألف معينة، فخرجت مستحقة أو زيوفًا فردتها - يسترد العبد.
وفي الصداق قولان:
أحدهما: لها مهر المثل.
والثاني: خمسمائة درهم، وكذلك لو كان الألف من جهتها؛ بأن قال الولي: زوجتك ابنتي بعبدك؛ على أن أرد عليك ألفًا من مالها، أو قال: زوجتك ابنتي وملكتك ألفًا من مالها
[ ٥ / ٤٩٩ ]
بهذا العبد - صح النكاح، وفي البيع وتسمية الصداق قولان.
فإن قلنا: لا يصح؛ فعليه لها مهر المثل.
وإن قلنا: يصح، فيوزع العبد على صداق مثلها والثمن، ويصور فيما إذا كانت قيمة العبد ألفين، ومهر مثلها ألف، حتى يكون نصف العبد صداقًان ونصفه مبيعًا بألفٍ، فإن طلقها [الزوج] قبل الدخول بها -رجع إليه نصف الصداق، وهو ربع العبد.
وإن ارتدت [الزوجة]، أو فسخ أحدهما النكاح بعيبٍ قبل الدخول - عاد إليه كل الصداق، وهو نصف العبد، فإن كانت الألف معيبة، فوجد الزوج بها عيبًا وردها - استرد المبيع، وهو نصف العبد وبقى لها النصف،
ولو وجدت [هي] بالعبد عيبًا وردته تسترد الثمن، وهو الألف للنصف المبيع.
وفي الصداق قولان:
أحدهما: تأخذ مهر المثل.
والثاني: نصف قيمة العبد.
ولو أرادت تفريق الصفقة، فيرد نصف المبيع من العبد، ويمسك نصف الصداق، أو عكسه، فقد قيل: فيه قولان؛ كما لو اشترى عبدين، وأراد رد أحدهما بالعيب - هل له ذلك؟ فيه قولان:
وقيل هاهنا: يجوز قولًا واحدًا؛ لأنهما عقدان، فيجوز ردُّ أحدهما دون الآخر.
وعلى هذا لو مع بين الخلع والبيع؛ بأن قالت: طلقني على ألفٍ على أن تعطيني عبدك الفلاني، فقال: فعلت، فبعض الألف بدل الخلع، والبعض ثمنُ العبد.
أو قال الزوج: خالعتك، وبعتك هذا العبد بألف، فقبلت - صح الخلع.
وفي صحة المسمى والبيع قولان.
فإن قلنا: لا يصح، يجب عليها مهر المثل.
وإن قلنا: يصح، فيوزع [المسمى] على مهر المثل، وقيمة ما ضم غليها.
وإن جمع بين نكاح امرأتين، أو بين أربع بمسمى واحدٍ؛ بأن كانت له أربع بناتٍ ابن
[ ٥ / ٥٠٠ ]
من أربع بنين، فقال الرجلُ: زوجتكهن بألفٍ، فالنكاح صحيح، وفي صحة المسمى قولان.
وكذلك لو خالع امرأتين، أو أربع نسوة بألفٍ دفعة واحدة فقبلن- وقعت البينونة، وفي صحة المسمى قولان:
أحدهما: المسمى فاسدٌ؛ لأن ما يخص كل واحد منهن مجهولٌ، ولكل واحدةٍ منهن في النكاح وفي الخلع على كل واحدة منهن مهر مثلها.
والقول الثاني: المسمى صحيحٌ؛ لأن الجملة معلومةٌ والتفضيل يصير معلومًا بالتوزيع؛ كما لو باع أربعة أعبد صفقة واحدة بألف، يصح، ويوزع المسمى على قدر قيمتهم، فعلى هذا يجوز المسمى على مهور أمثالهن على ظاهر المذهب.
وقيل: يوزعُ على عدد رؤوسهن، وليس بصحيح؛ كما في الثمن يوزع على قدر قيمتهم لا على عدد رؤوسهم.
ونص الشافعي - ﵀ - على أنه لو اشترى عبدين، أو أربعة أعبدٍ من أربعة نفرٍ غير مشتركة بينهم، صفقة واحدة؛ أنه لا يصح [في] البيع.
ونص على أنه لو كاتب ثلاثة أعبدٍ كتابة واحدة بمسمى معلوم، أن الكتابة جائزة.
اختلف أصحابنا في هذه النصوص منهم من جعل الكل على قولين، [في المسمى] في النكاح والخلع، ومنهم من ألحق الكتابة بالنكاح والخلع، فجعلهما على قولين، وقال في البيع: لا يصح قولًا واحدًا [والفرق]: أن الثمن ركنٌ في البيع؛ بدليل أن فساده يمنع صحة العقد، بخلاف النكاح والخلع والكتابة، فإن البدل ليس بركن فيها؛ بدليل أن فساده لا يمنع مقصود العقد؛ لأن النكاح يصح مع فساد العوض، وفي الخلع تقع البينونة، وفي الكتابة يحصل العتق إذا أدى المسمى، فكذلك الجهل بالعوض لا يمنع صحة العقد.
ومنهم من ألحق البيع بالنكاح والخلع، فجعله على قولين، وقال: الكتابة صحيحة قولًا واحدًا، وفرق بأن العبيد في الكتابة يجمعهم ملكٌ واحدٌ، وقبولهم صدر على رأي مالك واحد؛ فصح؛ كما لو باع واحدٌ عبدين من واحدٍ يصح، بخلاف العقود الثلاث.
وإذا تزوج امرأة على عبدٍ، فخرج العبد مستحقًا، أو خرج حرًا، أو على جارية فخرجت أم ولد، أو على عصير فبان خمرًا، أو على مُذكاةٍ فبان ميتة [أو على بقرةٍ فبان خنزيرًا]- فالنكاح صحيح.
وفيما عليه؟ قولان:
[ ٥ / ٥٠١ ]
أصحهما- وهو اختيار المُزني: يجبُ عليه لها مهر المثل.
والثاني: عليه القيمةُ، فيقدر الحر عبدًا، والميتة مُذكاة، والخنزير بقرةً، وتؤخذ قيمته، ويقدر الخمر عصيرًا فيؤخذ مثله.
وكذلك لو خالع زوجته على عبدٍ، فبان مستحقًا أو حرًا، [أو على مُذكاة فبانت ميتة]- تقع البينونة، ويجب [لها] مهر المثل في أصح القولين.
وفي الثاني القيمة.
أما إذا قال: [زوجتكها] على هذا الحر أيقع؟، أو على هذا الخمر [أو على هذا الخنزير]- فيفسد المسمى، ويجب مهر المثل قولًا واحدًا؛ لأن التسمية وقعت فاسدة، وفي الصورة الأولى كانت التسمية صحيحة، فيجوز أن يقال: يرجعُ إلى ما سمي، وذلك الخُلعُ.
ولو نكحها على ألفِ درهمٍ، وزق خمرٍ - فالمهر فاسدٌ، ويجب لها مهر المثل، ولو نكحها على عبدين، فبان أحدهما مستحقًا أو حرًا - ففي الحر والمستحق فاسد.
وهل يصح في العبد؟ فعلى قولين بناء على تفريق الصفقة.
فإن قلنا: لا يصح، فلها مهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني: قيمتها.
وإن قلنا: يصح في العبد، فللمرأة الخيار في الصداقِ؛ لأنه لم يسلم لها جميع المسمى، فإن ردت فهكذا يرجع بمهر المثل على الأصح، وعلى الثاني بقيمة العبدين.
وإن أجازت فبم تجيز المملوك فيه قولان:
أحدهما: بجميع المهر، ولا شيء لها غيره.
والثاني: يجبر بحصته [من مهر المثل]، ثم بماذا يرجع بسبب الحر؟ فعلى قولين:
أصحهما بحصته من مهر المثل.
والثاني: بقيمته لو كان عبدًا.
وعند أبي حنيفة: إذا أصدقها عبدين، فخرج أحدهما حرًا - ليس لها إلا العبد، وإن
[ ٥ / ٥٠٢ ]
خرج أحدهما مستحقًا، فلها قيمة المستحق مع الثاني.
وعند أبي يوسف في الحر كذلك لها قيمة الحر مع الثاني.
ولو عقد النكاح في السر بألفٍ، ثم عقد في العلانية بألفين:
قال في موضع: المهر مهر السر، وقال في موضع آخر: المهر مهر العلانية.
أومأ المزني أن المسألة على قولين.
وخرج بعض أصحابنا من هذا أن المواضعة عليه قبل العقد، هل تجعل كالمشروط في العقد، فجعلوها على قولين.
والمذهب أن المواضعة [عليه] قبل العقد لا تجعل كالمشروط في العقد.
وهذه المسألة على اختلاف الحالين حيث قال: المهر مهر السر، أراد به إذا عقد عقدًا صحيحًا في السر بألف، ثم عقد ثانيًا بألفين في العلانية ليتسامع الناس، فالواجب هو الأول، وحيث قال: المهر مهر العلانية، أراد به إذا تواطؤوا في السر على أن المهر ألفٌ، ولم يعقدوا، ثم عقدوا في العلانية - بألفين- فالمهر مهر العلانية.
ولو ادعت امرأة على زوجها أنه نكحها يوم الخميس بعشرين، ويوم الجمعة بثلاثين، وادعت المهرين جميعًا - تُسمعُ دعواها، فإذا ثبت العقدان بإقرارهما، أو بنكوله وبيمينها، أو ببينةٍ [قامت عليه]- يلزمه المهران جميعًا، ويحمل على أنه طلقها بعد النكاحة الأول، ثم نكحها ثانيًا.
وإن لم تُصرح المرأة بذلك في دعواها؛ لأن إقدامه على النكاح الثاني أمارة وقوع الفرقة بينهما، فلو ادعى الزوج أن العقد الثاني كان في حال بقاء الأول ليتسامع الناسُ؛ كما لو ابتاع شيئًا، ثم ادعى أنه ملكه لا يقبل؛ لأن ابتياعه إقرارٌ لصاحب اليد بالملك؛ إلا أنه إذا ادعى أن الفراق في النكاح الأول كان قبل الدخول - يقبل قوله مع يمينه، ولا يلزمه إلا نصف المهر في النكاح الأول، ويكون عنده في النكاح الثاني بطلقتين.
وعلى هذا لو ادعى على رجل أنه اشترى هذه السلعة يوم الخميس بعشرين، واشتراها يوم الجمعة بثلاثين، وأقام عليه بينة - يلزمه الثمنان جميعًا، ولا يقبل قول المشتري: عن الثاني كان مع بقاء الأول.
ولو قبل لابنه الصغير، أو المجنون نكاح امرأة بمهر من مال الابن - يصح، ثم إن كان
[ ٥ / ٥٠٣ ]
دينًا لا يكون الأب ضامنًا، إلا أن يضمن صريحًا.
وقال في القديم: يكون الأب ضامنًا.
فإن قلنا بهذا، أو ضمن صريحًا، فإن أدى من مال نفسه [بحم الضمان، فإن نوى الرجوع على الابن حالة الأداء رجع، وإلا فلا، وإن لم يكن الأب ضامنًا فأدى من مال نفسه] متبرعًا - لا رجوع له على الابن، وكذلك لو تبرع أجنبي بإذنه.
فلو بلغ الصبي، فطلقها قبل الدخول، كان الصداق للابن، وعلا رجوع للأب فيه.
وقيل: إذا كان عينُ ما دفع الأب قائمًا، فهل للأب الرجوعُ؟ فيه وجهان؛ كما لو كان الموهوب عينًا.
وإن كان الابن بالغًا، فتبرع الأب بأداء الصداق، ثم طلقها الابن قبل الدخول، عاد نصف عينه إلى الابن، فهل للأب الرجوع؟
فيه [وجهان]؛ كما في حق الصغير.
وقيل في [القديم]: لا يرجع قولًا واحدًا، بخلاف الصغير؛ لأن الصغير ليس من أهل القبض، فجعل الأب متبرعًا عليه قابضًا عنه؛ فكان له الرجوع، فلا ينوب عن البالغ في القبض، وكان أداؤه عن محض إسقاط حق، فلم يقدر على الرجوع.
ولو قبل لابنه الصغير النكاح بصداقٍ من مال نفسه - صح، عينًا كان أو دينًا، ثم إذا بلغ الصبي وطلقها قبل الدخول - فنصف الصداق يعود إلى الابن، وإذا ارتدت قبل الدخول، فكل الصداق يعود إلى الابن، وهل للأب - الرجوعُ فيه؟ نُظر؛ إن كان دينًا فلا؛ كما لو اشترى الابن شيئًا بثمن في ذمته، وأدى، ثم وجد الابن بالمبيع عيبًا ورده - يسترد الثمن، ولا رجوع للأب فيه، بخلاف ما لو خرج المبيع مستحقًا يعود الثمن إلى الأب؛ لأنه بان أن الأداء فيه لم يصح.
وإن كان الصداق عينًا فإن كان قد هلك عندها، رجع الابن في نصف قيمته، ولا رجوع للأب فيه، وإن كانت العين باقية، فأخذ الابن نصفها، هل للأب أن يرجع فيه؟
فعلى وجهين، بناء على ما لو خرج الموهوب من ملك الابن، ثم عاد إليه - هل يثبت للأب الروع فيه أم لا؟ فعلى وجهين.
والصحيح من المذهب أن لا رجوع للأب في هذه المواضع كلها.
[ ٥ / ٥٠٤ ]
ولو قبل لابنه الصغير نكاح امرأةٍ، وجعل أم ذلك الابن صداقًا لها؛ بأن كانت مملوكة له - لم يصح الإصداق؛ لأنا نحتاج أن يملكها الابن أولًا، ثم نجعلها صداقًا لزوجته، وإذا ملكناه عتقت، وإذا عتقت لم يصح إصداقُها، فقلنا: لا يصح ولا تعتق. والله أعلم.
باب التفويض
التفويض هو التزويج بلا مهرٍ، وهو نوعان: صحيح، وفاسد.
فالصحيحُ: هو أن تأذن المرأة المالكة لأمرها - ثيبًا كانت أو بكرًا - لوليها أن يُزوجها بلا مهر، أو قالت: زوجني ولا تكر المهر، فزوجها وليها، وقال: زوجتكها بلا مهرٍ، أو سكت عن ذكر المهر، أو السيد زوج أمته بلا مهر، أو سكت عن ذكره - صح النكاح، ولا يجب المهر بالعقد على الصحيح من المذهب؛ لأن المهر حقها، وقد رضيت بإسقاطه؛ ما لو أبرأت الزوج عن الصداق بعد الوجوب.
وفيه قول مخرج: أنه يجب المهر، وهو قول أبي حنيفة، والأول أصح؛ لأنه لو وجب بالعقد انتصف بالطلاق قبل الدخول، ولم يكن لها مطالبته بالفرض، وبالاتفاق يجوز لها مطالبته باني فرض لها صداقًا.
ولو طلقها قبل الفرض والمسيس - لا مهر لها، وتجب لها المتعة، ولو دخل بها الزوج وجب لها مهر المثلن ولم يكن لها بعد مطالبته بالفرض.
[ ٥ / ٥٠٥ ]
ولو مات أحد الزوجين قبل الفرض والمسيس- هل يجب لها مهر المثل؟:
قال الشافعي - ﵁-: إن صح حديث بروع بنت واشقٍ، فلها المهر؛ وهو ما رُوي عن معقل بن سنان؛ أن النبي - ﷺ - قضى في بروع بنت واشقٍ - نُكحت بغير مهر، فمات زوجها بمهر نسائها والميراث. وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه يقال: رواية معقل بن يسار، ويقال: معقل بن سنان، ويقال: بعض بني الأشجع؛ ولذلك علق القول على ثبوته.
فإن ثبت الحديث، وجب لها المهر، وإن لم يثبت، ففيه قولان:
أصحهما - وبه قال علي، وزيد، وابن عمر، وابن عباس - ﵃ -: لا مهر لها؛ لأن ارتفاع نكاح التفويض قبل الفرض والمسيس - لا يُوجب المهر؛ كما لو طلقها قبل الدخول.
والثاني: يجب لها المهر؛ لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى، كذلك في إيجاب المهر في التفويض.
فمن أصحابنا من قال: القول الذي ذكرنا: إنه يجب المهر بالعقد - يخرج من هذا. والصحيح من المذهب: أنه لا يجب بالعقد.
وفي وجوبه بالموت قولان.
[ ٥ / ٥٠٦ ]
وفي نكاح التفويض يجوزُ للمرأة مطالبة الزوج بالفرض قبل الدخول، ولها حبس نسها عنه حتى يفرض، ويؤدي المفروض، سواء قلنا: وجب بالعقد، أو لم يجب.
وإنما أثبتنا لها ذلك؛ ليتقرر لها نصف المهر.
ولو طلقها قبل الدخول، وكذلك السيد إذا زوج أمته مفوضة، فله مطالبة الزوج بالفرض.
ثم إن تراضيا على فرض بأنفسهما جاز ولزم - عينًا كان أو دينًا - أكثر من مهر المثل، أو أقل من جنس نقد البلد، أو من غير جنسه حالًا أو مؤجلًا، سواء كانا عالمين بقدر مهر المثل أو جاهلين.
وقيل: إن قلنا: وجب المهر بنفس العقد، بشرط أن يكونا عالمين بمهر المثل؛ فإن جهلاه أو أحدهما - لم يجز.
ولو فرض لها شيئًا لم ترض به، فهو كما لو لم يفرض.
أما إذا كان الفرض من جهة القاضي بطلبها - فلا يجوزُ له أن يفرض إلا بنقد البلد حالًا، بعد أن كان عالمًا بقدر مهر المثل، حتى لا يزيد على مهر المثل، ولا ينقص، رضيت المرأة أو أبت؛ كما في تقويم المتلفات، فإن زاد أو نقص لم يجز إلا بالقدر اليسير الذي يقع في الاجتهاد.
وإن رضيت المرأة بالتأجيل، فالقاضي يوجبه حالًا، ثم للمرأة تأخير المطالبة إن شاءت. وإذا دخل بها الزوج بعد فرض القاضي، أو بعد تراضيهما على مفروضٍ - استقر المفروض، وكذلك لو مات.
وإن طلقها قبل الدخول فنصف ذلك المفروض كالمسمى في العقد، ولو زوجها على أن لا مهر لها في الحال، ولا عند الدخول - اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هي مفوضة؛ ما لو سكت عن ذكر المهر، ويجب لها المهر عند الدخول؛ لأن وجوب المهر عند الدخول حق الشرع، حتى لا يُضاهي نكاح النبي - ﷺ - والسفاح؛ فلم يسقط بإسقاطها.
وقال أبو إسحاق: يجب مهر المثل بالعقد قولًا واحدًا؛ لأن شرط سقوط المهر عند الدخول شرط فاسد، والشرط الفاسد عند النكاح يوجب مهر المثل.
وقال ابن أبي هريرة: لا يصح النكاح؛ لأن من لا مهر لها بحال موهوبةٌ، ولا يحل ذلك لغير النبي - ﷺ - والمفوضة إن لمي جب لها [مهر بالعقد، فيجب بأمر آخر من فرض، أو دخول، أو موتٍ في قول.
[ ٥ / ٥٠٧ ]
ولو تزوجها على أن لا مهر لها] ولا نفقة، أو على أن لا مهر لها وتُعطي زوجها شيئًا - فهي مفوضةٌ؛ لأنها شرطت [مع سقوطي المهر إعطاء شيء، فكان أبلغ في التفويض، ولا يجب عليها إعطاء شيء.
ولو قالت المرأة: زوجني بلا مهر، فزوجها الولي بالمهر - نُظر إن زوجها بمهر المثل فأكثر بنقد البلد - صح ولزم، وإن زوجها بدون مهر المثل، وبغير نقد البلد - فهو كما لو زوجها مفوضة؛ ولا يلزم المسمى.
ولو أطلقت المرأة فقالت: زوجني من فلان، فزوجها الولي بمهر المثل، أو أكثر - صح ولزم المسمى، وإن زوجها بلا مهر، أو بدون مهر المثل - ففيه قولان:
أحدهما: لا ينعقد؛ لأنه بخس حقها.
والثاني: ينعقد، ويجب مهر المثل.
قال الشيخ - ﵀-: وكذلك لو زوجها الولي مطلقًا ولم يُسم [المهر، وإن سمت المرأة مالًا فقالت: زوجني بألف، فزوجها الولي بألفٍ فأكثر - صح ولزم المسمى] وإن زوجها بأقل من ألف، أو بلا مهر، أو مطلقًا - لا يصح؛ كما لو أذنت في زيدٍ، فزوجت من عمرو، وكذلك أمر وكيل الولي.
أما التفويض الفاسد، وهو أن يُزوج الأب الصغيرة، أو المجنونة، أو السفيهة مفوضة، أذنت السفيهة أو لم تأذن، أو يزوج البكر البالغة دون رضاها مفوضة - ففي انعقاد النكاح قولان:
أصحهما: يصح، ويجب مهر المثل بالعقد.
وهذا كله في تفويض البضع.
أما إذا كان التفويض في المهر؛ بأن قالت لوليها: زوجني بما شاء الزوج، أو بما شاء فلان، أو بما شئت، فسمى الزوج أو فلان، وهو شيءٌ معلوم، فزوجها به - صح، ولزم المسمى، وإن كان دون مهر المثل.
ولو زوجها بلا مهر أو مطلقًا لا يصح.
ولو قال الولي في العقد: زوجتكها بما شئت، أو بما شاء فلان - يب مهر المثل بنفس العقد. والله أعلم بالصواب.
[ ٥ / ٥٠٨ ]
باب تفسير مهر مثلها
كل موضع أوجبنا للمرأة مهر المثل تنعني به [مهر] نساء عصباتها، فيعتبر مهرها بمهر امرأة من عصباتها هي مثلها في السن، والعقل، والعفة، والجمال، واليسار، والثيابة، والبكارة، والصراحة، وغيرها من أسباب الكمال؛ لأن المهر يختلف بهذه الأشياء، فإن مهر الثيابة أكثر من مهر العجوز، ومهر الجميلة والغنية والبكر أكثر من مهر من هي على خلاف ذلك، ومهر الصريح التي أبواها قرشيان أكثر من مهر الهجين التي أمها نبطية.
فإن كانت فيها خصلة حميدة لم تكن في نساء عصباتها يُزاد في مهرها، وإن كان فيها نقص ينقص من مهرها؛ ما في تقويم المتلفات.
ونساء عصباتها كل امرأةٍ تنسب هذه إليه؛ كالأخوات [للأب والأم] أو للأب، والعمات للأبوين أو للأب، وبنات الأخ والعم [للأب والأم] أو للأب ولا يعتبر بأمهاتها وجداتها وخالاتها وبنات أخواتها ولا بنات عماتها، بخلاف الحيض يعتبر بنساء العشيرة؛
[ ٥ / ٥٠٩ ]
لأنه معنى يرجع إلى الجبلة والخلقة، وقد اشترك في خلقتها [الأم والأب].
ومهرُ المثل أمرٌ يقع به الافتخار كالنسب، فاعتبر بنساء النسب؛ كالكفاءة تعتبر بالعصبات، وتعتبر بالأقرب فالأقرب من نساء العصبة؛ فيعتبر بالأخوات للأب والأم، ثم للأب ثم بنات الإخوة، ثم العمات ثم بنات الأعمام، ويعتبر بغالب مهرِ نساءِ عصباتها في بلدها وإن كُنَّ موتى؛ لأنه يختلف باختلاف البلدان كقيم المتلفات.
وإن لم يكن لها في بلدها أحدٌ منهن، ونساء عصباتها ببلدٍ آخر؛ فحينئذ يعتبر بنساء عصباتها ببلد آخر حيث كن.
فإن لم يكن لها أحدٌ من نساء العصبة، فيعتبر بالأقرب فالأقرب من أمهاتها وجداتها وخالاتها، فإن عُدمن، فبالأجانب من نساء بلدها، فإن لم يكن فبأقرب [النساء] شبهًا بها من أقرب البلاد إليها.
وإن كانت عربية يعتبر [بمهر غربية] مثلها، وإن كانت من الموالي فبمولاة مثلها في شرف سيدها ودناءته.
وإن كانت أمة فبمهر مثل أمة مثلها في بلدها.
وإذا أوجب الحاكم مهر المثل يُوجب من نقد البلد حالًا كقيم المتلفات، ثم إن رضيت المرأة بالتأجيل، فهو تبرعٌ منها لا يلزم.
وإن كانت عادة نساء عصبتها تأجيل المهر، أو تأجيل بعضه - فالحاكم يوجب كله حالًا، وينقص عن مهرهن بقدر ما يقابل التأجيل؛ لأنهن إذا أجلن زدن.
ويختلف ذلك أيضًا باختلاف الخاطب، فإن الشريف يرغب فيه بمهر أقل، لا يرغب بمثله في الوضيع.
وإن كانت عادة نساء عصبتها تخفيف المهر مع العشائر - يُراعى ذلك، فيخفف مع العشيرة، بخلاف قيمة [المتلفات] نوجبها بكمالها.
وإن كان المتلف صديقًا، وفي العادات المحاباة مع الأصدقاء؛ لأن المقصود من النكاح الوصلة، فيراعى فيه من التودد والتآلف ما لا يُراعى فيما المقصود منه المال.
وكل نكاحٍ وجب فيه مهر المثل يتشطر ذلك بالطلاق قبل الدخول، ويتقرر بالدخول
[ ٥ / ٥١٠ ]
والموت إلا المفوضة على قولنا المخرج: إنه يجب المهر بالعقد، ويسقط بالطلاق قبل الدخول إلى المتعة.
وعند أبي حنيفة: لا يتنصف بمهر المثل، بل يسقط إلى المتعة في جميع المواضع، ونحن نقيسه على المسمى. والله أعلم.
باب الاختلاف في المهر
إذا اختلف الزوجان في الصداق في قدره، أو جنسه، أو عينه، أو في أصله: فقال الزوج: نكحتك بلا مهر، وقالت: بلى على ألف، أو في الأجل فيه، أو في قدر الأجل - يتحالفان، سواء كان قبل الدخول أو بعده في حال بقاء النكاح، أو بعد الفراق، فإذا تحالفا انفسخ الصداق، ويجب لها مهر المثل.
وإن زاد على المسمى الذي تدعيه، فالنكاح بحاله.
وقال أبو حنيفة: إن كان بعد الدخول، فالقول قول الزوج، [وإن كان قبله، فالقول قولها في قدر المهر، وفيما زاد القول قول الزوج].
وقال مالك: إن كان بعد الدخول، فالقول قول الزوج، وإن كان قبله تحالفا، ويبدأ بالتحالف بالزوج.
وكذلك لو وقع الاختلاف بين ورثة الزوجين بعد موتهما، أو بعد موت أحدهما، [ووقع بين وارثه والآخر]- يتحالفان، إلا أن الزوجين بأنفسهما يتحالفان على البت في النفي والإثبات جميعًا. والوارث يحلف على [نفي] العلم فيما ينفي، وعلى البت فيما يثبت، فيقول وارث الزوج: والله لا أعلم أن مورثي تزوجك على ألف، إنما تزوجك على خمسمائة، ويقول وارث المرأة: والله لا أعلم أنك تزوجتها على خمسمائة، بل تزوجتها على ألفٍ.
وإذا اختلف الزوج وأبو الصبية البكر: فقال الأب: زوجتكها بألفٍ، وقال الزوج: بل بخمسمائة - يتحالفان كالزوجين، لأن الولي هو المباشر.
وقيل: لا يحلف الأب، بل يتوقف حتى تبلغ الصبية، ثم يتحالفان، أو يحلف الزوج في الحال وتوقف يمين الصبية حتى تبلغ، فإن بلغت الصبية قبل التحالف - تحلف الصبية
[ ٥ / ٥١١ ]
بالاتفاق لا الأب، وتحلف فيما تنفي على [نفي] العلم؛ لأنها لم تُباشر.
والاختلافُ في حق الصبية إنما يكون فيما زاد على مهر المثل، بأن كان مهرها ألفًا، فقال الولي زوجتكها بألفين، والزوج يقول: بألف.
فأما إذا كان الزوج يقول: بخمسمائة، والولي يقول: بألف - فلا معنى للاختلاف؛ لأن الولي إذا نقص عن مهر المثل يجب لها المثل كاملًا بالعقد.
وإن كان الزوج يقر بأكثر من مهر المثل؛ بأن يكون مهرها ألفًا، والزوج يقول: نكحتها بألفين، والولي يدعي عليه ثلاثة آلاف - فلا يتحالفان، ويأخذ الولي ألفين؛ لأنهما إذا تحالفا يعو مهرها إلى ألفٍ.
فلو اختلف الزوجان في أداء المهر، فقال الزوج: أديت وأنكرت - فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل انشغال ذمته بحقها، سواءٌ كان قبل الدخول أو بعده.
وقال مالك: إن كان قبل الدخول، فالقول قولها، وإن كان بعد الدخول فالقول قوله؛ لأن الظاهر أنها لا تُسلم نفسها إلا بعد قبض المهر.
وإن كان الصداق تعليم سورةٍ، فقال الزوج: علمتكها، وأنكرت - نظر إن كانت المرأة لا تُحسن تلك السورة، فالقول قولها، وإن كانت تحسنها - فوجهان:
أحدهما: القول قولها؛ لاحتمال أنها تعلمت من غيره، والأصل انشغال ذمته بالصداق.
والثاني: القول قوله مع يمينه؛ لأن الظاهرة معه.
ولو اتفقا على قبض مالٍ، واختلفا في الجهة: فقالت [المرأة]: كان المقبوض هدية، وقال الزوج: كان صداقًا - فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بنيته، سواء كان المقبوض من جنس الصداق، أو لم يكن، من طعام أو غيره.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: إن كان شيئًا [آخر] لا يدخر، فالقول قولها، فإذا حلف إن كان المقبوض من جنس الصداق - وقع عنه، وإن كان من غير جنسه، فإن شاء باعه عنها بالصداق إن كان قائمًا، وإن شاء استرده، وأعطاها المهر، وإن كان تالفًا أخذ بدله.
أما إذا بعث إلى بيت من لا دين له عليه شيئًا، ثم قال: بعوضٍ وأنكر - فالقول قولُ القابض.
[ ٥ / ٥١٢ ]
ويجوز للولي قبض الصداقِ للصغيرة، والمجنونة، والسفيهة من زوجها، ولا يجوز قبض الصداق للبالغة الرشيدة إلا بإذنها، أبًا كان الولي أو جدًا، ولا يبرأُ الزوج بالدفع إليه.
وفي القديم قولٌ آخرُ: أنه يجوز للأب والجد قبض صداق البكر البالغة دون إذنها، ويبرأ الزوج بالدفع إليها؛ كما يجوز لهما إجبارها على النكاح، وهذا على قولنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي.
وعند أبي حنيفة: يجوز له قبض صداقها، إلا أن تنهي عنه. والله أعلم.
باب الشروط في المهر
رُوي عن عقبة بن عامر، عن رسول الله - ﷺ - قال: "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج".
كل شرط يقتضيه النكاح، فذكره في العقد لا يضر؛ وذلك مثل أن يتزوجها على أن ينفق عليها، ويقسم لها، ويطأها، ولا تخرج إلا بإذنه، وأن له أن يُسافر بها إن بدا له، أو يتزوج عليها إن شاء، ويجوز ذلك.
وإن شرط لها مالًا يقتضيه العقد لا يبطل به النكاح، ويفسد الصداق، ويجب لها مهر المثل، سواء كان الشرط لها أو عليها.
أما مالها مثل أن شرط ألا يتزوج عليها، أو لا يتسرى عليها، أو يُطلق ضرتها، أو تخرج متى شاءت، أو لا يخرجها من بلدها ولا يُطلقها.
وما عليها: مثل أن شرط ألا ينفق عليها، ولا يقسم لها، ويجمع بينها وبين ضرتها في مسكن واحدٍ، ونحو ذلك.
وسواء زاد في المهر حيث شر طلها، أو نقص حيث شرط عليها، أو لم يزد ولم ينقص.
ولو نكحها على أنه إن أخرجها عن البلد - فمهرها ألفان، وإن لم يخرجها فمهرها ألفٌ - فلها مهر المثل، أخرجها أو لم يخرجها.
وقال أبو يوسف: إن أخرجها فعليه ألفانِ، وألا فألفٌ؛ كما شرط.
ولو تزوجها على ألا يطأها، قال في موضع: فسد النكاح.
وقال في موضع: لا يفسدُ.
[ ٥ / ٥١٣ ]
قال الربيع: ليست على قولين، بل هي على حالين؛ وهو كما قال الربيعُ: حيث قال: يفسدُ إذا شرطت المرأة على الزوج ألا يطلقها، أو لا يطأها إلا أن تشاء هي -: لا يصح النكاح، لأنها شرطت منع حق الزوج ومقصود النكاحِ.
وحيث قال: لا يفسد، أراد به إذا شرط الزوج ألا يطلقها ولا يطأها، إلا أن يشاء هو، أو لا يطأها في السنة إلا مرة؛ فلا يبطل النكاح؛ لان الوطء حقه، وهذا كرجل له على فقير دينٌ، فقال الفقير له: ادفع إليَّ دينارًا عن الزكاة؛ حتى أؤدي دينك منه، [فدفع] جاز عن الزكاة، والفقير بالخيار إن شاء أدى دينه منه، وإن شاء لم يؤد منه، وأدى من غيره.
ولو قال رب المال: خذ هذا الدينار عن الزكاة، بشرط أن ترده علي من ديني - لا يجوز عن الزكاة، ولا قضاء الدين منه.
ولو عقد النكاح بألفٍ على أن لأبيها ألفًا - صح النكاحُ، وفسد المسمى، ولها مهر المثل؛ لأن قوله: على أن لأبيه ألفًا، إن أراد سوى الصداق فهو عقد في عقدٍ، وإن أراد ألف الصداق فقد شرط بدل المتعة لغير المرأة؛ وذلك لا يجوز؛ كما لو شرط في البيع بعض الثمن لغير البائع. هذا قوله الجديد.
وذكر في القديم ما يدل على أن الشرط يلغو، ويصح المسمى، فقال: عن تزوج امرأة على أن لها ألفًا ولأبيها ألفًا، ولأمها ألفًا - بطل الشرط، والألوف لها؛ لأنه شرطها في مقابلة البُضع، وهي مالكة للبضع، فحصل قولان في فساد التسمية.
ومن أصحابنا من قال: المسمى فاسدٌ قولًا واحدًا، ولها مهر المثل.
وما [قال] في القديم أراد إذا نكحها على ثلاثة آلافٍ، فشرطت هي على نفسها أن يدفع ألفًا على أبيها، وألفًا على أمها؛ فهو وعدٌ من جهتها لا يلزمها، ولا يضر العقد.
ثم ذكر المُزني بعد هذا مسألة تشبه الأولى في الصورة- والحكم بخلافه - فقال: إن نكح امرأة على ألفٍ، وعلى أن يُعطي أباها ألفًا - كان جائزًا.
وصورة هذه المسألة أن ينكحها على ألفين، على أن يُعطى إحدى الألفين إلى أبيها، فلا يفسد المسمى؛ لأنه ليس بشرطٍ، بل وعدٌ جميلٌ منها بأن تهب إحدى الألفين من الأب، أو وكلت الأب بقبض إحدى الألفين لها، ووعدُ هبة الصداق للأب من المرأة أو لوكيله بقبضه - لا يؤثر في العقد، هذا إذا كان منها على سبيل الوعد.
فإن كان على سبيل الشرط يفسد المسمى أيهما شرط.
[ ٥ / ٥١٤ ]
وقيل: إن شرطت هي لا يفسد المسمى، وإن شرط هو عليها يفسد المسمى؛ لأنه شرط عليها من ملكها ما لا يقتضيه العقدُ.
إذا شرط الخيار في النكاح، نظر: إن شرط في المنكوحة لا يصح النكاح؛ لأنه معاوضةٌ لا يثبت فيه خيار الشرط؛ فيفسد بشرط الخيار فيه كالصرف.
وعند أبي حنيفة: يصح النكاح ويبطل الشرط.
أما إذا شرط الخيار في الصداق لهما أو لأحدهما - يصح النكاح، ويفسد المسمى، ويجب لها مهر المثل، وقال في القديم: يفسد النكاح.
واختلفوا في وجه فساده.
منهم من قال: إنما يفسد لفساد الشرط، وقال في جميع الشروط الفاسدة: يفسد النكاح في القديم.
ومنهم من خصه بشرط الخيار، وقال: لأن الخيار في أحد العوضين يوجب الخيار ي الثاني، ويصير كأنه شرط الخيار في المنكوحة. والله أعلم.
باب عفو المهر
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية.
المراد من الآية: أن الزوج إذا طلق امرأته قبل الدخول بها ينتصف الصداق، فلا يجب على الزوج إلا نصفه.
قوله: " [إلا] "أن يعفون" المراد منه: الزوجان معناه: إلا أن تعفو المرأة عن حقها، فيعود جميع الصداق إلى الزوج.
وقوله:"أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح".
اختلفوا فيه: فقال قوم: أراد الزوج، وهو قولُ علي؛ وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح، ومجاهد، ومذهب أبي حنيفة، وقول الشافعي - ﵁ - في الجديد معناه: أوي عفو الزوج عن حقه، فيخلص لها جميع الصداق.
وقال قوم: الذي بيده عقدة النكاح وليُّ المرأة، وهو قول ابن عباس، والشافعي -
[ ٥ / ٥١٥ ]
﵁ - في القديم؛ لأن عقدة النكاح في الحال بيده، وأما الزوج فكان بيده قبل الفراق، معناه: ينتصف الصداق، إلا أن تعفو المرأة عن حقها إن كانت من أهل العفو، أو يعفو وليها إن لم تكن هي من أهل العفو، فيعود كل الصداق إلى الزوج، وخرج من هذا أنه لا يجوز للولي أن يُبريء الزوج عن صداق وليته الثيب.
فإن كانت بكرًا فالمذهب أيضًا أنه لا يجوز، وهو قوله الجديد.
وعلى قوله القديم: يجوز للأب، وللجد أن يُبريء عن صداق البكر الصغيرة العاقلة بعد ما طلقها الزوج، ويختص بالأب والجد؛ لأن كمال شفقتهما يمنعهما من ترك النظر للولد، فقد يريان النظر في العفو ترغيبًا للخطاب فيها، ولا يجوز قبل الطلاق؛ لأن الزوج ربما يدخل بها بعد الإبراء، فيفوت بُضعها مجانًا.
ويشترطُ أن تكون عاقلةً؛ لأن المجنونة لا يُرغب في نكاحها، فلا يجوز إسقاط حقها طمعًا لرغبة الخطاب فيها، وأن يكون الصداق دينًا في ذمة الزوج، فإن كان قد قبضه أو كان عينًا لا يجوز إبطال حقها عن العين.
وهل يجوز الإبراء عن صداق البر البالغة على هذا القول؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يجوزُ؛ لأنه لا يلي مالها، فإذا عفا أحد الزوجين عن نصيبه [كان من الصداق بعد الطلاق قبل الدخول لا يخلو؛ إما أن] كان الصداق عينًا أو دينًا.
فإن كان عينًا نُظر: إن كان [عينًا] في يده [فكان] هو العافي، فهو هبةُ نصفه، فلا بد من تمليكه وقبولها وقبضها.
وإن كانت هي العافية؛ فهو كما لو وهب شيئًا من إنسان، وهو في يد المتهب، فيشترط التمليك والقبول، ومضى إمكان القبض، فهل يجوز هذا التمليك بلفظ العفو من الجانبين؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز لظاهر القُرآن.
والثاني: لا يجوز كسائر التمليكات والمراد بالآية إذا كان الصداق دينًا، وإن كان عينُ الصداق في يدها؛ فإن كانت هي العافية، فلابد من التمليك، وكان القبول والتسليم، وإن كان هو العافي فلابد من القبول، ومضى إمكان القبض - كما ذكرنا في جانب الزوج.
وإن كان الصداق دينًا، أو كان بعد تلف العين، فإن كان العافي من هو في ذمته فلابد
[ ٥ / ٥١٦ ]
من أن ينفذ ويملك، ويقبله الآخر ويقبضه.
وهل يجوز بلفظ العفو؟ فعلى الوجهين.
وإن كان العافي هو الآخر، فيجوز بلفظ التمليك والإبراء والعفو، ولا يحتاج إلى القبول؛ لأنه محض إسقاط.
فصل فيما لو عاد الصداق إلى الزوج
إذا عاد الصداق إلى الزوج، ثم طلقها قبل الدخول- نظر إن عاد إليه من جهة أجنبي، أو عاد إليه من جهتها بعقد معاوضةٍ - فالزوج يرجع بنصف قيمته.
وإن وهبت الصداق منه، ثم طلقها قبل الدخول - فهل للزوج أن يرجع عليها بنصف قيمته، أو نصف قيمة مثله إن كان مثليًا؟ - فيه قولان.
وكذلك لو ارتدت قبل الدخول بعد ما وهبت الصداق منه، أو فسخ أحدهما النكاح بعيبٍ وجد بصاحبه، هل يرجع؟ لأن الصداق عاد إليه بملكٍ جديد؛ كما لو باعت منه.
والثاني - وهو الأصح، واختيار المزني: لا يجرع عليها بشيء؛ لأنها عجلت له ما كان يستحقه بالطلاق؛ كما لو عجل الزكاة قبل الحول لا يطالب بها بعد الحول.
أما إذا كان الصداق دينًا، نظر إن قبضته ثم وهبت منه، ثم طلقها قبل الدخول - فهو كما لو كان [عينًا] فوهبت منه، وإن لم تقبضه وأبرأت ذمته، ثم طلقها- هل يرجعُ عليها بنصفه؟
وإن ارتدت فبكله فقد قيل: فيه قولان كالعين.
والصحيح من المذهب: أنه لا يرجع بشيء قولًا واحدًا، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنها لم تأخذ منه شيئًا، فصار كمال لو لم يسم لها مهرًا.
وعند أبي حنيفة: إن كان الصداق متقومًا أو مثليًا متعينًا، فوهبت منه - لا يرجع عليها بشيء، وإن كان مثليًا في الذمة فقبضته، ثم وهبت منه نصف الصداق، ثم طلقها الزوج قبل الدخول -هل يرجع عليها بشيء؟
هذا ينبني على هبة الكل.
إن قلنا هناك: يرجع فيها، فهاهنا يرع بنصف الصداق، ثم هل يأخذ النصف القائم كله أم يأخذ نصف ما هو قائمٌ في يدها، ونصف ما فات؟:
[ ٥ / ٥١٧ ]
فيه قولان؛ كما لو أصدقها عبدين، فهلك أحدهما، ثم طلقها قبل الدخول - هل يأخذ جميع العبد القائم، ويكون التالف من حقها، أم يأخذ نصف الصداقٍ، ونصف قيمة الهالك، ويُجعل الهالك من حقها جميعًا؟ فيه قولان.
فإن قلنا: إن هبة الكل لا ينبني عليها شيءٌ؛ فهاهنا أقوال:
أصحها: [لا يرجع عليها] بشيء، وقد تعين حقه في النصف الذي عاد إليه.
والثاني: يأخذ جميع النصف الباقي، ويجعل الموهوب من خالص حقها.
والثالث: يرجع عليها بنصف ما بقي في يدها، وهو ربع الجملة، ويجعل الفائت بالهبة من الحقين جميعًا؛ لأنها وهبت مشاعًا، فجعل كأنها عجلت نصف حقه، ووهبت منه نصف حقها.
وعلى هذا لو باع عبدًا بثوبٍ، ثم وهب مشتري الثوب الثوب من بائعه، ثم وجد بائعه بالعبد عيبًا، فأراد رده في حال قيام العبد، واسترداد قيمة الثوب، أو بعد تلف العبد أراد أخذ الأرش - هل له ذلك أم لا؟
فعلى وجهين بناء على قولي هبة الصداق.
وإن باع العبدين، ثم أبرأه عن الدين، ثم وجد مُشترى العبد به عيبًا، وأراد رده، وأخذ الثمن، أو كان تالفًا أراد أخذ الأرش - فهو كما لو كان الصداق دينًا فأبرأته.
أما إذا اشترى شيئًا، ثم وهب المشتري المبيع من البائع قبل دفع الثمن، ثم أفلس -فالبائع يُضارب الغرماء بالثمن قولًا واحدًا؛ لأن حقه في الثمن، ولم يصل إليه الثمنُ.
فصل فيما لو خالع قبل الدخول
إذا خالع الرجل امرأته قبل الدخول - نُظر، إن خالعها على شيء غير الصداق يثبت له عليها المسمى في الخُلْع، ولها عليه نصف الصداق.
وإن خالعها على الصداق لا يخلو إما أن خالعها على جميع الصداق، أو على نصفه، فإن خالعها على جميعه - عينًا كان الصداق أو دينًا - فقد خالعها على مال له، ومال لها؛ لأن نصف الصداق يعود إليه بالطلاق قبل الدخول، والبينونة واقعة لا يصح تسمية نصيبه.
وفي صحة تسمية نصيبها قولان.
[ ٥ / ٥١٨ ]
فإن قلنا: لا يصح، فنصف الصداقه لها ثابتٌ، ويجب له مهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني: قيمة العين إن كان الصداق عينًا، وإن كان دينًا فمثله.
وإن قلنا: يصح تسمية نصيبها، فهل يرجع الزوج عليها بشيء؟ فيه قولان:
أحدهما: [لا يرجعُ عليها] بشيءٍ، وجعل كأن الخلع وقع على نصيبها من الصداق فحسب.
والثاني: يرجع عليها بنصف بدل الخلع، وهو نصف مهر المثل في قول، ونصف قيمة العين في الآخر.
فأما إذا خالعها على نصف الصداق - نظر إن قال: خالعتك على نصيبك صح، ويسقط عن الزوج جميع الصداق إن كان دينًا، وإن كان عينًا عادت إليه كلها، وإن خالعها على نصف الصداق مطلقًا فقولان:
أحدهما: ينصرف إلى نصيبها.
والثاني- وهو الأصح: يقع شائعًا، فكأنه خالعها على نصف نصيبه ونصف نصيبها، فلا يصح تسميةُ نصف نصيبه.
وفي نصف نصيبها قولان:
إن قلنا: لا يصح، فنصف الصداق لها باقٍ، وعليها بدل الخلع في قول مال مهر المثل، والآخر نصف قيمة العين.
وإن قلنا: يصح في نصف نصيبها، فهل يرجع [الزوج] عليها بشيء؟
فعلى قولين كما ذكرنا: أحدهما: لا، وجعل كأن الخلع وقع على نصف نصيبها من الصداق.
والثاني: يرجع عليها بنصف بدل الخلع، وهو نصف مهر المثل في قول.
وفي الثاني: ربع قيمة العين.
فصل فيما لو نكح على مهر فاسدٍ
إذا نكح امرأة على مهر فاسد من خمر، أو خنزير، أو نحوه - يجب لها بالعقد مهر المثل، فلو أبرأته عن العقد، أو عن المسمى الفاسد - لا يصح الإبراءُ، فلو أبرأته عن مهر
[ ٥ / ٥١٩ ]
المثل إن كان معلومًا عندها يصح، والاعتبار بعلمها.
وإن كانت جاهلة فقولان:
أصحهما: لا يصح للجهل.
والثاني: يبرأ عن أقل ما يتيقن، وهو القدر الذي يُعلم أنه لا ينقص عنه.
فإذا نكحها مفوضة، ثم أبرأت الزوج عن الفرض -لا يسقط حقها، بل لها طلب الفرض.
ولو أبرأته عن مهر المثل قبل الدخول، إن قلنا: لا يجب المهر بالعقد - لا يصح الإبراء؛ لأنه أبرأ قبل الوجوب.
وإن قلنا: يجب بالعقد، أو أبرأته بعد الدخول - يصح إن كان معلومًا عندها.
ولو أبرأته عن المتعة قبل الطلاق لا يصح؛ لأنها لم تجب بعد، وإن أبرأت بعد الطلاق، فهو كالإبراء عن المجهول.
وإن تيقن أن مهرها لا ينقص عن الألف، ولا يزيد على الألفين - فالوجه أن تبرئه عن ألفين، فإن قبضت الأقل وهو الألف، وحللته أو أبرأته مما بين ألف إلى ألفين صح، ثم بان أن مهرها ألفان فأقل- فقد بريء عنه، وإن بان أكثر من ألفين تجب عليه تلك الزيادة.
وكذلك إن دفع إليها الأكثر وهو ألفان، وحللها ما بين ألف إلى ألفين - صح، ولو بان أن مهرها أقل من ألف مثالً تسعمائة - يجب عليها رد مائة؛ لأن التحليل لم يقع عنها، إن كان هذا من جهتها صح بلفظ الإبراء التحليل والإسقاط والعفو.
وإن كان من جهته بأن أعطى الأكثر، فلا يصح إلا بلف صالح لتمليك الأعيان، إلا أن يكون ما قبضت هالكًا، فيصح بلفظ الإبراء والتحليل والعفو. والله أعلم.
باب الحكم في الدخول وإغلاق الباب
يجوز للمرأة حبس نفسها عن الزوج لاستيفاء جميع الصداق حالًا إن كان الصداق حالًا، وإن كان مؤجلًا لم يكن لها حبس نفسها عنه لاستيفائه؛ لأنها رضيت بتأخر حقها وإن حل الأجل؛ لأن العقد لم يثبت لها ذلك؛ هذا كما أن البائع يجوز له حبس [المبيع لاستيفاء الثمن، إلا أن يكون الثمن مؤجلًا، فليس له ذلك وإن حل الأجل.
وإن كان بعض] الصداق حالًا، والبعض مؤجلًا - لها منع النفس لاستيفاء القدر
[ ٥ / ٥٢٠ ]
الحال. وإن كانت المرأة صغيرة أو مجنونة يجوز لوليها - منعها حتى يقبض الصداق.
وإن قبضت الصداق، أو كان مؤجلًا - لزمها التمكين، وتسليم النفس إذا طلب الزوج ولم يكن لها عذر، فإن استمهلت يومًا أو يومين لتصلح شأنها - أمهلت، ولا تجاوز في افمهال ثلاثة أيامٍ.
فإن كانت المرأة حائضًا أو نُفساء عليها تسليم النفس، [ولكن لا يطؤها الزوج؛ كما لو كانت رتقاء أو قرناء يجب عليها تسليم النفس].
وإن لم يمكن وطؤها بأن كان صغيرة لا تحتمل الوطء، أو بها مرضٌ أو هزال لا تحتمل معه الجماع - تُمهل على أن تصير محتملة.
ولو قال الزوج: سلموها إليَّ ولا أجامعها حتى تحتمل - نظر إن كانت صغيرة لوليها المنعُ، وإن كانت مريضة تسلم إليه؛ لأن تعهد الصغيرة بالحضانة من القريب أهدى إليها وأولى بها، وإذا كانت المرأة بهذه الصفة لا يجب على الزوج تسليم الصداق.
وإن سلم جاهلًا بالحالِ أو عالمًا، هل [له أن] يسترد؟ فيه وجهان:
أحدهما: [له ذلك؛ كما لا يجب التسليم ابتداء.
والثاني: ليس له ذلك؛ كما لو تبرع بتسليم المبيع قبل قبض الثمن]- لم يكن له رده إلى حبسه، وإذا كان الزوج صغيرًا لا يجامع مثله لها مطالبته بالمهر.
وإذا اختلف الزوجان، فقال الزوج: لا أدفع الصداق حتى تُسلمي نفسك، وقالت المرأة: لا أسلم ما لم أقبض الصداق]- ففيه أقوالٌ:
أحدهما: لا يجبران، بل أيهما تبرع بالتسليم أجبر الآخر.
والثاني: يُجبران، فيؤمر الزوج بأن يضع الصداق عند عدلٍ، وتؤمر المرأة بالتمكين، ثم يدفع الصداق إليها.
والثالث: يجبر الزوج أولًا على تسليم الصداق؛ لأن ما عنده لا يفوت بالتسليم، بخلاف البُضع، فإن قلنا: لا يُجبران، فلا نفقة لها في الامتناع.
وعلى القولين الأخيرين: يجب.
ولو مكنت المرأة نفسها مرة متبرعة قبل استيفاء الصداق - لم يكن لها بعد ذلك منع
[ ٥ / ٥٢١ ]
نفسها عنه لاستيفائه، خلافًا لأبي حنيفة﵀كما لو تبرع بتسليم المبيع قبل قبض الثمن- لم يكن له بعد ذلك رده إلى حبسه كقبض الثمن.
ولو أكرهها الزوج، فدخل بها، هل لها بعد ذلك منع النفس لاستيفاء الصداق؟
فيه وجهان: أصحهما: لها ذلك؛ كالمشتري إذا غصب المبيع من البائع قبل أداء الثمن -للبائع رده إلى حبسه.
والثاني: ليس لها ذلك؛ لأن البضع بالوطء صار في حكم التالف؛ كالمبيع إذا أخذه المشترين وهلك عنده- لم يكن للبائع بعده إلا المطالبة بالثمن، وكذلك لو سلم الولي الصغيرة والمجنونة إلى زوجها قبل أخذ الصداق.
فإن بلغت وأفاقت قبل أن دخل بها الزوج، فلها منع نفسها لقبض الصداق، وإن كان بعد ما دخل بها فوجهان.
وإن كانت المرأة صغيرة لا تحتمل الجماع، أو مريضة ليس للزوج وطؤها حتى تصير محتملة.
ولو وطيء الزوج امرأته، فأفضاها - لم يكن له العود إلى مباشرتها، حتى تبرأ البرء الذي إن أعاد لم ينكأها.
وإن اختلفا في البرء: فقال الزوجُ: قد برئت وأنكرت ما يدعيه الزوجُ - يحتمل أن ترى أربع نسوة عدول، فإن قلن: صارت محتملة، أجبرت على التمكين.
وإذا خلا رجل بامرأته ولم يدخل بها - فلا أثر لتلك الخلوة على قوله الجديد، وهو المذهبُ، حتى لو طلقها بعد الخلوة لا يجب إلا نصف المهر، ولا عدة عليها.
ولو اختلفا في الإصابة فالقول قول من ينفيها كما قبل الخلوة؛ وهو قول ابن مسعود، وابن عباس -﵄-، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
أوجب نصف المهر بالطلاق قبل المسيس، والمسيس هاهنا لم يُوجد. وفي القديم قولان:
أحدهما: لا يتعلق بالخلوة شيءٌ من هذه الأحكام، ولكنها دليل الإصابة، حتى لو اختلفا في الإصابة قبل الخلوة- فالقول قول من ينفيها، وبعد الخلوة القول قول من يثبتها؛ وبه قال مالك.
وقيل: قوله القديم: إن الخلوة كالإصابة في تقرير المهر، وإيجاب العدة، وإثبات الرجعة.
[ ٥ / ٥٢٢ ]
وقيل: لا تثبت الرجعةُ.
وعند أبي حنيفة: الخلوة الصحيحة تُوجب العدة، وتقر المهر، ولكن لا تثبت الرجعة.
وأما الخلوة الفاسدة فلا حُكم لها، وهي أن تكون ثم مانعٌ شرعيٌّ من حيض، أو نفاس فيها، أو إحرام، أو فرض صوم في أحدهما، أو كان فيها مانعٌ طبيعيٌّ من قرن أو رتقٍ.
أما إذا كان المانع الطبيعي فيه كالجب والعنة- قالوا: الخلوة معه صحيحة، ونقيس على بعض هذه المواضع. والله أعلم بالصواب.
باب المتعة
قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].
المتعة في الشرع اسمٌ للمال الذي يعطيه الرجل امرأته على الفراق، والكلام فيها فيثلاثة فصول: فمين يستحقها من النساء، وفي الفرقة التي توجبها، وفي قدرها.
أما الأول: فالمطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول، ومطلقةٌ بعد الدخول.
[ ٥ / ٥٢٣ ]
أما المطلقة قبل الدخول: نظر إن لم يكن فُرض لها، فلها المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وإن كان قد فُرضَ لها فلا متعة لها، سواء كان الفرض مُسمى بالعقد، أو فُرضض بعده، أو وجب لها مهر المثل بفساد التسمية في العقد.
قال ابن عمر: لكل مطلقةٍ متعة إلا التي فُرض لها، ولم يدخل بها، فحسبها نصف المهر.
أما المطلقة بعد الدخول، سواء فُرض لها أو لم يُفرض؛ لأنه يجب لها مهر المثل بالدخول - فهل تستحق المتعة؟
فيه قولان:
قال في القديم: وبه قال أبو حنيفة: لامتعة لها؛ لأنها تستحق المهر؛ كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول.
وقال في الجديد: لها المتعةُ؛ لقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي - ﷺ - كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس؛ لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، فلم تستحق المتعة، والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة إتلاف البُضع، فيجب لها المتعة بالفراق.
أما الفصل الثاني في بيانه الفُرقة التي تُوجب المتعة: نقول: أما فرقة الموت لا توجبها؛ لأن الزوج لم يوجبها بالفراق، إنما اختطف قهرًا.
وأما فرقة الحياة: نظر إن صدرت من جهة الزوج لا لمعنى فيها، أو من هة أجنبي، فتوجب المتعة في ما صدر من جهته؛ مثل: أن يُطلق، أو يرتد، أو يسلم، أو يُلاعن، فهو كالطلاق في التقسيم الذي ذكرناه؛ وكذلك إذا خالعها؛ لأن الخلع - وإن كان يتم بها - فالمغلب فيه جانب الزوج؛ لأنه ينفرد بالطلاق، ويخالع مع الأجنبي.
[ ٥ / ٥٢٤ ]
وكذلك لو فرض الطلاق إليها فطلقت نفسها، أو علق طلاقها بدخول الدار فدخلت، أو آلى عنها، فبعد مُضي المدة طلقها بطلبها.
وما صدر من جهة أجنبي؛ مثل: أن تُرضع أم الزوج أو ابنته الزوجة الصغيرة، أو وطيء الأب زوجة ابنه بالشبهة، ينفسخ النكاح، وتجب لها المتعة.
وكذلك لو خالعها مع أجنبي.
وإن صدرت الفرقة من جهتها، أو من الزوج لمعنى فيها- فلا نُوجب المتعة؛ كما لا نُوجب نصف المهر إذا كان قبل الدخول؛ مثل أن ترتد المرأة، أو تسلم، أو ترضع، أو تفسخ النكاح بعيب الزوج، أو يفسخ الزوج بعيب فيها؛ لأنه وإن كان من جهته فهو لمعنى فيها، أو الأمة عتقت تحت عبدٍ ففسخت النكاح؛ فلا مُتعة [لها].
ولو زوج الذمي ابنته الصغيرة من الذمي، ثم أسلم أحد أبوي المرأةِ- حُكم بإسلام الزوجة، وارتفاع النكاح، ولا متعة لها؛ لأن ارتفاع النكاح بسبب الإسلام.
ولو ارتد الزوجان معًا، فهل لها المتعةُ؟ فيه وجهان، بناء على أنه إذا كان قبل الدخول، فهل لها نصف المهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجبُ، وكل فرقة تُوجب المتعة، فإن كان قبل الفرض بعد المسيس - فلها نصف [المهر] ن ولا متعة لها.
وما لا توجب المتعة، فإن كان بعد الفرض قبل المسيس - لا يجب نصف المهر، إلا الزوج إذا اشترى زوجته يرتفع النكاح، ولا متعة لها، [وإن كان بعد الفرض قبل المسيس يجب نصف المهر]؛ لأن المهر يجب بالعقد للبائع، والمتعة تجب بالطلاق فيكون للمشتري.
فلو أوجبنا عليه المتعة لأوجبنا له على نفسه، فلم يجب.
أما الكلامُ في القدرِ: فليس لأقل المتعة، ولا أكثرها تقديرٌ، بل ذلك إلى اجتهاد الحاكم يوجبها على حسب حال الزوج من اليسار والإعسار.
قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فالمستحب على الموسر خادمٌن وعلى المتوسط ثلاثون درهما، وعلى المقتر قدره.
[ ٥ / ٥٢٥ ]
وروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: أكثر المتعة خادمٌ، وأقلها مقنعة، وأي قدرٍ أدى وإن قل جاز، ويجوزُ أن يُزاد على نصف المهر.
وقال أبو حنيفة: لا يُبلغ بالمتعة نصف المهر.
باب الوليمة
رُوي عن أنس أن النبي - صلى اللهعليه وسلم - رأي على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة. قال: "ما هذا"؟ قال: إني تزوجت امراة على وزن نواةٍ من ذهبٍ. قال: "بارك الله لك وعليك، أو لم ولو بشاة".
الوليمة: اسم لكل دعوةٍ تتخذ على حادثة سرور من إملاكٍ أو ولادةٍ، أو ختان، أو غيرها، غير أن الأغلب على اللسان إطلاقُ اسمها على دعوة تُتخذ على النكاح، ولا يفهم منها غيرها إلا عند التقييد، فيقال: وليمة الولادة والختان ونحوها.
ولكل دعوة من هذه الدعوات اسم على حدةٍ:
فالعقيقة اسم لدعوة الولادة، والإعذار للختان، والخُرس لسلامة المرأة من الطلق، وتستعمل في الولادة. والنقيعة لقدوم الغائب.
والوكيرة لاستحداث البناء، والمأدبة ما يتخذ بغير سببٍ، وكل ذلك مُستجب؛ لما فيه من إظهار شُكر نعم الله - ﷿- ولا يجب شيء من هذه الدعوات إلا وليمة العرس، علق الشافعي رضي الله عليه القول في وجوبها.
واختلف أصحابنا فيه منهم جعله على قولين. أحدهما: يجب؛ لأن النبي ﷺ أمر به عبد الرحمن، فقال: "أولم" ولأنه - ﷺ - ما تركها في سفر ولا حضر.
والثاني: لا تجب كسائر الدعوات.
والصحيح أنها سنةٌ، والأخبار محمولة على تأكيد الاستحباب، فإنها أشد استحبابًا من سائر الدعوات.
وقال الشيخ القفال ﵀: لا [خلاف] أنها سُنة لا يُعصى بتركها، وتعليق القول
[ ٥ / ٥٢٦ ]
في وُجوب الإجابة إذا دُعي إليها. وجملته: أن من دُعي على دعوةٍ يستحب الإجابة ولا تجب في غير وليمة النكاح.
وفي وليمة النكاح وجهان:
أحدهما: تجب؛ لما روي عن ابن عمر؛ أن رسول اللهﷺ - قال: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة] فليأتها".
ورُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين، فمن لم يأتي الدعوة فقد عصى الله ورسوله".
والثاني: لا تجب الإجابة كسائر الدعوات. والأخبار محمولةٌ على تأكيد الاستحبابن والمراد من العصيان عصيان الطريقة والسنة.
وإن قلنا: تجب، فهو فرضُ عينٍ، أم فرضُ كفاية؟ وجهان: أحدهما فرض عين، لظاهر الحديث.
والثاني: فرضٌ على الكفاية، لأن المقصود إظهارها، ويحصل لك بحضور البعض.
فإن قلنا: تجب الإجابة أو تستحب، فلا فرق بين أن يكون المدعو مفطرًا أو صائمًا، ثم إن كان مفطرًا يأكل.
وهل يجب الأكل؟ وجهان: أحدهما: يجب، وأقله لقمةٌ، لأن المقصود من الدعوة الأكلُ.
والثاني: وهو الأصح: لا يجب، بل يستحب، لما رُوي عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: "إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك على المضيف".
[ ٥ / ٥٢٧ ]
وإن كان صائمًا: نظر إن كان صوم فرضٍ فلا يطعم، ويدعو لهم، وإن كان صوم تطوعٍ يستحب أن يفطر إذا شق على المضيف صومه، فإن لم يشق عليه فالأولى ألا يفطر، ولو أفطر جاز.
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم".
ولو دعاه ذميٌّ هل تجب الإجابة على الوجه الي تقول: تجب إجابة المسلم؟.
فيه وجهان: أحدهما: تجب، وفاء بعهده.
والثاني: لا تجب.
وعلى الوجه الآخر لايتأكد الاستحباب كما يتأكد في حق المسلم؛ لأنه ممنوعٌ عن موادته، وربما يعافُ من طعامه.
ولو دعته امرأة أجنبيةٌ تجب إذا لم يحتج إلى الخلوة معها.
وإن [ان] عادة من أكثر ماله ربًا أو حرامًا تُكرهُ الإجابة المعاملة معه، وغنما تتأكد الإجابة إذا دعاه بعينه لا لخوفٍ منه، ولا لطمع في جاهه، ولم يخص به الأغنياء، فإن خص الأغنياء له ألا يجيب إذا خصهم لغناهم.
فإن دعا أهل حرفته أو جيرانه وهم أغنياء فعليهم الإجابة.
ولو لم يدعه بعينه، بلأمر مناديًا فنادى من كان في جيرانه فليحضر، أو قال لرسوله: ادعُ من لقيته فله ألا يجيب؛ لأنه إذا لم يدع بعينه فلا يشق عليه تخلفه.
وكذللو دعاه خوفًا منه، أو طمعًا في جاهه، فله أن يتخلف.
وإن دعاه جماعةٌ ولم يمكنه الجمع بين الكل أجاب الأسبق، فإن جاءوا معًا أجاب أقربهم به رحمًا، فإن استووا اجاب أقربهم دارًا منه، كما في صدقة التطوع. فإن استووا أقرع بينهم، وإن كانت الوليمة ثلاثة أيامٍ، ودُعي فيهن - أجاب الأولى والثانية، ويُكره من الثالثة.
قال الحسن: الثالث رياء وسمعة.
وإن كان فيها شيء من المناكير من شُربِ الخمر، وضرب المعازف، إن علم أنه إذا حضر يُترك ويرفع، أو إذا نهاهم انتهوا عليه الإجابة.
وإن علم أنهم لا يتركونه لا يحضر.
[ ٥ / ٥٢٨ ]
فإن لم يعلم وحضر، نهاهم فإن لم ينتهوا خرج، وإن لم يمكنه الخروج قعد كارهًا بقلبه ولم يستمع.
أما ضربُ الدفِّ فلا بأس به.
وإن كنات حضر فيه صور ولها، أرواح فإن كانت من الممر دون محل الاجتماع حضر، وإن كان من محل الاجتماع، نظر إن كانت على الأرض أو على بساطٍ يُداسُ، أو مخدع يتكيء عليها جلس.
وإن كانت على الشقوف والجدران والستور المعلقة، لا يحضر.
وإن كانت مقطوعة الرأس فلا بأس، وإن كان فيها صور الأشجار فلا بأس بها.
ومن حضر صنيعًا فقدم إليه الطعام - له أن يأكل من غير إذنٍ في الأكل، إلا أن يون المضيف ينتظر حضور نسان، فلا يجزو للحاضر أن يبتديء الأكل حتى يحضر الذي ينتظره، أو ياذن صاحب البيت.
واختلفوا في أن الضيف هل يملك ذلك الطعام؟ قال الشيخ القفال ﵀ - لا يملك، بل هو إتلافٌ على سبيل الإباحة.
ومنهم من قال: يملكه.
ثم اختلفوا فيه: قيل: يملكه بالوضع بين يديه.
وقيل يملكه بالأخذ بالبراجم.
وقيل: يملكه بالوضع في الفم. وقيل: بالازدراد.
ولا يجوز للضيف أني عطي السائل على الباب شيئًا منه، ولا أن يلقم الهرة، ولا الساقي، إلا أن يكون الساقي من جملة الضيف.
ولا بأس أن يلقم بعضهم بعضًا إلا أن يون قد فاوت بينهم في الأطعمة.
ولا يجوز أن يطعم من خص بنوعٍ غيره.
ويكره للمضيف أن يفعل ذلك.
ويستحب للضيف إذا طعم أن يدعو لصاحب البيت لأن النبي - ﷺ - طعم عند سعد بن عبادةن فلما فرغ قال:"أكل طعامكم الأبرارن وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون".
[ ٥ / ٥٢٩ ]
ويجوز نثر السُّكر والجوز واللوز والتمر في الإملاكات ولا يكره، إلا أن تركه أحب إلينا.
وقيل: يكره؛ لأنهم يأخذونه بخلسةٍ ونهبة، وقد يأخذه من غيره أحب إلى صاحبه منه فإذا فعل فالتقاطه مُباحٌ، وتركه أولى.
فإن علم أن صاحبه يحب أَخْذَه أَخَذَهُ، إلا أن يكون صاحب مروءةٍ، فيحفظ مروءته، ولا يأخذه.
ثم ما وقع على الأرض، أو في حجر من لا يأخذه، فكلهم فيه سواء، ولا يختص به من هو أقرب إليه، بل له أن يأخذ مما بين يدي غيره.
وما وقع في حجر من يأخذه، فهو أولى به، وليس لغيره أخذه، وإن أخذه، هل يملكه؟
فيه وجهان: كما لو افترخ طائرٌ على شجر إنسان فأخذه غيره، أو اخذ الثلج من حريم غيره هل يملكه؟ فيه وجهان.
فإن سقط من حجره قبل أن يقصد حيازته، أو قام فسقط عنه، فالكل فيه سواء، كالطائر إذا ملك جناحه فطار، جاز لكل من شاء أخذه، ويكره الأخذ بإطلاءة، فإن فعل ملك. قاله شيخنا. ﵀ والله أعلم.
باب القسم بين النساء
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أثبت الله - ﷿ - لكل واحدٍ من الزوجين على الآخر حقوقًا، فحقه عليها: الطاعة، والتمكين، والمقام في البيت.
وحقها عليه: أداء النفقة، والكسوة وإيتاء المهر، والمعاشرة بالمعروف.
[ ٥ / ٥٣٠ ]
قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فعلى كل واحد منها أداءُ ما عليه من الحق من غير إظهار كراهية، فإن لم يفعل مع القدرة فمطل الغني ظُلمُ، ثم إن كان الرجل متفردًا لم يكن تحته إلا امرأة واحدةٌ - لا يجب عليه أن يبيت عندها، غيرأن المعروف أن يبيت عندها.
وقال أبو حنيفة: عليه أن يبيت عندها من كل أربع ليالٍ ليلة؛ لأن أكثر ما ينكح عليها ثلاث نسوة، فيخصها من كل أربع ليالٍ ليلة.
وإن كانت أمة ففي كل سبع ليالٍ ليلة، وهذا حسنٌ.
وإن كانت له زوجتان أو أكثر فلا يلزمه [البيتوتة عندهن، غير أنه إذا بات عند واحدة يجب عليه] التسوية بينهن، فإن لم يفعل عصى الله - تعالى- رُوي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما -جاء يوم القيامة وشقه ساقطٌ". وإنما تلزمه التسوية بينهن في البيتوتة عندهن، لا في الجماع حتى لو بات عند
[ ٥ / ٥٣١ ]
واحدةٍ وأصابها، بات عند الأخرى ولم يصبها- فلا حرج عليه؛ لأن الداعي إليه الشهوة فلا يمكن إيجابه، ولا يؤاخذ بميل القلب إلى إحداهن إذا لم يتبع فعله هواه، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. أي: لا تتبعوا أهواءكم أفعالكم.
[ ٥ / ٥٣٢ ]
روي أن النبي - ﷺ - كان يقسم بين نسائه ويعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
وإذا أراد القسم، فلا يجوز أن يبدأ بواحدةٍ منهن من غير رضا البواقي إلا بقرعة، فإن كن أربعًا فبدأ بواحدة بالقرعة، ففي ليلة الثانية يقرع بين الثلاث، ثم في ليلة الثالثة يقرع بين الثنتين فإذا تمت النوبة عاد إلى الأولى على الترتيب الأول، ولا يحتاج إلى استئناف القرعة.
فإذا بدأ بواحدة من غير قرعة، فقد أساء، ثم يقرع بين الثلاث، فإذا تمت النوبة لا يبدأ بمن بدأ بها أولًا، بل يقرع بين الأربع، لأن البداية الأولى لم تكن على الحق، فلا يُبنى عليها.
فلو أن واحدة منهن تركت حقها من القسم لم يلزم رضاها في حق الزوج، حتى يجوز
[ ٥ / ٥٣٣ ]
له أن يبيت عندها، ولا يرضى بغيرها عنها.
فإن رضي الزوج نظر إن تركت حقها مطلقًا، أو وهبته لجميع ضراتها - لم يكن للزوج أن يخص بتلك الليلة واحدةً من ضرائرها، بل تخرج الواهبة من القسم، ويُسوى بين سائرهن.
وإن وهبت ليلتها للزوج، هل له أن - يخص بها واحدة. منهن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لو كما لو تركت حقها مطلقًا.
والثاني: له ذلك؛ لأن الحق ضار له، فله أن يجعله لمن شاء.
ولو وهبت ليلتها واحدةً بعينها - صحت الهبة، ورضا الموهوبة وقبولها ليس بشرط، فالزوج يخرج الواهبة من القسم، ويبيت عند الموهوبة ليلتين: نوبتها ونوبة الواهبة، وعند البواقي ليلة ليلة، والدليل عليه ما رُوي أن سودة لما كبرت قالت: يا رسول الله، لقد جعلت نوبتي منك لعائشة، فكان رسول الله - ﷺ - يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة.
ثم إن كانت نوبة الواهبة تلي ليلة الموهوبة بيت عندها ليلتين على التوالي وإن تخللت بين النوبتين نوبة امرأة أخرى، فال يبيت عندها ليلتها بل يبيت [عندها] نوبتها ثم يدور، فإذا جاءت نوبة الواهبة بات مكانها عندها الموهوبة لمعنيين.
أحدهما: لأن حق من بين النوبتين أسبق، ولأن الواهبة ربما ترجع إذا جاءت نوبتها، فإذا عجل للموهوبة نوبتها بطل حقها من الرجوعن وإذا رجعت الواهبة لا يلزم رجوعها فيما مضى ويصح فيما بعد.
ولا يلزم الزوج حكم رجوعها ما لم يعلم حتى لو بات بعد رجوعها قبل العلم عند الموهوبة لا يجب قضاؤه للواهبة، فإن بات بعد العلم عليه القضاء.
وقيل: يلزمه قبل العلم، الوكيل يلزمه حكم العزل قبل العلم.
ولا يجوز أخذ العوض على هبة النوبة، ويجوز للأمة هبة نوبتها بغير إذن المولى؛ لأن ذلك حقها، كما لها في الإيلاء ترك حقها من المطالبة بالفيء أو الطلاق.
وعماد القسم الليل، لأنه سنٌ. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. واليوم الذي يتبع الليلة تبع لليلس، فإن كان الرجل ممن يعمل بالليلِ كالحارس، فعاد القسم في حقه النهار والليل تبعٌ.
وإن كان الرجل معهن في سفر في الطريق، فعاد القسم في حقهن من وقت النزول إلى الارتحال قل أم كثر ليلًا كان أو نهارًا، لأن الخلوة لا تمكن من وقت السير.
[ ٥ / ٥٣٤ ]
والمسلمة والذمية من القسم سواءٌ، لاستوائهما في مقصود النكاح في الاستمتاع في الحال لا يمنعها منه أحدٌ، ومقصود في النسل في الثاني، لأن ولده منهما كولده من المسلمة، وإن كانت تحته حرة وأمةٌ يقسم للحرة ليلتين، وللأمة ليلةٌ واحدةٌ لأنهما لا يستويان في مقصودي النكاح، فلو عتقت الأمة، نظر إن كانت البداية في القسم بالحرة، فإن عتقت في الليلة [الأولى من ليلتي الحرة - أكمل لها تلك الليلة، ثم صار إلى المتعة وسوى بينهما.
وإن اعتقت في الليلة] الثانية من ليلتي الحرة - لم يُجبر على قطع النوبة، بل له أن يبيت عندها بقيت تلك الليلة، ثم يقسم للمعتقة ليلتين، لأنه يملك وضع القسم في الابتداء على ليلتين.
ولو خرج من عند الحرة في الحال، وبات في موضع آخر بقية تلك الليلة - لا يلزمه أن يقضي للأمة ما مضى من تلك الليلة قبل العتق، فلو بات عند الأمة بقية تلك الليلة كان أولى.
ولو عتقت الأمة في نوبتها بعد أن أوفى للحرة ليلتين نظر، إن عتقت قبل طلوع الفجر من ليلتها، أكمل لها ليلتين، لأنه لم يُوف حقها حتى صارت مساوية له، وإن عتقت بعد طلوع الفجر لا يملك لها ليلتين، بل يستأنف القسم بينهما على السوية؛ لأنه المغير جاء وليس هناك أصلٌ قائمٌ في حق المغير والمُغير جميعًا، فطروء المغير لا يظهر أثره.
[ ٥ / ٥٣٥ ]
وإن كان الزوج بدأ في القسم بالأمة نظر إن عتقت الأمة في نوبتها، أو في نوبة الحُرة في الليلة الأولى - أتم للحرة تلك الليلة، ثم عاد إلى المعتقة، وإن عتقت في الليلة الثانية من يلتي الحرة - خرج من عندها في الحال.
ويجب القسم للمريضة، والمجنونة والمحرمة والرتقاءن والقرناء، والحائض، والنفساء والمولى عنها، والمظاهر منها؛ لأن الجماع ليس بمقصود منه القسم ويجب على الخصي والمجبوب القسم بينهن.
ويقسم للمراهقة والمجنونة إذا كان لا يخاف منها، فإن كان يخاف منها فلا قسم لها.
وأقل نوبة القسم ليلة ليلة لا ينقص عنها؛ لأن الاستئناس قلما يحصل بدونها، وأكثرها ثلاث ليالٍ لا يجاوزها بغير رضاهن، لأنه إذا طال مقامه عند واحدة يشق عليه مفارقتها، وربما يعتريه [شغلٌ] يعجز عن إيفاء حق البواقي. ولا يجوز أن يدخل في نوبة امرأة بالليل على غيرها، لا لعيادةٍ ولا غيرها، فإن فعل يجب عليه أن يقضي لها من نوبة المدخول عليها بذلك القدر.
وإن كان قد جامع المدخول عليها لا يجب قضاء الجماع، ولا يدخل في نهارها على غيرها إلا لحاجة من أخذ متاع، أو وضع شيء، ولا يطيل، فإن دخل لا يجامع.
ولا بأس أن يلمس، ويقبل، [ولا يجب] القضاء، لأن النهار تبع لليل إلا أن يكون ممن عادة القسم في حقه النهار؛ فحينئذٍ إن دخل بالنهار يقضين وبالليل لا يقضي، قالت عائشة ﵂: "ما كان يومٌ او أقل من يوم إلا كان رسول الله - ﷺ - يطوف علينا جميعًا، فَيُقَبِّلُ ويلمس، فإذا [جاء] إلى التي حق نوبتها أقام عندها.
فلو مرضت واحدة منهن، أو ضربها الطلق، نظر إن كان لها متعهد، ليس له أن يسكن عندها إلا على النوبة.
وإن لم يكن لها متعهد له أن يبيت عندها أو يمرضها، ثم يقضي لصاحبة النوبة ذلك القدر فإن ثُقِلت أو أشرفت على الموت، واحتاج إلى المقام عندها ليالي - جاز، ثم إن برئت قضى للبواقي ما أقام عندها.
ولو ماتت فلا قضاء؛ لأن القضاء يكون من نوبتها، ولا نوبة لها بعد الموت.
وفي القضاء لا يبيت عند كل واحدةٍ جملة تلك الليالي على التوالي إن طالت المدة،
[ ٥ / ٥٣٦ ]
بل يبيت لليلة أو ليلتين، ولا يزيد على الثلاث، ثم يبيت عند الأخرى مثله حتى يتم مدة القضاء.
فلو كُن أربعًا فظلم واحدة، وبات عند ثلاثٍ شهرًا - فعليه أن يقضي للمظلومة عشر ليالٍ على التوالي، لأنه يقضي لها من حق الباقيات.
فلو كُن ثلاثًا فبات عند اثنين عشرين ليلة ثم نكح جديدةً يوفى للجديدة حق الزفاف، ثم يقسم بينها وبين المظلومة، فيجعل للمظلومة، فيجعل للمظلومة ليالي من ظلمها بسببهن، فيبيت عند الجديدة ليلةً، وعند المظلومة ثلاثًا.
وكذلك لو كانت واحدةً غائبة وثلاث حضور، وظلم واحدةً من الحضور، وحضرت الغائبة - قسم للحاضر ليلة وللمظلومةٍ ثلاثًا، فإن كان الظلم بعشر ليالٍ، فدار هذا ثلاث دوراتٍ، فقد قضى للمظلومة بتسع ليالٍ، وبقيت ليلةٌ واحدةٌ، فإن كانت البداية في كل دور بالجديدة فبعد أن تم للمظلومة تسع ليالٍ يبيت عند الجديدة ثلث ليلة، ثم يخرج فيبيت في موضع آخر، ثم يبيت ليلة عند المظلومة، ثم بعده يسوى بين الكل.
وإن كانت البداية في ل دور بالمظلومة، فإذا تم لها تسع ليلاٍ يبيت عند الجديدة ليلةٍ، ثم عند المظلومة ليلةٍ، ليتم لها العر، ثم عند الجديدة ثلث ليلةٍ، ثم يستأنف القسم.
ولو ظلم واحدةً من الربع بليالٍ، ثم طلق المظلومة فإن راجعها أو نكحها ثانيًا - واللاتي لمها بسببهن في نكاحه - يجب عليه القضاء للمظلومة.
وإن كان قد استبدل بهن، فلا قضاء.
ولو لم يطلق المظلومة وطلق اللاتي لمها بسببهن، ثم راجعهن أو نكحهن - قضى للمظلومة، ولا يجب عليها ما بات عندها في حال فراقهن.
ولو كُن ثلاثًا فبات عند اثنتين عشرين، ثم فارق أحداهما يبيت عند المظلومة عشرًا للمساواة بينهما وبين الباقية.
ولو نكح جديدةً قبل القضاء أو فاتها حق الزفاف، ثم يقسم للمظلومة ليلتين، وللديدة ليلة حتى يتم مدة القضاء.
ولو خرج من عند واحدةٍ في نوبتها في جوف الليل، أو أخرجه السلطان- عليه أنيوفيها ما بقي من ليلتها. والأولى أن يقضي في الوقت الذي خرج، فيبيت فريدًا في الليلة الثانية إلى الوقت الذي خرج من عندها، ثم يدخل عليها، فهذا أقرب إلى العدل.
فإن خرج من آخر الليل، فقضاه من أوله جاز، ولو أنه [أقام] نصف القدر الذي كان قد بات عندها، وأقام نص ذلك القدر عند ضرتها، ثم بات بقية الليلة عندها كان أولى.
وإن كان الزوج مريضًا فيجب عليه التسوية بينهن في القسم، فإن النبي - ﷺ - كان يُطافُ به على نسائه في مرضه.
[ ٥ / ٥٣٧ ]
وإن كان الزوج مجنونًا لا يخاف منه، فعلى وليه أن يطوف به عليهن، أو يدعوهن إليه على التسوية، وإن ظلم أثم الولي، وإنما يجب إذا كان يقسم فيحال كونه عاقلًا فجُن، فإن لم يكن يقسم في حال عقله لا يجب على الولي أن يبتديء القسم بعد جنونه.
وإذا أفاق فقامت بينةً على أنه ظلم واحدةً، أو أقرت التي لمها بسببها قضى للمظلومة ولا يقبل قول الولي عليه بأني ظلمت.
وإن كان يجن يومًا ويفيق يومًا، فأيام الجنون كالفيئة، وعليه القسم من أيام إفاقته، حتى لو أقام من حال جنونه أيامًا عند واحدة؛ فلا قضاء، بخلاف الجنون المطبق.
وإن كان الزوج مراهقًا فالإثم في الجور منسوب إلى وليه، بخلاف المحجور عليه بالسفه يأثم بالجور دون وليه لأنه مكلفٌ.
وإذا نشزت المرأة، أو امتنعت من التمكين - فلا قسم لها، كما لا نفقة لها، وكذلك المجنونة إذا امتنعت، إلا أنها لا تأثم، والعاقلة تأثم وكذلك الأمة إذا لم يئويها السيد مع الزوج بيتًا، فلا قسم لها ولا نفقة.
وإذا سافرت المرأة بغير إذن الزوج، أو خرجت إلى دار قومها - سقط حقها من القسم والنفقة، وإن أشخصها الزوج لحاجة نفسه، فلا يسقط حقها فإذا رجعت قضى لها من حق الباقيات.
وإن خرجت لحاجة نفسها بإذن الزوج، فالمذهب وهو قوله الجديد: لا قسم لها، ولا نفقة لأن المنع لحق نفسها، كما لو كانت في بيت الأب لا تعرض نفسها عليه فلا قسم لها، وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: لا يسقط حقها؛ لأنها خرجت بإذنه، كما لو خرجت معه.
ولو لزم الزوج بيتًا، ودعاهُن إلى نفسه على التوبة- يجوز إذا لم يكن فيبيت واحدةٍ من الضرائر، وعليهن الإجابة، فمن امتنعت سقط حقها، ولكن عليه التسوية بينهن في بياتهن، أو دعاتهن إلى بيته.
ولو أتى البعض في دارها، ودعا بعضهن إلى نفسه - فهو ظلم، وكذلك لو لزم بيت واحدة منهن، ودعا الأخريات إليه، فمن امتنعت لا يبطل حقها من القسم فلو كانت إحداهن شابة حسنة، فخاف عليها الفتنة لو برزت، فحضرها، ودعا العجوز على بيته - جاز وعليها الإجابة.
وكذلك إذا كانت دار أحداهما أقرب فحضرها، ودعا البعيدة إليه - جاز، لأنه آثر التخفيف لا الإضرار وإن كانت له امرأتان في بلدين، فأقام في بلد إحداهما -نُظر إن لم يقم معها في منزلها لا يلزمه القضاء للأخرى، لأن المقام في البلد معها ليس بقسم، وإذا قام معها في منزلها يجب عليه القضاء للأخرى، لأن القسم لا يسقط باختلاف البلاد.
[ ٥ / ٥٣٨ ]
وإذا ملك رجلٌ عددًا من الإماء فلا سم بينهن لأنه من خصائص النكاح، ولكن لا يعطلهن حتى لا يمكن إلى الفجور.
وإن كان في نكاحه معهن نساء فبات عند الإماء - لا يجب عليه القضاء للحرائر.
ولا يجوز - للزوج أن يجمع بين الضرتين في دارٍ واحدةٍ إلا برضاهما، لما فيه من المكاشفة والخصومة بينهما، فإن كانت الدار تشتمل على حجرٍ تنفرد كل حجرةٍ بالمداخل والمرافق فأسن كل واحدةٍ حجرةً، أو أسكن إحداهما السفل، والأخرى العلو، ومرافقها متميزة - جاز.
ويجوز للزوج تكليف امرأته ملازمة البيت، ومنعها من الخروج لزيارة الآباء والأولاد وعيادتهم إذا مرضوا، وشهود تجهيزهم إذا ماتوا، غير أن المستحب ألا يمنعها من الزيارة والعيادة وشهود التجهيز والمواراة لئلا يؤدي إلى قطيعة الرحم.
ويمنعها من اتباع الجنائز، لما فيه من الاختلاط بالرجال. والله أعلم بالصواب.
باب الحال الذي يختلف فيها حال النساء
رُوي عن أنسٍ قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا.
وإذا نكح رجلٌ جديدة وعنده أخرى يجب أن يبيت عند الجديدة سبع ليالٍ على التوالي إن كانت بكرًا، وإن كانت ثيبًا فثلاث ليالٍ، وإذا تزوج وعنده امرأتان أو أكثر قطع الدورِ حتى
[ ٥ / ٥٣٩ ]
يُوفيَ الجديدة حق الزفافِ، ثم يسوي بينهن في القسم، ولا يجب قضاء حق الزفاف للقديمات، وعند أبي حنيفة: يجب.
ويجب أن يبيت لتلك الليالي على التوالي، لأنه لارتفاع الحشمة بينهما وإذا فرق لا يحصل المقصود.
ولا فرق بين أن تكون ثَيَابَتُها بنكاح، أو وطء أو شبهةٍ، أو زنا.
فإن كانت بمرصد أو وثبةٍ ففيه وهان كالاستئذان من النكاح.
وإن بات عند البكر أكثر من سبع يجب عليه قضاء ما زاد على السبع للباقيات.
وإن بات عند الثيب سبعًا، نظر؛ إن بات بغير استدعائها قضى للباقيات الزيادة على الثلاث، وإن بات باستدعائها قضى الكل للباقيات، لما رُوي أن النبي - ﷺ - قال لأم سلمة: "إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت".
فجعل حقها في السبع بشرط القضاء، وفي الثلاث بلا قضاء، فإذا اختارت أحداهما بطل حقها عن الأخرى.
فلو بات عند الثيب خمسًا أو ستًا - لا يقضي إلا الزيادة على الثلاث.
ولو كانت تحته امرأتان فقسم لإحداهما ثم نكح جديدة - أوْفَى للجديدة حق الزفاف، ثم قسم للقديمة الأخرى، ثم قسم للجديدة نصف ليلةٍ؛ لأن لها ثلث القسم في المستقبل، ثم يستأنف القسم بينهن بالسوية.
وهل ينتصف حق الزفاف بالرق؟
فيه وجهان، وإنما يتصور في العبد إذا نكح أمة وتحته حرةٌ:
أحدهما: ينتصف كالقسمن فإن كانت الأمة بكرًا يبيت عندهما ثلاث ليالٍ ونصفًا، وإن كانت ثيبًا فليلةً ونصف.
[ ٥ / ٥٤٠ ]
والثاني: لا ينتصف؛ لأنه لارتفاع الحشمة، وذلك معنى يرجع إلى الطبع، فتستوي فيه الحرة والرقيق مدة العُنة والإيلاء.
وإن قلنا: ينتصف، فالاعتبار بحالِ الزفاف، إن نكحها وهي أمة فزفت غليه وهي حرة - فلها ما للحرة وإن عتقت بعد الزفاف فلها ما للإماء.
قال الشيخ - ﵀: وإن عتقت في خلال المدة يحتمل أن يُقال: لها ما للحرائر، لأن المغير وجد، وثم أصل قائم في حق المغير والمغير، فيظهر أثر المغير بالتكميل. ولو نكح جديدتين لا يُفرق حق الزفاف بينهما، بل يبيت عند إحداهما تمام السبع أو الثلاث، ثُم ينتقل على الأخرى، ويبدأ بمن زُفت إليه أولًا، وإن تقدم عقد الأخرى.
وإن زفتا إليه معًا اقرع بينهما في البداية.
ولو نكح جديدتيهم وليست عنده أخرى يثبت لهما حق الزفاف.
ولو أوفى للجديدة حق الزفاف، ثم طلقها رجعيًا، ثم راجعها - لا يتجدد لها حق الزفاف.
ولو أبانهما ثم نكحها فقولان: أحدهما: لا يتجدد؛ لان الحشمة قد ارتفعت بينها بالعقد الأول.
والثاني: وهو الأصح: يتجدد بحدوث الحشمة بالفراق، وكذلك لو أعتق سريته ثم نكحها، هل يثبت لها حق الزفاف؟
فيه قولان: الأصح: أنه يثبت، ولو أبانها قبل أن أوفاها حق الزفاف، ثم نكحها، عليه أن يوفيها. قال الشيخ: فإن كانت بكرًا، فبات عندها ثلاثًا وافتضها، ثم أبانه، ثم نكحها، إنقلنا يتجدد لها حق الزفاف يبيت عندها ثلاثًا.
وإن قلنا: لا يتجدد يبيت عندها أربعًا؛ لأن النكاح الثاني يُبنى على الأول في حق الزفاف على هذا القول، وهي إن كانت بكرًا في الأول، فحقها كان في السبع ولم يُوفها كمال السبع.
ومن نكح امرأة لا ينبغي له أن يتخلف عن الجماعات، وعيادة المريض، أو اتباع الجنائز، وإصابة الدعوات، وعما كان يفعل من أعمال البر.
باب القسم بين النساء إذا حضر سفرًا
رُوي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمهما خرج بها.
[ ٥ / ٥٤١ ]
إذا أراد الرجل سفرًا وتحته نسوة، فأراد حمل بعضهن مع نسه - نُظر إن كان سفر نقلةٍ، فلا يجوز له حمل بعضهن لا بالقرعة، ولا يُغير القرعة، فإن فعل عطى، وعليه قضاء مُدة الغيبة للمتخلفات. وإذا أراد سفر حاجةٍ، وكان سفره يبلغ مسافة القصر - يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة حملها مع نفسه، فإن حملها بغير قرعةٍ عصى الله، وعليه القضاء للمخلفات، فإن حمل بالقرعة لا يجب القضاء للمخلفات وإن طال مدة سفره؛ لأن المسافرة وإن حظيت بصحبة الزوج، فقد شقيت - بمشقة السفر. وإن كان سفره لا يبلغ مسافة القصر، ففيه وجهان:
[ ٥ / ٥٤٢ ]
أحدهما: لا يجوز حمل بعضهن بالقرعة؛ لأنه في حكم المقيم، ولا يجوز للمقيم أن يبيت عند البعض، ويهجر البواقي بالقرعة.
والثاني: يجوز؛ كما في السفر الطويل، وهذا أصح. وإذا خرجت قرعة واحدةٍ ليس له أن يعدل عنها إلى غيرها ولو أراد أن يتركها ويخرج وحده يجوز.
ولو حمل بعضهن بالقرعة، وزاد مقامه في بلد على مقام المسافرين - يجب عليه أن
[ ٥ / ٥٤٣ ]
يقضي للمخلفات ما زاد على مقام المسافرين.
وإن دخل بلدًا فلما دخله نوى إقامة أربع - يجب عليه قضاء مدة مكثه في تلك البلدة، ولا يجب قضاء مدة الرجوع.
وقيل: يجب؛ لأن حكم الأول قد انقطع بالإقامة.
أما إذا أخرج واحدةً بغير قرعة، عليه أن يقضي للمخلفات من حين خرج إلى أن يرجع إليهن.
وقيل: لا يجب القضاء من حين قصد الروع؛ لأن الروع خروجٌ عن المعصية.
ولو أخرج واحدةً بالقرعة، ثم عزم على الإقامة في بلد، وكتب البواقي يستحضرهن - هل يب عليه القضاء ومن وقت ما كتب إليهن؟
فيه وجهان ولو نوى بلدًا فلما بلغه بدا له أن يُجاوز إلى بلدٍ آخر أبعد منه - له ذلك، ولا يجب القضاء؛ لأنه بنا ءسفر على سفر.
ولو خرج باثنتين بالقرعة يجب أن يُسوي بينهما في الطريق، فإن كانت أحداهما جديدة لم يوفها حق الزفاف - أوفى لها حق الزفاف، ثم قسم بينهما. فلو ظلم واحدة في الطريق قضى في الطريق، فلو لم يتفق القضاء في السفر؛ فإذا رجع قضى للمظلومة من حق من ظلمها بسببها.
وكذلك لو خرج باثنتين وإحداهما بقرعةٍ، والأخرى بغير قرعةٍ - عليه أن يُسوي بينهما في الطريق، فإذا رجع قضى للمخلفات من نوبة من أخرجها بلا قرعة.
ولو خرج باثنتين بالقرعة ثم نكح في الطريق جديدة - خص الجديدة بحق الزفاف، ثم يستوي بينهما في القسم، فإذا رجع لا يجب القضاء للمخلفات. قال الشيخ: وكذلك لو خرج وحده، فنكح جديدةً لا يقضي للمخلفات، فإن نوى الإقامة في موضع قضى للمخلفات من حين نوى الإقامة غلا حق الزفاف.
وفي مدة الانصراف وجهان.
ولو نكح جديدة على قديمة، فقبل أن يوفي الجديدة حق الزفاف، أخرج واحدةً إلى سفر بالقرعة - جاز، ثم نظر إن أخرج القديمة فإذا رجع أوفى الجديدة حق الزفاف، وإن أخرج الجديدة فمقامه معها في السفر محسوب من حق الزفاف.
قال الشيخ: وإن كان قد ظلم واحدةً بليالٍ، ثم خرج بالمظلومة إلى السفر بالقرعة - فمدة مقامها معه في السفر لا تُحسب من القضاء؛ لأن القضاء واجبٌ لها من حق ضرتها، فأيام السفر حق لها على الخصوص، فلا تحسب من القضاء، بخلاف حق الزفاف، فإنه ثابتٌ لها من غير أن يكون لضرتها بإزائه شيء، من حقها.
قال الشيخ: وإن خر بها بلا قرعةٍ حسب القضاء، ولو خرج وحده لنقلةٍ، فنكح امراة
[ ٥ / ٥٤٤ ]
في بلدٍ، فإذا رجع عليه القضاء للمخلفات مدة مقامه معها إلا قدر حق الزفاف.
وفي مدة الانصراف وجهان: أحدهما: لا يقضي لأن الانصراف لابد منه.
فإن نكح الجديدة في الانصراف، فلا يجب أني قضي منها شيئًا، وإن خرج لنقلةٍ حملهن: بعضهن مع نفسه وبعضهن مع وكيله - لا يجوز أن يفعل ذلك إلا بقرعة فإن فعل بلا قرعة قضى لمن بعثهن مع وكيله.
باب النشوز والشقاق بين الزوجين
قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [السناء: ٣٤] الآية إذا نشزت المرأة وعها الزوج، وهجرها، وضربها.
[ ٥ / ٥٤٥ ]
نعني بالوعظ: أن يُخوفها بالله - ﷿ - وبما يلحقها من الضرر بسقوط النفقة والقسم.
ونعني بالهجر: أن يهجرها في المضجع، أما بالكلام فلا. ونعني بالضرب: أن يضربها ضربًا غير مبرحٍ، ولا يدمي، ويتقي الوجه والمهالك.
وإذا نشزت أول مرة، هل يجمع بين هذه الأشياء؟ - فيه قولان:
أحدهما: بلى، والمراد به من الخوف العلم؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢] أي: علم.
والقول الثاني: لا يجمع بينها بأول مرةٍ.
وتنزل هذه المعاني على ترتيب الجرائم، فإن خاف نشوزها، بأن ظهرت أماراته من المخاشنة، وسوء الخلق وعظها، فإن أبدت النشوز ونشزت أول مرة- هجرها، فإن أصرت عليه ضربها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] والخوف الخشية من غير أن يتحقق؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] ولا تسقط نفقة المرأة، ولا حقها من القسم بسوء الخلق، وإطالة اللسان، وإن كنت آثمة ما لم تمنع من التمكين.
وإن كان النشوز من جهة الزوج، نظر إن كان لا يمنعها شيئًا من حقها، لكنه يكره صحبتها لمرضٍ أو كبرٍ، أو معنى آخر، فلا يدعوها إلى فراشه، أو يريد طلاقها - فلا حيلة فيه؛ لأنه مباحٌ له.
فإن سمحت بترك حقها من قسم، أو نفقةٍ طلبًا للصلح، فهو حسنٌ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] كما أن سودة أراد النبي - ﷺ - أن يُطلقها فوهبت نوبتها لعائشة.
وإن كان يمنعها شيئًا من حقها من نفقةٍ، أو كسوةٍ، أو قسمٍ - أجبره السلطان على ادعاء حقها.
وإن شكا كل واحدٍ من الزوجين سوء خلق صاحبه، وقبح معاملته، وأشكل الأمر على الحاكم - تعرف حالهما من عدلٍ في جوارهما، فإن لم يكن عدلٌ أسكنها إلى جنبها ثقةٍ ليتعرف أحوالهما، فإذا تبين له منع الظالم من الظلم.
وإذا ظهر الشقاق بين الزوجين، وصار من القول والفعل إلى ما لا يحل من الضرب
[ ٥ / ٥٤٨ ]
والشتم، واشتبه حالهما، فلا الرجل يفعل الصفح أو الفرقة، ولا المرأة تؤديه الحق أو الفرقة - فعلى الحاكم أن يبعث حكمًا من أهله إليها وحكمًا من أهلها إليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥]. فيخلو كل واحدٍ من الحكمين بصاحبه، ويستطلع رأيه، ورغبته فماذا؟ من الوصلة أو الفرقة، وما الذي يكره من صاحبه؟
وإنما بعثنا إلى كل واحدٍ حكمًا من أهله؛ للآية، وليفش كل واحدٍ منها سره إلى أهله وقريبه من غير حشمةٍ، فيون أقرب إلى الصلاح. ويجوز بعث الحكمين من الأجانب؛ لأنه في أحد القولين توكيلٌ، وفي الآخر حكم.
ويجوز كل واحد أن يذهب غير الأهل إلا أن الأهل أولى؛ لأنه أقرب إلى الصلاح.
فإن كان الحاكم قريبًا لواحدٍ جاز أن يذهب بنفسه.
ويشترط أن يكون الحكمان حرين، بالغين، ذكرين، عدلين.
ثم إن جعلناهما حكمين بشرط أن يكونا فقيهين.
ثم إذا عرف كل واحدٍ من الحكمين مراد صاحبه يجتمعان، ولايخفى كل واحدٍ من الآخر ما سمع من صاحبه. ويتعدان ما يستوصيان وهذا التحكيم تولية أو توكيلٌ؟ فيه قولان:
أصحهما وبه قال أبو حنيفة: توكيل، فعلى هذا لا يجوز بعث الحكمين إلا برضاهما، ولا يجوز لحكم الرجل التطليق إلا بإذنه، ولا لحكم المرأة في الاختلاع بمالها إلا بإذنها.
فإن أبيا الاتفاق على شيء حكم الحاكم بينهما بحكم من استوفى حق المظلوم؛ وأدب الظالم.
والقول الثاني: هو تحكيم؛ لأن الله تعالى - سماهما حكمين فحكم الرجل إن رأى المصلحة في التطليق أو الخلع فعله، وإن لم يرض به الرجل.
وحكم المرأة إن رأى الصلاح في الاختلاع اختلعها وإن لم تأذن فيه ثم إن كانت المصلحة في التطليق ينفرد به حكم الرجل.
وإن كان في الخلع فلابد منه اجتماع الحكمين عليه.
وعلى القولين تلك الفرقة فرقة طلاقٍ، ويجوز على هذا القول بعث الحكمين بغير رضاهما.
حجة القول الأول: ما روي عن علي -﵁ - أنه بعث حكمين، وقال لهما: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا فقالت المرأة: رضيت بما في كتاب الله علي ولي، فقال الرجل: أما الفرقة فلان فقال علي﵁: كذبت، والله حتى تُقر بمثل الذي أقرت به، فثبت أن رضاهما وإقرارهما شرط.
[ ٥ / ٥٤٩ ]
ومن قال بالأول قال: قوله: "حتى تُقر" ليس المراد منه أن المرأة قد رضيت بالفرقة، فشرط رضاه كذلك، بل المراد به: أن المرأة لما قالت: رضيت بما في كتاب الله، رضيت بما في الكتاب لها وعليها من الجمع والتفرق. قال الرجل: أما الفرقة فلا يعني الفرقة ليست في كتاب الله، فقال علي - ﵁- كذبت بل هو في كتاب الله؛ لأن قوله: ﴿يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] يشتمل على الفراق وعلى الجمع جميعًا؛ لأن التوفيق أن يخلص كل واحدٍ من الوزر، يدل عليه أنه قال [له]: كذبت، ولا يقال لمن أخبر عن مراده: كذبت.
ثم القولان في التفريق والإصلاح، فلو شرط الحكمان ترك بعض حقها من قسم أو نفقةٍ، أو شرطًا ألا يتسرى، ولا ينكح الزوج عليها - فلا يلزم شيء من ذلك.
ولو كان لأحدهما حق على الآخر لا يجوز استيفاؤه إلا بإذن صاحب الحق، وإذا جُن أحد الزوجين، أو أغمي عليه، فلا يجوز بعث الحكمين بعده.
وإن جُن بعد استطلاع الحكمين رأيه لا يجوز تنفيذ الأمر، لأنا إن جعلناه توكيلًا فالوكيل ينعزل بجنون الموكل، وإن جعلناه تولية فقيام الخصومة شرطٌ لتنفيذ الأمر، ولا يتحقق ذلك بعد الجنون ولو غاب أحدهما بعد بعث الحكمين إن قلنا توكيل الحكمين لهما تنفيذ الأمر، وإن قلنا: تولية فلا، لأنه لا يعرف بقاء الشقاق بينهما.
ولو كل الزوج رجلًا فقال: إذا أخذت مالي على المرأة فطلقتها، أو قال: خُذ مالي ثم طلقها، فطلق قبل أخذ المال - لا يقع.
ولو قال: خُذ مالي وطلقها فكذلك على أصح الوجهين.
وقيل: الواو للجمع، فلو قدم الطلاق على الأخذ يقع.
أما إذا قال: طلقها ثم خذ مالي، فقدم أخذ المال ثم طلق جاز، لأنه زاده خيرًا. والله أعلم.
[ ٥ / ٥٥٠ ]