قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥].
وعن عبد ابن ابن عمر، أن النبيﷺ- قال:- "فهي الإسلام على خمس شهادة أن لا
[ ٢ / ٣ ]
إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
[ ٢ / ٤ ]
الصلاة أقوى أركان الدين بعد كلمة التوحيد والرسالة وهي معدة بخمس لا يفرض أكثر منها، إلا أن ينذر صلاة، فتلزمه بنذره.
روى طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول اللهﷺ- من أهل "نجد" ثائر الرأس يسمع دوي صوته، ولا نفقة ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام! فقال رسول الله ﷺ: "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ فقال: "لا إلا أن تطوع" قال: "وصيام شهر رمضان" قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع". وذكر له رسول اللهﷺ- الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: "لا إلا أن تطوَّع" قال: فأدبر الرجل؛ وهو يقول: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه؛ فقال رسول اللهﷺ-: "أفلح إن صدق".
وأول ما فرض الله- تعالى- على هذه الأمة قيام الليل، ثم نسخ بهذه الصلوات، وكان الله﷿- فرض ليلة المعراج على الأمة خمسين صلاة، ثم ردها إلى خمس وقال: "يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشرة، وذلك خمسون صلاة" [ثم ردها إلى خمس] ويروي: "هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدى
[ ٢ / ٥ ]
وهذه الصلوات مؤقتة يجب أداؤها في مواقيتها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضها مؤقتًا وأبين آية في المواقيت في القرآن قوله ﷿: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] إلى آخر الآيتين.
قوله: "سبحان لله" أي: سبحوا الله؛ يعني: صلوا الله "حين تمسون" أراد: صلاة المغرب والعشاء.
"وحين تصبحون": صلاة الصبح "وعشيًّا": صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صلاة الظهر.
وروي في بيان المواقيت عن ابن عباس؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "أمَّني جبريل عند باب البيت مرتين؛ فصلَّى بي الظهر حين كان الفيءُ مثل الشراك، وصلَّى بي العصر حين كان كلُّ شيء بقدر ظله، وصلَّى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلَّى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلَّى بي الفجر حين حرِّم الطَّعام والشَّراب على الصَّائم، وصلَّى بي الغد الظُّهر حين كان كل شيء قدر ظلِّه، وصلَّى بي العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وصلَّى بي المغرب لوقته الأوَّل لم يؤخِّرها، وصلَّى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل، وصلى بي الفجر حين أسفر. ثم التفت فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين وروي عن بريدة أن رجلًا سأل النبيﷺ- عن وقت الصلاة، فقال: "صلِّ
[ ٢ / ٦ ]
معنا هذين" يعني: اليومين. فصلَّى يومين، فذكر قريبًا من معنى حديث ابن عباس وقال في المغرب في اليوم الثاني، وصلى بي المغرب قبل أن يغيب الشفق.
[ ٢ / ٧ ]
فصلٌ في بيان المواقيت
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول اللهﷺ- قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم يحضر المغرب، ووقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس".
وعن أبي هريرة مثل معناه:
الوقت للصلاة وقتان: وقت المقيم المترفه، ووقت غير المقيم المترفه.
[ ٢ / ٨ ]
أما وقت المقيم المترفه: [فأول وقت الظهر] يدخل بزوال الشمس؛ وهو أن تزول من الارتفاع إلى الانحطاط وتسهل معرفته بأن يقصد خشبة مستوية على مكان مستو من الأرض، فإذا طلعت الشمس يكون ظل كل شيء في جانب المغرب، فما دامت الشمس في الارتفاع، كان الظلُّ في الانتقاص، فإذا استوت الشمس في كبد السماء لا يبقى لشيء ظلٌّ في الصيف في بعض البلاد التي هي على خط الاستواء، فإذا زالت الشمس ظهر أدنى ظل في جانب المشرق، ودخل وقت الظهر، وفي أكثر البلاد يبقى لكل شيء ظل في وقت الاستواء في جانب المغرب، فإذا زالت الشمس تحول ذلك الظل إلى جانب المشرق، ودخل وقت الظهر، فأعلم رأس الظل المتحول من الخشبة المغصوبة علامة لمعرفة وقت العصر، ثم يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى الظل المتحول؛ النصف الأول منه للاختيار، والنصف الثاني للجواز، فإذا صار ظل الخشبة مثلها من موضع العلامة لا من أصل الخشبة، وزاد أدنى زيادة دخل وقت العصر، وتلك الزيادة من وقت العصر، ولكن قلَّما يعرف خروج وقت الظهر إلا بها.
وقال ابن المبارك وإسحاق:
بعد ما صار ظلُّ كل شيء مثله بعد أربع ركعات وقت الظهر والعصر جميعًا.
وقال مالك: بعدما صار ظلُّ كل شيء مثله: دخل وقت العصر، ولا يخرج وقت الظهر حتى يصير ظل [كل] شيء مثليه؛ لأن جبريل﵇- صلَّى الظهر في اليوم الثاني حين صلَّى العصر في اليوم الأول.
قلنا: كان ذلك على التعاقب؛ لأنه صلاهما في وقت واحد؛ وذلك أنه ابتدأ العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ [كل] شيء مثليه؛ وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله.
وقال أبو حنيفة:- يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ثم يدخل وقت العصر. والأحاديث حجة علي.
ويمتد وقت العصر إلى غروب الشمس، فإلى أن يصير ظل كل شيء مثليه وقت الاختيار، وبعده وقت الجواز بلا كراهية إلى أن تصفرَّ الشمس. ويكره تأخيرها إلى اصفرار الشمس بلا عذر؛ لما روى عن أنس عن النبيﷺ- قال: تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس؛ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام؛ فنقر أربعًا؛ لا يذكر الله فيها إلا قليلا".
[ ٢ / ٩ ]
فإذا غربت الشمس دخل وقت صلاة المغرب، ولها وقت واحد أم وقتان؟ فيه قولان: قال في الجديد: لها وقت مقدر بالفعل؛ وهو أن يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن ويقيم، ويصلي خمس ركعات.
وقيل: قدر ركعتين بين الأذان والإقامة؛ وهذا قول مالك، والأوزاعي: أن لها وقتًا واحدًا؛ لأن جبريل﵇- صلَّاها في اليومين في وقت واحد.
وقال في القديم: لها وقتان تمتدُّ إلى وقت غيبوبة الشفق؛ النصف الأول للاختبار، والنصف الثاني للجواز؛ وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وأحمد وإسحاق قال الشيخ إمام الأئمة: وهذا أصح؛ لحديث بريدة، أن النبيﷺ- صلاها في يومين في وقتين وهذا متأخر ناسخ لحديث ابن عباس، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة﵁- عن رسول الله ﷺ ثم إذا غاب الشفق، دخل وقت العشاء، والشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء، وهو الحُمرة التي تعقب غروب الشمس؛ وهو قول عمر﵁- وعليِّ وأكثر أهل العلم.
وقال الأوزاعي، وأبو- حنيفة: هو البياض الذي تعقب الحمرة؛ وهو قول عمر بن عبد العزيز ويمتد وقت العشاء إلى طلوع الفجر الصادق. وإلى متى يمتد وقت الاختيار وفيه قولان:
أصحهما: إلى ثلث الليل؛ لحديث جبريل والثاني، وبه قال الثوري وابن المبارك، وأبو حنيفة إلى نصف الليل وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه" ثم بعد ذهاب ثلث
[ ٢ / ١٠ ]
الليل، أو نصفه وقت الجواز إلى طلوع الفجر الصادق.
والفجر فجران: كاذب، وصادق.
فالكاذب يطلع أولًا مستطيلًا نحو السماء، ولا يخرج بطلوعه وقت العشاء ولا يدخل وقت الصبح، ولا يحرم الطعام والشراب على من يريد الصوم، ثم يغيب ذلك، ويطلع بعده الفجر الصادق مستطيرًا ينتشر عرضًا في الأفق، فبطلوعه يدخل وقت الصبح، ويحرم الطعام والشراب على الصائم؛ وهو أول النهار.
روي عن سمرة بن جندب قال. قال رسول اللهﷺ-: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن المستطير في الأفق" ويمتد وقت الصبح إلى طلوع الشمس، وإلى أن يسفر وقت الاختيار، وبعده وقت الجواز بلا كراهية، تأخيرها بلا عذر إلى طلوع الحمرة.
[ ٢ / ١١ ]
فصل: في تسمية صلاة المغرب والعشاء والصبح
روي عن عبد الله المزني، عن النبيﷺ-: قال:-
"لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال: فتقول الأعراب: هي العشاء".
وعن عبد الله بن عمر؛ أن النبيﷺ- قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم [المغرب قال: فتقول الأعراب]: هي العشاء".
إلا أنهم يعتمون بالإبل".
وعن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هي العشاء إلا أنهم يعتمون بالإبل".
يعني يؤخرون ردها إلى المعاطن.
ويكره تسمية المغرب: عشاء، وتسمية صلاة العشاء: عتمة؛ للحديث.
قال الشافعي- رحمة الله عليه-: وسمى الله﷿- صلاة الصبح قرآن الفجر؛ فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وسماها رسول اللهﷺ- صبحًا في قوله: "من أدرك من الصبح ركعة، فقد أدرك الصبح".
فلا أحب أن تسمى بغير هذين الاسمين؛ فلا يقال: صلاة الغداة ولا غير ذلك.
[ ٢ / ١٢ ]
فصل: [في وقت الصلاة]
روي عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول اللهﷺ- أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة في أول وقتها".
الصلاة تجب بأول الوقت، وتستقر بمضي إمكان فعل الصلاة مع الطهارة؛ غير أنه لو أخرها إلى آخر الوقت، فأداها في الوقت جاز، ولم يأثم.
[ ٢ / ١٣ ]
وقال أبو حنيفة: الصلاة تجب بآخر الوقت؛ غير أنه لو صلى في أول الوقت، يسقط الفرض عنه.
ولو أخر الصلاة عن أول الوقت بلا عذر، فمات قبل الأداء لا يموت عاصيًا؛ على أصح الوجهين؛ بخلاف ما لو أخر الحج بعد الوجوب، فمات قبل إمكان الأداء- يموت عاصيًا؛ لأ، وقت الحج العمر، وآخر العمر غير معلوم، فكان التأخير متاحًا به؛ بشرط أن يبادر الموت، وآخر الوقت في الصلاة معلوم، فلم ينتسب إلى التفريط إذا لم يؤخر عن الوقت.
وقيل: في الصلاة لا يموت عاصيًا، وفي الحج وجهان؛ والفرق ما ذكرنا؛ والأول أصح ولو أخر الصلاة بلا عذر إلى حالة لا يمكنه أداء جميعها في الوقت كان عاصيًا.
ولو شرع فيها حين يمكنه أداء جميعها في الوقت، غير أنه مدها بطول القراءة؛ حتى خرج الوقت- لم يأثم؛ وهل يكره؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لإخراجه بعض الصلاة عن الوقت بلا عذر. والثاني: لا يكره.
لما روي أن النبي ﷺ: قرأ سورة "الأعراف" في صلاة المغرب، ولاشك في خروج الوقت قبل تمامها.
وعن أبي بكر الصديق﵁- أنه طوَّل القراءة في صلاة الصبح؛ فلما سلم، قيل له: كادت الشمس أن تطلع. فقال: "لو طلعت ما وجدتنا غافلين". ولو صلى صلاة بعضها في الوقت، وبعضها خارج الوقت- نظر: إن صلى في الوقت ركعة، فالكل أداءٌ على الصحيح من الذهب؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبيﷺ- قال: "من أدرك من الصبح ركعة فقد أدرك الصلاة".
وقيل: ما صلى في الوقت أداء، وما صلى بعده قضاء، حتى لا يجوز للمسافر قصر تلك الصلاة على قول من لا يجوز قصر القضاء.
وإن صلى في الوقت أقل من ركعة، فالكل قضاء.
وقيل: ما صلى في الوقت أداء.
[ ٢ / ١٤ ]
ولو طلعت الشمس في خلال الصبح لا تبطل صلاته؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس- فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس- فليتم صلاته".
وقال أبو حنيفة: إذا طلعت الشمس في خلال الصلاة، تبطل صلاته؛ وبالاتفاق لو غربت في صلاة العصر، لا تبطل. [والله أعلم].
فصل: "في تعجيل الصلوات"
روي عن عائشة قالت: ما صلى رسول اللهﷺ- صلاة لوقتها الأخير مرتين؛ حتى قبضه الله ﷿.
أداء الصلاة في أول وقتها أفضل من تأخيرها إلى آخر الوقت؛ لما روي عن ابن عمر؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله". قال الشافعي﵁-: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون عن المقصرين.
[ ٢ / ١٥ ]
وفي صلاة العشاء قولان:
أحدهما: تعجيلها أفضل كسائر الصلاة.
والثاني: تأخيرها؛ لقول النبي ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ونصفه".
وإذا اشتد الحر، فالإبراد بصلاة الظهر أفضل، لما روي عن أبي هريرة﵁- عن النبيﷺ- قال: "إذا اشتد الحر، فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم" والإبراد فضيلة في حق من يصلي بالجماعة في مسجد تنتابه الناس من البعد؛
[ ٢ / ١٦ ]
وهو أن يؤخر عن الوقت قليلًا؛ بقدر ما يحصل للحيطان ظل يمشي فيه القاصد إلى الصلاة فتصلَّى في آخر أول الوقت، ولا تؤخر إلى آخر الوقت.
وقليل الإبراد رخصة؛ فلو تحمل المشقة، وصلى في أول الوقت- كان أفضل؛ والأول أصح.
ولو صلى في بيته وحده، أو كانوا مجتمعين في مسجد كبير؛ فصلوا جماعة، فلا يبردون؛ لأنهم لا يلحقهم المشقة في التعجيل.
وقيل: يبردون؛ لوجود الحر؛ وهل يبرد لصلاة الجمعة؟ فيها وجهان:-.
أحدهما: بلى؛ كما يبرد الظهر في سائر الأيام.
والثاني: لا يبرد؛ لأن الإبراد؛ لتتكامل الجماعة [أفضل]، والناس يبتكرون إلى الجمعة؛ فتتكامل الجماعة في أول الوقت.
وعند أبي حنيفة: تأخير الصلاة إلى آخر الوقت أفضل إلا الصبح بـ "مزدلفة" يصلونها بغلس واحد؛ والحديث حجة عليه.
وروي عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول اللهﷺ- يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى "المدينة"، والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب وكان يستحب أن يؤخر العشاء، ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها وكان ينقتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالسنين إلى المائة.
وسئل جابر عن صلاة النبيﷺ- فقال: كان يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخَّر، والصبح بغلس.
[ ٢ / ١٩ ]
فصل:
روي عن أنس؛ أن أبا موسى الأشعري صلى بهم الصبح بليل، فأعاد بهم الصلاة، ثم صلى فأعاد ثلاث مرات.
إذا اشتبه وقت الصلاة على رجل مقيم أو غيره يجتهد، والبصير والأعمى فيه سواء؛ لأن الأعمى يعرفه بالأعمال والواجبة والأوراد. فإن لم تكن دلالة، يؤخر إلى أن يغلب على قلبه دخول الوقت، والاحتياط أن يؤخر إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخره عنه، خرج الوقت؛ فإن صلى بلا اجتهاد أو شاكًا؛ بأن لم يغلب على قلبه دخول الوقت، يجب عليه الإعادة، وإن وافق الوقت.
وإن صلى بالاجتهاد، ثم بان؛ أنه صلى قبل الوقت يجب الإعادة وإن بان؛ أنه صلَّ بعد الوقت، صحَّت صلاته، وكانت قضاء؛ حتى لو كان مسافرًا وصلاها قاصرًا، يجب إعادتها تامة؛ على قول من لا يجوز قصر الغائية.
وقيل: يكون أداء، وصار ما بعد الوقت كالوقت؛ لأجل الضرورة، ولا يجب القضاء على من قصرها. والأول أصح.
ولو أخبره عدل بدخول الوقت؛ نظر: إن أخبره عن مشاهدة؛ بأن كان قد رأى الشمس قد زالت، أو الفجر [قد طلع] أو بالشفق قد غاب- يجب قبول قوله، وإن أخبره عن اجتهاد، لا يقلده، بل يجتهد بنفسه، وكذلك لو صلى بالاجتهاد، ثم أخبره عدل عن مشاهدة أنك صليت قبل الوقت- عليه الإعادة وإن أخبره عن اجتهاد، فلا إعادة عليه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
[ ٢ / ٢٠ ]
وهل يجوز تقليد المؤذن العدل العالم بالمواقيت؟ فيه وجهان:-.
أصحهما: يجوز. نص عليه؛ لما روي عن الحسن؛ أن النبيﷺ- قال: المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم".
فصل: في وقت الأذان
روي عن عبد الله بن عمر﵄- عن رسول اللهﷺ- قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا؛ حتى ينادي ابن أم مكتوم". لا- يحسب الآذان- لصلاة الوقت قبل دخول وقتها، إلا أذان الصبح؛ فإنه يحسب قبل طلوع الفجر عند أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة، والثوري: لا يحسب وحديث ابن عمر حجة عليه والمعنى فيه: أن تعجيل الصلاة في أول الوقت مستحب، ووقت الصبح يدخل وأكثر الناس نيام، فقلنا: يؤذن قبل طلوع الفجر؛ لتنبيه النوام، ويستعدوا للصلاة، فيدركوا أول الوقت.
[ ٢ / ٢١ ]
وإذا أذن قبل الوقت، يؤذن قريبًا من السَّحر؛ يقدم على الوقت بمقدار سبع الليل؛ على سبيل التقريب، ولا يحسب قبله.
وقيل يحتسب بعد ذهاب وقت اختيار العشاء، وليس بصحيح، لأنه يؤدي إلى
[ ٢ / ٢٢ ]
اشتباه أذان الصبح بأذان العشاء.
ويستحب أن يكون مؤذنان: أحدهما يؤذن قبل طلوع الفجر، والآخر يؤذن بعده؛ كما كان للنبيﷺ.
ثمن من أذن أولًا، فهو أولى بالإقامة؛ فإن كان المؤذن واحدًا، يستحب أن يؤذن مرتين: مرة قبل طلوع الفجر، ومرة بعده. فإن اقتصر على مرة واحدة جاز، وبعد الفجر أولى.
وإن اقتصر على ما قبله، جاز، ولا تحسب الإقامة إلا بعد دخول الوقت؛ لأنها الافتتاح الصلاة، ولا يجوز الافتتاح قبل الوقت.
فصل: [في وقت العذر والضرورة]
روي عن أبي هريرة، عن رسول اللهﷺ- قال:- من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس- فقد أدرك العصر.
أما وقت غير المغيم المترفه فقسمان: وقت عذر، ووقت ضرورة. أما وقت العذر: هو أن يجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء بعذر سعر، أو عذر مطر؛ فيضطر إلى أن يجمع بينهما في وقت الأولى، فجميع وقت الظهر يكون وقتًا للعصر، إلا بمقدار أربع ركعات. من أوله.
وإن قصر الصلاة، فمقدار ركعتين من أوله، لأن تقديم أداء العصر على الظهر لا يجوز إذا جمع بينهما في وقت الظهر، وكذلك جميع وقت المغرب يكون وقتًا للعشاء، إلا مقدار ثلاث ركعات من أوله.
وإن جمع بينهما في وقت الثانية؛ فهل يجوز تقديم العصر على الظهر في الأداء، وتقديم العشاء على المغرب؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز، فعلى هذا يكون جميع وقت العصر وقتًا للظهر، [وجميع] وقت العشاء وقتًا للمغرب، وإن لم يجوز تقديم الثانية على
[ ٢ / ٢٣ ]
الأولى في الأداء، فجميع وقت العصر وقت للظهر، إلا مقدار أربع ركعات من آخره، وإن قصر، فمقدار ركعتين.
وأما وقت الضرورة: هو الوقت الذي يصير فيه من أهل وجوب الصلاة عليه بزوال العذر، مثل: أن يبلغ صبي، أو يفيق مجنون، أو مغمي عليه، أو تطهر حائض أو نفساء؛ وقد بقي من الوقت مقدار ركعة- تلزمه تلك الصلاة. وفي معناه الكافر يسلم، وإن لم يكن معذورًا بالكفر، وإن زال العذر؛ وقد بقي من الوقت قدر تحريمة [ركعة] أو أقل [من ركعة]، هل يلزمه تلك الصلاة؟ فيه قولان:-.
* قال في القديم- وهو اختيار المزني- لا تلزمه؛ لأن النبيﷺ- قال: "من أدرك ركعة من الصبح، فقد أدرك الصلاة" وهذا لم يدرك ركعة.
وقال في الجديد:- تلزمه تلك الصلاة؛ لأنه أدرك جزءًا من الوقت؛ كما لو أدرك قدر ركعة. والمراد من الحديث: أنه إذا أدى ركعة في الوقت، يكن مدركًا للوقت، وإذا أدى أقل من ركعة لا يكون مدركًا للوقت، وها هنا تلزمه الصلاة قضاء؛ كما يلزم النائم ثم إذا زال العذر قبل طلوع الشمس بعد طلوع- الفجر- لا يلزمه إلا صلاة الصبح وإذا زال قبل غروب الشمس، فعلى قوله الجديد: تلزمه صلاة الظهر والعصر بإدراك تحريمة قبل الغروب.
وكذلك إذا زال قبل طلوع الفجر بقدر تحريمة، تلزمه صلاة المغرب والعشاء جميعًا؛ لأنهما صلاتان كان وقت إحداهما وقتًا للأخرى في العذر، فكذلك في الضرورة، ولا يشترط إدراكه إمكان الطهارة.
وفي القديم: لا تلزمه الصلاة بإدراك أقل من ركعة، وإذا أدرك مقدار ركعة قبل الغروب، هل يلزمه الظهر مع العصر أو أدرك قبل طلوع الفجر مقدار ركعة، هل يلزمه المغرب مع العشاء؟ في القديم قولان:
أحدهما: يلزم؛ لأن وقتهما في العذر واحد، فكذلك في الضرورة.
والثاني: لا يلزم حتى يدرك مع هذه الركعة قدر إمكان الصلاة الأخرى، فيشترط أن يدرك من وقت العصر قدر خمس ركعات، حتى يلزمه الظهر والعصر، ومن وقت العشاء قدر أربع ركعات حتى يلزمه المغرب والعشاء؛ ثلاث ركعات للمغرب، وركعة للعشاء، وهل يشترط في القديم إدراك إمكان الطهارة قولان:
[ ٢ / ٢٤ ]
الأصح: لا يشترط، لأن الطهارة لا تختص بالوقت.
وعند أبي حنيفة: لا يلزم الظهر بإدراك وقت العصر، ولا المغرب بإدراك وقت العشاء، وإنما تجب عليه الصلاة بعد زوال العذر إذا امتدت سلامة الحال إلى أن يمضي إمكان فعل الطهارة والصلاة.
فإن زال العذر في وقت العصر، ثم عاوده العذر؛ بأن أفاق مجنون، ثم عاوده الجنون، أو بلغ صبي ثم جن أو طهرت حائض ثم جنت، أو أفاقت مجنونة ثم حاضت، نظر: إن عاوده العذر بعد إمكان ثماني ركعات تلزمه صلاة الظهر والعصر. ولو عاوده قبل إمكان أربع ركعات، لا تلزمه الصلاة، وإن عاوده بعد إمكان أربع ركعات، تلزمه صلاة العصر دون الظهر، إلا أن يكون مسافرًا؛ فتلزمه الصلاتان لإمكان القصر، وإن زال العذر في وقت العشاء، ثم عاوده بعد إمكان أربع ركعات تلزمه صلاة العشاء.
قال الشيخ: ولا تلزمه المغرب؛ لأنه لم يدرك إمكان الصلاتين، والوقت لصلاة العشاء، فهو أولى بالوجوب. وإن عاوده بقدر إمكان ثلاث ركعات. قال الشيخ ﵁: يجوز أن تلزمه صلاة المغرب؛ فإنه لم يصر مستحقًا للعشاء وكان يتوقف فيه القاضي ﵀؛ لأن المغرب إنما لزم تبعًا للعشاء، فإذا لم تلزمه العشاء لم يلزمه المغرب.
والإغماء كالجنون، في أنه إذا استغرق جميع وقت العذر، والضرورة تمنع وجوب الصلاة.
وعند أبي حنيفة: لا تسقط الصلاة بالإغماء ما لم يزد على يوم وليلة.
فأما إذا أدرك شيئًا من أول الوقت، ثم جن أو أغمي عليه، أو حاضت المرأة، نظر: إن كان بعد مضي إمكان فعل الصلاة، يستقر عليه الفرض؛ حتى لو شرع في الصلاة في أول الوقت، وطول القراءة، فجن في خلالها، أو حاضت المرأة. ولو خفف القراءة أمكنه إتمامها- يلزمه القضاء. ولو أدرك من أول وقت الظهر مقدار ركعتين؛ وهو مسافر- لزمته الصلاة؛ لأنه لو قصر أمكنه أداؤها.
ولو أدرك أكثر من وقت الظهر، لا يلزمه العصر، أو أدرك أكثر وقت المغرب، لا تلزمه العشاء لأنه لم يمكنه أداء العصر والعشاء في هذا الوقت؛ غلاف ما لو أدرك وقت الثانية، تلزمه الأولى، ولو كان مسافرًا، لا تلزمه الثانية بإدراك وقت الأولى وإن أمكنه الجمع؛ لأن الجمع رخصة لا تلزم. ولو شرب مسكرًا، أو زال عقله، أو شرب دواء؛ فزال عقله وهو عالم بأنه يزيل العقل- يلزمه قضاء الصلوات والصوم الذي فاته وأقل زوال
[ ٢ / ٢٥ ]
العقل، أو السُّكر: قال الشافعي ﵁: أن يختلط عقله؛ فيذهب عنه بعض ما لم يكن يذهب عنه قبل، وإن قل، ثم يتوب إليه.
ولو شرب شرابًا لا يراه مسكرًا؛ فسكر؛ نظر إن كان يعرف أنه من جنس المسكر، ولكن يظن أن ذلك القدر لا يسكر؛ لقلة- يلزمه قضاء الصلاة.
ولو لم يعلم أنه من جنس المسكر، لا يلزمه القضاء؛ كما في الإغماء.
ولو وثب، أو تدلَّى من موضع؛ فزال عقله- نظر: إن فعل لحاجة، لا يجب قضاء الصلاة، وإن فعله عبثًا، أو لغير حاجة، يجب؛ بخلاف ما لو ألقى نفسه من شاهق، فتكسرت رجله، فصلى قاعدًا- لا قضاء عليه؛ على الأصح؛ لأن سقوط الصلاة عن العاجز عزيمة وعلى من زال عقله رخصة، ولا رخصة للعاصي، ولا يجب على الحائض قضاء الصلوات، ويجب على المرتد قضاء ما فاته في الردة من الصلوات.
وعند أبي حنيفة: لا يجب قضاؤها قال:- وما فات في الإسلام يسقط بالردة قضاؤها وهذا لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى إغراء من كثرت عليه الفوائت على الردة؛ طلبًا لفراغ ذمته؛ وذلك محال.
ولو حاضت المرتدة، لا يجب عليها قضاء صلوات أيام الحيض.
ولو جُنَّ المرتد، يجب عليه قضاء صلوات أيام الجنون؛ لأن سقوط الصلاة عن الحائض عزيمة، فإنها تكلف بترك الصلاة، وعن المجنون رخصة، والمرتد عاص؛ فلا رخصة له.
ولو جنَّ السكران، يجب عليه أن يقضي من الصلوات قدر ما يمتد زمان السكر، ولا يجب عليه قضاء ما زاد عليه من أيام جنونه؛ بخلاف الجنون المتصل بالردة؛ لأن زمان الردة يمتد وهو في زمان الجنون مرتد؛ فيجب عليه القضاء، وزمان السكر لا يمتد فهو في حال جنونه غير سكران، فلم يجب القضاء.
ولو شربت المرأة دواء حتى ألقت الجنين، ونفست- لا يجب عليها قضاء الصلوات؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: يجب القضاء؛ كالعاصي بشعره لا يترخص. والأول المذهب؛ لأن سقوط الصلاة عن النفساء عزيمة؛ كالمرتدة إذا حاضت، لا قضاء عليها.
[ ٢ / ٢٦ ]
فصلٌ: فيمن تجب عليه الصلاة
روي عن رسول اللهﷺ- أنه قال: رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق".
وتجب الصلاة على كل بالغ، عاقل، طاهر. أما الصبي والمجنون، فلا صلاة عليهما، وكذلك الحائض والنفساء.
[ ٢ / ٢٧ ]
أما النائم إذا فاتته صلوات، يجب عليه القضاء؛ لما روي عن أبي قتادة؛ أن النبيﷺ- قال: "إذا نسي أحدكم صلاة، أو نام عنها- فليصلها إذا ذكرها".
[ ٢ / ٢٩ ]
والكافر الأصلي مخاطب بالشرائع، إلا أنه إذا أسلم، لا يجب عليه قضاء الصلوات التي تركها في حال الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وذلك لأن في إيجاب القضاء عليه تنفيره عن الإسلام؛ فعفي عنه، ولا يؤمر أحد، ممن لا صلاة عليه بها، إلا الصبي، فإنه إذا بلغ سبع سنين، يؤمر بالصلاة، ويضرب على تركها إذا بلغ عشرًا، لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول اللهﷺ- أنه قال: "مروا أولادكم بالصلاة؛ وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها؛ وهم أبناء عشر سنين وفرِّقوا بينهم في المضاجع".
[ ٢ / ٣٠ ]
فيجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة، والصلاة، والشرائع بعد بلوغ سبع سنين، وأن يأمروهم بها، حتى يعتادوا [أداءها]. فإذا بلغوا عشرًا، يضربوهم على تركها؛ تأدبًا؛ لاحتمال البلوغ في هذا السن بالاحتلام، ولأنه يحتمل الضرب في هذا السن.
وفيه: دليل على أن الختان قبل العشر لا يجوز؛ لأن ألمه فوق ألم الضرب، ويؤمر بالصوم في السن الذي يؤمر بالصلاة، إذا كانت الأيام قصارًا والصبي يطيقه وأجرة تعليم الفرائض في مال الابن، فإن لم يكن له مال؛ فعلى الأب فإن لم يكن له أب فعلى الأم.
وهل يجوز إعفاء الأجرة من مال الصبي على تعليم ما سوى الفاتحة من القرآن، والأدب والعلم؟ وجهان ولو صلى صبي في أول الوقت؛ فبلغ، والوقت باق، يستحب أن يعيد الصلاة، ولا يجب على ظاهر المذهب. ولو بلغ في خلال الصلاة بالسن، يجب أن يتمها، ولا قضاء عليه؛ كما لو بلغ في خلال الصوم، أتمه، ولا قضاء عليه؛ لأنه أدى وظيفة وقتها بشرائطها؛ كالأمة إذا صلت مكشوفة الرأس، ثم عتقت، والوقت باق لا تجب عليها الإعادة.
وقال ابن سريج: إذا بلغ بعد الفراغ منها والوقت باق، تجب [عليه] الإعادة. ولو بلغ في خلالها، استحب أن يتمها، ثم يجب أن يعيدها؛ وبه قال أبو حنيفة.
ولو صلى مسافر وعبدٌ صلاة الظهر يوم الجمعة في أول الوقت، ثم أقام المسافر، وعتق العبد قبل فوات الجمعة- لا يجب عليها الجمعة.
ولو صلى صبي صلاة الظهر، ثم بلغ قبل فوات الجمعة، هل تجب عليه الجمعة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا تجب؛ لأنه أدى وظيفة وقته؛ كالمسافر والعبد.
والثاني:- وبه قال ابن الحداد: يجب، لأنه كان مأمورًا بحضور الجمعة؛ كما كان
[ ٢ / ٣١ ]
مأمورًا بأصل الصلاة، وقد ترك ما أمر به، بخلاف المسافر والعبد، فإنهما كانا مأمورين بصلاة الظهر لا بالجمعة، وقد أياه.
فصل: فيمن فاته وقت الصلاة
روي عن أبي قتادة قال: "ذكروا للنبيﷺ- نومهم عن الصلاة، فقال: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة؛ فإذا نسي أحدكم صلاةً، أو نام عنها- فليصلها إذا ذكرها".
من فاتته صلاةٌ عن وقتها بنسيان، أو نوم- فلا إثم عليه، ووقت قضائها موسعٌ، ويستحب أن يقضيها حين ذكر.
وقيل: يجب قضاؤها حين ذكر؛ لأن النبيﷺ- قال: "فليصلها إذا ذكرها".
وإذا فاتته صلوات، فيستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء؛ فلو ترك الترتيب في قضائها، جاز. ولو دخل عليه وقت فريضة، وتذكر فائتة؛ نظر: إن كان في الوقت سعة، يستحب أن يبدأ بالفائتة، ولو بدأ بصلاة الوقت جاز، وإن ضاق الوقت؛ بحيث لو بدأ بالفائتة، فات الوقت يجب أن يبدأ بصلاة الوقت؛ حتى لا تفوت. ولو تذكر الفائتة بعدما شرع في صلاة الوقت، أتمها، ثم قضى الفائتة بعدها ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ولا يجب.
وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يزد على صلوات يوم وليلة، حتى لو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم، بطل فرض الوقت، فيقضي الفائتة،
[ ٢ / ٣٢ ]
ثم يعيد صلاة الوقت، إلا أن يكون الوقت ضيقًا، فلا تبطل.
ولو فاتته صلاة لا يدري عينها، يجب عليه قضاء خمس صلوات.
ولو نسي صلاتين أو ثلاث صلوات من يوم وليلة، لا يدري عينها- لا يجب إلا قضاء خمس [صلوات]؛ لأن الفرض لا يخرج عنها.
ولو نسي صلاتين من صلوات يومين؛ نظر: إن علم أنهما مختلفتان، لا يجب إلا قضاء خمس صلوات.
وإن علم أنهما متفقتان، أو شك فيه- يجب عليه قضاء عشر صلوات، ومن ترك صلاة متعمدة حتى خرج وقتها، لا يصير كافرًا ما لم يجحد وجوبها، ووقت قضائها مضيق؛ فيؤمر بالقضاء؛ فإن لم يفعل، يستتاب؛ كما يستتاب المرتد، فإن لم يفعل يقتل؛ وهو قول مكحول، وحماد بن زيد، ومالك.
وسواء كان يقول: لا أصل، أو يقول: أصلي، ولا يفعل، وهل يمهل ثلاثًا؟ فيه قولان؛ كالمرتد وإن ترك صلاة الظهر لا يقتل؛ حتى يخرجها عن وقت العذر والضرورة؛ بأن تغرب الشمس. وكذلك لو ترك المغرب لا يقتل حتى يطلع الفجر.
وقيل: لا يقتل ما لم يترك ثلاث صلوات.
وقال النخعي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وغسحاق: يكفر بترك الصلاة عمدًا؛ وبه قال قليل من أصحابنا؛ لما روي عن جابر قال: قال رسول اللهﷺ- "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة".
وهذا عند الآخرين محمول على الوعيد، أو على ترك الجحود.
[ ٢ / ٣٣ ]
وقال أبو حنيفة﵀-: تارك الصلاة لا يقتل، بل يحبس، ويضرب؛ كتارك الصوم؛ وهو قول الزهري، وبه قال المزني.
ويقتل تارك الصلاة بحز الرقبة، ثم يغسل، ويصلَّى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين؛ كالمقتول في الحد.
وقال صاحب "التلخيص": تنخس فيه حديدة ويقال له: قم فصلِّ، فإن قام ترك، وإن لم يقم زيد في النخس، حتىي صلِّيَ، أو يموت. فإن مات لا يصلَّى عليه، ولا يغسَّل، ولا يكفَّن، ويدفن؛ فيسوى قبره.
وإن أراد الإمام معاقبته، فقال: صليت في بيتي، يصدق.
ولو أسلم كافر في دار الحرب، ولم يصلِّ مدَّة، ثم خرج إلينا وادعى الجهالة بوجوب الصلاة يجب عليه قضاؤها.
وعند أبي حنيفة: لا يجب، كما لو ارتكب ما يوجب الحدَّ، وادعى الجهالة بالتحريم لا يحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات والفرض لا يسقط بالجهل. [والله أعلم].
"بابُ الأذان"
أقام النبيﷺ- بـ "مكة" بعد الوحي ثلاث عشرة سنة يصلِّي بلا أذان ولا إقامة؛ فلما هاجر إلى "المدينة"، اهتم بالصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل: انصب راية عند حضور الصلاة؛ فلم يعجبه ذلك، فذكر له القُنْعُ، يعني: الشبُّور؛ فلم يعجبه. وقال: "هو من أمر اليهود". فذكر له الناقوس. فقال: "هو من أمر النَّصارى" فانصرف عبد الله بن زيد؛ وهو مهتم لهم النبيﷺ- فأرى الأذان في منامِهِ. قال أنس بن مالك: ذكر النار والناقوس؛
[ ٢ / ٣٤ ]
فذكر اليهود والنصارى؛ فأمر بلالًا؛ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. الأذان والإقامة مشروعان لفرائض الأوقات، ويستحب أن يؤذن ويقيم قائمًا، مستقبل القبلة، لا يزيل قدميه عن موضعهما إلا بعجزٍ؛ فيقعد، أو كان راكبًا مسافرًا؛ فيؤذِّن قاعدًا ويلوي عنقُه في الحيعلتين من غير أن يزيل قدميه عن مكانهما؛ لما روي عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح؛ فأذَّن فلمَّا بلغ حيَّ على الصَّلاة، حيّ على الفلاح- لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدبر.
[ ٢ / ٣٥ ]
وكيفيته: أن يلتفت يمينًا؛ فيقول: حيَّ على الصَّلاة مرتين، ثم يلتفت شمالًا؛ فيقول حيَّ على الفلاح مرتين.
وقيل: يقول: حيَّ على الصلاة مرة عن يمينه، ومرة عن يساره، وكذلك حيَّ على الفلاح. والأوَّل أصحُّ. ولا يلتفت في سائر الكلمات؛ لأن الحيعلة دعاء وخطابٌ مع الناس؛ فيلتفت ليسمع أهل النواحي؛ كما يلتفت في الصلاة عند السلام دون غيره، ولا يلتفت في الإقامة؛ لأن المقصود منها إعلام الحاضرين.
وقيل: يلتفت؛ كما في الأذان.
ولو أذَّن قاعدًا، أو مستدبر القبلة- حسب أذانه.
والترجيع في الأذان سنَّةٌ؛ وهو أن يأتي بالشهادتين مرتين مرتين. يخفض بهما صوته، ثم يمد [بهما] صوته؛ فيأتي بهما مرتين أخريين؛ روي عن أبي محذورة قال: ألقى عليَّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه؛ فقال: "قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: ارجع؛ فمد من صوتك: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح؛ الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله".
[ ٢ / ٣٦ ]
وعند أبي حنيفة: لا يُرَجِّعُ. والحديث حجة عليه؛ فلو ترك الترجيع، يحسب آذانه؛ كما لو ترك التثويب في أذان الفجر.
ويستحب للمؤذن أني ضع مسبِّحتيه في صماخي أذنيه، لما روي عن عون بن أبي حجيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالًا يؤذن وأصبعاه في أذنيه.
[ ٢ / ٣٧ ]
ويستحب أن يؤذن متطهرًا؛ لأنه يدعو الناس إلى الصلاة؛ فينبغي أن يكون هو بصفة تمكنه أن يصلي؛ ولأنه يستحب أن يصلي بعد الأذان ركعتين؛ لما روي عن عبد الله بن مغفل عن النبيﷺ- قال: "بين كل أذانين صلاة"، ثم قال في الثالثة: "لِمَن شاء".
فلو أذَّن، أو أقام محدثًا، [أو جُنبًا] يحسب أذانه مع الكراهية.
وأذان الجُنُب أشد كراهية من آذان المحدث؛ لأن الجنابة، أغلظ؛ فإنها تمنع قراءة القرآن.
والمُكْثَ في المسجد، وإقامة المُحدث أشد كراهية من أذان المحدث؛ لأن الإقامة تعقبها الصَّلاة؛ فهو إذا ذهب ليتطهر بعدها، يشقُّ على القوم انتظاره.
ولو أحدث في خلال أذانه أئمَّهُ، فلما توضأ، وبنى جاز إذا لم يطل الفصلُ.
ويستحب رفع الصوت بالأذان ما أمكنه ما لم يجهده؛ روي عن أبي هريرة﵁- عن النبيﷺ- قال: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطبٍ ويابس".
ويرفع صوته في الإقامة، دون ما يرفع في الأذان؛ لأنَّ الإقامة للحاضرين، فلو أذَّن سِرًّا؛ بحيث لم يسمع إلا نفسه لم يحسب أذانه للجماعة، ويحسب إذا أراد أن يصلي
[ ٢ / ٣٨ ]
منفردًا ويستحبُّ أن يؤذن على مكان مرتفع، ليكون مؤته أبلغ إلى الإسماع؛ كان بلال يؤذِّن على ظهر بيت امرأة من بني النجار بيتها أطول بيت حول المسجد.
أما الإقامة: فلا يحتاج فيها إلى مكان عال؛ لحصول الإعلام بالأذان.
ويستحب ألا يتكلم في أذانه، ولو سلَّم عليه رجل، يجيب بالإشارة، ولا يشمِّت العاطس؛ فإذا فرغ، ردَّ السلام، وشمَّت العاطس.
ولو عطس هو حمد الله في نفسه، وبنى فلو رد السلام، أو شمَّت في خلاله، أو تكلَّم بما فيه مصلحةٌ- لم يكره؛ لأنه ليس بأكثر من الخطبة، وقد تكلَّم النبيﷺ- في الخطبة وإن تكلم في الأذان، أو نام، أو سكت- بنى على أذانه إن كان يسيرًا؛ فإن طال، استأنف، ولو أغمي عليه في خلال أذانه فأفاق، والفصل قريب بنى.
ويستحب أن يستأنف، بخلاف ما لو تكلَّم يسيرًا، لا يستحبُّ الاستئناف، لأنه بالإغماء خرج من أن يحسب أذانه. ولو ارتد في أذانه والعياد بالله- ثم أسلم- نصَّ على أنه لا يبني ونص في المعتكف إذا ارتدَّ، ثم أسلم؛ أنه يبني على اعتكافه: فمنهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يبني؛ كما لو تكلم.
والثاني: يستأنف؛ لأنه عبادة واحدة؛ فتبطل بالرِّدَّة؛ كالصلاة، والحج.
ومنهم من قال: يجوز البناء، حيث لم يجوز أراد به إذا طال زمان الرِّق ولو ارتد بعد الفراغ من الأذان، ثم أسلم؛ فأقام- جاز.
ويستحب أن يؤذن غيره، ويقيم؛ لأن ردته تورث شبهة في حاله.
ولو أغمي عليه في خلال أذانه، وارتد- ليس لغيره أن يبني على أذانه؛ على الصحيح من المذهب. وخرج قول من الخطبة: نه يبني.
والأوَّل هو المذهب؛ بخلاف الخطبة؛ لأنها كلام مع الحاضرين؛ والأذان لإعلام الغائبين؛ فاختلاف الأصوات فيه يؤدي إلى التباس الأمر على السامعين. ويستحبُّ أن يؤذِّن مترسلًا؛ وهو أن يأتي بكلماته منفصلًا مبيِّنًا من غير تمديد مجاوزٍ للحدِّ، ولا تغنِّ ولا تطريب ويقيم مدرجًا؛ وهو أن يأتي بكلماتها حدرًا من غير تفصيل.
لما روي عن جابر؛ أنَّ رسول اللهﷺ- قال لبلال: إذا أذَّنت فترسَّل، وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشّارب من شربه،
[ ٢ / ٣٩ ]
والمعتصرُ إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتَّى تروني قد قمت.
فلو أذَّن مدرجًا، وأقام مترسلًا يحسب أذانه.
ولو ترك الترتيب لم يحسب، حتى يرجع إلى حين تركه؛ مثل: أن قدَّم: "حي على الفلاح" يعيده بعد "حي على الصلاة".
ولو زاد في الأذان ذكرًا، أو زاد في العدد لم يفسد أذانه.
ويستحبُّ للمؤذِّن أن يقعد بين الأذان الإقامة قعدة؛ لانتظار الجماعة، وأن يتحول عن موضع الأذان إلى غيره للإقامة؛ فإن في رؤيا عبد الله بن زيد قال: رأيت رجلًا عليه ثوبان خضران، فقام على جذم حائط، فأذَّن ثم قعد قعدة، ثم استأخر غير بعيد، ثم قال: تقول إذا أقمت للصلاة فذكر الإقامة.
[ ٢ / ٤٠ ]
والتثويب سنَّة في أذان الصُّبح؛ وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين: الصَّلاةُ خيرٌ من النوم، مرتين.
وكرهه في الجديد؛ لأن أبا محذورة لم يحكه.
فمن أصحابنا من جعله على قولين.
والصحيح: أنه سنةٌ قولًا واحدًا.
روي ذلك عن عمر، وابن عمر، وبه قال ابن المبارك، وأحمد.
والشافعي إنما كرهه في الجديد؛ لأنه لم يبلغه عن أبي محذورة، وقد ثبت عن أبي محذورة؛ أن رسول اللهﷺ- قال له: "فإن كان صلاة الصُّبح، قلت: الصلاة خيرٌ من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".
[ ٢ / ٤١ ]
وعن بلال، قال رسول اللهﷺ-: لا تثويب في شيء من الصلاة، إلا صلاة الفجر وإذا أذن للصبح مرتين، وثوَّب في الأول لا يثوب في الثاني؛ على أصح الوجهين.
[ ٢ / ٤٢ ]
فصلٌ: فيما يشرع له الأذان من الصلوات
روي عن مالك بن الحويرث قال: قال لنا رسول اللهﷺ-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي؛ فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبرُكُم".
الأذان والإقامة مشروعان لفرائض الصلوات، إذا أديت في مواقيتها؛ وهما سنتان مؤكدتان.
وقيل: هما فرضان على الكفاية في موضع من البلد، أو موضعين وأكثر على قدر سعة البلد؛ بحيث يبلغ النِّداءُ جميع البلد، فإن تركوا قوتلوا عليه، لأنه شعار الإسلام.
وإن قلتا: إنه سنَّة، فإذا اجتمع أهل بلد على تركه؛ هل يقاتلون عليه؟ وكذلك صلاة العيد.
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ليس بفرض.
والثاني: بلى؛ لأنه من شعار الإسلام والدِّين. ولا أذان ولا إقامة للصَّلاة المنذورة، ولا لشيء من السُّنَةِ؛ سواء كانت تؤدَّى جماعة أو فُرادى، إلا أن ينادى فيما يؤدي جماعة من
[ ٢ / ٤٣ ]
السنن؛ مثل: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء: الصلاة جامعة، وينادى في صلاة التَّراويح: الصلاة جامعة إذا صلِّيت جماعة.
ولا أذان، ولا إقامة لصلاة الجنازة، ولا قول: الصلاة جامعة، إذا صُلِّيَت جماعة.
والإقامة سنَّة لقضاء الفائتة، وهل يسن لها الأذان؟ فيه ثلاثة أقوال: قال في "الأم": لا يؤذَّن لها؛ وهو قول الأوزاعي، وإسحاق؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: حبنا يوم الخندق عن الصلاة؛ حتى كان بعد المغرب هويًا من الليل فدعا رسول اللهﷺ- بلالًا، فأقام الظهر؛ فصلّاها، ثم أقام العصر؛ فصلاها، ثم أقام المغرب؛ فصلّاها، ثم أقام العشاء؛ فصلّاها.
[ ٢ / ٤٤ ]
وقال في القديم: يؤذِّن لها ويقيم؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد؛ لما روي عن أبي قتادة؛ أن النبيﷺ- كان في سفر فقال: "احفظوا علينا صلاتنا" يعني: صلاة الفجر، فضرب على أذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس، فقاموا فساروا هنية، ثم نزلوا فتوضَّأوا وأذّن بلال، فصلُّوا ركعتي الفجر، وركبوا.
[ ٢ / ٤٥ ]
وقال في "الإملاء": إن كان يرجو اجتماع قوم يصلُّون معه، يؤذّن ويقيم، وإلا فيقيم ولا يؤذِّن.
وإن كان عليه فوائت؛ فقضاهن على التوالي، هل يؤذن للأولى منها؟.
فعلى الأقوال، ويقيم لكل واحدة من الأخريات، ولا يؤذِّنُ.
ولو دخل عليه وقت فريضة، وعليه فائتة؛ فإن بدأ بصلاة الوقت أذَّن لها وأقام، ثم أقام للفائتة، ولم يؤذِّن.
وإن بدأ بالفائتة؛ فهل يؤذِّن لها؟ فعلى الأقوال الثلاثة، ثم يقيم لصلاة الوقت؛ ولا يؤذن؛ لحديث أبي سعيد الخدري.
فإن طال الفصل بين قضاء الفائتة، وأداء صلاة الوقت، أذَّن وأقام لصلاة الوقت. وإن جمع بين صلاتين لعذر سفر أو مطر نظر إن جمع بينهما في وقت الأولى أذَّن وأقام للأولى، وأقام للثانية، ولم يؤذن.
[ ٢ / ٤٦ ]
وإن جمع في وقت الثانية، يقيم لكل واحدة منهما، ولا يؤذن للثانية. وهل يؤذن للأولى فعلى أقوال الفائتة.
والأصح: لا يؤذن؛ لأن النبيﷺ- جمع في الحج بين الظهر والعصر بـ "عرفة" في وقت الظهر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء بـ "المزدلفة" بإقامتين.
ويستحب للمنفرد إذا أراد أن يصلي أني ؤذن. ويقيم.
ويستحب للمرأة أن تقيم ولا تؤذن؛ لأن الأذان؛ لإعلام النَّاس وفي موتها فتنة.
فلو صلى الرجل بلا أذان [ولا إقامة] أو صلَّت المرأة بلا إقامة- جاز، وترك الإقامة في حق المرأة أحق من ترك الأذان في حق الرجل.
ولو صلى المنفرد في بيته بأذان مؤذِّن الجماعة- جاز، ولو أذن لنفسه، كان أحبَّ إلينا. ولو حضر مسجدًا بعدها أقيمت الجماعة؛ نظر: إن لم يكن له إمام راتب لم يكره إقامة الجماعة فيه ثانيًا، بل يستحب.
وإن كان له أمامٌ راتبٌ، فقولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة: يكره إلا بإذن الإمام.
والثاني: لا يكره، ولا يرفع صوته بالأذان الثاني، بل يؤذّن في نفسه، حتى لا يلتبس الأمرُ على الناس؛ فيظنون دخول وقت صلاة أخرى.
ويستحب للمسافر أن يؤذّن، ويقيم للصلاة؛ كالمقيم؛ لما رويَ عن مالك بن الحويرث، قال: قدمت على رسول اللهﷺ- أنا وابن عمّ لي، فقال لنا: "إذا سافرتما، فأذنا وأقيما، وليؤمَّكُما أكبركما".
وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر؛ لأن السفر يؤثر في تخفيف العبادات؛ كقصر الصلاة، وفطر شهر رمضان، ولأن الأذان يجمع بين الناس، والقوم يكونون مجتمعين في السفر.
وعند أبي حنيفة: تركه في الحضر أخفُّ. ولو أذَّن راكبًا يحسب آذانه، والأولى أني نزل للإقامة؛ لأنها تتَّصل بالصلاة.
[ ٢ / ٤٧ ]
فصلٌ: "في إجابة المؤذِّن"
روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال:-.
"إذا سمعتم المؤذن يؤذن، فقولوا مثلما يقول المؤذن" ويستحب لمن سمع الأذان أن يقول مثلما يقول المؤذن، فإذا قال: حيَّ على الصلاة، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك إذا قال: حيَّ على الفلاح. كذلك قال رسول الله ﷺ. ويقول في الإقامة
[ ٢ / ٤٨ ]
مثل ذلك. فإذا قال: قد قامت الصلاة يقول: أقامها الله وأدامها.
فإذا فرغ من الأذان يستحب للمؤذن والمستمع أن يصلِّي على رسول اللهﷺ- وأن يقول ما روي عن جابر؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته- حلت له شفاعتي يوم القيامة".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أن النبيﷺ- قال: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ؛ فإنه من صلى عليَّ صلاةً، صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة".
[ ٢ / ٤٩ ]
ويجيب المؤذن وإن كان محدثًا أو جنبًا، وإن كان في قراءة، أو ذكر قطعه، وأجاب، ثم عاد إليه؛ لأن ما فيه لا يفوت.
وإن كان في الصلاة، يستحب ألا يجيب؛ حتى يفرغ. فلو أجاب في خلال الصَّلاة، لم تبطل صلاته. وهل يكره؟ فيه قولان:
أحدهما: يكره؛ لأنه اشتغال بغير الصلاة.
والثاني: لا يُكره؛ لأن الصلاة محل الذِّكر، وإن أجاب في خلال الفاتحة يستأنف الفاتحة.
ولو قال: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح الصلاة خير من النوم، أو قال: قد قامت الصَّلاة عملًا، بطلت صلاته؛ لأنه كلام.
وإن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأقامها الله وأدامها لم تبطل صلاته؛ لأنه ذكرٌ ودعاءٌ؛ كما لو سلَّم عليه رجل في الصلاة، فأجاب وقال: وعليك السلام، أو قال للعاطس: يرحمك الله عملًا- بطلت صلاته؛ لأنه خاطبه، وإن قال: وعليه السَّلام. ويرحمه الله، أو اللهم سلم عليه وارحمه- لم تبطل صلاته؛ لأنه دعاءٌ؛ والصلاة محل الدعاء للمؤمنين.
ويستحبُّ الدعاء بين الأذان والإقامة؛ لما رُويَ عن أنس قال: قال رسول اللهﷺ- "لا يُرد الدُّعاء بين الأذان والإقامة".
فصلٌ: في الإقامة
روي عن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول اللهﷺ- مرتين، والإقامة مرة
[ ٢ / ٥٠ ]
مرة؛ غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.
والأذان مثنى مثنى، وهو تسع عشرة كلمة، على قول من يذهب إلى الترجيع، وعلى قول من لا يُرجِّع خمس عشرة كلمة.
والإقامة فرادى عند أكثر أهل العلم؛ وهي إحدى عشرة كلمة عند الأكثرين يقول في الابتداء: الله أكبر مرتين، وفي الانتهاء مرتين، ويقول: قد قامت الصلاة مرتين. هذا هو المذهب؛ وهو قوله الجديد.
وقال في القديم: يقول في الابتداء: الله أكبر مرة، وفي الانتهاء مرة، ويقولك قد قامت الصلاة مرة، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة، والثوري: الإقامة مثنى مثنى.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة. إن رجَّع في الأذان وثنَّى الإقامة، ومثله قول الشَّافعي؛ لما روي عن أبي محذورة؛ أنَّ النبيﷺ- علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.
فصلٌ في صفة المؤذن
روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤذِّن لكم خياركم، وليؤمَّكُم أقرؤكم".
ينبغي أن يكون المؤذّن عدلًا ثقة عارفًا بالمواقيت يحفظ على الناس أوقات صلواتهم،
[ ٢ / ٥١ ]
ويستحب أن يكون المؤذن صيتًا؛ لأن النبيﷺ- قال: لعبد الله بن زيد: ألقِ ما رأيت على بلال، فليؤذِّن؛ "فإنه أندى صوتًا منك".
وينبغي أن يكون حسن الصَّوت؛ لأنه أرق لسامعه، ويستحب أن يكون ممن جعل رسول اللهﷺ- أو أحد من الصحابة الأذان فيهم إذا كان مرضيًا؛ لأن النبيﷺ- لمَّا جعل الأذان بـ "مكة" إلى أبي محذورة أقرته الصحابة في أولاده.
ويستحب أن يكون المؤذِّن حرًا بالغًا؛ فلو أذَّن عبد أو صبي أو فاسق- يحسب أذانه؛ كما يصح إمامته، ولا يحسب الكافر ولا المجنون؛ لأنهما ليسا من أهل العبادة.
ولا يحسب أذان المرأة؛ لأنها لا تكون إمامًا للرجال، وكذلك الخنثى المشكل، وهل يحسب أذانُ السَّكران؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كالمجنون.
والثاني: يحسب إذا أتى به مرتَّبًا؛ لأنه مخاطب.
ويُكره أن يكون الأعمى مؤذِّنًا؛ لأنه يقع له الغلط في الوقت؛ فإن كان معه بصيرٌ يؤذّن قبله، أو يعلمه [بالوقت] فلا يكره؛ كما أنَّ ابن أم مكتوم كان يؤذِّنُ بعد بلال، ولا يؤذّن؛ حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
ويستحب أن يكون للمسجد مؤذنان، كما كان للنبيﷺ- بلال، وابن أم مكتوم الأعمى فإن كان أكثر، جاز.
ويستحبُّ ألّا يزيد على أربعة، ثم يؤذّن على الترتيب، إن كان في الوقت سعةٌ.
وإن كان فيا لوقت ضيقٌ، وقف كلُّ واحد في ناحية من المسجد، وأذَّن إن كان المسجد كبيرًا، وإن كان المسجد صغيرًا، فلا يؤذِّنُون معًا متفرقين، ولا بأس أن يقفوا معًا،
[ ٢ / ٥٢ ]
ويؤذنوا إن كان اختلاف أصواتهم لا يؤدِّي إلى التشويش، فإن أدى إليه، أذَّن واحدٌ منهم، فإن تنازعوا، يقرع بينهم؛ لما روي عن أبي هريرة﵁- أن رسول اللهﷺ- قال:- "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه- لا يستهموا عليه".
ثم إن أذنوا على الترتيب؛ فأسبقهم أذانًا أولاهم بالإقامة، وإن أذنوا معًا؛ فإن اتفقوا على إقامة واحد، وإلا أقرع بينهم. وإن أقاموا معًا، فلا بأس إن لم يؤدِّ إلى التشويش.
وقال في "الأم":- ولو أذَّن المؤذِّن الأوَّل، فخرج الإمام لم ينتظر أذان غيره، وإن خرج في خلال الأذان الثاني، قطع الأذان؛ لأن مراعاة أوَّل الوقت أولى من مراعاة حال الأذان الثاني، ولا يبطئ الإمام الخروج؛ ليفرغ المؤذن الثاني.
ويستحب أن يقيم من أذَّن؛ لما روي عن زياد بن الحرث الصُّدائيِّ قال: أمرني رسول اللهﷺ- أن أؤذن في صلاة الفجر؛ فأذَّنت، فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول اللهﷺ-: "إن أخا صداء قد أذَّن؛ ومن أذَّن، فهو يقيم".
[ ٢ / ٥٣ ]
فلو أذَّن واحدٌ، وأقام غيره، جاز؛ لما روي؛ أنَّ عبد الله لما ألقى الأذان على بلال، فأذن قال: أنا رأيته وأنا كنت أريده يا رسول الله. قال: "فأقم أنت".
ويستحب أن يكون المؤذِّن غير الإمام؛ لأن المؤذن يحتاج إلى انتظار القوم، والإمام يكون منتظرًا؛ فلا يكون منتظرًا.
فصلٌ: "في فضل الأذان، وثواب من احتسبه"
روي عن معاوية أن النبيﷺ- قال: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة".
وعن ابن عباس؛ أن النبيﷺ- قال: "من أذن سبع سنين محتسبًا، كتب براءةٌ من النار".
[ ٢ / ٥٤ ]
اختلفوا في أن الأذان أفضل، أم الإقامة؟.
منهم من قال: الإمامة أفضل؛ لأن النبيﷺ- اختار الإمامة. والثاني- وهو الأصح: أن الأذان أفضل؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- قال:- "الأئمة ضمناء، والمؤذِّنون أمناء؛ فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين".
[ ٢ / ٥٥ ]
فالنبيﷺ- جعل الإمام ضامنًا، والمؤذِّن أمينًا، وحال الأمين أحسن من حال الضمين، والدعاء بالمغفرة خيرٌ من الدعاء بالإرشاد.
والنبيﷺ- لم يختر الأذان؛ لأنه دعاء للجماعة والجماعة سنَّةٌ؛ فكانت تفترض بدعائه؛ لأن إجابته﵇- إذا دعا فريضة.
وقيل: إن وجد من نفسه كفاءة الإمامة؛ فالإمام في حقِّه أفضل، وإلا فالأذان أفضل.
ويستحب للمؤذِّن أن يتطوَّع بالأذان، فإن طلبه للرِّزق رزقه الإمام من مال المصالح؛ وهو خُمُس خُمُس الغنيمة والفيء سهم النبي ﷺ.
ولا يجوز أن يرزقه من أربعة أخماس خمس الغنيمة والفيء؛ لأنهما لأقوام مخصوصين؛ كما لا يجوز أن يرزقه من مال الصَّدقات. ولا يجوز أن يرزقه من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنها للغانمين وهل يجوز أن يرزقه من أربعة أخماس الفيء؟ فيه قولان إن جعلناها للمصالح جاز، وإن جعلناها للمرتزقة فلا، ولا يجوز للإمام أن يرزقه من مال بيت المال؛ وهو يجد أمينًا يتطوَّع بالأذان، فإن وجد متطوعًا، غير أن الذي يطلب الرزق أحسن صوتًا؛ هل يجوز أن يرزقه، أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ نظرًا لبيت المال.
والثاني: يجوز؛ لأن صوته أبعث للناس على الجماعة.
وإن كان في البلد مساجد؛ نظر؛ إن لم يكن جمعهم في مسجد واحد، يجوز أن يرزق عددًا من المؤذنين بقدر ما تقع بهم الكفاية. وإن أمكن جمعهم في مسجد واحد، فيه وجهان:
أحدهما: لا يرزق الكل؛ نظرًا لبيت المال؛ كما لو كان في مسجد مؤذنان، لا يرزق إلا واحدًا.
[ ٢ / ٥٧ ]
والثاني: يجوز أن يرزق الكل؛ حتى لا تتعطل المساجد.
هذا إذا رزقهم من بيت المال.
فأما إذا رزق الإمام من مال نفسه، أو واحد من عرض الناس، يجوز أني رزقهم جميعًا، وإن زادوا على قدر الكفاية، ويجوز مع وجود المتطوع، وهل يجوز الاستئجار على الأذان؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كالحج، وتعليم القرآن.
والثاني: وهو الأصح: لا يجوز؛ لأنه يعمل لنفسه، ونقعه يعود إليه؛ كما لا يجوز على الإمامة في الصلاة، ولا يجوز على القضاء؛ وإن كان يجوز أن يرزق القاضي من بيت المال.
فإن قلنا: يجوز، فإن استأجر الإمام من بيت المال لا يحتاج إلى بيان المدة، بل إذا قال: استأجرتك؛ لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا- جاز؛ وإن استأجر من مال نفسه، أو واحد من عرض الناس استأجره، هل يشترط بيان المدة؟ فيه وجهان:
أما الإقامة: فلا يجوز الاستئجار عليها؛ لأنه لا يلحقه فيها كلفة، وفي الأذان كلفةٌ؛ لمراعاة الوقت، وإذا استأجر للأذان تدخل الإقامة، والله أعلم بالصواب.
باب: استقبال القبلة
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
[ ٢ / ٥٨ ]
[البقرة: ١٤٩] والمراد بالمسجد الحرام: الكعبة؛ كما صرَّح به في آية أخرى، فقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] وروي عن ابن عباس قال: لما دخل رسول اللهﷺ- البيت دعا في ناحية ولم يصلِّ؛ فلما خرج، ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: "هذه القبلة".
[ ٢ / ٥٩ ]
لا يجوز لأحد أن يصلِّي فريضة، ولا نافلة، ولا صلاة جنازة، ولا أن يسجد لتلاوة أو شكر، إلا متوجهًا إلى الكعبة إلا في حالتين:
إحداهما: حال المقاتلة؛ إذا كان القتال مباحًا، يجوز ترك استقبال القبلة فيها في الفرض والنَّفل جميعًا.
الحالة الثانية: صلاة النافلة في السفر، يجوز متوجهًا إلى الطريق حال السَّير؛ راكبًا كان، أو ماشيًا، تستوي فيه السُّنن الرواتب وغيرها مما ليس بفرض.
لما روي عن ابن عمر قال: كان النبيﷺ- يصلي في السفر على راحلته؛ حيث توجهت به؛ يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض.
ويوتر على راحلته؛ وذلك لأن الإنسان قد يكون له أورادٌ ووظائف، ويحتاج إلى السفر لطلب المعاش؛ فيجوز له ذلك؛ حتى لا تنقطع أوراده.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز ذلك للماشي، ويجوز في السفر الطويل والقصير جميعًا؛ على الصحيح من المذهب.
وفيه قول آخر أنه لا يجوز إلا: في السفر الطويل؛ كقصر الصلاة، وبه قال: "مالك". ولا يجوز للمقيم؛ لأنه يمكنه أن يصلي متمكنًا، ثم إن كان المسافر ماشيًا، يجب عليه استقبال القبلة في ثلاثة مواضع:
عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند السجود، ويجب أن يسجد متمكنًا على الأرض؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، ويتشهد ماشيًا.
وهل يجب عليه استقبال القبلة عند السلام؟ فيه وجهان:-
[ ٢ / ٦٠ ]
أصحهما: لا يجب، كما في سائر الأركان.
والثاني: يجب؛ لأنه أحد طرفي الصلاة؛ كالافتتاح.
ولو وطئ نجاسة، تبطل صلاته. وإن كان يصلي على الدابة؛ أي دابة كانت، هل يلزمه أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة؟ قيل: لا يلزمه؛ كما يأتي سائر الأركان إلى الطريق، والصحيح: أنه ينظر إن كانت الدابة واقفة، يمكنه أن ينحرف عليها، وأن يدير رأسها إلى القبلة، أو كان في السير، لكن زمان الدابة بيده، يمكنه صرفها إلى القبلة، يفتتح إلى القبلة، ثم يأتي سائر الأركان إلى الطريق؛ لما روي عن أنس؛ أن رسول اللهﷺ- كان إذا سافر، وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته، وكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه.
[ ٢ / ٦١ ]
وإن كانت الدابة مقطورة لا يمكنه صرفها إلى القبلة، أو لم تكن مقطورة، ولكنها حرون يشقُّ عليه إدارتها، يفسح لها الطريق، ويومئ بالركوع والسجود إلى الطريق، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يجب وضع الجبهة على عرف الدابة، ولا على السرج والإكاف.
ويجب أن يكون ما يلاقي بدنه أو ثياب بدنه من الدابة والمتاع طاهرًا فإن كل السرج نجسًا؛ فألقى عليه ثوبًا طاهرًا- جاز، ولو بالت الدابة، أو وطئت نجاسة لا تبطل صلاته، وإذا ركض الدابة لا تبطل صلاته؛ لأنه لا يستغنى عنه.
ولو أعادها بغير عذر أو كان ماشيًا؛ فقعد بغير عذر هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:-
أصحهما: لا تبطل صلاته؛ لأنه أحدث أفعالًا من غير عذر.
ولو أخرج الدابة عن الطريق إلى جهة القبلة- لا تبطل صلاته، وإن أخرجها إلى غير القبلة متعمدًا، بطلت.
وإن كان ناسيًا ظن أنه ليس في الصلاة، أو كان مخطئًا ظن أن ذلك طريقة- لا تبطل صلاته إن لم يطل الفصل.
فإذا علم، رجع إلى الطريق، وأتم صلاته، وسجد للسهو، فإن طال الفضل، بطلت صلاته.
وإن جمحت الدابة؛ فخرجت عن الطريق إلى غير القبلة؛ نظر: إن ردها في الحال، تبطل صلاته، ولا سجود عليه، وإن لم يردها مع العلم والإمكان، بطلت صلاته، وإن تركها ناسيًا أو مخطئًا، أو غلبته دابته- لم تبطل صلاته، إلا أن يطول الفصل، فإذا رجع أتم
[ ٢ / ٦٢ ]
صلاته؛ قاله الشافعي﵀- ويسجد للسهو.
وقيل: لا يسجد؛ لأنه فعل الدابة، فإذا بلغ المنزل في خلال الصلاة، يجب أن ينزل فيتم الصلاة متمكنًا إلى القبلة، وكذلك إذا دخل بلد إقامة، أول ما يدخل البنيان، أو ينوي الإقامة- يجب أني نزل؛ فيتم الصلاة متمكنًا إلى القبلة، وإن دخل بلدًا مجتازًا، له أن يتم الصلاة راكبًا. فإن كان له بها أهل، هل يصير مقيمًا بدخولها؟ فيه قولان:
إن قلنا: يصير مقيمًا، يجب أن ينزل، فيتم الصلاة متمكنًا.
ولو كان يصلي على الأرض؛ فركب من خلال الصلاة يستأنف الصلاة نص عليه.
ولو افتتح الصلاة والدابة واقفة، ثم سيرها- جاز وإن كان المسافر على دابة في مهد يمكنه استقبال القبلة في جميع الصلوات- يجب عليه ذلك، إذا لم يشق عليه؛ كراكب السفينة يجب عليه أن يصلي إلى القبلة.
ويجوز سجود الشكر والتلاوة على الدابة متوجهًا إلى الطريق، ولا يجوز أداء الفريضة على الدابة متوجهًا إلى الطريق.
فلو كان عليها سرير يمكنه الوقوف عليه، وإتمام أركان الصلاة إلى القبلة؛ نظرٌ إن كانت الدابة واقفة، جاز، وإن كانت تسير، أو حمل السرير رجال، فساروا- ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما يجوز في السفينة.
الثاني: وهو الأصح-: لا يجوز، نص عليه في "الإملاء"؛ لأن سير الدابة منسوب إليه، بدليل أنه يجوز الطواف عليها؛ بخلاف السفينة؛ فإنها كالدار مقام فيها.
ولو صلى المنذورة على الدابة، أو سائرًا- ففيه قولان؛ بناءً على أن مطلق النذر على ماذا يعمل؟.
إن قلنا يحمل على أقل إيجاب الله تعالى، فلا يجوز، وإلا فيجوز، وكذلك ركعتا الطواف.
إن قلنا: فرض، لا يجوز سائرًا، وإلا فيجوز.
ولا يجوز لراكب السفينة أن يصلي النافلة حيث توجهت به كالفريضة.
ولو افتتح إلى القبلة فدارت السفينة دار مع السفينة إلى القبلة.
[ ٢ / ٦٣ ]
وإذا دخل على المسافر وقت الفريضة؛ فخاف الانقطاع عن القافلة نزل لأداء الفرض، أو خاف على ماله- صلى على الدابة، ثم أعاد إذا نزل.
"فصلٌ"
روي عن أبي هريرة، عن النبيﷺ- قال:- "ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ".
وأراد به مشرق الشتاء، ومغرب الصَّيف؛ لا يجوز تركُ استقبال القبلة في غير الحالتين اللتين ذكرناهما.
ثم لا يخلو: إما إن كان قريبًا من الكعبة، أو بعيدًا منها: فإن كان قريبًا منها؛ بأن كان في المسجد الحرام، أو في "مكة"- عليه أن يتوجه إلى عين الكعبة بجميع بدنه، فإن استقبلها ببعض بدنه، لم يجز.
وقيل: يجوز، ولا يصح.
[ ٢ / ٦٤ ]
ومعاينة الكعبة ليس بشرط؛ فإن صلوات أهل "مكة" في دورهم جائزة. وإن كانوا لا يرون الكعبة.
وإذا صلوا صلوا جماعة في المسجد الحرام، يستحب أن يقف الإمام خلف المقام، والقوم يقفون مستدرين بالبيت، وإن كان بعضهم أقرب إلى البيت من الإمام يجوز؛ فلو امتد الصفُّ خلفه، لا تصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة.
وعند أبي حنيفة: يصح؛ لأن عنده الجهة كافية، وتجوز الصلاة في الكعبة، ويتوجه إلى أي جهة شاء؛ ولو توجه إلى الباب والباب مردود، أو كان مفتوحًا لكن العتبة شاخصة، قدر مؤخرة الرحل- جاز، وإن كانت العتبة دون مؤخرة الرَّحل لم يجز ولو صلوا جماعة في البيت، واختلفت جهة الإمام والمأموم جاز؛ كيف ما وقفوا، إلا أن يجعل المأموم ظهره إلى وجه الإمام؛ فلا يجوز لأنه تقدم على إمامه في الجهة التي توجه الإمام إليها.
ولو وقف الإمام في البيت، والمأموم خارجًا متوجهًا إلى أي جهة كان- جاز.
ولو وقف الإمام خارجًا، والمأموم في البيت- جاز، ويتوجه إلى أي جهة شاء، إلا إلى الجهة التي يتوجه إليها الإمام؛ لأنه حينئذ يكون سابقًا عليه.
ولو صلى على ظهر الكعبة، لا يجوز، إلا أن يكون بين يديه شيء من بناء البيت؛ مثل: مؤخرة الرحل وقال ابن شريج: يجوز، وإن لم يكن بين يديه شيء من بناء البيت إذا وقف؛ بحيث يمكنه السجود؛ وبه قال أبو حنيفة؛ كما لو صلى على جبل أبي قبيس يجوز متوجهًا إلى هذا البيت.
قلنا: ثم لم يقف على مكان البيت، فعدّ مستقبلًا له، وإذا وقف على مكانه لا يعدُّ مستقبلًا له؛ حتى يكون بين يديه شيء من بنائه.
ولو وقف في آخر السطح، وتوجَّه إلى الطرف الآخر، وكان الجانب الذي وقف فيه أخفض من الذي استقبله جاز، ولو نبت على ظهر البيت شجرة أو زرع؛ فتوجه إليه- جاز، ولو غرز خشبة، لم يجز؛ على أصح الوجهين؛ كما لو وضع بين يديه متاعًا، لم يجز فإن كانت الخشبة مبنية فيه، أو مسمَّرة، جاز.
ولو انهدم البيت- والعياذ بالله- فوقف في عرصته، فهو كما لو صلى على سطحه، وإن كان بين يديه من بنائه قدر مؤخرة الرجل، أو جمع ترابه تلًّا؛ فتوجه إليه أو حفر حفرة، ووقف فيها- جاز، وإن لم يكن بين يديه شيء منه، لم يجز، ولو وقف وراء العرصة فتوجه إليه- جاز، وإن لم يكن بين يديه شيء ولو نقل تراب الكعبة أو الأبنية إلى موضع آخر، فبنى بيتًا فتوجه إليه لم يجز؛ لأن القبلة بكَّةٌ، وهي مكان البيت.
[ ٢ / ٦٥ ]
وإن كان المُصلَّى بأرض "مكة"، وبينه وبين الكعبة حائل واشتبه عليه؛ فهل له أن يجتهد؟ نظر: إن كان الحائل أصلًا؛ كالجبال، فله الاجتهاد، وإن لم يكن أصليًا؛ كالأبنية فعلى وجهين:
أحدهما: له الاجتهاد؛ لأن بينه وبينها حائلًا يمنع المشاهدة؛ كما في الحائل الأصلي.
والثاني: لا اجتهاد له؛ لأن فرصة الرجوع إلى العين فلا تتغير بالحائل الحادث، وإن كان غائبًا عن "مكة"؛ نظر: إن كان في قرية كبيرة فيها محاريب منصوبة إلى جهة، أو وجد محرابًا، أو علامة للقبلة في طريق هي جادة المسلمين، يجب أن يتوجه إليها، ولا يجوز له الاجتهاد في الجهة؛ لأن هذه العلامات كالنصب، أما في الانحراف يمنة، أو يسرة يجوز أن يجتهد مع هذه العلامات؛ كان عبد الله بن المبارك يقول بعد رجوعه عن الحج: تياسروا يا أهل مرو.
وكذلك لو أخبره مسلم مكلفٌ عدلٌ عن دليل: بأن قال: رأيت آبائي المسلمين، أو جماعة من المسلمين اتفقوا على هذه الجهة- عليه قبوله؛ سواء كان المخبر رجلًا، أو امرأة، أو عبدًا، وليس هذا تقليدًا، بل هو قبول الخبر من أهله؛ كما في الوقت لو أخبره عدلٌ: أني رأيت الفجر قد طلع، والشمس قد زالت- يجب قبول قوله؛ ولو أخبره كافرٌ، لا يقبل قوله، ولو أخبره صبيٌّ- حكى الخضري نصًا عن الشافعي؛ أنه لا يقبل، وحكى أبو زيد نصًا؛ أنه يقبل؛ فأخبر به الخضري، فقال المسألة على حالين؛ حيث قال: "يُقبل" أراد به إذا دلَّه على مِحراب، أو أخبر بدليل، وحيث قال: "لا يُقبل" أراد إذا أخبره باجتهاد.
وكان الشيخ القفال يجعل في قبول خبر الصبي وجهين أما خبر الفاسق لا يُقبل.
ولو دخل دار إنسان ولم يعرف القبلة، يستخبر صاحب الدار، ولا يجتهد.
ولو دخل مسجدًا بالليل، وكان أعمى، يمسُّ المحراب بيده؛ فصلى إليه جاز؛ فإن وجد في كل جانب حفرة لم يدر أنها المحراب، صبر حتى يتبين أو يخبره مخبرٌ؛ فإن خاف فوات الوقت، صلى إلى أي جهة شاء، ثم أعاد.
وإن كان في مغارة، أو في بلاد الشرك؛ فاشتبهت عليه القبلة- يجتهد لطلب القبلة. وكذلك لو رأى غلامًا في طريق يقل فيه مرور الناس، أو في طريق يمر فيه المسلمون والمشركون؛ فلا يدري من يصيبها، أو رأى محرابًا في قرية؛ لا يدري بناه المسلمون، أو المشركون، أو كان في قرية صغيرة للمسلمين اتفقوا على جهة؛ يجوز وقوع الخطأ لأهلها- فإنه يجتهد، والاجتهاد طلب القِبلة بالدليل ودلائل القِبلة: الشمس والقمر والنجوم والرياح؛ فأوهاها الرِّيحُ؛ لأنها تختلف، وأقواها القُطب؛ وهو نجم صغير من بنات النَّعش الصُّغرى
[ ٢ / ٦٦ ]
بين الفرقدين والجدي؛ لأنه لا يزول؛ فيجعله المصلِّي في بلادنا خلف أذنه اليمنى. ومعرفة دلائل القِبلة فرضٌ على العين، أم فرض على الكفاية؟ فيه قولان.
أصحهما: فرض على العين؛ يجب على كل بصير أن يتعلمها؛ لأنها تحصل في ليال ذوات عدد، بخلاف تعلُّم العلم كان فرضًا على الكفاية؛ لأنه لا يحصل إلا بأن يجعل معظم عمره فيه؛ والمطلوب بالاجتهاد عين الكعبة؛ على ظاهر المذهب.
وفيه قول آخر: المطلوب جهتها.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الكعبة حرمٌ صغير مستحيل يتوجه إليها أهل الدنيا. والأول أصحُّ؛ لأن الحرم الصغير كلما ازداد القوم عنه تباعدًا، ازدادوا له محاذاة؛ مثل غرض الرُّماة، والخط وسط الدائرة.
وقال أبو حنيفة: المشرقُ قبلةُ أهل المغرب، والمغرب قبلة أهل المشرق، والجنوب قبلةُ أهل الشمال، والشمال قبلة أهل الجنوب.
وقال مالك: الكعبة قبلةُ أهل المسجد، والمسجد قبلة أهل "مكة" و"مكة" قبلة أهل الحرم، والحرمُ قبلة أهل الدنيا.
فصل: [الاشتباه في القبلة والاجتهاد فيها]
الأعمى إذا اشتبهت عليه القبلة ففرضه التقليد؛ وهو أن يسأل بصيرًا؛ فيأخذ بقوله؛ لأنه ليس له آلة المعرفة؛ فإن لم يجد من يقلده، يصلِّي على التخمين ثم يعيد، وإن وافق القِبلة.
وأما البصير فينظر فيه، إن كان عالمًا بدلائل القِبلة لم يجز له التقليد، بل عليه أن يجتهد، حتى لو صلَّى بالتقليد، يجب عليه الإعادة، وإن خاف فوت وقت الصَّلاة إن اشتغل بالاجتهاد يصلِّي لحقِّ الوقت على التخمين، ثم يجتهد، ويعيد الصلاة.
وقال ابن سريج: يجوز له التقليد، إذا خاف فوات الوقت، وكان إذا ضاق به الوقت يقلد الملاحين في أمر القبلة، والتقليد: هو أن يخبره ذلك الرجل عن الاجتهاد، فيأخذ به.
فأما إذا أخبره بمحل القُطب، أو بمنزل من منازل القمر، وهو عالمٌ به فالأخذ به لا يكون تقليدًا، بل هو قبول الخبر ممن يلزمه قبول خبره؛ كما لو أخبره بطلوع الفجر، يجب عليه قبول قوله، وإن كان البصير جاهلًا بدلائل القِبلة، هل له التقليد، أم لا؟.
[ ٢ / ٦٧ ]
وجهان بناء على أن معرفة دلائل القِبلة فرضٌ على العين أم على الكفاية؟.
إن قلنا: فرضٌ على الكفاية، له أن يقلِّد.
وإن قلنا: فرض على العين، ليس له أن يقلد، بل يتعلم في الوقت. وإن لم يمكنه في الوقت، يصلي على التخمين، ثم يعيد إذا عرف الدليل، واجتهد، أو وصل إلى النصيب وإن كان البصير، بحيث لو عرف لا يتعرف، فهو كالأعمى، وإن كان عالمًا بالدليل؛ غير أنه كان يوم غَيْمٍ، خفيتْ عليه الدَّلائلُ قال في موضع: هو كالأعمى.
وقال في موضع: ومن دلَّهُ من المسلمين- وكان أعمى وسعه اتباعه، ولا يسع بصيرًا خفيت عليه الدلائل اتباعه.
فمن أصحابنا من جعل على قولين.
أحدهما وهو اختيار المزني: له أن يقلد؛ كالأعمى.
والثاني: لا يجوز له التقليد؛ لأنه معه آلة الاجتهاد؛ بخلاف الأعمى، بل يصلِّي على التخمين، ثم يعيد. ومنهم من قال- وهو الأصحُّ-: ليس له التقليد قولًا واحدًا، وحيث قال: هو كالأعمى لم يرد به في جواز التقليد، بل أراد به كالأعمى إذا لم يجد من يقلِّده، يصلي، ثم يعيد.
ومن كان محبوسًا في موضع لا يمكنه فيه الاجتهاد- حكمه حكم من خفيت عليه الدلائل؛ فحيث جوَّزنا له التقليد، فإنما يجوز أن يقلِّد مسلمًا مكلَّفًا عدلًا عالمًا بالدلائل؛ رجلًا كان أو امرأة أو عبدًا.
ولا يجوز أن يقلِّد مشركًا، ولا صبيًّا، ولا فاسقًا.
ولو اجتهد رجلان، فأدَّى اجتهاد كلِّ واحد منهما إلى جهة أخرى، غير جهة صاحبه- لا يجوز لأحدهما أن يقتدي بالآخر؛ لأن عند كل واحد منهما أنَّ صاحبه مخطئ.
ولا يجوز أن يقتدي بمن هو عنده أنه مخطئٌ، ولو أدى اجتهادهما إلى جهة واحدة، واختلفا في الانحراف يمنة ويسرة، فلا يجوز لأحدهما أن يوافق صاحبه في الانحراف.
وهل يجوز اقتداء أحدهما بالآخر؟ فيه وجهان.
أحدهما: وهو قول الأكثرين: يجوز؛ لأنه مخالفة يسيرة؛ كالاختلاف [في الفروع]، لا يمنع من جواز الاقتداء.
[ ٢ / ٦٨ ]
والثاني: لا يجوز؛ لأنه مخالفة ظاهرة في جميع الصَّلوات؛ بخلاف الاختلاف في الفروع؛ لأن تلك المخالفة غير ظاهرة.
فصل
إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى، وأراد قضاء فائتة- فقد قيل: لا يلزمه أن يجتهد ثانيًا، بل يصلي بالاجتهاد الأول؛ لأنه ثبت أن تلك الجهة قِبلةٌ؛ فله أن يصلي إليها ما لم يتبيَّن خلافه.
والمذهب: أنه يجب أن يجتهد.
ثانيًا؛ حتى لو صلَّى إلى الجهة الأولى بلا اجتهاد، يجب عليه الإعادة؛ لأن كل صلاة بمنزلة حادثةٌ أخرى؛ فتقتضي اجتهادًا جديدًا.
قال الشيخ إمام الأئمة: وإن صلى بالاجتهاد الأوَّل بعد الفريضة ما شاء من النوافل، يجوز؛ فإذا اجتهد للصَّلاة الثانية؛ فأدَّى اجتهاده إلى جهة أخرى- نظر؛ إن كان الدَّليل الثاني دون الأوّل، صلّى إلى الجهة الأُولى، ولا إعادة عليه.
وإن كان أوضح من الأول، صلَّى إلى الجهة الثانية، ولاء المادة عليه، حتى لو صلَّى أربع صلوات بأربع اجتهادات إلى أربع جهاتٍ- لا يجب إعادة شيء منها، وإن تيقنَّا الخطأ في ثلاث منها؛ لأن لكل واحد حكمًا مضى بالاجتهاد؛ فلا ينتقض بغير الاجتهاد، كالقاضي إذا تغير اجتهاده بعدما قضى بالاجتهاد؛ فلا ينقضه إلا بنصٍّ يخالفه.
وإن كان الدَّليل الثاني مثل الأول، يصلِّي الصَّلاة الثانية إلى أي جهتين شاء، ثم يعيده؛ لتردده حالة الشروع فيها، ولا يصلِّي هذه الصلاة إلى جهة ثالثة غير الجهتين الأوليين؛ لأن اجتهاده أبطل الجهتين الأخريين؛ فلا يجب إعادة الصَّلاة الأولى.
وأما إذا تغير اجتهاده في خلال الصلاة- نظر: إن كان الدليل الثاني دون الأول أو مثله، لا يتحول، بل يتم صلاته إلى تلك الجهة، ولا إعادة عليه؛ لأن التردُّدَ حدثَ في خلال الصلاة ولم يكن له تردُّدٌ حالة الشروع.
وإن كان الدليل الثاني أوضح من الأول، عليه أن يتحول في الحال ويبني على صلاته، على أصح الوجهين، حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات- لا يجب عليه الإعادة؛ كالصلوات، لأن لو ألزمناه الاستئناف، نقصتا ما أدى من هذه الصلوات بالاجتهاد؛ والاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد.
[ ٢ / ٦٩ ]
وفيه وجه آخر: أنه يستأنف الصلاة؛ لأنها صلاة واحدة؛ فلا يمكن تصحيحها باجتهادين مختلفين؛ كالحادثة الواحدة، لا يتصور إمضاؤها باجتهادين مختلفين، وليس كالحكم؛ لأن الحكم قول الحاكم: حكمت، ولا يتصور تغير الاجتهاد في أثنائه، وإنما يتغير قبله أو بعده؛ فإن تغير قبله، لزمه الحُكم بالاجتهاد الثاني، وإن تغير بعده، فقد أتم الحكم، ولا ينقص الاجتهاد بالاجتهاد، كما لو تغير اجتهاده ها هنا بعد الفراغ من الصلاة.
أما في الصلاة يتصور تغير الاجتهاد في أثنائها، ففي إلزامه الاستئناف إبطال ما مضى من صلاته ولم يجز.
فوزان الحكم من الصلاة أن يأتي بما لا يقع عليه اسم الصلاة بأن يقول: الله؛ فقبل أن يتم التكبير، تغير اجتهاده- يلزمه أن يبتدئ التكبير إلى الجهة الثانية.
ولو اجتهد جماعة، وأدى اجتهادهم إلى جهة واحدة؛ فصلوا جماعة، واقتدوا بواحد منهم، ثم تغير اجتهاد بعضهم- نظر: إن تغير اجتهاد واحد من المأمومين، يتحوَّل، ويخرج عن متابعة الإمام.
ثم قال الشافعي: القياس: أنه كالمسألة الأولى؛ منهم من قال: أراد به في جواز البناء، وفيه قولان؛ فيكون حكمه حكم من خرج عن صلاة الإمام بالعذر؛ لأنه لم يتغير اجتهاده.
ومنهم من قال: ها هنا يجوز البناء قولًا واحدًا؛ وهو الأصح؛ لأنه لم يفارق الإمام، بل فارقه الإمام؛ فحيث قال الشافعي كالمسألة الأولى، أراد: في أنه لا يتابعه، بل ينوي مفارقته، ويتم الصلاة منفردًا.
هذا كله في تغير الاجتهاد.
أما إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم بان، له يقين الخطأ- هل يجب [عليه] الإعادة؟.
[ ٢ / ٧٠ ]
فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد-: تجب الإعادة؛ كالقاضي إذا قضى بالاجتهاد، ثم بان النص بخلافه، يجب عليه نقض قضائه.
وقال في القديم- وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني-: لا تجب الإعادة؛ لأنه كلف الاجتهاد، وقد أدى ما كلف؛ ولا فرق بين أن يتبين له يقين الخطأ مع يقين الصواب، أو دون يقين الصواب.
وقيل: القولان فيما إذا بان له يقين الخطأ مع يقين الصواب؛ فإن بان يقين الخطأ دون يقين الصواب، لا يجب عليه الإعادة؛ لأنه لا يأمن من وقوع مثله في القضاء.
وإن بان له الخطأ في خلال الصلاة، ففي الجديد: يجب الاستئناف.
وفي القديم: وجهان؛ كما لو تغير اجتهاده في خلال الصلاة.
وإذا بان الخطأ في الانحراف والجهة واحدة، فلا إعادة عليه، وإن كان في خلال الصلاة، ينحرف ويبني؛ لأن الانحراف القليل يعفى عنه؛ كالالتفات في الصلاة لا يبطل الصلاة؛ ولأن يقين الخطأ لا يتبين على بعد المسافة في الانحراف، فإن قربت المسافة من "مكة"، وتيقن الخطأ في الانحراف حينئذ- يبنى على أن الفرض إصابة العين، أم إصابة الجهة؟
فإن قلنا: إصابة الجهة، لا يجب الاستئناف.
وإن قلنا: إصابة العين، فيكون على قولين؛ كما لو تيقن الخطأ في الجهة.
فكل موضع أوجبنا عليه الإعادة، فالأعمى الذي صلى بتقليده، يجب عليه الإعادة.
وإذا انحرف، فالأعمى ينحرف معه، وعلى الأعمى أن يجدد التقليد لكل فريضة.
وإذا اختلف على الأعمى اجتهاد رجلين يستحب أن يقلد أوثقهما وأبصرهما؛ فإن قلد الآخر، جاز؛ لأنه مجتهد.
قال الشيخ الإمام إمام الأئمة: هو بمنزلة العامي إذا اختلف عليه اجتهاد مفتيين، ففي وجه: يجب أن يأخذ بقول الأعلم.
والثاني: بأيهما شاء.
وإن شرع الأعمى في الصلاة بدلالة رجل، فقال له آخر: أخطأ بك فلان نظر: إن أخبره الأول عن يقين، لا يلتفت إلى قول الثاني، وإن كان الثاني يخبره عن يقين، عليه أن يتحول، ويسأنف؛ على المذهب الصحيح؛ كما لو بان يقين الخطأ.
[ ٢ / ٧١ ]
وإن أخبره كل واحد عن اجتهاد؛ نظر: إن كان الثاني دون الأول أو مثله، لم يتحول، ولا إعادة عليه، وإن كان أعدل من الأول، أو أهدى إلى القبلة- عليه أن يتحول، ثم يبني، أم يستأنف؟ فعلى الوجهين.
وإن لم يعلم أيهما أعلم، فهو كما لو كان مثل الأول لا يتحول، وإن أخبره بعد الفراغ بعد الصلاة، لا يجب عليه الإعادة، وإن كان الثاني أعلم من الأول؛ كما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة.
ولو شرع الأعمى في الصلاة بالتقليد؛ فرد الله إليه بصره في خلالها- يجتهد؛ لأنه صار من أهل الاجتهاد؛ فلا يجوز البناء على التقليد.
فإن أدى اجتهاده إلى هذه الجهة، مضى في صلاته، وإن أدى إلى جهة أخرى، يتحول ثم هل يبني، أو يستأنف؟ فعلى الوجهين.
وإن احتاج إلى كثير نظر في الاجتهاد، يجب الاستئناف؛ كالعُريان يجد الثوب؛ وهو بعيد عنه، تبطل صلاته.
ولو شرع بصير في الصلاة بالاجتهاد فكف بصره في خلالها؛ فجاء رجل فقال: أخطأت- نظر: إن كان ثقة، ويخبره عن نظر، عليه أن يتحول، ويستأنف الصلاة؛ على ظاهر المذهب، وإن كان يخبره عن اجتهاد، لا يدع اجتهاده باجتهاد غيره، فإن استدار عنها، أو أدار غيره، بطلت صلاته؛ فعليه أن يرجع إلى قول الغير. والله التوفيق.
باب صفة الصلاة
قال الله تعالى:- ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] الإخلاص: عمل القلب؛ وهو النية.
وقال رسول اللهﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" الصلاة لا يصح إلا بالنية، ومحلها القلب؛ فلو لم يتلفظ بلسانه، جاز ولو تلفظ، ولم ينو بالقلب، لم يجز، ويجب أن ينوي حالة التكبير.
فلو ابتدأ بالنية بعدما أتى بشيء من التكبير- لم يجز، فلو نوى قبل التكبير، واستدام بقلبه إلى أن فرغ التكبير- صح، وعزوبها بعده لا يمنع الجواز؛ لأنه يشق عليه حفظها إلى آخر الصلاة.
ولو عزبت نيته قبل أن يبتدئ همزة التكبير، لم يجز، ولو قرن بهمزة التكبير، ثم
[ ٢ / ٧٢ ]
عزبت قبل الفراغ من التكبير- ففيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن انعقاد الصلاة يكون بالفراغ من التكبير، فيشترط اقتران النية به؛ كالشهود في النكاح يشترط حضورهم إلى الفراغ من الإيجاب والقبول.
والثاني: يصح؛ لأن استصحاب النية تكريرها، ولا يشترط تكرير النية بعدما قرنها بابتداء الصلاة؛ كما لا يشترط ذكرها في سائر الأركان.
ومن أصحابنا من قال: يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان؛ بحيث يكون فراغه منها مع الفراغ من التكبير وهذا لا يصح؛ لأن التكبير من الصلاة؛ فلا يصح الإتيان بشيء منه قبل كمال النية.
وعند أبي حنيفة: إذا قدم النية على التكبير بزمان يسير- جاز أما كيفية النية: نظر: إن كانت الصلاة إحدى الفرائض الخمس، يجب عليه ثلاث نيات: فعل الصلاة، والفريضة، والتعيين؛ فيقول: نويت أن أصلي فرض الظهر، أو نويت أداء فرض صلاة العصر، أو شرعت فرض صلاة المغرب؛ ينوي الصلاة؛ لتمتاز العبادة عن العادة، وينوي الظهر؛ ليمتاز عن العصر، وينوي الفرض؛ ليمتاز عن النفل. وهل يشترط نية الوقت؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ كاليوم.
والثاني: يشترط؛ ليمتاز الأداء عن القضاء.
ولو ترك نية الفرض؛ فقال: نويت أداء صلاة الظهر، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الظهر لا يكون إلا فرضًا.
والأصح: أنه لا يجوز؛ لأن من صلى [فرض] الظهر وحده، ثم صلاها جماعة فالثانية ظهر، وليس بفرض. ولو قال: نويت أن أصلي فرض الوقت، لا يغني عن ذكر الظهر؛ على أصح الوجهين؛ لأن من قضى فائتة في هذا الوقت؛ فهو وقتها بقول الرسول ﷺ: وليس بظهر، ولا يشترط نية عدد الركعات، ولا تعيين اليوم؛ لا في الأداء.
ولا في القضاء؛ حتى لو فاتته صلوات الظهر؛ فإنه ينوي كل مرة قضاء فرض صلاة الظهر، فلو نوى أول ظهر فاته، أو آخر ظهر فاته فحسنٌ. فلو أخطأ في عدد الركعات، لا يصح؛ لأن الظهر لا يكون ركعة، ولا ثلاث ركعات، فهو لم ينو أداء ما عليه؛ ولو عين اليوم، وأخطأ، صح في الأداء.
[ ٢ / ٧٣ ]
أما في القضاء إذا كان عليه صبح يوم السبت؛ فنوى قضاء صبح يوم الأحد- لم يجز؛ لأنه لم ينو قضاء ما عليه؛ بخلاف الأداء؛ لأن معرفته بالوقت تلغي خطأ اليوم، ولا يجب نية القضاء والأداء، حتى لو قال: نويت أداء فرض صلاة الصبح التي فاتتني، أو في ذمتي، أو قال لصلاة الوقت؛ نويت قضاء فرض صلاة صبح الوقت- يجوز؛ لأن معناهما واحد.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] وأراد به الأداء. ويقال: قضيت دين فلان، وأديته بمعنى واحد.
وقيل: لا يجوز أن يقضي الفائتة بنية الأداء؛ حتى يعيد بالقضاء، أو ينوي أن يصلي صلاة ظهر مفروضة فاتته. والأول أصح؛ لأن الشافعي﵀- قال من صلى يوم الغيم بالاجتهاد؛ فوافق بعد الوقت أنه يجزئه قضاء وإن كان عنده أنه يصلي في الوقت، وفي صلاة الجمعة ينوي أن يصلي فرض الجمعة مقتديًا بالإمام، ويصح بهذه النية؛ سواء قلنا: الجمعة ظهر مقصور، أو فرض آخر.
ولو نوى الظهر المقصور، لا يصح على قولنا إنها فرض آخر، وإن قلنا: ظهر مقصور، جاز.
وفي السنن الرواتب يشترط ثلاث نيات؛ كما ذكرنا في الفرض؛ يقول: نويت أن أصلي سنة الظهر، أو سُنة العصر، وفي الصبح وفي الوتر يقول: أن أصلي سُنة الصبح وسُنة الوتر؛ ولا يضيفه إلى العشاء، وفي التراويح يقول: نويت أن أصلي التراويح ويعين النية في صلاة العيد والخسوف والاستسقاء؛ فيقول نويت أداء سنة صلاة عيد الفطر، أو الأضحى، أو سنة صلاة الخسوف، أو الاستسقاء.
أما النوافل لا سبب لها تجوز بنية مطلقة؛ فيقول: نويت أن أصلي، ثم إن نوى عددًا لا يزيد عليه، ولا ينقص إلا بعد تغيير النية، وإن لم ينو عددًا، صلى ما شاء ويستحب أن يسلم عن شفع، ويجب على المأموم نية الاقتداء بالإمام، أو نية الجماعة؛ فلو ترك نية الاقتداء بالإمام، أو نية الجماعة، أو ترك نية الاقتداء- انعقدت صلاته منفردًا؛ فلو تابع الإمام في أفعاله، بطلت صلاته.
ولا يجب تعيين الإمام؛ فلو عين وأخطأ؛ بأن نوى الاقتداء بـ "زيد"، فإذا هو "عمرو"- لا تصح صلاته؛ كما أن تعيين الميت في صلاة الجنازة ليس بشرط، فلو عين وأخطأ، لا تصح.
[ ٢ / ٧٤ ]
ولا يجب على الإمام نية الجماعة إلا لحيازة الفضيلة؛ لأن صلاته غير متعلقة بصلاة المأموم؛ حتى لو شرع في الصلاة وحده؛ فاقتدى به إنسان- تصح صلاة المقتدي، ويجوز فضيلة الجماعة، ولا يحصل للإمام فضيلة الجماعة، إلا أن ينوي في أثناء الصلاة؛ فيجوز الفضيلة.
وكان القاضي الإمام حسين يقول: يجب في صلاة الجمعة على الإمام نية الإمامة؛ لأن الإمام لا تحصل له الجمعة إلا بالقوم، كما لا يحصل للقوم إلا بالإمام.
ولو شك المأموم في نية الاقتداء؛ نظر: إن تذكر قبل أن يحدث فعلًا على متابعة الإمام أنه قد نواه صحت صلاته، وإن أحدث فعلًا على متابعته قبل التذكر، بطلت صلاته، لأن حالة الشك في حكم الانفراد، والمنفرد لا يجوز له أن يتابع في الصلاة غيره؛ حتى لو وقع له هذا الشك في التشهد الأخير، لا يجوز أن يقف سلامه على تسليم الإمام.
ولا يصح الاقتداء بإمامين؛ لأنه لا يمكنه متابعتهما؛ لاختلافهما في الأفعال.
ولو اقتدى بأحدهما لا بعينه، لم يجز، وكذلك لو اقتدى بمن هو مقتد بغيره، لم يجز.
ولو رأى رجلين واقفين: أحدهما بجنب الآخر يصليان جماعة، ولا يدري أيهما الإمام- لا يجوز أن يقتدي بأحدهما؛ حتى يتبين له الإمام؛ فإن اقتدى بمن ظنه إمامًا؛ بأن كان على يمين القبلة، ثم بان بعد الفراغ أنه كان مأمومًا- تجب عليه الإعادة، ولو اشتبه الأمر على الواقفين، نظر: إن كان عند كل واحد منهما أنه مأموم، فصلاتهما باطلة؛ لأن كل واحد مقتد بمن يعتقد أنه مقتد به؛ وكذلك إن كان كل واحد منهما شاكًا؛ لا يدري أنه إمام أو مأموم فصلاتهما باطلة؛ وإن كان عند كل واحد أنه إمام، صحت صلاتهما؛ لأن الإمام في حكم المنفرد، وإن كان أحدهما شاكًا دون الآخر، فصلاة الشاك باطلة، أما غير الشاك إن كان يظن أنه إمام تصح صلاته، وإن كان يظن أنه مأموم لا تصح، وإذا شك في صلاته، أنه هل نوى، أم لا؟
نظر: إن تذكر قبل أن أحدث فعلًا، أو أتى بركن- صحت صلاته، وإن تذكر بعد أن أحدث فعلًا على الشك؛ بأن كان قائمًا فركع، أو راكعًا فرفع رأسه- بطلت صلاته.
ولو قرأ "الفاتحة" على هذا الشك، بطلت صلاته؛ نص عليه.
وقيل: لا تبطل صلاته؛ لأن حكم الذكر أخف من حكم الفعل؛ بدليل أنه لو كرر
[ ٢ / ٧٥ ]
الفاتحة لا تبطل صلاته، ولو كرر ركوعًا أو سجودًا تبطل صلاته.
قال الشيخ إمام الأئمة ﵀: ولو قرأ التشهد على هذا الشك، فهو كما لو قرأ الفاتحة، ولو سكت قليلًا؛ ليتذكر، لا تبطل صلاته؛ وإن طال سكوته، فيه وجهان:
أصحهما: تبطل صلاته، وهذا بخلاف المسافر إذا شك في نية القصر، ثم تذكر في الحال، يلزمه الإتمام؛ لأنه تأدى جزء من صلاته على التمام؛ لأن حالة الشك كحالة عدم النية، وإذا تأدى جزء من صلاته على التمام وإن قل، يلزمه الإتمام؛ كما لو اقتدى بمقيم لحظة، يلزمه الإتمام؛ ها هنا نجعل زمان الشك كأنه مشتغل بغير الصلاة؛ فيكون كمن فعل فعلًا يسيرًا في الصلاة لا تبطل به صلاته.
ولو نوى الخروج عن الصلاة أو ترك النية أو رددها بين الخروج وعدم الخروج، بطلت صلاته. ولو نوى أنه سيخرج إن دخل فلان؛ هل تبطل صلاته في الحال، أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: تبطل؛ كما لو شرع في الصلاة على هذه النية لا تنعقد صلاته.
والثاني: لا تبطل ما لم يدخل فلان؛ بخلاف الشروع؛ لأن التردد يمنع انعقاد الصلاة، وهذا بخلاف ما لو قال: إن دخل فلان، تركت الإسلام- كفر في الحال؛ لأن الخروج عن الإسلام غير مباح بحال، والخروج عن الصلاة في الجملة مباح.
ولو نوى صائم الخروج عن الصوم، أو ترك النية، هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أصحهما: تبطل؛ كالصلاة.
والثاني: لا تبطل؛ بخلاف الصلاة؛ لأنها أفعال تباشر، فلا يصير عبادة إلا بالنية، وما أتى به بعد رفض النية عمل بلا نية؛ فلم يصح، والصوم مجرد كف، وبرفض النية لم يرتفع الكفُّ، وكذلك المعتكف إذا نوى الخروج عنه، ولم يخرج عن المسجد؛ هل يبطل اعتكافه؟ فيه وجهان.
ولو نوى الصائم؛ أنه سيخرج إن جاء فلان، فلا يبطل صومه؛ وإن جاء فلان، هل يبطل؟ فيه وجهان.
ولو شرع في صلاة الظهر، ثم صرف النية إلى العصر- بطل ظهره، ولا يصير عصرًا .. وهل يبقى نفلًا؟ فيه قولان:
أحدهما: تبطل؛ كما لو ترك أصل النية.
[ ٢ / ٧٦ ]
والثاني: تبقى نفلًا؛ لأنه ترك صفة النية لا أصلها، ويجوز أداء النفل بمطلق النية، وكذلك لو صرف نية الفرض إلى التطوع، أو نية السُّنة إلى الفرض لا يكون فرضًا ولا سُنة، وهل يحصل نفلًا؟ فيه قولان.
ولو كانت عليه فائتتان: ظُهر وعصر؛ فشرع في إحداهما، ثم شك في معقوده- نظر: إن تذكَّر قبل أن أحدث فعلًا، حصل له معقودة، وإن لم يتذكر؛ حتى أحدث فعلًا لا تحسب عن واحدة منها. وهل يبطل، أم يكون نفلًا؟ فيه قولان.
وعلى هذا لو افتتح فريضة، فكبَّر هاويًا إلى الركوع، فأتى ببعض حروف التكبير في حال الانحناء، أو افتتح فريضة قاعدًا مع القدرة على القيام، لا تنعقد فرضًا؛ وهل تنعقد نفلًا؟ فيه قولان.
وكذلك المريض إذا كان يصلي قاعدًا للعجز؛ فقدر على القيام؛ فلم يقم- بطل فرضه. وهل يبقى نفلًا؟ فيه قولان:
المنصوص: أن صلاته تبطُل، وكذلك لو احرم بالظُّهر قبل الزوال؛ هل ينعقد نفلًا؟ فيه قولان:
المنصوص: أنه ينعقد نفلًا.
ولو شرع في صلاة الظهر؛ فصلى ركعة ثم في الثانية ظن أنه عصر، وتذكر في الثالثة؛ صح ظهره، ولا يضره توهمه في الثانية؛ أنه عصر؛ لأن ما لا يجب أصل نيته، فالخطأ فيه لا يضر؛ كما أن الإمام ليس عليه نية اقتداء القوم به؛ وإذا نوى إمامه جماعة؛ فاقتدى به غيرهم- جاز؛ كذلك ليس عليه أن ينوي في خلال الصلاة تعيينها من ظهر أو عصر؛ فإذا توهم أنه عصر، فإذا هو ظُهر- لا يضر.
قال الشيخ﵀-: عندي فيه إشكال ينبغي ألا يحسب ما أتى به على اعتقاد أنه عصرٌ؛ لأنه وإن لم يكن تعيُّن النية في خلال الصلاة، فاستدامة حُكمه واجب؛ فإذا أخطأ في الدوام، فقد بطل حكم استدامته؛ ألا ترى أن ما لا يشترط أصل نيته، فالشك فيه لا يمنع الجواز، وفي خلال الصلاة فعل أصل النية ليس بشرط.
ثم لو شك في أصل النية، وأتى بفعل على الشك- بطلت صلاته؛ لأن استدامة حكمه شرط وإن لم يكن أصل النية شرطًا.
[ ٢ / ٧٧ ]
وسئل القاضي﵀- عمن شرع في ركعتي الفجر؛ فقنتّ؛ ظانًا أنه في فرض الصبح، فلما سلَّم تذكر. قال: صلاته باطلة؛ لأنه في الحقيقة شكَّ في أصل النية؛ أنه نوى الفرض، أو النفل، وقد أحدث أفعالًا قبل التذكُّر.
فصلٌ: في التكبير
روي عن علي﵁- أن رسول اللهﷺ قال: "مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
لا تنعقد الصلاة إلا بالتكبير؛ وهو أن يقول: الله أكبر؛ ولو قال: الله الأكبر، ينعقد. وعند مالك: لا ينعقد. ولو قال: الله أكبر، أو الله العظيم، لا ينعقد؛ لأن التعظيم بالكبرياء على وجه المبالغة لم يوجد.
[ ٢ / ٧٨ ]
وعند أبي حنيفة: ينعقد بكل اسم من أسماء الله- تعالى- إلا أن يذكره على سبيل
[ ٢ / ٧٩ ]
الدعاء، أو النداء. فالدعاء: كقوله: اللهم، والنداء، كقوله: يا الله. قال: لا تنعقد به الصلاة والحديث حُجة عليه؛ فإن النبيﷺ- جعل التحريم بالتكبير.
ولو قال: الله أكبر كبيرًا، ينعقد؛ لأنه أتى بالتكبير، ثم ضم إليه زيادة ذكر، والصلاة محل الذكر. وكذلك لو قال: الله أكبر وأعظم وأجل، أو قال: الله أكبر من كل شيء، ينعقد.
ولو قال: الله الكبير الأكبر، لا ينعقد. ولو قال: الأكبر الله، أو أكبر الله: ظاهر كلامه في "الأم يدل على أنه لا يجوز. ولو قال عند التسليم: وعليكم السلام: نص على أنه يجوز؛ فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ترك الترتيب؛ كما لو ترك الترتيب في "الفاتحة".
والثاني: يجوز؛ لأنه ليس من المعجز؛ فهو كما لو ترك الترتيب في التشهد يجوز. ومنهم من فرق بينهما؛ وهو الأصح قال: الأكبر الله لا يجوز؛ لأنه مأمور بالتكبير؛ وذلك لا يعرف تكبيرًا.
وإذا قال عند التسليم: وعليكم السلام، يجوز؛ لأنه مأمور بالتسليم، ويعرف ذلك تسليمًا.
ولو مد التكبير بين "اللام" و"الهاء" في كلمة "الله" يجوز؛ ولم مد في موضع آخر. لم يجز.
والتكبير والتسليم من الصلاة.
وقال أبو حنيفة: ليسا من الصلاة، بل التكبير للشروع؛ والتسليم للخروج. وفائدته: أنه لو كبَّر مع الزوال عنده يجوز.
وقال صاحب "التلخيص": لو كبَّر أربع مرات يدخل في الصلاة بالأوتار، ويخرج بالأشفاع؛ وهذا إذا نوى بكل تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم ينو الخروج عن الصلاة بين كل تكبيرتين؛ فبالأولى شرع في الصلاة، وبالثانية يخرج، وبالثالثة شرع، وبالرابع يخرج؛ لأن من شَرَع في صلاته، ثم نوى افتتاح الصلاة بطلت صلاته. ولو نوى الخروج بين كل تكبيرتين، فبالنية يخرج، وبالتكبير يشرع. ولو لم ينو بالتكبيرة الثانية والثالثة افتتاحًا،
[ ٢ / ٨٠ ]
ولا خروجًا- صح شروعه بالتكبيرة الأولى، وسائر التكبيرات مجرد ذكر لا يبطل الصلاة.
ولا يجوز لمن يحسن العربية أن يكبِّر بلسان آخر، ولا أن يأتي بشيء من أذكار الصلاة بغير العربية.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يأتي بجميع الأذكار بأي لسان شاء، وإن كان يحسن العربية كأصل الشهادة. والدليل على أنه لا يجوز: قول النبيﷺ-: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولم يكنﷺ- يذكر إلا بالعربية.
وأما أصل الشهادة: فقد قيل: يجب أن يأتي بالعربية إن كان يحسنها، والصحيح: جوازه بأي لسان شاء؛ لأن مبناه على الاعتقاد، واللسان يعبر عنه؛ فجاز أن يعبر بأي لسان شاء. وإذا كانت الصلاة متعبَّدًا بها، ليست بعبارة عما في الضمير- فلا يجوز العدول عما جاء به الشرع. وإن كان لا يحسن العربية، يجب أن يتعلم؛ فلو أسلم كافر، ودخل عليه وقت الصلاة قبل إمكان التعليم- يجب عليه أن يصلي، ويأتي بالتكبير، وسائر الأذكار المفروضة والمسنونة، وما يريد أن يدعو به من دين أو دنيا بلسانه، إلا الفاتحة؛ فإنه إن لم يحسنها، يأتي بذكر آخر بدلها؛ فإن لم يحسن الذكر بالعربية، أتى به بلسانه، ولا يأتي بالفاتحة بلسانه؛ لأن القرآن معجزة لا يجوز تغييره؛ ولو كان مغيره قرآنًا، لم يكن معجزًا.
ثم هل يجب عليه إعادة تلك الصلوات؟ نظر: إن أتى عليه زمان إمكان التعليم؛ فتوانى يجب عليه إعادتها، وإن لم يمكنه التعليم للُكْنَةٍ بلسانه، أو لقصر المدّة- لا يجب الإعادة.
وقيل: الأذكار المسنونة لا يجوز أن يأتي بها بلسانه، بل يتركها إن لم يحسن بالعربية؛ لأنه لا ضرورة إليها؛ بخلاف الفريضة؛ والأول أصح.
وقيل: يجوز أن يدعو في الصلاة بالفارسية، وإن كان يحسن العربية.
وإن كان الرَّجل أخرس، أو مقطوع اللسان- أتى بما قدر عليه من التكبير والذِّكر، ويحرك الأخرسُ لسانه. وإن كان أصمَّ أعمى أخرس، عليه أن يحنِي ظهره، ويضع جبهته، ويقف بجنب من يدُلّه على الأفعال. وإن أراد أن يصلي جماعة، فلا يقوم حتى يفرغ المؤذِّن من الإقامة؛ لأنه لا يدخل في الصلاة قبل فراغِهِ.
ولا يكبر الإمام حتى يأمر بتسوية الصفوف؛ فيقول: استووا، ويستحب للقوم إن يسووا الصفوف، ويسدُّوا الفُرَجَ.
[ ٢ / ٨١ ]
روي عن أنس؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "أتموا الصف الأول، ثم الذي يليه؛ فما كان من نقصٍ، فليكن في الصف الأخير".
وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول اللهﷺ- يسوِّي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة، فإذا استوينا، كبَّر.
وروي عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رسول اللهﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا؛ فتختلف قُلُوبُكُم، ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهَي، ثُمَّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
وعن عمر﵁- أنه كان يُوَكِّلُ رجلًا بإقامة الصفوف؛ فلا يكبر حتى يخبر بأن قد استوت الصُّفوف.
وعند أبي حنيفة: يكبر إذا بلغ المؤذِّنُ قوله: "قد قامت الصَّلاة". ويجهر الإمام بالتكبير؛ ليسمع القوم، والقوم يسرُّون به. ولا يجوز لمأمُوم أن يبتدئ بالتكبير؛ حتى يفرغ الإمام من التكبير؛ لأن شُرُوع الإمام في الصلاة يحصل بالتكبير، فلا يصح اقتداؤه به قَبْلَ شُروعه في الصلاة؛ فلو كبر معه، لم تنعقد صلاته؛ كما لو كبر قبله؛ لأنه يعلق صلاته بصلاته؛ وهو ليس في الصلاة.
[ ٢ / ٨٢ ]
فصل: في رفع اليدين
روي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ أن رسول اللهﷺ- كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع رفعها كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده ربَّنا ولك الحمد وكان لا يفعل ذلك في السُّجود.
وعن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان إذا دخل الصلاة كبَّر؛
[ ٢ / ٨٣ ]
فرفع يديه، وإذا ركع رفع يديه وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ.
والسُّنة للمصلي إذا كبَّر للافتتاح: أن يرفع يديه، وكذلك إذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
قال الشيخ﵀-: ولم يذكر الشافعي﵁- رفع اليدين عند القيام من الرَّكعتين، ومذهبه: اتِّباعُ السُّنة. وثبت ذلك برواية ابن عمر من طريق نافع؛ روى عنه عبد الله بن عمر وأيوب، وروى جماعة من الصحابة عن رسول اللهﷺ- رفع اليدين في هذه المواضع الأربع؛ منهم: علي، وأبو هريرة، ووصف أبو حُميد السَّاعديُّ صلاة رسول اللهﷺ- بين يدي جماعة من الصحابة، وذكر رفع اليدين في هذه المواضع الأربع؛ فصدقه كلُّهم على ذلك؛ وهو قول أكثر أهل العلم.
[ ٢ / ٨٤ ]
وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا يرفع اليدين إلا عند الافتتاح؛ ويروى ذلك عن الشَّعبي والنَّخعي.
والسُّنة: أن يرفعهما؛ حتى تكون كفَّاه حذو المنكبين.
وعند الثوري، وأبي حنيفة: يرفع؛ حتى تكون كفَّاه حذو الأذنين.
[ ٢ / ٨٥ ]
وروى مالك بن الحويرث؛ أن رسول اللهﷺ- كان إذا كبَّر رفع يديه؛ حتى يحاذي بهما فروع أذنيه.
وعن وائل بن حُجر قال: رأيت رسول اللهﷺ- يرفع إبهاميه في الصلاة إلى شحمة أذنيه.
ويجمع الشافعي بين هذه الأحاديث؛ فقال: يجعل كفَّيه حذو منكبيه، وإبهاميه عند شحمة أذنيه، ورءوس أصابعه عند فروع أذنيه والأحاديث الصحيحة كلها حذو أذنيه.
والسُّنة: كشف اليدين عند التكبير، والتفريق بين الأصابع.
وروي عن أبي هريرة قال: كان رسول اللهﷺ- إذا كبر للصلاة، نشر أصابعه وكذلك كل موضع أمرناه برفع اليدين.
وفي كيفية رفع اليدين مع التكبير ثلاثة أوجه:
[ ٢ / ٨٨ ]
أصحهما: وهو رواية عبد الله بن عمر-: أنه يرفع يديه غير مُكبِّر، ثم يكبر، ثم يرسل اليدين غير مكبِّر:
والثاني: يبتدئ التكبير مع ابتداء رفع اليدين، ويمدّه؛ حتى ينهيه مع انتهاء الإرسال؛ وهذا رواية وائل بن حجر.
والثالث: يرفع يديه غي رمكبر، ثم يبتدئ التكبير، ويمدّه؛ حتى ينهيه مع انتهاء الإرسال؛ وهذا رواية أبي حميد الساعدي.
وإن ترك رفع اليدين؛ حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي، وإن ترك؛ حتى أتم التكبير، لم يرفع بعده؛ لأن الرَّفع هيئة التكبير، وقد انقضى التكبير. وإن لم يمكنه رفع اليدين إلى المنكبين؛ لعلة بهما- رفعهما إلى حيث يمكنه، وإن أمكنه فوق المنكبين ودونهما، ولم يمكن حذوهما- رفعهما فوق المنكبين؛ لأنه إتيان بالسنة والزيادة؛ كمن لا يقدِرُ على القعود، ويقدر على القيام والاضطجاع يقوم في موضع القعود في الصلاة. وإن كان بإحدى يديه علّة، لا يمكنه رفعها- رفعَ الأخرى. وإن كان مقطوع الكفّ، رفع الساعد. وإن مقطوع السَّاعد، هل يرفع العضُد؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يرفَعُ.
والثاني: لا يَرفعُ.
لأن العضُد في حال الصحة غير مرفوع.
وبعد الفراغ من التكبير، يجمع بين يديه، فلو تركهما مرفوعتين، أو مرسلتين، يُكره وتصح صلاته.
والسُّنة: أن يأخذ كوعَه الأيسر بكفِّه الأيمن، ويضعها على نحره تحت صدره؛ لما روي عن قبيصة بن هُلبٍ، عن أبيه قال: كان رسول اللهﷺ- يؤمُّنا، فيأخذ شماله بيمينه.
[ ٢ / ٨٩ ]
وروي عن وائل بن حجر، عن رسول اللهﷺ- أنه كبَّر، ثم أخذ شماله بيمينه، ويروى عنه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرُّسغ والساعد.
وعند أبي حنيفة: يضع كفَّه اليمنى على ظهر كفه اليسرى؛ فيضعهما تحت السُّرة .. والله أعلم.
فصل: في دعاء الاستفتاح
روي عن علي﵁- عن رسول اللهﷺ- أنه إذا كان إذا استفتح الصلاة كبَّر، ثم قال: "وجَّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أوَّل المسلمين".
[ ٢ / ٩٠ ]
وروي: "وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بين يديك، والشر ليس إليك، والمهديُّ من هديت، أنا بك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك".
ثم المصلي بعد تكبير الافتتاح السُّنة: أن يقرأ دعاء الاستفتاح سرًا. والاختيار عند الشافعي: "وجهت وجهي "؛ كما رواه عليٌّ﵁- يستحب: أن يقرأ جميع ذلك، ويقول: "وأنا من المسلمين"؛ لأن النبيﷺ- كان أول المسلمين؛ فيصح أن يقول ذلك، ولا يصح ذلك من غيره.
وعند أبي حنيفة: يقرأ ما روي عن عائشة قالت: كان النبيﷺ- إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرُك وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق.
[ ٢ / ٩١ ]
وعند مالك: بعد أن يكبّر، يقرأ الفاتحة.
وروي عن أبي هريرة: كان رسول اللهﷺ- يسكِتُ بين التكبير والقراءة إسكاتةً. فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتُك بين التكبير وبين القراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين نخطاياي؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي؛ كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدَّنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبَرَدِ.
فإن نسي دعاء الاستفتاح؛ فإن تذكر بعد ما شرع في القراءة، أو في التعوُّذ- لم يعد إليه؛ لأنه هيئة فات وقتُها؛ نصَّ عليه. وإن ذكر قبل القراءة، وقبل التعوُّذ عاد إليه.
فرْعٌ على هذا
لو أن مسبوقًا أدرك الإمام في التشهد، كبر، وقعد، فلما قعد سلم الإمام قام، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح؛ لأن وقته قد فات بالقعود .. ولو سلم الإمام قبل قعوده لا يقعد، ويقرأ دعاء الاستفتاح ولو أدركه في "الفاتحة"؛ فلما كبر، أمَّن الإمام يؤمِّنُ معه، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح؛ لأنه يسيرٌ.
ثم بعد دعاء الاستفتاح، يتعوَّذ؛ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وهذا قول عامة أهل العلم، إلا مالكًا؛ فإنه يقول؛ لا يتعوَّذُ. وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول اللهﷺ- كان يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه".
[ ٢ / ٩٢ ]
قيل: همزُه: طعنه، ونفخه: كِبْر، ونفثه: سحره؛ وهل يجهر بالتعوذ في صلاة الجهر؟
فيه قولان:
في الجديد يسرُّ؛ لأنه ذكرٌ قبل "الفاتحة"؛ كدعاء الاستفتاح؛ روي ذلك عن ابن عمر في القديم يجهر؛ لأنه ذكر مشروع بعد دُعاء الاستفتاح؛ كالفاتحة؛ يروى ذلك عن ابن أبي هريرة.
والتعوذ سنَّةٌ في الركعة الأولى؛ وهل يسنُّ في سائر الركعات؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن القراءة في الصلاة واحدة؛ فيكفي لها تعوُّذُّ واحد.
والثاني: يسن؛ لوقوع الفصل بين القراءتين.
والأصح إنما هو الأول؛ فإن ترك التعوذ في الركعة الأولى، يتعوذ في الثانية.
فصلٌ: في القراءة
روي عن عبادة بن الصامت؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
[ ٢ / ٩٣ ]
القراءة في الصلاة واجبة، وتتعيَّن قراءة الفاتحة، لا يجوز غيرها مكانها إذا كان يحسنها.
وعند أبي حنيفة؛ لو قرأ آية طويلة أو قصيرة، جاز. والحديث حجَّة عليه. وسورة "الفاتحة" سبع آيات، والتسمية آية منها؛ وهل هي آية من كلِّ سورة؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ لأنها مكتوبة في المصاحف بخطِّ القرآن.
والثاني: لا، وإنما كتبت للفصل بين السورتين.
قال ابن عباس: كان رسول اللهﷺ- لا يعرف فصل السُّورتين؛ حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم.
ومن ذهب إلى أن التسمية من "الفاتح'" ابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة؛ وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
وعند مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة: التسمية ليست بآية من "الفاتحة"؛ فابتداء الآية الأولى عنده: "الحمدُ لله"، والآية الأخيرة: "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ".
وعندنا: ابتداء الآية الأخيرة "صِرَاطَ الَّذِينَ".
وروي عن أم سلمة؛ أن النبيﷺ- قرأ فاتحة الكتاب؛ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، وعدَّها آية. وعند الشافعي: يجهر بالتسمية في صلاة الجهر؛ في الفاتحة،
[ ٢ / ٩٤ ]
والسورة جميعًا؛ وهو قول عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير.
وذهب أكثر الصحابة، وأهل العلم إلى الإسرار بالتسمية.
[ ٢ / ٩٥ ]
ولو ترك قراءة الفاتحة، أو حرفًا أو تشديدة منها عمدًا أو سهوًا- لا تصح صلاته؛ فإن تذكر بعدما ركع، يجب أن يعود إلى القيام، وإن تذكر بعد ما قام إلى الركعة الثانية، فهذه الركعة أولاه.
وقال في القديم: إذا نسي "الفاتحة"، صحت صلاته؛ تقليدًا لعمر﵁- فإنه نسي القراءة في صلاة المغرب؛ فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، قال: فلا بأس.
وتجب مراعاة الترتيب في الفاتحة؛ حتى لو ترك حرفًا من كلمة، لم يحسب ما بعدها؛ حتى يعيد تلك الكلمة، وما بعدها.
ولو أدخل فيها ذكرًا آخر، يجب استئنافها؛ قلَّ أم كثر. وإن كان ناسيًا، يبني إلا أن يطول؛ فيستأنف.
ولو كان المأموم في خلال الفاتحة، فأمن الإمام فأمن معه، أو فتح على الإمام قراءته، أو سجد إمامه للتلاوة، فجسد معه أو مرَّ بآية رحمة فسأل الله- هل يجب استئنافها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما لو فتح على غير إمامه، أو أجاب المؤذن، أو عطس؛ فحمد الله.
والثاني: لا يجب؛ لأنها من مصلحة الصلاة. ولو كرَّر آية، لا يجب استئنافها. ولو سكت في خلالها يسيرًا، لا يجب استئنافها؛ فإن طال، استأنف.
ولو قرأ نصف "الفاتحة"، ثم شك؛ هل أتى بالتسمية؛ فأتمها، ثم تذكر أنه قرأها يعيد ما قرأ بعد الشك، ولا يجب استئناف الفاتحة، لأنه لم يدخل فيها غيرها.
وعند ابن سُريج: تبطل صلاته إذا لم يعد إلى التسمية، ولو نوى قطع "الفاتحة"؛ نظر: إن جرى على سرد قراءته، ولم يسكت عليه- لا يجب استئنافها؛ لأن القراءة باللسان، ولم يقطعها، وإن سكت معه، وإن قلَّ يجب استئنافها؛ كالمودع لا يصير ضامنًا بنيَّة التعدي؛ فإن ضم إليه فعل النَّقْل، يضمن؛ ولو كرر قراءة الفاتحة عمدًا، لا تبطل صلاته، ولا يلزمه سجود السهو إن سها.
وقال أبو يحيى البلخيُّ: تبطل صلاته؛ كما لو زاد ركوعًا أو سجودًا، وهذا
[ ٢ / ٩٦ ]
لا يصح؛ لأن الفعل أقوى من الذِّكر؛ بدليل أنه لو كرر الفعل المسنون؛ وهو التشهد الأول- تبطل صلاته، ولو كرر الذكر المسنون؛ وهو قراءة السورة- لا تبطل صلاته.
والسُّنة: أن يقرأ القرآن على الترتيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وهو ترك العجلة عن الإبانة؛ وكل ما زاد في الإبانة، فهو أحب إلينا؛ ما لم يبلغ التمطيط.
والسُّنة بعد الفرغ من قوله: "وَلا الضَّالِّينَ" أن يقول: "آمين"، ولا يصله بالقراءة؛ لأنه ليس من القرآن؛ وهو مخفَّف الميم، ويجوز ممدودًا أو مقصورًا.
ويجهر الإمام والمنفرد بالتأمين في صلاة الجهر، ويؤمن المأموم بتأمين الإمام؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبيﷺ- قال: "إذا أمَّن الإمام، فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه".
وهل يجهر به المأموم؟ فيه قولان:
أصحهما: يجهر به؛ لما روي عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة.
وذكر ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ويقول من خلفه: آمين حتى إن للمسجد للجَّة.
والقول الثاني: يسر بالتأمين؛ كما يسرُّ بالقراءة.
[ ٢ / ٩٧ ]
وقيل: إن كان في القوم كثرةٌ يجهرون به؛ حتى ينتهي إلى آخرهم، وإن كان المسجد صغيرًا، وفي القوم قلةٌ يسمعون تأمين الإمام، يسرون به.
وعند أبي حنيفة: يسر الإمام والمأموم جميعًا؛ فلو نسي الإمام التأمين، أمن المأموم جهرًا؛ ليسمع الإمام؛ فيأت به.
ولو قرأ المأموم الفاتحة مع الإمام، وفرغ قبله، فالأولى ألَّا يؤمن؛ حتى يؤمن مع الإمام.
وهل يجب على المأموم قراءة الفاتحة؟ نظر: إن كانت الصلاة صلاة سرٍّ، يجب، وإن كانت صلاة جهرٍ، ففيه قولان:
أحدهما: لا يقرأ، ويروى ذلك عن ابن عمر، وعروة بن الزبير؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهو قول الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
والثاني: يجب أن يقرأ، والآية محمولة على الخطبة، والدليل عليه ما روى عبادة بن الصامت قال: كنا خلف رسول اللهﷺ- في صلاة الفجر فقرأ رسول اللهﷺ- فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكن" قلنا: نعم يا رسول الله قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يقرأ المأموم؛ سواء جهر الإمام، أو أسر؛ يروى ذلك عن زيد بن ثابت، وجابر.
فإن قلنا: لا يقرأ المأموم إذا جهر الإمام، فلو كان بعيدًا لا يسمع قراءة الإمام، أو كان أصم- هل يقرأ؟ فيه وجهان:
[ ٢ / ٩٨ ]
أصحهما: يقرأ؛ لأنه لا يسمع قراءة الإمام حتى يؤمر بالإنصات؛ ولو جهر الإمام في صلاة السر، هل يقرأ المأموم؟ في وجهان:
أصحهما: يقرأ؛ لأن صفة هذه الصلاة السر.
والثاني: لا يقرأ؛ اعتبارًا بفعل الإمام. وعلى عكسه: لو أسرَّ الإمام في موضع الجهر، هل يقرأ؟ فعلى وجهين: إن راعينا صفة الصلاة، لا يقرأ، وإن راعينا فعل الإمام، يقرأ؛ فحيث قلنا: يقرأ المأموم، يقرأ: بحيث يسمع نفسه، ولا يغلب جاره، وكذلك سائر الأركان يأتي بها سرًا كذلك؛ فلو لم يسمع نفسه وهو سميع لم يحسب؛ لأنه تفكر أو تحريك شفة ولسان ليس بقراءة؛ وأقلّ القراءة ما يسمع نفسه؛ فإن كان أصم، رفع صوته قدر ما لو كان سميعًا لسمع؛ وإذا أوجبنا قراءة الفاتحة على المأموم في صلاة الجهر، يستحب للإمام أن يسكت بعد قراءة الفاتحة قدرَ ما يقرأ المأموم "الفاتحة"؛ روى عن سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول اللهﷺ- سكتتين: سكتة إذا كبَّر، وسكتةً إذا فرغَ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾. فصدقه أبي بن كعب.
[ ٢ / ٩٩ ]
وكره أبو حنيفة، ومالك السَّكتة، فلو قرأ المأموم مع الإمام أو قبله، تحسب قراءته.
ثم السُّنة: أن يقرأ بعد الفاتحة سورة أخرى؛ وهي سُنَّة في صلاة الصبح، وفي الركعتين الأوليين من سائر الصلوات؛ وهل يُسنّ في الركعتين الأخريين، وفي الثالثة من المغرب؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يُسَنُّ؛ لما رويَ عن أبي قتادة؛ أن النبيﷺ- كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويمسعنا الآية ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في المغرب.
والقول الثاني: يقرأ السُّورة في الأخريين؛ لما روي عن أبي سعيد الخُدري؛ أن النبيﷺ- كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة: قدر ثلاثين، وفي الأخريين: قدر خمسة عشر آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة: قدر خمسة عشر آية، وفي الأخريين: قدر نصف ذلك، وهل يفضل الأولى على الثانية في الركعتين الأوليين، وكذلك في صلاة الصبح؟ فيه وجهان:
[ ٢ / ١٠٠ ]
أحدهما: يفضل؛ لحديث أبي قتادة.
والثاني: لا يفضل؛ لحديث أبي سعيد الخُدري.
ويستحب أن يقرأ في صلاة الصبح بطوال المفصَّل، وفي الظهر شبهًا به، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصَّل، وفي المغرب بقصار المفصَّل. وإن قرأ من موضع آخر، يراعي ذلك القدر؛ فإن كان إمامًا، لا يزيد عليه إلا برضاء القوم، وإن كان منفردًا، طوَّل ما شاء؛ فلو قرأ في الصبح بقصار المفصل، وفي المغرب طواله- جاز؛ فإنه روى عقبة بن عامر؛ أن النبيﷺ- قرأ المعوِّذتين في صلاة الصبح.
وعن عمرو بن حريث قال: سمعت النبيﷺ- يقرأ في الفجر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
[ ٢ / ١٠١ ]
وعن جبير بن مطعم: قال: سمعت النبيﷺ- قرأ في المغرب بـ "الطور".
وروي أنه﵇- قرأ في المغرب بـ "الأعراف". وقراءة سورة قصيرة يتمها أولى من بعض سورة طويلة؛ كما لو ضحَّى شاة منفردًا، كان أولى من المشاركة في بدنةٍ.
قال الشيخ: في الأضحية وجهان، كذا هذا. ولو قرأ السورة قبل الفاتحة، لا يحسب، ويعيد بعد قراءة الفاتحة. لا يسن للمأموم قراءة السورة في صلاة الجهر، وفي صلاة السر وجهان:
أصحهما: يقرأ، وكذلك إذا كان لا يسمع قراءة الإمام لبعد أو صمم.
ويستحب للمصلي، وللقارئ إذا مرَّ في قراءته بآية رحمةٍ أن يسأل الله الرحمة، وإذا مرَّ بآية عذاب أن يتعوذ، وبآية تنزيه أن يسبح، وبآية مثل أن يتفكر قليلًا؛ إمامًا أو منفردًا، ويفعله المأموم بقراءة الإمام.
روي عن حذيفة أنه صلى مع النبيﷺ- قال: ما أتى على آية رحمة إلا وقف
[ ٢ / ١٠٢ ]
وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوَّذ.
وروي عن أبي هريرة، عن رسول اللهﷺ- قال: من قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، فليقل. بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، فليقل: بلى؛ ومن قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾.
وعن ابن عباس؛ أن النبيﷺ- كان إذا قرأ ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ﴾، قال: "سبحان ربي الأعلى".
وعند أبي حنيفة: لا يقول شيئًا من ذلك.
[ ٢ / ١٠٣ ]
فصلٌ
روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال جاء رجلٌ إلى النبيﷺ- فقال: "إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا؛ فعلمني ما يجزيني". قال: "قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" فقال: يا رسول الله هذا الله، فمالي؟ قال: "قل: اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني".
وإذا كان الرجل لا يحسن الفاتحة، ولا شيئًا من القرآن- يجب أن يأتي بسبعة أنواع من الذِّكر بالعربية؛ كما جاء في الحديث. وهل يشترط معادلة الحروف بحروف "الفاتحة"؟ فيه وجهان.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وقيل: يجب أن يقرأ ما جاء في الحديث. وإن كان يحسن غير الفاتحة من القرآن، يجب أن يقرأ سبع آيات من غيرها، ولا يقتصر على التسبيح، ولا يجوز أن ينقص عن سبع آيات، وإن كانت الآيات طويلة. ولو قرأ سبع آيات أقصر من آيات الفاتحة، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما لو فاته صوم يوم طويل، جاز قضاؤه في يوم ساعاته أقصر.
والثاني: يشترط مراعاة عدد الحروف؛ كعدد الآيات، بخلاف الصوم؛ فإنه يشق عليه مراعاة ساعات النهار، ولو قرأ آيتين مكان آية، يجوز.
وقيل: يجب أن يعدل حروف كل آية بآية من الفاتحة؛ على الترتيب.
قال الشيخ: هذا لا يصح، وإن كان لا يحسن إلا آية من القرآن فيه وجهان:
أحدهما: يجب أن يكررها سبعًا.
والثاني: وهو الأصح لا، بل يجب أن يقرأها، ويأتي بستة أنواع من الذِّكر، وإن كان يحسن بعض الفاتحة، فهكذا في وجه يكرر ما يحسن، ويغني ذلك عن البدل.
والثاني: وهو الأصح يقرأ ذلك القدر، ويأتي عن الباقي بالبديل. لأنه لا يكون الشيء الواحد أصلًا وبدلًا، ثم إن كان يحسن النصف الأول من "الفاتحة" يقرؤه ثم يأتي بالبدل عن النصف الثاني وإن كان يحسن النصف الثاني يأتي عن النصف الأول بالبدل ثم يقرأ الثاني مراعاةً للترتيب.
وقيل: لا يجب ترتيب بين البدل والأصل، كيف ما قرأ جاز. وإن كان لا يحسن القرآن عن ظهر قلب، يجب أن يقرأ من المصحف، فإن لم يملك مصحفًا، يجب أن يشتري إن وجد ثمنه، أو يستأجر، أو يستعير، وإن كان بالليل يحصل السراج وإن كان يصلي بالبدل؛ فتعلم "الفاتحة" بعد ما فرغ من الصلاة- لا يجب إعادتها إن لم يكن مقصرًا في التعليم، وإن تعلم في خلال الصلاة؛ نظر: إن كان بعد ما ركع، لا يجب أن يعود إلى القيام، وتلك الركعة محسوبة له، وإن تعلم قبل الركوع؛ نظر: إن تعلم قبل أن يشتغل بالبدل، أو في خلاله- يجب أن يقرأ "الفاتحة"، وإن تعلم بعد الفراغ من البدل، فيه وجهان:
أحدهما: يجب أن يقرأ الفاتحة؛ لأنه قدر عليها في محلها.
والثاني: لا يجب؛ لأنه قدر على الأصل بعد الفراغ من البدل؛ كما لو وجد الرَّقبة في الكفارة بعد الفراغ من الصوم، لا يجب الإعتاق.
وقيل: إذا تعلَّم في خلال البدل لا يجب أن يقرأ؛ كما لو وجد الرقبة في خلال الصوم؛ وليس بصحيح.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وتطويل القيام في الصلاة أفضل من تطويل الركوع والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمراد من القنوت طول القيام.
روي عن جابر قال: قال رسول اللهﷺ-: "أفضل الصلاة طول القنوت".
ولأن الذكر في القيام قراءة القرآن، وفي الركوع والسجود التسبيح، وقراءة القرآن أفضل من التسبيح؛ وإذا طول القيام بالقراءة، هل يكون الكل فرضًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: الفرض من القيام قدر الفاتحة؛ لأنه لو اقتصر عليه، جاز.
والثاني: يكون الكل فرضًا؛ كالمسافر إذا أتم الصلاة أربعًا كان الكل فرضًا، وإن كان يجوز له الاقتصار على ركعتين.
ولو قام في الصلاة على إحدى قدميه، أو مستندًا إلى جدار يكره، ولكن تصح صلاته، وإن كان لو فرع السناد يسقط، ولو طأطأ رأسه قليلًا جاز، ولو وقف منحنيًا بين الركوع والقيام، أو متمايلًا زائلًا عن سنن القيام مستندًا إلى شيء- لم يجز.
وذكر القاضي الإمام حسين﵀- وجهين فيما لو وقف منحنيًا بين الركوع والقيام وكذلك لو نسي التشهد الأول؛ فتذكر بعد بلوغه هذه الحالة- هل يجوز أن يعود فيه وجهان.
ويكره أن يضع يده على خاصرته؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبيﷺ- نهى أن يصلي الرجل مختصرًا.
[ ٢ / ١٠٦ ]
فصلٌ: في الركوع
روي عن رفاعة بن رافع قال: جاء رجل؛ فصلى في المسجد، ثم جاء؛ فسلم على النبيﷺ- فقال النبيﷺ-: "أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل" فقال: علمني يا رسول الله كيف أصلي؟ قال: "إذا توجهت إلى القبلة فكبِّر، ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، ومكن ركوعك وامدد ظهرك، فإذا رفعت فأقم صلبك وارفع رأسك؛ حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن السجود، فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن".
[ ٢ / ١٠٧ ]
إذا فرغ المصلي من القراءة، يجب عليه أن يركع، والسُّنة: أن يكبر، وكذلك في كل خفض ورفع إلا في الاعتدال عن الركوع؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود قال: كان النبيﷺ- يكبر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود وأبو بكر وعمر.
ويبتدئ التكبير قائمًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، وهل يمد التكبير؟ فيه قولان.
قال في الجديد: يمد إلى أن يهوي إلى الركوع؛ حتى لا يخلو جزء من الصلاة عن الذكر، وكذلك جميع التكبيرات للانتقالات يمدها من الذكر الذي ينتقل عنه إلى أن يدخل في الثاني، إلا تكبيرة الافتتاح، فإنه يحذفها على الأصح.
وقال في القديم: يحذف التكبير.
وفرض الركوع أن يهوي بحيث لو أراد أن يضع راحتيه على ركبتيه أمكنه ذلك، والسُّنة أن يأخذ ركبتيه بكفيه، ويفرَّق بين أصابعه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويمد ظهره وعنقه، ويسوي ظهره، ولا يخفض رأسه عن ظهره، ولا يرفعه وإن كان أقطع إحدى اليدين، وضع الأخرى على الرُّكبة، فالسُّنة أن يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال؛ لما روي عن ابن مسعود؛ أن النبيﷺ- قال: "إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات- فقد تم ركوعه وذلك أدناه، فإذا سجد؛ فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات- فقد تم سجوده؛ وذلك أدناه".
[ ٢ / ١٠٨ ]
وروي عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ - ٩٦] قال رسول اللهﷺ-: "اجعلوها في ركوعكم" فلما نزلت ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: "اجعلوها في سجودكم".
ولو زاد التسبيحات على الثلاث؛ فجعلها خمسًا؛ أو سبعًا- كان أفضل، إلا أن يكون إمامًا فلا يزيد على الثلاث تخفيفًا على القوم.
ولا يقرأ في الركوع والسجود، ولو فعل فهو كما لو قرأ في التشهد، والدليل عليه: ما روي عن ابن عباس؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "إني نهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا، فأمَّا
[ ٢ / ١٠٩ ]
الركوع، فعظِّموا فيه الربَّ، وأما السجود؛ فاجتهدوا فيه من الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم".
والطمأنينة واجبة في الركوع وفي الاعتدال عنه وفي السجود، وبين السجدتين؛ حتى لو تركها لا تصح صلاته.
وعند أبي حنيفة غير واجبة، والدليل على وجوبها: ما روي عن أبي هريرة؛ أن رجلًا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ- جالس في ناحية المسجد، فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال رسول اللهﷺ-: "وعليك السلام، ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ" فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه. فقال رسول اللهﷺ-: "وعليك، ارجع وصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ". فقال: علمني يا رسول الله، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فاسبغِ الوضوء، ثم استقبل القِبلة فكبِّر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلواتك كلها".
وروي عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول اللهﷺ-: "لا تجزي صلاةُ
[ ٢ / ١١٠ ]
الرَّجل؛ حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود".
والتسبيح في الركوع والسجود سنَّة.
وقال أحمد وإسحاق: واجب؛ كالقراءة في القيام والقعود واجبة.
قلنا: القيام والقعود مشترك فيهما العادة والعبادة؛ فشارطنا فيهما الذكر؛ لتمتاز العبادة عن العادة بخلاف الركوع والسجود؛ فإنه لا تشترك فيهما العادة؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يحني ظهره لمخلوق، بل هو محض عبادة لله﷿- فلم يشترط فيهما الذِّكر للامتياز.
فإذا فرغ من الركوع يرفع رأسه، ويبتدئ مع الرفع: سمع الله لمن حمده إلى أن يعتدل، ويرفع يديه حذو منكبيه مفرقًا بين أصابعهما، فإذا استوى قائمًا قال: ربَّنا لك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، يقوله الإمام والمأموم جميعًا؛ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول اللهﷺ- إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
وقال الشعبي، وأبو حنيفة، ومالك وأحمد: يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ويقول المأموم: ربنا ولك الحمد، ويجمع المنفرد بينهما، والاعتدال عن الركوع واجب.
[ ٢ / ١١١ ]
وعند أبي حنيفة: ليس بواجب؛ فلو هوى من الركوع إلى السجود، يجوز؛ وحديث أبي هريرة حجَّةٌ عليه.
فصلٌ: في السجود
روي عن أبي حميد الساعدي؛ أن النبيﷺ- كان إذا سجد مكَّن أنفه وجبهته من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفَّيه حذر منكبيه.
ثم بعد ما اعتدل المصلِّي عن الركوع، يجب عليه أن يهويَ إلى السجود، ويبتدئ التكبير قائمًا، ولا يرفع يديه. وهل يمد التكبير، أم يحذفه؟.
فعلى القولين؛ والسُّنة: أن يضع أولًا ركبتيه على الأرض، ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه؛ هذا قول أكثر أهل العلم؛ لما روي عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول اللهﷺ- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
[ ٢ / ١١٢ ]
وقال مالك والأوزاعي: يضع يديه قبل ركبتيه.
وروي عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ-: "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين".
[ ٢ / ١١٣ ]
ولا يُكفِتُ الثياب والشَّعر، ووضع الجبهة في السجود على مكان السجود واجب، ويجب أن يعتمد بجبهته على مسجده متحاملًا عليه بثقل عنقه ورأسه، وإن سجد على شيء متخلخل من قطن أو حشيش، يجب أن يتحامل عليه؛ حتى يتكابس ويثبت جبهته، فإن لم يفعل لم يجز؛ لأنه لم يستقر ساجدًا، ولو سجد على مكان مرتفع، أو على ظهر إنسان جاز، إذا كان ارتفاعه قليلًا؛ بحيث لا يخرج عن حد الساجدين، وحدُّه: أن يكون أسفل بدنه أعلى من أعالي بدنه، ووضع الأنف غير واجب.
وهل يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين؟
فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ لحديث ابن عباس.
والثاني: وهو الأشهر-: لا يجب؛ لأنه لو وجب وضعهما لوجب الإيماء بها عند العجز؛ كالجبهة، ويجب أن يضع الجبهة مكشوفة على موضع سجوده، حتى لو سجد على كفه أو كُمِّه أو كور عمامته أو ناصيته، أو على شيء يرتفع بارتفاعه من ذيل أو تكَّةٍ- لا يجوز.
وقال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأكثر أهل العلم: لو سجد
[ ٢ / ١١٤ ]
على كُمِّه، أو عمامته، أو على ثوب هو لابسه يجوز.
وعند أبي حنيفة: لو وضع الأنف مكان الجبهة يجوز؛ فلو كان بعض جبهته مكشوفًا، جاز .. ولو سجد على جبينه، لم يجز؛ ولا يجب في السجود كشف الركبتين والقدمين؛ بدليل الإجماع على أن الصلاة في السراويل والخف جائزة.
وهل يجب كشف اليدين إذا أوجبنا وضعهما؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب؛ لكونهما مستورين في الغالب؛ كالرُّكبتين.
والثاني: يجب؛ كالوجه.
والسُّنة في السجود: أن يضع يديه حذو منكبيه، ويضم بين أصابعهما، ويجافي مرفقيه عن جنبيه؛ بحيث لم يكن عليه ثوب روئيت عفرة إبطيه؛ ولا يفرش ذراعيه، بل يرفع مرفقيه على الأرض، وثقل بطنه عن فخذيه، ويفرِّج بين رجليه، وينصب قدميه موجهًا أصابعهما نحو القِبلة.
روي عن البراء قال: قال رسول اللهﷺ-: "إذا سجدت، فضع كفَّيك، وارفع مرفقيك".
[ ٢ / ١١٥ ]
وعن ميمونة قالت: كان رسول اللهﷺ- إذا سجد جافي بين يديه؛ حتى لو أن بهيمة أرادت أن تمرَّ تحت يديه لمرَّت، ويقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال، ويجوز أن يدعو فيه بما أحبَّ لما روينا أن النبيﷺ- قال: "وأمَّا السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم".
وروي عن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن.
وروي عن علي﵁- قال: كان رسول اللهﷺ- إذا ركع قال: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي"، وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشقَّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين".
ولو هوى ليسجد، فسقط على الأرض بجبهته، نظر إن وضع جبهته بنيَّة الاعتماد لم يحسب عن السجود، وإن وضع بنيَّة السجود، أو دام على نيَّته الأولى، أو لم يحدث نيَّة الاعتماد تحسب، وإن أراد السجود، فسقط على جنبه، فانقلب حتى مست جبهته الأرض إن
[ ٢ / ١١٦ ]
انقلب يريد السجود حسبن وإلّا فلا.
قال الشيخ: هذا إذا هوى ليسجد فقسط، فأما إذا لم يقصد الهويَّ، فسقط على جنبه فانقلب، لم يحسب حتى يعود إلى القيام، لأن الانتقال عن الرُّكن واجب، كما قال الشافعي: لو رفع عن السجود رأسه لينتقل، يجب أن يعود، ثم بعدما فرغ من السجود يكبر، فيرفع رأسه حتى يعتدل جالسًا، والجلوس والطمأنينة فيه واجب.
وعند أبي حنيفة لا يجب الاعتدال، فإذا رفع رأسه قدر ما يمر السيف بين جبهته والأرض عرضًا جاز، وخبر أبي هريرة ورفاعة حجة عليه.
وروي عن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا.
وروي عن أنس قال: كان رسول اللهﷺ- إذا قال: "سمع الله لمن حمده" قام حتى يقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى يقول قد أوهم.
والسُّنة أن يقعد مفترشًا، ولا يقعي إقعاء الكلب، لأن النبيﷺ- نهى عن الإقعاءَ.
[ ٢ / ١١٧ ]
ويقول بين السجدتين ما روي عن ابن عباس أن النبيﷺ- كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني".
ثم يُكبِّر فيسجد السجدة الثانية، كما ذكرنا، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية نص ها هنا أنه إذا استوى قاعدًا نهض.
وقال في "الأم": يقوم من السجدتين اختلف أصحابنا في أنه هل يجلس عقيب السجدتين؟.
منهم من جعل المسألة على قولين:
أحدهما: أنه إذا رفع من السجدة الثانية رأسه في الركعة الأولى، أو في الركعة الثالثة من صلاة ذات أربع ركعات، يجلس جلسة خفيفة، لا يدعو فيها بشيء، ثم يقوم معتمدًا على يديه، وتسمى جلسة الاستراحة.
والقول الثاني: يقوم، ولا يجلس؛ لما روي عن وائل بن حجر أن النبيﷺ- كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائمًا، وهذا قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد، والأول أصح؛ لما روي عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبيﷺ- يصلي، فإذا كان وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. وقال أبو إسحاق: هي على حالين إن
[ ٢ / ١١٨ ]
كان ضعيفًا جلس للاستراحة، وإن كان قويًا لم يجلس.
وإن قلنا: يجلس متى يبتدئ التكبير؟ فيه ثلاثة أوجه.
أصحها: يبتدئه مع رفع الرأس، ويمده حتى يجلس ويقوم حتى لا يخلو جزءٌ من صلاته عن الذِّكر.
والثاني: إذا جلس يقطعه، ويقوم غير مكبِّر.
والثالث: يرفع رأسه غير مكبر، ويبتدئ التكبير جالسًا، ويمد حتى يقوم، ولا يكبر تكبيرتين، ولا يرفع يديه إذا قام إلى الثانية، ويصلي الركعة الثانية كالأولى، إلا أنه لا يقرأ دعاء الاستفتاح فإذا أتمها يقعد للتشهد، والاعتدال عن الركوع والقعود بين السجدتين ركنان مقصودان، لو أطالهما فألحقهما بالقيام الذي هو للقراءة، والقعود الذي هو للتشهد تبطل صلاته، إلا حيث ورد الشرع، وهو القنوت في صلاة الصبح، أو في الوتر، أو في صلاة التسبيح، ولا يمد جلسة الاستراحة إلا في صلاة التسبيح لورود السُّنة فيه.
فصلٌ: في التشهد
روي عن أبي حميد الساعدي أنه وصف صلاة رسول اللهﷺ- قال: فإذا في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته إذا صلى ركعتين يقعد للتشهد، ثم إن كانت الصلاة ذات ركعتين، كصلاة الصبح، فالقعود للتشهد فرض، وإن كانت ذات أربع ركعات، أو ثلاث ركعات كالمغرب، فالتشهُّد الأول سنة والثاني فرض قعودًا وقراءة.
وقال أحمد: القعود للتشهد الأول فرض غير أنه لو ترك ناسيًا تصح صلاته، وقال أبو حنيفة القعود للتشهد الثاني فرض، والقراءة ليست بفرض فإذا قعد قدر أقل التشهد كفى، وهو قول الزهري، فيقيس القعود على القيام.
والسُّنة أن يقعد في التشهد الأول في كل قعود لا يعقبه التسليم مفترشًا، هو أن يقعد
[ ٢ / ١١٩ ]
على رجله اليسرى، ويخرج اليمنى عن وركه اليمنى وينصبها ويوجه أصابعها نحو القبلة، وفي التشهد الأخير يقعد متوركًا، وهو أن يميط رجليه، ويخرجهما عن وركه اليمنى، فيضجع اليسرى، وينصب اليمنى ويوجه أصابعها إلى القبلة، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، وكذا يجلس في سجود التلاوة خارج الصلاة وفي سجود الشكر.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجلس في التشهدين مفترشًا.
وقال مالك: يجلس فيهما متوركًا، والحديث حجة عليهم، ولأن التشهد الأول يقصر، ويعقبه القيام، فكان الافتراش فيه أولى ليكون أقرب إلى القيام.
روي عن عبد الله بن مسعود قال: كان النبيﷺ- في الركعتين الأوليين كأنه على الرَّضف حتى يقوم، ويكره الإقعاء في الجلوس، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه.
وقيل: هو أن يجعل يديه على الأرض، ويقعد على أطراف أصابعه.
فإذا قعد للتشهد الأخير، وعليه سجود السهو قال الشيخ القفَّال: يقعد مفترشًا، وكذلك بين سجدتي السهو؛ لأنه جلوس لا يعقبه السَّلام.
والسُّنَّةُ في التشهد أن يبسط يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويفرق بين أصابعها، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض بين أصابعها ويقبض الخنصر والبنصر، ويرسل المسبِّحة، وكيف يفعل بالإبهام والوسطى؟ فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: يقبضها أيضًا، وفي كيفيته وجهان:
أصحهما: كأنه عاد ثلاث وخمسين، رواه ابن عمر عن رسول اللهﷺ-.
[ ٢ / ١٢٠ ]
والثاني: يقبضها كأنه عاد ثلاث وعشرين.
والقول الثاني: بين الإبهام والوسطى وهي رواية وائل بن حُجرٍ، ثم في كيفيته وجهان:
أصحهما: يحلِّق برأس الأنامل.
والثاني: يضع أنمله الوسطى بين عقدي الإبهام.
والقول الثالث: يرسل الإبهام مع المسبِّحة، ويقبض الثلاث.
واختار الشافعي في التشهد رواية ابن عباس، قال: كان رسول اللهﷺ- يعلمنا التشهد، كما يعلمنا القرآن، فكان يقول: "التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله".
واختار الثوري، وأبو حنيفة، وابن المبارك، وأحمد رواية عبد الله بن مسعود، قال: كنا إذا صلينا مع النبيﷺ- قلنا: "السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان" فلما انصرف النبيﷺ- أقبل علينا بوجهه فقال: "إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو" وكلا الحديثين صحيح فأيهما قرأ جاز. واختار الشافعي رواية ابن عباس؛ لموافقته القرآن في قوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١].
[ ٢ / ١٢١ ]
وذكرُ التسمية في أول التشهد غير صحيح عند أهل الحديث، وذكر بعض أصحابنا أنه يقول: "باسم الله وبالله" ويرفعه عن جابر.
[ ٢ / ١٢٢ ]
وروي عن عمر﵁- أنه كان يُعلِّم الناس التشهد، يقول: إذا جلس أحدكم فليقل: "بسم الله خير الأسماء، التحيات الصَّلوات [الطيبات] المباركات لله" وأول فرض التشهد قال الشافعي﵀-: أن يقول: التحيات لله، سلامٌ عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباده الله الصَّالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسوله".
قال ابن سُريج أقلُّه أن يقول: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي [ورحمة الله وبركاته] وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسوله. وقال تدخل الرحمة والبركة في السلام، ولو ترك الترتيب فيه يجوز؛ لأن المقصود منه الذِّكرُ، وهو حاصل، ولا يجوز إبداله بغيره، ولا أن يأتي بمعناه مع القدرة، لأنه ذكر مفروض كالفاتحة.
وإذا بلغ في التشهُّد قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" أشار بالمسبِّحة عند قوله: "إِلّا الله" إشارة إلى الوحدانية، وهل يحرك أصابعه عند الإشارة؟ فيه وجهان:
[ ٢ / ١٢٣ ]
أحدهما: بلى، وهو رواية وائل بن حجر عن رسول اللهﷺ- قال: ثم رفع أصبعه، فرايته يحركها يدعو بها.
والثاني: لا يحرك؛ لما روي عن عبد الله بن الزُّبير أن النبيﷺ- كان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها لا يجاوز بصره إشارته، ولا يشير بأصبعين؛ لما روي عن أبي هريرة أن رجلًا كان يدعو بأصبعيه، فقال رسول اللهﷺ-: "أحِّد أحِّدْ".
فإذا فرغ من التَّشَهُّدِ يصلي على النبيﷺ- والصلاة على النبيﷺ- فريضة في التشهد الأخير عند الشافعي، وهل هي سنَّة في التشهد الأول؟ قولان:
أحدهما: وهو قول أكثر أهل العلم ليست سنَّة؛ لأنه بنى على التخفيف.
[ ٢ / ١٢٤ ]
والثاني: سنَّة؛ لأن كل جلسة شرع فيها التشهد شرعت فيها الصَّلاة، كالتشهد الأخير، فعلى هذا إذا تركها يسجد للسَّهو، كما لو ترك التشهد الأول.
وعند أبي حنيفة إذا صلَّى في التشهد الأول يسجد للسهو، وهي سنَّةٌ في التشهد الأخير عنده، وعند أكثر أهل العلم، وتفرد الشافعي بإيجابها.
وكيفية الصلاة ما روي عن كعب بن عجرَةَ قال: سألنا رسول اللهﷺ- فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلِّم؟ قال: "قولوا اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيدٌ.
وهل يجب الصلاة على الآل في التشهد الأخير؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: لا يجب، وهو المذهب، فهي سنّة، وهل يجب بتركها سجود السَّهو؟ فيه وجهان: الأصح: لا يجب، وكذلك إذا قلنا: الصلاة على النبيﷺ- سنّة في التشهد الأول حتى يجب بتركها سجود السهو فإذا ترك الصلاة على الآل، هل يسجد السَّهو؟ فيه وجهان.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وأقل فرض الصلاة أن يقول: اللهم صلِّ على محمد، فإن أوجبنا على الآل يقول: وآله.
وعند ابن سريج: يكفي أن يقول: وأشهد أن محمدًا رسول الله.
ونص الشافعي على أنه لو قال: وصلى الله على رسول الله، لم أرَ عليه إعادةً.
قال الشيخ إمام الأئمة: وفيه دليل على أنه لو قال: اللهم صلِّ على النبي أو على أحمد جاز، ولو كرر التشهد أو الصلاة على النبيﷺ- لا تبطل صلاته، ثم بعد ما صلى على النبيﷺ- في التشهد الأول يقوم معتمدًا على يديه، ويصلي الركعتين الأخريين كالأولين، غير أنه لا يجهر فيهما بالقراءة في صلاة الجهر، ويقرأ الفاتحة، ولا يقرأ السورة في أحد القولين.
وقال أبو حنيفة: لا يجب القراءة إلا في ركعتين.
وإذا فرغ من الصلاة على النبيﷺ- في التشهد الأخير يستحبّ أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وله أن يدعو بما أحبَّ من أمر الدنيا والآخرة؛ لما روينا عن ابن مسعود عن النبيﷺ- "ثم ليتخيَّر من الدُّعاء أعجبه إليه فيدعو".
ولا يجوز بالفارسية على الصحيح من المذهب إذا كان يحسن العربية.
وعند أبي حنيفة لا يجوز أن يدعو إلا بدعاءٍ ورد في خبر، ويستحب أن يقول بما روي عن عائشة أن رسول اللهﷺ- كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم" فقال له قائل ما أكثر ما تستعيد من المغرم! فقال: "إن
[ ٢ / ١٢٦ ]
الرَّجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف".
وروي عن أبي بكر الصديق﵁- قال: يا رسول الله: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرَّحيم".
ويستحب أن يكون دعاؤه أقل من التشهد والصلاة على النبيﷺ-؛ لأنه تبع لهما، فإن زاد فلا يضر، إلا أن يكون إمامًا فيكره له التطويل، ويكره إطالة التشهد الأول، فلو فعل لم تبطل صلاته، نصَّ عليه، ولو سها لا يسجد للسهو. والله أعلم.
فصلٌ: في السَّلام
روي عن عبد الله بن مسعود أن رسول اللهﷺ- كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرى بياض خدِّه الأيمن، وعن يساره السلام عليكم حتى يرى بياضُ خدِّه الأيسر.
[ ٢ / ١٢٧ ]
إذا فرغ المصلِّي من التشهد الأخير يجب عليه أن يسلم، وهو رُكن، من أركان الصلاة، لا يتم الصلاة إلا به.
وقال أبو حنيفة: إذا أتى بشيء يضادّ الصلاة مختارًا من كلام، أو حدثٍ خرج عن الصلاة وتمت صلاته، وإن أحدث ناسيًا قال: لا يخرج عن صلاته، بل يتوضأ ويبني، وإذا وقع المُبطِلُ لا باختياره، مثل انقضاء مدّة المسح ورؤية المتيمم الماء، وطلوع الشمس، قال: تبطل صلاته.
دليلنا عليه قول النبيﷺ-: "مفتاحُ الصلاة الوضوء وتحريمها التَّكبير وتحليلها التَّسليم".
جعل التحليل بالسلام، فثبت أنه لا يحصل بغيره، وأقل فرض السلام أن يقول: السلام عليكم مرّة واحدة إلى أيَّ جهة كان، فلو نقص منه حرفًا فقال: السلام عليك لم يجز، ولو تعمد بطلت صلاته، وكذلك لو قال: سلام عليكم بلا تنوين، ولو قال: سلام
[ ٢ / ١٣٢ ]
عليكم بالتنوين ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه نقص الألف واللام، وإن تعمد بطلت صلاته.
والثاني: يجوز، والتنوين يقوم مقام الألف واللام، ولو قال: عليكم السلام يجوز؛ لأنه يعرف تسليمًا.
وقال ابن سريج: لا يجوز، ولو قال: سلامي عليكم، أو سلام عليكم لم يجز؛ لأنه خصّ ولم يعم، وتبطل صلاته إن تعمد.
ولو قال: السلام عليهم لا يحصل به التحليل، ولا تبطل صلاته؛ لأنه لم يخاطبهم، بل دعا لهم، والصلاة محل الدعاء للمؤمنين، وتمام السلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله مرتين.
والسُّنَّة أن يبتدئ السلام مستقبل القِبلة، ويتمه ملتفتًا، فحيث يكون انقضاء سلامه مع تمام الالتفات، ففي التسليمة الأولى يلتفت عن يمينه حتى يرى من على يمينه خدَّه الأيمن، وفي التسليمة الثانية يلتفت عن يساره حتى يرى من على يساره خدَّه الأيسر، ولو بدأ باليسار يُكره، ويجوز، هذا هو المذهب أنه يسلم تسليمتين.
وقال في القديم: تسليمة واحدة تلقاء وجهه.
وفيه قول: آخر: أنه إن كان إمامًا، وفي القوم كثرة يسلم تسليمتين، حتى يصل إلى آخرهم، وإن كان في القوم قلة سلم تسليمة واحدة.
وهل تجب نية الخروج عن الصلاة؟ فيه وجهان.
أظهرهما: لا يجب، كسائر العبادات لا يجب فيها نيَّة الخروج.
وقال صاحب "التلخيص": يجب؛ لأنه أحد طرفي الصلاة، فيفتقر إلى النية كالتحريم. فإن قلنا: يجب أن ينوي مع التَّسليمة الأولى، فلو نوى قبلها بطلت صلاته ولو سلم ولم ينو بطلت صلاته، ولا يجب تعيين النية عند الخروج؛ لأن الخروج متعيّنٌ عما شرع فيه، بخلاف الشروع يحتاج فيه إلى تعيين النية؛ لأنه متردد، فلو عين وأخطأ إن قلنا: لا يجب نية الخروج عن الصلاة لا يضر؛ لأن ما لا يجب نيَّته فالخطأ فيه لا يضر، كتعيُّن اليوم في الصلاة لا يجب، فلو عين يومًا وأخطأ تصح صلاته.
وإن قلنا: يجب نيَّة الخروج، وإن تعمَّد بطلت صلاته، وإن سها سجد للسهو، ويعيد
[ ٢ / ١٣٣ ]
السلام مع النية، وكذلك لو سلم وترك النية، وقلنا: هي واجبة، فإن تعمَّد بطلت صلاته، وإن سها سجد للسهو، وسلم ثانيًا مع النية.
ويستحب أن ينوي بالتسليمة الأولى الخروج عن الصلاة، والسلام على من على يمينه من الملائكة، وإن كان إمامًا، فعلى من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس، وبالتسليمة الثانية السلام على من على يساره من الملائكة، ومسلمي الجنِّ والإنس، والمأموم ينوي هكذا، ثم إن كان على يمين الإمام ينوي معها بالتسليمة الثانية الرد على الإمام، وإن كان على يساره، فبالتسليمة الأولى ينوي الرد، فإن كان في محاذاته، فبأي التسليمتين شاء، ولو نوى بعض المأمومين الرد على البعض يجوز، وهذا كله مستحبٌ، فلو لم ينو فمطلق سلامه يقع هكذا، إلا بنية الخروج، فإنها واجبة في وجه.
وروي عن سمرةَ قال: أمرنا رسول اللهﷺ- أن نسلِّمَ على أنفسنا، وأن يسلِّم بعضنا على بعض.
ويستحب أن يذكر الله بعد الفراغ من الصلاة.
وروي عن المغيرة بن شعبة أن النبيﷺ- كان يقول في دُبُر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ".
[ ٢ / ١٣٤ ]
وعن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول اللهﷺ- إذا سلّم من صلاته قال بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاه، له النعمة وله الفضل، وله الثَّناء الحسنُ، لا إله إلا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون".
وعن ثوبان قال: كان رسول اللهﷺ- إذا انصرف عن صلاته استغفر ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" وعن سعد أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، ويقول: إن رسول اللهﷺ- كان يتعوذ بهن دبُر الصَّلاة "اللهم إني
[ ٢ / ١٣٥ ]
أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذُ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر".
والسُّنة للإمام إذا سلَّم عن صلاته ألا يمكُثَ في موضع صلاته ليعلم الدَّاخلُ فراغَهُ؛ ولأن المستحبَّ للمأموم أن يقوم ما لم يقُم الإمام، وربما يكون له شُغل شقَّ عليهم انتظاره.
روي عن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- إذا سلَّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللَّهم أنت السَّلام ومنك السَّلامُ تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام".
فإن كان خلف الإمام نساءٌ فيمكث قدرَ ما ينصرف النساء، ولا يختلطن بالرجال.
روي عن أم سلمة أن النساء في عهد رسول اللهﷺ- كنَّ إذا سلَّمن من المكتوبة قُمن، وثبت رسول اللهﷺ- ومن صلَّى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول اللهﷺ- قام الرجال، ثم إن كانت الصلاة مما يتنفل بعدها، فالمستحبُّ أن يرجع إلى بيته لأداء السُّنة، فإن لم يفعل يُستحب أن يتأخر عن موضع فرضِهِ قليلًا ليكثر مواضع السجود، فلو صلَّى في مكانه جازَ.
وعند أبي حنيفة يُكرَهُ للإمام أن يتطوع في مكانِهِ ولا يكره للمأموم.
وإن كانت الصلاة مما لا يتنفل بعدها نظر إن أراد الانصراف انصرف إلى جانب بيته، أو مداسِهِ أو حاجته، فإن استوى الجانِبان، فاليمين أحبّ إلينا، وإن أراد المُكْثَ في المسجد ينصرف، ويستندُ إلى المِحرابِ، ويستحب أن ينصرف عن يمينه؛ لما روي عن أنس أن
[ ٢ / ١٣٦ ]
النبيﷺ- كان ينصرف عن يمينه، وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة يدخل يمينه في المِحراب، ويساره إلى الناس، ويجلس عن يمين المِحراب.
والثاني وهو الأصح: يدخل يساره في المِحراب، ويمينه إلى القوم، ويجلس على يسار المحراب؛ لما روي عن البراء قال: كنا إذا صلَّينا خلف رسول اللهﷺ- أحببنا أن نكون على يمينه، يقبل علينا بوجهه، ولأنه ربَّما يكون معه مأموم واحد واقف على يمينه، فإذا فعل هكذا يكون مُقبلًا عليه بوجهه.
ويستحبُّ للمأموم ألا يبتدئ السَّلام حتى يفرغ الإمام من التسليمتين، وكذلك المسبوق لا يقوم إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين، فلو سلم المأموم، أو قام المسبوق بعد فراغه من قوله: السَّلام عليم جاز ولو سلَّم أو قام المسبوقُ قبل أن يبتدئ الإمام السلام بطلتْ صلاتهما، ولو ابتدئ المأموم السَّلام مع الإمام، أو قبل فراغه من قوله: عليكم هل يجوز؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز، كما لو ابتدأ التكبير معه لا يصح.
والثاني: يجوز، كما لو أتى بسائر الأركان معه، ولو قام المسبوق قبل فراغه من قوله: عليكم بطلت صلاته، ولو مكث المسبوق ساعة بعد فراغ الإمام من التسليمتين، نظر إن كان ذلك موضع تشهده جاز، وإن لم يكن بطلت إن تعمَّد، وإن سها فعليه سجود السهو.
فصلٌ
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
ينبغي للمصلِّي أن يكون في صلاته خاشعًا مقبلًا بقلبه عليها، حافظًا بصره، لا يلتفت يمينًا وشمالًا، فيكون بصره على موضع سجوده في القيام، وفي الركوع على ظهر قدميه، وفي السجود على أنفه، وفي القعود في حجره.
[ ٢ / ١٣٧ ]
روي عن أبي ذرِّ قال: قال رسول اللهﷺ-: "لا يزال الله مقبلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه".
وعن أنس أن النبيﷺ- قال: "يا أنس اجعل بصرك حيث تسجد" فلو كان ينظر إلى جانب لحاجةٍ لم يُكره؛ لما روي عن ابن عباس أن رسول اللهﷺ- كان يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يلو عنقه خلف ظهره.
ويكره أن يرفع بصره إلى السماء؛ لما روي عن أنس قال: قال رسول اللهﷺ-: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلواتهم" فاشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينتهيَّن عن ذلك أو ليتخطَّفنَّ أبصارهم".
[ ٢ / ١٣٨ ]
ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه عن الصلاة؛ لما روي عن عائشة أن النبيﷺ- صلى في خميصة لها أعلام ينظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي".
ويكره مسح الحصى؛ لما روي عن أبي ذرِّ عن النبيﷺ- أنه قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإنَّ الرحمة تواجهه".
[ ٢ / ١٣٩ ]
روي عن معيقيب أن النبيﷺ- قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد، قال: "إن كان قاعدًا فواحدة".
ويُكره التثاؤب، لما روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- قال: "التثاؤب في الصَّلاة من الشيطان، فإذا تثاؤب أحدكم فليكظم ما استطاع".
[ ٢ / ١٤٠ ]
وفي رواية: "فليضع يده على فيه".
ويكره أن يشبِّك بين أصابعه، أو يفرقع أصابعه ..
روي عن كعب بن عُجرة أن رسول اللهﷺ- قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبِّكنَّ بين أصابعه، فإنه في الصلاة" ويكره أن يصلِّي الرجل متلثِّمًا، ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة؛ لأن وجهها ليس بعورةٍ.
روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- نهى عن السَّدلِ في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه، وأراد بالسَّدْلِ إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، كرهه الثَّوري والشافعي، ورخَّص فيه مالكٌ في الصلاة؛ لأن المصلي ثابت، وغير المصلي يمشي فيه فيكون من الخُيلاء.
فصلٌ: في الجهر بالقراءة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].
السُّنَّة أن يُسِرَّ بالقراءة. في صلاة الظهر والعصر، وفي الركعة الثالثة من صلاة المغرب، وفي الأخريين من صلاة العشاء، ويجهر بالقراءة في صلاة الصُّبح، وفي الأوليين من صلاة المغرب والعشاء إن كان إمامًا أو منفردًا.
أما المأموم فيُسرُّ بالقراءة.
وعند أبي حنيفة: المنفرد يُسِرُّ، وعندنا يجهر؛ لأنه لا ينازع غيره، ولا هو مأمور بالإنصات إلى غيره كالإمام، والجهرُ مخصوص بالقراءة وتابعها، وهو التَّأمين، أما سائر الأذكار يسر بها إلا أن يكون إمامًا، فيجهر بالتكبيرات إعلامًا للقوم.
وجملته أن صلاة الليل يجهر فيها بالقراءة، أما صلاة النهار إن كان لها نظير بالليل
[ ٢ / ١٤١ ]
كالظهر والعصر يُسِرّ فيها بالقراءة، وإن لم يكن لها نظير بالليل كالصبح والجمعة والعيدين والاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، ويسر في صلاة كسوف الشمس، ويجهر في صلاة خسوف القمر، ولو فاتته صلاةٌ بالليل، فقضاها بالليل يجهر فيها، ولو فاتته بالنهار وقضى بالنهار يسر، ولو فاتته بالليل وقضى بالنهار، أو فاتته بالنهار قضى بالليل، فيعتبر وقت القضاء أو وقت الفوات؟ فيه وجهان:
قال الشيخ﵀-: الأصح أن يعتبر وقت القضاء، وإذا تطوَّع بالليل، فالسُّنة ألا يرفع صوته بليغًا، ولا يخفض جدًا لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠].
روي عن أبي قتادة قال: قال رسول اللهﷺ-: "يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، وقال لعمر: "مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك" قال: أوقظ الوسْنَانَ وأطرُدُ الشيطان، فقال النبيﷺ- لأبي بكر﵁-: "ارفع من صوتك شيئًا" وقال لعمر﵁-: "اخفض من صوتك شيئًا".
فصلٌ: في القُنُوت
قال ابن عباس: قنَتَ رسول اللهﷺ- شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب
[ ٢ / ١٤٢ ]
والعشاء وصلاة الصبح، إذا قال: سمع اللهُ لمن حمده من الرَّكعة الأخيرة يدعو على أحياء من سليم على رعْل وذكوان وعصية، ويؤمِّن من خلفه.
وعن أنس أن النبيﷺ- قنت شهرًا، ثم تركه.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وذهب الشافعي إلى أنه يقنت في صلاة الصبح بعد ما رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وفرغ من قوله: ربَّنا لك الحمد إلى آخره، وقال: تركه النبيﷺ- في الصلوات غير الصبح، وهو قول عليٍّ.
وقال عروة: يقنت في الصبح قبل الركوع.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وابن المبارك، وأكثر أهل العلم: لا يقنت في الصبح.
واتفقوا على القنوت في الوِتر، غير أن الشافعي يقول: يقنت في النِّصف الأخير من رمضان، وهو قول ابن عمر وأبي بن كعب، وبه قال الزهري وأحمد.
وقال مالك: يقنت في جميع شهر رمضان.
وقال النَّخعي، والثوري وابن المبارك، وأبو حنيفة: يقنت في جميع السَّنَة، ويقنت عندهم قبل الرُّكوع، وبعد الفراغ من القراءة يرفع يديه فيُكبر، ثم يقنت.
والذِّكر في القنوت ما روي عن الحسن بن علي﵁- قال: علَّمني رسول اللهﷺ- كلمات أقولهن في الوتْر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك
[ ٢ / ١٤٤ ]
تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يزلُّ من واليت، تباركت ربَّنا وتعاليْتَ".
وإن كان إمامًا لا يخص نفسه، ويذكر بلفظ الجمع، فيقول: اللهم اهدنا، وعافنا، وتولنا، وبارك لنا، وقنا، ويجوز إبدال هذه الكلمات بغيرها من الدَّعوات، بخلاف التشهد، فإنه فرضٌ، أو من جنس الفرض، ثم إن كان الرجل منفردًا يُسِرُّ بالقنوت، وإن كان إمامًا فيه وجهان:
[ ٢ / ١٤٥ ]
أحدهما: يُسِرُّ كما يسر بسائر الدعوات في الصلاة، فعلى هذا يقرأ من خلفه.
والثاني وهو الأصح: يجهر؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- كان إذا أراد أن يدعو على واحدٍ، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدُد وطأتَك على مُضَر، واجعلها سنين كسني يوسف، يجهر بذلك فعلى هذا يؤمن القوم خلفه في الكلمات الخمس التي هي دعاء، ويذكرون معه الكلمات الثلاث التي هي ثناءٌ سرًّا.
[ ٢ / ١٤٦ ]
وهل يجهر بالتأمين؟ فيه وجهان، كما في تأمين القراءة، فعلى هذا إن كان المأموم لا يسمع قنوت الإمام لبعد أو صمم، هل يقنت؟ فيه وجهان، كما في قراءة السورة.
وعند أبي حنيفة إذا قنت الإمام في الوتر سكت المأموم.
وقال محمد بن الحسن: يقرأ معه، وهل يرفع يديه في القنوت؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يرفع كسائر الأدعية في الصلاة لا يُسَنّ فيها رفع اليدين.
والثاني: يرفع، كما لو دعا خارج الصلاة.
ويروى رفع اليدين في القُنوت عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، فعلى هذا هل يمسح بهما وجهه؟ وجهان:
الأصح: لا يمسح، ويستحبُّ أن يصلِّي على النبيﷺ- في القنوت.
قال عمر بن الخطاب: إن الدُّعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد فيها شيء حتى تصلي على نبيك.
وقيل: لا يصلي فإن فعل، فهو كما لو قرأ الفاتحة في التشهد؛ لأنها ذكر مفروض نقله إلى غير محلّه، ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول.
ولو قنَتَ قبل الركوع، فهو كما لو قرأ التشهد في القيام، وكذلك لا يقرأ القرآن في
[ ٢ / ١٤٧ ]
القنوت، فإن قرأ قال الشافعي في "الأم": كرهته إلا أنه لا تبطل صلاته، ويسجد للسهو.
قلت: وكذلك لو قرأ في الركوع.
ولو حدث له أمر أو خاف عائقة يجوز أن يزيد في دعاء القُنوت، ولو نزلت بالمسلمين نازلةٌ يجوز أن يقنت في جميع الصلوات، كما فعل النبيﷺ- على قَتَلة أهل بئر معونة، وعند عدم نزول النازلة هل له أن يقنت في جميع الصلوات؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يقنت.
وقال في "الإملاء": إن شاء قنَتَ، وإن شاء لم يقنت بعد الركوع في.
فإن قلنا: لا يقنت، فلو دعا بعد الركوع في غير محل القنوت، فإن دعا مطلقًا لا ينوي به القنوت، لم يسجد للسهو وإن نوى القنوت سجد للسهو.
والفرق أن الدعاء لغير القنوت غير مقصود فإذا أتى به لم يسجد للسهو ودعاء القنوت مقصود فإذا أتى به في غير موضعه سجد للسهو.
فصلٌ: في بيان أقل ما يجزئ من عمل الصلاة
روي عن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهي عن عقبة الشيطان، ونهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم.
الصلاة تشتمل على أركان، وأبعاض، وهيئات، فالأركان هي الفرائض إذا ترك شيئًا منها لا تصح صلاته، والأبعاض من جملة السُّنن لو ترك شيئًا منها تصح صلاته، ولكن يلزمه
[ ٢ / ١٤٨ ]
سجود السهو، والهيئات هي السنن التي لو تركها فات حظه من ثوابها، وتصح صلاته، ولا يلزمه سجود السهو بتركها.
أما الأركان فثلاثة عشر: النية، وتكبيرة الافتتاح، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع حتى يطمئن فيه، والرفع من الركوع حتى يعتدل ويطمئن، والسجود حتى يطمئن فيه، والجلوس بين السجدتين حتى يطمئن فيه، والجلوس للتشهد في آخر الصلاة، وقراءة التشهد، والصلاة على النبيﷺ-، والتسليمة الأولى، وترتيب أفعالها.
وإذا أوجبنا نية الخروج، فتكون أربعة عشر، وإذا أفردت السجود الثاني يكون خمسة عشر، وبعضنا يفرد الطمأنينة في الركن عن الركن، فيقول: الركوع والطمأنينة فيه، والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود والطمأنينة فيه، والقعود بين السجدتين والطمأنينة فيه، فيكون في الركعة الأولى خمسة عشر ركنًا مع الترتيب، وفي كل ركعة بعدها ثلاثة عشر، وفي التشهد الأخير أربعة سوى نية الخروج، فكل صلاة هي ذات ركعتين يكون فيها اثنان وثلاثون ركنًا.
وأما الأبعاض فأربعة: القعود للتشهد الأول، وقراءة التشهد فيه، والقيام في محل القنوت، وقراءة القنوت في صلاة الصبح وفي الوتر، والصلاة على النبيﷺ- في التشهد الأول على أحد القولين، فيكون خمسًا، وما سواها هيئات ذكرنا تفصيلها.
وعند أبي حنيفة فرائض الصلاة سبعة: الدخول فيها بذكر الله، والقيام، وقراءة القرآن، والركوع، والسجود، والقعود، ومقدار التشهد الأخير، والخروج منه وعنده النية من أسباب الدخول.
أما شرائط الصلاة قبل الشروع فيها خمسة: الطهارة عن الحدث والخبث، وسترُ العورة، واستقبال القِبلة، والعلم بدخول الوقت يقينًا أو اجتهادًا بغلبة الظن، والعلم بفرضية الصلاة ومعرفة أعمالها، فإن جهل الرجل فرضية أصل الصلاة، أو علم أن بعض الصلوات فريضة، ولكن لا يعلم فرضية الصلاة التي يشرع فيها لا تصح صلاته، وكذلك إذا كان لا يعرف فرضية الوضوء.
أما إذا علم أن الصلاة التي شرع فيها فرض، لكن لا يعرف أركانها، نظر إن كان يعلم أن بعض أفعالها فرض، والبعض سُنة، لكنه لا يعرف الفرض من السُّنة، لا تصح صلاته، وإن كان يعتقد أن جميع أفعالها، فرض، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تصح صلاته؛ لأن معرفتها فرض عليه، فإذا لم يعرف، فكأنه ترك ركنًا من الصلاة.
[ ٢ / ١٤٩ ]
والثاني: يصح؛ لأنه ليس فيها أكثر من أنه أدى سُنَّة باعتقاده الفرض، وذلك لا يؤثر في أداء الفرض، فإذا لم تصح صلاته، فهل يصح وضوءه في هذه الصورة؟ فيه وجهان.
فصلٌ: في ستر العورة
قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وروي عن أبي هريرة أن سائلًا سأل رسول اللهﷺ- عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: "أولكلكم ثوبان؟ ".
المستحبُّ للرجل أن يلبس أحسن ما يجد في الصلاة، يتعمم، ويتقمص، ويرتدي، فلو صلى في إزار وسراويل وستر عورته، جاز.
وعورةُ الرجل ما بين السُّرة والرُّكبة، فإن ظهر شيء منه في الصلاة مع وجود الساتر لا تصح صلاته، والسرة والركبة ليسا بعورةٍ.
والصلاة في القميص أحبُّ إلينا من الإزار، والإزار أحب إلينا من السراويل، لأن الإزار يتجافى عن العورة، فلا يصفها، فإن الإزار واسعًا التحَفَ به، وخالف بين طرفيه على عاتقيه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: "إذا صلَّى أحدُكُم في
[ ٢ / ١٥٠ ]
ثوبٍ واحد فليخالف بطرفيه على عاتقيه.
وعن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: "لا يصلِّينَّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيءٌ".
ولو صلى في قميص واسع الجيب يرى عورته من الأعلى، لا تصح حتى يزره؛ لما روي عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله إني رجل أصيد أفأصلي في القميص الواحد قال: "نعم وأزرِرْهُ ولو بشوكةٍ" وهذا بخلاف ما لو صلى في إزار على طرف سطح يرى عورته من تحته، تصح صلاته؛ لأنه مأمور بالسَّتر من الأعلى، وإن كان واسع الجيب، غير أن لحيته وتمنع نفوذ الأبصار إليها ففيه وجهان:
[ ٢ / ١٥١ ]
أصحهما: يجوز، كما لو كان على إزاره ثقبة، فجمع عليها الثوب بيده يجوز، ولو وضع يده على الثقبة فكاللحية، ولو صلَّى في ثوب رقيق لا يستر لون عورته لا تصح صلاته، وكذلك لو ستر عورته بزجاج يرى من تحته لون عورته، ولو طَلَى الطين على عورته، أو كان يصلِّي قاعدًا، فجمع التراب على عورته، أو وقف في ماء كدرٍ تصح صلاته على الأصح، فإن كان الماء صافيًا لا يستر لون عورته لم تصح، ومن لم يجد ثوبًا يستر به عورته يصلي عاريًا، وكيف يصلي؟ فيه قولان:
أصحهما: يصلي قائمًا بين الركوع والسجود؛ لأن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه، ولا إعادة عليه.
والثاني: يصلي قاعدًا، وهو اختيار المُزنيّ ليكون أستر، وهل يتم السجود على الأرض أم يدني جبهته من الأرض؟ فيه قولان.
فعلى هذا يجب الإعادة، ولو وجد من الثوب ما يستر به بعض عورته، يجب أني ستر بذلك القدر، ويبدأ بالسَّوءتين، فإن وجد ما يستر به أحد الفرْجين يستر القُبُل رجلًا كان أو امرأة؛ لأنه لا حائل دون القُبُل، ودون الدُّبُر حائل من الأليتين، ولأنه يستقبل بالقُبُل القِبلة، وإن كان العُريان خُنثى ستر قُبُله، فإن كان الثوب يكفي لأحد قُبُليه يستر أيهما شاء، والأولى أن يستر آلة النساء إن كان هناك رجل، وإن كانت امرأة فآلة الرجال، وإن كان رجل وامرأة عاريان والثوب واحد، فالمرأة أولى به، فإن لبسه الرجل، فقد أساء، وتصحُّ صلاة المرأة عارية، وإن كان خُنثى ورجل فالخُنثى أولى به، وإن كان خنثى وامرة، فالمرأة أولى به، وإن وجد العريان ثوبًا نجسًا عليه ستر العورة به، وهل يُصلِّي فيه أم يصلي عاريًا؟ فيه قولان:
أحدهما: يُصلِّي فيه كما يلبسه لمنع أبصار الناس، ثم يعيد الصلاة.
[ ٢ / ١٥٢ ]
والثاني: وهو الأصح يصلي عاريًا ثم [هل يصلي قائمًا؟ الأصح أنه] يُصلّي قائمًا، ولا تلزمه الإعادة.
وقال أبو حنيفة: يتخير العُريان بين أن يصلي عاريًا، أو في الثوب النجس، ولو كان طرف من الثوب نجسًا ولا يجد ما يغسله هل يجب قطعه أم لا؟
نظر إن كان النقصان الذي يدخله أكثر من أجر مثل الثوب لا يجب أن يقطعه، وإلا فيجب ولو وجد العُريان ثوبًا للغير لا يجوز أن يلبسه، غير أنه لو لبسه وصلَّى فيه صحت صلاته، كما لو صلى في ثوب مغضوبٍ صحت صلاته، وإن كان عاصيًا بالغصب، وكما لو غصب ماء فتوضأ به صحت صلاته، ولو وجد الرجل ثوبًا من ديباج، المذهب أنه يلبسه، ويصلي فيه.
قال الشيخ﵀-: ويجب لُبْسُهُ لستر العورة عن الأبصار.
فصلٌ: [فيما تفترق المرأة عن الرجل في الصلاة]
روي عن عائشة عن النبيﷺ- أنه قال: "لا تُقبل صلاة حائض إلا بخمار" وأراد بالحائض البالغة لا فرق بين الرجال والنساء في أركان الصلاة، إلا أنهما يفترقان فيما يؤول إلى الستر.
صلاة المرأة في البيت أفضل منها في المسجد، وداخل البيت أفضل من الصّحن، والصّفة، ولا أذان للنساء، ولا تجهر المرأة في الصلاة كجهر الرجال، بل تسمع نفسها ومن حولها من النساء، ولا تجهر في موضع فيه رجال أجانب، وتضم مرفقيها إلى جنبيها في الركوع والسجود، وتلصق بطنها بفخذيها في السجود، وتضم رجليها، ويستحب أن تتخذ جلبابًا غليظًا تلبسه فوق ثيابها ليكون متجافيًا عنها، فلا يحكي ثيابُها بدنها، وإذا نابها شيء
[ ٢ / ١٥٣ ]
في الصلاة، فأرادت الإعلام، فإنها تصفِّقُ، والرجل يسبِّح؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: "التَّسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
ولا نعني بالتصفيق ضرب الكف على الكف؛ لأنه يشبه اللهو، بل تكون آخذة كوعها اليسرى بكفها الأيمن، فتضرب ظهر اليسرى ببطن اليمنى.
ويجب عليها ستر العورة، كما يجب على الرجل، غير أنهما يفترقان في العورة، فعورة الرجل ما بين السُّرَّة والركبة، والمرأة إن كانت حرَّة فجميع بدنها عورة إلا الوجه
[ ٢ / ١٥٤ ]
والكفَّين، ونعني بالكفَّين بطن الكفين وظهرهما إلى الكُوعين، وفي أخمص قدميها قولان.
الأصح: أنه عورة، كظهر القدم، فلو ظهر شيء من بدنها ولو شعرة من رأسها سوى الوجه والكفين لا تصح صلاتها.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وعند أبي حنيفة: إذا ظهر من السَّوْءة قدر درهم أو من سائر البدن أقل من ربع العضو صحت صلاتها.
قلنا: صلت مكشوفة بعض العورة مع القدرة على الستر، فوجب ألا تصح، كما لو زاد على قدر الربع، أما الأمة ففي عورتها وجهان:
أصحهما: ما بين السُّرة والركبة كالرجل.
والثاني: عورتها ما لا يبدو في الفضلة والمهنة.
ولو انكشف من عورة المصلي في خلال الصلاة بريح أو غيرها، إن ستر في الحال صحت صلاته؛ لأنه معذور، وإن لم يستر في الحال علم به أو لم يعلم بطلت صلاته.
ولو صلّت الأمة مكشوفة الرأس تصح صلاتها؛ لأن رأسها ليس بعورة، فلو عتقت في خلال الصلاة يجب عليها ستر الرأس، ثم إن علمت بالعتق في الحال والثوب قريب منها سترت رأسها، وبنت على صلاتها، وإن لم تستر في الحال إما لجهل بالعتق أو لبُعد الثوب عنها بطلت صلاتها.
وخرج قول ممن صلى وعلى ثوبه نجاسة لم يعلمها أنَّ ها هنا إذا لم تعلم بعتقها لا تعيد، والمذهب وجوب الإعادة في الموضعين.
وخرج قول من سبق الحدث عن القديم أن الثوب إذا كان بعيدًا عنها مشت إليه، وسترت رأسها، وبنت على صلاتها، وكذلك العُريان إذا وجد الثوب في خلال الصلاة، وهو قريب منه لبسه، وبنى على صلاته، وإن كان بعيدًا بطلت صلاته.
فصلُ: فيما يفسد الصلاة
روي عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلم على النبيﷺ- وهو في الصلاة قبل أن يأتي أرض "الحبشة" فيرد علينا فلما رجعنا أتيته لأسلم عليه، فوجدته يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ فأخذني ما قرُب وما بعد، فجلست حتى إذا قضى صلاته، قال: إن الله يحدث من أمره ما شاء وإنَّ ما أحدث ألا تَكَلَّموا في الصلاة".
[ ٢ / ١٥٦ ]
إذا تكلم في صلاته، أو سلَّم في غير موضعه عمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا لا تبطل صلاته، وعليه سجود السهو، وإن تكلم جاهلًا بأن الكلام يبطل الصلاة، نظر إن كان قريب العهد بالإسلام لا تبطل صلاته، كالناسي، وإن كان بعيد العهد بطلت صلاته؛ لأنه كان عليه أن يتعلَّم، ولو أكره حتى تكلم، أو أكره حتى فعل فعلًا لا يلائم الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه نادر، بخلاف النسيان، فإنه عام هذا كما لو قيل له: إن تطهَّرت بالماء قتلناك، والماء موجود، أو قيل له: إن قمت في الصلاة قتلناك، فصلى بلا وضوء، أو قاعدًا تجب عليه الإعادة. وكذلك لو حوَّل رجل وجه المصلي عن القِبلة، فصلى مستدير القِبلة يجب الإعادة، وإن كثر كلام الناسي تبطل صلاته على ظاهر المذهب؛ لأنه يقطع الموالاة، ولأن الاحتراز عن الكثير ممكن، فإن وقع يكون نادرًا.
وقال النَّخَعِيُّ، وأبو حنيفة: كلام الناسي يبطل الصلاة.
لنا ما روي عن أبي هريرة، قال: صلى رسول اللهﷺ- إحدى صلاتي العشاء، فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قِبلة المسجد، فاستند إليه مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يتكلما، وخرج سرعان الناس يقولون: قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله قصرت الصلاة، أو نسيت؟ فنظر النبيﷺ- يمينًا وشمالًا فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: صدق لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، فرفع ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع.
[ ٢ / ١٥٧ ]
وفي رواية "وسلم".
وقال الأوزاعي: كلام العَمْدِ إذا كان من مصلحة لا تبطل الصلاة مثل أن يقوم الإمام
[ ٢ / ١٥٨ ]
في محل القعود، فقال له: اقعُد أو يقعد في محل القيام، فقال: قم، واحتج بهذا الحديث.
قلنا: النبيﷺ- كان ناسيًا، وذو اليدين كان جاهلًا بكونه في الصلاة؛ لأنه كان يقدر
[ ٢ / ١٥٩ ]
قصر الصلاة، والقوم كانوا يجيبون النبيﷺ- وإجابة النبيﷺ- فرضٌ على من دعاه، وإن كان في الصلاة لا تبطل الصلاة بإجابته لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وبدليل أنك تخاطبه في الصلاة فتقول: سلام عليك أيها النبي، ومثل هذا الخطاب مع غيره يبطل الصلاة.
ولو تكلم بكلام موافق نظمه نظم القرآن مثل إن دق رجل الباب فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، أو أراد دفع كتاب إلى رجل فقال: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] نظر إن لم يكن قصده به قراءة القرآن بطلت صلاته، وإن قصد قراءة القرآن وإعلامه لا تبطل صلاته كما يرفع صوته بالتكبير إعلامًا.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته، وكذلك لو عطس أو بشَّر بشيء في الصلاة، فحمد الله.
وإن فتح القراءة على إمامه، أو على غير إمامه، أو نبَّه إمامه، أو غير إمامه بذكر من أذكار الله- تعالى- أو رفع صوته بالقراءة إعلامًا لا تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: إن فتح على غير إمامه بطلت.
ولو قرأ القرآن من المصحف، أو من مكتوب لا تبطل صلاته، سواء كان يحسن عن ظهر القلب، أو لا يحسن.
وعند أبي حنيفة تبطل صلاته.
ولو وقع بصره على شيء فتفكر فيه أو تفكر في مسألة، أو استمع لكلام متكلم لا تبطل صلاته، ولو أنَّ في صلاته أو بكى أو تنحنح، أو نفخ فظهر منه حرفان بطلت صلاته، وإن لم يظهر منه حرفان لا تبطل صلاته، سواء كان بكاؤه لمصيبة الدنيا أو الآخرة.
وعند أبي حنيفة إن بكى لمصيبة الدنيا تبطل صلاته، والتبسُّمُ لا يبطل الصلاة، والقهقهة تبطلها، فإن سبق الكلام إلى لسانه من غير قصد أو غلب عليه الضحك، أو غلب عليه السُّعال لا تبطل صلاته.
[ ٢ / ١٦٠ ]
ولو تنحنح الإمام، فظهر منه حرفان هل يدوم المأموم على متابعته؟ ذكر القاضي﵀- وجهين:
أحدهما: يدوم، ويحمل على أنه مغلوب؛ لأن الأصل بقاء العبادة.
والثاني: لا يتابعه؛ لأن الأصل صحته وإن كان مختارًا.
ولو سلم ناسيًا في غير محله، نظر إن تذكر والفصل قريب يبني على صلاته، وإن عمل أعمالًا أو فارق مُصلَّاه بنى حيث هو، ولا يعود إلى مُصلاه، وإن طال الفضل استأنف.
وكذلك لو نسي ركنًا من الصلاة فتذكَّر بعد ما سلم وطال الفصل استأنف الصلاة والمرجعُ في الطول والقرب إلى العادة؛ لأنه ليس له حدّ في الشرع، وقدر الشافعي الطول بقدر ركعة لا طويلة ولا قصيرة، وما دونها قصير، وإن كان قد شرع في صلاة أخرى، ثم تذكر فالثانية غير منعقدة، لأنه في حكم الأولى، ثم إن ذكر والفصل قريب بنى، وما أتى به من الأعمال بعد ما أحرم بالثانية لا يحسب عن الأولى، وإن ذكر بعد طول الفصل، فهما باطلان.
فصلٌ
روي عن علي بن طَلْقٍ قال: قال رسول اللهﷺ-: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليُعِدِ الصلاة".
إذا أحدث متعمّدًا في صلاته بطلت صلاته، وإن سبقه الحدثُ قال في الجديد، وهو المذهب: تبطل صلاته؛ لأن الطَّهَارة شرط صحة الصلاة، وقد بطلت الطهارة.
وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته، بل يتوضأ، ويبنِي على صلاته.
وفرّع على قوله القديم قال: لو سبقه الحدثُ فخرج وبالَ لا تبطل صلاته؛ لأن الطَّهارة
[ ٢ / ١٦١ ]
قد انقضت بالحدث الأول، فهذا البول لا تأثير له في بطلان الطهارة، وهو عمل قليل لا يبطل الصلاة وعند أبي حنيفة شيء من الأحداث لا تبطل الصلاة إذا غلب على المُصَلّي إلا شيئان:
أحدهما: القهقَهَةُ.
والثاني: إذا غلب عليه النَّوم فاحتلم قالوا: تبطل صلاته، وعلى قولنا القديم إذا نام في الصلاة فاحتلم فاغتسل وبنى، كما لو سبقه الحدث.
والعمل القليل في الصلاة لا يبطلها، وإن كان عمدًا لما روي عن أبي قتادة أن رسول اللهﷺ- كان يصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول اللهﷺ- فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "اقتلوا الأسوَدَيْن في الصَّلاة: الحيَّة والعقرب".
وهذا بخلاف الكلام القليل عمدًا يبطل الصلاة؛ لأن الاحتراز عنه ممكن، ولا يمكن
[ ٢ / ١٦٢ ]
الاحتراز عن العمل القليل من تحرُّك أو حكة أو نحوها.
والعمل الكثير يبطل الصلاة، وإن كان سهوًا، والمرجع فيه إلى العادة مما يعدّه الناس قليلًا مثل: إشارة بردِّ السلام، أو حملِ صبي، أو وضعه، أو لبس ثوب خفيف، أو نزعِهِ، أو قتل حيَّة بضربة أو ضربتين لا تبطل الصلاة، وكذلك مشيُ خطوتين، أو دفع مارٍّ بين يديه دفعتين لا تبطل صلاته، فإن من ضرب ثلاثًا، أو خطا ثلاث خطوات، أو دفع ثلاث مرات على التَّوَالي بطلت صلاته، وكذلك لو حكَّ ثلاثًا نفسه على التوالي بطلت صلاته، ولو فرق الضَّربات، أو الخطوات بأن ضرب ضربتين ثم بعد زمان ضرب ضربتين لا تبطل صلاته.
قال الشيخ: وحدُّ التفريق عندي أن يكون بين الأوليين والأخريين قدرُ ركعةٍ؛ لحديث أمامة، فإن النبيﷺ- كان يضعها ويحملها في كل ركعة وإن أكل في الصلاة شيئًا عمدًا وإن قلَّ بطلت صلاته، كما يبطل به الصوم حتى لو كان بين أسنانه شيء، أو نزلت نُخامة من رأسه، فابتلعها عمدًا بطلت صلاته، فإن وصل إلى حلقه، ولم يمكنه إمساكها لم تبطل صلاته وإن أكل ناسيًا لا تبطل صلاته فإن كثر بطلت، ولو مضغ علكًا بطلت صلاته، فإن أمسكه في فمه ولم يمضغ، نظر إن كان جديدًا يذوب ويتصل إلى جوفه بطلت صلاته، كما لو أمسك في فمه سكرة وإن كان مستعملًا لا تبطل صلاته كما لو أمسك في فمه حصاة أو إجَّاصَة.
أما إذا عمل في الصلاة عملًا ليس منها، ولكنها من جنس أعمالها، مثل أن زاد رُكوعًا أو سجودًا عمدًا بطلت صلاته، وإن فعل ناسيًا لا تبطل صلاته، وإن زاد على ركعة؛ لأن النبيﷺ- صلّى الظهر خمسًا، فسجد للسهو، ولم يُعِدِ الصلاة، ولو كرر قراءة الفاتحة، أو قراءة التشهد لا تبطل صلاته، وعند أبي حنيفة إذا زاد ركوعًا أو سجودًا عمدًا لا تبطل صلاته ما لم يكملها ركعةً وإن سكت في الصلاة طويلًا نظر إن كان لغرض بأن نسي شيئًا ليتذكر لا تبطل صلاته وإن كان لغير غرض ففيه وجهان.
[ ٢ / ١٦٣ ]
فصلٌ: في سُترة المُصلِّي
روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- قال: "إذا صلَّى أحدُكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، وإن لم يجد فلينصب عصاةً، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطًا ثمَّ لا يضره ما مر بين يديه".
ويستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترٌ، من جدار أو أسطوانة، ويدنو منها بحيث لا يكون بينه وبينها إلا قدر مكان السجود، وهو ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفين في صلاة الجماعة.
روي عن سهل بن سعدٍ قال: كان النبيﷺ- يصلي وبينه وبين القِبْلة قدرُ ممرِّ الشاة.
[ ٢ / ١٦٤ ]
فإن كان في صحراء يغرز بين يديه عصا، أو يضع شيئًا قدر مؤخِّرة الرحل، ويجعل السُّترة على جانبه الأيمن، أو الأيسر؛ لما روي عن المقداد بن الأسود قال: ما رأيت رسول اللهﷺ- يصلي إلى عودٍ ولا عمودٍ ولا شجرة، إلا جعله على جانبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا.
وعن موسى بن طلحة عن أبيه قال: قال رسول اللهﷺ-: "إذا وضع بين يديه مثل مؤخرة الرِّحل فليُصلِّ ولا يبال من وراء ذلك؛ فإن لم يجد المُصلِّي شيئًا يضعه بين يديه يخُطُّ خطًّا.
وإن فرش مصلى فكالخط، فإذا صلَّى إلى سُترةٍ لا يجوز لأحد أن يمرَّ بينه وبين السترة، فإن أراد إنسان أن يمر بين يديه له أن يدفعه.
روي عن أبي جهم قال: قال رسول اللهﷺ-: "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين يومًا خيرٌ له من أن يمرَّ بين يديه قال أبو نصرٍ: وهو الراوي
[ ٢ / ١٦٥ ]
للحديث: لا أدري قال: "يومًا أو شهرًا أو سنةً".
[ ٢ / ١٦٦ ]
وروي عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: "إذا صلى أحدكُم إلى شيءٍ يستره من الناس فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان".
فإن لم يجعل بين يديه سُترة أو وقف بعيدًا من السترة فلا حرج على من مرَّ بين يديه، وليس له دفعه؛ لأنه الذي ضيَّع حظَّ نفسه، ولو مرَّ بين يدي المصلي مارّ لا تبطل صلاته أي شيء كان.
قالت عائشة: كان رسول اللهﷺ- يصلي بالليل، وأنا معترضة بينه وبين القِبْلَةِ كاعتراض الجنازة.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وعن أبي سعيد قال: قال رسول اللهﷺ-: "لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم فإنما هو شيطان".
وعن عائشة أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وهو قول أحمد، وإسحاق، ويكره أن يصلي وبين يديه إنسان يستقبله بوجهه، روي أن عمر ضرب على مثله بالضرة.
فصلٌ: في المسبوق ببعض الصلاة
روي عن عليٍّ ومعاذ قالا: قال النبيﷺ-: "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام".
إذا أدرك رجل بعض صلاة الإمام يصلي معه ما أدرك، وما أدركه أول صلاته، وإن كان آخر صلاة الإمام، فإذا سلم الإمام قام، وأتمَّ صلاته، وما يأتي به بعد الإمام آخر صلاته، وهو قول عليّ وأبي الدرداء، وقول أكثر أهل العلم.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وقال الثوري، وأبو حنيفة: ما أدركه آخر صلاة المسبوق، كما هو آخر صلاة الإمام، والدليل على أن ما أدرك أول صلاته اتفاقنا على أنه لو أدرك ركعة من المغرب، فإذا سلم الإمام، وقام فصلى ركعة يقعد في الثانية، ولو كان ما يقضي آخر صلاته لكان لا يقعد، وكذلك لو أدرك الركعة الثالثة من الوتر، وقنت مع الإمام، فإذا أتم صلاته يقنت في الثالثة، وكذلك عندنا لو أدرك الركعة الثانية من الصبح وقنت مع الإمام فإذا قام الإتمام صلاته يقنت ثانيًا في الركعة الثانية، ولو أدرك ركعة من صلاة المغرب، فإذا قام لإتمام الباقي يجهر في الركعة الثانية، ويسر في الثالثة، ولو أدرك ركعتين من صلاة ذات أربع، فإذا قام لإتمام صلاته نص على أنه يقرأ الفاتحة مع السورة في الأخريين.
قيل: هذا جواب على القول الذي قال: إنه يقرأ السورة في الركعات كلها.
وقيل: أراد به إذا لم يكن قراءة السورة في الأوليين مع الإمام يقرأ في الأخريين، كما لو ترك التعوذ في الركعة الأولى قضى في الثانية، وكما قال: لو ترك قراءة سورة "الجمعة" في الركعة الأولى من صلاة الجمعة قرأها مع سورة "المنافقين" في الركعة الثانية، وإذا قام المسبوق لقضاء ما فاته يقوم مكبرًا، نظر إن كان ذلك في محل تكبيرة بأن أدرك معه ركعتين يقوم مكبرًا، وإن لم يكن محل تكبيره بأن أدرك معه ركعة أو ثلاث ركعات فيه وجهان.
قال القفال: يقوم غير مكبر، لأنه ليس محل تكبيره.
وقال أبو حامد: يقوم مكبرًا.
أما إذا كان يقوم مع الإمام يكبر معه، ولو أدرك الإمام في الركوع يكبر للافتتاح، ثم لا يجوز أن يشتغل بقراءة الفاتحة، بل يكبر، ويهوي إلى الركوع، وكذلك لو أدركه قائمًا، فلما كبر ركع الإمام يركع معه، وتحسب له تلك الركعة، وتسقط عنه القراءة وقيامها؛ لأنه أدرك معظم الركعة، فجعل مدركًا لها ترغيبًا في الجماعة، فلو أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، نظر إن نوى تكبيرة الافتتاح صحت صلاته؛ لأن تكبيرة الركوع سُنة لا يمنع تركها صحة الصلاة، ولو نوى تكبيرة الركوع لم يصح، وكذلك لو نواهما؛ لأنه لم يخلص النية للفرض.
وقيل: ينعقد نفلًا كمن أخرج خمسة دراهم، ونوى الزكاة والتطوع يكون تطوعًا، ولو أدرك الإمام في الركوع، فكبر وهوى، وكان هو في الهوى، والإمام في الارتفاع، نظر إن بلغ حدًّا يمكنه وضع الراحتين على الركبتين، والإمام لم يرتفع عن هذا الحد صار مدركًا للركعة، وإن بلغ هذا الحد بعدما ارتفع عنه الإمام لم يصر مدركًا لها.
ولو أدركه في الركوع فكبر، ولم يركع حتى رفع الإمام رأسه بطلت صلاته، كما لو
[ ٢ / ١٦٩ ]
تخلف عن الإمام بغير عذر حتى سبقه بركن كامل، ولو أدرك الإمام بعد ما اعتدل عن الركوع، أو أدركه في السجود، فكبر يجب عليه أن يتابعه بعد ما كبر في الركن الذي هو فيه حتى لو لم يفعل بطلت صلاته، وإن تابعه لا تحسب له تلك الركعة، وهل يكبر للانتقال إلى الركن الذي فيه الإمام؟ نظر إن أدركه حالة الاعتدال ينتقل معه إلى السجود مكبرًا، وكذلك في سائر الانتقالات الذي ينتقل مع الإمام يكبر مع الإمام، وإن لم يكن محسوبًا له، وإن أدركه بعد ما سجد، أو في السجود الثاني، أو في التشهد هل يكبر للانتقال إليه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكبر، كما لو أدرك في الركوع ينتقل إليه مكبرًا.
والثاني: لا يكبر؛ لأنه لم يدرك محل التكبير.
ولو أدركه في التشهد فكبر وجلس هل يقرأ التشهد، أو أدركه في السجود هل يسبح؟ فيه وجهان:
أصحهما: يتابع الإمام في الذكر، كما يتابعه في الفعل، كما في سجود السهو، لم تابعه في السجود تابعه في تسبيحه.
والثاني: لا؛ لأنه ليس في ترك الذِّكر مخالفة ظاهرة، فأمرناه به، ولو أدركه في السجود فقبل أن يسجد رفع الإمام رأسه لا يسجد؛ لأنه لزمه المتابعة، وقد ارتفعت المتابعة.
وإذا أدرك الإمام في القيام، وخاف ركوعه لا يقرأ دعاء الاستفتاح، ويشتغل بقراءة الفاتحة؛ لأنها فرضٌ، فلو ركع الإمام، وهو في خلال الفاتحة هل يتمها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يركع معه، ويسقط عنه ما بقي من الفاتحة.
والثاني: يتم الفاتحة؛ لأنه أدرك محلها، ثم يتبع الإمام.
والثالث: وهو الأصح إن لم يكن قرأ شيئًا من دعاء الاستفتاح يقطع القراءة، ويركع معه، وهو مدرك للركعة؛ لأنه لم يدرك من القيام إلا قدر قراءة بعض الفاتحة، فيسقط عنه الباقي، كما لو لم يدرك شيئًا من القيام يسقط عنه جميعها، وإن كان قد قرأ شيئًا من دعاء الاستفتاح يقرأ بقدره من الفاتحة؛ لأنه أدرك من القيام بذلك القدر، ثم هو كالمتخلف عن الإمام بالعذر، وسواء كان عالمًا بأن ليس له الاشتعال بدعاء الاستفتاح، أو جاهلًا؛ لأنا لما أمرناه بقراءة الفاتحة كان معذورًا.
أما المأموم الموافق إذا قرأ دعاء الاستفتاح، فركع الإمام أو كان بطيء القراءة، فركع الإمام قبل فراغه من الفاتحة، فإنه يتم الفاتحة، وهو كالمتخلف بالعُذر.
[ ٢ / ١٧٠ ]
ولو نسي المأموم الفاتحة فتذكر بعد ما ركع مع الإمام، أو شك في قراءتها بعدما ركع مع الإمام لا يجوز أن يعود؛ لأنه فات محل القراءة، فإذا سلم الإمام يقوم ويصلي ركعة، كما لو قام إلى الركعة الثانية مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي سجدةً من الأولى لا يعود، بل يتابع الإمام، ثم يقضي ركعة، ولو ركع الإمام، فقبل أن يركع المأموم معه تذكَّر أنه لم يقرأ الفاتحة، أو شكَّ في قراءتها، أو تذكّر قبل أن يركع الإمام فركع الإمام قبل كمالها لا تسقط عنه القراءة، لأنه لا يعذر بالنسيان، ثم فيه وجهان:
أحدهما: يركع معه ثم يقضي ركعة، كما لو تذكَّر بعد ما ركع معه.
والثاني: يقرأ الفاتحة، ويتمها؛ لأنه في محل القراءة.
ولو قام الإمام إلى الركعة الخامسة ساهيًا، فأدركه مسبوق في هذه الركعة، فاقتدى به، نظر إن كان عالمًا أنها خامسة لا تنعقد صلاته على الصحيح من المذهب، كما لو اقتدى بجنبُ عالمًا بجنابته.
وقال الشيخ القفال: تنعقد صلاته جماعة؛ لأن الإمام في الصلاة، ولكن لا يتابعه في أفعاله، بل كما كبَّر يقعد للتشهد، ينتظر الإمام؛ لأن التشهد محسوب للإمام، وكذلك لو نسي الإمام سجدة من الركعة الأولى، فأدركه رجل في الركعة الثانية في القيام، واقتدى به وهو عالم هل تنعقد صلاته؟ فعلى هذين الوجهين إن قلنا: تنعقد يسجد وينتظر الإمام ساجدًا، وإن كان جاهلًا بحال الإمام تنعقد صلاته، فإذا صلى مع الإمام تلك الركعة تحسب له ما أتى به مع الإمام، فلو أدركه في الركوع في هذه الركعة لا تحسب له تلك الركعة؛ لأن القراءة إنما تسقط عنه بإدراك ركوع هو محسوب للإمام، وهذا الركوع غير محسوب للإمام، فهو كما لو نسي الإمام الفاتحة. فركع فأدركه مسبوق فيه، أو كان الإمام محدثًا أو ترك تسبيحات الرُّكوع واعتدل لا يجوز أن يعود إلى الركوع فعاد فأدركه مسبوق لا يكون مدركًا للركعة.
أما إذا أدرك الإمام في الركوع فركع معه، ثم في السجود سبق الإمام الحدث كان مدركًا لتلك الركعة؛ لأنه أدرك ركوعًا محسوبًا للإمام.
فصلٌ: في صلاة المريض
روي عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبيﷺ- فقال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنبٍ".
[ ٢ / ١٧١ ]
لا يجوز أداء صلاة الفرض قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا نائمًا مع القدرة على القعود، فإن عجز عن القيام يصلِّي قاعدًا، ولا ينتقص ثوابه، والعجز ألا يكون له آلة القيام أو لا يمكنه القيام إلا بمشقة شديدة، وكيف يقعد في محل القيام؟ فيه قولان:
أصحهما: يقعد مفترشًا؛ لأنه قعود لا يعقبه السلام كالقعود للتشهد الأول.
والثاني: يقعد متربعًا.
يروى عن ابن عمر وأنس؛ لأنه قعود بدل عن القيام، فيكون مغايرًا لسائر القعدات، فإذا عجز عن القعود يصلِّي نائمًا، وكيف ينام؟ فيه قولان:
أصحهما: ينام على جنبه الأيمن مستقبل القِبلة، كما يضجع الميت في اللحد؛ لقول النبيﷺ-: "فإن لم يستطع فعلى جَنبٍ".
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: ينام مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، يوضع الميت على المغتسل فإن قلنا بالأول فلو نام على جنبه الأيسر مستقبل القِبلة جاز، ويكون تاركًا لسُنَّة التَّيامُنِ، فإن عجز عن الاضطجاع على الجنب صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القِبلة، وإذا صلى نائمًا، ولم يمكنه وضع الجبهة على الأرض في السجود يومئُ بالركوع والسجود برأسه،
[ ٢ / ١٧٢ ]
ويجعل السجود أخفض من الركوع، ويدني جبهته من الأرض ما أمكنه، ولا يشترط وضع الجبهة على الوسادة، فإن كان به صداع أو رمدٌ لا يمكنه وضع الجبهة على الأرض، ويمكنه أن يضع على وسادة لا تخرج عن حد الساجدين يجب وضعها على الوسادة روي أن أم سلمة كانت تسجد على مخدة لرمد بها.
ولو عجز عن الإيماء بالرأس يومئ بعينيه، فإن عجز يتفكر بالقلب، ولا قضاء عليه، ولا ينتقص ثوابه، ولا يسقط الفرض منه ما دام العقل معه.
وعند أبي حنيفة: إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه الفرض، ولو لم يمكنه القيام إلا معتمدًا على غيره أو مستندًا إلى جدار، يلزمه أن يصلي قائمًا مستندًا.
وقيل: لا يلزمه ذلك، بل يصلي قاعدًا، فإن صلى قائمًا مستندًا جاز.
وإن كان بظهره علة لا تمنعه من القيام، وتمنع من الركوع والسجود لزمه القيام، ويركع ويسجد على قدر طاقته.
قال الشيخ﵀-: يحني بالركوع قائمًا، وبالسجود قاعدًا، فإن لم يمكنه أن يحنيَ ظهره في الركوع والسجود حنى رقبته، وإن أمكنه القيام والاضطجاع، ولا يمكنه القعود يتشهد، ويأتي بالجلوس قائمًا.
قلنا: لأنه قعود وزيادة وإن تقوَّس ظهره حتى صار كأنه راكعٌ أو كانت به علة، لا تمكنه الاعتدال، وأمكنه القيام على هيئة الراكعين يجب أن يقوم كذلك، ويرفع رأسه وإن كان بعينيه وجع وهو قادر على القيام، فقيل له: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز له ترك القيام كالمريض.
والثاني: لا يجوز؛ لما روي عن ابن عباس أنه لما وقع في عينه الماء فقال له الأطباء: تمكث سبعًا لا تصلي إلا مستلقيًا فسأل عائشة وأم سلمة فنهتاه.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وإذا كان يصلي قائمًا فعجز عن القيام في خلال الصلاة يقعد، ويبني على صلاته، وإن عجز عن القعود ينام، ويبني، وإن كان يُصلي قاعدًا للعجز فقدر على القيام في محل القيام عليه أن يقوم، فإذا كان يصلي نائمًا فقدر على قيام، أو قعود- عليه أن يقوم أو يقعد ويبني.
وعند أبي حنيفة: النائم إذا قدر على قيام، أو قعود لا يبني فيقيس على بناء القيام على القعود، وإن كان يصلي قاعدًا، فقدر على القيام في خلال الفاتحة، فقرأ بعض الفاتحة في الارتفاع لا تحسب، وعليه أن يعيد ما قرأ في الارتفاع بعدما اعتدل قائمًا؛ لأن الواجب عليه في هذه الحالة أن يقرأ بقية الفاتحة قائمًا، وحالة الارتفاع دون حالة القيام، وإن كان يصلي قائمًا فعجز عن القيام في خلال الفاتحة، فقرأ بعضها في خلال الهويّ تحسب؛ لأن الواجب عليه أن يقرأ قاعدًا، وحالة الهويّ فوق حالة القعود، فحيث قلنا: لا يحسب لا تبطل صلاته ولا سجود عليه إن كان ساهيًا.
ولو قدر المريض على القيام بعد القراءة قبل أن يركع يجب أن يقوم فيركع، وليس له أن يقوم راكعًا؛ لأن الهوي من القيام شرط، وبمثله لو قدر على القيام في خلال الركوع، فله أن يقوم راكعًا، ولا يجوز أن يستوي قائمًا، ثم يركع؛ لأنه يصير كأنه زاد ركوعًا.
قال الشيخ﵀-: فلو قام من الركوع وسجد جاز؛ لأن ركوعه قد تم قاعدًا، ولو قدر على القيام بعدما اعتدل عن الرُّكوع، واطمئن لم يلزمه أن يقوم فيسجد؛ لأن الاعتدال ركن قصير لا يمد.
وقيل: يلزمه أن يقوم فيسجد كما لو قدر بعد القراءة يلزمه أن يقوم فيركع، ولو قدر بعد الركوع قبل أن يعتدل عليه أن يعتدل قائمًا، ثم يسجد، فإن كان في الركعة الثانية من صلاة الصبح قدر بعدما رفع من الركوع، واطمأنّ قبل أن يقنت، عليه أن يقنت قائمًا، فلو
[ ٢ / ١٧٤ ]
قنت جالسًا بطلت صلاته ولو قدر أن يصلي قائمًا منفردًا، ويخفف القراءة.
وإذا صلى جماعة يحتاج أن يقعد في بعضها فالأفضل أن يصلي قائمًا منفردًا؛ لأن القيام فرض، والجماعة فضيلة، فمراعاة الفرض أولى، فلو صلى مع الإمام وقعد في بعضها جاز، وكذلك لو أمكنه أن يصلي بأمِّ القرآن وحدها قائمًا، وإن زاد عجز صلى بأمر القرآن قائمًا، فلو ابتدأ السورة، وعجز فقعد جاز، ولا يجب أن يقطع السورة فيركع.
وأما السُّنن والتطوعات يجوز أداؤها قاعدًا مع القدرة على القيام، ويكون ثوابه على النصف من ثواب القائم؛ لما روي عن عمران بن الحصين قال: سألت رسول اللهﷺ- عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد".
فلو صلى مضطجعًا مع القدرة على القيام والقعود هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز بدليل الحديث، وثوابه نصف ثواب القاعد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن عماد الصلاة الفعل، وهو يترك أكثر أفعالها مع القدرة عليها، ولو صلى بعض النافلة قائمًا، والبعض قاعدًا جاز.
فصلٌ: في سجود التِّلاوة
روي عن ابن عمر أن النبيﷺ- كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ويسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته.
[ ٢ / ١٧٥ ]
سجود التِّلاوة مشروع عند عامة العلماء، وهو سُنَّة عند أكثرهم.
وقال أبو حنيفة: واجب، والدليل على أنه غير واجب ما روي عن زيد بن ثابت أنه قرأ عند رسول اللهﷺ- و"النَّجم" فلم يسجد فيها، ولو كان واجبًا لأمره النبيﷺ- وقال عمر بن الخطاب: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء.
وعدد سجود القرآن أربع عشرة، وبه قال أبو حنيفة لأن عندنا في "الحج" سجدتين وسجود "ص" سجود شكر ليس من عزائم السجود.
وعند أبي حنيفة سجود "ص" سجود تلاوة ولا سجود في آخر سورة "الحج"، والدليل على أن سجود "ص" ليس من عزائم السجود ما روي عن ابن عباس أن النبيﷺ- سجد
[ ٢ / ١٧٦ ]
في "ص" وقال: سجدها داود توبة، وسجدتها شكرًا.
وعن ابن مسعود أنه كان لا يسجد في "ص"، وقال: إنما هي توبة نبيٍّ.
والدليل على أن في سورة "الحج" سجدتين ما روي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله فضلت سورة "الحج" بأن فيها سجدتين قال: "نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأها".
وقال ابن سُريج: عدد سجون القرآن خمس عشرة، وهو قول إسحاق بن راهويه؛ لما روي عن عمرو بن العاص أن النبيﷺ - أقرِأَه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث
[ ٢ / ١٧٧ ]
في المُفَصّل، وفي سورة "الحج" سجدتان.
وقال مالك: سجود القرآن إحدى عشرة وليس في المفصل سجود وهو قول الشافعي في القديم؛ لما روي عن ابن عباس أن النبيﷺ- لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوَّل إلى "المدينة"، والدليل على أنه يسجد فيها ما روي عن أبي هريرة قال: سجدنا مع النبيﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واتفقوا على مواضع السجود إلا في "حم السجدة" فإن فيه وجهين:
[ ٢ / ١٧٨ ]
أصحهما: يسجد عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾.
وقيل: عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
ويجوز سجود التلاوة في الصلاة وغير الصلاة، أما سجدة "ص" لو سجدها خارج الصلاة فحسنٌ ولو سجد في الصلاة فيه وجهان:
أصحهما: تبطل صلاته، كما لو سجد للشكر في الصلاة.
والثاني: لا تبطل صلاته؛ لأن سببه تلاوة القرآن، فإن كان الإمام حنفيًا، فهو كما لو ترك قراءة الفاتحة على اعتقاده.
وإذا قرأ آية السجدة في الصلاة يكبر فيهوي، ولا يكبر للافتتاح، ولا يرفع يديه، ثم يكبر فيرفع رأسه ويقوم ولا يجلس للاستراحة، فإذا قام يستحب أن يقرأ شيئًا ثم يركع، فلو لم يقرأ وركع جاز، ولو قام راكعًا ولم يعد إلى القيام لم يجز؛ لأن عليه أن يبتدئ الركوع من القيام، وإن كان خارج الصلاة يستحب أن يكبر للافتتاح، ويرفع يديه حذو منكبيه، ويستحب أن يقوم فيكبر، ثم يكبر فيجسد ثم يكبر فيرفع، ولا يتشهد وهل يسلم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يسلم.
والثاني: وبه قال عطاء يسلم؛ لأنه مفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى السلام، وقد قال الشافعي﵁-: وأقله أن يضع جبهته بلا شروع ولا سلام، ويقول في سجود التلاوة ما روي عن عائشة﵂- قالت: كان رسول اللهﷺ- يقول في سجود القرآن بالليل: "سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته".
[ ٢ / ١٧٩ ]
وإن قال ما يقول في سجود صلاته جاز، ولو قرأ آية السجدة في الصلاة قبل الفاتحة يسجد، بخلاف ما لو قرأ في الركوع أو السجود لا يجوز أن يسجد؛ لأن القيام محل القراءة حتى لو قرأ آية السجدة في الصلاة، فهوى يسجد فشك، هل قرأ الفاتحة؟ فإنه يسجد للتلاوة، ثم يعود إلى القيام فيقرأ الفاتحة؛ لأن سجود التلاوة لا يؤخر، وإذا سجد التالي يستحب أن يسجد معه من يسمع تلاوته، سواء كان التالي في الصلاة، أو لم يكن في الصلاة، ويتأكد الاستحباب بشرطين:
أحدهما: أن يكون مستمعًا لقراءته قاصدًا، فإن لم يكن قاصدًا إلى استماعه إنما سمعه مارًّا فلا يتأكد.
قال ابن عباس: السَّجدة لمن جلس لها.
الثاني: أن يسجد التالي، فإن لم يسجد التالي لا يتأكد في حق المستمع، ولو سجد فحسن روي عن عطاء بن يسار أن رجلًا قرأ عند النبيﷺ- السجدة، فسجد فسجد النبيﷺ- ثم قرأ عنده آخر السجدة، فلم يسجد فلم يسجد النبيﷺ- فقال: يا رسول الله قرأ فلان عندك السجدة فسجدت، وقرأت عندك السجدة فلم تسجد، فقال النبيﷺ-: "كنت إمامًا فلو سجدتَ سجدتُ".
وإذا سجد المستمع مع التالي لا يلزمه نيَّة الاقتداء به، ويجوز أن يرفع قبله، أما الإمام إذا سجد في الصلاة يجب على المأموم متابعته، ولو لم يسجد الإمام لا يجوز للمأموم أن يسجد؛ لأن متابعة الإمام فرض عليه، ولا يجوز للمصلِّي أن يسجد للتلاوة، غير إمامه، فلو فعل بطلت صلاته، فإذا فرغ فحسنٌ أن يسجد، كما يجيب المؤذّن بعد الفراغ من الصلاة.
ولو سجد الإمام للتلاوة، فلم ينتبه المأموم حتى رفع رأسه لا يجوز أن يسجد، ولو علم قبل أن يرفع رأسه يسجد، فلو كان في الهُويّ، فرفع رأسه يرجع معه، ولا يسجد. وكذلك الضعيف الذي هوى مع الإمام قبل أن يصل إلى الأرض قام الإمام يقوم معه، ولو
[ ٢ / ١٨٠ ]
قرأ رجل آيات السجدة في مكان واحد، أو في الصلاة في ركعة واحدة: يسجد لكل آية، ولو قرأ آية واحدة مرارًا، فإن سجد للأولى يسجد للثانية، وإن لم يسجد للأولى يكفيه للكل سجود واحد.
وقال أبو حنيفة: يكفيه سجود واحد سجد أولًا أو آخرًا، وبه قال ابن سُريج.
ولو تلا في سجود التلاوة لا يسجد ثانيًا.
والركوع لا يقوم مقام السجود، وعند أبي حنيفة يقوم مقامه.
ولو قرأ آية السجدة في الصلاة، فلم يسجد وركع، ثم بدا له أن يسجد ليس له ذلك؛ لأنه شرع الفرض كما لو ترك التشهد الأول، وقام لا يجوز أن يعود إلى التشهد، فإن كان قبل بلوغه حدّ الراكعين يجوز أن يسجد.
ولو هوى يسجد للتلاوة، ثم في خلال الهُويّ بدا له ألا يسجد، فرجع جاز، كما لو قعد للتشهد الأول، فقرأ بعضه، ثم قام صحَّت صلاته، ولو بلغ حد الراكعين فبدا له أن يركع عن فرض الصلاة يجب أن يعود إلى القيام، ثم يركع؛ لأنه لم يقطع القيام لقصد الرُّكوع، كما قال الشافعي﵁-: لو رفع رأسه من الركوع لينتقل يجب عليه أن يعود.
ويشترط في سجود التلاوة الطهارة عن الحدث، وطهارة الثوب والمكان عن النَّجاسة، وسترُ العورة، واستقبال القِبْلَةِ، كما في الصلاة، وإن كان في السّفر سائرًا، فإن كان راكبًا سجد بالإيماء إلى الطريق، وإن كان ماشيًا سجد على الأرض متمكنًا إلى القِبلةِ.
ولو قرأ وهو غير متطهر فتطهر، فحسن أن يقضي، وكذلك المستمع إذا لم يكن على الطَّهارة، فحسن أن يتطهر، ويقضي ولا يتأكّد.
وعند أبي حنيفة﵀- يجب عليه أن يقضي إلا أن يكون السامع حائضًا فلا يقضي، وكذلك لو قرأ الإمام في الصلاة آية السجدة، ولم يسجد لا يجوز للمأموم أن يسجد، فإذا فرغ من الصلاة وسلم، فحسن أن يقضي ولا يتأكد.
ولو قرأ في الأوقات المنهية عن الصلاة سجد، وعند أبي حنيفة لا يسجد، ويقضي بعده. والله أعلم بالصواب.
بابُ سُجُود السَّهْوِ
روي عن أبي سعيد الخُدريّ قال: قال رسول اللهﷺ-: "إذا شك أحدكم في صلاته
[ ٢ / ١٨١ ]
فلم يدر كم صلَّى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم.
[ ٢ / ١٨٣ ]
فإن كان يصلي خمسًا شفعها بهاتين السجدتين، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان.
الشَّك في الصلاة قسمان: شك في أصل الصلاة أنه هل صلاها أم لم يصلها؟ فالأصل أنه لم يُصلّ، وعليه أن يصليها.
وشك في أفعالها، مثل أن شكَّ أنه صلى ثلاث ركعات، أم أربع ركعات؟ عليه أن يبني على اليقين، فيأخذ بالأقل، وهو أنه صلى ثلاثًا، فيصلي ركعة أخرى، ويسجد في آخر صلاته سجدتين للسهو، ولا يأخذ بغلبة الظن.
وعند أبي حنيفة: إن وقع له هذا أول مرة بطلت صلاته، وإن اعتاد ذلك يتحرَّى، ويأخذ بغلبة الظن، والحديث حُجَّة عليه.
ولو شك برُكنٍ من أركان الصلاة، أنه هل أتى به أم لا؟ فالأصل أنه لم يأت به، ثم ينظر إن لم يصل إلى ذلك الركن في الركعة الثانية، يعود إليه مثل أن شك في الركوع، أو في السجود أنه هل قرأ الفاتحة في هذه الركعة أم لا؟ يجب عليه أن يعود إلى القيام، فيقرأ ويعيد الركوع والسجود، وما أتى به لا يحسب؛ لأن الترتيب واجب في أفعال الصلاة، وإن وصل إلى ذلك الركن في الركعة الثانية، مثل أن قام إلى الركعة الثانية، وشك هل قرأ الفاتحة في الركعة الأولى، فهذه الركعة أُولاهُ، فإن كان قد ركع أو سجد في الثانية يمضي في صلاته، وهذه أُولاه فيصلي بعدها ثلاث ركعات إن كانت الصلاة [ذات] أربع ركعات، ويسجد للسهو في آخر الصلاة، ولو شكَّ بعد الفراغ من الصلاة أنه صلّى ثلاثًا أو أربعًا أو شكَّ في
[ ٢ / ١٨٤ ]
ركن أنه هل أتى به أم لا، لا يلزمه شيء؛ لأن الظاهر أنه أدَّاها على التمام، ولو اعتبر الشَّك الطارئ بعد الفراغ من الصلاة لضاق الأمر على الناس.
وقيل: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: حكمه حكم ما لو تيقن الترك إن كان الفصل قريبًا بنى، وإن طال استأنف.
قال الشيخ﵀-: عندي إن هذا وقع الشك والفصل قريب، فهو كما لو وقع في الصلاة وإن كان بعد طول الفصل فلا يعتبر.
ومحل سجود السهو قبل السلام، وهو قول أكثر أهل العلم، بدليل حديث أبي سعيد.
وعند أبي حنيفة، والثوري يسجد بعد السلام، ثم يتشهد ويسلم.
وذهب قوم إلى أنه إذا سجد بعد السلام يتشهد ويسلم.
وقال بعضهم: يسلم، ولا يتشهد فقال مالك: إن كان سهوه بزيادة فعل يسجد بعد السلام، وإن كان بنقصان فقبل السلام، وإن شك في عدد الركعات بنى على اليقين وسجد بعد السلام.
وإذا قام إلى الخامسة في صلاة ذات أربع ركعات، ثم تذكر يجب أن يعود إلى التشهد سواء قيد الخامسة بالسجود، أو لم يقيد، وسواء قعد في الرابعة، أو لم يقعد حتى لو صلَّى خمس ركعات ساهيًا سجد للسهو وسلم وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن قيد الخامسة بالسجود عاد وسلم، وسجد للسهو، وإن كان قد قيد بالسجود، نظر إن لم يكن قعد في الرابعة بطلت صلاته، وإن قعد في الرابعة ضم إليها ركعة أخرى حتى يصير شفعًا، فأربعة فرض، وركعتان نفل، وبه قال الثوري.
والدليل على ما قلنا ما روي عن عبد الله بن مسعود ـن رسول اللهﷺ- صلى الظهر خمسًا فقيل، له: أزيد في الصلاة فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسًا فسجد سجدتين بعدما سلم، فالنبيﷺ- إن لم يكن قعد في الرابعة لم يعد الصلاة، وإن كان قد قعد لم يضم إليها ركعة أخرى.
ثم عندنا إذا عاد إلى القعود، نظر إن لم يكن قد تشهَّد في الرابعة، أو شك هل تشهد أم لا؟ فيجب عليه أن يتشهد، ثم يسجد للسهو، [ويسلم] وإن كان قد تشهَّد سجد
[ ٢ / ١٨٥ ]
للسهو، ويسلم ولا تجب إعادة التشهد على ظاهر المذهب.
وفيه وجه آخر: أنه يعيد التشهد حتى يكون منتقلًا من ركن التشهد إلى السلام؛ لأن الموالاة شرط.
وعلى هذا لو شك في السجود أنه هل ركع أم لا؟ أو تيقن أنه ترك الركوع، عليه أن يعود إلى الركوع، ويجوز أن يقوم راكعًا على ظاهر المذهب.
وعلى الوجه الآخر يقوم، ثم يركع، كما قال الشافعي.
ولو قدر المريض على القيام بعد القراءة لا يقوم راكعًا، بل يعتدل قائمًا، ثم يركع، والأول أصح كما لو قام إلى الخامسة ساهيًا بعد السجود، ثم ذكر، فلا يعود على السجود، بل يجلس ويتشهد.
ولو شكَّ في عدد الركعات، أو في ركن من أركان الصلاة أنه هل أتى به أم لا؟ ثم تذكَّر أنه قد أتى به هل يلزمه سجود السهو؟
نظر إن كان مفعوله من وقت الشك إلى زمان التذكر مما يقطع على المغيب أن عليه فعله لا يلزمه سجود السهو، وإن كنا لا نقطع أن عليه فعله يلزمه سجود السهو.
بيانه: إذا شك في القيام من صلاة الظهر أن هذه ثالثته أم رابعته؟ فبنى على اليقين فركع وسجد على هذا الشك، ثم تذكر قبل القيام إلى الركعة الأخرى أنها ثالثته، أو رابعته لا يلزمه سجود السهو؛ لأن هذه الأفعال كانت عليه في المحتملين جميعًا قطعًا، فإن لم يتذكر حتى قام إلى الركعة الأخرى يلزمه سجود السهو، وإن تذكر أنها كانت ثالثته، وهذه رابعته؛ لأنا لم نكن نقطع على المغيب أن عليه فعل هذا القيام؛ لأنه كان في أحد المحتملين أنه قام إلى الخامسة.
وإن وقع له هذا الشك في ركن، وزال الشك قبل الانتقال عن ذلك الركن، وكان ذلك الركن في أحد المحتملين قبل التذكر زائدًا مثل أن شك في التشهد أنه صلى أربعًا أم خمسًا؟ ثم تذكر أنه صلى أربعًا أو لم يتذكر لا سجود عليه؛ لأنه في الحقيقة شك في أنه هل سها أم لا؟ والأصل أنه غير ساهٍ.
ولو وقع له هذا الشك في السجود، فتذكر قبل أن يرفع رأسه أنه في الرابعة لا سجود عليه، وإن رفع رأسه، ثم تذكر أنه في الرابعة، نظر إن وقع له هذا الشك في السجود الأول، فرفع رأسه وسجد الثانية، ثم تذكر عليه سجود السهو، وإن وقع في السجود الثاني، فلا سجود عليه؛ لأن الرفع أمر لابدّ منه، فهو كما لو تذكر في السجود.
[ ٢ / ١٨٦ ]
ولو شَكّ في التشهد أن هذا تشهده الأول، أو الثاني، فقرأ التشهد الثاني على الشك، ثم تذكر بعد ما قام، عليه سجود السهو، وإن بان أنه تشهده الأول؛ لأن هذا القيام زائد في أحد المحتملين، وإن تذكر قبل أن قام، سواء تذكر أنه تشهده الأول أو الثاني، لا سجود عليه؛ لأنه في أحد المحتملين عليه إلا أنه إذا بان أنه تشهده الثاني يجب عليه أن يعيد ما قرأ من التشهد في حال الشك؛ لأنه قراءة بنيَّة السُّنة.
ولو شك في القيام في صلاة المغرب أنها أولاه أو ثانيته؟ فأخذ باليقين أنها أولاه، فأتم تلك الركعة، وقام على الثانية، ثم تذكر، نظر، إن تذكر أنه قام على الثالثة، عليه سجود السهو لترك التشهد الأول، وإن تذكر أنه قام إلى الثانية، فلا سجود عليه.
وإن كان في أحد المحتملين أنه قام على الثالثة، وترك التشهد الأول، لأن هذا القيام في المحتملين كان عليه وسجود السهو لو لزمه [لزمه] بترك التشهد الأول، وبان أنه لم يتركه.
فصلٌ
روي عن عبد الله ابن بحينة أن النبيﷺ- صلى الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبّر، وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم.
[ ٢ / ١٨٧ ]
القعود للتشهد الأول، والقنوت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان سُنتان لو ترك واحدًا منهما ناسيًا يلزمه سجود السهو، ولو ترك عامدًا ففيه وجهان:
أصحهما: يسجد؛ لأنه إذا لزمه السجود بالسهو فبالعمد أولى؛ لأنه أفحش.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة- لا يسجد؛ لأنه سجود مضاف إلى السهو، فلا يلزم بالعمد، فإذا نسي التشهد الأول قعودًا أو قراءة، فقام ثم تذكر بعدما اعتدل قائمًا لا يجوز أن يعود؛ لأن القيام فرض، فلا يجوز أن يعود منه إلى السُّنة، فإن عاد عالمًا بطلت صلاته، وإن
[ ٢ / ١٨٨ ]
عاد ساهيًا لم تبطل صلاته، فإن تذكر عليه أن يقوم في الحال ولو عاد جاهلًا بالحكم هل يعيد؟ فيه وجهان:
أصحهما: يعذر كالناسي؛ لأنه مما يخفى على العوام، وإن قام فتذكر قبل أن يعتدل قائمًا يعود ويتشهد، وهل يسجد للسهو أم لا؟ ينظر إن كان إلى الجلوس أقرب، وهو أن يكون قبل انتصاب الساقين لا يسجد للسهو، وإن كان إلى القيام أقرب سجد للسهو؛ لأن ذلك القدر لو فعله عمدًا في غير موضعه تبطل صلاته.
والدليل عليه ما روي عن المغيرة بن شعبة عن رسول اللهﷺ- قال: إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو، وكذلك لو ترك القنوت، فتذكر بعدما وضع جبهته على الأرض
[ ٢ / ١٨٩ ]
لا يجوز أن يعود، فإن عاد بطلت صلاته، وإن تذكر قبل أن يضع جبهته يعود، ويقنت، ثم إن عاد بعد بلوغه حد الراكعين يلزمه سجود [للسهو]، وإن عاد قبل بلوغه هذا الحدَّ لا يلزمه سجود السهو.
ولو كان يصلي مع الإمام فترك الإمام التشهد الأول، وقام، أو ترك القنوت وسجد لا يجوز للمأموم أن يشتغل به، فلو فعل بطلت صلاته، بل يجب عليه متابعة الإمام، فلو خرج عن متابعته وتشهد، فهو خروج بالعذر.
ولو قعد الإمام للتشهد الأول، فقام المأموم ساهيًا، يجب عليه أن يعود؛ لأن متابعة الإمام فرض، فإن لم ينتبه حتى قام الإمام لا يجوز أن يعود، فلو نسي الإمام التشهد، فقام، وقام المأموم معه، ثم عاد الإمام لا يجوز للمأموم أن يعود معه، بل يخرج عن متابعته، فلو انتظره قائمًا وحمل عوده على النسيان هل يجوز؟ فيه وجهان.
ولو ترك التشهد الأول عمدًا، ثم عاد قبل أن اعتدل قائمًا، نظر إن عاد بعد ما صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته، وإن عاد قبله لا تبطل صلاته، وكذلك القُنُوت.
فصلٌ
إذا جلس في الركعة الأولى على اعتقاد أنها ثانيته، نظر إن زاد جلوسه على جلسة الاستراحة يلزمه سجود السهو، سواء قرأ شيئًا من التشهد، أو لم يقرأ، وإن فعله عمدًا بطلت صلاته، وإن لم يزد، نظر إن لم يقرأ شيئًا من التشهد، لا سجود عليه؛ لأن هذا الجلوس سُنة، ولو أوجبنا سجود السهو لقصده عن غيره، لأوجبنا بمجرَّد عمل القلب، ومجرد عمل القلب لا يوجب سجود السهو.
وإن قرأ شيئًا من التشهد وإن قلَّ، فهو كما لو تشهد في القيام أو قرأ الفاتحة في التشهد ساهيًا، فيلزمه سجود السهو، كما لو سجد أو ركع في غير محله، هذا هو المذهب،
[ ٢ / ١٩٠ ]
وقيل: لا يلزمه سجود السهو؛ لأن حكم الذِّكر أخف من حكم الفعل ولو فعله عمدًا، والمذهب أن صلاته لا تبطل.
وقيل: تبطل، وكذلك لو مد الاعتدال عن الركوع في غير محل القنوت [بالقنوت]، أو بذكر آخر، أو بالسكوت، أو أطال القعود بين السجدتين عمدًا، بطلت صلاته، ولو سها يلزمه سجود السهو، فلو لم يطل، لكنه قرأ [فيه] التشهد، أو الفاتحة، أو قنت، فالمذهب أنه يلزمه سجود السهو، وإن تعمد فالمذهب أن صلاته لا تبطل.
واعلم أن سجود السهو إنما يجب بأحد أمرين: إما بترك مأمور، أو بارتكاب منهيّ أما ترك المأمور، فما يوجب عمده بطلان الصلاة يوجب سهوه سجود السهو، مثل أن يترك ركوعًا أو سجودًا أو قراءة، وما لا يوجب عمده بطلان صلاته، مثل إن ترك قراءة السورة، وتكبيرات الانتقالات والتسبيحات والجهر والإسرار وغيرها من السنن، فسهوه لا يوجب سجود السهو إلى الأبعاض، وهي التشهد الأول قعودًا وقراءة؛ والقنوت والصلاة على النبيﷺ- في التشهد الأول على أحد قولين، فإن تركها عمدًا لا توجب بطلان الصلاة، ولو تركها سهوًا يلزمه سجود السهو.
وأما ارتكاب المنهي، فما يوجب عمده بطلان الصلاة، يوجب سهوه سجود السهو، إن لم تبطل الطهارة، وذلك مثل أن يتكلم أو يسلم في غير موضعه، أو يعمل عملًا، أو يزيد ركوعًا، أو سجودًا، أو قيامًا، أو قعودًا.
وما لا يوجب عمده بطلان الصلاة، فسهوه لا يوجب سجود السهو، مثل الالتفات، والخطوة والخطوتين، إلا نفل القراءة، فإن عمده لا يوجب بطلان الصلاة على ظاهر المذهب، وسهوه يوجب سجود السهو.
أما إذا أحدث فيستوي عمده وسهوه؛ لأنه يبطل الطهارة في الحالين.
فصلٌ
الترتيب في أركان الصلاة واجب، فإن ترك عمدًا بأن سجد قبل الركوع، أو ركع قبل القراءة، بطلت صلاته، وإن سها عليه أن يعود إلى الركن المتروك.
بيانه: إذا نسى السجدة الأخيرة من الركعة الأولى فقام، ثم تذكَّر، لا يخلو إما أن يذكر قبل أن يسجد، أو بعد ما سجد.
[ ٢ / ١٩١ ]
فإن تذكر قبل أن يسجد في الثانية، عليه أن يعود لإتمام الركعة الأولى، حتى لو كان في الركوع لا يجوز أن يعتدل قائمًا، بل يهوي، ثم ينظر إن كان قد قعد بين السجدتين في الركعة الأولى يهوي إلى السجود، هذا هو المذهب.
وإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فإنه يجلس، ثم يسجد.
وقيل: يهوي إلى السجود، ولا يجلس؛ لأن الجلوس بين السجدتين للفصل بينهما، وقد حصل الفصل بالقيام، وليس بصحيح؛ لأن الجلوس فريضة، فلا يقوم القيام مقامه، كما لا يقوم الجلوس مقام التشهد.
وإن كان قد جلس بين السجدتين بنية جلسة الاستراحة، أو بنية التشهد الأول، فقد قيل: يعود ساجدًا، ويحسب هذا الجلوس غير الجلوس بين السجدتين.
والمذهب أنه لا تحسب، لأنه جلس بنيَّة السُّنة، فلا يقوم مقام الفرض، كما لو سجد للتلاوة، أو للسهو لا يقوم مقام [سجود] الفرض، بل عليه أن يجلس ثم يسجد.
وإن وقع هذا في الركعة الأخيرة، فجلس بنيَّة التشهد الأخير، قام مقام القعود بين السجدتين؛ لأنه فرض.
أما إذا تذكَّر بعد أن سجد في الثانية نظر إن تذكر في السجدة الأولى، وكان قد قعد بين السجدتين، تمَّت الأولى بهذه السجدة، فعليه أني قوم، فإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فلا تتم أولاه بهذه السجدة، بل يقعد، ثم يسجد الثانية حتى يتم الركعة الأولى، ثم يقوم، وأعماله في الثانية كلا عملٍ إلا هذه السجدة الواحدة.
وإن تذكر في السجدة الثانية تمَّت الأولى بإحدى السجدتين، إما بالأولى إن كان قد قعد بين السجدتين، أو بالثانية إن لم يكن قد قعد، فيقوم إلى الركعة الثانية.
وإذا صلى صلاة ذات أربع ركعات، ففي التشهد الأخير تذكر أنه نسي سجدة منها، نظر إن علم أنه نسيها من الأخيرة سجدها، واستأنف التشهد، وسجد للسهو وسلم، وإنما قلنا: يسجد للسهو؛ لأنه طوَّل الجلوس بين السجدتين بالتشهد، فإن لم يكن طوَّل، ولا قرأ شيئًا من التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن علم أنه تركها من إحدى الركعات الثلاث، أو لم يدرِ أنه ترك من الركعة الأخيرة، أو من إحدى الثلاث يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنه تركها من إحدى الثلاث، فعليه أني قوم ويصلي ركعة، ويسجد للسهو.
وإنما قلنا: يصلي ركعة؛ لأنه إن تركها من الأولى تمَّت الأولى بالثانية، وأعماله في
[ ٢ / ١٩٢ ]
الثانية كلا عملاٍ، وإن ترك من الثانية تمَّت الثانية بالثالثة، وأعماله في الثالثة كلا عمل. وإن ترك من الثالثة تمَّت الثالثة بالرابعة وأعماله في الرابعة كلا عملٍ، فعليه أن يصلِّي ركعة.
وإن تذكر أنه نسي سجدتين، ولا يدري كيف تركهما من الرَّكعة الأخيرة، أو من إحدى الركعات، وعلم أنه تركهما من ركعة واحدة، حصل له ثلاث ركعات، فعليه أن يقوم ويصلِّي ركعة، وإن شك لم يدرِ أنه تركهما من ركعة واحدة، أو من ركعتين، يحصل له ركعتان لاحتمال أنه ترك واحدة من الأولى، وواحدة من الثانية تتم الأولى بالثانية، وتتم الثالثة بالرابعة، واعماله فيما بينهما كلا عملٍ، فيقوم ويصلِّي ركعتين.
وإن تذكر أنه نسي ثلاث سجدات لا يدري كيف تركها؟ يحصل له ركعتان، يجعل كأنه ترك من كل ركعة من الأوليات سجدة.
وإن نسي أربع سجدت تجعل له ركعتان إلا سجدة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدة، تمت الأولى بالثانية، وصارت رابعته ثانيته، فيسجد في الحال سجدة، حتى تتم هذه الركعة، ثم يقوم ويصلّي ركعتين.
وإن نسيَ خمس سجدات، حصلت له ركعة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ولم يسجد في الثانية، ولا في الثالثة، وسجد في الرابعة سجدة، تتم الأولى بهذه السجدة، فيقوم ويصلي ثلاث ركعات.
ولو ترك ست سجدات، يحصل له ركعة.
وإن ترك سبع سجدات فركعة إلا سجدة يسجد في الحال سجدة، ثم يقوم، ويصلي ثلاث ركعات، هذا كله فيما إذا علم أنه قعد بين السجدتين، ثم نسي السجدة الثانية، أو قلنا بالوجه البعيد أن القيام يقوم مقام القعود بين السجدتين.
فإن قلنا: لا يقوم مقامه، ولم يكن قعد بين السجدتين، أو شكّ هل قعد أم لا؟ فإذا شك في أربع سجدات، لا يحصل له إلا ركعة ناقصة سجدة، ثم قعود للتشهد الأخير، يقوم مقام القعود بين السجدتين، فيسجد سجدة أخرى، ويقوم ويصلّي ثلاث ركعات.
ولو أن مسافرًا شرع في الظهر بنيَّة القصر، فصلاها أربع ركعات ساهيًا، وترك من كل ركعة سجدة حصلت له ركعتان، وصحت صلاته، فيسجد للسهو، ويسلم، وكذلك الجمعة لو صلاها أربعًا سهوًا.
كذلك لو قعد للتشهد في صلاة الصبح، فتذكر أنه ترك ركوعًا، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، تمَّت الأولى بركوع الثانية، وما قبل الركوع لغوٌ، فيقوم ويصلي ركعة، وإن علم أنه ترك من الثانية يعود إلى القيام، ثم إلى الركوع، ويعيد السجدتين والتشهد.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وإن شك لم يدرِ من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، فيقوم ويصلّي ركعة ولو كان في الركوع من الرَّكعة الثانية، فتذكر أنه ترك الفاتحة من إحدى الركعتين، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، فهذه الركعة أولاه يتمُّها، ويصلي ركعة أخرى، وإن علم أنه تركها من الثانية يعود إلى القيام فيقرأ ثم يركع.
وإن شك لم يدر من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، وحصل له قيام وركوع، فيمضي في ركعة فيتمها، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى.
وإن تيقَّن في آخر الصلاة أنه ترك ركنًا يعرف عينه، يجب عليه أن يصلي ركعة كاملة إذا تحقق الإتيان بالنية والتكبير، فإن شك في واحد منهما عليه استئناف الصلاة.
فصلٌ
إذا شك المصلّي أنه هل سها أم لا؟ أو هل ارتكب منهيًا؟ فلا سجود عليه؛ لأن الأصل عدم السهو، وكذلك لو شك في الجملة أنه هل ترك مأمورًا أم لا؟ فلا سجود عليه.
أما إذا شك مفصلًا، نظر إن كان في ارتكاب منهي، مثل أن شك هل تكلم ناسيًا؟ أو هل سلم في غير موضعه؟ أو هل شك في عدد الركعات فبنى على اليقين؟ فالأصل أنه لم يفعل، ولا سجود عليه وإن شك في ترك مأمور، مثل أن شك هل ترك مأمور كذا؟ فالأصل أنه لم يأت به، وكذلك لو شك هل قعد للتشهد الأول، أو هل قنت أم لا؟ فالأصل أنه لم يأت به، فعليه سجود السهو ولو تيقن السهو، لكنه لم يدرِ أنه ترك مأمورًا وارتكب منهيًا يجب عليه سجود السهو؛ لأن السهو يقينٌ، ولو تيقَّن السهو، وشكّ أنه هل سجد لسهو أم لا؟ فالأصل أنه لم يسجد، فعليه أن يسجد، وكذلك لو شك أنه سجد للسهو واحدة أو ثنتين، سجد سجدة أخرى، فإذا سجد ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين، لا يلزمه أن يسجد ثانيًا؛ لأنه سهو في سجود السهو، والسهو في سجود السهو لا يوجب سجود السهو، حتى لو تكلم في سجدتي السهو، أو في أحدهما، أو سلّم بينهما لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه لا يمن من وقوع مثله في السجود فيؤدي إلى ما لا يتناهى كما يقال في اللغة: التصغير لا يُصغّر.
وقال صاحب "التلخيص": إذا سها بعد سجدتي السهو، يلزمه سجود السهو؛ لأن السجود السابق لا يجبر سهوًا وقع بعده، والأول المذهب للاتفاق على أنه لو سجد ثلاثًا لا يلزمه سجود السهو.
أما السهو بسجود السهو موجب سجود السهو، مثل أن شك هل قعد للتشهد الأول أو هل قنت أم لا؟ فسجد للسهو، ثم بان أنه قد أتى به، يلزمه أن يسجد ثانيًا، لأن سهوه هذا السجود، فعليه جبرُهُ.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وسئل القاضي عمَّن ظن أن سهوه ترك القنوت، فسجد للسهو، ثم بان أنه لم يتركه بل تكلم ناسيًا، قال: عليه أن يسجد للسهو ثانيًا؛ لأنه قصد بالأوليين جبر ما هو مجبور، وجبر الخلل عليه، وإن كان عنده أنه ترك القنوت، وتكلم ناسيًا، فسجد للسهو، ثم بان أنه لم يترك القنوت، لا يلزمه إعادة سجود السهو.
وقيل: لا يلزمه أن يسجد ثانيًا في الموضعين، وقطع به في كرَّة أخرى؛ لأن سجود السهو لجبر الخلل، وقد قصد جبر الخلل.
ولو سها في صلاة سهوين، أو أكثر، لا يلزمه إلا سجدتان، بدليل حديث ذي اليدين أن النبيﷺ- تكلّم ومشى، ولم يزد على سجدتين، وتأخير سجود السهو عن حالة السهو إلى آخر الصلاة لهذا المعنى، فلو كان لا يتداخل لكان يؤمرُ بالسجود حالة السهو، كسجود التلاوة يأتي به حالة ما يتلو.
ولو سها في صلاة الجمعة، فسجد للسهو، فقبل أن سلم خرج الوقت، يجب عليه إكمال الظهر ويسجد ثانيًا في آخر صلاته، وكذلك المسافر لو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، فسها وسجد للسهو، فقبل أن سلّم نوى الإتمام، أو صار مقيمًا، عليه أن يتم الصلاة، ويسجد ثانيًا في آخر صلاته؛ لأن محلَّ سجود السهو آخر الصلاة، وسجود السهو سُنَّة، فلو نسي سجود السَّهو وسلم، نظر إن تذكر، والفصل قريب، سجد، فلو لم يفعل فصلاته صحيحة، وإن طال الفصل، ففيه قولان: قال في الجديد: لا يسجد؛ لأن محله الصلاة، فبعد طول الفصل لا يبنى، كما لو ترك ركنًا من الصلاة، فتذكر بعد ما سلم، وطال الفصل لا يبنى.
وقال في القديم: يسجد بعد طول الفصل؛ لأنه جبران عبادة، فيجوز أن يتراخى عنها، كجبران الحج، فحيث قلنا: يسجد بعد السلام فسجد، هل يعود إلى حكم الصلاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن محلّ سجود السهو قبل السلام.
والثاني وهو المذهب لا يعود على حكم الصلاة؛ لأنه تخلَّل عنها بالسلام، بدليل أنه لو سجد جاز، ولو كان سلامه غير محسوب للزمه الرجوع، وفائدته تتبين في مسائل.
منها: أنه لو تكلم عامدًا، أو أحدث بعد ما عاد إلى السجود، هل تبطل صلاته؟ إن قلنا: عاد إلى حكم صلاته تبطل، وإلا فلا، وهل يكبر للافتتاح؟ وهل يتشهد بعد السجدتين؟ فيه وجهان:
[ ٢ / ١٩٥ ]
أحدهما: يتشهَّد؛ لأن سجود الصلاة بعده يتشهد.
والثاني: وهو الأصح لا يتشهد؛ لأن المتروك هو السجود، فلا يلزمه معه شيء آخر.
والصحيح: أنه لو سلّم، سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد، ولو ترك سجود السهو عمدًا وسلّم، فبعد طول الفصل لا يسجد، وهل يسجد على قرب الفصل فيه وجهان:
أصحهما: لا يسجد؛ لأنه قطع الصّلاة بالسلام العمد.
فصلٌ
روي عن معاوية بن الحكم قال: بينما أصلِّي أنا مع رسول اللهﷺ- إذ عطس رجل، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: ما شأنكم تنظرون إليَّ فلما صلى رسول اللهﷺ- قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
أو كما قال رسول اللهﷺ-: "إذا سها المأموم خلف إمامه فلا سجود عليه ويتحمل عنه الإمام.
فإن معاوية بن الحكم لم يأمره النبيﷺ- بالسجود، مع أنه تكلم خلفه، وقد قال النبيﷺ-: "الأئمة ضمناء والضمين من يتحمل، فلو سها الإمام يجب على المأموم سجود السهو، فالإمام لما لزمه سهو نفسه تحمَّل عنه سهوه، فلو سها الإمام ولم يسجد للسهو، فالمأموم يسجد؛ لأن سهو الإمام أوقع خللًا في صلاة المأموم، فعليه جبرُهُ فقال
[ ٢ / ١٩٦ ]
المزني: لا يسجد المأموم؛ لأنه لزمه متابعة الإمام، كسجود التلاوة، فإذا تركه الإمام لا يأتي به المأموم.
قلنا: لأن سجود التلاوة يكون في خلال الصلاة، فإذا تركه الإمام لا يجوز للمأموم مخالفته، وسجود السهو يأتي به بعد مفارقة الإمام، فلا يكون فيه مخالفة الإمام، فلو ترك الإمام سجود السهو وسلّم، ثم عاد ليسجد، فهل على المأموم موافقته لا يخلو إما أن يسلم المأموم معه، أو لم يسلم، فإن سلَّم معه ناسيًا فإذا سجد الإمام يسجد معه، فإن لم يفعل هل تبطل صلاته أم لا؟
إن قلنا: عاد الإمام إلى حكم صلاته بطلت، وإلا فلا، وإن سلَّم المأموم عمدًا ذاكرًا للسهو، فإذا عاد الإمام لا يلزمه متابعته، وصحَّت صلاته، وإن لم يسلم المأموم، فعاد الإمام ليسجد، نظر إن عاد بعد أن سجد المأموم للسهو، فلا يجوز أن يتابع الإمام؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالسجود، وإن عاد قبل أن يسجد المأموم إن قلنا: عاد إلى حكم صلاته يلزمه متابعته، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
وإن قلنا: لم يعد إلى حكم صلاته لا يجوز أن يتابعه، بل يسجد منفردًا، فإن تابعه بطلت صلاته، وكذلك إذا كان خلف الإمام مسبوق، فبعد تسليم الإمام قام المسبوق لقضاء ما فاته، فإذا عاد الإمام ليسجد لا يتابعه المسبوق؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالقيام.
وإن كان الإمام حنفيًا فسلّم قبل أن يسجد للسهو، فلا يسلم معه المأموم، بل يسجد قبل السلام منفردًا، ولا ينتظر سجود الإمام؛ لأنه فارقه بالسلام.
ولو سها الإمام، ثم سبقه الحدث، فالمأموم يتم صلاته منفردًا، ويسجد للسهو.
ولو سها المأموم، ثم سبق الإمام الحدث لا يسجد للسهو؛ لأن الإمام تحمل عنه.
ولو قام الإمام إلى الخامسة ساهيًا، فخرج المأموم عن متابعته، نظر إن خرج قبل بلوغه حد الرَّاكعين لا سجود عليه؛ لأنه فارقه قبل أن يحقِّق سهوه، وإن خرج بعد بلوغه حدّ الراكعين سجد للسهو؛ لأن سهو الإمام لحقه.
ولو سجد الإمام في آخر صلاته سجدتين يجب على المأموم متابعته، ويحمل على أنه سها، ولم يطلع عليه المأموم حتى لو لم يسجد إلا واحدة سجد المأموم أخرى، ويحمل على أن الإمام نسيها، بخلاف ما لو قام الإمام إلى الخامسة لا يجوز للمأموم أن يتابعه حملًا على أنه ترك الفاتحة في ركعة؛ لأنه لو تحقق ذلك لم تكن له متابعته؛ لأن المأموم قد أتى به يقينًا.
قيل للقاضي﵀-: لو كان مسبوقًا بركعة أو شاكًّا في قراءة الفاتحة في ركعة،
[ ٢ / ١٩٧ ]
قال: لا يجوز أن يتابع الإمام في الخامسة؛ لأن الواجب عليه قضاء ما فاته منفردًا، وإذا سها الإمام وخلفه مسبوق يجب على المسبوق أن يسجد مع الإمام في آخر صلاته، سواء أدرك سهو الإمام، أو لم يدرك، فلو لم يسجد الإمام في آخر صلاته لا يجوز للمسبوق أني سجد في آخر صلاة الإمام حتى لو سجد بطلت صلاته؛ لأن ذلك يلزمه لمتابعته الإمام، ثم إذا تم المسبوق صلاته، هل يلزمه أن يسجد في آخر صلاة نفسه، سواء سجد مع الإمام أو لم يسجد؟ نظر إن أدرك سهو الإمام فيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المُزنيّ﵀- لا يسجد؛ لأنه لمتابعة الإمام، وقد ارتفعت المتابعة.
والثاني: وهو الأصح نصّ عليه في "الأم"- أنه يسجد؛ لأن سهو الإمام أوقع خللًا في صلاته، وما أتى مع الإمام كان لمتابعة الإمام، فلا يكون محسوبًا له؛ لأنه في غير محله، وإن لم يدرك سهو الإمام ترتب على ما لو أدركه إن قلنا ثم لا يسجد في آخر صلاته، فها هنا أولى وإلا فقولان، والأصح أنه يسجد حتى لو اقتدى بهذا المسبوق بعدما فارق الإمام مسبوق آخر، وبذلك المسبوق ثالث، فعلى كل واحد أن يسجد لمتابعة إمامه، ثم يسجد ثانيًا في آخر صلاته.
ولو سها المسبوق في قضاء ما فاته عن قلنا: لا سجود عليه لسهو الإمام في آخر صلاته سجد لسهو نفسه.
وإن قلنا: يلزمه أن يسجد لسهو الإمام يكفيه لذلك سجدتان لسهوه وسهو الإمام، ولو سلّم المسبوق بتسليم الإمام ساهيًا، ثم تذكر يتم صلاته، ويسجد للسهو؛ لأن سهوه بالسلام كان بعد مفارقة الإمام، فلو قدر المأموم الموافق أن إمامه قد سلم فسلّم، فبان أنه لم يسلم، عليه أن يسلم معه، ولا سجود عليه، ولو تيقَّن المأموم في التشهد أنه ترك الفاتحة في ركعة، أو شك في فواتها، فإذا سلَّم الإمام، عليه أن يقوم ويُصلِّي ركعتين، ولا سجود عليه؛ لأن سهوه كان خلف الإمام، فلو سها في هذه الركعة سجد للسهو؛ لأنه منفرد.
فصلٌ: في سجود الشُّكر
روي عن النبيﷺ- أنه رأى نغاشيًا فسجد شكرًا لله ﷿.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وعن أبي بكر أنه سجد حين بلغه فتحُ "اليمامة".
وسجد على حين بلغه قتل ذي الثّدية.
سجود الشكر سنة لنعمة تحدثن أو بليَّة تندفِعُ.
وعند أبي حنيفة بِدعة، والحديث حُجة عليه، ولا يشرع لجميع النِّعَم، لأن نعم الله متواترة لا تُحصى، بل لنعمة طال ما كان يرقبها أو بليَّة طال ما يتوقع انكشافها، أو رأى مبتلىً ببليَّة أو بمعصية، ولو أراد أن يصلي أو يتصدق شكرًا فحسن، ثم إن كان يسجد لنعمة حدثت له من شفاء مريض، أو حدوث ولد، أو قدوم غائب، يجوز أن يظهره، وإن كان لبليَّة في غيره، ينظر فإن كانت به علة أو زمانةٌ يخفى السجود عنه حتى لا يضجر به المُبتلى، فيحمله ذلك على الكُفران، وإن لم يكن معذورًا بأن كان في فسق أو فجور، فيظهر السجود بين يديه لعله يحمله ذلك على التوبة.
ولا يجوز سجود الشُّكر في الصلاة، فلو فعل بطلت صلاته.
وإذا أراد أن يسجد يستقبل القِبلة، ويكبر، ويرفع يديه، ثم يكبر للهُوِيِّ، ثم يكبر فيرفع، ولا يتشهد وهل يسلم؟ فيه وجهان كما ذكرناه في سجود التلاوة.
ويسجد الرَّاكبُ في السَّفَرِ بالإيماء إلى الطريق، والماشي يسجد على الأرض مستقبل القبلة، ويشترط فيه الطهارة عن الحدث، وطهارة الثوب والمكان عن النجاسة، كما في سجود التلاوة. والله أعلم.
باب الصلاة بالنَّجاسة
قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
قد ذكرنا أن شرائط جواز الصلاة خمسة، وذكرنا حكم الطَّهارة عن الحدث، وستر العورة، والقِبلة، والوقت، ومن شرائطه [طهارة] البدن، والثوب، والمكان عن النَّجاسة، فلا خلاف أن القليل من دم البرغوث والقمل والبعوض، وما يخرج من بدن الإنسان من الدم والقيح والصديد يكون عفوًا تصح الصلاة معه، سواء كان على بدنه، أو [على] ثوبه؛ لأن الإنسان قلّ ما يخلو عن بثرةٍ ببدنه يخرج منها شيءٌ.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وعن البرغوث والقمل فيشق عليه الاحتراز فعفا عنه الشرع حتى لا يضيق الأمر على النَّاس، فإن كثر ذلك وعرق في ذلك الثوب حتى انتشر، هل يكون عفوًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعفى؛ لأن الكثير لا يشق الاحتراز عنه.
والثاني: يعفى؛ لأن هذا الجنس يتعذر الاحتراز عنه، فوقع عفوًا، وإن أصابه دمٌ من غيره، فلا يعفى عن كثيره، وهل يعفى عن قليله؟ فيه قولان:
أحدهما: قاله في "الإملاء" [لا يعفى]، لأنه لا يشق الاحتراز عنه.
وقال في "الأم" وهو الأصح: يعفى؛ لأن مما يتعافاه الناس في العادة.
والمرجع القليل والكثير إلى العادة.
وقال في القديم: ما دون الكف عفو، ولا يعفى عن الكف.
وقال في موضع: يعفى عن قدر دينار من الدم، وحكم ونيم الذُّباب وبول الخُفَّاش حكم الدم لتعذر الاحتراز عنه.
أما سائرا لنجاسات مثل: البول والعذرة والخمر، فلا يعفى عن شيء منها، وإن قل إذا أدركه الطرف إلا محل الاستنجاء، فإنه عفو بعد المسح بالحجر، وإن كان لا يدركه الطرف، نظر إن أصاب بدنه، فلا يعفى عنه؛ لأنه يشعر به إذا أصابه، وإن أصاب ثوبه ففيه قولان:
أصحهما: لا يعفى؛ لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز عنها كالذي يدركه الطرف.
والثاني: يعفى؛ لأنه قد يصيب ثوبه ولا يشعر به فكان عفوًا.
ولو حمل في الصلاة مستنجيًا بالحجر، أو رجلًا على ثوبه نجاسة معفوة هل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنه نجاسة معفوة.
والثاني: لا تصح؛ لأنه عفو في حق من عليه لتعذُّر الاحتراز عنه، فلا يكون عفوًا في حق غيره. وقال أبو حنيفة: النجاسات قسمان: مغلَّظة ومخففة، فالمغلَّظة مثل العذرة، والخمر، وبول ما لا يؤكل لحمه، فقدر الدِّرهم البغلي منها يكون معفوًا، والمخففة بول ما
[ ٢ / ٢٠٠ ]
يؤكل لحمه، فإن لم يزد على ربع الثوب، أو ربع العضو يكون عفوًا.
ولو صلى وعلى ثوبه نجاسة غير معفوة لم يعلمها يجب عليه الإعادة على قوله الجديد، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة، كما لو بان محدثًا، وكذلك لو وقعت عليه في خلال الصلاة، ولم يشعر حتى مضى زمان تجب عليه الإعادة.
وقال في القديم: لا تجب الإعادة؛ لما روي عن أبي سعيد الخُدري قال: بينما رسول اللهﷺ- يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول اللهﷺ- صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم" قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا، فقال رسول اللهﷺ-: "إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا" أو قال: أذى إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه ويصلِّي فيهما".
ومن قال بالأول حمل ذلك الأذى على ما يستقذره الإنسان من الطاهرات كالنُّخامة ونحوها أمر بمسحه تنزيهًا للمسجد عنها، وكذلك لو صلى، ثم علم أن على إزاره ثقبة يظهر منها العورة يجب عليه الإعادة على الصحيح من المذهب.
أما إذا علم النجاسة، فنسي وصلّى تجب الإعادة، وخرج قول من نسي الماء في الرَّحل من قوله القديم أنه لا يعيد.
وعند مالك إن كان الوقت باقيًا يعيد، وإن كان فائتًا فلا يعيد.
قلنا: الإعادة إذا وجبت، فلا تسقط بفوات الوقت، كما لو بان محدثًا، فإذا أوجبنا الإعادة يجب عليه إعادة كل صلاة تيقن كونها معه فيها حتى لو صلّى صلوات في مكان واحد لم يفارقه، ولا يتصور حدوثها في ذلك المكان يجب عليه إعادة كلها، وإن احتمل حدوثها بعد الفراغ من الصلوات لا تجب إعادة شيء منها.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقال أبو حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة يجب عليه إعادة صلاة واحدة، وإن كانت يابسة، فإن كان في الصيف يعيد صلاة واحدة، وإن كان في الشتاء يعيد صلوات يوم وليلة، ولو وقعت عليه نجاسة في خلال الصلاة، نظر إن كانت يابسة، فلما أصابته سقطت، أو نفض الثوب حتى سقطت، أو ألقى الثوب الذي وقعت عليه في الحال صحَّت صلاته، وإن استقرت عليه أبطلت صلاته، وإن وقعت على مُصلّاه، فإن نحَّاها بيده أو كُمِّه بطلت صلاته؛ لأنه قصد النجاسة، وإن تنحى عنها أو ألقى عليها ثوبًا صحَّت صلاته.
وإن كان عليه ثوب طاهر وطرف منه موضوع على نجاسة، كالعمامة طرف منها على رأسه، والطرف الآخر منها على النجاسة فإن كان بعيدًا منه لا تصح صلاته؛ لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة، وكذلك لو شد حبلًا على وسطه، وطرف منه متصل بنجاسة أو مشدود في [عنق] كلب لم تصح صلاته؛ لأنه إذا مشى انجر معه.
أما إذا كان أحد طرفيه تحت قدميه، والطرف الآخر متصل بالنجاسة تصح صلاته؛ لأنه كالبساط تحت قدميه، ولو صلى على طرف بُساطه، والطرف الآخر نجس، يجوز؛ لأن البساط كالأرض، ولو أخذ طرف حبل بيده، والطرف الآخر منه نجس أو متصل بنجاسة، هل تصح صلاته؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تصح؛ لأنه حامل للنجاسة، كما لو كان مشدودًا على وسطه.
والثاني: تصح لأنه مباين عنه.
والثالث: يفصل، فإن كان الطرف الآخر نجسًا، أو متصلًا بعين النجاسة بأن كان في عنق كلب لا يصح، وإن كان متصلًا بشيء طاهر بأن كان متصلًا بساجور أو خرقة، والسَّاجور والخرقة في عنق الكلب، أو في عنق حمار، وعليه حمل نجاس صح.
ولو بسط ثوبًا على موضع نجس وصلَّى عليه، أو صلى على سرير وقوائمه على النجاسة تصح، سواء كان يتحرك بتحركه أو لا يتحرك.
وقال أبو حنيفة: إن كان يتحرك بتحركه لا تصح، ولو كان على مُصلّاه نجاسة، فإن كانت تلاقي بدنه أو ثياب بدنه لا تصح صلاته، وإن كان لا يلاقيه، ولكن في محاذاة صدره إذا ركع وسجد، هل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنها لا تلاقيه.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
والثاني: لا تصح؛ لأن النجاسة ظاهرة في موضع صلاته.
ولو حمل في الصلاة صبيًا أو طائرًا تصح صلاته، وإن كان باطنه نجسًا؛ لأن النبيﷺ- كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت أبي العاص.
ولو جعل نجاسة في قارورة فسدَّ رأسها، فحملها لا تصح صلاته؛ لأن تلك النجاسة أودعها بصنعته، ونجاسة باطن الحيوان خلقة في معدتها، فهو كنجاسة باطن المصلِّي.
وتجوز الصلاة في ثوب الحائض والنفساء، وفي الثوب الذي ينام فيه، ويجامع فيه أهله إذا لم يعلم به نجاسة؛ لأن الأصل طهارته.
قالت ميمونة زوج النبيﷺ- كان رسول اللهﷺ-: "يصلِّي في مرطٍ بعضه عليَّ وبعضه عليه وأنا حائض.
فصلٌ: في مواضع الصلاة
روي عن أبي سعيد الخُدري أن رسول اللهﷺ- قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".
الصلاة في المقبرة مكروهة، فلو صلى، نظر إن بسط ثوبًا فصلى عليه، أو صلى على تربتها وهي جديدة لم تنبش تصح صلاته، وإن كانت منبوشة لا تصح صلاته على تربتها لاختلاط صديد الموتى بها، وإن شك في نبشها هل تصح صلاته على تربتها؟ فيه قولان:
[ ٢ / ٢٠٣ ]
أحدهما: لا تصح؛ لأن الظاهر من أمر المقبرة النجاسة، والأصل انشغال ذمته بغرض الصلاة، فلا تسقط عنه بالشك.
والثاني: يصح؛ لأن الأصل طهارة الأرض، وكذلك لو صلى في الشارع الذي هو ممرُّ الدواب، أو أصابه وحل الطريق، فصلى معه، فعلى قولين:
أحدهما: لا تصح: لأن الظاهر من أمر الطريق بول الدواب وروثها.
والثاني: تصح؛ لأن الأصل طهارة الماء والتُّراب، وكان القاضي الإمام﵀- يبني عليه الصلاة في ثياب الأساكفة الذين يستعملون الهُلب والقصَّابين والصبيان الذين لا يحترزون عن النجاسات، والكفَّار الذين يتديَّنون باستعمال النجاسات، فنجعلها على قولين.
وروي عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: في "المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى".
[ ٢ / ٢٠٤ ]
والنهي في كلها تُنزيه إلا الصَّلاة فوق ظهر الكعبة لا يجوز، لأنه لا قِبلة له.
وأما المزبلة والمجزرة، فالنهي فيها لنجاسة المكان، فإن بسط ثوبًا طاهرًا، وصلى عليه، صحت صلاته.
وأما قارعة الطريق، فالنهي فيها لنجاستها غالبًا، ولما أن مرور الناس يشغله عن الصلاة، فلو بسط ثوبًا لا تزول الكراهة، وتصح صلاته.
وأما الحمام فلأنه محل غسل النجاسات، ودخول الناس يشغله عن الصلاة، فإن صلى فيه والمكان طاهر تصح مع الكراهة.
وأما معاطنُ الإبل؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، ولأ، فيها نفارًا فربما تنفر، فتشغله عن الصلاة، فإن كان المكان طاهرًا، وصلى فيه تصح صلاته مع الكراهية، ولا تكره في مراح الغنم إذا كان المكان طاهرًا، لأن لها سكينةً لا يشغل بها قلب المصلِّي.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل".
وإن كان الرجل محبوسًا في حُشٍّ أو مكان نجس، فدخل عليه وقت الصلاة يجب عليه أن يصلي، وهل يضع جبهته على الأرض في السجود؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب وضعها؛ لأنه قادر عليه.
والثاني: لا يضع، بل يدني جبهته من الأرض بحيث لو زاد عليه أصاب الأرض؛ لأن الصلاة تجزئ بالإيماء، ولا تجزئ مع النجاسة، وعلى القولين يجب عليه الإعادة، وإن
[ ٢ / ٢٠٥ ]
كان معه ثوب زائد على ستر عورته يجب أن يبسطه ويُصلي عليه، وإن كان الثوب واحدًا لو بسطه يحتاج أن يصلي عاريًا ففيه قولان:
أحدهما: يستر عورته، ويصلّي على النجاسة؛ لأن ستر العورة مأمور به لحقِّ الله﷿- وحق العباد.
والثاني: يبسط ويصلي عاريًا، وهو الأصح؛ لأن صلاة العُريان محسوبة، ومن صلَّى على النجاسة تلزمه الإعادة، كما لو كان محدثًا، وعلى بدنه نجاسة، ووجد من الماء ما يكفي لأحدهما يلزمه صرفه إلى غسل النجاسة، ويتيمَّمُ للحدث حتى لا يلزمه الإعادة.
باب الساعات التي يُكره فيها صلاة التطوع
روي عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس".
[ ٢ / ٢٠٦ ]
خمسة أوقات في النهار لا تجوز صلاة التطوع فيها: وقتان تعلَّق النهي فيهما بالفعل، وهو بعد ما صلَّى الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رُمح، وبعد ما صلى العصر حتى تغرب الشمس، وتعلق النهي بالفعل من حيث إن من لم يُصلِّ الصبح والعصر يجوز له أن يتطوَّع، ولا يجوز ذلك لمن صلاهما.
وثلاثة أوقات تعلق النهي فيها بالزَّمان، وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وعند دنوِّها من الغروب حتى تغرب.
والدليل عليه ما روي عن الصُّنابحي أن رسول اللهﷺ- قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا آذنت
[ ٢ / ٢١٥ ]
للغروب قارنها، ونهى رسول اللهﷺ- عن الصلاة في تلك الساعات.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وقيل: أراد أن الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الساعات، حتى أن من سجد لها يكون ساجدًا للشيطان، وإنما لا يجوز في هذه الأوقات فعل صلاة لا سبب لها.
أما مالها سببٌ مثل قضاء الفرائض وقضاء السُّنن، والأوراد التي فاتته، وصلاة الخسوف، وتحية المسجد، إن اتفق دخوله، وسجود التلاوة والشكر، فلا يكره، يروى ذلك عن علي وابن عباس وهو قول جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة الوقتان اللذان تعلَّق النهي فيهما بالفعل يجوز فيهما قضاء الفرائض، ولا يجوز غيرها، ولا يجوز في الأوقات الثلاثة صلاةٌ ما إلا عند غروب الشمس عصر يومه حتى قال: لو فاتت ركعتا الفجر لا يقضيها بعد فرض الصبح حتى ترتفع الشمس، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
والدليل على جوازه ما روي أن النبيﷺ- دخل بيت أم سلمة بعد صلاة العصر، فصلى ركعتين، فسألته أم سلمة، فقال: "أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان.
وروي أن النبيﷺ- رأى قيس بن فهد يصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: "ما هاتان الركعتان" قال: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فسكت النبيﷺ-.
ولو شرع في هذه الأوقات في صلاة لا سبب لها، هل تنعقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تنعقد لأنه منهي عنه، كما لو صام يوم العيد لا تصح.
والثاني: تنعقد؛ لأن هذه الأوقات قابلة للصلاة في الجملة، بخلاف يوم العيد، وكذلك لو نذر أن يصلّي في هذه الأوقات، هل ينعقد نذره على هذين الوجهين؟
فإن قلنا: ينعقد نذره يستحبّ أن يصلي في وقت آخر، كمن نذر أن يضحِّي بشاة،
[ ٢ / ٢١٧ ]
ونوى أن يذبحها بسكين مغصوب صح نذره، وذبحها بسكين غير مغصوب.
أما إذا نذر أن يصلِّي مطلقًا يجوز أن يصلِّي في هذه الأوقات، ولو قضى في هذه الأوقات فائتة لا يصير ذلك سببًا يجوز أن يتنفل فيها بعده.
وروي عن عائشة قالت: ما كان رسول اللهﷺ- يأتيني بعد العصر إلا صلى ركعتين، وكان ذلك مخصوصًا به، فإنه كان يداوم على العمل قالت عائشة كان إذا صلى صلاة أثبتها وروي عنها أن رسول اللهﷺ- كان يصلي بعد العصر وينهي عنها.
ولو قصد دخول المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية هل يكره؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، كما لو قصد فعل الصلاة.
والثاني: لا يكره؛ لأن دخول المسجد مباح، ثم التحية ترتب عليه، كما لو وقع الدخول اتفاقًا، ولو أراد أن يحرم في هذه الأوقات بحجِّ أو عمرة لا يصلي ركعتي الإحرام على الأصح لأن سببهما الإحرام وهو متأخر، فربما لا يحرم، كما يكره صلاة الاستسقاء والاستخارة في هذه الأوقات؛ لأنها للدعاء وهو متأخر، ولو تطهَّر في هذه الأوقات جاز أن يصلي ركعتين.
وروي أن النبيﷺ- قال لبلال عند صلاة الفجر: "حدِّثني بأرجى عملٍ عملتهُ في الإسلام فإني سمعت دويَّ نعليك بين يدي في الجنة" قال: ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي.
ولا تكره الصلاة يوم الجمعة عند الاستواء لمن حضر الجمعة؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة.
[ ٢ / ٢١٨ ]
أما من لم يحضر الجامع، هل له أن يصلي في هذا الوقت؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو مخصوص بمن حضر الجامع، فإنه قد يبتكر إلى الصلاة، فيغلبه النوم، فيحتاج إلى دفع النوم عن نفسه بركعتين يصليهما.
أما من لم يحضر أو حضر، ولكن لا يؤذيه النوم، فلا يفعل، كما لا يفعل وقت الطلوع والغروب.
والوجه الثاني: الرُّخصة عامة في حق من حضر، ومن لم يحضر لفضيلة الوقت.
قال الشيخ﵀-: وهذا أصح لما روي عن أبي قتادة عن النبيﷺ- أنه كره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة وقال: "إنَّ جهنم تسجر إلا يوم الجمعة".
وروي عن أبي ذرِّ أن رسول اللهﷺ- قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرُب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة".
[ ٢ / ٢١٩ ]
أما ما تُسنُّ له الجماعة فخمسة: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء، فهذه الخمس آكد من السُّنن التي لا تُسَنُّ لها الجماعة، ومن جميع التطوعات لشبهها بالفرائض في سُنة الجماعة، وآكد هذه الخمس صلاة العيدين، لأن لها وقتًا معلومًا من حيث الزَّمان كالفرائض، ثم صلاة الخُسوف؛ لأن وقتها مضيق يفوت بالانجلاء، ثم صلاة الاستسقاء، لأن فعلها ممكن في جميع النهار، وتقبل التأخير.
أما ما لا تُسَنُّ له الجماعة فآكدها السُّنَنُ الرواتب، وهي ثنتا عشرة ركعة سوى الوتر.
روي عن عائشة قالت: قال رسول اللهﷺ-: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السُّنة بنى الله له بيتًا في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر".
وأقل السُّنن الرواتب عشر ركعات سوى الوتر؛ لما روي عن ابن عمر قال: صلَّيت مع رسول اللهﷺ- ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته.
وحدثتني حفصة أن رسول اللهﷺ- كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر.
وفي رواية: وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، والأفضل والأكمل أن يصلي بعد الظهر أربعًا، وقبل العصر أربعًا؛ لما روي عن أم حبيبة
[ ٢ / ٢٢٠ ]
قالت: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار".
وروي عن ابن عمر قال: قال رسول اللهﷺ-: "رحم الله امرأ صلَّى قبل العصر أربعًا".
وروي عن عليٍّ أن النبيﷺ- كان يصلّي قبل العصر أربع ركعات وروي أنه كان يصلي قبل العصر ركعتين.
[ ٢ / ٢٢١ ]
واختلفوا في هذا الاستثناء، فمنهم من قال: لا فرق بين "مكة" وغيرها، والاستثناء لأجل ركعتي الطَّواف، وذكر أنه يجوز أن يطوف بالبيت أيَّ وقت شاء، وإذا طاف يصلي ركعتي الطواف؛ لأنها صلاة لها سبب ومنهم من قال: الاستثناء لشرف البقعة، وذلك أن الناس يتناوبونها من البلاد البعيدة، والصلاة فيها أفضل من الصلاة في سائر البقاع فمن حضرها له أن يصلي في أي وقت شاء استكثارًا للفضيلة؛ لأنه لا يمكنه أن يأتيها في كل وقت لبعد الشُّقة، وكثرة المشقة.
وكره قوم الصلاة في هذه الأوقات بـ "مكة كما في البلاد، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، والحديث حُجَّة لمن رخص، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
باب صلاة التطوع
روي عن ثوبان أن رسول اللهﷺ- قال: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".
والصلاة أفضل عبادات البدن، وهي منقسمة إلى فرائض ونوافل.
فالفرائض خمسة بالشَّرع لا يزيد عليها إلا أن ينذر صلاة، فيلزمه بالنذر، والنَّوافل على ثلاثة سُنن ومستحبات، وتطوعات.
فالسُّنن ما واظب عليه الرسولﷺ- والمستحب ما فعل مرة أو مرتين والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره، واسم التطوع والنافلة يطلق على ما عدا الفرائض.
ثم جملة السُّنن قسمان: قسم تُسَنُّ له الجماعة، وقسم لا تُسنُّ له الجماعة.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وآكد هذه السُّنن ركعتا الفجر والوتر، فمن ترك واحدًا منهما كان أسوأ حالًا ممن ترك جميع النوافل، وفي الوتر وركعتي الفجر أيهما آكد؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد الوتر آكد؛ لما روي عن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول اللهﷺ- فقال: "إن الله أمدَّكم بصلاة هي خيرٌ لكم من حُمُرِ النّعَم الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر".
والثاني: ركعتا الفجر آكد؛ لما روي عن عائشة قالت: لم يكن النبيﷺ- على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وعن عائشة قالت: قال رسول اللهﷺ-: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها".
ثم بعدهما سائر السنن الرواتب سواء في الوكادة، وما يفعل من هذه السُّنن قبل الفرائض يدخل [وقتها] بدخول وقت الفريضة، ويبقى إلى أن يذهب وقت الفريضة، وما كان بعد الفريضة يدخل وقتها بالفراغ من الفريضة، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفريضة؛ لأنها تابعة للفريضة، والسُّنن بعد صلاة الجمعة كهي بعد صلاة الظهر.
وقال أبو حنيفة وإسحاق: يصلي بعدها أربعًا، لما أن النبيﷺ- قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربعًا".
ثم بعد السُّنن الرواتب: صلاة الليل ثم صلاة الضُّحى، ثم السنن التي تتعلق بفعل مثل: ركعتي الإحرام، وتحية المسجد، وركعتي الطواف إذا قلنا: إنها سُنَّ'، ثم بعده ما لا يتعلق بسبب، وهو تطوع يبتدئ به الإنسان من عند نفسه.
فصلٌ: في الوتْرِ وصلاة الليل
روي عن عبد الله بن عُمر أن رسول اللهﷺ- قال: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي
[ ٢ / ٢٢٥ ]
أحدهم الصبح صلى ركعة واحدة توتِرُ له ما قد صلّى".
الأفضل في تطوعات الليل والنهار أن يصليها مثنى مثنى، يسلِّم من كل ركعتين، وبه قال مالك وأحمد.
وإذا صلى قبل الظهر، أو قبل العصر أربعًا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم؛ لما روي عن عليّ قال: كان النبيﷺ- يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقرَّبين، ومن تبعهم من المسلمين المؤمنين.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: تطوعات الليل أربعًا أربعًا أفضل، ويصلي قبل الظهر والعصر أربعًا بتسليمة واحدة؛ لما روي عن أبي أيوب قال: قال رسول اللهﷺ-: "أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح له أبواب السماء".
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ولو شرع في نافلة، نظر إن لم ينو عددًا سلم من أي عدد شاء من واحدة إلى عشرة أو أكثر.
يروى أن عمر مر بالمسجد، فصلى ركعة، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، قال: إنما هي تطوُّع من شاء زاد، ومن شاء نقص، غير أن الأولى أن يسلم على شفعٍ لقول النبيﷺ-: "صلاة الليل مثنى مثنى".
وإن نوى عددًا لا يجوز أن يزيد عليه، ولا أن ينقص عنه إلا بعد تغيير النية [فلو] فعل عمدًا من غير تغيير النية بطلت صلاته.
بيانه: شرع فيها بنيَّة أن يصلي أربعًا، فسلم عن ركعتين، نظر إن نوى قبل السلام الاقتصار على ركعتين جاز، وإن سلم قبل تغيُّر النية عمدًا بطلت صلاته، وإن سلم ساهيًا أتم أربعًا، وسجد للسهو، ولو بدا له بعد ما سلم ساهيًا أن يقتصر على ركعتين يسجد للسهو ويسلم ثانيًا؛ لأن التسليم الأول لم يكن محسوبًا.
ولو شرع فيها بنيَّة ركعتين، فقام إلى الثالثة، نظر إن نوى الزيادة، ثم قام صحَّت صلاته، وإن قام قبل تغير النِّية عمدًا بطلت صلاته، وإن قام ساهيًا يعود ويسجد للسهو، ويسلم، فلو بدا له بعد ما قام ساهيًا أن يتم أربعًا يعود إلى القعود ثم يقوم؛ لأن هذا القيام لم يقع محسوبًا.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقيل: يمضي قائمًا، ويسجد للسهو في آخره حتى لو أتم أربعًا ساهيًا، ثم نوى إكمال أربع يصلّي ركعتين أخرتين، وإذا شرع فيها بنيَّة أربع، فهو بالخيار إن شاء صلاها بتشهد واحد، وإن شاء بتشُّهدين يقعد في الثانية والرابعة.
فإن صلى بتشهد واحد يقرأ السورة في الركعات كُلّها، وإن صلى بتشهدين هل يقرأ في الأخريين؟
فعلى القولين كالفرائض وإن نوى ستَّ ركعات، فإن شاء صلى بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين يقعد في الرابعة والسادسة، وكذلك إن نوى أكثر ولا يزيد على تشهدين، ولا يجعل بين التشهد الأول والآخر أكثر من ركعتين.
وقيل: له أن يتشهد في كل اثنتين، ولا يسلم.
أما صلاة الوِتْرِ فسُنَّةٌ مؤكدة.
وعند أبي حنيفة: الوتر واجب، والواجب عنده أحطُّ رتبة من الفرض، وأعلى من السُّنة، واختلفوا في عدده، فعندنا- وعليه تدل الأخبار- أنه يجوز أن يوتر بواحدة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة، وثلاث عشرة.
روي عن ابن عمر قال: قال رسول اللهﷺ-: "الوتر ركعة من آخر الليل".
وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول اللهﷺ-: "الوتْرُ حقٌّ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتِر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتِر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتِر بواحدة فليفعل".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وعن ابن عباس أنه رقد عند النبيﷺ- فاستيقظ فتسوَّك وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السُّورة، ثم قام يصلي ركعتين أطال فيها القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث.
وعن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منها
[ ٢ / ٢٢٩ ]
بخمس لا يجلس إلا في آخرها.
وعن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: يا أمَّ المؤمنين أنبئيني عن وترِ رسول اللهﷺ- قالت: كنا نعدُّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله إلى ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوَّك ويتوضّأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض فلا يسلم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسنّ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول، فتلك تسع يا بُنيّ. وكان نبي اللهﷺ- إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبيّ اللهﷺ- قرأ القرآن كلَّه في ليلة، ولا صلّى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
فإن أوتر بثلاث فإن شاء صلّى بتشهد واحد، كما فعل النبيﷺ- في خمس، وإن شاء بتشهدين، كما فعل في سبع وتسع.
وإن أوتر بخمس، فإن شاء صلّى بتشهد واحد، كما فعل النبيﷺ- وإن شاء بتشهدين يقعد في الرابعة والخامسة، كما فعل النبيﷺ- في سبع وتسع.
وإن أوتر بسبع، فإن شاء صلى بتشهدين، كما فعل النبيﷺ- يقعد في السادسة والسابعة، وإن شاء بتشهد واحد، كما فعل في الخمس، وإن أوتر بتسع، فكذلك إن شاء صلى بتشهدين كما فعل النبيﷺ- يقعد في الثامنة والتاسعة، وإن شاء بتشهد واحد كما في الخمس، وإن شاء أوتر بإحدى عشرة، فإن شاء صلّى بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين، ويقعد في العاشرة والحادية عشرة.
وإن أوتر بثلاث عشرة ركعة، فإن شاء قعد بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين يقعد في الثانية عشرة والثالثة عشرة، ولا يزيد على تشهدين، ولا يجعل بين التشهد الأول والآخر إلا ركعة واحدة.
وقيل: إن شاء فعل هكذا، وإن شاء جلس في كل ثنتين، ويتشهد ولم يسلم، وهل يجوز أن يزيد الوتر على ثلاث عشرة ركعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما يجوز أن يوتر بأقل.
والثاني: لا يجوز، لما روي عن عائشة أنها سئلت بكم كان رسول اللهﷺ-؟ قالت: لم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة.
وعند أبي حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتشهدين وتسليمة كالمغرب، إلا أنه يجهر في الركعات كلها. [ويقنت] وعند مالك: ثلاث [ركعات] بتشهدين وتسلمتين، ولا يتكلم بعد التسليمة الأولى.
وذهب جماعة إلى أنه يوتر بواحدة، وروي ذلك عن عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء وغيرهم.
[ ٢ / ٢٣١ ]
واختلف أصحابنا في أن الوِتر بواحدة أفضل أو بثلاث موصولة أفضل.
منهم من قال: بثلاث موصولة أفضل؛ لأنه فعل أهل "المدينة"، ولأن العلماء اتفقوا على جواز الثلاث.
واختلفوا في إفراد الوتر، وهو اختيار الشيخ أبي زيد قال؛ ثلاث بتشهدين وتسليمة.
ومنهم من قال: الإتيان بواحدة أفضل؛ لأنه اجتمع فيه قول النبيﷺ- وفعله، فالقول ما روينا عن ابن عمر: الوتر ركعة من آخر الليل، والفعل ما روي عن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم في كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن بالإقامة، فإن فعل هكذا فحسن، وإن لم يفعل يصلي قبل الوتر ركعتين بنيَّة التهجد ويسلم، ثم يوتر بواحدة ليحوز فضيلة الثلاث، وليس المراد من قولنا: الوتر بواحدة أفضل أن يقتصر على ركعة واحدة، بل المراد منه أن إفرادها عما قبلها أفضل من وصلها بما قبلها.
فصلٌ: في قيام رمضان
روي عن أبي هريرة قال: كان رسول اللهﷺ- يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فتوفي رسول اللهﷺ- والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر.
وروي عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، وإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهط فقال عمر: إني أراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، وروي أنه وظّف عليهم عشرين ركعة.
ومن السُّنن الرواتب صلاة التراويح في شهر رمضان عشرون ركعة بعشر تسليمات، والأفضل أن يصليها جماعة أو منفردًا، نظر إن كان الرَّجُلُ لا يحسن القرآن، أو تختل الجماعة بتخلفه، أو يخاف النوم والكسل ففعلها جماعة أفضل، وإن لم يكن شيء من ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: الجماعة أفضل؛ لأن عمر بن الخطاب جمعهم على أبي بن كعب.
والثاني: منفردًا أفضل؛ لأن النبيﷺ- صلى ليالي في المسجد، ثم لم يخرج باقي الشهر، وقال: "صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
[ ٢ / ٢٣٣ ]
والأول أصح، وإنما لم يخرج النبيﷺ- خشية أن تفرض عليهم. والقنوت في الوتر سُنَّة، وعندنا يقنُتُ في النصف الأخير من شهر رمضان بعد الركوع.
وعند أبي حنيفة يقنت في جميع السَّنة قبل الركوع.
وقيام الليل من سُنن المرسلين، ودأب الصالحين.
روي عن أبي أُمامة عن رسول اللهﷺ- أنه قال: عليكم بقيام الليل فإنَّه دأب الصالحين قبلكم وهو قُربة إلى ربَّكُم ومكفرة للسيئات ومنهاةٌ عن الإثم".
وإذا أراد قيام بعض الليل، فآخر الليل أفضل لقوله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] وإذا جزأ الليل أثلاثًا، فالجزء الأوسط أفضل؛ لأنه وقت غفلة الناس.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اللهﷺ- قال: "أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا، ويفطر يومًا".
ويكره أن يقوم الليل كله؛ لما روي عن أنس أن النبيﷺ- قال: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ومن صلى بالليل جعل آخر صلاته بالليل الوتر؛ لما روي عن عبد الله بن عمر عن النبيﷺ-، قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا".
[ ٢ / ٢٣٥ ]
والاحتياط ألا ينام إلا بعد الوتر؛ لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليليﷺ- بثلاث لأدعُهُنَّ حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.
فإذا كان الرجل قد اعتاد قيام الليل فيؤخر الوتر.
روي عن جابر قال: قال رسول اللهﷺ-: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل".
وعن عائشة قالت: من كل الليل أوتر رسول اللهﷺ- من أوَّل الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر.
وإذا أوتر ونام، ثم قام للصلاة لا يعيد الوتر وقيل: يصلي ركعة حتى يصير ما مضى شفعًا يسمى ذلك نقض الوتر، ثم يصلي ما شاء، ثم يوتر ثانيًا، يروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال إسحاق.
ولا يحسب التراويح، ولا الوتر قبل صلاة العشاء، فلو صلَّى فرض العشاء على أنه متطهر، ثم أحدث فتوضأ، ثم أوتر، ثم ظهر أنه كان محدثًا في فرض العشاء يجب عليه إعادة صلاة العشاء، ويعيد الوتر بعدها، كما لو طاف وسعى، ثم بان أنه كان محدثًا في الطواف يجب عليه إعادة الطَّواف، والسَّعي جميعًا، ويستحب أن يقرأ في الوتر ما روي عن عائشة أنها سئلت بأي شيء كان يوتر رسول اللهﷺ- قالت: كان يقرأ في الأول ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وعن أُبيِّ بن كعب قال كان رسول اللهﷺ- إذا سلَّم في الوتر قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يرفع في الثالثة صوته".
وصلاة الضُّحى سُنَّة أفضلها ثمان ركعات؛ لما روي عن أم هانئ أن النبيﷺ- دخل بيتها يوم فتح "مكة"، فاغتسل وصلى ثمان ركعات لم أرَ صلاة قط أخف منها، غير أنه
[ ٢ / ٢٣٧ ]
يُتم الركوع والسجود، وذلك ضحى.
وقالت معاذة: سألت عائشة كم كان رسول اللهﷺ- يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء، وأقلُّها ركعتان؛ لحديث أبي هريرة "ركعتي الضُّحى".
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وعن أبي ذرٍّ قال: قال رسول اللهﷺ-: "يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
ووقت صلاة الضحى من حين ترتفع الشمس إلى وقت الاستواء.
روي عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول اللهﷺ- على أهل "قباء" وهم يصلُّون الضحى فقال: "صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى".
ويستحبُّ لمن دخل المسجد ألا يجلس حتى يُصلّي ركعتين تحيَّة المسجد، لما روى أبو قتادة أن النبيﷺ- قال إذا دخل أحدكم فلا يجلس حتى يصلي ركعتين فإذا دخل
[ ٢ / ٢٣٩ ]
رجل وحضرت الجماعة لا يشتغل بالتحية، بل يصلي الفرض معهم، وتحصل به التحية، ولا يقعد وإن كان المؤذن في الإقامة، ولو دخل المسجد، فصلى فريضة أو سُنَّة، أو قضى وردًا حصلت تحيَّة المسجد، سواء نواها أو لم ينوها، ولو نوى التحية مع الفرض لا يضرُّ، كما لو كبَّر وقصد به إعلام الناس، ولو صلَّى على جنازة أو سجد لتلاوة أو شُكر لا يحصل به تحية المسجد.
فصلٌ
إذا فاتته سُنَّة من هذه السنن الرواتب، هل تقضي؟ فيه قولان، وكذلك صلاة العيد، وصلاة الضحى إذا فاتت هل تقضي؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تقضي؛ لأنها صلاة نفل كصلاة الخسوف والاستسقاء لا تقضى بعد الانجلاء.
والثاني: وهو المذهب أنها تقضى؛ لأنها صلاة راتبة في وقت كالفرائض، وليس كالخسوف والاستسقاء؛ لأنها غير راتبة، وإنما تفعل لعارض، وقد زال العارض.
وعند أبي حنيفة: لا تقضى إلا ركعتا الفجر إذا فاتتا مع الفرض، فإن قلنا: تقضى، فالمذهب أنه يجوز قضاؤها أبدًا في أي وقت كان، ونقل المُزنيّ أنه لا تقضى الوتر بعد ما صلّى صلاة الصُّبح، ولا ركعتي الفجر بعد أن يقام الظهر.
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: هذا قول الشافعي أنه لا يقضى الوتر بعد صلاة الصبح؛ لأنه تبعٌ للعشاء، فلا تجعل تبعًا للصبح، ولا يقضي ركعتي الفجر بعد صلاة الظُّهر؛ لأنها تبع للصبح، فعلى هذا الاعتبار بدخول وقت الصبح والظهر أم بفعل الصلاة؟ فيه وجهان.
ومن أصحابنا من قال وهو المذهب: يجوز قضاؤها في جميع الأوقات، والشافعي لم يقل: ولو فاتته ركعتا الفجر حتى صلّى الظهر، بل قال: حتى أقام الظهر، وكذلك قال: لو فاته الوتر حتى يقام الصبح لم يقض، وأراد بهذا إذا أقيم لصلاة الوقت لا يشتغل بقضاء ما فات من ركعتي الفجر والوتر، بل يصلي صلاة الوقت، ثم يقضي ما فاته، وكذلك جميع الصلوات إذا أقيم لها لا يشتغل بسنّتها، بل يصلِّي الفرض، ثم بعده يصلّي السُّنَّة وهو قول أكثر أهل العلم؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة
[ ٢ / ٢٤٠ ]
إلا المكتوبة" وعند أبي حنيفة يشتغل بالسُّنة إذا علم أنه مُدرك مع الإمام ركعة، ومن قال: يشتغل بالسُّنة مجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، والحديث حُجَّة عليهم.
بابُ صلاة الجماعة
روي عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع
[ ٢ / ٢٤١ ]
وعشرين درجة".
[ ٢ / ٢٤٢ ]
الجماعة في صلاة الجمعة فرض عين، وفي سائر الصلوات ليست بفرض عين، وهل هي فرض على الكفاية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أن سُنَّة مؤكدة شرعت لاكتساب الفضيلة.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
والثاني: وهو قول ابن سُريج فرض على الكفاية إذا قعد أهل قرية أو محلَّة عن إقامتها عصوْا وقوتلوا عليه؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- قال: "لقد هممت أن آمُر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمُر رجلًا فيؤمَّ الناس ثم أخالف على رجال لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو حسنتين لشهد العشاء".
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وروي عن أبي الدرداء أن النبيﷺ- قال: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
وقال عطاء، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق: الجماعة فرض عين لا يجوز تركها من غير عذر، وأقل الجماعة اثنان.
روي عن أبي موسى الأشعري أن النبيﷺ- قال: "الاثنان فما فوقها جماعة".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ويجوز إقامة الجماعة في البيت، وفي المسجد الكبير الذي يكثر فيه أفضل من المسجد الصغير.
روي عن أُبيِّ بن كعب أن النبيﷺ- قال: "صلاة الرَّجُل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرَّجلين أزكى من صلاته مع الرَّجل وما كَثُرَ فهو أحبُّ إلى الله تعالى".
فإن كان المسجد الصغير أقرب إليه، نظر إن كان لا تختلُّ الجماعة فيه بغيبته، فالأولى أن يخرج إلى المسجد الأعظم، وإن كان يختلُّ، فالأفضل أن يُصلّي في المسجد الأقرب، حتى لو لم يكن فيه أحد يُؤذِّن ويقيم، ويصلّي فيه منفردًا ويخفف، ثم يخرج إلى المسجد الأعظم فيصلّي معهم ليحوز فضيلة الجماعة.
وقيل: إن كان لا تختل الجماعة في المسجد الأصغر بغيبته، فالأولى أن يصلي فيه، ثم يخرج إلى المسجد الأعظم، ويجوز تركُ إتيان الجماعة بالعذر بأن يكون مريضًا، أو عاريًا لا لباس له، أو يخاف على نفسه أو ماله في الطريق، أو كان هاربًا من سلطان، أو كان عليه قصاص يرجو عفوه، أو يطلب ضالَّة له، أو كان مخفيًا من غريم يطالبه ولا وفاء له، أو وجب عليه حدّ، أو يخاف ضياع متاعه.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
روي عن ابن عباس أن النبيﷺ- قال: "من سمع النِّداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر قالوا: يا رسول الله وما العذر قال: خوف أو مرضٌ".
[ ٢ / ٢٥٢ ]
أما إذا كان خوفه من حق هو في منعه ظالم، أو وجب عليه حدّ لا يقبل العفو، فلا يكون عذرًا.
والمطرُ عذرٌ، والبرد الشديد عذر.
روي عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرِّحال.
والوحلُ عذرٌ على أصح الوجهين، والرياح العاصفة عذر بالليل دون النهار، وما جاز له ترك الجماعة جاز ترك الجمعة به، وإن كان به جوع أو عطش غالب يبدأ بالأكل والرب، ولا يأكل للشبع، بل يأكل لقمًا يسكن فورةَ جوعه؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول اللهﷺ-: "إذا وُضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء".
وكذلك إذا كان يدافع أحد أخبثيه ببول أو غائط أو ريح يكره له معه حضور الجماعة، بل يفرغ نفسه، وإن فاتته الجماعة لما روي عن عبد الله بن الأرقم قال: قال رسول اللهﷺ-: "إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط".
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وعن عائشة أن رسول اللهﷺ- قال: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان".
هذا إذا كان في الوقت سعة، فإن كان يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالأكل أو الشرب، أو قضاء الحاجة يبدأ بالصلاة.
وقيل: يشتغل بقضاء الحاجة، وإن فات الوقت، ثم يقضي، كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء، يجب عليه أن يتوضأ.
ويستحب للرجل إذا أتى الصلاة أن يأتيها ماشيًا من غير إسراع؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَوْن، وأتوها تمشُون، وعليكم السَّكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
وصلاة الجماعة مستحبة للنساء، لكنها في حق الرجال آكد، وجماعتهن في البيت أفضل؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول اللهﷺ-: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خيرٌ لهن".
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وإذا أرادت المرأة حضور المسجد بجماعة الرجال، جاز إذا كان لا يخشى منها الفتنة، وإذا خرجت لا تمس طيبًا؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وإذا خرجن فليخرجن تفلات، وإذا صلين جماعة يقوم إمامهن وسطهن ليكون أستر.
روي عن عائشة أنها صلَّت بنسوة العصر، فقامت وسطهن.
وإمامة الرجال لهن أولى من إمامة النساء، حرًّا كان أو عبدًا، لكن لا يجوز أن يخلو الرجل بهن من غير محرمٍ، وإذا أمَّهُنَّ رجل يقوم أمامهُنَّ، ولا يقوم وسطهن، ومن صلّى منفردًا.
ثم أدرك جماعة يصلون يستحب له أن يصلِّي معهم ثانيًا أي صلاة كانت ليحوز فضيلة الجماعة، وينوي الفرض كالأولى، وهو قول الحسن، والزُّهري، وأحمد، وإسحاق.
وقال النَّخعي، والأوزاعي يصليها ثانيًا إلا الصبح والمغرب.
وقال أبو حنيفة: إلا الصبح والعصر والمغرب؛ لأن الصبح والعصر لا يتنفَّل بعدها، والمغرب وتر النهار، فيصير شفعًا.
والدليل على أنه يصليها ثانيًا ما روي عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول اللهﷺ- حجَّته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد "الخيف"، فلما قضى صلاته وانحرف، فإذا هو برجلين في آخر القوم، ولم يصليا معه، قال: "عليَّ بهما" فجيء بهما ترتعد فرائصُهما قال: "ما منعكما أن تصليا معنا" فقالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا قال: "فلا تفعلا إذا صليتُما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة".
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وإذا صلى ثانيًا أيهما تكون فرضًا؟ فيه قولان.
قال في الجديد، وهو المذهب: الأولى فرضه للخبر ولأن الفرض قد يسقط عنه بالأولى، والثانية لحيازة الفضيلة.
وقال في القديم: يحتسب الله بالفريضة أكملها وهو قول ابن عمر.
ولو صلى صلاة جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى هل يعيدها معهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعيد؛ لأنه حاز الفضيلة.
والثاني: وهو الأصح يستحب أن يعيد، كما لو صلى منفردًا، ثم أدرك جماعة.
وقيل: يعيد الظهر والمغرب والعشاء، ولا يعيد الصبح والعصر.
وقيل: إن كان في الجماعة الثانية فضيلة زائدة بأن كان الإمام أعلم أو أورع، أو الجمع أكثر، أو المكان أفضل يعيد، وإلا فلا.
وإذا أخَّر الإمام الخروج للصلاة يستحب أن يبعث إليه ليحضر، وإن خيف فوت أول الوقت يستحب أن يتقدم غيره؛ لأن النبيﷺ- خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فقدَّم الناس أبا بكر حتى صلى بهم.
وإن لم يكن أحد يتقدم صلى منفردًا، ثم إن جاء الإمام صلى معه ثانيًا، ولو شرع في الصلاة منفردًا، ثم أقيمت الجماعة قال: أحببت أن يكمل ركعتين يكونا له نافلة، ويبتدئ الصلاة مع الإمام، وإن أراد أن يترك نية الفرض، فيبقى نفلًا، ويسلم عن ركعتين، ويكره أن يقطع صلاته فيبطلها.
قال الشيخ: وإن كانت الصلاة ذات ركعتين، أو ذات أربع، ولكنه قد قام إلى الثالثة يتمها ثم يشرع مع الإمام، فلو لم يسلم، بل نوى الاقتداء بالإمام، ووصل صلاته بصلاته، هل يجوز؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد يجوز؛ لأن أبا بكر كان يصلي بالناس في مرض
[ ٢ / ٢٥٦ ]
رسول اللهﷺ- فخرج رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فوصل أبو بكر صلاته بصلاته.
والإمام يكون في حكم المنفرد، ولأنه لما جاز أن يصلي بعض الصلاة منفردًا، ثم يصير إمامًا بأن يقتدي به جماعة جاز أن يصلي بعضها منفردًا، ثم يصير مأمومًا.
وقال في "الإملاء": لا يجوز، وهو الأصح في طريقة القاضي وتبطل صلاته؛ لأنه خالف الإمام في التحريمة، كما لو حضر معه، وأحرم قبله. فمن أصحابنا من قال: القولان فيما إذا اتفقا في الركعة، فإن اختلفا بأن كان الإمام في ركعة، والمأموم في أخرى متقدمًا عليه، أو متأخرًا عنه لا يجوز.
والصحيح: أن لا فرق بين الحالتين، ثم إن اختلفا في الركعة بأن يقعد المأموم في موضع قعود الإمام، ويقوم في موضع قيامه، فإذا تمت صلاة الإمام، ولم تتم صلاة المأموم، فإذا سلم الإمام يقوم المأموم، ويتم صلاته كالمسبوق، وإذا تمت صلاة المأموم، ولم تتم صلاة الإمام لا يتابعه في الزيادة، بل إن شاء خرج عن متابعته، وسلم وإن شاء انتظر في التشهد حتى تتم صلاته، فيسلم معه.
فإن سها الإمام بعد أن اقتدى به أو قبله، فإذا أتم صلاته منفردًا سجد في آخر صلاته على أصح القولين كالمسبوق، وإن سها الإمام، نظر إن سها بعد أن وصل صلاته بصلاة الإمام يحمل عنه الإمام، وإن سها قبل أن وصل صلاته بصلاته، فلا يتحمل عنه الإمام، فإذا سلم الإمام يسجد هو في آخر صلاته.
وسئل القاضي عمن شرع في فائتة، ثم افتتح جماعة صلاة الوقت، قال: أستحب أن يقتصر على ركعتين ليصلي تلك الصلاة معهم؛ لأن الفائتة لا تشرع لها الجماعة، وبمثله لو شرع في فائتة وقت العصر في يوم فانكشف الغيم، وخاف فوت الوقت يسلم الفائتة عن ركعتين؛ لأن مراعاة حق الوقت أولى من مراعاة الجماعة، ألا ترى أن أداء جميع الصلاة في الوقت أولى من انتظار جماعة يصلي معهم بعض الصلاة في الوقت، والمسبوق إذا أدرك
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الإمام في التشهد الأخير يكبّر ويقعد للتشهد معه، ويصير مدركًا لفضيلة الجماعة، وقد ورد أخبار في فضل التكبيرة الأولى.
روي عن أنس قال: قال رسول اللهﷺ-: "من صلى أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق".
اختلفوا فيما يصير مدركًا للتكبيرة الأولى؛ منهم من قال: يدرك الركوع مع الإمام ومنهم من قال: لا يكون مدركًا حتى يدرك شيئًا من القيام.
ومن حضر بعد فراغ الإمام من الصلاة يستحب لبعض من صلى مع الإمام أن يقوم، فيصلي معه ليحصل له الجماعة؛ لما روي عن أبي سعيد الخُدري أن رجلًا جاء وقد صلى النبيﷺ- فقال رسول اللهﷺ-: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل وصلى معه.
والأولى للإمام ألا ينتظر أحدًا في الصلاة حتى تكون صلاته خالصة لله- تعالى- فلو أحسَّ بداخل فانتظره، نظر إن انتظره في قيام أو سجود لا يجوز؛ لأنه لا فائدة له في ذلك الانتظار. وإن انتظره في الركوع قال في موضع: لا ينتظر، وقال في موضع: لا بأس أن ينتظره، فحصل قولان، وكذلك إذا انتظره في التشهد الأخير فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز أن ينتظره حتى تكون خالصة لله﷿- لا يدخلها تشريك.
والثاني: يجوز؛ لأن الجماعة لحصول الفضيلة، فيجوز الانتظار فيها لفضيلة تحصل للمأموم، ففي الركوع ينتظر ليحصل للمأموم إدراك الركعة، وفي التشهد الأخير ينتظر
[ ٢ / ٢٥٨ ]
لتحصل له فضيلة الجماعة، كما ينتظر فراغ قوم، ومجيء قوم في صلاة الخوف، وكما يرفع الصوت بالتكبير لإعلام القوم، ولا يكون تشريكًا.
فإن قلنا: لا يجوز، فلو فعل هذا هل تبطل صلاته؟.
قيل: فيه قولان، بناءً على أنه لو زاد على انتظارين في صلاة الخوف، هل تبطل صلاته أم لا؟ وفيه قولان.
وقيل وهو المذهب: لا تبطل صلاته قولًا واحدًا.
أما إذا كان يصلي في مسجد محلَّةٍ أو سوق، ويطول القراءة ليجتمع الناس، أو يؤم مسجدًا وثَمَّ رجل شريفٌ يصلّي فيه، فيطول القراءة لأجله، فهذا مكروه.
والسُّنَّة للإمام أن يخفِّف الصلاة، ولا يطولها، فينفّر القوم عن الجماعة، وفي التخفيف لا يترك من أبعاضها وهيئاتها شيئًا.
روي عن أنس قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتمّ من رسول اللهﷺ- وإن كان يسمع بكاء الصبي، فيخفف مخافة أن تفتتن أمه.
وروي عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفِّف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء".
وعن أبي مسعود أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل
[ ٢ / ٢٥٩ ]
فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول اللهﷺ- في موعظة أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: "إنَّ منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوَّز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".
وإذا رضي القوم بالتطويل يجوز أن يطوّل، وإن رضي بعضهم دون بعض فليخفِّف؛ مراعاةً لحق الضعيف.
باب صلاة الإمام قاعدًا بقيام
روي عن عائشة أن رسول اللهﷺ- أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فوجد النبيﷺ- خفَّة فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر فأمَّ النبيﷺ- أبا بكر وهو قاعد وأَمَّ أبو بكر الناس وهو قائمٌ.
إذا مرض الإمام الرَّاتب، أو حدث به عذر يستحب أن يستخلف في الإمامة قادرًا، كما استخلف رسول اللهﷺ- أبا بكر في مرضه، فلو صلى بهم قاعدًا يجوز، وهم يصلون خلفه قيامًا عندنا، وعند أكثر [الفقهاء].
وقال مالك: لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد.
وقال أحمد، وإسحاق: إذا صلى الإمام قاعدًا، فالقوم يقعدون خلفه؛ لما روي عن أنس أن النبيﷺ- قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبر فكبِّروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وهذا منسوخ بحديث عائشة أن النبيﷺ- صلى قاعدًا، وأبو بكر والناس خلفه قيامًا وهذا متأخر، فإنه كان في مرض موته.
وكذلك يجوز اقتداء القائم والقاعد بالنائم إذا وقف على أفعاله، ويجوز اقتداء القاعد بالقائم، واقتداء النائم بهما ووافقنا أبو حنيفة في القائم والقاعد.
أما النائم فلا يجوز اقتداؤه بهما، ولا اقتداؤهما بالنائم، ولو كان يصلِّي الفرض قاعدًا فقدر على القيام فلم يقم بطلت صلاته على ظاهر المذهب.
وفيه قول آخر: تنقلب صلاته نفلًا.
فإن قلنا: بأنه تبطل صلاته، فكل من عرف حاله من المأمومين، ووقف على متابعته بطلت صلاته، ولمن لم يعرف حاله لا تبطل صلاته. والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦١ ]
فصلٌ: في الاستخلاف
الإمام إذا سبقه في خلال الصلاة الحدث أو رَعَفَ وانصرف هل يجوز له الاستخلاف؟ فيه قولان:
في الجديد وهو الأصح: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه ليس فيه أكثر من أنه صلى بعض صلاته خلف من لم يكن إمامًا له في ابتداء الصلاة، وذلك لا يمنع صحَّة الصلاة، فإن أبا بكر كان يصلّي بالناس في مرض النبيﷺ- فلما دخل النبيﷺ- وجلس إلى جنب أبي بكر، واقتدى به أبو بكر﵁- والقوم.
وقال في القديم: لا يجوز؛ لأن هذه صلاة واحدة، فلا تجوز خلف إمامين، كما لو اقتدى بهما في حالة واحدة.
وإن قلنا: يجوز فلا فرق بين أن يحدث الإمام عمدًا، أو سبقه الحدث، أو ينصرف عمدًا من غير سبب، ولو لم يستخلف الإمام أحدًا، فتقدَّم رجل بغير إذنه جاز، وشرطه أن
[ ٢ / ٢٦٢ ]
يكون الخليفة قد اقتدى بالإمام قبل حدثه، فإن لم يدرك شيئًا من صلاة الإمام لا يجوز أن يتقدم خليفة.
وعند أبي حنيفة: يجوز الاستخلاف إذا سبقه الحدث، ولا يجوز أن يتقدم أحد دون إذنه، فإن خرج عن المسجد، ولم يستخلف بطلت صلاتهم، وإذا تقدم الخليفة، فمن شاء من القوم ثبت على متابعته، ومن شاء أتمَّ صلاته منفردًا.
ولا يجب على من ثبت على متابعته نيَّة الاقتداء بالخليفة؛ لأنه نوى الجماعة في الابتداء.
وقيل: تجب نيَّة الاقتداء بالخليفة؛ لأنه بعد ذهاب الإمام في حكم الانفراد، ولذلك يلزمه سجود السهو إذ سها، وإن كان الخليفة مسبوقًا يجب عليه مراعاة نظم صلاة الإمام، يقعد في موضع قعوده، ويقوم في موضع قيامه، فإن كان في صلاة الصبح، وأدركه مسبوق في الركعة الثانية، فإذا أحدث الإمام وتقدم هذا المسبوق يقنُتُ في هذه الركعة؛ لأنه موضع قنوت الإمام، ويقعد للتشهد في هذه الركعة ثم يقوم، ويتم صلاته، ويقنت في الركعة الثانية لنفسه، فإذا تمَّت صلاة الإمام، فقام الخليفة لإتمام صلاته لا يجوز لمن تمَّت صلاته من القوم متابعته، بل إن شاءوا خرجوا عن متابعته وسلموا، وإن شاءوا ثبتوا جالسين حتى يتم الخليفة صلاة نفسه، فيسلم بهم.
وإذا كان الإمام قد سها قبل اقتداء هذا المسبوق به، أو بعده سجد المسبوق للسهو في آخر صلاة الإمام ومتابعة القوم، ثم إذا قضى بقية صلاته سجد ثانيًا على القول الأصح أن المسبوق يسجد في آخر صلاته لسهو الإمام، وإن كان المسبوق لا يعرف نظم صلاة الإمام هل يجوز أن يتقدم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا يمكنه مُرَاعاة نظم صلاة الإمام.
والثاني: يجوز، فإذا أتمَّ ركعة يرقب للقوم، فإن همُّوا للقيام قام، وإلا قعد، ولا يمنعه قبول قول غيره من أن يكون خليفة كالإمام إذا أخبره أن الباقي من الصلاة كذا له أن يقبل قوله ويتقدم.
ولو سها الخليفة قبل حدث الإمام، فقد تحمل عنه الإمام سهوه، لو سها بعد حدثه عليه سجود السهو، وعلى من دام على متابعته، كمن كان يصلّي منفردًا فسها، ثم اقتدى به رجل، يلزمه أن يسجد معه للسهو.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
ولو سها بعض القوم، نظر إن سها قبل حدث الإمام، أو بعد تقدُّم الخليفة، فلا سجود عليه؛ لأن الإمام قد تحمَّل عنه، وكذلك الخليفة، وإن سها بعد حدث الإمام قبل تقدُّم الخليفة، فعليه أن يسجد للسهو بعد تسليم الخليفة؛ لأنه كان وقت السهو في حكم الانفراد، وإن كان يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح، فأحدث الإمام وتقدم هذا الذي يصلي الظهر يقنت في الركعة الثانية؛ لأنه محل قنوت الإمام، ولا يقنت في آخر صلاة نفسه، وإن كان يصلي الصبح خلف مني صلي الظهر، فأحدث الإمام وتقدم هو لا يقنت في آخر صلاته.
قال الشيخ إمام الأئمة وهو صاحب الكتاب: يحتمل أن يقال: يقنت في المسألة الأخيرة، ولا يقنت في الأولى، وإنما يؤخذ عليه مراعاة نظم صلاة الإمام إذا اتفقت الصلاتان، وإن اختلفتا يراعي نظم صلاة نفسه بعد مفارقة الإمام، كما في عدد الركعات.
ولو تقدم الخليفة، وسبقه الحدث يجوز للثالث أن يتقدم، فإذا سبقه الحدث يجوز لرابع أن يتقدم، وعلى الكل مراعاة نظم صلاة الإمام الأول، ويشترط أن يكون كل من تقدم قد أدرك شيئًا من صلاة الإمام الأول، واقتدى به قبل حدثه، ولو ذهب الإمام وتوضأ، ثم عاد، واقتدى بخليفة ثم أحدث الخليفة، فتقدم الإمام الأول جاز، ولو أحدث الإمام، فتقدم رجلان، وتابع كل واحد منهما بعض القوم جاز إلا في الجمعة؛ لأنه لا يجوز إقامة جمعتين في موضع واحد.
باب اختلاف الإمام والمأموم
روي عن جابر قال: كان معاذٌ يصلي مع النبيﷺ- العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها لهم هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة العشاء.
اختلاف نيَّة الإمام والمأموم لا تمنع الاقتداء، حتى يجوز أداء الفرض خلف من يصلي النفل، وأداء النفل خلف مني صلي الفرض، ويجوز أداء فريضية خلف من يصلي أخرى سواء كان الإمام قاضيًا أو المأموم، وسواء اتفقت الصلاتان في عدد الركعات مثل أن كان أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي العصر، أو اختلفا مثل أن كان أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي الصبح أو المغرب، وهو قول الأوزاعي، وأحمد.
وقال الزهري، وربيعة، ومالك: اختلاف النيَّة يمنع الاقتداء.
وقال أبو حنيفة: يمنع إلا النَّفل خلف مَن يصلي الفرض يجوز، والحديث حجة عليه ولمن جوَّز، ولأن الاقتداء يقع في الأفعال الظاهرة، وذلك ممكن مع اختلاف النية، ثم إن كان صلاة الإمام أقل عددًا بأن كان يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح أو المغرب، فإذا تمَّت صلاة الإمام وسلَّم قام المأموم، وأتم صلاته كالمسبوق، وإذا قنَتَ الإمام تابعه، كما يقعد في المغرب في الجلسة الأخيرة معه، كالمسبوق يقعد في موضع بقعود الإمام، ويقنت
[ ٢ / ٢٦٤ ]
في موضع قنوته، وإن كان صلاة الإمام أقل عددًا بأن كان يصلي الصبح أو المغرب خلف من يصلي الظهر، فإذا تمَّت صلاة المأموم لا يجوز إن يتابع الإمام في الزيادة، بل إذا قام هو بالخيار إن شاء خرج عن متابعته وسلّم، وإنشاء انتظره في التشهد حتى يسلم معه، فإن وقف الإمام في محل القنوت يسيرًا قنت المأموم، وإن لم يقف يتابعه ولا يشتغل بالقنوت.
وقيل: إن كان صلاة المأموم أقل عددًا فيه قولان؛ لأنه يحتاج إلى الخروج عن صلاة الإمام قبل فراغه، والأوّل أصحّ، وإن كانت الصلاتان مختلفتين في الأركان، مثل أن اقتدى في فريضة بمن يصلي صلاة الخسوف، أو صلاة الجنازة، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه متابعته مع اختلاف الأفعال.
والثاني: وبه قال الشيخ القفال يجوز؛ لأن المقصود من الاقتداء اكتساب الفضيلة، كما لو أدرك الإمام في التشهد الأخير اقتدى به جاز، فعلى هذا في صلاة الخسوف يتابعه في الركوع الأول، فإذا رفع رأسه خرج عن متابعته، وإذا أدركه في القيام الثاني تابعه في الركوع، وصلى معه تلك الركعة، ويركع معه في الثانية، ثم يخرج عن متابعته، وإذا أدركه في الركوع الثاني من إحدى الركعتين كان مدركًا للركعة، وفي صلاة الجنازة إذا كبَّر الإمام الثانية خرج عن متابعته حتى قال القفال: إذا اقتدى بمن يسجد شكرًا أو تلاوة جاز، وكما كبَّر كبَّر لا يهوي إلى السجود معه، بل يخرج عن متابعته.
وتجوز إمامة الأعمى؛ لما روي عن أنس أن النبيﷺ- استخلف ابن أم مكتوم يؤمّ الناس، وهو أعمى، والأعمى والبصير سواء في الإمامة.
وقال أبو حنيفة: البصير أولى؛ لأنه أحفظ لثوبه عن النجاسات.
قلنا: الأعمى أحفظ لقلبه عن التفرُّقات.
وتجوز الصلاة خلف الصبي الذي يعقل، والبالغ أولى منه، وكره عطاء، والشعبي، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة إمامة الصبي.
وتجوز إمامة العبد، والحرُّ أولى منه؛ لأنه أكمل حالًا، ويجوز اقتداء المقيم
[ ٢ / ٢٦٥ ]
بالمسافر، واقتداء من غسل الرجلين بمن مسح على الخُف، واقتداء المتوضئ بالتيمِّم، والمتوضئ وغاسل الرجل أولى بالإمامة.
وقيل: المقيم أولى من المسافر.
ولو اجتمع جماعة من العراة فصلّوا جماعة يجوز، ويقف إمامهم وسطهم ليكون أستر قال في القديم: الأولى أن يُصلُّوا فرادى، ولو كان فيهم لابس، فهو أولى بالإمامة، ويقف قدامهم، فلو تقدم عارٍ، واقتدى به اللابس يجوز.
وعند أبي حنيفة لا يجوز.
ولو اقتدى طاهر بِسَلِسِ البول، أو اقتدت طاهرت بمستحاضةٍ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز، كما لو اقتدى رجل على ثوبه نجاسة عفوة، أو اقتدى بمن استنجى بالحجر.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن صلاة الإمام صلاة ضرورة، ولو اقتدى بمربوط على خشبة يصلي بالإيماء إن قلنا: عليه الإعادة لا يصحّ الاقتداء به.
وإن قلنا: لا يجب عليه فيصح كالمريض بالإيماء، ولو صلّى خلف جُنُب أو مُحدث أو خلف مَن على ثوبه نجاسة غير معفوة، وهو عالم بحال الإمام لا تصحّ صلاته، وإن اقتدى به، وهو غير عالم بحاله، فلما فرغ علم، لا تجب عليه الإعادة، سواء كان الإمام عالمًا بحالة يتعمَّد الإمامة، أو كان جاهلًا، هذا قول أكثر أهل العلم؛ لما روي عن عمر بن الخطَّاب﵁- أنه صلَّى بالناس، ثم رأى على ثوبه أثر احتلام، فاغتسل وأعاد الصَّلاة، ولم يأمر القوم بالإعادة.
وقال حمَّاد، وأبو حنيفة: تجب الإعادة، وروي ذلك عن عليٍّ﵁-.
وقال مالك: إن كان الإمام عالمًا بحدِثِهِ، فتعمَّد الإمامة لا تصح صلاة القوم خلفه.
وتكره إمامة من يلحن في القراءة، ثم ينظر إن كان لحنًا لا يحيل المعنى بأن نصب الدَّال من "الحمد" ورفع الهاء من "لله" صحّـ صلاته، وصلاة من اقتدى به.
وإن كان لحنًا يحيل المعنى، أو يعطّله، نظر إن كان يطاوعه لسانه، ويمكنه التعلم لا تصح صلاته، ولا صلاة من خَلفه، كما لو تكلم في صلاته، وإن كان في الفاتحة، فصلاة من هو في مثل حاله خلفه صحيحة، ومن لم يكن في مثل حاله وإن كان لا يطاوعه لسانه فصلاته صحيحة، ثم كان ذلك في غير الفاتحة فصلاة القوم خلفه صحيحة فاقتداؤه به كاقتداء
[ ٢ / ٢٦٦ ]
القارئ بالأمِّي، وذلك إذا كان الإمام أرتَّ، وهو الذي يبدل الرَّاء بالتاء، أو ألثغَ، وهو الذي يبدل السين بالثاء، تصح صلاة من هو في مثل حاله خلفه.
ولو اقتدى بأحدهما من هو صحيح اللسان، أو الأرثّ مع الألثغ اقتدى أحدهما بالآخر، فهو كاقتداء القارئ بالأُمي؛ لأن كل واحد أمي في الحرف الذي لا يحسنه، ويكره إمامة التمتام والفأفاء، ولكن تصح الصلاة خلفهما؛ لأنهما لا يبدلان حرفًا بآخر، وهل يجوز اقتداء القارئ بالأمي؟ فيه قولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة، وهو قوله الجديد- لا يصح؛ لأن الإمام ناقص، كما لو اقتدى رجل بامرأة لا تصح.
وقال في القديم: يجوز؛ لأن القراءة رُكن من أركان الصلاة، فيجوز للقادر عليه أن يقتدي بمن هو عاجز عنه كالقيام يجوز للقائم أن يقتدي بالقاعد.
ونعني بالأُمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، وإن كان يحسن جميع القرآن سواها، وبالقارئ من يحسن الفاتحة وإن كان لا يحسن غيرها من القرآن، وهذا في أمي لا يطاوعه ولكن لم يأت عليه من الزمان ما يمكنه فيه التَّعلُّم، وإن مضى عليه زمان إمكان التعلُّم، فلم يتعلم عليه أن يصلي لحقِّ الوقت، ولا يصح الاقتداء به؛ لأن صلاته بشرط الإعادة كالمقيم إذا لم يجد ماء، فصلّى بالتراب أو من لم يجد ماءً ولا ترابًا فصلى لحقِّ الوقت لا يصح الصلاة خلفه.
ولو أن رجلين كل واحد منهما يحسن نصف الفاتحة اقتدى أحدهما بالآخر، هل تصح صلاة المأموم؟ نظر إن كان كل واحد يحسن ما يحسن صاحبه يصح الاقتداء، وإن كان أحدهما يُحسن النصف الأول والآخر النصف الآخر، فلا يصح على أصحِّ القولين.
ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة لنقصان المرأة قال النبيﷺ-: "ألا لا تؤمَّنَّ امرأة رجلًا ولا أعرابي مهاجرًا".
[ ٢ / ٢٦٧ ]
ويجوز اقتداء المرأة بالرجل، وبالمرأة، ويجوز اقتداء المرأة بالخُنثى المشكل، وإذا أم خنثى النساء، يتقدم عليهن؛ لاحتمال أنه رجل، ولا يجوز اقتداء الرجل بالخنثى؛ لاحتمال أن الخنثى امرأة، فلو فعل يجب على الرجل الإعادة، فإن لم يُعِد حتى بان الإمام رجلًا هل تسقط الإعادة عنه؟ فيه قولان.
وكذلك لا يجوز اقتداء الخنثى بالخنثى، لاحتمال أن الإمام امرأة، والمأموم رجل، وإذا اقتدى به يجب على المأموم الإعادة، فلو لم يعد حتى بانا رجلين أو امرأتين، أو بان الإمام رجلًا فهل يسقط الإعادة؟ فيه قولان:
أصحهما: لا تسقط؛ لأن الاقتداء لم يكن صحيحًا لاشتباه الحال.
والثاني: تسقط اعتبارًا بما ظهر من بعد، وكذلك لا يجوز اقتداء الخنثى بالمرأة؛ لاحتمال أن الخنثى رجل، فلو فعل ولم يُعِد حتى بان الخنثى امرأة، فعلى القولين.
ولو صلى خلف إنسان ظنه رجلًا فبان امرأة أو خنثى يجب عليه الإعادة، وكذلك لو ظنَّه قارئًا فبان أميًا على قولنا: إن الصلاة خلف الأمي لا تصح، وكذلك لو بان مجنونًا وكذلك لو بان الإمام كافرًا تجب الإعادة، بخلاف ما لو بان الإمام محدثًا أو جُنبًا لا إعادة على المأموم؛ لأن الحدث ليس بنقض، ولأن الطهارة والحدث يتعاقبان، فقد يكون الرجل طاهرًا، فيحدث من غير أن يطلع عليه، فلم ينسب المقتدي إلى التَّفريط، بخلاف الكُفر، فإن الغالب أن صاحبه يظهره، ومن كان على دين لا يتركه، فانتسب المقتدي إلى التفريط، بترك التفحُّص، فإن كان كفرًا يسترُ كالزَّندقة، وكُفر القرامطة والدَّهرية ففي وجوب الإعادة وجهان:
[ ٢ / ٢٦٨ ]
أصحهما: لا إعادة عليه؛ لأنه قلَّ ما يطلع عليه، فإن صاحبه لا يظهره، وكذلك إن بان مرتدًا؛ لأن المرتد يخفي كفره خوفًا من القتل، فإن كان قد علمه مرتدًا فنسي تجبُ الإعادة، وإمامة الكافر لا تكون إسلامًا.
وعند أبي حنيفة إن صلى إمامًا في الحضر يكون إسلامًا.
قلنا: لو كان إسلامًا لكان لا يفرق الحكم بين أن يفعله إمامًا أو في جماعة أو وحده، كما إذا أتى بكلمة التَّوحيد يحكم بإسلامه، سواء أتى بها في جماعة أو وحده، وعكسه الصوم وأداء الزكاة لا يكون إسلامًا على أي وجه فعلها، ويجوز الصلاة خلف الفاسق وتكره.
وروي عن أبي هريرة أن النبيﷺ- قال: "الصلاة واجبة خلف كل مسلم برًا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر".
ويجوز خلف ولد الزنا، وغيره أولى منه، ويجوز خلف أهل البدع والأهواء، والصلاة خلف المبتدع أشد كراهية منها خلف الفاسق؛ لأن فسق الفاسق يفارقه في الصلاة، واعتقاد المبتدع لا يفارقه، ويجوز خلف المخالفين في الفروع، ولا يكره حتى تجوز صلاة الشافعي خلف الحنفيّ، ولو صلى الحنفي على وجه، لا يراه الشافعي بأن أبدل الفاتحة بغيرها، أو لم يعتدل عن الركوع والسجود أو مس فرجه أو لمس امرأته، ولم يتوضأ، وعلمه الشافعي فاقتدى به هل يصح أم لا؟
قال الشيخ القفال: يصح اعتبارًا باعتقاد الإمام؛ لأنا لا نقطع بخطئه.
وقال الشيخ أبو حامد: لا تصح اعتبارًا باعتقاد المأموم؛ لأنه يعتقد فساد صلاة الإمام.
ولو صلى الحنفي على خلاف مذهبه بأن افتصد ولم يتوضأ، أو توضأ بما دون قُلّتين وقعت فيه نجاسة، فصلّى، هل يصح اقتداء الشافعي به؟.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
على قول الشيخ القفال لا يصح اعتبارًا باعتقاد الإمام.
وعلى قول الشيخ أبي حامد يصح اعتبارًا باعتقاد المأموم.
ولو صلى شافعيٌّ صلاة الصبح خلف حنفي فإن مكث الحنفي بعد الركوع قليلًا قنت المأموم، وإن لم يمكث ليس له أن يشتغل بالقنوت، بل يتابعه، ثم سواء قنت أو لم يقنت هل يسجد للسهو إذا سلّم الإمام؟ إن اعتبرنا اعتقاد الإمام لا يسجد، وإن اعتبرنا اعتقاد المأموم يسجد؛ لأن اعتقاد المأموم أن الإمام لزمه سجود السهو بترك القنوت ولحقه سهوه، وعلى عكسه لو صلى الحنفيّ خلف شافعي، فلو وقف مع الإمام قائمًا حتى قنت لا تبطل صلاته، ولو ترك الإمام القنوت ساهيًا يسجد للسهو، ويتابعه المأموم، فلو ترك الإمام سجود السهو، على المأموم أن يسجد إن اعتبرنا اعتقاد الإمام يسجد، وإن اعتبرنا اعتقاد المأموم فلا يسجد.
فصلٌ
روي عن أبي هريرة قال: كان رسول اللهﷺ- يعلمنا يقول: "لا تبادروا الإمام إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعُوا، فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد".
يجب على المأموم متابعة الإمام، وهو أن يجري على أثره في الأفعال متأخرًا عنه قال البراء بن عازب: كنا نصلي خلف النبيﷺ- فإذا قال: سمع الله لمن حمده لم يحنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبيﷺ- جبهته على الأرض.
فإذا أتى بالأفعال مع الإمام يكره، وتفوته فضيلة الجماعة؛ لأنه مأمور بالمتابعة لا بالموافقة، ولكن تصح صلاته إلا تكبيرة الافتتاح، فإنه لو ابتدأها قبل فراغ الإمام منها لم يصح اقتداؤه به، ولو بدأ السلام معه فيه وجهان.
ولو تقدّم على الإمام بأن ركع قبلهُ أو سجد قبله لم يجز؛ لما روي عن أبي هريرة قال
[ ٢ / ٢٧٠ ]
محمدﷺ-: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّل الله رأسه رأس حمار.
فلو أنَّ المأموم خالف الإمام، لا يخلو إما أن خالفه بالتقدم عليه، أو بالتأخر عنه، فإن خالفه بالتقدم عليه، نظر إن لم يسبقه برُكن كامل لا تبطل صلاته، مثل أن كان الإمام في القيام، فركع قبله، ولم يرفع حتى ركع الإمام، أو كان الإمام في الاعتدال عن الركوع، فسجد المأموم قبله، ولم يرفع حتى سجد الإمام لا تبطل صلاته؛ لأنها مخالفة يسيرة.
ثم إن ركع، أو رفع قبل الإمام عمدًا، لا يجوز أن يعود، فإن عاد بطلت صلاته؛ لأنه زاد ركنًا، فإن رفع رأسه سهوًا بأن سمع حسًا ظن أن الإمام رفع رأسه فرفع، هل يجب أن يعود؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب حتى لو لم يُعِد بطلت صلاته، كما لو رفع رأسه لينتقل يجب عليه أن يعود.
والثاني: وهو الأصح لا يجب، بل إن شاء عاد، وإن شاء لم يُعِد بخلاف ما لو رفع رأسه لينتقل يجب أن يعود؛ لأنه لم يقطع الرُّكن، فلو كان هو في العود فرفع الإمام رأسه.
قال الشيخ: على الوجه الأول يضع جبهته، وعلى الوجه الآخر، وهو الأصح إن شاء وضع جبهته، وإن شاء عاد مع الإمام.
أما إذا سبق الإمام بركن كامل مقصود عمدًا، مثل أن ركع قبل الإمام، فرفع رأسه، والإمام بعد في القيام بطلت صلاته، وكذلك لو كان الإمام في الاعتدال عن الركوع، فسجد المأموم قبله، ورفع بطلت صلاته.
ولو سبقه بركن غير مقصود، مثل أن كان الإمام في الركوع، فرفع قبله وسجد، أو كان الإمام في السجود الأول، فرفع قبله، وسجد الثانية هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
[ ٢ / ٢٧١ ]
أحدهما: تبطل؛ لأنه سبقه بركن كامل؛ لأن الاعتدال عن الركوع والقعود بين السجدتين ركنان في الصلاة.
والثاني: وهو المذهب لا تبطل صلاته؛ لأن الاعتدال عن الركوع تبعٌ للركوع، والقعود بين السجدتين تبع للسجود، وهو لم يسبقه بركن مقصود، كما لو رفع أو سجد قبله، ولم يزد عليه لا تبطل صلاته، هذا إذا خالف الإمام بالتقدم عليه.
أما إذا خالفه بالتخلف عنه، لا يخلو إما أن يتخلف عنه بغير عذر أو بعذر، فإن تخلف بغير عذر، مثل أن ركع الإمام، وهو في خلال قراءة السورة، عليه أن يقطعها أو يتابعه، فإن لم يفعل أو اشتغل بتسبيحات الركوع والسجود حتى سبقه الإمام، فهو كما لو تقدم على الإمام.
فإن سبقه الإمام بركن كامل مقصود، مثل أن ركع، ورفع، وهو بعد في القيام أو سجد ورفع، وهو بعد في الاعتدال بطلت صلاته.
وقيل: لا تبطل صلاته حتى يشتغل الإمام بركن آخر مقصود، مثل أن يدوم في القيام حتى يركع، ويرفع ويسجد، أو يدوم في الاعتدال عن الركوع حتى يسجد الإمام، ويرفع ويسجد الثانية، حينئذ تبطل صلاته، وهذا القائل يقول: يشترط أن يسبقه الإمام بركنين، ولا يشترط فراغه من الركن الثاني، بخلاف المأموم إذا سبق الإمام بركن كامل تبطل صلاته؛ لأن من شرط المأموم أن يجري على أثر الإمام، فتخلُّفه عنه بركن واحد لا يضر، ولا يجوز له التقدم عليه، فإذا تقدم بركن كامل بطلت، وإن سبقه بركن غير مقصود بأن دام في الركوع حتى رفع الإمام وسجد، أو دام في السجود حتى رفع الإمام رأسه وسجد الثانية، فالمذهب أن صلاته لا تبطل؛ لأن الإمام لم يسبقه بركن مقصود، كما ذكرنا في تقدم الإمام.
أما إذا تخلف عن الإمام بعذر بأن كان بطيء القراءة، فرفع الإمام، وهو في خلال الفاتحة، عليه أن يتمَّها، أو زُحِم عن بعض الأركان حتى سبقه الإمام، عليه أن يجري على أثره ما لم يسبقه بثلاثة أركان مقصودة، ولا يحسب فيها الاعتداء عن الركوع والقعود بين السجدتين على ظاهر المذهب، فإن زاد على ثلاثة أركان ففيه وجهان:
أحدهما: أن يجري على أثره أبدًا، ويراعي نظر صلاة نفسه؛ لأنه معذور.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
والوجه الثاني: الذي حُكي لنا أنه يخرج عن متابعته: لأن الاقتداء للموافقة، ولا يمكنه موافقة الإمام.
قال الشيخ: وهو صاحب الكتاب: الخروج عن المتابعة ثابت [له]، ويكون كمن خرج عن متابعة الإمام بالعذر، فإن اختار المقام على متابعته يجوز، ثم فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أنه يجري على متابعته.
قال الشيخ: والثاني: أن يوافق الإمام في الركن الذي هو فيه، ثم يقضي ما فاته بعد ما سلّم الإمام، وهذا أصح كما قال الشافعي في الجمعة: إذا ازدحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى، فلم يمكنه السُّجود حتى ركع الإمام في الثانية، ثم أمكنه السجود ففيه قولان:
أحدهما: يشتغل بالسجود.
والثاني: وهو الأصح يتابع الإمام في الركوع، ثم إذا سلَّم الإمام يقضي ركعة، كذلك ها هنا، وإذا سمع المسبوق بركعة حسًا ظنَّ أن الإمام قد سلم فقام، وقضى ركعة، ثم بان الإمام لم يسلم لم يحسب له تلك الركعة، فإذا سلم الإمام قام وقضى ركعة، ولا يسجد للسهو؛ لأنه كان خلف الإمام، فلو سلم الإمام وهو قائم هل يقعد أو يمضي؟ فيه وجهان.
وفائدته: أنه لو لم ينتبه لتسليم الإمام في حال قيامه حتى صلى ركعة إن قلنا: عليه القعود لم تحسب له تلك الركعة، وإلا حسبت.
فإن قلنا: لا تحسب له تلك الركعة يسجد للسهو؛ لأنه زاد في صلاته بعد تسليم الإمام.
وإن قلنا: تحسب، فلا سجود عليه.
ولو سها الإمام في صلاته، فإن كان سهوه في قراءة فتح المأموم عليه، وجهر به حتى سمعه الإمام، وإن كان في فعل تركه سبَّح ليعلم، فإن لم يقع للإمام أنه سها، كأنه قام إلى ركعةٍ، وعنده أنها رابعته، وعند المأموم أنها خامسته، فنبهه لا يعمل الإمام بقول المأموم، لأنه شك في فعل نفسه، فلا يأخذه بقول غيره، كالحاكم إذا نسي حكمه، فشهد عنده شاهدان لا يأخذ به.
وقيل: إذا كان في القوم كثرة يركن القلب إليهم يقلدهم الإمام، وكذلك هل يُقلد
[ ٢ / ٢٧٣ ]
بعض المأمومين بعضًا؟ فيه وجهان إذا ثبت أن الإمام لا يأخذ بقول المأموم، فالمأموم هل يتابعه أم لا؟.
نظر إن كان سهو الإمام في ترك فرض بأن قعد وفرضه القيام، أو قام وفرضه القعود لا يجوز أن يتابعه؛ لأنه إنما يلزمه المتابعة في أفعال الصلاة، وما يأتي به ليس من أفعال الصلاة، وإن كان سهوه في ترك سُنَّة مقصودة بأن ترك التشهد الأول، أو القنوت، عليه متابعته؛ لأن متابعته فريضة لا يجوز أن يشتغل عنها بالسُّنَّةِ.
وإن نسي التسليمة الثانية، أو سجود السهو لا يتركه المأموم؛ لأنه يأتي به بعد سقوط المتابعة عنه.
فصلٌ
إذا أخرج المأموم نفسه عن متابعة الإمام فأتم صلاته هل تبطل صلاته؟ فيه قولان:
أحدهما: تبطل لقول النبيﷺ-: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه".
والثاني: لا تبطل؛ لما روي عن جابر أن معاذًا كان يصلي مع النبيﷺ- العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه، فصلى ليلة مع النبيﷺ- ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح سورة "البقرة" فتنحَّى رجل من خلفه، فصلى وحده، فقالوا له: نافقت، فأتى النبيﷺ- فقال: يا رسول الله إنك أخَّرت العشاء، وإن معاذًا صلى معك، ثم رجع فأمَّنا، فافتتح سورة البقرة، فلما رأيت ذلك تأخَّرت وصلّيت، وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل النبيﷺ- على معاذ فقال: "أفتّان أنت يا معاذٌ؟ أفتّانٌ أنت يا معاذ؟ اقرأ بسورة كذا" ولم يأمر الرجل بالإعادة لمفارقته الإمام. واختلفوا في محل القولين.
منهم من قال وهو المذهب: القولان فيما إذا خرج عن متابعة الإمام بغير عذر، فإن نخرج بعذر بأن كان ضعيفًا لا يصبر على طول القراءة، أو عرض له شغل، أو قام الإمام إلى الخامسة، أو ترك سُنّة مقصودة كالتشهد الأول والقنوت لا تبطل صلاته قولًا واحدًا لحديث معاذ.
وقيل: القولان فيما إذا خرج لعُذرٍ، فإن خرج لغير عذر تبطل صلاته.
وقيل: في الكل قولان.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته بكل حال، والحديث حُجّة عليه. والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
بابُ موقف الإمام والمأمُوم
روي عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة، والنبيﷺ عندها، فقام من الليل
[ ٢ / ٢٧٥ ]
يُصلِّي، فقمت عن يساره، قال: فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشِّق الأيمن.
إذا كان مع الإمام رجل واحد يقوم على يمين الإمام، وكذلك الصبي، فإن قام عن يساره أو خلفه كُره، وصحّت صلاته.
وإن وقف على يساره ولم يعلم، علَّمه الإمام، كما فعل النبيﷺ بابن عباس.
وإن كان معه رجلان أو رجل وصبي قاما خلف الإمام صفًا واحدًا، وإن كان معه امرأة قامت خلف الإمام، وإن كان رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه، والمرأة خلفهما وإن كان رجلان، أو رجل وصبي وامرأة، قام الرجلان أو الرجل والصبي خلف الإمام صفًا وقامت المرأة خلفهما؛ لما روي عن أنس قال: صليت أنا ويتيم خلف رسول اللهﷺ- في بيتنا وأم سليم خلفنا.
ولو كان معه رجل وامرأة وخنثى قام الرجل عن يمينه، والخنثى خلفهما، والمرأة
[ ٢ / ٢٧٧ ]
خلف الخنثى، فالخنثى يتخلف عن الرجل؛ لاحتمال أنه امرأة، ويتقدم على المرأة؛ لاحتمال أنه رجلٌ.
ولو كان خلفه جماعة من الرجال والنساء والصبيان، يقف الرجال خلف الإمام، ثم الصبيان ثم النِّسوان؛ لقوله ﵇: "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهَى".
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "خير صفوف الرِّجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرُّها أولها".
فلو وقف صبي في صف الرجال، ثم دخل رجل لا ينحِّيه، ولو وقفت امرأة يؤخرها الرجل إذا دخل، ولو وقفت المرأة بجنب إمام الرجال، أو اقتدت به يكره، ولكن تصح صلاته.
وقال أبو حنيفة: إذا اجتمعا في الرُّكوع بطلت صلاة الإمام والقوم جميعًا، ولو وقفت في صف الرجال، واقتدت به قال: تصح صلاة الإمام، وصلاة من أمامها وصلاتها، وتبطل صلاة رجل عن يمينها ورجل عن يسارها.
وقال في صلاة الجنازة: لا تبطل صلاة أحد، والدليل عليه ما روي عن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القِبلة كاعتراض الجنازة.
فإذا كان نوم المرأة بين يدي المصلي لا تبطل صلاته، فوقوفها بجنبه مصلّية أولى ألّا تبطل صلاته، ولو تقدَّم المأموم على الإمام فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله في الجديد- لا تصح صلاة المأموم، لأن هذه المخالفة أبلغ من المخالفة في الأفعال.
وقال في القديم، وبه قال مالك: تصح صلاته؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام، وذلك لا يمنع جواز الصلاة، كما لو وقفوا مستديرين بالكعبة يجوز وإن كان بعض المأمومين أقرب إلى الكعبة من الإمام، قلنا: لأن ثمَّ لم يتقدم المأموم
[ ٢ / ٢٧٨ ]
على الإمام في الجهة التي توجَّه الإمام إليها، فصحّت صلاتهم، وها هنا تقدَّم عليه في جهة الإمام فلم يجز، والاعتبار في التقدم بالعقب، فإن تحاذى العقبان، جاز، وإن تقدمت أصابع المأموم، أو موضع جبهته في السجود، وإن تقدم عقب المأموم على الإمام لا يجوز، وإن تأخرت أصابعه، أو موضع سجوده عنه.
ولو دخل رجل والإمام في الصلاة مع جماعة لا يقف منفردًا خلف الصف، بل يدخل في الصف إن وجد فُرجة، وإن لم يجد فُرجة في الصف الذي يليه، وفي الصف فُرجة فله أن يخرُق الصف ليقف في الفرجة؛ لأنهم فرّطوا بترك إتمام الصف الأول، ولو لم يجد فُرجة في الصف يجر إلى نفسه رجلًا من الصف يقف معه.
فلو وقف منفردًا خلف الصف، واقتدى بالإمام صحّت صلاته.
وقال النخعي، وحماد بن أبي سليمان.
[وأحمد، وإسحاق]: لا تصح صلاته، والدليل على جوازه ما روي عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبيﷺ- وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم مشى إلى الصف، فذكر ذلك للنبيﷺ- فقال: "زادك الله حرصًا ولا تعُد" فالنبيﷺ- لم يأمره بالإعادة مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف وحده.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وإن كان مع الإمام رجل واحد واقف على يمينه، فدخل رجل، يتأخر المأموم قليلًا ليقف معه الداخل.
وقال الشيخ الإمام القفال: يتقدم الإمام قليلًا؛ لأنه يرى أمامه والمأموم لا يرى خلفه والسُّنَّة ألا يكون موقف الإمام أرفع من موقف المأموم؛ لما روي عن حذيفة عن رسول اللهﷺ- قال: "إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقف في مقام أرفع من مقامهم" أو نحو ذلك.
وكذلك لا ينبغي أن يكون موضع المأموم أرفع من موضع الإمام، لأنه إذا كره أن يعلو الإمام فأن يكره أن يعلو المأموم أوَّلي.
فإن أراد الإمام تعليم المأمومين أفعال الصلاة فالسُّنة أن يقف على موضع عال؛ لما روي عن سهل بن سعد قال: صلى رسول اللهﷺ- على المنبر، والناس وراءه، فجعل يصلّي عليه ويركع، ثم يرجع إلى القهقرى فيسجد على الأرض، ثم يعود إلى المِنْبَر، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "إنما صنعت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي".
[ ٢ / ٢٨٠ ]
والسُّنة للقوم أن يصلوا الصفوف ويتموا الصف الأول، ويقفوا بقرب الإمام، ويختاروا يمين الإمام؛ لما روي عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول اللهﷺ- فقال: "ألا تصفُّون كما تصُف الملائكة عند ربِّها" قلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمُّون الصفوف الأولى ويتراصُّون في الصف".
وروي عن البراء عن النبيﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول"، ويروى "إن الله وملائكته يصلون على مَيَامِنِ الصفوف".
فإن تباعدت الصفوف، أو بعُد الصف الأول عن الإمام، نظر إن كانوا جميعًا في مسجد واحد، صحت صلاتهم مع الإمام، وإن بعدوا عن الإمام أو اختلف بهم للبناء، وكان بين الإمام والمأمومين حائلٌ بأن كنا الإمام في صُفَّة المسجد، والقوم في صحنه، أو على سطحه، أو في بيت المسجد، أو على المنارة، والمنارة في المسجد، أو كان القوم في الصحن، والإمام في البيت، أو على السطح، تصح صلاتهم إذا علموا صلاة الإمام؛ لأن جميع المسجد موضع الصلاة، وقد جمع الكل.
وإن كان بين الإمام والمأموم نهرٌ في المسجد، نظر إن حفر النهر بعد بناء المسجد، فالنهر مسجد لا يمنع الاقتداء، وإن حفر قبله فهما مسجدان غير متصلين، فلا تصح صلاة المأموم حتى يتصل الصف من أحدهما بالثاني، وإن كانوا في غير المسجد، نظر إن كانوا في فضاءٍ مملوك أو موات، فإن كان بين المأموم أو بينه وبين الصف الآخر ثلثمائة ذراع. وأقل،
[ ٢ / ٢٨١ ]
صحت صلاته خلفه، وأخذ هذا التقدير من صلاة النبيﷺ- بـ "ذات الرقاع" فإنه تنحى عن العدو بطائفة قدر رمية سهم، بحيث لا يصيبهم سهم العدو، فصلى بهم ركعة، ثم انصرفوا إلى وجه العدو في الصلاة، وهم كانوا في مصافّهم في حكم صلاة الإمام.
وهذا التقدير على طريق التقدير لا التحديد على ظاهر المذهب، حتى لو زاد ذراعٌ، أو ذراعان، أو ثلاثة يجوز، فإن زاد أكثر لم يجز، وهذه المسافة تعتبر من الصف الأخير، حتى لو وقف خلف الإمام صفوف، وبين كل صفين هذا القدر حتى امتد أكثر من فرسخ، والإمام يطيل الركوع والسجود حتى يتهيأ للقوم متابعته جاز.
وإن كان الصحراء بعضه ملكٌ رجل، والبعض ملك آخر، أو بعضه موقوف، فوقف الإمام في ملك هذا، والمأموم في ملك ذاك، أو في الوقف جاز، وإن لم يتصل الصف، وكذلك السطوح المستوية بعضها ملك رجل، والبعض ملك آخر، أو سطوح أبنية مختلفة.
وقيل: يشترط اتصال الصفوف من أحد الملكين بالثاني، وليس بصحيح.
ولو وقف الإمام على صعود في الصحراء، والمأموم في هبوط، أو على عكسه، يجوز إذا لم يكن بينهما أكثر من ثلثمائة ذراع، كما لو وقف بعضهم على دكَّةٍ، والبعض نازلًا عنها، جاز والطريق بين الصفين في الصحراء لا يمنع الاقتداء؛ لأن الصحراء كله طريق.
وإن كان بين الإمام والقوم أو بين الصَّفين نهر إن كان النهر صغيرًا، بحيث يمكن الوثوب إلى الجانب الآخر لا يمنع الاقتداء، وإن كان كثيرًا بحيث لا يعبر إلا بالقنطرة فعلى وجهين:
أصحهما: وهو المذهب لا يمنع الاقتداء كالسفينتين في البحر وقف الإمام في إحداهما، والمأموم في الأخرى يجوز، وإن كان بينهما ماء.
والثاني: يمنع إلا أن يكون عليه قنطرة، أو كان الماء قليلًا يمكن الوقوف في وسطه؛ لأنه حينئذ لا يمنع الاستطراق.
وإن أقيمت الجماعة في دار ينظر إن جمعت الإمام والمأموم بقعة واحدة من صحن، أو صُفَّة، أو بيت جاز الاقتداء على ثلثمائة ذراع من غير اتصال كالصحراء، وإن كان في الصَّحن دكّة أو سرير، وقف أحدهما عليه، والآخر نازلًا عنه جاز.
وإن اختلف بهما البناء، فلابد من اتصال الصف من أحد البناءين بالثاني، مثل أن كان الإمام في الصحن، وبعض المأمومين في صُفَّة على يمين الإمام، أو على يساره، يشترط أن يقف رجل في الصحن متصلًا بالصُّفَّة، ورجل على طرف الصفة متصلًا بمن في الصحن،
[ ٢ / ٢٨٢ ]
بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، فإن كانت الفُرجة بينهما يسيرة بحيث لا تسع لموقف رجل لا يمنع الاقتداء، ثم كل من وقف في الصفة على ثلثمائة ذراع تصح صلاتهم، تبعًا لمن حصل به الاتصال.
ولو وقف في الصُّفة رجل، أو جماعة قدَّام من حصل به الاتصال، واقتدى بالإمام في الصحن لا يجوز، وإن كان خلف الإمام؛ لأن صلاة من في الصفة إنما تصح تبعًا لمن حصل به الاتصال، فلا يجوز أن يتقدّم عليه، وإن وقف خلفه من حصل به الاتصال يجوز، حتى فرَّع القاضي ﵀ قال: لو كبَّر من في الصُّفة بعد تكبير الإمام، وقبل أن يكبر من حصل به الاتصال لا تصح.
قال الشيخ: لأن المبادرة بالتكبير أبلغ في المخالفة من التقدم في الوقوف، وإن كانت الصُّفة التي وقف فيها المأموم وراء الإمام، فيشترط أن يقف رجلٌ أو صف في آخر الصحن متصلًا بالصُّفة، وصفّ في أول الصفة، بحيث لا يكون بينهم وبين مَن في الصحن أكثر مما يكون بين الصفين من ذراعين أو ثلاثة أذرع، وهو قدر إمكان السجود، ثم لو كان في الصفة بيت، ووقف بعضهم في البيت يشترط اتصال الصف من الصُّفة بالبيت، وهو أن يقف رجل في الصفة، ورجل في البيت متصلين بالعتبة، وإن كانت العتبة عريضة تسع لموقف رجل، فلا يحصل الاتصال حتى يقف عليها رجل متصل برجل في الصُّفة، ولا يشترط اتصال صف البيت والصفة بالواقفين بجنب العتبة.
ولو وقف بعضهم على سطح، أو على طرف صُفَّة مرتفعة، والإمام في الصَّحن، نظر إن كان ارتفاعه بحيث لا يحاذي رأس من في الصحن رجل مِن على السطح لم يصح اقتداء مَن على السطح به، وإن كان حضيضًا بحيث يُحاذي رأس من في الصحن رجل من على السطح جاز إذا حصل الاتصال، وهو أن يقف رجل على طرف السطح، ورجل في الصحن متصلًا به، وحكم المدارس والخانات والرِّباطات حكم الدُّور.
وذكر العراقيون من أصحابنا أن اختلاف البناء لا يمنع الاقتداء في شيء، كما في المساجد، إلا أن يكون بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، فإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز للحائل الذي يمنع الاستطراق.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
والثاني: يجوز؛ لأنه يشاهدهم، كما لو كان معهم.
وإن كانوا في البحر، والإمام في سفينة، والمأموم في أخرى، نظر إن كانتا مكشوفتي الرأس صح الاقتداء، إذا كان بينهما ثلثمائة ذراع كالدِّكَّتين في الصحراء، غير أن المستحب ألا يقتدى به، حتى تكون إحدى السفينتين مشدودة بالأخرى، أو كان الريح رخاءً، بحيث يأمَنُ من تقدم سفينة المأموم، فإن اقتدى به، ثم تقدمت سفينة المأموم بطلت صلاته، إلا أن يرد في الحال كالدَّابَّة التي يصلي النافلة عليها إذا خرجت عن الطريق، وإن كانت السفينتان مسقفتين، يشترط اتصال الصف من إحداهما بالأخرى كالبيتين، والسفينة الكبيرة التي فيها بيوت كالدار، وحكم السُّرادقات في الصحراء حكم السفن المكشوفة في البحر، والخيام كالبيوت.
ولو وقف الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد في فضاء غير مملوك من مواتٍ متصل بالمسجد، وفي حريم المسجد، وهو موضع متصل بالمسجد لمصلحة يطرح فيه الثلج والقمامة، فلا يكون مسجدًا تصح صلاة المأموم وإن لم يتصل به الصف من المسجد؛ لأنه كالمسجد في الإباحة، وإنما يجوز بشرطين:
أحدهما: ألا يكون بينه وبين المسجد حائل.
والثاني: أن يقف على ثلثمائة ذراع فأقل وتعتبر ثلثمائة ذراع من آخر خط المسجد على ظاهر المذهب؛ لأن المسجد مبني للصلاة، ولذلك جوَّزنا صلاة المأموم فيه، وإن بعد عن الإمام.
وقال صاحب "التلخيص": يعتبر من آخر صف المسجد، وإن لم يكن في المسجد غير الإمام، وإن كان للمسجد حريم، ووراءه مواتٌ، فوقف المأموم في الموات يجوز على ثلثمائة ذراع، ويعتبر من آخر خطة المسجد على الوجه الأصح.
وقيل: من الحريم.
وقيل: من آخر صف في المسجد. وإن كان الموات والحريم منفردًا عن المسجد بجدار. نظر إن كان للمسجد باب مفتوحٌ ووقف المأموم في مقابلة الباب على ثلثمائة ذراع جاز، ثم لو اتصل، وخرجوا عن محاذاة الباب لا يضر، وإن لم يكن ثمَّ باب، أو كان مردودًا، أو لم يقف أحد في مقابلة الباب لم يصح الاقتداء والدرائز الصغير لا تمنع الاقتداء، والحجَلَةَ الكبيرة التي تمنع الاستطراق تمنع الاقتداء وإن كان يرى الناس في المسجد، وإن كان الفضاء المُتصل بالمسجد مملوكًا فوقف المأموم فيه، أو وقف في طريق متصل بالمسجد، فلا يصح حتى يتصل الصف من المسجد بالفضاء، والطريق؛ لأنه يفارق المسجد بخروجه عن الإباحة.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وكذلك لو وقف الإمام على سطح المسجد، والمأموم على سطح متصل به يشترط اتصال الصف من سطح المسجد بالسطح المملوك، فإن لم يتصل لم يجز، ولأنه لم يجمعهم حرمة المكان، ولا حرمة الاتصال.
وكذلك لو وقف المأموم في دار مملوكة بجنب المسجد يشترط اتصال الصف، وهو أن يقف رجل في آخر المسجد متصلًا بعتبة الدار، وآخر في الدار متصلًا بالعتبة، بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، فإن لم يكن كذلك لا يجوز.
روي عن عائشة أنها قالت لنسوة يصلين في حجرتها: لا تصلِّين بصلاة الإمام فإنَّكُن دونه في حجاب.
وإن كان بجنب المسجد فضاء غير مملوك، ووراء الفضاء ملك، فوقف واحد في الفضاء على ثلثمائة ذراع يجوز، فإن وقف واحد في المِلك يشترط اتصال الصف من الفضاء بالمِلك. ولو وقف الإمام في المسجد، والمأموم على سطح بجنب المسجد، غير سطح المسجد، نظر إن كان الجدار للمسجد، فوقف عليه رجل، ووقف بجنبه غيره، حتى خرج إلى السطح الملك جاز، وإن لم يكن الجدار للمسجد، فلا يجوز إلا أن يكون السطح حفيضًا بحيث يحاذي رأس من في المسجد رجل من على السطح، ووقف واحد من المسجد بجنب السطح، وآخر على طرف السطح، بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، وكذلك لو وقف في سرداب مملوك بجنب المسجد، ولو وقف على جبلٍ مشرفٍ على المسجد، بحيث ترى صلاة الإمام، أو للقوم في المسجد، وهو في مواتٍ، نظر إن لم يكن بين المسجد، وبين موقفه ملكٌ جاز على ثلثمائة ذراع، وإن كان بينهما مواضع مملوكة لم يجز إلا باتصال الصف.
وكذلك لم يجوِّز الشافعي الصلاة على أبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد؛ لأن بينهما دورًا وحوائل والله أعلم.
باب صفة الأئمة
روي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول اللهﷺ-: "يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا، ولا يؤمَّ الرَّجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرُمته إلا بإذنه.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
الخصال المعتبرة في الإمامة ستَّة: الورع، والفقه، والقراءة، والهجرة، والسن، والنسب، فالمكتسب من هذه الخصال، الورع، والفقه، والقراءة والسن والهجرة مقدمة على غير المكتسب وهو السن، والنسب.
ومن الخصال المكتسبة تقدم الورع حتى إن الأورع الذي يحسن فرائض الصلاة أولى بالإمامة من الأفقه والأقرأ؛ لأن الإمامة سفارَّةٌ بين الله وبين الخلق، فأولاهم بها أكرمهم عند الله- تعالى- يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
فإن استويا في الورع، فالأفقه أولى من الأقرأ، وهو قول عطاءٍ ومالك، والأوزاعي.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق: الأقرأ أولى لظاهر الحديث.
قلنا: إنما قدم النبيﷺ- الأقرأ: لأن الصحابة كانوا يتعلمون العلم أولًا، ثم القرآن، فقرَّاؤهم كانوا فقهاء، وفي زماننا يتعلمون القرآن أولًا، ثم يتعلمون الفقه، فلا يكون كل قارئ فقيهًا وإنما قدمنا الفقه على القراءة؛ لأن ما يجوز به الصلاة من القراءة محصور، وما يقع من الحوادث في الصلاة لا يحصى، فالفقيه أهدى إليها، وأعرف بها من القارئ، فإذا استويا في الفقه، فالأقرأ أولى ممن هو أقدم هجرة وإسلامًا، فإذا استويا في القراءة، فالذي هو أسلم، وهاجر أولًا أولى من الأسنِّ والأنسب، وكذلك المسلم الأصلي أولى من الذي أسلم بعد الكُفرِ، فإن استويا في الإسلام والهجرة، فالأسنّ والأنسب أولى، فإن كان أحدهما أسنَّ، والآخر أنسب بأن كان شيخ عجمي، وشاب قرشي، ففيه قولان.
في الجديد: الأسن أولى؛ لما روي عن مالك بن الحويرث قال: قال لنا رسول اللهﷺ-: "صلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبرُكم".
[ ٢ / ٢٨٦ ]
ولأن السن فضيلة في نفسه، والنَّسب في آبائه.
وقال في القديم النسب أولى؛ لقول النبيﷺ: "الأئمة من قريش"، وقال: "قدموا قريشًا".
وإن استويا في السن والنسب، ولكن أحدهما أقدم إسلامًا، فهو أولى من الآخر، فإن كان الآخر أسنّ وأنسب، ففيه قولان:
أحدهما: الذي أبوه أقدم إسلامًا أولى، كما لو أسلما بأنفسهما.
والثاني: الأسنّ والأنسب أولى؛ لأنه فضيلة في ذاته، ثم بعد هذه الخصال يقدم من فيه زيادة فضيلة من نظافة الثوب، وطيب الصناعة، وحسن الصوت، وحسن الوجه ونحوهما، وإذا اجتمع هؤلاء، والسُّلطان أو نائبه حاضر، فهو ومن قدمه أولى من غيره، وإن كانت هذه الخصال في غيره، كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج.
وإذا اجتمع مع إمام المسجد، فإمام المسجد أولى، كان لابن عمر مولىً يصلي في مسجد، فحضر فقدمه مولاه فقال ابن عمر: أنت أحقُّ بالإمامة في مسجدك.
وإذا اجتمع هؤلاء في دار إنسان، فصاحب الدَّار أولى بالإمامة منهم.
قال ابن مسعود: من السُّنة ألا يؤمَّهم إلا صاحب البيت، ويعني بصاحب الدار ساكن الدَّار، سواء كان يسكنها بإجارة أو عارية حُرًّا كان أو عبدًا، حتى لو اجتمع مالك الدَّار مع المستأجر، أو المستعير، فالمستأجر والمستعير أولى بأن يتقدّم، أو يقدم من شاء، ولا يتقدم غيره بغير إذنه، فإن كان يسكنها عبد وسيده حاضر، فالسيد أولى.
وإن كان العبد مأذونًا في التجارة، فإن كان العبد مع غير السيد، فالعبد أولى، وإن كان الدار للكاتب وسيِّده حاضر، فالمُكاتب أولى، وإن كانت الدار مشتركة بين رجُلين، فإن كان أحدهما حاضرًا فهو أولى، وإن كانا حاضرين لا يتقدم غيرهما إلا بإذنهما، ولا يتقدم أحدهما إلا بإذن الآخر، وإن كان أحدهما حاضرًا، والمستعير من الآخر فهو كحضورهما.
وإذا كان السُّلطان أو نائبه حاضرًا، أو الحاكم، فهو أولى من صاحب البيت بالتقدم
[ ٢ / ٢٨٧ ]
والتقديم، والخليفة أولى ممن دونه من الوُلاة.
وروي عن أبي أُمامة قال: قال رسول اللهﷺ-: "ثلاثة لا تُجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخطٌ، وإمام قومٍ وهم له كارهون".
وهذا إذا كره القوم إمامته لمعنى غير محمود في الشرع مثل أئمة الظلم، أو من يغلب عليها، وهو غير مستحق لها، فإن لم يكن شيء من ذلك، وكان مستحقًا للإمامة، فاللوم على من كرهه، وإن كرهه بعض القوم، نظر إن كرهه الأقل، فلا تكره إمامته حتى يكرهه أكثر القوم؛ لأن أحدًا لا يخلو ممن يكرهه. والله أعلم.
باب صلاة المسافر
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] الآية.
روي عن يعلى بن أُميَّة قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس، فقال عمر: عجبت مما عجبت، فسألت رسول اللهﷺ- فقال: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
رخص السفر ثمانية: أربعة منها لا يجوز إلا في السَّفر الطويل، وهي قصر الصلاة، والفطرُ في شهر رمضان، والمسحُ على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن، والجمع بين صلاتين.
وأربعة يجوز في السَّفر الطويل والقصير جميعًا، وهو التيمُّم عند عدم الماء، وأكلُ الميتة، وترك الجمعة، وصلاة النَّافلة إلى الطريق على أصح القولين.
وحدُّ السفر الطويل هو ستة وأربعون ميلًا بالهاشمي، فتكون خمسة عشر فرسخًا وثلث، كل ثلاثة أميال فرسخ.
وقال في موضع: ثمانية وأربعون ميلًا، فتكون ستة عشر فرسخًا، وهو الاحتياط وقال
[ ٢ / ٢٨٩ ]
في موضع: أربعة برد، وكل بريد يكون أربعة فراسخ، ويكون ذلك مسيرة يومين.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: حدُّ السفر الطويل مسيرة ثلاثة أيام، ودليلنا ما روي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين يفطران في أربعة برد.
وقال عطاء لابن عباس: اقصُر إلى "عرفة" قال: لا ولكن إلى "جدة" "وعسفان" والطائف".
قال مالك: بين "مكة" "والطائف" "وجدة" "وعسفان" أربعة برد، ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والرحال، وفيما دونه لا تتكرر.
قال الشافعي﵁-: وأحب ألا يقصر في أقل من ثلاثة أيام، إنما قال ذلك للخروج عن الخلاف، ولا فرق بين أن يكون سفره في برٍّ أو بحر، والخوف ليس بشرط لجواز القصر.
قال ابن عباس: سافر رسول اللهﷺ- بين "مكة" "والمدينة" آمنًا لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين.
والقصرُ والفِطر رخصتان يجوز أن يتم الصلاة، ويصوم رمضان، وهو قول عثمان، وابن مسعود؛ لما روي عن عائشة قالت: كل ذلك فعل رسول اللهﷺ- قصر الصلاة،
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وأتم، إلا أن الصوم أفضل من الفطر إذا كان لا يجهده الصوم.
أما الصلاة ففيها قولان:
أحدهما: إتمامها أفضل كالصوم.
والثاني: وهو الأصح القصر أفضل؛ لقول النبيﷺ- "فاقبلوا صدقته" ولأن فيه قبول الرخصة مع فراغ الذمة، بخلاف الصوم، فإنه إذا أفطر تبقى ذمته مشغولة بالقضاء، وغسل الرِّجل أفضل من المسح على الخف؛ لأن المسح على الخف بدل، والإتيان بالأصل أولى، كما لو وجد في السفر ما يباع بأكثر من ثمن المثل، له أن يصلي بالتيمم، فلو اشترى الماء وتوضأ كان أفضل.
وقال أكثر أهل العلم: القصر واجب في السفر لا يجوز الإتمام، وهو قول عمر، وعليّ، وابن عمر، وابن عباس، وبه قال مالك، وأبو حنيفة- أن فرض المسافر ركعتان، حتى لو صلَّى أربعًا لا تصح صلاته.
وعند أبي حنيفة: إن لم يقعد في الثانية بطلت، وإن قعد فالأخريان نفل.
قال الشافعي: وأكره ترك القصر رغبة عن السُّنة، أراد به إذا كان يجد الرجل في نفسه من القصر، كراهية، فيواظب على الإتمام، يكره له الإتمام، وكذلك المسح على الخفَّين، وسائر الرخص إذا كان يثقل عليه، فالأولى أن يأخذ بالرخصة حتى تزول عنه تلك الكراهية، ثم إن شاء أخذ بالعزيمة، ولا يجوز القصر إلا في صلاة الظهر والعصر والعشاء بردّها إلى ركعتين، أما صلاة الصبح والمغرب، فلا يقصران؛ لأنه لم يرد به الشرع.
والمقيم إذا نوى السفر يصير مسافرًا لمجرد النية، ولا يجوز له أن يترخص حتى يخرُج؛ لأن الله- تعالى قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] علق جواز القصر على الضرب في الأرض، بخلاف المسافر إذا نوى الإقامة في موضع الإقامة يصير مقيمًا، وإن لم يمسك عن المشي؛ لأن الأصل في الإنسان الإقامة، فيعود إليها بمجرد النيَّة، والسفر عارض لا يثبت حكمه إلا وجود فعل السفر، نظيره مال القُنُية لا يصير للتجارة بالنيَّة حتى ينضم إليها التصرف، وينقطع حكم التجارة بمجرد نيَّة القُنْية.
ويجب أن ينوي الخروج إلى مسافةٍ يقصر فيها الصلاة، ويفارق بنيان البلد أو القرية
[ ٢ / ٢٩٧ ]
التي فيها، والمواضع المنسوبة إليها من السور والمقابر المتصلة بها حتى يجوز له القصر، وإذا بلغ خرابات البلد، فإن كان وراءها عمران، فحتى يفارقها، وإن لم يكن وراءها عمران، فله أن يقصر فيها؛ لأنها صارت مهجورة، ولا يجوز الجمعة فيها، ولا يشترط مجاوزة المزارع.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وإن كانت قريتان متصلتان لا انفصال بينهما، فيشترط مفارقتها، وإن كان بينهما
[ ٢ / ٢٩٩ ]
انفصال، فإذا فارق قريته جاز له القصر بين القريتين، وإن كان من أهل الخيام فحتى يفارق البيوت المتلاصقة والمتنابذة، ويفارق فناء خلته من مطرح الرَّماد، وملقى السِّماد، ومتحدث النادي، وملعب الصبيان، ومعاطن الإبل، وإن كان مستقره على صعود، فحتى يهبط، أو في هبوط فحتى يصعد، ولا يشترط أن تغيب البيوت والخيام عن بصره، وإن كان مسافرًا في البحر والساحل متصل بالبلد، فحتى يركب السفينة وتجري.
وإن كانت السفينة كبيرة لا تتصل بالساحل، ويُنقل المتاع إليها بالزوارق، فله أن يقصر في الزورق، فكل موضع شرطنا مفارقته لجواز القصر، فإذا عاد من سفره، وبلغ ذلك الموضع صار مقيمًا لا يجوز له القصر.
وإذا اتصلت السفينة بالساحل، والساحل متصل بالبلد لم يجز له القصر.
وإذا فارق البلد، ثم عادل حاجة من تجديد طهارة، أو عيادة مريض، أو حمل متاع نسيه، نظر إن كان ذلك بلد إقامته أو بلدًا نزله، فنوى فيه إقامة أربع عاد مقيمًا ولا رخصة له حتى يفارقها ثانيًا، وكذلك لو نوى أن يعود لمثل هذا الشغل صار بالنية مقيمًا.
أما إذا لم يكن مقيمًا في تلك البلدة، فبالعود إليها لا يصير مقيمًا، وله أن يقصر فيها. أما إذا كان قد نوى إقامة أربع، فنوى الخروج [إلى قرية] لحاجة على أن ينصرف فيجعل ذلك البلد طريقًا، ويرجع إلى بلده له أن يقصر إذا فارق هذا البلد؛ لأن الإقامة قد زالت بنيَّة السفر.
ولو ركب السفينة، فسارت، وثبت له حكم السفر، ثم هبَّت ريح، فردَّت السفينة إلى مقرها لا ينقطع حكم السفر، حتى لو كان في خلال الصلاة بنيَّة القصر، جاز له القصر، بخلاف ما لو عاد إلى البلد لشغل؛ لأن ثمَّ عاد إلى بلد إقامته باختياره، ورجوع السفينة لم يكن باختياره.
وقال في رواية البويطي: فإن خرجوا من البلد، وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا، أو يخرجوا لم يجز لهم الترخص؛ لأنهم لم يقطعوا بالسفر، فإن قالوا: ننتظر يومين وثلاثة، فإن لم يخرجوا سرنا جاز لهم القصر؛ لأنهم قطعوا بالسفر.
ويشترط أن ينوي سفرًا يبلغ مسافة القصر، فإن لم يقصد ذلك، بل خرج هائمًا على وجهه لا يدري أين يذهب، أو خرج لطلب غريم، أو عبد آبق لا يدري موضعه لا يجوز له أن يقصر، وإن سار مائة فرسخ.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وكذلك البدويّ إذا رحل منتجعًا، على أنه متى وجد مكانًا معشبًا أقام، لم يجز له القصر، فإن وجد الغريم، أو العبد الآبق، وعزم على الرجوع إلى بلده، فإن كان من ذلك الموضع إلى بلده، مسافة القصر، له أن يقصر، وإن كان أقل فلا يقصر.
وإن خرج لطلب الغريم، وموضعه معلوم، وكان على مسافة القصر، له أن يقصر، وإن خرج فنوى مسافة القصر، ثم نوى أنه إن وجد غريمه، أو عبده رجع، نظر إن نوى هذا قبل أن يفارق عمرانات البلد فلا رخصة؛ لأنه غير النية قبل أن انعقد له حكم السفر، وإن نواه بعد مفارقة عمرانات البلد، ففيه وجهان:
أحدهما: لا قصر له، كما لو كانت هذه النية في الابتداء.
والثاني: وهو الأصح- له القصر إلى أن يجد الغريم أو العبد، فإذا وجده صار مقيمًا؛ لأنه انعقد له سبب الرُّخصة، فبتغير النية لا يتغير حتى يوجد المغير للنية، وكذلك لو نوى الخروج إلى مسافة القصر، ثم بعد ما فارق البلد نوى أن يقيم في بلد دون مقصده الأول، نظر إن كان من مخرجه الأول إلى مقصده الثاني مسافة القصر، جاز له أن يقصر ما لم يدخل مقصده الثاني، وإن كان من مخرجه الأول إلى مقصده الثاني أقل من مسافة القصر، هل له أن يقصر إلى مقصده الثاني؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كما لو أنشأ السفر إلى هذا المقصد، لا يجوز له القصر.
والثاني: وهو الأصح- له أن يقصر ما لم يدخل مقصده الثاني؛ لأنه انعقد له سبب الرُّخصة، فلا تتغير ما لم يوجد غيره، كما ذكرنا في طلب الغريم.
ولو نوى الخروج إلى بلد لا يقصر إليه الصلاة، ثم بعد الخروج نوى أن يجاوز إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فابتدأ سفره من حين غيَّر النيَّة، فإن كان من هذا الموضع إلى مقصده الثاني مسافة القصر، جاز له أن يقصر، وإن كان أقل فلا يجوز له.
ولو نوى بلدًا لا تبلغ مسافة القصر، وعزم أن ينصرف في يوم، أو يومين لا يباح له القصر وإن كان مسافة الذِّهاب والرجوع تبلغ مسافة القصر.
وإن نوى بلدًا تبلغ مسافة القصر، وفي عزمه الانصراف في يومين، أو ثلاثة أيام، هل يصير مقيمًا بدخول مقصده؟ فيه قولان:
أحدهما: يصير مقيمًا؛ لأن مسافة الرجوع منقطعة عن مسافة الذهاب.
[ ٢ / ٣٠١ ]
والثاني: وهو المذهب لا يصير مقيمًا، وله القصر في أيام مقصده، كما في الانصراف؛ لما روي عن أنس قال: خرجنا مع النبيﷺ- من "المدينة" إلى "مكة"، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى "المدينة" قيل له: أقمتم بـ "مكة" شيئًا؟ قال أقمنا بها عشرًا.
فلا فرق على ظاهر المذهب بعد ما نوى مسافة القصر بين أن يدخل مقصده إذا لم يُرد إقامة أربع، وبين أن يدخل بلدًا على طريقه، فإن كان في عزمه أن يقيم في مقصده أربعة أيام، فبدخوله يصير مقيمًا.
وإن لم يكن في عزمه إقامة أربع، فجاوز أربعًا، ففيه أقوال ستأتي إن شاء الله ﷿.
وإن نوى الخروج إلى مسافة القصر، فقبل أن يدخل مقصده نوى أن يجاوزه إلى بلد آخر، فلا يصير مقيمًا بدخول مقصده الأول، فله أن يقصر فيه؛ لأنه بناء سفر على سفر. وإن نوى المُجاوزة بعد دخول مقصده، فقد صار مقيمًا بدخول مقصده، فلا يجوز له القصر حتى يخرج عن مقصده الأول، ويشترط أن يكون بين مقصده الأول والثاني مسافة القصر.
وإذا سافر العبد بسير المولى، أو المرأة بسير الزوج، ولم يعرفا مقصد المولى والزوج لا يجوز لهما القصر.
ولو نوى العبد أو المرأة مسافة القصر، فلا عبرة بنيتهما؛ لأنهما تحت أمر المولى والزوج، فلو عرفا مقصد المولى والزوج إلى مسافة القصر، جاز لهما القصر، فإن نوى المولى والزوج الإقامة لا يثبت حكم الإقامة للعبد والمرأة.
قال أبو حنيفة: للعبد أن يترخص تبعًا للسيد، وإن لم يعرف مقصده، وبإقامته يصير مقيمًا، وكذلك المرأة مع الزوج.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وإذا سار الجندي بسير الأمور، ولم يعرف مقصد الأمير، لا قصر له، فلو نوى هو بنفسه مسافة القصر جاز له القصر؛ لأنه ليس تحت يد الأمير، ولو نوى مسافة القصر، ثم في خلال الطريق نوى الرجوع، أو ردد النيَّة بين أن يرجع، أو يمضي صار مقيمًا في الحال، فإن رجع لا قصر له، إلا أن يكون من مرجعه إلى بلده مسافة القصر، وإن مضى فلا قصر له، إلا أن يكون من ذلك الموضع إلى مقصده مسافة القصر.
ولو كان له إلى مقصده طريقان: أحدهما يبلغ مسافة القصر، والآخر لا يبلغ، فسلك الأبعد، ينظر إن سلك لغرض من سهولة، أو أمنٍ أو نزهةٍ، أو قصد زيارة، أو عيادة، له أن يقصر، وإن سلك الأبعد لغير غرضٍ، فهل له القصر؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، وهو اختيار المزني- له أن يقصر؛ لأنه سفر مباح، كما لو لم يكن له طريق سواه.
والثاني: لا قصر له؛ لأنه طوَّل الطريق على نفسه لغير غرض، كما لو سلك الأقرب، وجعل يضرب يمنة ويسرة حتى طال الطريق لا قصر له.
أما إذا كان كلُّ واحد من الطريقين مسافة القصر، وأحدهما أطول، فسلك الأطول جاز له القصر، وإن طال مقامه في سلوكه.
فصلٌ
إذا دخل المسافر بلدًا، ونوى إقامة ثلاثة أيام، أو ثلاثة ونصف لا يصير مقيمًا، وله القصر، وإذا نوى أربعة أيام، أو تنجيز حاجة لا تنجَّز إلا في أربعة أيام يصير في الحال مقيمًا، وهو قول عثمان، وبه قال سعيد بن المُسيب، ومالك؛ لأن المسافر لا يدوم سيره ليلًا ونهارًا، بل يستريح قليلًا، وما دون الأربع في حد القِلّة، وقد قال النبيﷺ-: "يُقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا فإذا زاد على الثلاث كان في حدِّ الإقامة".
وقال أبو حنيفة، والثوري: له القصرُ ما لم ينوِ إقامة خمسة عشر يومًا.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
إذا ثبت أن الأربع مدة الإقامة، فهل يحسب يوم الدخول، أو يوم الخروج؟ ففيه وجهان:
أحدهما: يحسب، كما في مسح الخُفّ يحسب يوم الحدث ويوم نزع الخفّ.
والثاني: وهو الأصح- لا يحسب حتى لو دخل البلد يوم السَّبت أول النهار، وعزم على أن يخرج يوم الأربعاء آخر النهار، لا يصير مقيمًا؛ لأن العادة أن المسافر لا يداوم على مسير جميع النهار، إنما يسير في كلِّ يوم بعضه، فهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار، فلم يُحسب في مدة الإقامة.
روي أن النبيﷺ- دخل "مكة" عام حجّة الوداع يوم الأحد، وخرج يوم الخميس إلى "منى" كل ذلك يقصر.
ولو نوى المسافر إقامة أربعة أيام في غير موضع الإقامة في مفازةٍ أو سفينة هل يصير مقيمًا؟ فيه قولان:
أظهرهما: يصير مقيمًا؛ لأنه نوى الإقامة.
والثاني: لا يصير مقيمًا؛ لأنه ليس موضع الإقامة، وكذلك لو نوى إقامة أربعة أيام على حرب، فعلى قولين:
أصحهما: لا يقصر كالأمن، وليست هذه المسألة أن يقيم على حرب، على أنه متى انقضى خرج في قول لا يقصر.
والثاني: له أن يقصر؛ لأن الإقامة في الحرب ليست إليه، وأصله أن الاعتبار بالنيَّة، أو بالموضع، وهذا بناءً على ما لو دخل المسافر بلدًا له به أهل ومال وعادته المقام- مجتازًا هل يصير بدخوله مقيمًا؟ فيه قولان:
أحدهما: يصير مقيمًا لأنه موضع إقامته.
والثاني: لا لأنه لم ينو الإقامة، فإن قلنا: يصير مقيمًا لا يجوز له القصر ما لم يخرج عن هذا البلد، ويقصد مسافة القصر، إن قلنا هناك: يصير مقيمًا؛ لأنه موضع إقامته، فها هنا لا يصير مقيمًا؛ لأنه ليس موضع الإقامة.
وإن قلنا: لا يصير مقيمًا لعدم النيَّة، فها هنا يصير مقيمًا لوجود النيَّة.
ولو دخل بلدًا على أنه يخرج في يومين أو ثلاثة، وزاد مقامه على أربعة أيام من غير
[ ٢ / ٣٠٤ ]
أن يعزم المقام، أو قصد تنجيز شغل يتنجَّز في يومين أو ثلاثة [أيام]، فامتدَّ، أو لم يجد الرُّفقة، فله أن يقصر إلى أربعة أيام، فإن جاوز الأربع، نصَّ على أنه يتم، ونصَّ فيما لو كان على حرب خائفًا أنه يقصر سبعة عشر، أو ثمانية عشر.
قال في "الإملاء" له أن يقصر ما لم يجمع مكثًا، اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: في المسألة ثلاثة أقوال خائفًا كان أو آمنًا:
أحدها: إذا جاوز أربعًا أتمّ، كما لو عزم على إقامة أربع؛ لأنه مدة الإقامة.
والثاني: له أن يقصر سبعة عشر، أو ثمانية عشر يومًا؛ لأن النبيﷺ- أقام في حرب هوازن سبعة عشر، أو ثمانية عشر يقصر.
والثالث: له أن يقصر أبدًا ما لم ينو إقامة أربع.
روي أن ابن عمر أقام بـ "أذربيجان" ستة أشهر يقصر، وهو اختيار المُزنيّ.
ومنهم من قال: الآمن لا يقصر أكثر من أربعة أيام، والأقوال الثلاثة في المُحارب؛ لأن للحرب أثرًا في تغيير صفة الصلاة، بدليل أنه يجوز في حال المحاربة ترك الركوع والسُّجود والقِبلة.
أحدها: إذا جاوز أربعًا أتمَّ.
والثاني: يقصر ما لم يمض مدة إقامة رسول اللهﷺ- بـ "مكة"، واختلفوا في مدة إقامته، روى عمران بن حصين ثمانية عشر يومًا، واختلفت الرواية عن ابن عباس في مقام
[ ٢ / ٣٠٥ ]
النبيﷺ- بـ "مكة" عام الفتح، روي أنه أقام تسعة عشر، وروى سبعة عشر وروى خمسة عشر، فاعتمد الشافعي ﵀ على رواية عمران بن حصين في ثمانية عشر لسلامتها من الاختلاف.
والقول الثالث: يقصر أبدًا؛ لما روي عن جابر أن النبيﷺ- أقام بـ "تبوك" عشرين يومًا يقصر، هذا كله إذا نوى الإقامة لقضاء حاجةٍ الغالب قضاؤها في ثلاثة أيام، له أن يقصر أربعة أيام، فإن زاد فعلى الاختلاف، فإن احتمل قضاؤها في ثلاثة أيام، واحتمل في أكثر، فهل له أن يقصر؟ فعلى قولين.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فصلٌ
لا يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة حتى ينوي القصر حالة الشروع في الصلاة، فلو أطلق النية لزمه الإتمام.
وعند أبي حنيفة: لا يحتاج إلى نيَّة القصر؛ لأن القصر عنده عزيمة، فلو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، ثم نوى الإتمام، أو ردَّد النية بين أن يُتم، أو يقصر، أو نوى الإقامة، أو كان في سفينة، فاتصلت السفينة ببلد الإقامة لزمه الإتمام، وإن كان قبل السلام بلحظة؛ لأن العبادة إذا اشترك فيها السفر والحضر يغلب حكم الحضر؛ لأنه الأصل، كما لو شرع في الصلاة مقيمًا فجرت السفينة، لم يجز له القصر.
ولو شكَّ في نية القصر لزمه الإتمام، وإن تذكر في الحال قبل إحداث فعل أنه نوى القصر؛ لأن حالة الشك كحالة عدم النيَّة.
وإذا تأدّى جزء من الصلاة على التمام لزمه الإتمام، وكذلك لو شك أنه ابتدأ الصلاة مقيمًا، أو في السفر يجب الإتمام.
ولو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، ثم أفسدها، له أن يقصرها، ولو شرع فيها بنية الإتمام [أو] مطلقًا، أو اقتدى بمقيم، ثم أفسدها لم يجز له أن يقصرها بعده؛ لأنه التزم الإتمام بالشروع الأول.
وكذلك لو شرع مقيم في الصلاة فأفسدها، ثم خرج إلى السفر لم يجز قصرها ولو شرع بنية الإتمام، أو اقتدى بمقيم، أو متمٍّ، ثم بان أنه كان محدثًا لم يلزمه الإتمام؛ لأن الشروع لم يكن صحيحًا.
ولو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، ثم قام إلى الثالثة ساهيًا، ثم تذكر يجب أن يعود، ويسجد للسهو، ويسلّم، فلو نوى الإتمام، عليه أن يقعد، ثم يقوم.
وقيل: له أن يمضي قائمًا، فلو صلى على السهو ركعتين، ثم تذكر فبدا له أن يُتمّ
[ ٢ / ٣٠٧ ]
يجب، عليه أن يصلّي ركعتين أخريين، ولو قام إلى الثالثة عامدًا قبل أن ينوي الإتمام أو الإقامة، بطلت صلاته.
ولو اقتدى مسافر بمقيم، أو مسافر متمّ لحظة، لزمه الإتمام، ولو اقتدى بمن لم يدر أنه مقيم أو مسافر، فقال: إن كان مسافرًا قاصرًا قصرت، وإلا أتممت، فبان الإمام مسافرًا قاصرًا، لزمه الإتمام؛ لأنه كان شاكًا في كونه مسافرًا، والأصل هو الإقامة.
وبمثله لو اقتدى بمن علمه مسافرًا، لكنه شك في نيَّته، فعلّق نيته على نيته، فقال: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، جاز، فإن قصر إمامه جاز له أن يقصر معه؛ لأن الظاهر أن المسافر يقصر، ولا يمكنه الوقوف على حقيقة نيَّته، فجاز التعليق عليها، فلو أحدث الإمام وخرج، فإن أخبره أني كنت نويت القصر، فله أن يقصر، وإن لم يخبره، وشكّ في حاله، لزمه الإتمام؛ لأنه شاكٌ في جواز الرُّخصة.
ولو قام هذا الإمام إلى الثالثة، نظر إن علم المأموم أنه نوى الإتمام، عليه الإتمام، وإن علم أنه ساهٍ، وقل ما يعرف إلا أن يكون الإمام حنفيًا لا يرى الإتمام، فلا إتمام عليه، بل إن شاء خرج عن متابعته، وسجد للسهو وسلّم، وإن شاء انتظره حتى يعود.
وإن شك في حاله أنه قام ساهيًا أو متمًّا، عليه الإتمام، وإن بان ساهيًا، وليس له أن يخرج عن متابعته، فيقصر؛ لأن قيامه في أحد المحتملين للإتمام، ويتقوى هذا الجانب بأن الأصل عدم السهو.
ولو افتتح الصلاة خلف مسافر قاصر بنيَّة القصر، ثم شك في نية إمامه، فله أن يقصر إذا قصر إمامه؛ لأن هذا الشك لو اقترن بالشروع لم يمنع القصر، وبمثله لو شك أن إمامه مقيم، أو مسافر، لزمه الإتمام، وإن بان مسافرًا، ولو اقتدى بمتمًّ، أو بمن شك في سفره، فبان الإمام محدثًا، لزمه الإتمام، وإن كان إمامه مسافرًا قد نوى القصر؛ لأنه التزم الإتمام بالاقتداء به، وإن اقتدى بمن علمه مسافرًا، فبان مقيمًا محدثًا، نظر إن بان كونه مقيمًا، أو لزمه الإتمام وإن بان كونه محدثًا أو لا، أو بانا معًا لم يلزمه الإتمام؛ لأن اقتداءه به لم يصح، ولأنه اعتقده مقيمًا فلم يلزمه حُكم صلاته.
ولو اقتدى بمن علمه مسافرًا، ثم فسدت صلاته، أو صلاة إمامه بحدث أو غيره، ثم بان أنه كان مقيمًا، عليه الإتمام، لأن اقتداءه به كان صحيحًا، ولو اقتدى مسافر بمقيم، ونوى القصر تنعقد صلاته، وتلغو نيَّة القصر، بخلاف المقيم إذا شرع في الصلاة بنيَّة القصر لا تنعقد صلاته؛ لأن المقيم ليس من أهل القصر، والمسافر من أهله، إنما لزمه الإتمام
[ ٢ / ٣٠٨ ]
لعارض، فلا يضره نيَّة القصر، كما لو شرع في الصلاة، ثم نوى الإتمام يتمها، فإن قيل: كيف يحصل له الركعتان الأخريان وهو لم ينوهما؟.
قال الشيخ﵀-: بنيَّة القصر لا ينتفي الإتمام، بدليل أنه إذا صار مقيمًا باتصال السفينة بدار الإقامة يلزمه الإتمام، وإن لم ينوِ.
ولو شك المسافر هل نوى الإقامة أم لا، أو دخل بالليل بلدًا شكّ هل هذا مقصده أم لا؟ فلا يجوز له القصر؛ لأن الأصل وجوب الصلاة عليه تامةً، وهو يشك في سبب الرُّخصة، وجواز القصر كما لو شك في بقاء مدة المسح لا يجوز له المسح.
ولو صلى الظُّهر بنيَّة القصر خلف مسافر يصلّي العصر بنيَّة القصر، جاز له أن يقصر.
ولو صلّى خلف من يُصلّي المغرب مقيمًا، كان أو مسافرًا، لا يجوز له القصر.
ولو صلى خلف من يصلي الصبح مقيمًا كان أو مسافرًا، هل له القصر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لاتفاق الصلاتين في العدد.
والثاني: وهو الأصح والمذهب- لا يجوز؛ لأنه اقتدى بمتمٍّ.
ولو صلّى خلف من يصلي الجمعة، قيل: إن قلنا: الجمعة ظُهر مقصور، له أن يقصر.
وإن قلنا: فرض آخر، فكالصُّبح.
والمذهب أنه لا يجوز له القصر، سواء قلنا: الجمعة ظهر مقصور، أو فرض آخر؛ لأن صلاة الإمام صلاة مقيم، بل هو أولى من الصبح؛ لأن الجمعة في السفر لا تجوز.
ولو اقتدى جماعة من المسافرين والمقيمين بمسافر قاصر، فإذا سلّم الإمام أتم المقيمون صلاتهم؛ لما روي عن عمران بن حُصين قال: غزوات مع النبيﷺ- وشهدت معه الفتح، فأقام بـ "مكة" ثمانية عشر ليلة لا يُصلّي إلا ركعتين، يقول: "يا أهل البلد صلُّوا أربعًا فأنا سفرٌ".
فلو رَعف الإمام، وتقدم مقيم خليفة، فكل من دام من المسافرين على مُتابعة الخليفة يجب عليه الإتمام، ومن أتم صلاته منفردًا، فلا إتمام عليه، وإذا عاد الإمام واقتدى بخليفته، فكذلك عليه الإتمام، وإن صلى منفردًا له أن قصر.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
فصلٌ
إذا فاتته صلاة في الحضر فقضاها في السفر لا يجوز له قصرها اعتبارًا بحالة الفوات؛ لأنه ثبت في ذمته صلاة تامة.
وقال المزني: له أن يقصر، كما لو فاتته صلاة في حالة القدرة، ثم مرض جاز له أن يقضيها قاعدًا اعتبارًا بحالة القضاء.
قلنا: لأن إزالة المرض ليس إليه، فربما يموت، والصلاة في ذمته، وقطع السفر وإتمام الصلاة بيده، فيلزمه الإتمام، فلو فاتته صلاة في السفر، هل يجوز قضاؤها قصرًا؟ فيه قولان:
أصحها: وهو قوله في الجديد- لا يجوز؛ سواء قضاها في السفر، أو في الحضر، والوقت شرط لجواز القصر كما في الجمعة.
وقال في القديم: يجوز قضاؤها قصرًا، سواء قضاها في السفر، أو في الحضر، وبه قال أبو حنيفة اعتبارًا بحالة الفوات.
وقال في الإملاء: إن قضاها في السفر جاز قصرها، وإن قضاها في الحضر، فلا يجوز، فعلى هذا إن كان قد تخلل بين السفرين إقامة، هل يجوز له القصر؟ فيه وجهان.
فإن قلنا بقوله الجديد: إن الوقت شرطٌ لجواز القصر، فلو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، فخرج الوقت في خلالها، نظر إن كان قد صلى ركعة في الوقت، جاز له قصرها، وإن صلى أقل من ركعة، يجب إتمامها.
وقال صاحب "التلخيص": يجب عليه الإتمام، وإن صلى في الوقت ركعة، كما في الجمعة إذا خرج الوقت قبل أن يسلم، يجب عليه أن يصلي أربعًا، والأول أصح؛ لأن الجمعة أكدت بشرائط من العدد والجماعة والخُطبة، ودار الإقامة، والقصر لم يؤكد بشيء منها، وكذلك لا يشترط أداء جميعها في الوقت.
ولو أن مقيمًا أخَّر الصلاة من أوَّل الوقت، ثم سافر في آخر الوقت قبل خروج الوقت، جاز له قصر تلك الصلاة؛ لأن الوقت باقٍ.
وقال ابن سُريج: لا يجوز له القصر؛ لأن الصلاة تجب بأول الوقت، وهو كان مقيمًا في أول الوقت، ألا ترى أن المرأة إذا حاضت بعد إمكان فعل الصلاة في أول الوقت يلزمها تلك الصلاة؟.
قلنا: أصل الصلاة وجوبها بأول الوقت، ومقدار يستقر عليه بآخره، كما في الجنابة يعتبر أصل الضمان بحالة الجنابة، ويعتبر المقدار بالمال.
[ ٢ / ٣١٠ ]
فصلٌ
الأخذ بالرُّخصة إنما يجوز إذا كان سفره طاعةً، أو كان مباحًا كتجارة أو نزهة أو زيارة أو نحوها، فإن كان سفرة معصية، مثل أن خرج لقطع الطريق، أو هرب العبد من مولاه، أو المرأة من زوجها، أو هرب من غريمه مع القدرة على أداء حقه، فلا رخصة له في هذا السفر.
وقال أبو حنيفة: يجوز للعاصي بسفره أن يترخص قلنا: الرخصة إنما جوزت للمسافر تخفيفًا، عليه، وإعانة له على تحمُّل المشقة، والعاصي لا يجوز إعانته على ما هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
إذا ثبت أنه لا يترخص، فلا يجوز له قصر الصلاة، ولا فطرُ شهر رمضان، ولا الجمع بين الصلاتين، ولا المسح على الخُفّ ثلاثة أيام، ويجوز أن يمسح يومًا وليلة؛ لأنه في
[ ٢ / ٣١١ ]
حكم المقيمين وقيل: لا يجوز، والأول المذهب.
وإذا عدم الماء يجب عليه أن يصلي بالتيمم، ويجب عليه الإعادة؛ لأنه في حم المقيم.
وقيل: لا يجب؛ لأنه صلى بالتيمم، حيث يعدم الماء غالبًا، والأول المذهب.
ولو كان معه ماء، ويخاف العطش لا يجوز أني صلي بالتيمم حتى يتوب، فإن لم يتُب، وتوضأ به ومات عطشًا كان عاصيًا من وجهين:
أحدهما: لعصيانه.
والثاني: لإعانته على قتل نفسه، حيث لم يتُب حتى يتوصل إلى الشرب.
وكذلك لو اضطر إلى أكل الميتة لا يجوز له أكلها حتى يتُوب، بخلاف المقيم العاصي؛ لأن احتياجه إلى الميتة ليس لما يتعاطاه من المعصية.
وقيل: المقيم المضطر إذا كان عاصيًا لا يجوز له أكل الميتة ما لم يتُب.
وإذا خرج إلى سفر مباح، غير أنه يرتكب المعاصي في الطريق جاز له الترخص؛ لأن الرخصة سبب السَّفر المباح، وسفره مباح.
ولو أنشأ سفر معصية، ثم تاب، فمن ذلك الموضع ابتدأ سفره، فإن كان من ذلك الموضع إلى مقصده مسافة القصر، جاز له القصر بعده، وإلا فلا.
ولو أنشأ سفرًا مباحًا، ثم غير النيَّة إلى المعصية، فهل له الترخص؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لو أنشأ السفر بهذه النية.
والثاني: له ذلك؛ لأن سفره انعقد على الإباحة.
ولو جرح رجل في قطع الطريق، وخاف الهلاك من استعمال الماء، هل له أن يصلي بالتيمم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا حتى يتُوب، فإن لم يتُب وغسل الجرح، ومات كان عاصيًا من وجهين.
والثاني: وهو الأظهر- له التيمم؛ لأنه غير عاصٍ باستدامة الجرح، وهل يعيد؟ وجهان.
ولو ألقى نفسه من شاهق، أو وثب لاعبًا فتكسَّرت رجله وصلى قاعدًا، هل عليه القضاء إذا برئ؟ ففيه وجهان:
أحدهما: يجب كما لو زال عقله بالإلقاء.
[ ٢ / ٣١٢ ]
والثاني: وهو الأصح- لا يجب؛ لأن سقوط القيام عن العاجز عزيمة، وعمن زال عقله رخصة، ولا رخصة للعاصي.
فصلٌ: في الجمع بين الصلاتين
روي عن ابن عباس قال: كان رسول اللهﷺ- يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كنا على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء.
يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر الطويل يروى ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقال النخعي، وأبو حنيفة: لا يجوز الجمع بحال إلا في الحج يجمع بين الظهر والعصر بـ "عرفات" وبين المغرب والعشاء بـ "مزدلفة"، والحديث حُجة لمن أجازه، ولا يجوز في السفر القصير على ظاهر المذهب، ولا يجوز الجمع بين العشاء والصبح، ولا بين الصبح والظهر، ولا بين العصر والمغرب، وفي الجمع هو مخير، إن شاء قدم العصر إلى وقت الظهر، فجمع بينهما في وقت الظهر، وإن شاء أخَّر الظهر إلى وقت العصر، يجمع بينهما في وقت العصر، وكذلك المغرب مع العشاء إذا بقي المسافر في منزل يومًا أو يومين أو ثلاثة، فله الجمع، ولكن الأفضل أني صلي الصلوات في أوقاتها، فإن كان سائرًا، فالمستحبُّ أن يفعل كما فعل الرسولﷺ-.
روي عن معاذ بن جبل أن رسول اللهﷺ- كان في غزاة "تبوك" إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى ينزل العصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخَّر المغرب حتى تنزل العشاء، ثم جمع بينهما، وروى ابن عباس مثله.
وإذا جمع بينهما في وقت الثانية يجب أن يؤخّر الأولى بنيَّة الجمع حتى لو أخَّر لا بنية الجمع حتى خرج وقت الأولى عصى الله- تعالى- وصارت صلاته قضاءً لا يجوز له قصرها على قول من لا يجوز قصر القضاء.
وإذا جمع في وقت الأولى، لا يجوز إلا بثلاث شرائط:
أحدها: نية الجمع.
والثاني: مراعاة الترتيب.
والثالث: الموالاة.
أما النيَّة يجب أن ينوي حالة الشروع في الأولى الجمع، فلو نوى بعد الفراغ من الأولى لم يجُز الجمع.
وعند المزني يجوز إذا نوى على قرب الفصل، وإن نوى في خلال الصلاة الأولى أو مع التسليم عنها، نص في "الجمع بعذر السفر" أنه يجوز.
وقال في "الجمع بعذر المطر" .. ينوي عند افتتاح الأولى، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين:
أحدهما: لا يجوز حتى ينوي الجمع عند افتتاح الأولى كنيَّة القصر.
والثاني: يجوز؛ لأن الجمع هو ضمُّ الثانية إلى الأولى، وقد نوى قبل هذه الحالة.
ومنهم من فرق بينهما على ظاهر النص، فقال في المطر: يجب أن ينوي مع افتتاح الأولى لأن استدامة المطر في خلال الصلاة الأولى- غير شرط لجواز الجمع فلم يكن محلًا للنية، وفي السفر يجوز؛ لأن استدامة السفر الذي هو سبب الرُّخصة شرط في خلال الصلاة الأولى، فكان محلًا للنية.
والترتيب بين الصلاتين شرط، حتى لا يجوز تقديم العصر على الظهر، ولا تقديم العشاء على المغرب في الأداء، فإن قدم لا يصح عصره ولا عشاؤه ويعيدهما بعد الظهر وبعد المغرب.
والمُوالاة شرط، حتى لا يجوز أن يتنفل بين الصلاتين، وألا يطيل [المقام] بينهما،
[ ٢ / ٣١٥ ]
فإن أطال بطل الجمع، وعليه أن يؤدي الثانية في وقتها، والإقامة للصلاة الثانية سُنَّة لا تقطع الجمع. وقال أبو إسحاق: لا يجوز الجمع بالتيمُّم؛ لأنه إذا اشتغل بطلب الماء للصلاة الثانية يطول الفصل بينهما، والمذهب جوازه، ويطلب للثانية طلبًا خفيفًا، ولا ينقطع به الجمع؛ لأنه من مصلحة الصلاة كالإقامة.
ويتفرع على هذا لو جمع بين الظُّهر والعصر في وقت الظهر، وبعد الفراغ منها تذكَّر أنه نسي سجدة من إحدى الصلاتين نظر إن علم أنه تركها من الظهر لم تصح الصلاتان، فعليه أن يعيدها، وله أن يجمع بينهما، وكذلك لو بان فسادُ الظهر بسبب آخر، وإن علم أنه تركها من العصر، فإن كان الفصلُ قريبًا سجد، وصحَّت الصلاتان، وإن طال الفصلُ بطل الجمع، وعليه إعادة العصر في وقته، وإن شك لم يدر من أيهما ترك، فعليه إعادة الصلاتين جميعًا لاحتمال أنه تركها من الأولى ولا يجوز الجمع لاحتمال أنه تركها من الثانية، وإذا جمع بين الصلاتين في وقت الثَّانية وهل يجوز تقديم العصر على الظهر في الأداء وتقديم العشاء على المغرب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ بل عليه مراعاة الترتيب، كما لو جمع بينهما في وقت الأولى.
والثاني: وهو الأصح يجوز؛ لأن الوقت لها [والأولى] تبع، وكذلك هل يجب الموالاة بينهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجب الترتيب، ولا الموالاة، فإن قلنا: الترتيب شرط، فلو قدم العصر صح عصره؛ لأن الوقت له، ولكن يصير الظهر قضاء، وكذلك إذا ترك الموالاة، وقلنا: هي [شرط] يصير الظهر قضاء ولا يجوز قصرها على قول من لا يُجوِّز قصر القضاء.
أما قصر العصر يجوز بكلِّ حال، وإذا جمع بين الصلاتين، ثم بعد الفراغ منهما صار مقيمًا قبل دخول وقت الثانية، هل يجب عليه إعادة الصلاة الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن وقت الأولى صار وقتًا للثانية، فقد أدَّاها في وقتها، كما لو قصر الصلاة، ثم صار مقيمًا لا تجب الإعادة.
والثاني: يجب إعادتها في وقتها؛ لأن السفر قد زال، والوقت بين يديه، وإن صار مقيمًا قبل الشروع في الثانية يجب عليه أن يصلي الثانية في وقتها.
وإن صار مقيمًا في خلال الثانية ترتب على ما لو صار مقيمًا بعد الفراغ منها إن قلنا: يعيدها، فها هنا بطل عصره، وإلا فوجهان:
[ ٢ / ٣١٦ ]
أحدهما: يعيد، كما لو نوى الإقامة في خلال صلاة العصر يجب إتمامها.
والثاني: لا يعيد، بخلاف العصر؛ لأن هناك إذا ألزمناه حكم الإقامة لا يؤدي إلى إبطال ما مضى من الصلاة، وها هنا يؤدي إلى ذلك، فإن قلنا: تبطل عصره، هل يبقى نفلًا؟ فيه قولان.
وإن صار مقيمًا بعد ما مضى في وقت الثانية قدر إمكان الصلاة لا يجب الإعادة وجهًا واحدًا، وإذا جمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، فيصلي سُنَّة المغرب بعد الفراغ من فرض العشاء، ثم يصلي سنة العشاء ثمَّ يصلي الوتر.
فصلٌ: في الجمع بعذر المطر
روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول اللهﷺ- الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر.
[ ٢ / ٣١٧ ]
قال مالك: أرى ذلك في مطر.
يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر المطر في السفر والحضر جميعًا في وقت الأولى، وهل يجوز في وقت الثانية؟ فيه قولان:
في القديم: يجوز كما في السفر. وفي الجديد: لا يجوز، بخلاف السفر؛ لأن استدامة السفر إليه، واستدامة المطر ليس إليه، فربما تمسك السماء قبل دخول وقت الثانية.
فإن قلنا: يجوز التأخير فلو أمسكت السماء قبل وقت العصر، لا يجوز الجمع فيصلي الظهر في آخر وقته كالمسافر إذا أخَّر بنية الجمع، ثم أقام قبل دخول وقت العصر، ويشترط وجود المطر عن افتتاح الصلاة الأولى، وعند الفراغ منها وفي افتتاح الثانية، فلو انقطع في خلال إحدى الصلاتين، وبعد الفراغ من الثانية لم يضر، ولو كان منقطعًا حالة التسليم من الأولى، أو انقطع بعد الفراغ من الأولى قبل الشروع في الثانية لم يجز الجمع.
وفرَّع القاضي الإمام على هذا فقال: لو قال الرجل بعد الفراغ من الصلاة الأولى: أنظر هل أمسكت السماء؟ بطل الجمع؛ لأنه شك في سبب الجمع، وإنما يجوز هذا الجمع في مساجد الجماعات التي ينتابها الناس من بعد، فيشق عليهم المشي في المطر، ويشترط أن يكون المطر، بحيث يبُلّ الثياب، فإن كان لا يبُلّ الثياب، فلا يجوز.
وإن كان المسجد في كنٍّ لا يتأذى بالمطر إذا حضره، أو صلى في بيته منفردًا أو جماعة، أو صلَّت النساء في بيوتهن، هل يجوز الجمع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الرخصة بسبب المطر، وهو موجود.
والثاني: وهو الأصح- لا يجوز؛ لأنهم لم يلحقهم الأذى، ولا يجوز الجمع بغير المطر من الوحل، والريح، والظلمة، والبرد، [والمرض] ونحوها، والسفان مطر وزيادة، ولا يجوز بعذر الثلج؛ لأنه يبل الثياب إلا أن يكون رخوًا ذائبًا فهو كالمطر.
وجوز الجمع بعُذر المطر جماعة من السلف يروى ذلك عن ابن عمر، وفعله عروة وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك، وأحمد.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وجوز الحسن وعطاء الجمع بعُذر المرض.
وجوز ابن سيرين الجمع إذا كانت له حاجة ما لم يتخذه عادة، وذهب إليه؛ لما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول اللهﷺ- الظهر والعصر جميعًا بـ "المدينة" من غير خوف ولا سفر قيل لسعيد بن جبير: لم فعله؟ قال سألت ابن عباس فقال: لئلا يخرج أحدٌ من أمته والله أعلم بالصواب.
باب وجوب الجمعة
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
[ ٢ / ٣١٩ ]
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فُرض عليهم، يعني يوم الجمعة، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبعٌ اليهود غدًا والنصارى بعد غدٍ".
[ ٢ / ٣٢٠ ]
روي عن أبي الجعد الضمري أن رسول اللهﷺ- قال: "من ترك ثلاث جُمع تهاوُنًا بها طبع الله على قلبه".
صلاة الجمعة فريضة، ولوجوبها خمس شرائط: العقل، والبلوغ، والحُرية، والذُكورة، والاستيطان، فلا يجب على الصبي، ولا المجنون، كما لا تجب سائر الصلوات، ولا على المرأة ولا على العبد.
روي عن محمد بن كعب أنه سمع رجلًا من بني وائل يقول: قال النبيﷺ-:
[ ٢ / ٣٢١ ]
"تجبُ الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيًا أو مملوكًا، ولا تجب على المسافر".
[ ٢ / ٣٢٢ ]
روى جابر قال: قال رسول اللهﷺ-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة، إلا امرأة أو مسافرًا أو عبدًا أو مريضًا".
ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت، وهو بعد الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، والعدد، والجماعة، والخطبة، ودار الإقامة، فلو خرج الوقت قبل أن يسلم يجب أن يكملها أربعًا. أما العدد فأربعون رجلًا من أهل الكمال، وهو قول عُبيد الله بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أحمد، وهل يشترط أن يكون الإمام زائدًا على الأربعين؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يشترط.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بأربع مع الإمام.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وقال الأوزاعي: تنعقد بثلاث.
وقال ربيعة: باثني عشر.
ودار الإقامة شرط، فكل قرية اجتمع فيها أربعون من أهل الكمال، وهو أن يكونوا أحرارًا، عاقلين، بالغين، ذكورًا، مستطونين لا يظعنون عنها شتاءً ولا صيفًا إلا ظعنَ حاجةٍ، يجب عليهم إقامة الجمعة كما تجب على أهل المصر الجامع ثم إن كانوا لا يسمعون نداء البلد يجب عليهم إقامة الجمعة فيها، وإن كانوا يسمعونه فهم بالخيار بين أن يحضروا البلد للجمعة، وبين أن يقيموها في قريتهم، وإذا حضروا البلد لا يكمل بهم العدد؛ لأنهم في حُكم المسافرين.
وإن كانوا أهل خيام وأخبية اجتمعوا في موضع لا يجوز لهم إقامة الجمعة هناك؛ لأنهم غير مستوطنين، فإن الشتاء إذا جاء أحوجهم إلى الظعن، وحكمهم حكم جماعة من المسافرين نزلوا على طرف بلد، ونووا إقامة أربع.
وكذلك أهل البلد لا يجوز لهم أن يخرجوا إلى الصحراء، فيجتمعوا، وإذا انهدم أبنية البلد، وأقام أهله على عمارته، فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها؛ لأنهم في موضع الاستيطان.
وإن كانوا أهل خيام وخباء لزموا عين ماء لا يظعنون عنها في صيف ولا شتاء، هل عليهم إقامة الجمعة هناك؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنهم مستوطنون.
والثاني: لا يجوز وهم كالقسم الأول؛ لأن أبنيتهم ليست أبنية المقيمين.
أما أهل الدواليب والأسراب الذين توطَّنوا، فكأهل القرى، وكل قرية لم يكن فيها أربعون من أهل الكمال، وإن كانوا أكثر عددًا ممن ليس من أهل الكمال لا يجوز لهم إقامة الجمعة فيها، وهل يجب على أهل الكمال منهم حضور البلد، أو حضور موضع الجمعة؟ وكذلك أهل الخيام والمسافرون الذين نزلوا على طرف بلد، ونووا إقامة أربع؟ نظر إن كان لا يبلغهم نداء البلد لا يجب عليهم حضورها، ولكنهم لو حضروها، وصلوا الجمعة سقط الفرض عنهم، وإن كان يبلغهم نداءُ البلد يجب عليهم حضور البلد للجمعة، ولكن لا يكمل بهم عدد الأربعين.
روي عن عبد الله بن عمرو أن النبيﷺ- قال: "الجمعة على من سمع النداء".
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وقال أبو حنيفة: لا جمعة على أهل القرى، إنما يجب على أهل مصر جامع، والمصرُ الجامع عنده أن يوجد فيه [أربعة]: سلطان قاهر، وطبيب حاذق، ونهر جارٍ، وسوق قائم.
وفي سماع النداء يشترط سماع من ليس بأصم نداء مؤذّن جهوريّ الصوت في وقت تكون الرياح ساكنة، والأصوات هادئة، ولا يشترط سماع جمع القرية، ومن أي موضع يكون يعتبر سماع النداء؟.
منهم من قال: من وسط البلد على نشزٍ.
ومنهم من قال: يشترط سماع كل القرية من طرف البلد الذي يليهم في موضع تجوز إقامة الجمعة فيه، فإن كانت قريتان إحداهما قريبة من البلد، لكنها لا تسمع النداء لكونهم في هبوط، والأخرى أبعد منها، لكنها تسمع النداء لكونها على صعود، فعلى أهل القرية البعيدة حضور الجمعة، وهل يجب على أهل القرية القريبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأن النداء لا يبلغهم.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
والثاني: يجب؛ لأن الصوت يمرُّ عليهم، غير أنهم لا يسمعون النداء؛ لأنهم في وهدةٍ، كما لو دخل بيتًا فلم يسمع النداء.
أما البلد إذا كان كبيرًا يجب على من بعُد داره من الجامع حضور الجمعة، وإن لم يسمع النداء؛ لأن خطة البلد يجمع الكل، فلو اجتمع أربعون رجلًا للجمعة، ثم انفضوا، لا يخلو إما أن انفضوا قبل افتتاح الخطبة، أو في خلالها، أو بعد الفراغ منها، أو في خلال الصلاة، فإن انفضوا قبل افتتاح الخطبة، سواء انفض الكل، أو انفض واحد من الأربعين، فلا يبتدئ الخطبة حتى يجتمع أربعون؛ لأن الوقت شرط في الخطبة حتى لو ابتدأ الخطبة قبل الوقت لا يجوز، كذلك العدد شرط فيها، كما هو شرط في الصلاة.
وإن انفضوا في خلال الخُطبة، نظر إن عادوا والفصل قريب بنى على خطبته، فإن أتى بشيء من أركان الخطبة في غيبتهم أعاده؛ لأن سماع الأربعين للخطبة شرط، وإن عادوا بعد طول الفصل، عليهم استئناف الخطبة على قوله الجديد، وهو المذهب.
وفي القديم: المُوالاة ليس بشرط، فله أن يبني على خطبته، وإن لم يعد الأولون، بل جاء مكانهم آخرون يستأنف بهم الخطبة، سواء جاءوا بعد طول الفصل أو قبله.
وإن انفضوا بعد الفراغ من الخُطبة قبل الشروع في الصلاة، نظر إن رجعوا والفصل قريب صلى بهم الجمعة بتلك الخطبة، وإن رجعوا بعد طول الفصل، أو جاء آخرون لم يسمعوا الخطبة لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة بتلك الخطبة.
قال الشافعي﵀-: "أحببت أن يبتدئ خطبته، فإن لم يفعل صلاها بهم ظهرًا.
اختلف أصحابنا في أنه هل يجب أن يعيد الخُطبة ليصلي بهم الجمعة، أم يجوز أن يصلي بهم الظهر؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول ابن سُريج يجب إعادة الخُطبة؛ لأن إقامة الجمعة ممكن، فلا يجوز تركها، والمراد من قوله: أحببت الإيجاب؛ لأن كل واحد مستحب.
والوجه الثاني قاله أبو إسحاق: لا يجب، بل يستحب؛ لأنه لا يأمن من انفضاضهم ثانيًا فيصير ذلك عذرًا في ترك الجمعة، وكذلك لو انفض واحد من الأربعين الذين سمعوا الخُطبة وحضر أربعون آخرون؛ لأن شرط الجمعة أن يعقدوا الصلاة بالأربعين الذين سمعوا الخطبة.
أما إذا انفضوا في خلال الصلاة، نظر إن حضر أربعون آخرون، وشرعوا في الصلاة، ثم انفض الأولون الذين افتتح بهم الصلاة، يجوز أن يكمل بهم الجمعة؛ لأنه لم ينتقص
[ ٢ / ٣٢٦ ]
العدد في شيء من الصلاة وإن انفضوا ولم يحضر آخرون، ففيه أقوال:
ذكر في الجديد قولين:
أصحهما: بقاء الأربعين [من أهل الكمال شرطٌ إلى آخر الصلاة كالوقت] فإن انتقص واحد قبل أن يسلم يجب عليه إكمال الظهر.
والثاني: إن بقي معه اثنان حتى تكون صلاته جماعة جاز أن يُتِمّ بهما الجمعة؛ لأن مطلق الجمع ثلاثة.
وقال في القديم: إن بقي معه واحد، له أن يتمّ الجمعة؛ لأن أقل الجمع اثنان وخرج قول أنه يتم الجمعة، وإن بقي وحده، وهو قول أبي يوسف أن العدد شرط حالة الإحرام، وذلك لأنه يمكنه ألا يفتتح بأقل من أربعين، ولا يمكنه حفظهم في خلال الصلاة.
وقال المزني﵀-: إن انفضوا بعد ما صلى بهم ركعة، له أن يتم الجمعة، وإن بقي واحد، وإن كان في الركعة الأولى أتمها ظهرًا، وإن انتقص واحد، وهو قول أبي حنيفة﵀- في العدد الذي يشترطه، غير أن عند أبي حنيفة أن قيد ركعة بسجدة واحدة أتمها جمعة.
وعند المزني لابدّ من ركعة كاملة، واحتج المزني بأن المسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة أتمها جمعة، فكذلك الإمام إذا صلى مع القوم ركعة أتمها جمعة.
قلنا: لأن جمعة المسبوق تبنى على جمعة كاملة مفروغ عنها، بخلاف جمعة الإمام، وهذا بخلاف ما لو أحدث الإمام في الركعة الثانية، فالقوم يكملون الجمعة وحدانًا؛ لأن القوم تبع للإمام، فبعد ذهاب المتبوع جاز للتابع أن يبني صلاته على صلاة المتبوع، والمتبوع لا يبني على صلاة التابع.
قال الشيخ: وهو صاحب الكتاب ﵀: والصحيح من هذه الأقوال هو الأول، وهو أن العدد شرط من أول الصلاة إلى آخرها لولا ما قاله المزني.
فصلٌ: في الزحام
إذا ركع المأموم في الجمعة، أو في صلاة أخرى، ثم زحم عن السجود، نظر إن أمكنه أن يسجد على ظهر رجل فعل، وإن لم يفعل حتى رفع الإمام رأسه بطلت صلاته.
روي عن عمر أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه، ولو لم
[ ٢ / ٣٢٧ ]
يمكنه، فهذا عذر للخروج عن متابعته، فإن كان في الجمعة فخرج عن متابعته، فصلى الظهر، فهو كمن صلى الظهر قبل فوات الجمعة، وإن لم يخرج عن متابعته، فلما قام الإمام إلى الركعة الثانية أمكنه السجود سجد، وإن سبقه الإمام بركنين؛ لأنه معذور؛ فإذا سجد وقام إلى الركعة الثانية، ولم يدرك قراءة جميع الفاتحة مع الإمام هل يسقط عنه القراءة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط كالمسبوق ويركع مع الإمام.
والثاني: وهو الأصح لا تسقط عنه؛ لأنه أدرك ما قبل الركوع، بخلاف المسبوق، فيقرأ الفاتحة، ويجري على أثر الإمام، وهو كالمتخلف بالعُذر، وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام في الركعة الثانية، ثم قدر عليه ماذا يفعل؟
قال في الجديد وهو الأصح: يتابع الإمام في الركوع؛ لأن النبيﷺ- قال: "ما أدركتم فصلوا" وهذا مدرك للركوع.
وفي "الإملاء" قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: يشتغل بالسجود، ويجري على أثر الإمام، وبه قال أبو حنيفة لقوله ﵇: "وما فاتكم فأتموا".
والتفريع على القولين، فإن قلنا: يتابع الإمام، فلا يخلو إما أن يتابعه، كما أمرناه، أو يشتغل بالسجود، فإن تابعه فأي الركوعين يحسب له؟ فيه وجهان:
أحدهما: الأول؛ لأنه وقع صوابًا، والركوع الثاني لموافقة الإمام.
والوجه الثاني: الركوع الثاني يكون محسوبًا له؛ لأن السجود من هذه الركعة يكون محسوبًا له، كذلك الركوع.
وفائدته إذا قلنا: يحسب له الثاني، فإذا صلى هذه الركعة مع الإمام حصلت له ركعة من الجمعة.
وإذا قلنا: يحسب الأول حصلت له ركعة ملفقة من الركعتين الركوع من الركعة الأولى والسجود من الثانية، فمثل هذا هل تحسب له من الجمعة؟ ففيه وجهان:
أصحهما: وهو قول أبي إسحاق يحسب من الجمعة؛ لأنه صلى ركعة مع الإمام.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وقال ابن أبي هريرة: تحسب من الظهر، ولا تحسب من الجمعة حتى يكون إدراك الكل من ركعة واحدة، ولا تفريع عليه، بل نقول على الوجهين: إذا صلى هذه الركعة مع الإمام حصلت له ركعة من الجمعة.
أما إذا خالف أمرنا، واشتغل بالسجود، نظر إن نوى الخروج عن متابعة الإمام، فهو كمن خرج عن متابعة الإمام بغير عذر، إن قلنا: لا تبطل صلاته بالخروج عن المتابعة لا تصح جمعته، وهل يصح ظهره؟
فعلى قولين كغير المعذور إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة، هل يصح ظهره؟ قولان: الأصح: لا يصح، فإن قلنا: لا يصح ظهره، هل تبطل صلاته، أم تكون نفلًا؟ فيه قولان.
وإن سجد ولم ينو الخروج عن متابعة الإمام، نظر إن كان عالمًا بأن عليه المتابعة، بطلت صلاته، ففي الحال يكبر، ويركع مع الإمام ليدرك ركعة من الجمعة، وإن كان جاهلًا ظن أن فرضه السجود لا تبطل صلاته، ولا يحسب له سجود، فإذا فرغ من السجود، وأدرك الركوع مع الإمام كان مدركًا لركعة، وأي الركوعين يكون محسوبًا فعلى الوجهين، كما ذكرنا، وإذا فرغ من السجود، والإمام قد سجد في الثانية سجد معه، وحصلت له ركعة ملفقة من ركعتين، فالأصح أن يكون محسوبًا من الجمعة، وإن كان الإمام في السجود الثاني سجد معه هذه السجدة، ثم إذا سلم الإمام يسجد سجدة أخرى، وتمت له ركعة من الظهر، فيقوم ويصلي ثلاث ركعات؛ لأنه لم يصلِّ مع الإمام ركعة كاملة، وكذلك إذا فرغ من السجود، وقد سلم الإمام سجد سجدتين، ويضم إليها ثلاث ركعات.
فأما إذا قلنا: يجب عليه أن يشتغل بالسجود، فلا يخلو إما إن كان يسجد، كما أمرناه، أو تابع الإمام، فإن سجد كما أمرناه، فإذا فرغ من السجود، وأدرك الإمام في الركوع من الركعة الثانية، هل يسقط عنه قراءة الفاتحة؟ فعلى وجهين:
الأصح: لا تسقط، وإن كان قد سجد الإمام في الثانية، أو قعد للتشهد، فإنه يقرأ ويشتغل بقضاء ما فاته، ويجري على أثره، وهو مدرك للجمعة يسلم مع الإمام، وإن لم يمكنه السجود في الركعة الأولى حتى يسلم الإمام، أو سجد واحدة قبل تسليمه، وسجد بعده حصلت له ركعة من الظهر؛ لأنه لم يحصل له ركعة كاملة على متابعة الإمام.
وقيل: تحسب من الجمعة؛ لأن هذا السجود يبنى على ركوع أتى به مع الإمام.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
أما إذا خالف أمرنا، واشتغل بالركوع مع الإمام، نظر إن كان عالمًا بطلت صلاته وإن كان جاهلًا لا تبطل صلاته، ولا يحسب ركوعه، فإذا سجد معه حسب سجوده، وحصلت له ركعة من الجمعة، وإذا قعد الإمام للتشهد، هل يقعد معه أم يقوم، ويشتغل بالركعة الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقوم، ولا يخرج عن متابعته؛ لأنه تفريع على قولنا: إنه يشتغل بما فاته، ويجري على أثر الإمام.
والثاني: يقعد معه، فإذا سلم الإمام قام، وصلى ركعة وتمَّت جمعته كالمسبوق، أما إذا لم يمكنه السجود حتى سجد الإمام في الركعة الثانية سجد معه على القولين جميعًا.
ثم إن قلنا: يجب عليه متابعة الإمام حصلت له ركعة ملفقة وإن قلنا: يجب عليه الاشتغال بما فاته حصلت له ركعة من الجمعة، هذا إذا زحم في الركعة الأولى.
أما إذا زحم عن السجود في الركعة الثانية، فلم يمكنه السجود حتى سلم الإمام سجد سجدتين بعد تسليم الإمام، وتشهد وتمت جمعته كالمسبوق إذا لم يمكنه السجود.
وإن كان مسبوقًا أدرك الإمام في الركعة الثانية، فركع معه، ثم زحم عن السجود، نظر إن أمكنه أن يسجد سجدتين قبل تسليم الإمام سجدهما، وحصلت له ركعة من الجمعة.
وإن لم يمكنه حتى سلم الإمام، أو سجد سجدة واحدة قبل تسليمه، ثم سلم الإمام سجد الثانية، ثم يقوم، ويتم الظهر؛ لأنه لم يصل مع الإمام ركعة كاملة.
وقيل: يحسب له ركعة من الجمعة؛ لأن هذا السجود ينبني على ركوع أتى به مع الإمام، هذا كله فيما إذا زحم.
أما إذا ركع مع الإمام في الركعة الأولى، وسها حتى ركع الإمام في الركعة الثانية من أصحابنا من قال: هو كالزحام على القولين.
ومنهم من قال: ها هنا يتبعه في الركوع قولًا واحدًا؛ لأنه مفرط في السهو، فلم يعذر في الانفراد عن الإمام.
قال الشيخ: والأول أصح أنه كالزحام، وكل موضع قلنا: يتم الظهر، فهو صحيح على قولنا: إن الجمعة ظُهرٌ مقصور.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أما إذا قلنا: الجمعة فرض آخر، وهو شرع فيه بنية الجمعة، من أصحابنا من قال: يستأنف الظهر.
ومنهم من قال: [يجوز أن] يُتم الظهر، وإن جعلناه فرضًا آخر؛ لأنهما فرض وقت واحد، كما لو خرج الوقت في خلال الصلاة، نصَّ على أنه يتمها ظهرًا.
فصلٌ: في الاستخلاف في الجمعة
إذا أحدث الإمام في صلاة الجمعة، هل يجوز أن يستخلف رجلًا؟.
فيه قولان كسائر الصلوات: أصحهما: وهو قوله الجديد- يجوز، فإن قلنا: لا يجوز الاستخلاف، أو جوزنا، ولكن لم يتقدم أحد، نظر إن أحدث الإمام في الركعة الأولى أتموها ظهرًا؛ لأنهم لم يصلوا مع الإمام ركعة، فإن أحدث في الركعة الثانية أتموها جمعة إلا أن يكون مسبوقًا أدركه في الثانية، فإنه يتم الظهر.
وإن قلنا: يجوز الاستخلاف، فإنما يجوز أن يستخلف من اقتدى بالإمام قبل حدثه، فأما من لم يقتد به، فلا يجوز استخلافه، وهل يشترط أن يكون الخليفة ممن سمع الخطبة فيه وجهان: الأصح: لا يشترط، كما لو لم يحدث الإمام صحَّت جمعة المأموم، وإن لم يسمع الخطبة.
فإن قلنا: لا يشترط، فإن تقدم رجل أدرك الإمام في الركعة الأولى قبل أن يركع، أو في الركوع من الركعة الأولى جاز، ويتم بهم الجمعة، سواء أحدث الإمام في الركعة الأولى، أو في الثانية، حتى لو اقتدى به رجل قبل أن يركع في الأولى، فلما اقتدى به أحدث الإمام، وتقدم هو جاز أن يصلي بهم الجمعة.
وإن تقدم رجل لم يدرك مع الإمام الركعة الأولى، فإن أدركه بعد ما رفع رأسه من الركوع الأولى، أو أدركه في الركوع من الركعة الثانية، فهذا المسبوق يتم لنفسه الظهر؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، والقوم خلفه يتمون لأنفسهم الجمعة، فإذا أتمَّ الخليفة ركعة جلس مراعاة لنظم صلاة الإمام، فإذا بلغ موضع السلام أشار إلى القوم، وقام، فالقوم إن شاءوا وخرجوا عن متابعته وسلموا، وإن شاءوا ثبتوا جالسين حتى يتم الخليفة الظهر، فيسلم بهم، وهذا الخلاف فيما لو أدرك الإمام في الركعة الأولى، وتقدم رجل أدركه في الركوع أتمها جمعة، وإن لم يصل مع الإمام ركعة؛ لأن هناك تأكد إدراكه، حيث أدرك الإمام في وقت كانت جمعة القوم موقوفة على الإمام، وكان الإمام ركنًا في جمعتهم، فحصلت الجمعة للخليفة، وفي الركعة الثانية لم يتأكد إدراكه؛ لأنه أدرك الإمام في وقت لم
[ ٢ / ٣٣١ ]
تكن جمعة القوم موقوفة على الإمام، فإنهم لو أتموا الجمعة فرادى جاز، فلم تحصل له الجمعة.
ثم هذا المسبوق الخليفة تحصل له ركعة من الظهر، ولا يجعل كمن صلى الظهر، قبل فوات الجمعة؛ لأنه لما تقدم صارت الجمعة فائتة في حقه.
فإذا تقدم هذا المسبوق، فأدركه مسبوق، واقتدى به، ونوى الجمعة، فصلى معه ركعة من آخر صلاته كان مدركًا للجمعة على الوجه الذي يقول: يجوز أداء الجمعة خلف من يصلي الظهر؛ لأنه صلى ركعة خلف من يراعي نظم صلاة إمام الجمعة، بخلاف الخليفة يصلي الظهر؛ لأنه لم يصلِّ ركعة مع إمام الجمعة، ولا خلف من يراعي نظم صلاته.
قال الشيخ: وعندي إنما يصلي المسبوق الجمعة إذا أدرك الخليفة في الركعة الأولى التي هي صلاة الإمام.
أما إذا أدرك في الركعة الثانية، أو الثالثة، فلا يصلي الجمعة؛ لأن الجمعة قد فاتت حين تمت صلاة الإمام.
قال الشيخ: ولو أدرك المسبوق في الركوع من الركعة الثانية، فركع وسجد مع الإمام، فلما قعد للتشهد أحدث الإمام، وتقدم المسبوق، له أن يُتمَّ الجمعة؛ لأنه صلى مع الإمام ركعة، ولو أحدث الإمام بعد الخُطبة قبل أن يُحرِم بالصلاة، إن قلنا: لا يجوز الاستخلاف في الصلاة، فها هنا لا يجوز أن يؤمَّ غيره، بل يصلون الظهر؛ لأن الخطبة في الجمعة بمنزلة ركعتين في الصلاة، فلما لم يجز أن يصلي ركعتين خلف إمام آخر، كذلك لا يجوز أن يخطب واحد ويؤم آخر.
وإن جوزنا الاستخلاف في الصلاة، فإن استخلف من سمع الخطبة يجوز، وإن استخلف من لم يسمع لا يجوز، كما في الصلاة لا يجوز استخلاف من لم يدرك الإمام في الصلاة. وكذلك لو خطب رجل، فبادر أربعون ممن سمع الخُطبة، وعقدوا الجمعة قبل الإمام جاز، وإذا فعله من لم يسمع الخطبة لم يجز، فإن لم نجوز وحدث بالخطيب عُذر، وأرادوا الجمعة استأنف الخطبة.
وإذا صلى مع الإمام ركعة من الجمعة، ثم خرج عن متابعته بعذر أو بغير عذر، وقلنا: لا تبطل صلاته يجوز أن يتمها جمعة، كما لو أحدث الإمام، أو أبطل صلاته بعد ما صلى بهم ركعة، جاز لهم أن يتموها جمعة.
فصلٌ
يجوز ترك الجمعة بالعذر، والعذر ما ذكرنا في باب الجماعة.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
ولو مرض له قريب أو صِهرٌ، وكان منزولًا به، أو لم يكن منزولًا به، ولكن ليس له متعهد، جاز له ترك الجمعة.
روي عن ابن عمر﵁- يستجمر للجمعة فدعى لسعيد بن زيد وهو يموت، فأتاه وترك الجمعة، وكذلك الأجنبي إذا كان منزولًا به، أو لا متعهد له، جاز ترك الجمعة له؛ لأنه لا يجوز تضييعه.
فأما إذا لم يكن منزولًا به، وله متعهد غيره، لكن المريض يستأنس به، فإن كان أجنبيًا لا يجوز ترك الجمعة به، وإن كان قريبًا جاز.
والناس في الجمعة على أربعة أقسام: قسم يجب عليهم حضور الجمعة، ويكمل بهم العدد، وهم الأحرار، العاقلون، البالغون، الذكور، المستوطنون، الذين لا عذر لهم، ولو لم يحضروا عصوا. وقسم لا يجب عليهم حضورها، ولو حضروها وصلوا الجمعة، سقط الفرض عنهم، ولكن لا يكمل بهم العدد، وهم العبيد، والنسوان، والصبيان، والمسافرون، والخنثى المشكل [كالمرأة] ومن بعضه حر كالعبد.
وقسم يجب عليهم حضورها، ولا يكمل بهم العدد، وهم غير المستوطنين مثل المسافر الذي نوى إقامة أربع وأهل الخيام الذي يبلغهم نداء أهل البلد وأهل القرى الذين انتقصوا عن الأربعين، ويبلغهم نداء البلد.
فأما الغريب الذي طال مقامه في بلد، وفي عزمه الرجوع إلى بلده كالمتفقِّه والبحَّار، عليهم حضور الجمعة، وهل يكمل بهم العدد؟ فيه وجهان:
قال ابن أبي هريرة: يكمل بهم العدد؛ لأنهم مقيمون.
والثاني: وهو الأصح قاله أبو إسحاق- لا يكمل بهم؛ لأنهم غير متوطِّنين.
وقسم لا يجب عليهم حضورها، ولو حضروا تمّ بهم العدد، وهم المريض، والممرض، ومن له عذر، وكل هؤلاء لو حضروا الجامع، وصلوا الجمعة، سقط الفرض عنهم.
وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضر لا يفترض عليه الجمعة، بل له أن يصلي الظهر إلا المريض، والممرض، والمعذور، فإنه إذا حضرها تجب عليه الجمعة؛ لأن المانع من وجوبها عليه لخوف المشقة بحضورها، فإذا تحمل المشقة، وحضرها زالت
[ ٢ / ٣٣٣ ]
العلة، بخلاف العبد، والمسافر، والمرأة، فإن المانع من وجوبها عليهم صفة فيهم، وذلك لا يزول بحضور الجامع، حتى لو كان المريض، أو الزَّمِن بيته قريبًا من المسجد يمكنه حضورها، يجب عليه حضورها، والزَّمِنُ إذا وجد مركبًا ملكًا، أو إجارة، أو عارية، أو الأعمى إذا وجد قائدًا بأجرة، وله مال أو مجانًا يلزمه حضورها.
وقال أبو حنيفة: لا جمعة على الأعمى، ومن لا يجب عليه حضور الجمعة يجوز له أداء الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، وإن كانوا جماعة يجوز أن يصلوا جماعة وفرادى، غير أن المستحب أن يؤخروا حتى يصلي الإمام الجمعة، وإذا صلوا جماعة، قال الشافعي: أحب إخفاء الجماعة لئلا يتهموا.
قال أصحابنا: فإن كان عذرهم ظاهرًا لم يكره لهم إظهار الجماعة؛ لأنهم لا يتهمون مع ظهور العذر.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي جماعة في المصر إلا الجمعة، فأما من يجب عليه حضور الجمعة إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة، هل يصح؟ فيه قولان.
قال في الجديد وهو الأصح: لا يصح؛ لأن فرضه الجمعة.
وقال في القديم: يصح؛ لأنه أدى وظيفة وقته.
وقال أبو حنيفة: ظهره موقوف، فإن خرج إلى الجمعة أو عزم على الخروج إليها بطل ظهره، فإن لم يدرك الجمعة أعاد الظهر.
ومن وجب عليه حضور الجمعة لا يجوز له أن يسافر بعد الزوال يوم الجمعة قبل أن يصلي الجمعة، فإن فعل كان عاصيًا، ولا يجوز له الترخُّص ما لم تفُت الجمعة، ثم من حيث بلغ يكون ابتداء سفره، ولو سافر قبل طلوع الفجر الصادق، فلا حرج عليه.
ولو خرج بعد طلوع الفجر، نظر إن كان سفرًا واجبًا، أو سفر طاعة؛ كالحج والغزو، جاز؛ لما روي عن ابن عباس قال: بعث النبيﷺ- عبد الله بن رواحة في سريَّة، فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه، وقال: أتخلف فأصلي مع رسول اللهﷺ- ثم ألحقهم فلما
[ ٢ / ٣٣٤ ]
صلى رسول اللهﷺ- قال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: "لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم".
وإن كان سفرًا مباحًا، فيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ لأن وقت الصلاة لم يدخل قبل طلوع الفجر.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الرَّواح قد يجب في هذا الوقت على من بعُد داره عن المسجد، كما بعد الزوال؛ لأن وجوب السبب كوجوب الفعل، فلما لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجُز بعد وجوب السبب.
وعند أبي حنيفة يجوز الخروج بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت، فإذا كان لا يفارقه إلا بعد خروج الوقت لم يجُز حتى يصلي الجمعة؛ لأن الصلاة عنده تجب في آخر الوقت.
ولا يكره البيع يوم الجمعة قبل الزوال، أما بعد الزوال، فإن كان قبل ظهور الإمام على المنبر يكره، وإن كان بعد ظهور الإمام يحرم لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
وأما إذا تبايع رجلان، وأحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر أثِما جميعًا؛ لأن أحدهما توجه عليه الفرض، والآخر يشغله عن الفرض، أما البيع فلا يبطل؛ لأن النهي غير مختص بالعقد، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة.
وإذا اتفق يوم عيد ويوم جمعة، فحضر أهل السواد فصلوا العيد، فهل عليهم الجمعة؟ اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من قال: تجب لأن من لزمته الجمعة في غير يوم العيد لزمته في يوم العيد كأهل البلد.
ومنهم من قال: نص الشافعي عليه [في "الأم"] أنه لا يجب عليهم الجمعة، ولهم أن ينصرفوا، ويدعوا الجمعة؛ لما روي عن عثمان أنه قال في خطبته: أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم، فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليفعل، من أراد أن ينصرف فلينصرف، ولم ينكر عليه أحد.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وذلك لأنهم إذا قعدوا لم يتهتّوا بالعيد، وإذا انصرفوا ثم رجعوا للجمعة شق عليهم، والجمعة تسقط بالمشقة. والله أعلم.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
باب الخطبة وما يجب في صلاة الجمعة
روي عن أبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة قالا: قال رسول اللهﷺ-: "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة، فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها".
روي عن أنس أن النبيﷺ- كان يصلي حين تميل الشمس.
وعن ابن عمر قال: كان النبيﷺ- يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.
الخُطبة واجبة لصلاة الجمعة، ولا تحسب قبل الزوال، فإذا زالت الشمس صعد الإمام
[ ٢ / ٣٣٧ ]
المنبر، فإن لم يكن منبرٌ فيقف على مكان مرتفع ليبلغ صوته جميع الناس، فإذا بلغ الدرجة التي تلي المستراح أقبل بوجهه على الناس، وسلَّم عليهم، والقوم يردون السلام، ثم قعد وأذّن المؤذن.
روي عن السائب بن يزيد أن الآذان كان أوله للجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول اللهﷺ- وأبي بكر وعمر﵄- فلما كان خلافة عثمان﵁- كثر الناس فأمر عثمان بأذان ثان، فأذن به فثبت الأمر على ذلك.
قال الزهري: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وهذا كما قال، وهو أن بعد ما خرج الإمام، وصعد المنبر ليس لأحد ممن هو في المسجد أن يبتدئ الصلاة، سواء صلى السنة، أو لم يصل.
ولا بأس أن يتكلم في حال الأذان ما لم يبتدئ الإمام الخطبة، وكذلك بعد الفراغ من الخطبة، ولا يكره الكلام قبل أن يشرع في الصلاة.
والفرق أن قطع الكلام ممكن متى ما ابتدأ الإمام الخطبة، وقطع الصلاة لا يمكن فربما يفوته سماع أول الخطبة، والفرق بين الخطبة حيث لا يتكلم المستمع في خلالها، ويتكلم في خلال الأذان- أن الأذان كلمات معلومة، والمقصود منه الإعلام بالصلاة، وهم حضور، والخطبة موعظة لابد من تفهمها، غير أن الأولى ألا يتكلم في خلال الأذان، ويشتغل بإجابة
[ ٢ / ٣٣٨ ]
المؤذن، وإذا فرغ المؤذن قام الإمام وابتدأ الخطبة، ولا يجوز لأحد بعده أن يبتدئ الصلاة، فإن دخل داخل لا يجلس حتى يصلي ركعتين عند أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة، والثوري يجلس ولا يصلي، والدليل على ما قلنا ما روي عن جابر بن عبد الله قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول اللهﷺ- يخطب فجلس، فقال له: "يا سُليك قم فاركع ركعتين، وتجوَّز، فيهما" ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما.
ثم إن كان الداخل قد صلى السُّنة يصلي ركعتين تحية المسجد، وإن لم يصلِّ في بيته السُّنة يصلي بنيَّة السُّنة، ويحصل به تحية المسجد.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وإن دخل الإمام في آخر الخطبة لا يصلي حتى لا تفوته أول الصلاة مع الإمام، وعلى القوم أن يقبلوا بوجوههم إلى الإمام، وينصتوا ويستمعوا الخطبة؛ لقوله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
والأمر في الخطبة بالإنصات هو السكوت، والاستماع أن يشغل سمعه بسماع الخطبة، والإنصات فرض أم سُنَّة؟ فيه قولان.
قال في الجديد: سُنة فإن النبيﷺ- أمر سليكًا بالصلاة، ولو كان واجبًا لأمره بالإنصات.
وقال في القديم: الإنصات فرض؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: إذا قلت لصاحبك: "أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
فإن قلنا: فرض، فإن كان بعيدًا عن الإمام لا يسمع الخُطبة، هل يجب عليه الإنصات، أم له أن يشتغل بصلاة أو ذكر؟ فيه وجهان.
فلو دخل رجل والإمام يخطب، فسلم أو عطس رجل.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فإن قلنا: الإنصات واجب لا يجوز رد السلام باللسان، ولا تشميت العاطس. ويستحب أن يرد السلام بالإشارة.
وإن قلنا: الإنصات سُنة يجوز رد السلام، وتشميت العاطس، وهل يجب رد السلام؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجب؛ لأنه فرض، والإنصات سُنَّة.
والثاني: لا يجب؛ لأن المسلم ضيَّع حظَّ نفسه، حيث سلم في غير موضعه، كما لو سلم على من يقضي حاجته.
وهل يستحب تشميت العاطس؟ فعلى هذين الوجهين.
ولو رأى رجلًا يقع في بئر أو عقربًا يذب عنه لم يحرم كلامه قولًا واحدًا؛ لأن الإنذار يجب لحقّ الآدمي، والإنصات لحقِّ الله تعالى، ومبناه على المُساهلة.
ويجب على الإمام أن يخطب قائمًا خطبتين، مستقبل الناس يجلس بينهما جلسة خفيفة قدر قراءة "قل: هو الله أحدٌ، والقيام فيهما فرض، إلا أن يعجز، فيخطب قاعدًا، كما في الصلاة، والقعود بينهما فرض إذا خطب قائمًا، وإذا خطب قاعدًا لعجز لا يجب أن ينام بين الخطبتين، بل يسكت قليلًا، وإذا عجز عن القعود خطب مضطجعًا.
وعند أبي حنيفة يجوز أن يخطب قاعدًا مع القدرة على القيام، وكان القاضي﵀- يقول: يجب أن ينوي الخُطبة وفرضيتها؛ لأنها فريضة كالصلاة.
ولو خطب مستقبل القِبلة تحسب قبلته، وهل يشترط الطهارة عن الحدث في الخطبة، وطهارة البدن والثوب والمكان عن النجاسة وسترُ العورة؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد يشترط؛ لأنها بدل عن ركعتين كالصلاة.
وقال في القديم: لا يشترط، كما لا يشترط فيها استقبال القِبلة.
ولو خطب جُنُبًا لا تحسب قولًا واحدًا؛ لأن قراءة القرآن فيها شرط، ولا تحسب قراءة الجُنُب، وهل يحرم الكلام فيها؟ فيها وجهان:
الأصح لا يحرم؛ لأن النبيﷺ- كلَّم سُليكًا الغطفاني.
وهل يشترط التتابع؟ فيه قولان.
في الجديد، وهو المذهب: يشترط حتى لو طال فيه الكلام، واشتغل بشيء آخر
[ ٢ / ٣٤١ ]
يستأنف، ولا يستحب الدعاء للوالي على التخصيص في الخطبة.
سئل عطاءٌ عن ذلك فقال: إنه محدث، وإنما كانت الخطبة تذكيرًا.
ويستحب للخطيب أن يأخذ بيده اليسرى عصًا أو سيفًا أو قوسًا، يعتمد عليه، فإنه روي أن رسول اللهﷺ- كان إذا خطب يعتمد على عتيرة اعتمادًا، فإن لم يأخذ شيئًا يسكن جسده ويديه، إما بأن يجعل اليمنى على اليسرى، أو يقرَّهما في موضعهما ليكون أقرب إلى الخشوع.
ويقوم على يمين المنبر ويرفع صوته بالخُطبة، ولا يلتفت يمينًا وشمالًا، فإن خطب سرًّا لم تحسب كالأذان، ولابد من أن يسمع الخُطبة أربعون، فلو خطب بأربعين كلهم صمٌّ، أو بعضهم ذكر القاضي وجهين:
أصحهما: لم يجز، كما لو لم يسمعوا لبعدهم عن الإمام.
والثاني: يجوز، كما لو سمعوا ولم يعرفوا معناها.
ويجب أن يخطب بالعربية، ويستحب أن يخطب مترسلًا مبينًا معربًا لا يأتي بكلمات مبتذلة لا تنجح في القلوب، ولا يستغرب، بحيث لا يفهم، ولا بما ينكره العوامّ لقصور فهمهم، ولا يمد الكلمات مدًا يجاوز الحد ولا يعجل عن الأفهام، ويحترز عن التغني وتقطيع الكلام، ولا يطوّل فيملَّ الناس، بل تكون خطبته قصدًا بليغًا جامعًا.
روي عن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع رسول اللهﷺ- فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وفرائض الخطبة خمسة: التحميد، وأقله أن يقول: الحمد لله، والصلاة على النبيﷺ-، والوصية بتقوى الله، ولفظ الوصية غير شرط على الأصح، وقراءة آية من القرآن، والدعاء للمؤمنين.
وعند أبي حنيفة: إذا قال: سبحان الله، والحمد لله جاز، وهذا ضعيف من حيث إنه مأمور بالخُطبة، والخطبة اسم لكلمات من وجوه ضم بعضها إلى بعض، وما ذكر لا يسمى خُطبة، ولا قائله يسمى خطيبًا، فثلاث من هذه الخمس شرط في الخُطبتين: التحميد، والصلاة، والوصية بتقوى الله.
أما الدعاء للمؤمنين فرض في الثانية، فلو دعا في الأولى تحسب.
وقراءة القرآن واجبة في إحداهما، ففي أيهما قرأ جاز، ويستحب أن يقرأ فيهما، وترتيبها أن يبتدئ بالتحميد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدعاء، ومحل القراءة غير معين، ففي أي موضع قرأ جاز، بخلاف الصلاة، فإن أذكارها متعيَّنة، كذلك محلها.
وإذا حصل الخطيب يُلقَّنُ إن كانت الخُطبة معهودة يعرفونها، كما يفتح على الإمام القراءة، ولا يلقن ما دام يتردد، فإذا سكت لُقِّن، وإن لم تكن الخطبة معروفة لا يلقن.
وإذا قرأ في الخُطبة آية سجدة، نزل وسجد على الأرض، وسجد الناس معه، كذلك فعل النبيﷺ-، ثم يصعد ويتم الخُطبة.
فإن كان المنبر عاليًا يطول الفصل إذا نزل فلا ينزل، فإن كان في أعلى المنبر مكان السجود سجد عليه، وإلا ترك، فإن نزل وطال الفصلُ استأنف الخُطبة على قوله الجديد.
وفي القديم بنى، ويستحب أن يختم خطبته بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
وإذا أغمي على الخطيب هل يبني غيره على خطبته؟ فعلى قولي الاستخلاف في الصلاة:
إن لم ينجوز يستأنف الخطبة، وإن جوزنا يشترط أن يكون الذي يبني ممن يسمع أول الخطبة.
فإذا فرغ من الخطبة أخذ في النُّزول، وأخذ المؤذن في الإقامة، ثم يتقدم فيصلي بهم
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ركعتين، يقرأ في الأولى بأم القرآن، وسورة "الجمعة"، وفي الثانية بأم القرآن، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، ويجهر بالقراءة.
روي عن عبد الله بن أبي رافع قال: صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقرأ بهما في الجمعة.
وروي عن النُّعمان بن بشير قال: كان رسول الله- يقرأ في العيدين، وفي الجمعة ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وإذا اجتمع العيد، والجمعة في يوم واحد، قرأ بهما في الصلاتين، ولو أدرك مسبوقٌ في الركوع من الركعة الثانية، فقد أدرك الجمعة، فإذا سلّم الإمام قام وصلى ركعة أخرى، وتمت جمعته؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة، وإن أدرك بعد ما اعتدل من الركوع الثاني يصليها أربعًا" هذا قول أكثر أهل العلم.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وقال أبو حنيفة: إن أدركه في التشهد يجوز أن يصليها جمعة، والحديث حُجة عليه، فإذا قام المسبوق بركعة لقضاء ما فاته، فخرج الوقت، فالمذهب أنه يتمها ظهرًا، كما لو خرج الوقت قبل أن يسلِّم الإمام يجب على الإمام إكمال الظهر.
وقيل: يتمها المسبوق جمعة؛ لأن جمعته تنبني على جمعة كاملة، وهي جمعة الإمام، فلو صلى مع الإمام ركعة، وقضى ما فاته، ثم تذكر في التشهد أنه نسي سجدة من إحدى الركعتين نظر إن تركها من الثانية سجدها، وأعاد التشهد وسجد للسهو، ويسلم، وإن تركها من الأولى أو شك لم يدر من أيهما ترك، يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنه تركها من الأولى حصلت له ركعة من الظهر، فيتمها أربعًا؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة.
ولو صلى الإمام الجمعة ثلاث ركعات ساهيًا، فأدركه مسبوق في الثالثة، فاقتدى به، وصلى معه تلك الركعة، وهو جاهل، يحصل له ركعة من الظهر؛ لأن تلك الركعة غير محسوبة للإمام. ولو أدركه المسبوق في الثانية ظنها أولاه، فصلى معه الركعتين تمَّت جمعته، ويسلم مع الإمام، فحصلت له الركعة الأولى على متابعة الإمام، والثانية على حكم الانفراد.
وإن كان الإمام نسي سجدة من إحدى الأوليين فقد تمت جمعته إذا صلى ثلاثًا؛ لأنه إذا تركها من الأولى تمَّت الأولى بالثانية، وصارت الثالثة ثانية، وإن كانت من الثانية تمت الثانية بالثالثة أما في حق المسبوق لا يخلو إما إن ترك من الأولى، أو من الثانية، فإن ترك من الأولى، نظر إن أدرك المسبوق في الثانية، فاقتدى به وهو جاهل، فصلى الركعتين معه اختلفوا فيه.
قال الشيخ القفال: تمَّت جمعته، فيسلم مع الإمام، ويكون كالمسبوق يصلي مع الإمام ركعة منفردًا، غير أن ها هنا الركعة الأولى في حكم الانفراد، حتى لو كان أدرك الركوع من الركعة الثانية لا تحسب هذه الركعة، والثانية محسوبة له من الجمعة، فإذ سلم الإمام قام وصلى ركعة.
ومن أصحابنا من قال: إذا أدرك الثانية معه، وصلى الركعتين معه جاهلًا بأن كان الإمام ترك سجدة من الأولى لا يتم جمعته حتى يضيف إليها ركعة أخرى؛ لأن الثانية غير محسوبة للإمام، فلم يجز أن تقع جائزة للمأموم عن الجمعة فإدراك ركعة من الجمعة بعدها لا تصير جائزة من الجمعة؛ لأن انفراد المأموم بركعة إنما يصحُّ إذا كان قد أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة، فتكون الثانية تبعًا للأولى، فهو كما لو صلى ركعة منفردًا، ثم وصل
[ ٢ / ٣٤٥ ]
صلاته بصلاة الإمام، وإن أدرك المسبوق في الثالثة إما في القيام، أو في الركوع كان مدركًا لركعة من الجمعة؛ لأن الثالثة محسوبة للإمام، وإذا سلم الإمام قام وصلى ركعة.
وإن كان الإمام ترك السجدة الثانية، فينظر في المسبوق إن أدركه في الثانية، وصلى الأخرتين معه، كما فعل الإمام حصلت له ركعة من الجمعة، وإذا سلم الإمام قام [وصلى]، وقضى ركعة، ولا يجعل مدركًا ركعة ملفقة؛ لأن أفعال الإمام في الثالثة لاغيةٌ إلا سجدة، وتجعل تلك السجدة كأنه سجدها في الثانية، والركعة الملفقة أن تكون أفعال الإمام كلها محسوبة، غير أن المأموم أتى ببعض الركعة معه في الأولى، وبالبعض في الثانية، وإن أدركه المسبوق في الثالثة، فاقتدى به جاهلًا حصلت له ركعة من الظهر؛ لأن أفعال الإمام في هذه الركعة غير محسوبة إلا سجدة.
أما إذا لم يدرِ الإمام أنه نسي السجدة من الأولى، أو من الثانية، فيأخذ في حق المسبوق بأسوأ الأحوال، وهو أنه ترك من الثانية حتى أنه إن أدرك في الثانية يحصل له الركعة من الجمعة، وإن أدرك في الثالثة فركعة من الظهر.
فصلٌ: [في خروج الوقت في الجمعة]
إذا خرج الوقت في خلال صلاة الجمعة، يجب أن يتمَّها ظهرًا.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته.
وعند مالك: إن صلى ركعة في الوقت أتمَّها جمعة كالمسبوق إذا صلى ركعة مع الإمام أتمها جمعة.
قلنا: لأن جمعة المسبوق تنبني على جمعة كاملة، وهي جمعة الإمام.
وإذا شك في خروج الوقت، نظر إن شك قبل الشروع في الصلاة، يجب أن يصليها ظهرًا.
وإن شك في خلالها فقد قيل: يتمها جمعة؛ لأن الأصل بقاء الوقت، وصحة الفرض. وقيل: يتمها ظهرًا، كما لو شك قبل الشروع في الصلاة يصليها ظهرًا، ولو وقع له هذا الشك
[ ٢ / ٣٤٦ ]
بعد الفراغ من الصلاة، فلا إعادة عليه؛ لأن الأصل بقاء الوقت ومضى الصلاة على الصحة، وإن ضاق الوقت ورأى أنه خطب خُطبتين خفيفتين يصلي ركعتين لم يذهب الوقت لزمهم الجمعة، وإن رأى أنه لا يمكن ذلك صلى الظهر. والله أعلم.
فصل: [فيمن تصح خلفه الجمعة]
تصح الجمعة خلف المسافر والعبد، إذا كان القوم أربعون من أهل الكمال، ولو صلى خلف صبي أو متنفل فيه قولان:
أحدهما: يجوز كسائر الصلوات.
والثاني: لا يجوز، بخلاف سائر الصلوات، فإن آداها منفردًا يجوز، ولو صلى خلف من يصلي صبحًا أو عصرًا، هل يجوز قيل: فيه قولان، كما لو صلى خلف متنفل.
وقيل: يجوز؛ لأن الإمام يصلي الفرض.
ولو صلى خلف مسافر يصلي الظهر مقصورًا إن قلنا: الجمعة ظهرٌ مقصور جاز.
وإن قلنا: فرض آخر، فهو كما لو صلى خلف من يصلي الصبح.
ولو صلى خلف رجل فبان الإمام محدثًا أو جنبًا لم تصح جمعة القوم، بخلاف سائل الصلوات، لأن أداءها منفردًا يجوز، وأداء الجمعة منفردًا لا يجوز، وإذا كان الإمام محدثًا، فصلاة القوم في حكم الانفراد.
وذكر صاحب "التلخيص" قولًا أنه يصح جمعة القوم، كسائر الصلوات، وليس بصحيح والسلطان ليس بشرط لانعقاد الجمعة، لأن عليًا﵁- صلى الجمعة، وعثمان﵁- محصور.
وعند أبي حنيفة: لا تصح الجمعة إلا خلف سلطان، أو مأذون من جهته.
فصلٌ: [في إقامة جمعة واحد أو أكثر في بلد]
لا يجوز إقامة الجمعة في بلد واحد، وإن عظم وكثر أهله، إلا في موضع واحد، فإن النبيﷺ- والخلفاء من بعده لم يجمعوا إلا في موضع واحد.
وجوز أبو يوسف في موضعين، ولم يجوز في ثلاث، ولو جاز في موضعين لجاز في مساجد العشائر، كسائر الصلوات.
واختلفوا في "بغداد" فقال ابن سريج، وإسحاق؛ إذا كان البلد كبيرًا لا يضبطهم
[ ٢ / ٣٤٧ ]
المكان الواحد، جاز إقامتها في موضعين فأكثر على حسب الحاجة، وعلى هذا أمر "بغداد"؛ لأنا لو لم نجوِّز لزم إذا كان البلد كبيرًا بعيد الأطراف، لا يمكن قطعها في يوم أن يكلفوا الخروج للجمعة يوم الخميس، ويطول الزَّمان بانتظار إلى أن ينتهي التكبير إلى آخرهم.
ومن لم يجوز حمل أهل "بغداد" على أنها كانت قرىً متفرقة فاتصلت أبنيتها، وفي مثل هذا يجوز.
وكذلك جاز لمن خرج من "الكرخ" مسافرًا، وبلغ مدينة "منصور" أن يقصر الصلاة؛ لأنها بلد آخر.
وإذا أقيمت جمعتان في بلد، ففيه خمس مسائل:
إحداها: إذا سبقت إحدى الجمعتين، وعرف السابق فهي صحيحة، وعلى الآخرين إعادة الظهر والسبق يقع بتحريمة الصلاة على الصحيح من المذهب، فمن سبق بها فجمعتهم صحيحة، وإن سبقت الأخرى بالخُطبة، أو بالتسليم.
وقيل: الاعتبار بسبق الخطبة.
الثانية: إذا وقعتا معًا فهما باطلتان، ويعيدون جميعًا الجمعة.
الثالثة: إذا احتمل وقوعهما معًا، واحتمل السبق، فهكذا يعيدون الجمعة.
الرابعة: إذا سبقت إحداهما، وعلمت السابقة، ثم اشتبهت، فعلى الطائفتين جميعًا إعادة الظهر، ولا يجوز إعادة الجمعة لعلمنا بصحة الجمعة التي سبقت.
الخامسة: إذا سبقت إحداهما يقينًا، ولم يعلم السابقة، نص الشافعي﵁- على أنهم يعيدون الجمعة؛ لأنه إذا لم تعلم السابقة كان كما لو احتمل وقوعهما معًا، واحتمل السبق.
وقال الربيع: فيه قول آخر، وهو القياس- أنهم جميعًا يعيدون الظهر، لأنا تيقنَّا
[ ٢ / ٣٤٨ ]
صحة إحدى الجمعتين، فلا معنى لإعادة جمعة أخرى، هذا إذا لم يكن في واحدة سلطان، أو كان مع كل واحدة مأمور من جهة السلطان، فإن كان في إحداهما سلطان دون الأخرى، وسبقت الأخرى، ففيه قولان:
أحدهما: السابقة هي الجمعة؛ لأن السلطان وإن لم يكن شرطًا لصحتها، فليس لأحد أن يتقدم عليه.
ولو أن طائفة شرعت في صلاة الجمعة فأخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم قال الشافعي: أحببت أن يستأنفوا ظهرًا، ولو أتموها ظهرًا لم يبن لي أن عليهم الإعادة، مثل القول في جواز إكمال الظهر مع شروعهم فيها بنيَّة الجمعة، فخرَّجوا من هذا قولين أن الجمعة ظهر مقصور، أو فرض آخر.
إن قلنا: ظهر مقصور أتمُّوها ظهرًا.
وإن قلنا: فرض آخر يستأنفون. ونص في أن الوقت إذا خرج في خلال الجمعة أتمها ظهرًا.
وخرج قول آخر أن الجمعة تبطل بخروج الوقت، وهل تبقى نفلًا؟ فيه قولان.
ولو أن الإمام لم يمكنه إقامة الجمعة لخوف يصلي الظهر بالناس، ثم زال الخوف، والوقت باقٍ لا يجب عليهم الجمعة، كالمسافر إذا صلى الظهر، ثم صار مقيمًا، والإمام لم يصل الجمعة لا تجب عليه الجمعة.
ولو صلى الظهر بطائفة في الخوف فزال الخوف، والوقت باقٍ، نص على أنه إن بقي أربعون لم يصلوا الظهر، أمر من يخطب ويصلي بهم الجمعة، وأكره أن يفعل هو بنفسه فإن فعل جاز وفيه دليل على جواز الجمعة خلف المتنفل؛ لأن صلاة الإمام نافلة، وفيه قول آخر لا يجوز إمامته، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
باب التبكير إلى الجمعة والهيئة لها
روي عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ- قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرَّب بدنةً ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة".
فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر.
قوله: غُسل الجنابة، أي: غسل كغسل الجنابة، واختلفوا في هذه الساعات.
قيل: هي ساعاتٌ لطيفة بعد الزوال؛ لأن الرواح اسم للخروج بعد الزوال.
وقيل: أراد ساعات النهار من وقت طلوع الفجر، وذلك بلفظ الرَّواح؛ لأنه خروج لأمر يكون بعد الزوال، وهذا القائل يقول: ساعات الليل والنهار لا تنتقص عددًا صيفًا ولا شتاءً عن اثني عشر، لكنها تطول وتقصر.
وقيل: تنتقص، فيعود في الشتاء ساعات النهار إلى تسعٍ، وليس المراد من الحديث حقيقة الساعات، بل المراد منه بيان فضل السابق على من جاء بعده.
التبكير إلى صلاة الجمعة سنَّة مستحبة، والسُّنة أن يغتسل ويتنظف ويأخذ الشعر والظفر والسِّواك، وما يقطع تغير الرائحة من جميع جسده حتى لا يتأذى به جاره، ويتطيب ويلبس أحسن ما يجد من الثياب، وأفضل الثياب البيض.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وإن لبس مصبوغًا فيلبس ما صبغ غزله ثم نسج، ولا يلبس المصبوغ للزينة، فإنه لباس النساء.
ويستحب للإمام من حُسن الهيئة أكثر مما للناس؛ لأنه منظور القوم، ويستحب أن يعتمَّ ويرتدي، فإن النبيﷺ- كان يعتمُّ ويرتدي ببردٍ.
ويستحب أن يأتيها ماشيًا، وكذلك إلى العيد، والجنازة، وعيادة المريض، فإنه روي عن النبيﷺ- أنه ما ركب في عيد ولا جنازة، ولم يذكر الجمعة؛ لأن باب حجرته كان في المسجد، ولأنه إذا مشى تكتب خطواته، فيكثر ثوابه، ولا يسعى لقوله ﵇: "إذا أقيمت الصلاة فأتوها تمشون، ولا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون وعليكم السَّكينة".
وإن كان به عذرٌ لا بأس أن يركب وتسير دابته على هيئته، ولا يشبِّك بين أصابعه، ولا يفرقع في الطريق، ولا في المسجد، كما لا يفعل في الصلاة؛ لقول النبيﷺ-: "فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة".
وإذا حضر المسجد لا يتخطى رقاب الناس لما روينا في الحديث.
قال الشافعي﵁-: فإن لم يكن للإمام طريق لم يكره له أن يتخطَّى رقاب الناس، وإن دخل وليس له موضعٌ وبين يديه فرجةٌ لا يصل إليها إلا بأن يتخطى الرقاب لم يكره أن يتخطى ليصل إلى الفرجة، ولا يجوز أن يقيم رجلًا من مجلسه ليجلس فيه.
روي عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- قال: لا يقمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه لكن يقول: أفسحوا.
وإن فرش الرجل ثوبًا، فجاء آخر لم يجلس عليه، فإن نحَّاه وجلس مكانه جاز، وإذا قام من موضعه لحاجةٍ، فجلس آخر مكانه، ثم عاد الأول، فالمستحبُّ أن يرد مكانه إليه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: "إذا قام أحدكم من مجلسه، ثم رجع فهو أحق به".
[ ٢ / ٣٥١ ]
قال الشافعي: وأحب إذا نعس ووجد مجلسًا لا يتخطى فيه غيره أن يتحوَّل؛ لما روي عن ابن عمر عن النبيﷺ- قال: "إذا نعِس أحدكم، فليتحول من مجلسه ذلك".
ويستحب أن يختار الدُّنُوَّ من الإمام؛ لماروي عن أوس بن أوس قال: قال رسول اللهﷺ-: "م غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغُ، كان له بكُلِّ خطوةٌ عملُ سنةٍ، أجرُ صيامها وقيامها".
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وإذا حضر قبل الخُطبة يشتغل بذكر الله﷿- ويكثر الصلاة على النبيﷺ- لما روي عن أوس بن أوس قال: قال رسول اللهﷺ-: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ فيه" ويستحب أن يكثر فيه من الدعاء؛ لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء.
روي عن أبي هريرة عن النبيﷺ- أن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلمٌ يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه".
قال: وهي ساعة خفيفة.
وقال أبو موسى: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة".
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وروي عن أنس عن النبيﷺ- قال: "التمسوا الساعة التي يُرجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس".
وروي عن جابر عن النبيﷺ- قال: "التمسوا الساعة التي تُرجى في يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر" والله أعلم.
بابُ صلاة الخوفِ
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ﴾ [النساء: ١٠٢] كان المسلمون إذا حل بهم خوف يؤخرون الصلاة عن وقتها، ثم يقضونها كما فعلوا يوم "الخندق" إلى أن نزل صلاة الخوف، ولها حالتان:
إحداهما: أن يكون العدو قارين في معسكرهم.
الحالة الثانية: أن يكون في حال التحام القتال.
أما الحالة الأولى، فلا يخلو إما أن يكون العدو في غير ناحية القِبلة، أو كانوا في ناحية القِبلة يراهم المسلمون إذا حملوا، فإن كانوا قارين في معسكرهم في غير ناحية القِبلة، أو كانوا في ناحية القِبلة، ولكن بينهم وبين المسلمين حجابٌ لا يرونهم، فالإمام يجعل القوم طائفتين، فتقف طائفة وجاه العدو، وتحرسهم، ويتنحَّى الإمام بطائفة عن العدو إلى حيث لا يبلغهم سهام العدو، فيشرع معهم في الصلاة مستقبل القِبلة، فإذا صلى بهم ركعة، وقام إلى الثانية منتصبًا خرجت تلك الطائفة عن متابعته.
ولو خرجت بعد ما رفع رأسه من السجود الثاني جاز، والأول أولى، فإذا خرجت عن متابعته صلت الركعة الثانية، وسلَّمت، ثم ذهبت إلى وجاه العدو، وأتت الطائفة الثانية،
[ ٢ / ٣٥٤ ]
واقتدت بالإمام، والإمام يطيل القراءة إلى فراغ الطائفة الأولى، ومجيء الثانية.
ثم نقل المُزني﵀- أن الإمام يقرأ بعد مجيء الطائفة الثانية بأمِّ القرآن، وسورة.
ونقل الربيع أنه يقرأ بقدرِ أم القرآن، وسورة.
واختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: هل يقرأ الإمام في انتظاره مجيء [الطائفة] الثانية؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقرأ حتى تأتي الطائفة الثانية؛ لأنه قرأ مع الطائفة الأولى قراءة تامَّة، كذلك يقرا مع الثانية قراءة تامَّة.
والثاني: وهو الأصح يقرأ؛ لأن أفعال الصلاة لا تخلو عن ذكر.
ومنهم من قال، وهو الأصح: يقرأ قولًا واحدًا، وما نقله الربيع أولى؛ لأن السُّنة للإمام إذا قام أن يشتغل بقراءة الفاتحة، ولا يقدم غيرها عليها ولا يقف ساكتًا ثم بعد مجيئهم يقرأ بقدرِ أم القرآن، وسورة فيصلي بهم الركعة الثانية، فإذا قعد للتشهد لا يقعدون معه، بل يقومون ويتمُّون الصلاة لا يخرجون عن متابعته، والإمام ينتظرهم في التشهد، فإذا علم أنهم قضوا ركعتهم وتشهدوا سلَّم بهم هكذا روى صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع النبيﷺ- يوم "ذات الرقاع" ورواه عن سهل بن أبي حثمة.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وإذا قعد للتشهد، وقامت الطائفة الثانية، فالإمام هل يتشهد في حال الانتظار أم لا يتشهد حتى يقعدوا؟.
قيل: فيه قولان، كما قلنا في القراءة، والمذهب أنه يتشهد قولًا واحدًا، بخلاف القراءة، فإنه قد قرأ مع الطائفة الأولى، فلا نقرأ في الركعة الثانية حتى تأتي الطائفة الثانية، ولم يتشهد مع الأولى فلا معنى للتأخير.
وقال أبو حنيفة: إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة، وقام فتلك الطائفة لا يتمون صلاتهم، بل يذهبون إلى وجاه العدو في خلال الصلاة، فيقفون سكوتًا، وتأتي الطائفة الثانية، فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ويسلم وهم لا يسلَّمون، بل يقومون في خلال الصلاة إلى وجاه العدو، وتعود الطائفة الأولى إلى مكانهم، فيتمون صلاتهم، ثم يذهبون إلى وجاه العدو، [وترجع الطائفة الثانية إلى مكانهم، فيتمون صلاتهم، ثم يذهبون إلى وجاه العدو] وهذا رواية ابن عمر أن النبيﷺ- صلى بذات الرِّقاع كذلك.
وذهب الشافعي إلى رواية صالح بن خوات بن جبير لموافقة القرآن، فإن الله تعالى
[ ٢ / ٣٥٦ ]
قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: إذا صلوا، فهذا يدل على أنهم أتموا صلاتهم.
وقال: "ولتأت طائفة أخرى لم يصلُّوا فدل على أن الطائفة الأولى قد صلت، ولأنه ذكر ذهاب الطائفة مرة، ولم يذكر الرجوع لإتمام الصلاة، ولأنه أدعى لحقِّ الصلاة حتى
[ ٢ / ٣٥٧ ]
لا يكثر فيها العمل، وأحوط لأمر الحرب حتى لا يمنعهم اشتغال القلب بالصلاة عن محاربة العدو، ولو احتاجوا إليها، فلو صلوا مثل ما رواه ابن عمر هل يجوز أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز، وهو من الاختلاف المباح.
والثاني: لا يجوز، وخبر ابن عمر منسوخ بخبر سهل بن أبي حثمة.
ولو صلى كل واحد منهم منفردًا، أو صلى الإمام بطائفة تمام الصلاة، وأمر غيره حتى صلى بالطائفة الثانية جاز.
ولكن أصحاب النبيﷺ- كانوا يتنافسون في الاقتداء بالنبيﷺ- فآسى الله بينهم، فحازت إحدى الطائفتين فضيلة التحريم، والأخرى فضيلة التسليم.
ولو صلى بالطائفة الأولى تمام الصلاة، ثم جاءت الطائفة الثانية، فصلى بهم تلك الصلاة ثانيًا جاز، فتكون الثانية نفلًا للإمام، وفرضًا للقوم، هكذا صلى رسول اللهﷺ- ببطن نخل.
ولا يشترط استواء الطائفتين في العدد، غير أن المستحبَّ ألا تنتقص كل طائفة عن الثلاث، فإن جعل الأكثر في مقابلة العدو، وصلى بثلاث، وإن صلى بالأكثر حرسهم ثلاثة، فإن صلى بواحد أو اثنين حرسه رجلان، أو رجل بأن كان في مضيق يسده رجل واحد وصلى بالأكثرين جاز، هذا إذا صلى بهم الصبح، أو كانوا في سفر فصلى بهم ركعتين قصرًا، فإن صلى بهم صلاة المغرب يجعلهم طائفتين، فيصلي بالأولى ركعتين، ويتشهد بهم، فإذا قام خرجوا عن متابعته، وأتموا صلاتهم ثم أتت الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعة، فإذا قعد قاموا، وأتموا لأنفسهم، وسلَّم بهم الإمام.
وإنما قلنا: يصلي بالطائفة الأولى ركعتين؛ لأنهم سابقون، فهم أولى بالزيادة، ولأنه إذا صلى بهم ركعة وبالثانية ركعتين زاد في صلاة الطائفة الثانية تشهد، فلو صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم قام وخرجوا عن صلاته، وأتموها لأنفسهم، ثم صلى بالثانية ركعتين جاز وهكذا فعل عليٌّ﵁- ليلة "الهرير"، فإذا صلى بالطائفة الثانية ركعتين يقعدون
[ ٢ / ٣٥٨ ]
معه للتشهد؛ لأنه موضع قعودهم، ثم يقومون ويتمُّون صلاتهم، وينتظرهم الإمام حتى يسلم بهم.
والأول أولى، وهو أن يصلي بالأولى ركعتين، وإذا صلى بالأولى ركعتين.
قال الشافعي﵁-: إن ثبت قائمًا فحسن، وإن ثبت جالسًا فجائز، وهو كما قال: إن الأولى أن ينتظر في القيام في الركعة الثانية فراغ الطائفة الأولى، ومجيء الثانية.
فلو قعد للتشهد الأول، وخرجت الطائفة الأولى من صلاته، وانتظرهم الإمام جالسًا يجوز وإنما قلنا: انتظارهم في القيام أولى؛ لأن إطالة القيام بالقراءة أفضل من إطالة القعود، ولأنه إذا انتظر في التشهد لا يدري الطائفة الأولى متى يقومون؟ وإذا أتت الثانية يحتاجون إلى إحداث فعل غير محسوب لهم، وهو القعود.
وإن كان هذا في الحضر فصلى بهم صلاة ذات أربع ركعات يصلي بطائفة ركعتين، فإذا قام إلى الركعة الثالثة خرجوا عن متابعته، وأتموا لأنفسهم، ولو انتظرهم جالسًا في التشهد الأول، فجائز، ثم تأتي الطائفة الثانية، فيصلي بهم ركعتين، فإذا أتموا سلم بهم، ولو فرَّقهم أربع فرقٍ فصلى بكل طائفة ركعة فهل يجوز؟ وهل تصح صلاة الإمام؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الأصل أن الانتظار في الصلاة لا يجوز، غير أنا جوزنا انتظارين لورود الشرع به، فلا يجوز أكثر.
والثاني: وهو الأصح يصح؛ لأنه لما جاز انتظاران للحاجة إليها، فقد يحتاج إلى أن يجعل ثلاثة أرباع الجيش في مقابلة العدو لكثرة العدو، فيحتاج إلى أربع انتظارات، فإن جوزنا فالطائفة الثانية هل يتابعون الإمام في التشهد الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كما لا تتابعه الطائفة الأخيرة في التشهد الأخير.
والثاني: يتابعونه، ثم إذا قام خرجوا عن متابعته؛ لأن الإمام لا يستبدُّ بشيء من صلاة الخوف دون القوم.
فإن قلنا: لا يجوز أن يفرِّقهم أربع فرق ففعل، فصلاة الطائفة الأولى والطائفة الثانية صحيحة؛ لأنهم فارقوا الإمام قبل بطلان صلاته، وصلاة الطائفة الثالثة والرابعة تبطل إن علموا بفساد صلاة الإمام وتابعوه، وإن جهلوا فلا تبطل؛ لأن صلاة الإمام تبطل بانتظار مجيء الطائفة الثالثة وكذلك في صلاة المغرب.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وإن فرَّقهم ثلاثًا وقلنا لا يجوز، فصلاة الطائفة الثالثة تبطل إذا علموا بفساد صلاة الإمام.
وقال ابن سريج: في صلاة المغرب صلاة الكل صحيحة، وفي ذات الأربع تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة، وتبطل صلاة الطائفة الرابعة لأن للإمام انتظارين: انتظار في الركعة الأولى، وانتظار في الثانية، وتبطل صلاة الإمام بالانتظار [في] الثالثة، والطائفة الثالثة فارقوه قبله، والأول المذهب.
والمنصوص أن للإمام أن ينتظر قدر ما انتظر النبيﷺ- وهو ﵇ انتظر في الركعة الأولى فراغ الطائفة الأولى، ومجيء الثانية، وفي الركعة الثانية انتظر فراغ الطائفة الثانية فحسب.
فإذا زاد على ذلك، وانتظر مجيء الثالثة بطلت صلاته، فالطائفة الثالثة اقتدت به بعد بطلان صلاته.
فلو سها بعضهم في صلاة الخوف، لا يخلو إما أن سها الإمام أو بعض المأمومين، فإن سها الإمام، نظر إن سها في الركعة الأولى، فالطائفة الأولى إذا أتموا صلاتهم يسجدون للسهو، ويسجد الإمام مع الطائفة الثانية في آخر صلاته، وإن سها في الركعة الثانية، فلا سجود على الطائفة الأولى؛ لأنهم فارقوه قبل السهو، وسجدت الثانية مع الإمام في آخر الصلاة، وإن سها بعض المأمومين، نظر إن سها واحد من الطائفة الثانية، فالإمام يتحمل عنه، سواء سها في الركعة الأولى، أو في الثانية؛ لأنه في الركعتين في حكم متابعة الإمام، وإن فارقوه في الثانية فعلًا، وإن سها واحد من الطائفة الأولى [نظر إن سها في الركعة الأولى] يتحمل عنه الإمام، وإن سها في الثانية بعد ما فارق الإمام يسجد للسهو في آخر صلاته.
أما إذا كان العدو في ناحية القِبلة على رأس جبل وفي مستوى من الأرض، بحيث لو حملوا رآه المسلمون لا يسترهم شيء، فالإمام يصلي بهم جميعًا فإذا ركع ركعوا معه، وإذا سجد لا يسجد معه الصف الأول، أو بعض الصف الأول، بل يحرسونهم قائمين في السجدتين، فإذا قام الأول ومن سجد معه في الركعة الثانية سجدت الطائفة الحارسة، ثم قامت في الركعة الثانية يركعون معه جميعًا فإذا سجد سجد معه الذين حرسوا في الركعة الأولى وحرسهم الصف الثاني، وبعضهم قائمين، فإذا قعد للتشهد، ومن سجد معه سجدت
[ ٢ / ٣٦٠ ]
الحارسة، ولحقته فسلم بهم جميعًا، كذلك فعل رسول اللهﷺ- بـ "عسفان" عام "الحديبية" سنة ست من الهجرة، فلو تأخرت الطائفة التي حرست أولًا إلى الصف الثاني في الركعة الثانية، وتقدمت الطائفة الثانية للحراسة كان أحوط لأمر الحرب، وهو عمل قليل لا يبطل الصلاة، فلو حرس الصف الثاني في الركعة الأولى والصف الأول في الثانية جاز، ولو حرست طائفة واحدة في الركعتين جميعًا هل تصح صلاة تلك الطائفة؟.
قال الشافعي: رجوت أن يجزئهم، ولو أعادوا كان أحبَّ إلي، وهو على جوابين بناءً على القولين في الإمام إذا زاد على انتظارين.
وهل يجب حمل السلاح في صلاة الخوف؟ قال ها هنا: أحب أخذه.
وقال في موضع آخر: وأكره وضعه.
من أصحابنا من جعل في وجوب حمل السلاح قولين:
أحدهما: لا يجب، بل يستحب احتياطًا.
والثاني: يجب؛ لأن الله- تعالى- قال: ﴿وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أمر بالأخذ، والأمر للوجوب وأيضًا قال: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] رفع الجناح في وضع السلاح عند العذر دل على أنه يعصي بوضعه عند عدم العُذر.
ومنهم من قال: يجب قولًا واحدًا.
قوله: "وأكره الوضع"- أراد كراهية التحريم.
ومنهم من قال: لا يجب قولًا واحدًا، لأن السلاح إنما يجب حمله للقتال، وهو في الصلاة غير مقاتل، فحيث قلنا: يأخذ إنما يأخذ إذا كان طاهرًا، فإن كان نجسًا لا يجوز
[ ٢ / ٣٦١ ]
أخذه، وكذلك إذا كان كبيرًا يشغله حركته وثقله كالتُّرس الكبير والجعبة، يؤذي جاره كالرُّمح، فإنه لا يؤخذ إلا أن يكون في حاشية القوم، فلا بأس بأخذ الرمح.
الحالة الثانية: من أحوال صلاة الخوف: أن يكون في حال المسابقة والتحام القتال، فإنهم يصلون ركبانًا على دوابهم ومشاة على أقدامهم، كما أمكنهم إلى القِبلة وغير القِبلة يومئون بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الرجوع، فلا يجب على الماشي استقبال القِبلة في الركوع والسجود، ولا الافتتاح، ولا يجب وضع الجبهة على الأرض.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي، بل يؤخر، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
قال ابن عمر: مستقبلي القِبلة، وغير مستقبليها.
قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول اللهﷺ- ويجوز أن يضرب في الصلاة ضربتين، أو يطعن طعنتين على التوالي من غير ضرورة، ولا يجوز أن يضرب ثلاثًا على التوالي فإن فعل بطلت صلاته إلا لضرورة بأن قصده عدو، فلم يندفع بضربتين، أو اندفع وقصده آخر، فاحتاج إلى أن يوالي بين الضربات لا تبطل صلاته بذلك.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وكذلك لا بأس أن يصلي ممسكًا عنان دابته، فإن نازعته فجذبها مرتين، ولم ينحرف عن القِبلة جازت صلاته، فإن كثرت بطلت صلاته، وإن جذبته عن القِبلة فرجع إلى مكانه بنى، وإن لم يمكنه حتى طال أعاد الصلاة، وذلك أن الانحراف عن القِبلة إنما يعفى عنه إذا كان بسبب العدو لا بسبب الدابة، ولو صاح على العدو بطلت صلاته، كما لو تكلم؛ لأنه لا ضرورة إليه، وإذا نجس سلاحه وضعه في الحال، فإن لم يجد بُدًا من إمساكه صلى معه، ثم أعاد وإن أمسكه من غير حاجة إليه بطلت صلاته، ولو كان يصلي على الدابة في شدة الخوف، فأمن في خلال الصلاة.
قال الشافعي: نزل فبنى على صلاته، ولو كان يصلي حال الأمن إلى القِبلة، ثم حدث الخوف، قال: ركب واستأنف وعلل بأن عمل النزول أخف من عمل الركوب.
اعترض عليه المزني فقال: قد يكون الفارس أخف ركوبًا، وأقل شغلًا لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس.
واختلف أصحابنا فيه، منهم من أجرى على الظاهر، وقال بالركوب تبطل الصلاة بكل حال، وبالنزول لا تبطل.
وأجاب المزني بأن نزول كل فارس يقابل بركوبه فمن ثقل نزوله كان ركوبه أثقل، ومن خف ركوبه كان نزوله أخف.
ومنهم من فصل وقال: إذا خف نزلوه بنى، فإن كثر عمله في النزول استأنف.
وإذا ركب بطلت صلاته إن أمكنه أن يقاتل راجلًا، وإن لم يمكنه واضطر إلى الركوب ركب وبنى، وإن كثر عمله؛ لأنه ليس بأكثر من الطعن والضرب.
وخرج منه أنه إن لم يضطر إلى الركوب فركب استأنف، وإن اضطر إليه فوجهان، وإن نزل وخف نزوله بنى، وإن ثقل فوجهان.
وإن نزل واستدبر القِبلة في النزول بطلت صلاته؛ لأنه ترك القبلة من غير خوف، ولو انهزم العدو لم يجز لهم أن يصلوا في طلبهم صلاة شدة الخوف؛ لأن الصلاة فرض وطلبهم تطوع، فإن خافوا منهم الكمين أو التحرُّف للقتال جاز ولا إعادة عليهم، ولو صلوا في حال الأمن صلاة شدة الخوف لا يصح، ولو صلوا صلاة "عسفان" تصح صلاة الإمام، ولا تصح صلاة القوم؛ لأنهم تخلَّفوا عن الإمام بركنين، ولو صلوا صلاة "ذات الرقاع" ففيه قولان، بناءً على أنه هل يجوز للإمام انتظار المأموم بغير عُذر؟ وهل يجوز للمأموم الخروج عن صلاة الإمام بغير عذر؟ وفيه قولان.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ولو رأوا سوادًا أو تلّا فظنوه عدوًا فصلوا صلاة شدة الخوف بالإيماء، ثم بان أن لم يكن عدوًا ففيه أقوال:
أصحها: وهو قوله الجديد: يجب عليهم الإعادة؛ لأن الفرض لا يسقط بالخطأ.
وقال في "الإملاء": لا إعادة عليهم؛ لأن العلة الخوف، وكانت موجودة وقال في القديم: إن كان في دار الإسلام يجب الإعادة، وإن كان في دار الحرب فلا يجب؛ لأن الغالب من أمر دار الحرب الخوف والعدو. ولو رأوا العدو حقيقة، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم ظهر أنه كان بينهم وبين المسلمين حاجزٌ من ماء، أو خندق يمنع العدو عنهم، أو ظهر للمسلمين مددٌ يمنعهم، أو ظهر بقربهم حصنٌ أمكنهم التحصن به، أو ظنوا أن بإزاء كل مسلم مشركين فبان أقل- ففي وجوب الإعادة قولان:
أصحهما: يجب الإعادة. ولو صلى في هذه الأحوال صلاة "عسفان"؛ هل على القوم الإعادة؟ فيه قولان؛ كما لو صلوا صلاة شدة الخوف.
ولو صلوا صلاة "ذات الرقاع" إن قلنا: يجوز في حال الأمن، فها هنا يجوز، وإلا فعلى قولين؛ كما لو صلوا صلاة شدة الخوف.
ولو صلوا صلاة "بطن نخل" يجوز؛ لأنه يجوز في حالة الأمن.
والكمين إذا صلوا قعودًا خوفًا من أن يراهم العدو جاز، ويجب عليهم الإعادة؛ كالمحبوس في الحشِّ يصلي، ويعيد. والله أعلم.
بابُ: من له أن يصلي صلاة الخوف
كل قتال كان: مفروضًا أو مباحًا، جاز أن يصلي فيه صلاة شدة الخوف؛ فالمفروض هو: أن يكون بمقابلة كل مسلم مشركان فأقل، والمباح: أن يكون بمقابلة كل مسلم أكثر من مشركين. فلو ولَّى ظهره هاربًا: نظر إن كان بمقابلة كل مسلم أكثر من مشركين، جاز أن يصلي في الهرب صلاة الخوف متوجهًا إلى الجهة التي يهرب إليها.
وإن كان بمقابلة كل مسلم مشركان فأقل، لا يجوز أن يصلي صلاة شدة الخوف في الهرب؛ لأنه عاص، إلا أن يكون متحرِّفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة؛ فله أن يصلي صلاة الخوف في حالة التوالي.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وإن كان قتال معصية، لا يجوز أن يصلي صلاة الخوف.
وفي قتال أهل البغي يجوز لأهل العدل أن يصلوا صلاة الخوف، ولا يجوز لأهل البغي.
وكذلك لو قاتل أهل الرُّفقة مع قُطَّاع الطريق؛ فلأهل الرفقة أن يصلوا صلاة الخوف، ولا يجوز لقُطَّاع الطريق.
وكذلك لو قصد رجل نفسه، أو حريمه، أو حريم غيره، أو إتلاف ماله- وكان حيوانًا- له أن يصلي صلاة الخوف في دفعه وإن قصد أخذ ماله، أو قصد إتلاف ماله- ولم يكن حيوانًا فهل له أن يصلي صلاة شدة الخوف؟ فيه قولان:
الأصح: أنه يجوز؛ لأن الدفع عن ماله مباحٌ له؛ كالدفع عن نفسه. قال النبيﷺ-: "من قُتل دون ماله، فهو شهيدٌ".
[ ٢ / ٣٦٥ ]
والثاني: لا يجوز؛ لأن حرمة الروح أعظم. وهذا بناءً على أنه: هل يجوز أن يدفعه عن ماله بالقتل؟ فيه قولان:
الأصح: جوازه.
ولو هرب من قصاص- وجب عليه يرجو عفوه- أو هرب من غريم- يطالبه وهو معسر- له أن يصلي صلاة الخوف.
ولو غشيهُ سيلٌ في بطن واد؛ ولم يجد نجدةً، فهرب أمامه؛ إبقاء لروحه أو دوابه، أو قصده سبعٌ أو خاف حريقًا فعدا- فله أن يصلي صلاة الخوف. وإن وجد نجوةً- يمكنه أن يرتفع إليها- لم يجز أن يصلي صلاة الخوف [إن وجد نجوة]. فإن فعل أعاد فإن أمكنه تخليص نفسه بالارتفاع إليها، ولا يمكنه تخليص ماله إلا بالهرب فهرب؛ فإن كان المال حيوانًا، جاز له أن يصلي صلاة الخوف. وفي غير الحيوان قولان: الأصح: جوازه.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
باب: ما له لُبسهُ
روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول اللهﷺ- قال: "حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم".
لا يجوز للرجال لبس الحرير والديباج، ولا لبس خاتم الذهب، ولا لبس الدِّرع المسنوج بالذهب، ولا القباء بأزرار الذهب؛ إلا عند الضرورة؛ بأن يخاف على نفسه من حرٍّ أو برد، ولم يجد غيره؛ فيجوز له لُبسه. وكذلك لو كان به جربٌ أو حِكَّةٌ أو قمل، له لبس الحرير. روي عن أنس قال: رخَّص رسول اللهﷺ- لعبد الرحمن بن عوف والزُّبير بن
[ ٢ / ٣٦٧ ]
العوام في قميص الحرير من حِكَّة كانت بهما.
ويروى أنهما شكوا القمل، فرخص لهما.
وكذلك لو فاجأه الحرب، ولم يجد إلا خفافًا من ديباج، أو درعًا منسوجًا بالذهب، أو بيضة مطلية بالذهب- جاز لبسها؛ لأجل الضرورة، وإن وجد غيرها لم يجز.
ولو لبس ثوبًا عليه طراز أو علم من إبريسم بقدر أربع أصابع جاز، فإن زاد لم يجز، فإن كان من ذهب لم يجز بحال إذا حصل له منه شيء. والفرق بين الذهب يحرم قليله، ولا يحرم قليل الإبريسم على الرجال: أن الشرف والخُيَلاء موجود في قليل الذهب؛ فإن نفاسته يعرفها الخاص والعام: بخلاف الإبريسم.
ولو خاط ثوبًا بإبريسم جاز لبسه، ولو رقعه بقليل من ديباج جاز.
روي أنه كان للنبيﷺ- جُبَّة مكفوفة الجيب والكُمَّيْنِ والفرجين بالديباج.
ولو لبس جبة محشوة بالقزِّ أو الإبريسم، جاز على الأصح؛ لأن الشرف فيه غير
[ ٢ / ٣٦٨ ]
ظاهر. فإن كانت ظهارتها أو بطانتُها من إبريسم، لم يجز.
ولو نُسج ثوبٌ من قطن وإبريسم؛ كالعتابى: نظر إن كان الأكثر منه الإبريسم لا يجوز، وإلا فيجوز مع الكراهية؛ كالخز سُداؤه إبريسم، ولحمته صوف جاز؛ لأن اللُّحمة أكثر من السُّداء. فإن كانت اللُّحمة من الإبريسم لا يجوز، وإن كانا نصفين فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ لأن [التحريم] لغلبة المُحرَّم، والمحرم ليس بغالب.
وقال الشيخ القفال﵀-: إن كان ما يظهر للعين منه الإبريسم لم يجز، وإلا فيجوز، ولا ننظر إلى الكثرة. ويجوز للنساء لُبس الحرير والديباج، وحليِّ الذهب.
أما الجلوس على الديباج حرامٌ على الرجال والنساء جميعًا؛ لأنه من الخيلاء؛ وهو حرام على الفريقين .. واللبس للزينة، والزينة مباحة للنساء.
وجوز أبو حنيفة للنساء افتراش الحرير والديباج. أما إذا بسط فوق الديباج ثوبًا من قطن، وجلس عليه، أو قعد على حشيَّة من قطن حُشيت بالإبريسم فجائز. ويجوز للصبيان لبس الديباج؛ لأنه لا خطاب عليهم؛ غير أن الصبي إذا بلغ سنًّا يؤمر فيها بالصلاة يُنهى عن لُبس الديباج حتى لا يعتاد.
قال الشافعي: ولا أكره للرجل لُبس اللؤلؤ إلا للأدب، وإنه من زيِّ النساء لا للتحريم، ولا أكره لبس ياقُوتٍ ولا زبرجدٍ إلا من جهة الشرف والخُيلاء.
ويجوز أني لبس فرسه وأداته جلد ميتةٍ غير مدبوغ، سوى جلد الكلب والخنزير؛ لأنه لا تعبُّد على الفرس والأداة. أما جلد الكلب والخنزير: فلا يجوز؛ لغلظ حرمتهما.
[ ٢ / ٣٦٩ ]