روى عمر بن الخطاب﵁- أنه قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا". ويُروى هذا مرفوعًا إلى النبيﷺ-.
المصالحة عن المال جائزة، إذا كان المدعى عليه مقرًا، ثم لا يخلو: إما أن كان المصالح عنه عينًا أو دينًا: فإن كان عينًا- نُظر: إن كان صلح معاوضة، مثل: إن ادعى دارًا، فأقر له بها فصالحه على عبد أو ثوب-: صح، وهو بيع ثبت فيه خيار المكان، وخيار الشرط، والرد بالعيب، والشفعة.
[ ٤ / ١٤١ ]
وإن كان المدعى به ديونًا، وصالحه على ما يوافقه في العلة؛ مثل: إن صالحه من الحنطة على الشعير، أو من الدراهم على الدنانير-: يشرط القبض في المجلس.
وما يفسد البيع من الغرر والجهالة والشرط الفاسد-: يفسد هذا الصلح.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا كان المصالح عنه مجهولًا-: جاز الصلح.
وبالاتفاق: لو كان المصالح عليه مجهولًا-: لا يصح؛ فنقيس عليه؛ لأن المصالح عنه أحد العوضين في الصلح؛ كالمصالح عليه.
ولو صالحه عنه على منفعة دار، أو خدمة عبد مدة معلومة-: جاز، فكأنه استأجر الدار أو العبد بالعين التي يدعيها، وإن كان صلح حطيطة؛ مثل [أن] ادعى عليه دارًا أو عينًا أخرى، فصالحه على نصفها-: صح، وجعل كأن المدعي وهب منه نصفه؛ فيشترط منه ما يشترط فيما لو وهب من رجل شيئًا، وهو في يد المتَّهب من القبول ومضيِّ إمكان القبض، وفي الإذن في القبض قولان، وهل يصح بلفظ "الصلح"؛ بأن قال: صالحتك على نصفها-، أم يشترط أن يكون لفظ صالح للتمليك؛ كالهبة، والتمليك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح إلا بلفظ صالح للتمليك؛ لأنه هبة؛ فلا يصح بلفظ الصلح.
والثاني: يصح؛ لأن اللفظ موضوع له؛ كما يحصل التمليك في العُمرى بلفظ الإعمار.
أما إذا كان المُصالح عنه دينًا- نُظر: إن كان صلح معاوضة، مثل: إن ادعى عليه دراهم، فصالحه على عين-: جاز، وهل يشترط قبض المعيَّن في المجلس؟ - نُظر: إن كان المصالح عنه مال الربا، وصالحه على ما يوافقه في العلة-: يشترط؛ وإلا فعلى وجهين:
أحدهما: يشترط حتى لا يكون بيع دين بدين.
والثاني: لا يُشترط؛ لأنه بيع عين بدين؛ كما لو باع عينًا بثمن في الذمة.
ولا يشترط قبض العين في المجلس، وإن لم يكن ما صالح عليه معينًا حالة الصُّلح، هل يجوز؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ١٤٣ ]
فإن جوزنا: يشترط التعيين في المجلس، وفي القبض وجهان؛ كما ذكرنا في الاستبدال عن الدين.
وإن كان صلح حطيطة؛ مثل: إن صالح عن ألف درهم على خمسمائة-: صح، ولا يشترط قبض الخمسمائة الباقية في المجلس؛ لأنه ليس بمعاوضة، وهل: يصح بلفظ الصلح؛ فيقول: صالحتك على خمسمائة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يصح.
والثاني: يشترط لفظ الإبراء؛ فيقول: صالحتك على خمسمائة، وأبرأتك عن الباقي، أو يقول من عليه: ابرئني عن خمسمائة، وخذ الباقي.
ولو صالح عن ألف درهم على خمسمائة معينة، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه بيع ألف بخمسمائة، وإن كان له على إنسان دينٌ، فصالحه من جنسه على أكثر؛ لم يصح، ولو صالح عن ألف صحاح على خمسمائة مكسرة-: جاز، ويسقط عنه خمسمائة، ولا يلزمه قبول المكسر في الخمسمائة الباقية، بل هو وعد إن شاء وفى به، وإن شاء لم يف.
ولو صالح عن ألف مكسَّرة على خمسمائة صحاح-: لم يجز، ولا يسقط شيء؛ لأنه شرط فضل الصحة في مقابلة ما أسقط؛ وكذلك: لو صالح عن ألف حالة على خمسمائة مؤجلة: جاز، وسقطت عنه خمسمائة، ولا يلزم الأجل في الباقي.
ولو صالح عن ألف مؤجلة على خمسمائة حالة-: لم يجز؛ لأنه جعل الحلول في الباقي بمقابلة ما أسقط من المال.
ولو مات عن اثنين، قال أحدهما لصاحبه: تركت نصيبي من الميراث إليك، فقبل-: لم يصح؛ لأنه حق لازم لا يترك بالترك، بل إن كان عينًا لابُد من تمليك وقبول، وإن كان دينًا فمن إبراء، وكذلك: لو قال أحد الشريكين للآخر أو رب الدَّين للمدينون: تركت الدين إليك؛ لأن معناه: تركت الخصومة.
ولو قال أحدهما: صالحتك من نصيبي على هذا الثوب-: صح إذا كانت التركة معلومة الجنس، والقدر، وإن كانت التركة دينًا في ذمة أحدهما، فصالحه من نصيبه على شيء-: جاز، وإن كان دينًا في ذمة أجنبي، فصالح أحدهما صاحبه من نصيبه على شيء-: لم يجز؛ لأن بيع الدين من غير من عليه-: لا يصح.
[ ٤ / ١٤٤ ]
ولو مات عن اثنين، وتركته ألفا درهم ومائة دينار في ذمة أحدهما، فصالحه الآخر من نصيبه على ألفي درهم-: جاز، نص عليه، فصار مستوفيًا حقه من الدراهم، ومعتاضًا عن الدنانير بالألف الثانية، ويشترط قبض الألف التي اعتاضها عن الدنانير في المجلس، ولا يشترط قبض الأخرى.
وإن كان له في يد إنسان ألف درهم وخمسون دينارًا، أو مات رجل عن اثنين، وتركته ألفا درهم ومائة دينار، هي في يد أحدهما، فصالحه أخوه على ألفي درهم من نصيبه-: لم يجز؛ لأنه بيع ألف درهم وخمسين دينارًا بألفي درهم.
هذا كله في الصلح على الإقرار، أما إذا ادعى على إنسان مالًا، عينًا أو دينًا، فأنكر فصالحه على شيء-: لا يصح.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يجوز؛ وقال: أجوِّز الصلح ما يكون على الإنكار.
قلنا: الصلح على المال معاوضة، والمعاوضة تستدعي المال من الجانبين، ولم يوجد ههنها؛ لأن المال للمدعى عليه بحكم اليد فإذا بدَّل في مقابلته عوضًا، فكأنه يشتري مال نفسه، وذلك: لا يصح، ولا يصح الصلح عن الدعوى على شيء، لا في حال الإقرار ولا في حال الإنكار؛ لأن الدعوى لا تعتاض عنه.
ولو أنكر المدعى عليه المال، ثم طلب الصلح-: لا يكون ذلك إقرارًا؛ لأنه يريد بذلك قطع الخصومة، فإن قال: بعني أو هب لي، أو كانت جارية، فقال: زوجنيها-: كان إقرارًا، ولو قال: آجرني، أو أعرني؟ فيه وجهان، وإن كان دينًا، فقال: أبرئني: كان إقرارًا.
فصلٌ [في الصلح مع الأجنبي]
في الصلح مع الأجنبي- لا يخلو: إما أن يكون في حال إقرار المدعى عليه، أو في حال إنكاره: فإن كان في حال إقراره- لا يخلو: إما إن كان المدعي عينًا أو دينًا: فإن كان عينًا- جاء أجنبي إلى المدعي، فقال: فلان مقر أن لك في يده دارًا غير أنه لا يظهره؛ مخافة ألا تصالحه، فأمرني أن أصالحك على نصفه، أو على هذا الثوب، والثوب ملكه، فصالحه عليه-: صح الصلح.
[ ٤ / ١٤٥ ]
ولو قال: أمرني أن أصالحك على هذا الثوب، والثوب ملكي-: فهو كما لو قال: اشتريت ثوب فلان بعبدك لي، وفيه وجهان:
أحدهما: لا يصح.
والثاني: يصح، ويكون ما يعطي قرضًا على المدعى عليه أم هبة؟ فيه وجهان:
ولو قال: وكلني أن أصالحك على عشرة دراهم: إن قال: في ذمته، فصالح عليه-: صح، والمدعي يطالب المدعى عليه بالعشرة، وإن قال: على عشرة في ذمتي-: فهو كما لو قال: اشتريت ثوبًا بعبدك لي، وإن صالح عن المدعى عليه بغير إذنه-: لا يجوز؛ لأنه يبتاع له مالًا بغير إذنه.
ولو قال: صالحني على ثوبي هذا، وعليَّ عشرة في ذمتي لا يملكه، فصالحه-: جاز؛ كما لو باعه منه، وإن كان المدعى دينًا، فجاء أجنبي، فقال: فلان يقر أن لك عليه دينًا، فوكلني أن أصالحك على نصفه، أو على هذا الثوب، والثوب ملكه، فصالحه-: صح.
ولو قال: على ثوبي هذا-: فيه وجهان:
أحدهما: يصح، ويسقط الدين عن المدعى عليه؛ كما لو ضمن دين إنسان، وأدى عنه عوضًا: جاز.
والثاني: لا يصح؛ لأنه يبيع شيئًا بدين على الغير بخلاف الضمان، فإن تم ثبت الدَّين في ذمة الضامن؛ فيجوز إن ترك عنه عوضًا.
فلو قال: صالحني على الألف التي لك على فلان على خمسمائة-: يصح، سواء قال: بإذنه أو بغير إذنه؛ لأن قضاء دين الغير بغير إذنه-: يجوز.
ولو قال: صالحني عن الدَّين الذي لك على فلان على ثوبي هذا لآخذه، أو على عشرة في ذمتي لأحد: لا يجوز، لأنه بيع الدَّين من غير من عليه الدين.
أما إذا كان المدعى عليه منكرًا فجاء أجنبي، وقال: فلان منكر أن لك في يده شيئًا، أو في ذمته دينًا، وأنا لا أعلم أيضًا صدقك، فصالحني على هذا الثوب-: لم يصح؛ سواء كان الثوب للأجنبي أو للمدعى عليه؛ كما لو صالح مع المدعى عليه، وهو منكر.
ولو قال: فلان منكر أن لك في يده عينًا، وأنا أعلم صدقك، فصالحني على ثوبي هذا، أو على عشرة في ذمتي لآخذها منه-: فهو كبيع المغصوب من غير الغاصب، إن كان الأجنبي قادرًا على أخذه منه-: وإلا فلا يصح، وفي الدين هذا لا يصح؛ لأنه منع الدين من غير من عليه الدين.
[ ٤ / ١٤٦ ]
ولو قال: فلان منكرٌ، وأنا أعلم صدقك، فصالحني على ثوبي هذا؛ لتنقطع الخصومة بينكما-: هل يصح أم لا؟ - نُظر: إن كان المدعى عينًا؟ - فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن المدعى عليه منكر.
والثاني: يصح، وعليه نص؛ لأن الصلح يجري بين المدعي والأجنبي، والأجنبي مقر له بما يدعيه.
وإن كان المدعى دينًا- قيل: فيه وجهان؛ كالعين، والمذهب: أنه يصح قولًا واحدًا؛ فالنص محمول عليه؛ بخلاف العين؛ لأنه لا يقدر على أن يملِّك الغير عينًا بغير إذنه، ويملك قضاء دينه بغير إذنه، ثم لا يرجع على المدعى عليه بشيء؛ لأنه تبرع بالأداء عنه؛ وعلى هذا: لو مات رجل، وخلف عدة من الورثة، فجاء رجل وادعى دارًا من التركة: أن الميت غصبها منه؛ فإن أقرُّوا وصالحوه على شيء-: يجوز.
ولو دفعوا ثوبًا مشتركًا بينهم إلى واحد منهم ليصالحه عليه-: جاز.
ولو قال: صالحه عنا على ثوبك، ففعل- نُظر: إن لم يسمهم في الصلح له-: أخذ جميع الدار، وإن سماهم-: هل يلغي التسمية؟ فيه وجهان: إن قلنا: يلغي- ففيه وجهان:
أحدهما: وقع الصلح للعاقد في كله.
والثاني: يبطل في نصيب الشركاء، وهل يبطل في نصيبه؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
فإن قلنا: لا يلغي التسمية- صح الصلح لهم، ويكون الثوب للذي أعطى هبة لهم، أم يكون قرضًا عليهم؟ فعلى وجهين.
وإن جاء واحد منهم، فصالحه على ثوب دون إذن الباقين، وهم مقرون- نُظر: إن صالحه ليملك جميع الدار-: جاز، وإن صالح لتكون الدار له ولأصحابه-: تلغو تسمية الأصحاب ثمَّ، وفيه وجهان:
أحدهما: صح الصلح له.
والثاني: بطل في نصيب أصحابه، وفي نصيبه قولان؛ بناءً على تفريق الصفقة.
ولو أسلم كافر مع ثمان نسوة، ومات قبل أربع منهن-: توقف الميراث بينهن.
ولو صالح بعضهن عن حصتها على عوض، أو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ومات قبل البيان-: توقف الميراث بينهما.
ولو صالح إحداهما عن حقها على شيء-: لم يجز؛ لأنها تصالح عن شيء لم يثبت لها.
[ ٤ / ١٤٧ ]
فلو ادعى زرعًا مثلًا على رجل، فأقر، فصالحه على شيء-: لما جاز من غير شرط القطع؛ كما لو باع نصف الزرع البقل مشاعًا-: لا يجوز؛ لأن بيع الزرع البقل-: لا يجوز إلا بشرط القطع، ولا يمكن قطع نصفه إلا بقطع كله.
ولو ادعى دارًا على رجل، فأقر، فصالحه على عبد، فخرج العبد مستحقًا، وردَّه بعيب، أو هلك قبل القبض-: أخذ الدار، وإن وجد به عيبًا بعدما هلك أو تعيب في يده-: أخذ من الدار بقدر ما انتقص بقيمة العبد؛ كما لو باع الدار بعبد.
ولو صالحه عن الدار على خدمة عبد بعينه سنة-: يكون كما لو استأجر العبد بعين الدار.
ولو مات العبد في خلال المدة-: انفسخ العقد في المدة الباقية، والمذهب: أنه لا يفسخ في المدة الماضية، وسلم للمدعى عليه من الدار بقدر ما يقابل المدة الماضية.
ولو صالحه عن الدار على أن يسكنها سنة-: فتصير كأن المدعي أعار الدار من المدعى عليه سنة؛ فلا يلزم: متى شاء رجع.
ولو صالحه على أن يسكنها سنة على خدمة عبد-: جاز؛ فهو كما لو أجر داره سنة بمنفعة عبد: ثبت فيه ما يثبت في الإجارات.
فصلُ في بيان شروع الأجنحة وغيرها في الطريق
إذا أشرع جناحًا من ملكه إلى هواء الطريق أو بنى شيئًا ساباطًا- لا يخلو: إما إن كان الطريق نافذًا أو غير نافذٍ: فإن كان نافذًا- نُظر.
إن كان يضرُّ بالمارة-: يمنع منه، وينقض عليه، وإن كان لا يضر-: لا يعترض عليه، ويرجع في الضرر إلى حال الطريق، فإن كان الطريق ضيقًا لا تمر فيه القوافل، ولا يجوز فيه الفوارس-: ينبغي أن يكون الجناح بحيث يمر الماضي فيه منتصبًا؛ لأن الضرر يزول به.
وإن كان الطريق يمر فيه القوافل، ويجوز فيه الفوارس-: ينبغي أن يكون عاليًا بحيث يمر العماري على الجمل تحته، ويمر الراكب منتصبًا.
وقال أبو عبيد بن حربويه: ينبغي أن يكون ممرًا لراكب، ورمحه منصوب تحته؛ لأنه ربما يزدحم الفارسان، فيحتاج إلى نصب الرمح.
والأول المذهب؛ لأنه يلزم أن يخففوا أرماحهم؛ فيضعوا أطرافها على الأكتاف.
[ ٤ / ١٤٨ ]
وإن بنى وصالحه الإمام على شيء-: لا يجوز؛ لأن إفراد الهواء بالعقد-: لا يجوز، ولأنه إن كان مضرًا بالمارة فيمنع لضرر الناس، ولا يباح بالعوض؛ كالبناء في الطريق والقعود في المضيق، وإن كان لا يضر بالمارة-: فذلك حق له؛ فلا يجوز أخذ العوض عليه؛ كالمرور في الطريق.
وإن كان الطريق غير نافذ-: فكل من داره أسفل منه-: له أن يمنعه عن ذلك، سواء تضرر به أو لم يتضرر، ولأن له شريكًا في هواء ذلك الطريق، وهل لمن داره فوقه أن يمنعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له منعه، لأنه لا حق له فيه.
والثاني: له منعه؛ لأن الشركة مشتركة بين جميع أهلها بدليل أنهم لو اقتسموها وبنوا فيها-: يجوز، فلو صالحه أهل السكة على شيء-: لم يجز، وكذلك: لو أخرج جناحًا إلى دار جاره بغير إذنه-: كان له منعه، فإن أراد أن يصالحه على شيء-: لم يجز- لأنه صلح على مجرد الهواء.
ولو نصب دكة على باب داره في طريق نافذ، أو غرس شجرة إن ضر بالمارة- منع؛ وإلا فلا يمنع.
ولو غرس غيره شجرة في فناء داره-: لا منع لصاحب الدار؛ لأنه ممر عامة المسلمين إلا أن يضر بالمارة؛ فيمنع.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا اعتبار بالضرر، بل إن خاصمه إنسان-: نزع، ضر أو لم يضر، وإن لم ينازع- ترك.
ولو أشرع جناحًا في سكة نافذة، ثم رفعه، فبادر، فأخرج جناحًا منع من إعادة الجناح الأول-: جاز؛ لأن الأول ثبت له الارتفاع بالسبق، فإذا رفع: جاز لغيره أن يرتفق؛ كما لو قعد في طريق واسع، ثم انتقل جاز لغيره القعود فيه.
ولو كان باب داره في سكة غير نافذة، وفتح بابًا آخر فيها- نُظر: إن فتح فوقه- جاز، ولا يمنع، لأنه يبخص بحقه بنقصان الممر، وإن فتح أسفل منه: فلمن هو أسفل منه أن يمنعه، وهل لمن فوقه منعه؟ فيه وجهان.
[ ٤ / ١٤٩ ]
وكذلك: لو حوَّل الميزاب إلى الأعلى-: لم يمنع وإلى الأسفل-: فوجهان:
ولو كان ظهر داره يلي سكة غير نافذة، فأراد أن يفتح بابًا-: لم يكن له ذلك إلا بإذن جميع السكة، سواءٌ فيه من هو أسفل منه أو فوقه؛ لأن من هو أسفل منه-: يتضرر بالمرور عليه، ومن فوقه: يتضرر بمروره عليه؛ وإنما يشترط في هذه المواضع إذن من باب داره في هذه السكة، أما من يلي ظهر داره هذه السكة-: فلا يشترط إذنه.
ولو أراد من ظهر داره إليها فتح كوة فيها-: لا يمنع؛ لأنه يتصرف في خالص ملكه.
ولو رفع الجدار-: لم يمنع، إلا إذا أراد الاستطراق؛ فيمنع، ولو فتح بابًا، فقال: لا أريد أن أجعله طريقًا؛ بل أقفله وأسمره هل يمنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يمنع؛ لأنه لما جاز له رفع الجدار، ففتح الباب دونه-: فأولى أن يجوز.
والثاني: يمنع؛ لأن الباب دليل الاستطراق.
ولو أراد فتح باب في سكة نافذة-: جاز؛ لأنه له حق الاستطراق في الشارع لو كانت له داران باب كل واحدة في سكة أخرى غير نافذة، وظهر إحداهما يلي الأخرى، ففتح بينهما بابًا، ورفع الجدار بينهما؛ ليتسع داره-: لا يمنع؛ لأنه يتصرف في ملكه، ولو أراد سد أحد البابين- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يزيد في الممر في أحد السكتين.
والثاني- وهو الأصح-: يجوز: لأنه يتصرف في ملكه، ويبخس بحقه، وكذلك: لو كانت إحدى الدارين إجارة، ففعل بإذن الآجر، أما إذا كان مسيل ماء كل دار في سكة أخرى، فأراد جمعهما في سكة واحدة غير نافذة-: يمنع منه، ولو اجتمع أهل سكة غير نافذة، فسدوا بابها-: جاز لهم ذلك، ولو امتنع واحد منهم-: لم يكن للباقين سد بابها.
ولو اتفقوا وسدوا بابها، ثم أراد واحد منهم أن يفتحه-: لم يكن له ذلك إلا بإذن الباقين، فكما لا يجوز في الابتداء السداد إلا بالاتفاق، فإذا اتفقوا وسدوا-: لا يجوز الفتح إلا بالاتفاق، ولو اتفقوا أو اقتسموا صحن السكة بينهم-: جاز، ولو أراد أهل أعلى السكة [أن يقتسموا أعلاها]-: لم يكن لهم ذلك؛ لأن أهل أسفل السكة يتضررون به، ولو أراد
[ ٤ / ١٥٠ ]
أهل أسفلها، هل يجوز لأهل الأعلى منعهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس لهم ذلك؛ لأنهم لا يتضررون به؛ فإنه ليس لهم حق المرور فيه.
والثاني: لهم ذلك؛ لأن صحن السكة لجميعهم، فإذا بنى رجل بيتًا، واحتاج إلى وضع الجذع على جدار الجار، أو على جدار مشترك بينه وبين غيره، ولم يأذن الجارُ-: هل يجبر؟ فيه قولان:
قال في "القديم": يُجبر عليه؛ لما روي عن أبي هريرة﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله، لأرمين بها بين أكتافكم".
وفي الجديد: لا يُجبر عليه، والحديث محمول على الاستحباب؛ لما روي عن النبيﷺ- أنه قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"، ولأنه لا ينتفع بملك الغير من غير ضرورة؛ فلا يجوز إلا بإذنه؛ كالبناء في أرض الغير، والحمل على دابة الغير: لا يجوز إلا بإذنه.
[ ٤ / ١٥١ ]
وإن قلنا: يجبر: إنما يجبر إذا كان صاحبه لا يحتاج إليه، وكان صاحب الجذع يحتاج إليه؛ بأن كان ثلاث حوائط له، وحائط للجار، فإن كان حائطان للجار-: لا يجبر عليه؛ وكذلك: إذا أراد أن يحمل عليه خشبًا ثقيلًا لا يحتمله الجدار، أو يبني عليه أزجًا-: لا يجبر عليه.
فإن قلنا: يُجبر، فصالحه عليه على مالٍ-: لم يجز؛ لأن من وجب له حق لا يؤخذ منه عليه عوض.
[ ٤ / ١٥٢ ]
فإن قلنا: لا يجبر-: يجوز، وإذا عمل رجل ساباطًا، فأراد وضع الجذوع على جدار الجار، فصالحه على شيء، أو باع رأس جداره؛ ليبني عليه-: جاز.
ويجب أن يبين طول ما يبيعه وعرضه، ويبين ما يضع عليه من الجذوع، إن كانت حاضرة: نُظر إليها، وإن كانت غائبة: وصفها، وذكر سُمك البناء، فإن انهدم الجدار، وبناه مالكه ثانيًا-: له أن يعيد عليه ذلك الجذع أو جذعًا في ثقله؛ وإن أجر رأس جداره للبناء عليه-: يجوز، ويجب أن يبين الموضع، وما يضع عليه والمدة والأجرة، فإذا مضت المدة قلعها، فإذا انهدم الدار، هل يجبر على بنائه؟ نظر: إن كان قد أجر، فقد انفسخ العقد، وإن كان باع فهل يجبر على البناء؟ فيه قولان، سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ولو أعار رأس جداره؛ ليضع عليه خشبة أو يبني عليه-: جاز، ويجب أن يبين [له] ما يضع عليه؛ كما ذكرنا؛ بخلاف ما لو أعار أرضًا للبناء-: لا يجب بيان آلات البناء؛ لأن الجدار لا يحتمل ما يحمل عليه، والأرض تحتمل، ثم قبل البناء: يجوز للمعير أن يرجع، وبعد البناء: لم يجز له قلعه مجانًا؛ بل يتخير بين أن يقرَّه بالأجرة، أو يقلعه ويضمن أرش النقصان؛ كما لو أعار أرضًا للبناء؛ غير أن في الأرض لمالك الأرض: أن يتملك البناء بالقيمة، وليس ذلك لمالك الجدار؛ لأن الأرض أصل؛ فجاز تملك البناء؛ تبعًا لها، والجدار تبعٌ؛ فلا يتملك البناء تبعًا له.
وقيل: في الجدار: ليس له طلب الأجرة، ولا القلع بأرش النقصان؛ كما لو أعار أرضًا، ليدفن فيها ميتًا، فدفن-: لم يملك نبشه ولا طلب الأجرة.
ولو أنا لمستعير رفع الجذوع-: لم يكن له إعادتها إلا بإذن جديد.
ولو سقط البناء، هل للمستعير إعادتها، إن كان عينها، أو إعادة مثلها إن كانت موصوفة بغير إذن جديد؟ فيه وجهان:
الأصح: ليس له إعادتها إلا بإذن جديد. أما إذا كان قد غير الجذوع؛ فأراد إعادة غيره-: لا يجوز، ولو سقط الجدار، فبناه مالكه- نظر: إن بناه بغير تلك الآلة-: لم يجز للمستعير إعادة بنائه؛ إلا بإذن جديد، وإن بناه بتلك الآلة-: ففيه وجهان:
الأصح: ليس له ذلك إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن الأول لم يتناول إلا مرة واحدة.
[ ٤ / ١٥٣ ]
أما إذا وجدت جذوع على حائط، ولم يعرف سببها، فتلفت وسقطت-: جاز إعادة مثلها؛ لأن الظاهر أنها بحق ثابت.
ولو ادعى بيتًا على رجل، فأقر، فصالحه على أن يبني على سطحه-: جاز، وصار كأنه أعاره سطح بيته للبناء: يجب أن يبين ما يضع عليه؛ وكذلك: لو باع أو وهب سطح بيته للبناء: يجوز، ويجب أن يبين ما يضع عليه، وإذا أجر بين المدة؛ كما ذكرنا في رأس الجدار.
وعند أبي حنيفة، والمزني- رحمة الله عليهما-: لا يجوز بيع سطح البيت؛ كما لو أشرع جناحًا، فصالحه على شيء: لا يجوز.
قلنا: الجناح في الهواء غير مستند إلى قرار بخلاف السطح، ولو ادعى بيتًا، فأقر له بسفله دون علوه، فصالحه على أن يبني على سطحه-: جاز بعد أن يبين ما يضع عليه؛ فكأنه يباع السفل بحق البناء على العلو، وإن كان في ملكه شجرة، فاستعلت، وخرجت أغصانها إلى هواء دار الجار-: فللجار مطالبته بإزالتها، فإن لم يفعل: فله تحويلها عن داره، فإن لم يمكن تحويلها: له أن يقطعها.
ولو أوقد نارًا تحتها، فاحترقت-: لا شيء عليه، وإن لم يجبر المالك.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: ليس له قطعها، ولكن يوقد تحتها نارًا حتى تحترق الأغصان، فلو صالح الجار مالك الشجرة على شيء؛ حتى تبقى الأغصان- نظر: إن لم تكن الأغصان مستندة على جدار-: لم يجز؛ لأنه صالح على مجرد الهواء، وإن كانت مستندة- نظر: إن كانت رطبة-: لم يجز؛ لأنها تزداد، ولا يقف ضرره على موضع واحد.
وإن كانت يابسة: يجوز؛ كما لو صالحه على وضع خشبة على جداره، ولو طال عرق شجره، فدخل دار الجار-: فهو كانتشار الأغصان.
ولو باع رجل مسيل ماء في أرضه: جاز، ويجب بيان الطول في العرض، ولا يجب بيان العمق؛ لأنه يملكه إلى أسفل الأرضين.
وقيل: يجب؛ لأنه يملك حق إجراء الماء على السطح، وإن أجر-: يجب بيان الطول والعرض والعمق والمدة، وإن أعار: لا يجب البيان؛ لأن له الرجوع متى شاء؛ بخلاف رأس الجدار؛ لأنه لا يحتمل ما يحمل؛ وكذلك: لو كان له على رجل دينٌ،
[ ٤ / ١٥٤ ]
وصالحه منه على أن يجعل له مسيل ماء في أرضه-: يجوز بعد البيان؛ كما يجوز البيع والإجارة، وفي هذا الموضع: لا يجوز له دخول أرضه دون إذنه، إلا أن يريد تنقية النهر، ثم عليه إخراج ما يخرجه من النهر عن أرضه.
ولو أجر مسيل ماء المطر على سطحه، أو باعه، أو أعاره-: جاز بعد البيان، ويجب أن يبين السطوح التي يسيل ماؤها عليه؛ لأن السطح لا يحتمل كل ما يجري عليه بخلاف الأرض؛ فإذا بين، ثم بنى المشتري، أو المستأجر سطحًا آخر يريد إجراء مائه عليه-: لم يجز.
ولو أن البائع أو الآجر بنى على سطحه بناء منع الماء-: فللمشتري والمستأجر نقب بنائه، وإجراء الماء فيه، وإن كان عارية-: فهو رجوع، وإذا اشترى أو استأجر مسيل ماء-: لم يكن له إلقاء الثلج فيه، ولا أن يترك الثلج على سطحه حتى يذوب، فيسيل الماء عليه، ولو استأجر ملقى الثلج-: لم يكن له إسالة الماء فيه.
فصلٌ [في دعوى الدار]
إذا ادعى رجلان دارًا في يد ثالث، فأقر لأحدهما بنصفها-: هل يكون الآخر شريكًا معه؟ نُظر: إن ادعى أنا وثناها-: يكون الآخر معه شريكًا فيه، وإن قالا: ابتعناها، أو اتهبناها، وقبضناها- نُظر: إن قالا: ابتعنا أو اتهبنا وقبضنا معًا-: يكون الآخر شريكًا فيه، وإن لم يقولا: "معًا" لا يكون شريكًا فيه، وكذلك: لو قالا: هذه الدار لنا أو بيننا، فأقر لأحدهما بنصفه-: لا يكون الآخر شريكًا معه؛ كما لو ادعى كل واحد نصفها؛ فحيث قلنا: يون الآخر شريكًا: فلو صالح المقر له عن ذلك النصف على شيء بغير إذن الآخر-: لا يصح في نصيب شريكه، وفي نصيبه قولان.
أما إذا أقر لأحدهما بجميع الدار- نُظر: إن وجد من المقر له قول يدل على كون الدار بينهما؛ بأن قال: هذه الدار لنا، أو بيننا، أو ابتعناها، أو اتهبناها وقبضناها، سواء قال: "معًا" أو لم يقل-: يكون نصفه لصاحبه، وإن لم يوجد منه قول يدل على كونها بينهما-: لا يكون الآخر شريكًا [له] معه، ودعواه النصف محمول على أحد معنيين: إما إن خاف إنكار المدعى عليه، لو ادعى جميعًا، أو كانت له بينة على نصفها، فأراد إثباته بالبينة، ثم يدعي الباقي.
[ ٤ / ١٥٥ ]
فصلٌ [في التنازع في الجدار]
إذا تنازع رجلان في جدار بين ملكيهما- نُظر: إن كان متصلًا ببنائهما، أو منفصلًا عن بنائهما-: حلف كل واحد منهما، ويكون الجدار بينهما إلا أن يقيم أحدهما بينة؛ فيكون له، ولا يرجح بأن يكون جانب أحدهما منقوشًا أو أرصاف اللبن الصحيح من جانبه، أو بأحدهما في جانبه طاق أو بيت حمام، وإن كان الجدار من جص-: فلا يرجح بأن يكون معاقد القمط من جانب أحدهما.
وعند مالك- رحمة الله عليه-: يرجح بهذه الأشياء، وكذلك: لو كان لأحدهما عليه جذوع: لا يرجح بها، سواء كانت مسطحة أو لم تكن؛ لأنه يمكن إحداثها بعد بناء الجدار.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إن كانت الجدار مسطحة يرجح بها، وإن كان لأحدهما عليه أزج- نُظر: إن أمكن إحداثه بعد كمال البناء-: لا يرجح به كالجذوع، وإن بنى من أصل الجدار مائلًا بحيث لا يمكن إحداثه بعد البناء؛ يرجح جانبه، وللآخر تحليفه، وكذلك: إذا كان الجدار متصلًا ببناء أحدهما بأن دخل رصف من اللبن من جداره في المختلف فيه، ووصف من المختلف فيه في جداره-: يرجح جانبه؛ فكل موضع جعلناه مشتركًا بينهما-: لا يجوز لأحدهما أن يفتح فيه كوة، ولا أن يتد فيه وتدًا، ولا أن يبني عليه، ولا أن يترب كتابه به بغير إذن شريكه؛ ويجوز أن يستند إليه.
ولو بنى في ملكه جدارًا متصلًا به-: جاز، وإن لم يكن بينهما فرجة، إذا لم يقع ثقل جداره عليه، وإن كان بين رجلين جدار مشترك، فانهدم، أو هدماه معًا، وامتنع أحد الشريكين عن الموافقة في بنائه- هل يجبر؟ فيه قولان:
في الجديد: لا يجبر.
وفي القديم: يجبر.
وكذلك: لو كان بين رجلين دارٌ، لها علو وسفل، سفلها لأحدهما، وعلوها للآخر، فانهدمت، فإن بنى صاحب السفل السفل-: كان لصاحب العلو أن يبني عليه علوه، وليس لصاحب السفل أن يجبر صاحب العلو على الموافقة في بناء السفل؛ لأن حيطان السفل لصاحب السفل؛ فلا يجبر الغير على بنائه، وإن امتنع صاحب السفل عن بناء السفل-: هل يجبر عليه؟ فيه قولان:
[ ٤ / ١٥٦ ]
قال في "القديم" وبه قال مالك- رحمة الله عليه-: يجبر عليه؛ دفعًا للضرر عن صاحب العلو، وكما يجبر على نفقة الدابة المشتركة.
وقال في "الجديد": لا يجبر؛ لأنه إنفاق على ملك لو انفرد به، لم يجبر، فعند الاشتراك: لا يجبر؛ كزراعة الأرض المشتركة، وليس كالعبد المشترك؛ لأنه لو انفرد به أمر بالإنفاق عليه، وكذلك: النهر المشترك أو القناة أو البئر المشتركة، إذا انكبست وامتنع أحد الشريكين عن التنقية، هل يجبر عليه؟ فيه قولان.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: في النهر والقناة والبئر: يجبر، وفي الجدار: لا يجبر.
أما إذا استهدم الجدار، فنقضه أحد الشريكين، أو جاء ابتداءً-: فنقضه من غير إذن شريكه- نص على أنه يجبر الهادم على بنائه؛ لأنه هدم بغير إذن شريكه؛ بخلاف ما لو انهدم: جعلناها على قولين، والقياس؛ أنه يغرم النقصان، ولا يجبر على البناء؛ لأن الجدار لا يضمن بالمثل.
ولو كان العلو لواحد، والسفل لآخر، فهدم كل واحد بناءه-: يجبر صاحب السفل على بناء ملكه؛ ليبني عليه صاحب العلو.
إذا ثبت أن الجدار المشترك إذا انهدم، أو إذا كان السفل لواحد والعلو لآخر، فانهدم، هل يجبر على البناء؟ فيه قولان، فالتفريع على القولين.
أما إن قلنا: يجبر: فإن لم يفعل- أنفق السلطان على بنائه من ماله، فإن لم يكن له مال يستدين عليه، فإن أراد الشريك أن يبنيه- لم يمنع منه.
ولو بنى صاحب العلو السفل، أو بنى شريك الجدار الجدار بغير إذن الحاكم والشريك- نظر: إن بناه بتلك الآلة والنقض-: فحيطان السفل لصاحب السفل؛ لأن الآلة [له]، وليس لصاحب العلو منعه من الانتفاع به ولا نقضه، وفي الجدار المشترك: يكون الحائط بينهما كما كان؛ وليس للثاني أن يرجع على الآخر بشيء، وإن بناه بآلة نفسه-: كان الحائط للثاني، ويجوز للثاني نقضه، وإن قال الممتنع: لا ينقض، وأنا أعطيك نصف القيمة-: لم يكن له نقضه؛ لأن هذا على قول الجبر.
فإن بنى أحدهما- وجب تبقيته، وأجبر عليه؛ كما يجبر على البناء.
وإن قلنا: لا يجبر الشريك، وصاحب السفل على البناء، فلو أراد صاحب العلو بناء السفل بآلة شريكه أو بآلة مشتركة بينهما، أو أراد شريك الجدار بناءه بآلة مشتركة بينهما-: فللآخر منعه عن ذلك.
[ ٤ / ١٥٧ ]
أما إذا أراد أن يبنيه بآلة نفسه-: لم يكن للآخر منعه عن ذلك؛ لأنه لا يصل إلى حقه إلا بهذا الطريق، فإذا بناه بآلة نفسه-: كان الحائط له يحمل عليه ما شاء، وله أن يمنع الآخر من الانتفاع به.
ولا يجوز لشريك الجدار ولا لصاحب السفل أن يفتح فيه كوة، ولا أن يتد فيه وتدًا؛ إلا بإذنه، ولكن له أن يسكن في قرار السفل؛ لأن القرار له، وإن أراد الثاني أن ينقضه- له ذلك؛ لأنه لا حق لغيره فيه، فلو قال له الشريك الممتنع: لا تنقض، وأنا أعطيك نصف القيمة، أو قال صاحب السفل: أعطيك القيمة؛ فلا تنقضه-: فله نقضه؛ لأن على هذا القول: لو امتنع من البناء-: لم يجبر عليه، وإذا بناه-: لم يجبر على التبقية، فإن قال: كان لي رسم خشب على هذا الجدار: يقال للباني: إما أن تمكنه من إعادة حشبه، والانتفاع به، أو تنقضه حتى يبني معك، أما إذا لم يكن للباني فيه عين ماله-: لم يكن له نقضه، وكذلك: البئر أو النهر إذا أنفق على تنقيته-: لم يكن له أن يكبسه ولا أن يمنع شريكه أن يسقي منه زرعه؛ لأنه ينتفع بالماء، والماء ليس بملك له، نظير الحائط والدولاب: إذا بناه أحدهما بآلة نفسه- فله منع شريكه من الانتفاع به، فلو بنى صاحب العلو السُّفل بآلة نفسه، فقال صاحب السفل: انقضه حتى أبني بآلة نفسي، هل له ذلك أم لا؟ نظر: إن كان قد طالبه بالبناء، فلم يفعل- ليس له ذلك، وإن لم يطالبه- نظر: إن كان قد بنى عليه علوه-: لم يكن له ذلك، ولكن له أن يتملك السفل بالقسمة، وإن لم يكن بنى العلو-: فله ذلك.
وإن انهدم الجدار المشترك، فبنياه معًا، على أن يكون لأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاه-: لم يجز؛ لأنه شرط له عوضًا على عمارة ملك نفسه، وكذلك: لو بنياه على أن يحمل عليه أحدهما ما شاء-: لم يجز.
ولو بناه أحدهما بإذن شريكه بآلة نفسه؛ على أن يكون له الثلثان-: جاز؛ فكأنه اشترى سدس المبنى بثلث البناء.
ويشترط أن تكون الآلات معلومة، وكذلك: لو بناه بآلة مشتركة أو بآلة شريكه والعمل منه على أن يكون الثلثان له- جاز، وما شرط له من الفضل في مقابلة عمله، ولو كان بين رجلين دار لها سفل، وعلو سفلها لواحد، وعلوها للآخر-: فالسقف المتوسط يكون بينهما؛ لأنه سقف لصاحب السفل أرض لصاحب العلو: فإن تنازعاه حلفا، فلو أراد صاحب
[ ٤ / ١٥٨ ]
السفل أن يفتح في السقف كوة يستضيء بها-: لم يكن له إلا برضا صاحب العلو.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: هو لصاحب العلو.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لصاحب السفل.
ولو تنازعا في الصحن- نُظر: إن كان الدرج في أسفل الدار-: فالصحن بينهما؛ لأن كل واحد منهما ينتفع به، وإن كان في أعلى الصحن- فإلى الدرج يكون بينهما، وفيما دونه وجهان:
أصحهما: لصاحب السفل؛ لأنه لا ممر لصاحب العلو عليه.
والثاني: يكون بينهما؛ لأن صاحب العلو ينتفع به بإلقاء القمامة فيه.
وإن تنازعا في الدرج- نظر: إن كان من لبن، وتحته بيت-: فهو بينهما؛ لأنه سقف لصاحب العلو، وإن لم يكن تحته بيت-: فهو لصاحب العلو، وإن كان تحته موضع جب-: ففيه وجهان:
أحدهما: هو بينهما؛ لأنهما يرتفقان به؛ كما لو كان تحته بيت.
والثاني: هو لصاحب العلو؛ لأن المقصود منه منفعة صاحب العلو؛ فإن كان الدرج من خشب- فهو لصاحب العلو. مسمرًا كان أو غير مسمَّر؛ لأنه يختص بالانتفاع به، فكل موضع جعلناه لأحدهما؛ فإن نازعه الآخر- حلف من جعلناه له، وإن جعلناه بينهما- حلفا.
ولو تداعيا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر-: حلفا، وكان بينهما؛ لأن لكل واحد فيها منفعة؛ فإنها تجمع الماء في النهر؛ فهي منفعة لصاحب النهر، وتمنع الماء من أرض الآخر؛ فهي منفعة له، والله أعلم بالصواب.
[ ٤ / ١٥٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم