قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وروي عن عائشة قالت: كانوا يصومون يوم عاشوراء قبل أن يُفرض
[ ٣ / ١٣٥ ]
رمضان، فلما فرض الله رمضان، قال رسول الله - ﷺ-:"من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه".
صوم رمضان فريضة على كل مسلم مكلف مقيم قادر طاهر، وهو أحد أركان الإسلام، وكان صوم يوم عاشوراء واجبًا؛ فنسخ بصوم شهر رمضان؛ وحين نزل صوم شهر رمضان، جعل الله القادر مخيرًا بين أن يصوم، وبين أن يفطر، ويفتدي. وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] وذهب ابن عباس إلى أن الآية غير منسوخة؛ وهي في الشيخ الكبير الذي لا يستطيع، يفطر ويفدي، وكان يقرأ:
[ ٣ / ١٣٧ ]
"وعلى الذين يطوقونه فدية" أي: يكلفون الصوم، ولا يطيقونه؛ فعليهم الفدية.
ولا يصح الصوم إلا بالنية؛ لقول النبي - ﷺ-:"إنما الأعمال بالنيات" ولأنه عبادة، فتفتقر إلى النية؛ كسائر العبادات.
ثم إن كان الصوم فرضًا، فلا يصح إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر؛ سواء كان صوم رمضان، أو صوم نذر، أو كفارة.
[ ٣ / ١٣٨ ]
وعند أبي حنيفة: يصح صوم رمضان، والنذر المعين بنية من النهار قبل الزوال.
والحجة عليه: ما روي عن حفصة عن النبي - ﷺ - قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له".
[ ٣ / ١٣٩ ]
ولأنه صوم مفروض، فأشبه صوم القضاء والفارة.
ولو نوى مع طلوع الفجر، فوجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأن طلوع الفجر أسرع من نيته؛ فيقع جزء من النية بالنهار.
وأما صوم التطوع يجوز بنية من النهار قبل الزوال؛ لما روي أن رسول الله - ﷺ -
[ ٣ / ١٤٠ ]
كان يدخل على أزواجه فيقول: "هل من غداء"؟ فإن قالوا: لا، قال: إني صائم".
وقال المزني: لا يجوز صوم النفل إلا بنية من الليل. والحديث حجة عليه، ولأنحكم النفل أخف من حكم الفرض؛ ألا ترى أن [أداء] صلاة النفل تجوز قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا يجوز أداء الفرض قاعدًا؛ مع القدرة على القيام.
ولو نوى صوم التطوع بعد الزوال، لايصح، وروى حرملة قولًا: أنه يجوز؛ لأنه تطوع؛ فمن شاء زاد، ومن شاء نقص. والمذهب الأول؛ لأنه قد فات معظم النهار؛
[ ٣ / ١٤١ ]
كالمسبوق إذا أدرك الإمام بعد ما رفع رأسه من الركوع، لا يكون مدركًا للركعة؛ لأنه فاته معظم الركعة.
وإذا نوى صوم التطوع بالنهار، رفعن أي وقت يصير صائمًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: من وقت النية؛ لأن العبادة لا تسبق النية.
والثاني- وعليه الأكثرون -: من أول النهار؛ لأن صوم بعض النهار لا يصح. وعلى الوجهين جميعًا إن كان قد جامع في أول النهار ثم نوى، لا يصح صومه؛ لأن الإمساك من أول النهار شرط. فإن جعلناه صائمًا من وقت النية؛ كصلاة الجمعة انعقادها بالشروع فيها، ويشترط تقدم الخطبة عليها؛ ليصح شروعه في الصلاة.
ولا يصح نية صوم الغد قبل غروب الشمس، وبعده يجوز في جميع الليل؛ بخلاف الصلا يشترط أن يقرن النية بالتكبير؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، والشروع في الصوم يحصل بطلوع الفجر، ويشق عليه مراعاة طلوع الفجر؛ حتى يقرن به النية.
ولو نوى بالليل، ثم أكل بعده، أو شربن أو جامع - لا تبطل نيته؛ لأن هذه الأفعال تُضاد الصوم، ولاتضاد النية. ويجب أن ينوي في كل ليلة من رمضان صوم الغد، وكذلك في الكفارة.
وعند مالك: لو نوى في الليلة الأولى صوم جميع الشهر، أو في الكفارة نوى في الليلة الأولى صوم الشهرين - جاز.
قلنا: صوم كل يوم عبادة على حدة؛ لأنه يتخلل اليومين زمان يُضاد الصوم؛ وهو زمان الليل؛ كالصلاتين يتخللهما الصيام؛ فلابد لكل واحد من نية جديدة.
ويجوز صوم التطوع بنية مطلقة، أما صوم الفرض يجب فيه تعيين النية؛ فيقول بقلبه: نويت أن أصوم غدًا من فرض هذا الشهر، فإن قال: نويت أن أصوم غدًا من الفرض، أو من فرض رمضان - ففيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لم يعين هذا الشهر.
وقيل: يجوز؛ لأن هذا الشهر لا يقبل غير فريضة.
ولو قال: نويت أن أصوم غدًا من رمضان هذا الشهر، فوجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لم ينو الفرض، ولو نوى في رمضان أن يصوم غدًا عن نذر أو قضاء كفارة أو تطوع - لم يصح؛ لا عن رمضان، ولا عن ما نوى؛ مسافرًا كان، أو مقيمًا.
[ ٣ / ١٤٢ ]
وقال أبو حنيفة: تعين صوم رمضان ليس بشرط، فلو نوى صوم الغد مطلقًا، أو عن تطوع، يقع عن رمضان. ولو نوى قضاء أو نذرًا أو كفارة. قال: إن كان مقيمًا يقع عن رمضان، وإن كان مسافرًا يقع عما نوى؛ فيقيس صوم رمضان عن صوم القضاء والكفارة في تعيين النية.
ولو نوت الحائض بالليل صوم الغد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع بالليل - هل يصح صومها بتلك النية؟ نظر: إن كانت مبتدأة؛ يتم لها خمسة عشر بالليل، أو معتادة عادتها خمسة عشر - يصح، وإن كانت معتادة عادتها أقل من خمسة عشر، وتتم عادتها بالليل - فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن العادة معمول بها.
والثاني: لا يجوز؛ لأن العادة قد تختلف؛ فلا تكون نيتها مجزومة، وإن لم يكن لها عادة، أو كانت لها عادة مختلفة، لا يصح.
ولو شك في النية؛ فتذكر بعد ما مضى أكثر النهار، أنه نوى، صح صومه؛ كما لو شك في نية الصلاة، فتذكر قبل إحداث ركن.
ولو نوى الصائم الخروج من الصوم، أو قال: أبطلت الصوم، أو تركت النية- هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يبطل، للصلاة؛ لأن النية شرط في جميعه، فإذا رفض النية في أثنائه، بقي الباقي بلا نية.
والثاني: لا تبطل؛ وبه قال أبو حنيفة؛ بخلاف الصلاة؛ لأنها أفعال تباشر، فلا تصير عبادة، إلا بالنية، ما يأتي به بعد رفض النية فعل بلا نية؛ فلم يصح والصوم مجرد كف - كان القياس أن يصح بلا نية، غير أنا شرطنا النية، لتتميز عن العادة، وقد وجدت النية.
فإن قلنا: تبطل، فإن كان هذا في خلال صوم قضاء أو منذور، فرفض نية الفرضية- هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان.
وكذلك لو نوى الانتقال إلى صوم آخر، لا ينتقل إليه. وهل يبطل ما هو فيه؟ فعلى وجهين.
فإن قلنا: يبطل؛ فإن كان في غير رمضان، هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان.
وإذا قال: إذا جاء فلان خرجت عن صومي، فإذا جاء فلان، فعلى وجهين.
فإن قلنا: يخرج إذا جاء فلان، ففي الوقت هل يخرج؟ فعلى وجهين كالصلاة.
[ ٣ / ١٤٣ ]
"فصلٌ: في رؤية الهلال"
رُوي عن ابن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا؛ حتى تروا الهلال، ولا تفطروا؛ حتى تروه. فإن غُم عليكم، فاقدروا له". ويروي: "فإن غُم
[ ٣ / ١٤٤ ]
عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين".
يجب صوم رمضان برؤية الهلال، أو باستكمال شعبان ثلاثين، ولا يجوز تقليد
[ ٣ / ١٤٦ ]
المُنجم في حسابه؛ لا في الصوم، ولا في الإفطار. وهل يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه فيه وهان.
أحدهما: يجوز؛ لقوله ﵇: "فاقدروا له" ولأن القمر يعرف وقوعه بعد الشمس بالحساب.
والثاني: لا يجوز أن يعمل بقوله؛ لأن الشرع علق الحمك برؤية الهلال، ومعنى قوله: "فاقدروا له": هو كمال الثلاثين.
وإذ رأى الهلال بالنهار يوم الثلاثين، فهو لليلة المستقبلة؛ سواء رأى قبل الزوال، أو بعده.
وقال أبو يوسف: إذا رأى قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، واليوم من الشهر الثاني.
ولو رأى الهلال ببلد، ولم ير ببلد آخر؛ نظر: إن كان البلدان متقاربين، وجب على أهل البلدين الصوم والفطر رؤية أحد البلدين. وإن كانا متباعدين؛ بأن كان بينهما مسافة القصر، فهل يجب على أهل البلد الذين لم يروا الهلال الاقتداء بالذين رأوا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما لو قربت المسافة.
والثاني- وهو الأصح -: لا يجب؛ لأن سير القمر يختلف ذا تباعدت البلدان، فلكل بلد حكم رؤية أنفسهم.
والدليل عليه: ما روي عن كُريب قال: رأينا الهلال بـ "الشام" ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيت؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأينا ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم؛ حتى يكمل العدد، أو نراه. قلت: ولا تكفي رؤية معاوية؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله -ﷺ - وإذا رأى الهلال ببلد، ثم انتقل إلى بلد آخر رأى فيه الهلال بعده بيوم، وقلنا: لا يلزم أحد البلدين حُكم الآخر - فالمنتقل غليه له حكم البلد المنتقل عنه، إذا
[ ٣ / ١٤٧ ]
كمل ثلاثين: نفطر؛ كمن أجر يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه.
وقال الشيخ القفال: حكمه حكم المنتقل إليه.
روي أن ابن عباس أمر كُريبًا حين قدم "الشام" أن يقتدي بأهل "المدينة".
وإذا شهد عدلان على رؤية الهلال، يحكم به في الصوم والفطر جميعًا، ولا يشترط فيه العدالة الباطنة. وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال، لا يحكم به. وإذا شهد على هلال رمضان هل يحكم به؟ فيه قولان: أقيسها، وهو اختيار المزني: لا يحكم به، كما في هلال شوال.
[ ٣ / ١٤٩ ]
والثاني: لا يحكم به؛ احتياطًا لأمر الصوم.
روي أن عليًا شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان، فصام، وقال: أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان.
ولا فرق: بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة يثبت بقول واحد، وإن كانت السماء مصحية يشترط الاستفاضة؛ وهو أن يشترط عدد القسامة.
فإن قلنا: يقبل قول الواحد، فلا يقع الطلاق المعلق، والعتق المعلق بهلال رمضان،
[ ٣ / ١٥١ ]
ولا يحل به الدين؛ لأن هذه الأشياء تثبت بقول الواحد.
فإن قلنا: تثبت بقول الواحد، فيشترط أن يكون ذلك الرجل عدلًا، ولا يثبت بقول صبي، ولا فاسق. وهل يثبت بقول عبد، أو امرأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت؛ لأن ما يثبت بقول الواحد، يقبل فيه قول العبد والمرأة؛ كما في رواية الأخبار، وهذا طريقه الخبر؛ لأن هذا أمر يستوي فيه المخبر والمخبر، والشهادة ما يكون الشاهد منه بريئًا.
والثاني - وهو الأصح -: لا يثبت؛ لأنها شهادة فرع؛ بدليل أنه يشترط فيه لفظ الشهادة، ولاتقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل؛ بخلاف الأخبار؛ فنه لو روي خبرًا عن حاضر يسمع، ولا يقبل من المراهق، وروايته مسموعة؛ على أحد الوجهين.
وهل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة؟ فيه قولان؛ كالحدود.
وقيل: يثبت قولًا واحدًا؛ لأنه لا يسقط بالشبهة؛ بخلاف الحدود؛ كما تثبت الحقوق المالية التي هي لله - ﷿ - مثل الزكاة، وإتلاف بواري المسجد وغيرها.
فإن قلنا: تثبت، فما حكم عدد الفرع؟
إن قلنا: لا يثبت الأصل إلا بعدلين، فحكم شهود الفرع في العدد حكم سائر الشهادات. وإن قلنا: يثبت الأصل برجل واحد.
فإن قلنا: طريقه طريق الأخبار، ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل من واحد؛ كالرواية تُقبل من واحد عن واحد.
والثاني - وهو الأصح-: لا تُقبل إلا من اثنين؛ لأنه ليس بخبر من كل وجه؛ بدليل أنه لا يقبل فيه: أخبرني فلان عن فلان؛ أنه رأى الهلال؛ حتى يقول: أشهد على شهادة فلان.
وإن قلنا: ليس طريقه طريق الأخبار، فلابد من رجلين يشهدان على شهادة شاهد الأصل، ولو شهد عدلان على رؤية هلال رمضان، فصام الناس بشهادتهما ثلاثين يومًا، ولم يروا الهلال ليلة الحادي والثلاثين - يجب عليهم أن يفطروا من الغد، سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة.
وغلط ابن الحداد؛ حيث قال: إن كانت السماء مصحية، يجب عليهم أن يصوموا.
أما إذا شهد واحد على هلال رمضان، وقلنا: يحكم به، فصاموا ثلاثين يومًا، ثم لم يروا الهلال - نظر: إن كانت السماء مغيمة، فعليهم أن يفطروا من الغدو إن كانت مصحية، ففيه وجهان.
[ ٣ / ١٥٢ ]
ومنهم من لم يُفصل بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة. قال: وفيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لهم الإفطار؛ لأن الفطر لا يثبت بقول الواحد.
والثاني: لهم أن يفطروا؛ لأن ثبوت الفطر في ضمن الصوم؛ كالنسب والميراث لا يثبت بشهادة النساء على الانفراد.
ولو شهدن على الولادة، يثبت في ضمنه النسب والميراث. ومن رأى هلال رمضان وحده، يجب عليه أن يصوم، وكذلك لو رأى هلال شوال وحده، يجب عليه أن يفطر؛ حيث لا يراه أحد؛ لأنه إذا ظهر الفطر عرض نفسه للتهمة، وعقوبة السلطان، وإذا صام برؤيته وحده، فأفطر بالجماع يجب عليه الكفارة.
وقال الحسن وعطاء: لا يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر.
وقال أبو حنيفة: يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر، وإذا صام برؤيته وحده، فإذا جامع قال: لا كفارة عليه؛ لأن فطر الناس شبهة في سقوط الكفارة عنه.
وكذلك قال: لو صام بنية من النهار؛ فجامع، لا كفارة عليه. فنقول: فطر لا يكون شبهة في حقه؛ من عرف طلوع الفجر، لزمته الكفارة، وإن لم يعرفه غيره؛ كما لو أفطر أهل قرية بعذر المرض، وهو صحيح صائم؛ فجامع -لزمته الكفارة، وإن لم يعافه غيره.
وإذا رُؤي رجل يطعم يوم الثلاثين من رمضان بلا عُذر - يعزر عليه، فلو شهد أنه رأى الهلال، لا يقبل؛ لأنه متهم في شهادته بإسقاط التعزير عن نفسه.
أما إذا شهد أولًا، فردت شهادته، ثم أكل، لا يعزر؛ ما لو توجه الحكم على رجل فروي فيه خبرًا على وفق دعواه لا تقبل، وإن كان عدلًا، فإن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له، فانصرف فدعاه فسأله، فروي أن النبي - ﷺ - قال: "الاستئذان ثلاثًا" فلم يعتمده؛ حتى شهد عليه غيره.
ولا يجوز أن يصوم يوم الشك عن رمضان؛ وهو يوم الثلاثين من شعبان.
إذا وقع الشك في رؤية الهلال؛ بأن وقع في ألسن الناس أن الهلال قد رؤي، ولا
[ ٣ / ١٥٣ ]
يقول عدل: إني قد رأيت، أو تقول جماعة من العبيد والصبيان والفُساق: إنا قد رأيناه - فلا يجوز لأحد أن يصوم هذا اليوم عن رمضان، ولا عن تطوع لا سبب له؛ لما روي عن عمار بن ياسر قال: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -.
فإن صامه عن قضاء، أو نذر نذره من قبل، أو عن كفارة، أو وافق تطوعًا كان يصومه - فلا يكره؛ لما روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم".
[ ٣ / ١٥٤ ]
ولو نوى صوم يوم الشك عن تطوع لا سبب له، هل يصح؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه منهي عنه، وفعله معصية؛ كما لو صام يوم العيد.
والثاني: يصح؛ لأن هذا اليوم قابل للصوم في الجملة؛ بخلاف يوم العيد.
وكذلك لو نذر صوم يوم الشك، هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان
فإن قلنا: ينعقد، صام يومًا آخر، فن صام في هذا اليوم، يخرج عن نذره.
ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غدًا من رمضان، فبان بعد ما أصبح أنه من رمضان لا يصح صومه؛ لأنه شرع فيه على الشك، وعليه القضاء؛ كما لو أصبح مفطرًا، ثم ثبت بشهادة الشهود؛ أنه من رمضان يلزمه إمساكه بقية النهار، وعليه القضاء.
[ ٣ / ١٥٥ ]
ولو عقد بقلبه من غير شك؛ أن غدًا من رمضان، ونوى وسمع من ثقة؛ أنه رأى الهلال، أو سمع من زوجته، أو جاريته؛ أني رأيت الهلال؛ وهو يثق بقولها، أو شهد عند القاضي عدل، فلم يحكم القاضي بقوله، ثبت دقه عند رجل فنوى وصام - صح صومه، وعليه أن يصوم بقوله.
ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غدًا من رمضان إن ثبت، وإن لم يثبت فهو مفطر أو متطوع؛ فبان من رمضان- لم يصح صومه؛ لأن الأصل كان بقاء شعبان؛ فنيته لم تستند إلى أصل في الصوم.
ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني صائم غدًا من رمضان إذا كان منه، وإن لم يكن فمفطر؛ فبان أنه من رمضان - صح صومه؛ لأن الأصل بقاء رمضان، ومطلق نيته كان يقع هكذا. أما إذا نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني أصوم غدًا من رمضان إن كان منه، أو أفطر؛ فكان من رمضان - لم يصح صومه؛ لأنه لم يجزم النية، كما لو نوى أن يصوم أو لا يصوم، لا يصح صومه.
وإذا اشتبه على الأسير شهر رمضان، يجب أن يجتهد فيصوم شهرًا بالاجتهاد؛ كما يجتهد في القبلة، وفي وقت الصلاة؛ حتى لو صام شهرًا من غير اجتهاد، لم يصح؛ وإن وافق شهر رمضان. وإذا اجتهد، وصام شهرًا؛ نظر: إن وافق شهر رمضان، أو شهرًا بعد رمضان -صح صومه، ثم إذا وافق شهرًا بعد رمضان، يكون قضاء أم أداء؟ فيه جوابان:
[ ٣ / ١٥٦ ]
أحدهما: يكون قضاء؛ لأنه أتى به بعد الوقت.
والثاني: يكون أداء، وجعل ما بعد الوقت وقتًا للعذر؛ كما لو جمع بين الظهر والعصر في وقت العصر، يكون أداء.
وفائدته: تتبين فيما لو كان شهر رمضان ثلاثين، وهذا الشهر الذي صامه ناقص، هل يلزمه إتمام ثلاثين أم لا؟
إن قلنا [قضاء] يجب عليه إتمام ثلاثين.
وإن قلنا: أداء، لا يجب؛ كما لو صام في رمضان، وكان ناقصًا، وعلى عكسه لو كان شهر رمضان ناقصًا، وهذا كامل، هل يجوز أن يفطر يومًا منه، أم لا؟
إن قلنا: قضاء، يجوز؛ لأن الواجب عليه قضاء تسع وعشرين. وإن قلنا: أداء، لا يجوز، بل يجب إتمامه. وإن وافق شوال يجب عليه قضاء يوم العبد، وإن وافق ذي الحجة يجب قضاء يوم العيد، وأيام التشريق.
وعلى الوجهين: إذا جامع لا كفارة عليه؛ لأنه لا يون له حرمة شهر رمضان.
[ ٣ / ١٥٧ ]
وإن وافق شهرًا قبل رمضان؛ نظر: إن علم ورمضان بين يديه أو بعضه، فعليه أن يصومه. وإن لم يعلم؛ حتى مضى رمضان، هل يجزيء ما صام عن رمضان؟ فيه قولان: قال في القديم: يجزئه؛ لأنه بالاجتهاد كالحجيج إذا أخطؤوا فوقفوا يوم الثامن يكون محسوبًا.
وقال في الجديد - وهو الأصح - لا يجزئه؛ لأن العبادة لا تسبق الوقت؛ كما لو اجتهد في وقت الصلاة؛ فوافق قبل الوقت، لا تصح صلاته. والقولان يبنيان؛ على أنه إذا وافق شهرًا بعد رمضان يون قضاء أو أداء.
إن قلنا: يكون قضاء، فلا يصح؛ لأن القضاء لا يسبق الوقت. وإن قلنا: أداء، لا يصح؛ لأنه لما جاز أن يصير ما بعد الوقت كالوقت للعذر، كذلك ما قبله جاز أن يصير كالوقت؛ كما في الجمع بين الصلاتين؛ يصير وقت إحدى الصلاتين وقتًا للأخرى؛ قدم أو أخر.
"فصلُ: في وقت الدخول في الصوم والخروج منه"
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمراد من الخيط الأبيض: طلوع الفجر.
يدخل الصائم في الصوم بطلوع الفجر، ويخرج منه بغروب الشمس.
وروي عن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أقبل الليل - من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.
ويجوز للصائم الأكل، والشرب، والمباشرة بالليل إلى طلوع الفجر.
ولو شك في طلوع الفجر، يكره له الأكل والشرب والجماع بعده، فإن فعل جاز؛ لأن الأصل بقاء الليل؛ بخلاف ما لو أكل شاكًا في غروب الشمس يقضي، ويلزمه القضاء إذا لم يتبين؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار؛ فإن بان أنه أكل بعد غروب الشمس، فلا قضاء عليه.
[ ٣ / ١٥٨ ]
لو أكل شاكًا في طلوع الفجر؛ فبان أنه كان طالعًا - نقل المزني؛ أن عليه القضاء؛ كما لو أكل شاكًا في غروب الشمس، فإذا هي لمتغرب. فمن أصحابنا من وافقه؛ فقال في الموضعين: يجب القضاء؛ وهو قول مالك.
ومن أصحابنا من قال: إذا أكل شاكًا في طلوع الفجر؛ فبان طالعًا، لا قضاء عليه؛ لأن الأصل كان بقاء الليل؛ بخلاف ما لو أكل شاكًا في غروب الشمس؛ فبان أنها لم تغرب، يجب القضاء؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار، وتحريم الأكل.
والشافعي لم يلزمه القضاء إذا بان الفجر طالعًا، بل قال: واجب تأخير السحور، فإذا خشي الفجر أمسك، وأحب تعجيل الفطر؛ فإذا بان أن الشمس لم تغرب، أعاد. فحيث قلنا: يجب القضاء، فإن كان قد جامع، قضى، ولا فارة عليه في الموضعين جميعًا؛ لأن كفارة الجماع تسقط بالشبهة فيه.
ولو طلع الفجر، وفي فيه طعام، يجب أن يلفظه، فإن ابتلعه فسد صومه، ولو أمسكه ساعة، ثم لفظه، لا يفسد صومه.
ولو طلع الفجر- وهو جامع وعلم به-يجب أن ينزع في الحال؛ فإن نزع في الحال، لا يفسد صومه.
قال المزني - ﵀ - وزفر: عليه القضاء؛ لأن المفسد قارن انعقاد الصوم؛ فمنع الانعقاد.
قلنا: النزع ترك للجماع، فلا يفسد الصوم؛ كما لو حلف لا يلبس ثوبًا، وهو لابسه، فنزعه - لا يحنث.
وإن نزع ثم أولج ثانيًا، فسد صومه، وعليه القضاء والكفارة. وإن مكث، ولم ينزع، فسد صومه، وعليه القضاء.
ونص على أنه: يلزمه الكفارة.
وقال في "الإملاء": إذا قال لامرأته: إذا قربتك، فأنت طالق ثلاثًا؛ فإذا غيب الحشفة، طلقت ثلاثًا، وعليه النزع. فلو مكث، لم يذكر هناك وجوب المهر.
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يجب هناك المهر، ويجب هاهنا الكفارة، كما لو نزع وأولج.
والثاني: لا يجب واحد منهما؛ لأن ابتداء الفعل كان مباحًا.
ومنهم من فرق بينهما - وهو الأصح - فقال: هاهنا يجب الكفارة؛ لأن ابتداء هذا الفعل لم يتعلق به الكفارة، فجاز أن يتعلق بانتهائه حتى لا يخلو الجماع في نهار رمضان
[ ٣ / ١٥٩ ]
عمدًا عن الكفارة، وهناك يعلق المهر بابتداء الفعل؛ لأن مهر النكاح يقابل جميع الوطئات؛ فلم يجب بدوامه مهر آخر.
وعند أبي حنيفة: لاتجب الكفارة.
ولو أصبح الرجل جُنُبًا من جماع، أو احتلام، ووقع غسله بالنهار - صح صومه.
روي عن عائشة - ﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺيُدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم.
وكذلك الحائض إذا طهرت بالليل ونوت الصوم، ولم تغتسل؛ حتى طلع الفجر - صح صومها.
فصلٌ: فيما يُبطل الصوم
روي عن عبد الله بن عمر قال: "من استقى وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء، فلا قضاء عليه".
وروي عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصائم إذا تقيأ عمدًا بطل صومه".
ولأي معنى بطل؟ قيل: لنفسه؛ الإنزال يبطل الصوم، وإن لم يصل به إلى جوفه شيء.
وقيل: لأن القيء لا يخلو: من أنا يعود شيء إلى البطن، فإذا تعمد القيء، جعل كأنه تعمد الابتلاع.
فأما إذا ذرعه القيء، فلا يبطل صومه.
[ ٣ / ١٦٠ ]
وجملته: إذا وصل شيء من الخارج إلى أحد جوفي التغذي بالاختيار مع ذكر الصوم، يبطل صوم الصائم، وأحد جوفي التغذي: الدماغ، والثاني؛ البطن، وهذا يطرد، ولا ينعكس بالحيض، وإنزال المني، والجماع، والقيء، والجنون، والإغماء؛ فإنها تبطل الصوم؛ وإن لم يصل بها شيء إلى جوف التغذي.
خرج من هذا: إذا أكل شيئًا متعمدًا وإن قل، أو شرب، أو استعط، أو قطر شيئًا في أنفه، أو أذنه؛ حتى وصل إلى الدماغ، أو احتقن، أو قطر في إحليله شيئًا فوصل إلى المثانة - فسد صومه. وقيل: إذا صب في أذنه شيئًا لا يفسد صومه، وإن ظهر أثره في الدماغ؛ لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ، وإنما يصل إليه من المسام؛ كما لو اكتحل لا يبطل صومه وإن وجد طعمه. وكذلك لو ابتلع ما لا يؤكل من حصاة، أو درهم، أو استف ترابًا - بطل صومه. والحلق كالجوف؛ فوصول الواصل إليه كالوصول إلى الجوف. ولو قطر في إحليله شيئًا، ولم يصل إلى المثانة، وأدخل فيه ميلًا - هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه لم يصل إلى جوف التغذي؛ هو المثانة؛ كما لو وضع في فيه شيئًا.
والثاني: يبطل؛ كما لو وصل إلى حلقه، ولم يصل إلى المعدة.
[ ٣ / ١٦١ ]
وإن كان على بطنه جائفة، أو على رأسه مأمومة؛ فوضع عليها دواء؛ فوصل إلى جوفه، أو إلى خريطة دماغه - بطل صومه؛ وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء، أو إلى باطن الخريطة، سواء كان الدواء رطبًا أو يابسًا.
وعند أبي حنيفة: إن كان الدواء يابسًا، لا يبطل صومه.
ولو شق بطن نفسه، أو شق غيره بإذنه، يبطل صومه. وإن فعل بغير أمره، لا يبطل.
وعند أبي حنيفة: إذا شق بطن نفسه، لا يبطل صومه، ولو شق فخذه، أو كان على فخذه جراحة؛ فوضع عليه دواء؛ فوصل إلى مُخهِ - لا يبطل صومه؛ لأنه ليس جوف التغذي.
ولو كان به باسورٌ؛ فخرجت مقعدته، ثم عادت، لا يبطل صومه. فإن ردها بإصبعه، ففيه وجهان:
الأصح: لا يبطل؛ لنه مضطر إليه؛ كما لا يبطل طُهر المستحاضة بخروج الدم.
ولو ابتلع الريق، لا يبطل صومه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن خرج إلى ظاهر فمه، فرده وابتلعه، بطل صومه.
وإن أخرج لسانه وعليه ريق، ثم رده؛ فابتلعه، ففيه وجهان ولو جمع الريق في فمه، فابتلعه، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه وصل جوفه من معتده؛ كم لو ابتلعه متفرقًا على العادة.
والثاني: يبطل؛ لأن الاحتراز عنه ممكن، كما لو قلع ما بين أسنانه فابتلعه.
ولو دميت لثته؛ فابتلع الدم، أو الريق المتغير، بطل صومه.
ولو بزق الدم؛ حتى عاد الريق أبيض، لا يجوز ابتلاعه؛ لأنه نجس ولو ابتلعه، فالمذهب: أنه يبطل صومه.
وقيل: لا يبطل؛ لأن ابتلاع الريق مباح، وتلك النجاسة حكمية؛ كما لو ذاق شيئًا؛ فوصل الطعم إلى حلقه.
ولو قتل خيطًا مصبوغًا؛ فتغير ريقه؛ فابتلعه، بطل صومه.
ولو قلع النخامة من صدره، أو جذبها من رأسه؛ فحصلت في فمه؛ فابتلعها - بطل
[ ٣ / ١٦٢ ]
صومه، وإن لم تصل من حلقه إلى فمه: بحيث يمكنه أن يبزقها، لا يبطل وكذلك لو نزلت من رأسه، فلم يشعر بها؛ حتى وصلت إلى حلقه - لم يبطل صومه.
وداخل الفم والأنف في حكم الظاهر في بعض الأحكام؛ وهو وجوب غسله إذا نجس، وأنه لو ابتلع منه نخامة، أو خرج إليه القيء، يبطل صومه. ولو وضع فيه شيئًا لا يبطل، وفي حكم الباطن من حيث إنه لا يجب غسله في غسل الجنابة، ولو ابتلع منه الريق، لا يبطل صومه.
ولو ابتلع طرف خيط، والطرف الآخر خارج، يبطل صومه. ولو ابتلع بالليل، فأصبح وأحد طرفيه خارج، فإن تركه كذلك، لا تصح صلاته، وإن نزعه أو ابتلعه، بطل صومه؛ فالأولى أن ينزع أو يبتلع؛ حتى تصح صلاته، ثم يقضي الصوم؛ لأن الصوم يترك للقضاء؛ فإن نزعه وهو نائم، لم يبطل صومه.
ولو وصل إلى جوفه غبار الطريق، أو غربلة الدقيق، أو طارت ذبابة في حلقه - لا تبطل صومه؛ لأنه مضطر إليه. ولو فتح فاه؛ حتى وصل الغبار إلى جوفه، ففيه وجهان:
أصحهما: لا يبطل؛ لأن الاحتراز عنه لا يمكن؛ فوقع عفوًا.
فلو أكل ناسيًا، لا يبطل صومه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من نسي وهو صائم؛ فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه". وإن أكل كثيرًا، ففيه وجهان:
[ ٣ / ١٦٣ ]
أحدهما: يبطل صومه؛ لأنه ناسٍ؛ كما لو أكل قليلًا.
والثاني: يبطل؛ لأن الاحتراز عن الكثير ممكن في الغالب.
وإن أكل جاهلًا؛ بأن الأكل يبطل الصوم، فلا يعذر، إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام، أو ناشئًا ببادية لا يعرف الأحكام؛ فلا يبطل صومه.
ولو أوجر الطعام كرهًا، أو نائمًا، لا يبطل صومه.
وكذلك لو جومعت المرأة كرهًا وإن خوف حتى أكل بنفسه، أو خوفت المرأة حتى مكنت من نفسها؛ فوطئت - ففيه قولان:
أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه مكره، كما لو أوجر الطعام.
[ ٣ / ١٦٤ ]
والثاني: يبطل؛ لأنه فعل ما ينافي في الصوم؛ لدفع الضرر؛ كما لو شرب دواء لدفع المرض، أو شرب لدفع العطش.
ولو أعمي على الصائم، وقلنا: لا يبطل الإغماء؛ فأوجر دواء لصلاحه - هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل؛ كغير المغمي عليه إذا أوجر كرهًا.
ولو تمضمض؛ فوصل الماء إلى جوفه، واستنشق؛ فوصل الماء إلى دماغه - هل يفسد صومه؟ نقل المزني فيه قولين.
واختلف أصحابنا في محل القولين: فمنهم من قال- وهو الأصح -: إن القولين فيما إذا لم يبالغ، فإن بالغ بطل صومه؛ لأن المبالغة منهي عنها. قال النبي - ﷺ- للقيط بن صُبرة: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا".
ولو كان وصول الماء إلى الباطن بالمبالغة لا يبطل الصوم، لم يكن للنهي عن المبالغة معنى.
ومنهم من قال: هي على قولين: بالغ، أو لم يبالغ:
أحدهما: يبطل صومه؛ وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار المزني؛ لأنه وصل الماء إلى جوفه بفعله مع ذكر الصوم.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره؛ كغبار الطريق.
ولو دمي فمه؛ فغسله؛ فوصل الماء إلى جوفه، فكالمضمضة. ولو غل فمه تبريدًا، أو مضمض أربعًا؛ فوصل الماء إلى جوفه في المرة الرابعة، فإن بالغ بطل صومه، ون لم يبالغ ترتب على المضمضة؛ فهذا أول بوجوب القضاء؛ لأنه غير مأمور به.
[ ٣ / ١٦٥ ]
ولو كان بين أسنانه شيء من الطعام، فابتلعه، فسد صومه. وإن جرى به الريق من غير قصد، نقل المزني: أن لا قضاء عليه، ونقل الربيع: أن عليه القضاء.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو وصل الماء إلى جوفه في المضمضة. ومن أصحابنا من قال: لا قضاء عليه قولًا واحدًا؛ لأن الأكل كان مباحًا له؛ فوصوله إلى جوفه كان بسبب مباح. وهذا القائل يقول: إذا مضمض، ولم يبالغ، فوصل الماء على جوفه - لا قضاء عليه.
ويُكره للصائم التسوك [بعد الزوال]؛ لما فيه من إزالة الخلوف، ولا يكره قبله؛ فلو استاك فوصل شيء من رطوبة السواك إلى جوفه، فسد صومه، وإن وصل الطعم إلى جوفه لم يفسد.
ويكره له مضغ العلك؛ لأنه يحلب الفم، ويجففه، ويزيل الخلوف. ثم إن كان مستعملًا، لا يبطل الصوم. وإن كان جديدًا يتفتت فوصل منه شيء إلى الجوف بطل صومه؛ كما لو وضع في فمه سُكرة؛ ثم ابتلع الريق، فسد صومه.
ويجوز للصائم أن يكتحل، وأن يضع الدهن على رأسه، وأن ينزل في الماء وينغمس فيه ولو وجد أثرًا في باطنه.
ويجوز أن يحتجم؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم.
ويجوز أن يُقبِّل زوجته؛ غير أنه يكره للشباب؛ خوفًا من حركة الشهوة، ولا يُكره للشيخ، وتركه أولى.
روي أن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يُقبِّل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه. أما على من تحركه الشهوة تحرم القبلة.
[ ٣ / ١٦٦ ]
وإذا جامع الرجل امرأته بالنهار عمدًا، بطل صومه. فإن كان في نهار رمضان، يجب عليه القضاء والكفارة العظمى؛ وهو عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ كما في كفارة الظهار.
والدليل: ما روي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - قال: هلكت قال: "ما شأنك؟ " قال: واقعت أهلي في رمضان قال: "تستطيع عتق رقبة؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تُطعم ستين مسكينًا؟ " قال: لا. قال: "اجلس" فجلس فأتى النبي - ﷺ - بعرق فيه تمر" العرق: المكيل الضخم. قال: "خُذ هذا فتصدق به". قال: أعلى أفقر منا؟ فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت نواجذه. قال: "أطعمه عيالك".
[ ٣ / ١٦٧ ]
وعند مالك: كفارة الجِماع على التخيير.
وإن جامع ناسيًا، لا يبطل صومه؛ كما لو أكل ناسيًا، وكذلك إن كان نائمًا؛ استدخلت المرأة ذكره، لا يبطل صومه؛ كما لو احتلم.
ولو جامع الرجل مكرهًا؛ فهل يتصور إكراه الرجل على الوطء؟ فيه وجهان:
إن قلنا: لا يتصور؛ حتى يجب عليه الحد إن كان في زنا، فهاهنا يفسد صومه، وعليه الكفارة.
وإن قلنا: يتصور، فهل يبطل صومه؟ فيه قولان؛ كما لو أكره على الأكل: فإن قلنا: يبطل صومه، لا كفارة عليه؛ لأنها تسقط بالشبهة.
ولو زنا أو تلوط أو أتى بهيمة في نهار رمضان، فعليه القضاء والعقوبة والكفارة، أنزل، أو لم ينزل.
أما المرأة الصائمة إذا جُومعت وهي مُكرهة، أو نائمة لا يبطل صومها؛ وإن كانت طائعة، بطل صومها. وفي الكفارة قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليها الكفارة؛ ما تجب الكفارة على الرجل فعلى هذا: إن كان الزوج صائمًا عليهما كفارتان، وإن كان مفطرًا فعليها الكفارة دونه، وإن كان أحدهما موسرًا فعلى الموسر العتق، وعلى الآخر الصوم.
والقول الثاني - وهو الجديد -: إذا جامعها زوجها؛ وهو صائم، لا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر الأعرابي إلا برقبة واحدة. فعلى هذا: تلك الكفارة على الرجل وجانبها خلو، أم يجب عليها والزوج يتحمل عنها؟ فيه قولان:
أحدهما: هي على الرجل وجانبها خلو؛ لأنه غُرم مالي يختص بالجماع؛ فيجب على الرجل؛ كالمهر.
والثاني: هي عليها، والزوج يتحمل عنها؛ كثمن ماء الاغتسال.
وفائدته: تتبين في أنا إن قلنا: جانبها خلو، فلا كفار على المرأة؛ سواء كان الزوج صائمًا أو مفطرًا أو نائمًا؛ فاستدخلت فرجه، أو وطئت بالشبهة، أو بالزنا.
وإن قلنا: الزوج يتحمل عنها، فإنما يتحمل إذا وجبت عليها الكفارة، فإن كان الزوج مفطرًا أو ناسيًا، أو استدخلت ذكره، فيجب عليها الفارة، ولا يتحملها الزوج.
وكذلك إذا كان الزوج مجنونًا؛ فوطئها، لا يتحمل الزوج؛ لأنه لا كفارة عليه. وكذلك
[ ٣ / ١٦٨ ]
لو زنا بامرأة، أو وطئها بالشبهة عالمًا بالصوم، فعليها الكفارة، ولا يتحمل الواطيء عنها؛ لأن التحمل يكون بالملك؛ ولا ملك هاهنا.
وكذلك إذا كانت كفارتهما الصوم، فلا يتحمل الزوج عنها؛ لأن الصوم لا يجزيء فيه التحمل، بل يجب على كل واحد صوم شهرين. وإن كانت كفارة أحدهما بالعتق، وكفارة الآخر بالإطعام، ففيه وجهان:
أحدهما: إذا أتى الزوج بما عليه، سقط عنها.
والثاني: يجب على كل واحد أن يُكفر بما عليه؛ لأن التحمل كالتداخل؛ فلا يجزيء عند اختلاف الجنس.
وقيل: إن كان الرجل من أهل العتق، وهي من أهل الصوم أو الإطعام؛ فأعتق الزوج رقبة - يجوز عنهما؛ لأن من فرضه الصوم أو الإطعام يجوز إعتاقه.
وإن كانت المرأة أمة، فهي من أهل الصوم لا يجوز غعتاقه عنها، وإن كان هو من أهل الصوم، والمرأة من أهل العتق والإطعام - يجب على الرجل كفارتان: يصوم عن نفسه، ويطعم أو يعتق عنها؛ لأن النيابة تجزيء في الإطعام والإعتاق.
وإن كان الرجل من أهل الإطعام، وهي من أهل الصوم، أطعم هو عن نفسه، وعليها الصوم؛ لأنه لا يُجزيء فيه النيابة.
ولو باشر امرأته فيما دون الفرج؛ أو لمسها بشهوة، أو قبلها إن لم ينزل لا يبطل صومه، وإن أنزل بطل صومه، ولا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تجب بالجماع ولم يوجد. وإن أنزل بنظر أو فكرة، لا يبطل صومه؛ كما لو احتلم. وكذلك لو جامع قبل طلوع الفجر؛ فأخرج مع الفجر؛ فأنزل - لا يبطل صومه؛ لأن الفعل كان مباحًا؛ وهو مضطر إلى الإنزال. ولو استمنى بيده، بطل صومه، ولا كفارة عليه. ولو جامع في يوم واحدٍ مرارًا، لا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن الفطر قد حصل بالجماع الأول، والثاني لا يصادف الصوم؛ كما لو أفطر بالأكل، ثم جامع أو فأخذ؛ فأنزل، ثم أولج - لا كفارة عليه.
ولو جامع في يومين عليه كفارتان؛ سواء وجد الجِماع الثاني بعد ما كفر عن الأول، أو قبله. وقال أبو حنيفة: إن لم يكن كفر عن الأول، لا يجب إلا كفارة واحدة. وبالاتفاق لو جامع في عامين عليه كفارتان؛ وإن أكل الصائم ناسيًا؛ فظن أن صومه قد بطل، فجامع بعده عامدًا - يبطل صومه بالجماع، ولا كفارة عليه؛ لأنها تسقط بالشبهة.
وكذلك لو شك في النية؛ فجامع، ثم تذكر أنه كان قد نوى - يجب عليه القضاء، ولا كفارة عليه.
[ ٣ / ١٦٩ ]
ولو أصبح المسافر صائمًا؛ فأفطر بالجماع، والمريض الذي يباح له الفطر أصبح صائمًا، ثم جامع: إن نوى الترخيص، لا كفارة عليه، وإلا فوجهان:
أصحهما: لا كفارة عليه؛ لأن الفطر مباح له؛ فيصير شبهة في سقوط الكفارة.
وكذلك الصحيح إذا أصبح صائمًا؛ فمرض ثم جامع، لا كفارة عليه إن نوى الترخيص.
أما المُقيم إذا أصبح صائمًا؛ فسافر، ثم جامع، يجب عليه الكفارة؛ لأن الفطر لا يباح له إذا أصبح مقيمًا.
أما المقيم الصحيح إذا أصبح صائمًا؛ فأفطر بالجماع، ثم سافر في آخر النهار، أو مرض مرضًا يبيح الفطر - لا تسقط عنه الفارة.
وعند أبي حنيفة: يسقط بالمرض.
أما إذا أفطر بالجماع؛ فجن في آخر النهار، أو المرأة أفطرت بالجماع، وقلنا: يلزمها الكفارة، فحاضت في آخر النهار- هل يسقط عنه الكفارة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تسقط؛ كما لو مرض؛ أو سافر في آخر النهار.
والثاني: تسقط؛ لأن الحيض والجنون في آخر النهار بعدم الصوم في أوله؛ بخلاف المرض والسفر.
"فصلٌ: في الفطر الذي يوجب الفدية"
من أفطر في رمضان بغير جماع من غير عذر، يجب عليه القضاء، ويعصي الله - تعالى - ويعزره السلطان، ولكن لا تجب الكفارة العظمى. وهل تجب الفدية الصغرى؛ وهي أن يطعم عن كل يوم مسكينًا مُدًا من الطعام؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجب؛ لأنها لما وجبت على المرضعة مع كونها معذورة، فلأن يجب على غير المعذور أولى.
وقال أبو حنيفة: إن تناول ما يقصد أكله، يجب عليه الكفارة العظمى، وإن ابتلع حصاة أو نواة، لا يجب.
وقال مالك: كل فطر يعصي به، يجب فيه الكفارة العظمى، إلا القيء؛ فإن الطبع لا يميل إليه.
وعندنا: يختص ذلك بالجماع؛ لورود الشرع به؛ فلا يُقاس عليه سائر أنواع الفطر؛ كما لا يقاس عليه سائر أنواع الفطر؛ كما لا يقاس عليه القيء، وابتلاع الحصاة مع استوائهما في بطلان الصوم، ووجوب القضاء.
[ ٣ / ١٧٠ ]
والمرأة الحامل، أو المرضعة إذا أجهدها الصوم، لها أن تفطر، ثم تقضي ولا فدية عليها؛ كالمريض. وإن كان خوفها على الولد من الصوم، فلها أن تفطر، ثم تقضي، وعليها الفدية لأنه فطر بسبب إحياء نفس عاجزة عن الصوم؛ كالشيخ الهِمُّ يفطر ويفدي.
والفدية: هي أن يطعم كل يوم مسكينًا مدًا من الطعام من غالب قوت البلد، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد.
سُئل ابن عمر عن المرأة إذا خافت على ولدها؛ فقال: تفطروتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من الحنطة؛ وهذا قول مال وسفيان وأحمد.
وفي الحامل قول آخر: أن لا فدية عليها؛ لأن ضرر الجنين متصل بها، بخلاف المرضعة؛ فكانت الحامل كالمريض.
وعند أبي حنيفة: لا فدية عليها؛ وهو اختيار المزني.
وإن كانت المرضعة مسافرة أو مريضة؛ فأفطرت إن نوت بالفطر الترخص بعذر السفر والمرض - فلا فدية عليها، وإلا فوجهان؛ كالمسافر يفطر بالجماع.
ولو أفطر لتخليص غريق، جاز، وعليه القضاء. وفي الفدية وجهان
أحدهما: يجب؛ كما تجب على المرضعة.
والثاني: لا تجب؛ لأن فطرة ليس لإحياء نفس عاجزة عن الصوم؛ فإن الغريق غير عاجز.
والشيخ الكبير الذي يُجهده الصوم، له أن يفطر؛ وهل يلزمه الفدية؟ فيه قولان.
وكذل المريض الذي لا يرجى زوال مرضه-قال في القديم - وبه قال مالك -: لا فدية عليه؛ كالمريض الذي مرضه مرجو الزوال.
وقال في الجديد - وهو المذهب -: يجب عليه الفدية؛ فيطعم عن كل يوم مسكينًا مُدًا من الطعام؛ روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة.
ولو خرج رمضان تسعًا وعشرين، لا يجب عليه إلا تسعة وعشرون مُدًا. ولو فاته صوم في صبائه، ولم يقض؛ حتى كبر وعجز، تجب الفدية قولًا واحدًا؛ وإن كان الشيخ الكبير معسرًا، هل يلزمه الفدية إذا قدر؟ فيه قولان؛ كالمكفر إذا لم يقدر على شيء، ثم قدر- هل يلزمه الكفارة؟ فيه قولان.
[ ٣ / ١٧١ ]
ولو أن عبدًا كبيرًا أفطر بعذر الكبر، ثم مات من قبل أن أعتق، فلا فدية عليه، وإن أعتق ترتب على الحر المعسر إذا أيسر إن قلنا: لا يجب، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أن العبد لم يكن وقت الفطر من أهل الفدية؛ بخلاف الحر.
ولو أفطر الكبير بعذر الكبر، ثم قدر على الصوم لا يلزمه الصوم؛ بخلاف المعضوب إذا أحج الغير، ثم قدر، يلزمه يحج في قول؛ لأنه كان مخاطبًا بالحج، لا بأداء المال، والشيخ الكبير لم يكن مخاطبًا بالصوم، بل كان مخاطبًا بالفدية.
قال الشيخ: عندي إذا قدر قبل أن يفدي، يجب عليه أن يصوم، وإن قدر بعد ما فدي؛ فيحتمل أن يكون كالحج؛ لأنه كان مخاطبًا بالفدية على توهم أن عُذره غر زائل، وبان خلافه؛ المعضوب لم يكن مخاطبًا؛ بأن يحج بنفسه، إنما كان مخاطبًا بأن يحج الغير عنه على توهم أن عذره غير زائل.
"فصلٌ: فيما يبيح الفطر"
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
صوم شهر رمضان فريضة على كل مسلم عاقل بالغ إذا كان مقيمًا قادرًا؛ حُرًا كان أو عبدًا؛ رجلًا أو امرأة، إذا كانت طاهرة؛ فالكافر لا يصح صومه، وإذا أسلم لا قضاء عليه؛ لقوله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] والمرتد لا يصح صومه، وإذا عاد إلى الإسلام يجب عليه القضاء، ولا يجب على الحائض والنفساء، إذا طهرتا يجب عليهما القضاء.
قالت عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ويجوز الفطر بعذر المرض والسفر وشرط السفر وشرط المرض أن يجهده الصوم، ويلحقه به ضرر يشق عليه
[ ٣ / ١٧٢ ]
احتماله. أما المرض اليسير الذي لا يجهده، فلا يبيح الفطر. ثم إن كان المرض مطبقًا، له ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع فإن كان محمومًا حالة الشروع فيه، له ترك النية، وإلا فيجب أن ينوي من الليل، ثم إذا أخذته الحمى بالنهار أفطر.
[ ٣ / ١٧٣ ]
وشرط السفر أن يكون ستة عشر فرسخًا، ويكون مباحًا؛ فيجوز له أن يفطر فيه. ولو صام كان أفضل، إلا أن يجهده الصوم، فالأول أن يفطر؛ لما روي عن جابر قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - زمان غزوة تبوك [إذ] مر برجل في ظل شجرة يرش الماء عليه فقال: ما بال هذا" قالوا: صائم. فقال رسول الله - ﷺ- "ليس من البر الصيام في السفر".
[ ٣ / ١٧٤ ]
والدليل على أنه يتخير بين الصوم والفطر إذا كان قادرًا: ما روي عن أبي سعيد الخدري. قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - ليست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام، ومنا من أفطر؛ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
ولو أصبح صائمًا في السفر، جاز له أن يفطر، وإن كان يعرف أنه يصل إلى مقصده قبل الغروب؛ لما روي عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى "مكة" عام الفتح في رمضان؛ فصام؛ حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس معه. فقيل: يا رسول الله، إن الناس شق عليهم الصيام. فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشربه والناس ينظرون إليه.
[ ٣ / ١٧٥ ]
ولو أصبح صائمًا في السفر، فلم يفطر، حتى دخل عُمرانات البلد - لم يجز له أن يفطر، وكذل المريض إذا أصبح صائمًا، ثم بريء في خلال النهار، لايجوز أن يفطر.
ولو أصبح صائمًا في الحضر، ثم خرج إلى السفر، لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم؛ فلو فعل، عصى الله؛ من دخل في الصلاة مقيمًا، ثم سافر في خلالها، لا يجوز له قصرها، ولو جامع فيه، يجب عليه الكفارة.
وعند أبي حنيفة: لا تجب.
وعند أحمد، والمزني: يجوز له أن يفطر.
ولو نوى المقيم بالليل، ثم خرج إلى السفر قبل طلوع الفجر- نظر: إن فارق عُمرانات البلد قبل طلوع الفجر، له أن يفطر؛ لأن ابتداء صومه كان في السفر، وإن فارقها بعد طلوع الفجر، لا يجوز أن يفطر.
ولا يجب على الصبي والمجنون صوم رمضان؛ لقول النبي -ﷺ -: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي؛ حتى يبلغ، وعن المجنون؛ حتى يفيق، وعن النائم؛ حتى يستيقظ" ويؤمر الصبي بعد بلوغه سبع سنين إذا أطاق الصوم، ويضرب على تركه إذا بلغ عشر سنين؛ كالصلاة.
وإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون بعد مضي أيام من رمضان -يجب عليه أن يصوم ما بقي منه، ولا يجب عليه قضاء ما مضى.
وعند أبي حنيفة: إذا أفاق المجنون، وقد بقي جزء من رمضان، لزمه قضاء جميع الشهر.
أما إذا بلغ الصبي؛ نظر: إن كان نوى من الليل، ثم بلغ في خلال النهار بالسن، أو بالاحتلام - يجب عليه إتمام صوم ذلك اليوم، ولا يجب قضاؤه.
وقيل: يستحب له إتمام ذلك اليوم، ويجب القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض؛ فهو كتطوع شرع فيه يستحب إتمامه؛ والأول أصح.
[ ٣ / ١٧٦ ]
فلو جامع في ذلك اليوم بعد البلوغ، تجب الكفارة عليه، ولو جامع قبل البلوغ؛ فلا كفارة عليه؛ بخلاف المراهق إذا جامع في الحج يجب عليه الفدية؛ لأن المال في الحج ألزم؛ ولذلك قلنا: إذا جامع ناسيًا يفسد حجه في قول، وفي الصوم لا يبطل.
وإن لم يكن قد نوى الصوم من الليل؛ أكل أو لم يأكل، هل يلزمه قضاء ذلك اليوم؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزمه؛ كما تلزمه الصلاة إذا أدرك شيئًا من الوقت.
والثاني: لاتلزمه؛ بخلاف الصلاة؛ لأنه يمكنه الشروع في الصلاة في الوقت، ولا يمكنه الشروع في الصوم في الوقت؛ فهو كما لو زال العذر بعد ذهاب الوقت لا يلزمه القضاء.
أما المجنون إذا أفاق في خلال النهار، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ قيل: فيه قولان؛ كالصبي.
وقيل: لا يجب هاهنا قولًا واحدًا؛ لأنه لم يكن مأمورًا بالصوم في أول النهار، والصبي كان مأمورًا به.
ولو أسلم كافر في خلال النهار، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟
قيل: فيه قولان؛ كالصبي. وقيل: يجب قولًا واحدًا؛ لأنه كان مخاطبًا بالصوم في أول النهار. بخلاف الصبي؛ فإنه لم يكن مخاطبًا.
أما إذا أغمي على الرجل أيامًا من رمضان، أو جميع الشهر؛ فإذا أفاق، لزمه القضاء؛ بخلاف المجنون؛ لأن الجنون يزيل العقل؛ فزال عنه الخطاب، والاغماء لا يزيل العقل، بل يغشيه؛ فهو كالمرض؛ ولذلك يجوز الإغماء على الأنبياء ﵈، ولا يجوز الجنون عليهم.
وقال ابن سريج: الاغماء كالجنون؛ في أنه إذا استغرق النهار لا يجب القضاء؛ كما في الصلاة يستوي الإغماء والنون في إسقاط القضاء إذا استغرق الوقت.
قلنا: إنما فرقنا بين الصلاة والصوم في الإغماء؛ لأن الصلوات تتكرر في الأيام، وربما يمتد زمان الإغماء؛ فيشق عليه القضاء، والصوم لا يتكرر في السنة، فلا يشق عليه القضاء ما فات منه، ولذلك أوجبنا قضاء الصوم على الحائض، ولم نوجب قضاء الصلاة.
وعلى المغمي عليه القضاء؛ فإن نوى من الليل، ثم أغمي عليه في النهار، هل يبطل صومه نص في الصوم على أنه إذا كان مفيقًا في جزء من النهار، يصح صومه.
وقال في الظهار: إذا كان مفيقًا حالة طلوع الفجر، صح صومه.
وقال في "اختلاف الحديث": إذا حاضت المرأة، أو أغمي عليها، يبطل صومها؛ ففيه
[ ٣ / ١٧٧ ]
دليل على أنه إذا كان مُغمى عليه في جزء من النهار وإن قل، لا يصح صومه؛ كالحيض إذا وجد في جزء من النهار يبطل الصوم.
وقال المزني: صح صومه، وإن استغرق الإغماء جميع النهار إذا كان قد نوى من الليل؛ كما لو نام جميع النهار يصح صومه.
وخرج ابن سريج قولًا من الظهار أنه يشترط أن يكون مفيقًا في طرفي النهار وقت طلوع الفجر، ووقت غروب الشمس.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على خمسة أقوال، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد؛ وهو أنه إذا كان مفيقًا في جزء من النهار يصح صومه؛ كما قال هاهنا. وما ذكر في الظهار ليس المراد منه تعيين حالة طلوع الفجر، بل قصده بيان إفاقته في جزء من النهار. وجوابه في اختلاف الأحاديث يرجع إلى الحيض، والقولان الآخران ليسا للشافعي - ﵁ -.
وقيل: المسألة على قول واحد؛ أنه يشترط أن يكون مقيمًا حالة طلوع الفجر؛ لأنه أول حالة الشروع في الصوم؛ كالنية في الصلاة يعتبر أولها.
وما قال في الصوم أراد به: الجزء الأول من النهار.
وجوابه في اختلاف الأحاديث: راجع إلى الحيض.
أما ما ذكره المزني أنه وإن استغرق جميع النهار يصح صومه؛ كما لو نام جميع النهار.
وقال أبو الطيب بن سلمة إذا نام جميع النهار، ولم ينتبه في جزء منه - لا يصح صومه؛ كما لو أغمي عليه جميع النهار.
والمذهب: أنه يصح صوم النائم؛ بخلاف الإغماء؛ لأن الإغماء يزيل الخطاب؛ ولذلك لا يجب عليه قضاء الصلوات، والنوم لا يزيله؛ فإنه إذا نبه تنتبه؛ فلم يسقط عنه القضاء.
ولو جُن الصائم في خلال النهار، فقد قيل: هو كالإغماء.
والمذهب: أن صومه يبطل؛ لأن الجنون مناف للصوم؛ فإنه يزيل العقل، ولا يجب عليه قضاء ذلك اليوم ولو نوى بالليل، ثم شرب دواء فزال عقله، فان زائل العقل بالنهار - هل يصح صومه ترتب على الإعماء: إن قلنا هناك: لا يصح، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والأصح: أن عليه القضاء؛ لأنه كان بصنعه ولو ارتد الصائم، أو حاضت المرأة الصائمة، بطل صومها، وعليها القضاء.
[ ٣ / ١٧٨ ]
"فصلٌ: فيمن يلزمه التشبه بالصائمين"
إذا أفطر يومًا من رمضان عمدًا، عصى الله - تعالى - وعليه الإمساك، والتشبه بالصائمين.
وكذلك لو نسى النية من الليل، فيلزمه التشبه؛ حتى لو أكل شيئًا عصى الله ﷿.
وكذلك لو أصبح يوم الثلاثين من شعبان مُفطرًا للشك، ثم ثبت أنه من رمضان - يجب عليه الإمساك والتشبه.
ولو طهرت الحائض والنفساء في خلال النهار لا يلزمها التشبه.
ولو أصبح غر صائم بعذر سفر، أو مرضن ثم أقام وبريء في خلال النهار - نظر: إن كان أكل شيئًا، لا يلزمه التشبه بالصائمين، وله أن يأكل، لكنه يُخفي الأكل عن الناس؛ حتى لا يتهم.
وإن كانت امرأته قد طهرت من الحيض، جاز له وطؤها.
وإن لم يكن أكل شيئًا. قيل: إن أقام أو بريء، هل يلزمه التشبه؟ فيه وهان:
أصحهما: لا يلزمه.
وقال أبو حنيفة: يلزمهما التشبه؛ سواء أكلا أو لم يأكلا؛ كالأكل عامدًا.
قلنا: هناك ما أبيح له الأكل، وهاهنا المسافر والمريض أبيح لهما الأكل، وليس كيوم الشك إذا ثبت كونه من رمضان يجب عليه التشبه، مع أن الأكل مباحًا له؛ لأن هناك أبيح له الكل لأن الشهر لم يتحقق؛ فإذا تحقق لزمه التشبه.
والمسافر والمريض أبيح لهما الأكل مع تحقق الشهر، فلم يلزمهما.
ولو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم كافر في خلال النهار - هل يلزمهم التشبه إن قلنا: يجب عليهم قضاء صوم ذلك اليوم، يلزمهم التشبه، وإلا فلا يلزم.
والتشبه يختص برمضان، فمن نذر صوم يوم بعينه، ثم أفسده، أو لم ينو من الليل - يجب عليه القضاء، ولا يلزمه التشبه بالصائمين في ذلك اليوم.
"فصلٌ: في تعجيل القضاء"
من أفطر يومًا من رمضان بغير عذر، عصى الله - تعالى - وإذا خرج رمضان يلزمه تعجيل قضائه، ويعصي بالتأخير.
وإن كان في السفر، وإن أفطر بعذر، يستحب له أن يعجل القضاء، فلو أخر يجوز، بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان الثاني.
[ ٣ / ١٧٩ ]
رُوي عن عائشة قالت: إن كان ليكون على صيام من رمضان، فما أقضي منه؛ حتى يأتي شعبان تعني: بالشغل بالنبي - ﷺ -.
ولو فاتته أيام، يُستحب أن يقضيها متتابعة، فلوقضاها متفرقة جاز، فإن كان عليه صوم اليوم الأول، فقضى ونوى اليوم الثاني - فيه وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لأن تعيين اليوم ليس بواجب عليه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه يقضي غير ما عليه؛ كما لو كان عليه عتق عن كفارة اليمين؛ فنوى عن الظهار -لم يجز.
فإذا أخر القضاء؛ حتى دخل رمضان الثاني؛ نر: إن لم ينقطع عذره إن دام مرضه، أو سفره، حتى مات - فلا شيء عليه؛ كما لو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء، لا زكاة عليه؛ بخلاف الشيخ الهِمِّ إذا مات يطعم عنه؛ لأن الإطعام كان واجبًا عليه في الحياة. وإذا أخر القضاء بلا عذر إلى رمضان الثاني، يجب عليه أن يقضي، ويطعم عن كل يوم مسكينًا مدًا من غالب قوت البلد.
وعن أبي حنيفة - ﵀ - لا يجب الفدية بسبب التأخير.
وإن كان عليه قضاء أيام، يجوز أن يصرف الأمداد كلها إلى مسكين واحد؛ لأن فدية ل يوم بمنزلة كفارة أخرى. فإن فدى، ولم يقض؛ حتى مضى رمضان آخر، عليه القضاء، والفدية ثانيًا. فن لم يقض، ولم يفد؛ حتى مضى رمضانان، هل تتداخل الفديتان؟ فيه وجهان:
أحدهما: تتداخل؛ كالحدود تتداخل.
والثاني: لا تتداخل؛ لأنه من الحقوق المالية، وزاد بالتأخير عن كل رمضان فدية.
فإن كان قد أفطر متعمدًا وقلنا يلزمه الفدية، فلا تدخل فدية الإفطار في فدية التأخير؛ لأن موجبهما مختلف. وكذلك لو أفطر بالجماع، فكان من أهل الإطعام؛ فأخر القضاء، لا تدخل فدية التأخير في الكفارة؛ كما لو كفر - بالصيام لايدخل القضاء في صوم الكفارة. ولو جعل فدية التأخير قبل دخول رمضان الثاني؛ ليؤخر القضاء مع الإمكان - هل يجوز؟ فيه وجهان؛ بناء على جواز تعجيل الكفارة في الجنب المحظور.
ومن مات وعليه صوم عن قضاء رمضان، أو عن نذر وكفارة - هل يجوز لوارثه أن يصوم عنه؟ فيه قولان:
قال في القديم: يصوم عنه؛ لما روي عن عائشة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "من
[ ٣ / ١٨٠ ]
مات وعليه صوم صام عنه وليه" وبه قال أحمد وإسحاق ولأنه عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن يقضي عنه بعد الموت؛ كالحج.
وقال في الجديد: يطعم عنه؛ لما روي عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ- قال:"من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا" والصحيح أنه موقوف على ابن عمر؛ وهذا قول مال، وسفيان، وأبي حنيفة. ولأنه عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فلا تدخل بعد الموت؛ كالصلاة.
فإن قلنا: يجوز أن يصوم وليه، لا يجب عليه ذلك، إلا أن يتبرع. ولو صام عنه أجنبي، فيه وجهان
ولو أمر الولي أجنبيًا؛ حتى صام بأجرة أو غيرها، يجوز؛ الحج.
فإن قلنا: يطعم عنه، فإن كان قد أخر القضاء عن رمضان الثاني؛ فمات، لا تدخل فدية التأخير في فدية القضاء؛ حتى لو قام عشرة أيام من رمضان؛ فأخر فمات أول رمضان الثاني - يجب عليه عشرون مدا: عشرة عن أصل الصوم، وعشرة بسبب التأخير.
ولو أخر القضاة؛ حتى بقي من شعبان عشرة أيام؛ فمات - لا يجب عليه إلا فدية أصل الصوم، ولا يجب عليه فدية التأخير؛ لأنه لم يكن مفرطًا بالتأخير إلى هذا الوقت.
ولو مات يوم الخامس والعشرين من شعبان، يجب عليه خمسة عشر مدًا عشرة عن أصل الصوم وخمسة عن التأخير؛ لأنه مفرط بتأخير خمسة؛ فنه لو عاش لم يمكنه قبل رمضان إلا قضاء خمسة أيام.
ولو مات وعليه صلاة لاتقضي عنه، ولا تسقط عنه بالفدية، وكذلك الاعتكاف.
[ ٣ / ١٨١ ]
وقال أبو حنيفة: يُطعم عنه عن كل صلاة نصف صاع حنطة، أو صاعًا من غيرها.
وحكى البويطي عن الشافعي: من مات وعليه اعتكاف، اعتكف عنه وليه. وفي رواية: يطعم عنه أولياؤه.
قال الشيخ: لا يبعد تخريج هذا في الصلاة؛ فيطعم عن كل صلاة حدًا.
ولو نذر أن يعتكف يومًا صائمًا؛ فتعر عليه، فلم يعتكف ومات - فإن قلنا: يجوز إفراد الصوم عن الاعتكاف، فلا يعتكف عنه الولي. وهل يصوم؟ فعلى قولين.
فإن قلنا: لا يجوز إفراد الصوم، فإن قلنا: لا يصوم عنه الولي، فهاهنا لا يصوم، ويطعم.
وإن قلنا: يصوم عنه الولي، فهاهنا يعتكف عنه الولي صائمًا؛ وإن كانت النيابة لا تجزيء في الاعتكاف، فهاهنا تجوز تبعًا للصوم؛ كما لا تجوز النيابة في الصلاة، وتجوز في ركعتي الطواف؛ تبعًا للحج.
ولو شرع في قضاء رمضان، أو فيصوم الكفارة فأفطر بعذر، أو بغير عذر بالجماع أوغيره - لا كفارة، إنما تجب الكفارة بالجماع في أداء رمضان؛ لحرمة الوقت. ثم ينظر إن كان قد أفطر بغير عذر، فالقضاء عليه مضيق، وإذا أفطر في القضاء يعصي. وكذلك إذا كانت الكفارة لزمت بسبب غير مباح؛ كالقتل بغير حق، فلا يجوز له الفطر؛ لأن التكفير مضيق عليه. وإن كان أفطر رمضان بعذر؛ كالمرض والسفر، أو في صوم كفارة - لزمته بسبب لم يكن عاصيًا فيه؛ فلا يعصي في القضاء. والله أعلم.
"فصلٌ: فيمايلزم الصائم من السنن والآداب"
روي عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
[ ٣ / ١٨٢ ]
السنة للصائم تعجيل الفطر بعد ما تيقن غروب الشمس، ويستجب له أن يتسحر بالليل؛ فيكون أقوى على الصوم.
روي عن أنس؛ أن نبي الله - ﷺ - وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرعا من سحورهما، قام نبي الله - ﷺ - إلى الصلاة قيل لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
ويستحب أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى الماء؛ لما رُوي عن سليمان بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال: "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد التمر فليفطر على الماء؛ فإنه طهور".
ويستحب أن يقول عند الفطر ما روي عن معاذ: قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أفطر قال: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" ويجب على الصائم أن يصون جوارحه بصون بصره عن النظر إلى مالا يحل، ولسانه عن الغيبة والمشاتمة.
[ ٣ / ١٨٣ ]
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فلي سلله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
[ ٣ / ١٨٤ ]
وعن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ - قال: "الصوم جنة؛ فإذا كان أحدكم صائمًا؛ فلا يرفث ولا يجهل؛ فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم".
[ ٣ / ١٨٥ ]
والسنة أن يكثر الصدقة في شهر رمضان، والجود والسماحة أمر مندوب إليه في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر استحبابًا؛ اقتداء برسول الله - ﷺ - وليكن في أهل الحاجة من الصائمين والقائمين بعض مؤناتهم؛ ليتفرغوا للعبادة.
روي عن ابن عباس، قال: كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان.
وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان؛ فيعرض عليه النبي - ﷺ - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
باب صيام التطوع، وما يستحب منه، وما نهي عنه
رُوي عن عائشة - ﵂ - قالت: دخل رسول الله - ﷺ - فقلت: إنا خبئنا لك حيسًا. قال: "أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قريبه".
[ ٣ / ١٨٦ ]
من شرع في صوم تطوع، أو في صلاة تطوع، يستحب له أنيتمه، ولا يخرج منه من غير عذر، فإن خرج جاز، ولا قضاء عليه؛ غير أنه يكره إذا لم يكن له عذر.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء؛ سواء خرج بعذر، أو بغير عذر، ويعصي إن خرج بغير عذر.
وقال مالك: إن خرج عن صوم التطوع بغير عذر عليه القضاء. وبالاتفاق: لو شرع في صلاة ظنها عليه، أو في صوم ظنه عليه؛ فبان أنه لم يكن عليه -جاز له الخروج منه، ولا قضاء عليه.
أما حج التطوع والمظنون إذا شرع فيه، لا يجوز الخروج منه؛ لأن مبناه على اللزوم.
والوصال في الصوم من خصائص رسول الله - ﷺ - وهو أن يصوم يومين فأكثر، ولا يطعم بالليل شيئًا؛ فمن واصل، عصى الله تعالى.
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إياكم والوصال إياكم والوصال إياكم والوصال" قالوا: فإنك تواصل، يا رسول الله. قال: "إني لست كهيئتكم إني أبيت فيطعمني ربي ويسقيني" وهذا العصيان لقصده إلى الوصال، وألا فالفطر قد حصل بدخول الليل؛ كالحائض إذا صلت عصت، وإن لم ين لها صلاة؛ فإن طعم بالليل شيئًا وإن قل، خرج عن النهي.
[ ٣ / ١٨٧ ]
وصوم الدهر مكروه؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنك لتصوم الدهر" قلت: نعم. قال "إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين وتفهت له النفس لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر له قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "فصم صوم داود؛ كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى".
[ ٣ / ١٨٨ ]
روي عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة، أكان النبي - ﷺ - يصوم شهرًا كله؟ قالت: ما علمته صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطر كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله - ﷺ -.
[ ٣ / ١٨٩ ]
وروي أن عائشة كانت تصوم الدهر. فقيل لها: أتصومين الدهر وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن صيام الدهر؟ قالت: من أفطر يوم النحر والفطر فلم يصم الدهر.
ولو نذر رجل صوم الدهر، يلزم، ويكون يوم العيدين والتشريق مستثنى لا يصومها؛ وكذلك يصوم رمضان عن الفرض، لا عن نذر. وإن فاته صوم رمضان بعذر، أو بغير عذر، جب قضاؤه، ويكون ذلك مستثنى عن نذر صوم الدهر؛ كأداء رمضان، ولا فدية عليه. ولو أفطر يومًا من الدهر لا يمكنه القضاء؛ لأن جميع الأيام مستحق للصوم. وهل عليه الفدية لما أفطر؟ نظر: إن أفطر بعذر، لا فدية عليه، وإن أفطر بغير عذر، يجب عليه الفدية. ولو نذر صوم الدهر، ثم نذر صومًا آخر، لا ينعقد الثاني؛ لأن جميع أيامه مستحقة لنذر صوم الدهر. وإن لزمه صوم عن كفارة، يصوم عن الكفارة، ويفدي عن النذر.
ولو نذرت المرأة صوم الدهر، للزوج منعها، ولا قضاء، ولا فدية عليها. فإن أذن لها الزوج، فمل تصم، أو بعد موت الزوج، لا يمكن القضاء، ويجب الفدية.
وصوم يوم "عرفة" مستحب لغير الحاج؛ وهو أفضل أيام السنة.
روي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله - ﷺ- "صيام يوم عرفة كفارة سنتين: السنة التي قبلها، والسنة التي بعدها. وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة".
[ ٣ / ١٩٠ ]
أما الحاج فيستحب له ألا يصوم يوم "عرفة"؛ لأن النبي - ﷺ - لم يصمه؛ وأن الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه عن الدعاء.
وصوم عاشوراء كفارة سنة.
روي عن ابن عباس قال: ما علمت رسول الله - ﷺ - صام يومًا يتحرى صيامه على الأيام إلا هذا اليوم يعني: يوم عاشوراء.
واختلف العلماء في يوم عاشوراء: قال بعضهم: هو اليوم العاشر من المحرم.
وقال بعضهم: هو اليوم التاسع.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود" وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق.
ويستحب صوم الإثنين والخميس؛ لما روي عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يتحرى صوم الإثنين والخميس.
وعن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس
[ ٣ / ١٩١ ]
وأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم".
[ ٣ / ١٩٢ ]
ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده".
وإفراد يوم السبت بالصوم مكروه؛ لأنه يوم اليهود.
روي عن عبد الله بن بسر عن أخته (الصماء) أن رسول الله - ﷺ - قال:"لا
[ ٣ / ١٩٣ ]
تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه".
ويستحب صيام أيام البيض؛ وهي اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من الشهر. روي عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام،
[ ٣ / ١٩٤ ]
فضُم ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر".
ويستحب أن يصوم ستة أيام من شوال؛ لما روي عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من صام من رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال، ان كصيام الدهر".
[ ٣ / ١٩٥ ]
والأفضل أن يصوم الست متتابعًا من أول شوال بعد يوم العيد؛ لأن تعجيل العبادة أفضل.
وعند أبي حنيفة: يفرقها في الشهر.
ولا يجوز صوم يومي العيد، وأيام التشريق؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - نهى ن صوم يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر.
[ ٣ / ١٩٧ ]
وعن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله - ﷺ-: "أيام التشريق أيام أكل وشرب. ولو صام يوم العيد لا يصح، ولو نذر صومه لا ينعقد.
وقال أبو حنيفة: ينعقد نذره، ويصوم يومًا آخر، وكذلك أيام التشريق، ولو صام فيها لا يصح.
[ ٣ / ١٩٨ ]
وقال في القديم: يجوز للمتمتع إذا لم يجد الهدي، ولم يصم ثلاثة أيام في الحج - أن يصوم أيام التشريق؛ وهو قول ابن عمر، وعائشة. ثم رجع عنه الشافعي في الجديد.
أما صوم آخر، لا يجوز فيها بالاتفاق.
[ ٣ / ٢٠١ ]
وإذا انتصف شعبان، يكره الصوم استقبالًا للشهر، إلا أن يوافق صومًا كان يصومه من قبل.
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا".
ولا يجوز للمرأة أن تصوم التطوع وزوجها حاضر، إلا بإذنه.
روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه".
"باب الاعتكاف"
قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿طَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].
[ ٣ / ٢٠٢ ]
روي عن عائشة؛ أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
الاعتكاف سُنة مستحبة، وهو من الشرائع القديمة، ويجوز في جميع الأزمنة؛ ليلًا ونهارًا؛ غير أن في شهر رمضان في العشر الأواخر أفضل؛ اقتداء برسول الله - ﷺ - وطلبًا لليلة القدر. وليلة القدر أفضل ليالي السنة، خص الله بها هذه الأمة. قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] وهي باقية في الأمة إلى يوم القيامة، وعامة العلماء على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر.
روي عن عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: من يقم الحول يصب ليلة القدر.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
قال زر بن حبيش: سألت أبي بن كعب؛ فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال﵀ -: أراد لا ينكل الناس، أما أنه علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة تسع وعشرين. فقلت: بأي شيء يقول ذلك، يا أبا المنذر؟ قال: قال بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله - ﷺ - تطلع الشمس يومئذ لا شعاع لها.
ومال الشافعي إلى أنها ليلة إحدى وعشرين؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - ﷺ - كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، واعتكف عامًا؛ حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين؛ وهي التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها؛ فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر" فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش؛ فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله - ﷺ- انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.
وقد مال أيضًا إلى ثالثة وعشرين؛ لما روي أيضًا عن عبد الله بن أنيس؛ أنه قال لرسول الله - ﷺ - إني أكون بباديتي، وني أصلي لهم فمر بي ثلاثة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصلي فيه. فقال: انزل ليلة ثلاث وعشرين.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
ويستحب أن يطلبها في العشر في لوتر منها؛ لما روي عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "تحزروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" وإنما أخفى الله - ﷿ - هذه الليلة؛ حتى لا يتكل الناس عليها؛ فيدعوا إحياء سائر الليالي، بل يحبوا جميع ليالي العشر؛ فيكثر ثوابهم؛ كما أخفي ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة؛ فيشغل الإنسان أكثر ساعاته بالدعاء؛ فيكثر ثوابه.
والاعتكاف يختص بالمسجد، ويجوز في جميع المساجد، والمسجد الجامع أفضل؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة؛ أما العبد والمسافر والمرأة، فلهم أن يعتكفوا في أي مسجد شاءوا لأنه لا جمعة عليهم. ولو اعتكفت المرأة في مسجد بيتها، ففيه قولان:
[ ٣ / ٢٠٩ ]
أصحهما: وهو قوله الجديد -: لا يصح؛ لأن نساء النبي - ﷺ - اعتكفن في المسجد ولأن مكان صلاتها في البيت ليس له حكم المسجد، بدليل أنه يجوز تغيره، ويجوز للجنب الجلوس فيه.
وقال في القديم: يجوز؛ لأن مكان صلاتها؛ كالمسجد في حق الرجل.
ولو نذر أن يعتكف في مسجد عينه؛ نظر: إن عين مسجدًا غير المساجد الثلاثة؛ وهي المسجد الحرام، ومسجد المدينة والأقصى - فلا يتعين، وله أن يعتكف في أي مسد شاء؛ لأنه لا مزية لبعضها على بعض في الحرمة والفضيلة.
وكذلك لو نذر أن يصلي في مسجد عينه غير هذه الثلاث، جاز له أن يصلي في أي مسجد شاء.
ومن أصحابنا من قال: إن عين مسجدًا. للاعتكاف، تعين؛ بخلاف الصلاة؛ لأن الاعتكاف اختصاص بالمسجد؛ حتى لا يجوز في غيره، والصلاة يجوز أداؤها في غير المسجد. فإذا عين لها مسجدًا لا يتعين، أما إذا عين للاعتكاف والصلاة مسجدًا من المساجد الثلاثة؛ نظر: إن عين المسجد الحرام يتعين، ولا يخرج عنه للاعتكاف، والصلاة إلى غيره؛ لما روي أن عمر قال لرسول الله - ﷺ -:"إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد
[ ٣ / ٢١١ ]
الحرام". فقال النبي - ﷺ-: "أوف بنذرك".
ولو عين مسجد الرسول - ﷺ - أو المسجد الأقصى - هل يتعين، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: يتعين؛ كما لو نظر أن يصلي، أو يعتكف في المسجد الحرام؛ لأن النبي - ﷺ - خص هذه المساجد بشد الرحال إليها.
ورُوي عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي - ﷺ - قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
[ ٣ / ٢١٢ ]
والثاني: لا يتعين؛ لأنه لا يجب قصدهما بالنسك، وله أن يصلي ويعتكف في أي مسجد شاء؛ كما لو عين مسجدًا آخر.
فإن قلنا: يتعين، ويلزم: فإن عين المسجد الحرام، فلا يخرج عن نذره بالاعتكاف والصلاة في غيره؛ لأنه أفضل المساجد.
روي عن عبد الله بن الزبير؛ أن النبي - ﷺ - قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي".
[ ٣ / ٢١٥ ]
وإن عين مسجد المدينة، يخرج إذا أتى به فيه، أو في المسجد الحرام، ولا يخرج إذا أتى به في مسجد آخر.
روي عن جابر؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك "مكة" أن أصلي في بيت المقدس ركعتين. فقال النبي - ﷺ -: "صل هاهنا" ثم أعاد عليه. فقال "صل هاهنا" فأعاد عليه فقال: "فشأنك إذًا".
وإن عين المسجد الأقصى، فيخرج عن نذره إذا أتى به فيه، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسولﷺ -؛ لأنه أفضل، ولا يخرج به إذا أتى في مسجد آخر.
"فصلٌ: فيمن يصح منه الاعتكاف"
ولا يصح الاعتكاف إلا من مسلم عاقل؛ فلو اعتكف كافر أو مجنون، لا يصح؛ كما لا يصح صلاته وصومه.
ولا يجوز للمرأة أن تعتكف بغير إذن زوجها؛ لأن الزوج يستحق الاستمتاع بها، ولا للعبد أن يعتكف بغير إذن سيده؛ لأن منفعته مستحقة للسيد، فإن اعتكفت المرأة بإذن الزوج، أو العبد بإذن السيد - يجوز له أن يخرجه؛ لأنه تطوع لا يلزم بالدخول فيه.
[ ٣ / ٢١٩ ]
ولو نذر أحدهما اعتكافًا ينعقد، ويعتكف العبد بعد العتق، والمرأة بعد الفراق، فإن أذن لهما الزوج والسيد؛ فدخلا وإن كانا عينًا زمانًا للنذر لم يجز لهما إخراجهما؛ لأن الخروج منه لا يجوز؛ فلا يجوز لهما الإخراج؛ كما لو كان الزمان متعينًا. وإن لم يكن متتابعًا، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز إخراجهما؛ لوجود الإذن منهما.
والثاني: يجوز؛ لأن الإذن غير متعين له.
وإن نذرت المرأة بإذن الزوج، أو العبد بإذن السيد، فإن لم يكن متعلقًا بزمان، لم يجز له أن يدخل بغير إذن الزوج، أو المولى؛ لأنه ليس على الفور. وإن كان متعلقًا بزمان بعينه، جاز لهما أن يدخلا بغير الإذن.
ولو اعتكف المكاتب بغير إذن المولى، هل له إخراجه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه لا حق له في منفعته.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يتضرر بقعوده عن تحصيل المال.
أما من نصفه حر ونصفه رقيق، فإن لم يكن بينه وبين المال مهايأة فهو كالعبد، وإن كنا بينهما مهايأة ففي اليوم الذي هو للمولى؛ كالعبد في يوم نفسه كالحر.
"فصل: في الاعتكاف بصوم وبغير صوم"
والأفضل أن يعتكف صائمًا؛ لأن النبي - ﷺ - كان يعتكف في رمضان، فإن اعتكف بغير صوم جاز؛ حتى لو اعتكف بالليل، أو في يوم العيد وأيام التشريق، يجوز؛ لما
[ ٣ / ٢٢٠ ]
روي عن ابن عمر أن عمر سأل النبي - ﷺ - قال: كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال "أوف بنذرك".
ولو كان الصوم شرطًا في الاعتكاف، لم يجز بالليل وحده.
وعند أبي حنيفة: الصوم شرط لصحة الاعتكاف؛ حتى لا يصح الاعتكاف في يوم العيد، وأيام التشريق.
وبالاتفاق: لو اعتكف أيامًا يكون بالليالي معتكفًا، وإن لم يكن صائمًا، ولو كان الصوم شرطًا لخرج عنه باللي؛ كما يخرج عن الصوم.
ولو نذر أن يعتكف يومًا صائمًا، يجب أن يعتكف صائمًا؛ حتى لو أفطر يلزمه أن يستأنف اعتكاف يوم صائمًا، ولا يجوز إفراد الصوم عن الاعتكاف.
وكذلك إذا قال: أعتكف يومًا بصوم أو قال: أصوم معتكفًا، لا يجوز إفراد أحدهما عن الآخر. هذا هو المذهب.
ولو اعتكف عن نذره في رمضان، لا يخرج عن نذره.
وفيه وجه: أنه يجوز إفراد أحدهما عن الآخر فإن اعتكف صائمًا فأفطر، يتم الاعتكاف، ويستأنف صوم يوم بلا اعتكاف. ولو صام يومًا عن النذر، ثم اعتكف يومًا آخر يجوز.
ولو اعتكف رمضان خرج عن نذر الاعتكاف، وعليه صوم يوم؛ لأنهما عبادتان مختلفتان؛ فلا يلزم الجمع بينهما بالنذر، كما لو نذر أن يصلي ويصوم، ولا يلزم الجمع بينهما بالنذر. والمذهب الأول؛ لأن الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف؛ فيلزمه بالنذر؛ كالتتابع.
ولو قال: لله علي أن أعتكف يومًا، وأنا فيه صائم؛ لا يجوز الإفراد وجهًا واحدًا.
ولو اعتكف في رمضان يجوز؛ لأنه لم يلتزم الصوم بالنذر، إنما وصف نفسه في الاعتكاف بصفة، وقد وجد؛ كما لو قال: أعتكف في رمضان.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
ولو نذر أن يصلي معتكفًا، يلزمه الاعتكاف والصلاة [و] هل يجوز إفراد أحدهما عن الآخر؟ ترتب على الصوم: إن جوزنا هناك، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أن بين الاعتكاف والصوم مجانسة من حيث إن كل واحد كف وإمساك، والصلاة أفعال تباشر، ولذلك جعل بعض العلماء الصوم شرطًا في الاعتكاف. ولاخلاف أنه لا يلزمه الصلاة إلا ركعتين، وإن كان نذر اعتكاف أيام مُصليًا، لا يلزمه كل يوم إلا ركعتان.
"فصلٌ: في النية في الاعتكاف"
النية شرط في الاعتكاف؛ حتى لو مكث أيامًا في المسجد بلا نية، فلا يكون معتكفًا. فإن دخل ونوى، كان معتكفًا؛ وإن لم يمكث إلا ساعة.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
وإن كان الاعتكاف فرضًا، يجب أن ينوي فرض الاعتكاف؛ ليتميز عن التطوع.
فلو دخل في الاعتكاف، ثم نوى الخروج، هل يخرج؟ فيه وجهان؛ كالصوم.
ولا تقدير لزمان الاعتكاف؛ فلو نذر اعتكاف ساعة تنعقد، ولو نذر أن يعتكف مطلقًا، يخرج عن نذره باعتكاف ساعة؛ كما لو نذر أن يتصدق؛ فتصدق بما شاء من قليل وكثير. وقد قال الشافعي: يجب أن يعتكف يومًا. وإنما قال ذلك؛ للخروج فإن أبا حنيفة لا يجوز اعتكاف أقل من يوم.
وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان، يستحب أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس من بعد العشرين؛ حتى لا يفوت شيء من ليلة الحادي والعشرين؛ لاحتمال أن تكون ليلة القدر، ويخرج بعد غروب الشمس من ليلة العيد، والمستحب أن يمكث فيه ليلة العيد، ويخرج منه إلى المُصلى [و] يرجع من المصلى إلى بيته.
ولو نذر اعتكاف العشر الأواخر، يدخل قبل غروب الشمس من يوم العشرين، ليستوفي العشر، ويخرج إذا دخل ليلة العيد؛ سواء خرج الشهر ناقصًا أو كاملًا؛ لأن العشر عبارة عن ما بعد العشرين إلى آخر الشهر.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وكذلك لو قال: هذه العشر. فإن قال: عشرة أيام من أخر شهر رمضان، فخرج الشهر ناقصًا، عليه أن يضم غليها يومًا بليلته، فإن دخل المعتكف يوم التاسع عشر، خرج بانقضاء الشهر، فإذا دخل المسجد بنية الاعتكاف؛ فلم ينو مدة، فإذا خرج لقضاء حاجة، أو أكل، أو لأداء شغل كان خرج من الاعتكاف. فإذا عاد يحتاج إلى تجديد النية، وإذا دخل بنية أن يعتكف عشرة أيام، وكان نذر اعتكاف عشرة أيام مطلقًا؛ فدخل المعتكف بنية العشرة - له الخروج لقضاء حاجة، والعبادة، وأداء الشهادة، ولما شاء؛ لأن التتابع لا يلزمه؛ فإذا خرج وعاد، هل يحتاج على تجديد النية نظر: إن خرج لأمر لا يقطع التتابع نظر: إن كان أمرًا لابد له منه؛ كالبول والغائط ولاغتسال والآذان - فلا يحتاج على تجديد، وإن كان لأمر له منه بُد، وطال الزمان، ففيه وجهان. ويمكن بناء الوجهين على الوجهين في أنه إذا فرق الوضوء، وطال الفصل فبعد النية هل يحتاج إلى تجديد النية؟ فيه وجهان.
"فصل: في تتابع الاعتكاف وتفريقه"
إذا نذر اعتكاف عشرة أيام مطلقًا، يستحب أن يعتكف متتابعًا، ولو فرق يجوز.
ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعًا، يلزمه التتابع. ولو نوى بقلبه التتابع، هل يلزمه التتابع؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه لا يلزم؛ كما لو نذر الاعتكاف بقلبه لا يلزم.
ولو نذر أن يعتكف عشرة متفرقة، يجوز متفرقًا ومتتابعًا، لأن التتابع أفضل؛ فجاز أن يسقط الأدنى بالأفضل؛ كما لو نذر أن يعتكف في غير المسجد الحرام، كان له أن يعتكف في المسجد الحرام. كان له أن يعتكف في المسجد الحرام. وإذا نذر عشرة أيام متتابعًا، أو شهرًا بعينه متتابعًا؛ فخرج بغير عذر - يلزمه استئناف العشر، أو الشهر متتابعًا.
ولو نذر أن يعتكف من هذه العشرة، أو عشرة من الآن، أو قال شهرًا عينه؛ مثل: أن كان شهر رجب، أو عشرة أيام من أول رجب - يلزمه أن يعتكف متتابعًا؛ لأن الوقت متعين فإن خرج بغير عذر، لا يلزمه الاستئناف وإن فاته ولم يعتكف تلك العشر، أو ذلك الشهر، يجب عليه قضاؤه، ولا يلزمه التتابع في القضاء؛ لأن التتابع في أدائه كان لحق الوقت، فذا فات سقط التتابع؛ كالتتابع في صوم رمضان لازم، فإذا صار قضاء لا يلزمه فيه التتابع.
ولو نذر اعتكاف عشرة أيام بعينها متتابعًا، أو قال: اعتكف شهر رجب متتابعًا، فإذا خرج بال عذر هل يلزمه الاستئناف؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح عندي -: يجب؛ ما لو نذر أيامًا بعينها متتابعة.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
والثاني: لا يجب؛ لأن التعيين يغني عن التقييد بالتتابع في وجوب التتابع فيلغو ذكر التتابع.
قال الشيخ: وكذلك إذا صار قضاء، هل يلزمه التتابع في القضاء؟ فعلى هذين الوجهين. ولو نذر اعتكاف يوم، يلزمه أن يدخل المعتكف قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس، ولا يلزمه الليل. وإن دخل نصف النهار، ومكث إلى ذلك الوقت من اليوم الثاني- جاز، ولو خرج بالليل، أو فرق اعتكاف يوم على ساعات الأيام - هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما لو نذر أن يعتكف شهرًا يجوز تفريق الشهر على أيام الشهر.
والثاني: لا يجوز؛ لأن اليوم يعرف منه اليوم المتصل دون الساعات.
ولو نذر اعتكاف يوم من الآن، يلزمه دخول المعتكف في الوقت إلى ذلك الوقت من اليوم الثاني، ولا يجوز أن يخرج بالليل؛ لأنه يقتضي يومًا متتابعًا.
ولو نذر اعتكاف يومين، هل يلزمه اعتكاف الليلة المتخللة بينهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزم، إلا أن يريد بياض النهار؛ كما لو نذر اعتكاف عشرة أيام، يلزمه مع الليالي، إلا أن يريد الأيام دون الليالي؛ فلا يلزمه الليالي.
والثاني: لا يلزمه، إلا أن ينوي، أو يقيد بالتتابع.
وقيل: له إذا نذر اعتكاف عشرة أيام، هل تلزمه الليالي؟ فيه وجهان:
وإن نذر اعتكاف ليلتين، هل يلزمه النهار المتخلل بينهما فعلى هذين الوجهين.
أما إذا نذر اعتكاف شهر، تلزمه الليالي والأيام؛ لأن الشهر اسم يتناول الكل ولو نذر اعتكاف شهر، ونوى الأيام، فيه وجهان:
قال الشيخ القفال: لا تلزمه الليالي؛ كما لو نذر عشرة أيام، أو ثلاثين يومًا، وأراد الأيام.
والثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: تلزمه الليالي؛ لأن اسم الشهر يتناول الكل.
ولو استثنى بقلبه الليالي يصح الاستثناء بالقلب
ولو نذر اعتكاف شهر غير متعين، فدخل المعتكف، فالشهر يكون بالهلال، وإن خرج ناقصًا، وإن دخل في خلال الشهر، فيعتكف ثلاثين يومًا.
ولو نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم ليلًا، لا يلزمه شيء، وإن قدم
[ ٣ / ٢٢٧ ]
نهارًا يلزمه أن يعتكف بقية النهار. وهل يلزمه أن يقضي من يوم آخر بقدر ما مضى من النهار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا، لأن وقت الوجوب من حين قدم فلان.
والثاني: يجب؛ كأنه قال: لله علي أن أعتكف اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان، فإذا قدم تبينا أن الاعتكاف لزمه من أول النهار، ولا يلزمه الليلة المتخللة؛ وهذا بناء على ما لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم نهارًا - هل يلزمه شيء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم، لأن صوم بعض النهار لا يتصور؛ فعلى هذا: هاهنا لا يلزمه الاعتكاف بقية النهار.
والثاني: يلزمه صوم يوم كامل، وكأنه نذر أنيصوم اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان؛ فعلى هذا: يجب أن يتم الاعتكاف يوم.
اختار المزني: أنه يستأنف اعتكاف يوم؛ حتى يون اعتكافه موصولًا، ونحن نقول: الأولى أن يعتكف بقية النهار، ومن الغد بقدر ما مضى؛ لأن الإتيان بالعبادة في وقتها أولى؛ فإن قدم فلان، وهو مريض أو محبوس؛ فإذا زال العذر، يقضي يومًا كاملًا على أحد القولين.
وعلى القول الثاني: يقدر ما كان باقيًا من النهار حالة قدوم فلان؛ لأنه فرض وُجد شرطه في المرض؛ فثبت في الذمة؛ كصوم رمضان.
وقال القاضي أبو حامد: لايلزمه؛ لأن ما لا يقدر عليه لا يدخل في النذر؛ كما لو نذرت المرأة صوم يوم بعينه؛ فحاضت فيه.
فصلٌ: فيما يقطع التتابع ويبطل الاعتكاف
رُوي عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكف أدنى إلى رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
إذا نذر اعتكافه متتابعًا؛ فخرج من المسجد بغير عذر، أو انتقل إلى مسجد آخر بغير عذر - بطل اعتكافه، وانقطع التتابع؛ فعليه الاستئناف، وإذا أخرج رأسه بغير عذر من المسجد، لا يبطل اعتكافه. ون أخرج رجليه معتمدًا عليهما، كان خارجًا. فإن مد رجليه قاعدًا؛ فأخرجهما، لم يكن خارجًا.
وكذلك لو حلف ألا يدخل دار فلان، فأدخل فيها رأسه أو رجليه غير مُعتمد عليهما - لم يحنث.
وإذا خرج لقضاء الحاجة من البول أو الغائط؛ سواء كانت داره قريبة أو بعيدة، إذا لم يكن متفاحشًا لا يبطل اعتكافه، فإن كان بعيدًا متفاحشًا؛ بحيث تذهب أكثر أوقاته في التردد - نر: إن لم يجد في الطريق موضعًا يقضي فيه حاجته، أو كان دخول دار صديق له لا يبطل اعتكافه، وإن وجد ولم يكن تمنعه المروءة ففيه وجهان. وإن كانت له داران: أحدهما أقرب؛ فذهب إلى الأبعد، بطل اعتكافه؛ لأنه لا حاجة إليه.
وقال ابن أبي هريرة: لا يبطل اعتكافه، ولا يجوز أن يخرج لتجديد الوضوء، ولا للوضوء عن النوم مع إمكان أن يتوضأ في المسجد في طست أو إناء.
ولو احتلم؛ فخرج للاغتسال، لا يبطل اعتكافه. ولا يجوز أن يخرج من المسجد للأكل؛ فإن خرج بطل اعتكافه؛ لأنه يمكنه الأكل في المسجد.
وقال أبو إسحاق: يجوز، ولا يبطل اعتكافه؛ لأنه يستحي من ذلك. ولا يجوز أن يخرج لعيادة مريض، ولا لصلاة جنازة، فإن فعل بطل اعتكافه.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
ولو خرج لقضاء الحاجة؛ فعاد في الدار، أو في الطريق مريضًا مارًا، أو قعد قعدة خفيفة- لم يبطل اعتكافه. وإن مكث عنده ساعة، أو احتاج إلى العدول عن الطريق، أو الوقوف للاستئذان - بطل اعتكافه وكذل إذا خرج لقضاء الحاجة؛ فأكل شيئًا في الطريق مارًا، أو جلس فحسا حسوة أو حسوتين، أو أكل لقمة أو لقمتين.
ولو صلى في الطريق على جنازة، بطل اعتكافه عن لم تتعين، وإن تعين فوجهان. وإن حاد عن الطريق لأجله بطل، وإن دُعي لأداء شهادة إن تعين عليه يجب الإجابة، وألا فعلى وجهين:
فإن قلنا: لا يجب الإجابة، فإذا أجاب وخرج، بطل اعتكافه، وانقطع التتابع.
وإن قلنا: يجب الإجابة، هل يبطل اعتكافه؟ وفيه وجهان:
الأصح: يبطل؛ وهو المنصوص.
وإن خرج للأذان والمنارة في رحبة المسجد لا يبطل اعتكافه. وإن كانت خارجة عن رحبة المسجد، ففيه ثلاثة أوجه:
[ ٣ / ٢٣١ ]
أحدهما: يجوز، ولا يبطل اعتكافه؛ لأنها بنيت للمسجد؛ كما لو كانت في رحبة المسجد.
والثاني: لا يجوز، ويبطل اعتكافه؛ لأن الأذان في المسجد جائز.
والثالث - وهو الأصح -: يجوز للمؤذن الراتب، ووقع زمان الأذان مستثنى، ولا يجوز لغيره، ويبطل اعتكافه. ولو خرج إلى والٍ أو غيره ليعلمه الصلاة، بطل اعتكافه.
ويُكره الأذان للولاة، ويجب الخروج لصلاة الجمعة، ولا يجوز تركها للاعتكاف. وإذا خرج لهان هل يبطل اعتكافه فيه قولان:
أحدهما: لا يبطل اعتكافه، لأنه خرج لما لابد منه؛ كما خرج لقضاء حاجة.
والثاني -وهو الأصح-:يبطل؛ لأنه يمكنه الاحتراز عنه؛ بأن يعتكف في الجامع؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج؛ كما لو شرع في صوم الشهرين المتتابعين في شعبان لا يكون محسوبًا؛ لأنه يخرج منه بصوم رمضان.
فإن قلنا: يبطل اعتكافه؛ فإن كان اعتكافه أقل من أسبوع، ابتدأ حيث شاء من أول الأسبوع؛ وإن كان أكثر من الأسبوع، يجب أن يبتدئه في الجامع؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج للجمعة، وإن كان قد عين مسجدًا للاعتكاف سوى الجامع، وقلنا: يتعين؛ يجب الخروج للجمعة، ويعصي لو تركها، ثم هل يبطل تتابعه؟ فيه وجهان.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
وإن قلنا: يبطل، فلا يخرج عن نذره، إلا أن يمرض؛ فتسقط عنه الجمعة، أو يتركها عاصيًا، ويمضي في اعتكافه.
ولو حاضت المرأة المعتكفة، يجب عليها الخروج، ثم إن كانت مدة نرها لا تخلو عن الحيض غالبًا؛ بأن نذرت أكثر من خمسة عشر - لا يبطل السابع؛ لأن طهرها قد لا يزيد على خمسة عشر، فإذا طهرت بنت على اعتكافها. وإن كان خمسة عشر، أو أقل، فعلى جوابين؛ بناء على أنه هل يقطع تتابع صوم اليمين؟ فيه قولان.
وكذلك لو نفست؛ فإن لزمتها عدة طلاق أو وفاة، عليها أن تخرج للاعتداد، فلو مكثت عصت، ولكن تخرج عن نذر الاعتكاف. وإن خرجت فهل تبنى بعد انقضاء العدة، أم تستأنف؟ فيه قولان:
الأصح: تبني؛ بخلاف ما لو خرج لأداء الشهادة الواجبة عليه، قلنا: يستأنف؛ على الأصح؛ لأن الشهادة تتحمل للأداء، وإذا اختار التحمل فقد جلب إلى نفسه الأذى، والنكاح لا ينعقد للفراق، والعدة لزمتها بلا اختيار منها.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
وإن كان اعتكافها بإذن الزوج، وأذن الزوج في الاعتكاف لها عشرة أيام - هل لها إكمال تلك العشرة بعد طلاق الزوج، أو وفاته؟ فيه قولان:
فإن جوزنا إكمالها؛ فخرجت، بطل اعتكافها، وإذا خرجت من العدة استأنفت.
فإن أحرم المعتكف، فإن أمكنه أن يتم الاعتكاف، ثم يخرج فيحج لا يجوز أن يخرج؛ لأنه غير محتاج إليه. فإن خاف فوت الحج، خرج للحج، وبطل اعتكافه؛ فإذا فرغ استأنف.
ولو مرض مرضًا لا يؤمن معه تلويث المسجد؛ كانطلاق البطن، وسلس البول، والجُرح السائل؛ فخرج - لا يبطل اعتكافه؛ كما لو خرج لقضاء الحاجة. وإن كان مرضًا يسيرًا يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة؛ فخرج - بطل اعتكافه؛ وإن كان مرضًا يحتاج فيه إلى الفراش، ويشق معه المقام في المسجد - فله الخروج. وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان:
[ ٣ / ٢٣٤ ]
فإن قلنا: يبطل، فإذا بريء، عاد وبنى، فإن مكث بعد البرء، وجب الاستئناف. فإذا جوزنا البناء، فزمان خروجه لا يكون محسوبًا من مدة الاعتكاف.
ولو جُن أو أغمي عليه؛ فأخرج من المسجد، لم يبطل اعتكافه؛ لأنه لم يخرج باختياره، وكذلك لو حمل العاقل؛ فأخرج مكرهًان فإذا أفاق وأطلق بنى.
ولو خرج ناسيًا، لم يبطل، كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسيًا أو أكره؛ حتى خرج، فعلى قولين. ولو أخرجه السلطان؛ نظر: إن أخرجه لإقامة حد ثبت عليه بإقراره، أو لدين هو قادر على أدائه وهو مماطل - بطل اعتكافه.
وإن ثبت عليه حد بالبينة؛ فأخرجه لإقامته، فهل يبطل اعتكافه؟ فيه وجهان.
وإن أخرجه ظُلمًا فعلى قولين كالمكره. وكذلك عن خاف من شيء؛ فخرج، أو خاف من الم؛ فخرج واستتر فيه قولان.
ولو سكر المعتكف، ثم أفاق نص الشافعي على أنه يستأنف. وقال: لو ارتد ثم عاد،
[ ٣ / ٢٣٥ ]
بنى على اعتكافه؛ فقيل: فيهما قولان، وليس بصحيح.
واختلفوا فيه منهم من قال: لا يبطل فيهما الاعتكاف إذا لم يخرجا من المسجد.
وقوله في السكر: يستأنف، أراد به: إذا خرج أو أخرج لإقامة الحد عليه.
ومنهم من قال: قوله في الردة: يبني، أراد به: إذا ارتد ساعة يسيرة، ولم يطل. وإن طال زمان الردة استأنف، وزمان السكر يمتد؛ فيجب الاستئناف. وهذا لا يصح؛ لأن ما يبطل الاعتكاف لا فرق بين قليله وكثيره؛ كالخروج من المسجد.
ومنهم من قال- وهو الصحيح-: يبطل اعتكافه في الموضعين جميعًا؛ خرج من المسجد، أو لم يخرج؛ لأن السكران خرج عن أن يكون من أهل المسجد، قال الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وأراد مواضع الصلاة، والمرتد خرج من أن يكون من أهل العبادة.
ونصه في الردة فيما إذا لم يكن اعتكافًا متتابعًا؛ بأن نر اعتكاف عشرة أيام مطلقًا؛ فاعتكف خمسة أيام، ثم ارتد - والعياذ بالله ﷿ - فإذا عاد، لا يجب إعادة ما اعتكف. ونصه في السكر في الاعتكاف المتتابع.
ومنهم من فرق على ظاهر النص؛ فقال: السكران يستأنف؛ لأنه ممنوع من المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] والمرتد إذا عاد بنى؛ لأن الكافر ممنوع من المسجد؛ لأن النبي - ﷺ - أن يحبس الأسارى في المسجد فكل موضع جوزنا له الخروج للعذر، ولم يبطل اعتكافه، فإذا زال العذر، فعليه أن يعود، فإن لم
[ ٣ / ٢٣٦ ]
يَعُدْ بطل اعتكافه. وكل موضع أبطلنا اعتكافه، يجب عليه الاستئناف بنية جديدة. وإن لم يبطل اعتكافه وجوزنا البناء؛ فإن [كان] خروجه لأمر لابد منه، وكان يسيرًا؛ كقضاء الحاجة، والاغتسال، والأذان- فلا يجب تجديد النية إذا عاد، وإن طال فعلى وجهين.
قال الشيخ: البناء على الوضوء.
ولا يجوز للمعتكف أن يجامع امرأته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فلو جامعها عالمًا، عصى الله - ﷿ - وبطل اعتكافه؛ سواء جامع في المسجد، أو خرج لقضاء الحاجة؛ فجامع. ولو جامع ناسيًا، لا يبطل اعتكافه؛ كما لا يبطل صومه. ولو لمسها بغير شهوة، يجوز؛ فإن عائشة كانت تُرجل رأس رسول الله - ﷺ - وهو معتكف.
ولو لمسها بشهوة، أو قبلها، أو باشرها فيما دون الفرج فهو حرام على المعتكف. وهل يبطل بها اعتكافه؟ فيه قولان:
أحدهما - وهو الأصح -: يبطل بها الاعتكاف؛ لأنها مباشرة محرمة في الاعتكاف فيبطل الاعتكاف؛ كالجماع.
والثاني: لا يبطل؛ لأنها مباشرة لا تبطل الحج؛ فلا تبطل الاعتكاف؛ كالقبلة بغير الشهوة.
واختلفوا في محل القولين: منهم من قال: محل القولين إذا لم ينزل الماء فإن أنزل بطل؛ ما يبطل الصوم بالإنزال.
ومنهم من قال: محل القولين إذا أنزل فن لم ينزل فلا يبطل به الاعتكاف؛ كما لا يبطل الصوم.
ومنهم من قال: أنزل أو لم ينزل، ففيها قولان.
ولو استمنى إن قلنا: إذا أنزل باللمس لا يبطل اعتكافه، فهاهنا أولى، وإلا فعلى وجهين: وكل موضع لزم المعتكف غسل الجنابة إما من احتلام، أو من جماع ناسيًا، أو باشر دون الفرج؛ فأنزل، وقلنا: لا يبطل اعتكافه، فمكث في المسجد، يعصي الله ﷿، ولا يحسب زمان الجنابة عن الاعتكاف، وكذلك زمان السكر إذا لم يخرج عن المسجد؛ لأنهما ممنوعان عن المسجد قال الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] يعني: موضع الصلاة، إلى أن قال: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وقيل: تحسب فيهما؛ لأنه ليس فيه إلا أنه عاصٍ؛ ما لو أكل حرامًا.
وقيل: لا يحسب زمان الجنابة، ويحسب زمان السكر، لأن عصيان الجُنب لأجل المُكثِ في المسجد، وعصيان السكر ليس لأجل المُكث، بل لشرب الخمر. والأول المذهب؛ حتى لو نذر اعتكافًا؛ فاعتكف جنبًا، لا يحسب، كما لو نذر أن يقرأ القرآن؛ فقرأ جنبًا، لا يحسب نذر؛ لأن النذر للقربة، وما يفعله معصية.
وقال الشيخ: والمرأة المعتكفة إذا حاضت ولم تخرج، لا يحسب زمان الحيض، وكذلك إذا ارتد، ولم يخرج؛ لأن المرتد ليس من أهل العبادة.
وإذا نذر اعتكاف يوم بعينه؛ فمنعه سلطان، أو نذرت المراة؛ فمنعها زوجها؛ حتى مضت المدة - لا قضاء عليها؛ كما لو نذرت صوم يوم بعينه؛ فحاضت فيه، لا قضاء عليها، ولا فدية.
وإذا نذر اعتكافًا متتابعًا، وشرط الخروج لعارض، مثل: أن قال: أخرج لعيادة مريض، أو لصلاة الجنازة - صح نذره، وله أن يخرج للأمر الذي استثناه؛ كما يخرج لقضاء الحاجة؛ لأن المستثني شرطًا كالمستثني شرعًا. فإذا خرج لذلك الأمر، فإذا عاد، هل يحتاج إلى تجديد النية؟ فيه وجهان:
وإذا مكث بعد قضاء ما استثناه بطل اعتكافه. وإذا خرج لما استثناه، هل يجب قضاء زمان الخروج؟ نظر. إن كان اعتكف عشرة أيام بعينها، لا يجب لمن ينذر اعتكاف ذلك القدر، وإن نذر اعتكاف عشرة متتابعة لا بعينها، يجب قضاؤه؛ وإن خرج لما لابد منه؛ كالغائط، والبول لا يجب قضاؤه.
ولو نذر صلاة، وشرط أنه إن عرض له عارض كذا، خرج، هل ينعقد؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه لا ينعقد؛ كما لو شرع في الصالة بهذا الشرط لا ينعقد.
لو نذر صومًا، وشرط أنه إن أضافه إنسان، أو جاع أكل - ففيه وجهان:
أحدهما: ينعقد؛ كالاعتكاف.
والثاني: لا ينعقد؛ الصلاة، بخلاف الاعتكاف؛ لأن اعتكاف بعض النهار يجوز، ولا يجوز صوم بعض النهار.
ولو نذر حجًا، وشرط أنه إن عرض له عارض خرج انعقد نذره؛ لأن الإحرام على هذا الشرط ينعقد.
ثم في القديم: يجوز له الخروج لذلك العارض.
وفي الجديد: لا يجوز؛ لأن مبنى الحج على اللزوم؛ بدليل أنه لا يخرج عنه بالفساد.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
فصلٌ
يجوز للمعتكف أن يتزين باللباس، وأن يتطيب، وأن يتزوج، ويزوج؛ كما يجو ذلك للصائم، ويجوز تدريس العلم، ومجالسة العلماء، والنطق بما لا إثم فيه.
ولو شاتم أو جادل، لا يبطل اعتكافه، ويحبط ثواب عمله، كالصائم إذا فعله.
ويجوز أن يأكل ويشرب، وأن يضع المائدة، ويغسل يده في الطست؛ بحيث لا يلوث المسجد.
ويجوز نضح المسجد بالماء المطلق، ولايجوز بالمستعمل، وإن كان طاهرًا؛ لأنه يعاف منه.
ويجوز أن يمر بالأمر الخفيف في ماله وضيعته، وأن يبيع ويشتري إذا لم يكثر ذلك، فإن أكثر كره؛ لأنه يجعل المسجد موضعًا للبيع والشراء، ولكن لا يبطل به اعتكافه. وإن عمل عملًا مباحًا يسيرًا، أو خاط شيئًا من ثوبه، لم يكره فإن قعد يحترف بالخياطة، أو بحرفة أخرى، كره.
[ ٣ / ٢٣٩ ]