قَالَ الله ﵎: ﴿يا أَيُهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقرئ: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ".
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَائِضُ- فَسَأَلَ عُمَرُ﵁- رَسُولَ اللهﷺ- عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ
[ ٦ / ٣ ]
تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعُدَهُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ".
[ ٦ / ٥ ]
وفي رواية: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا".
الطلاق على أربعة أوجه: واجب، ومحظور، ومستحب، ومكروه:
فالواجب: في حق الولي بعد مضي المدة يجب عليه الفيء أو الطلاق، فإن لم يفعل طلق عليه السلطان، وعند الشقاق بين الزوجين إذا رأى الحكمان التفريق.
[ ٦ / ٦ ]
والطلاق المحظور: هو طلاق البدعة، وهو: أن يطلقها في حالة الحيض، أو في طهر جامعها فيه.
والمستحب: هو أن يكون مقصرًا في حقها، أو لا تكون المرأة عفيفة؛ يستحب أن يفارقها؛ قال رجل للنبيﷺ-: "إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ قال: "طلقها".
والمكروه: هو الطلاق عند سلامة الحال، يكره؛ لما فيه من قطع الوصلة؛ قال النبيﷺ-: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
[ ٦ / ٧ ]
والطلاق ينقسم إلى سني وبدعي:
فالسني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
والبدعي: أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه يعصي الرجل به، سواء طلقها بمسألتها أو غير مسألتها، ولكن يقع الطلاق؛ لأن النبيﷺ- أمر ابن عمر﵁ - بالمراجعة، ولولا وقوع الطلاق لكان لا يأمر بالمراجعة.
[ ٦ / ٨ ]
والمانع من الطلاق في الحيض: أن الحيضة التي يقع فيها الطلاق لا تحسب على العدة، فتطول العدة عليها، وفي الطهر الذي جامعها فيه: أن المرأة ربما حبلت من ذلك الجماع، فلحق الزوج ندم على الطلاق إذا ظهر الحمل.
أما إذا خالعها أو طلقها على مال في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه-: فلا يكون بدعيًا؛ لأن النبيﷺ- أطلق الإذن لثابت في مخالعة زوجته من غير أن يعرض لحالها؛ وذلك لأن الغالب أن الخلع إنما يكون في حال الشقاق والخصومة.
فالمرأة إذا كانت تبذل المال للخلاص من الزوج: فلا تبالي بطول العدة عليها، إذا كان الخلع في الحيض، والرجل إذا أخذ المال، فالغالب: أنه لا يلحقه الندم بظهور الحمل، إذا كان الخلع في طهر جامعها فيه.
ولو قال لامرأته: أنت طالق في آخر طهرك، أو في آخر جزء من أجزاء طهرك: يقع سنيًا أو بدعيًا؟ فيه وجهان [لابن سريج]:
أحدهما: يقع سنيًا: ويحسب ذلك قرءًا: لأن القرء اسم الانتقال، ويوجد الانتقال من الطهر إلى الحيض بعده.
والثاني- وهو الأصح، ونص عليه في "الأم": يكون بدعيًا، ولا يحسب ذلك قرءًا؛ لأنه لا يوجد عقيب الطلاق شيء من الطهر.
ولو قال: أنت طالق في آخر جزء من [أجزاء] حيضك.
قيل: هذا يبنى على المسألة الأولى: إن قلنا هناك: يقع سنيًا؛ لأنه يصادف الطهر-: فههنا يقع بدعيًا.
وإن قلنا هناك: يقع بدعيًا؛ باعتبار ما بعده-: فههنا: يقع سنيًا.
وقال ابن سريج في الموضعين: يقع بدعيًا.
أما في المسألة الأخيرة؛ لأن الطلاق يصادف الحيض، وفي المسألة الأولى: فقد يجوز أن يصادف الطلاق الطهر، ويكون بدعيًا؛ كما لو طلقها في طهر جامعها فيه، ولا بدعة في الجمع بين الطلقات، إنما البدعة في الوقت، فإن العجلاني لما لاعن زوجته، فقال: إن أمسكتها فقد طلقتها ثلاثًا، ولم ينكر عليه النبيﷺ- ولو كان حرامًا لأنكر عليه، وإن لم
[ ٦ / ١٢ ]
يقع الطلاق في تلك الحالة، لتقدم اللعان حتى لا يقدم مثله في الموضع الذي يقع، إلا أن المستحب أن يفرقها على الأقراء، أو على الأشهر، إن لم تكن المرأة من ذوات الأقراء، حتى يمكنه التدارك إذا لحقه الندم.
وعن أبي حنيفة ومالك﵄-: الجمع بين الطلقات الثلاث في قرء واحد بدعة، والمستحب لمن طلق امرأته في حال حيض أو طهر جامعها فيه: أن يراجعها؛ لأمر النبيﷺ- عبد الله بن عمر بذلك، فإذا طهرت عن الحيض طلقها.
فالأولى ألا يطلقها في الطهر الأول الذي يعقب حيضة الطلاق، حتى تحيض حيضة أخرى، وتطهر حتى لا تكون مراجعته إياها لأجل الطلاق؛ كما قال النبيﷺ- "ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ".
ولا سنة ولا بدعة في طلاق غير المدخول بها، ولا في طلاق الصغيرة التي لم تحض قط، ولا في طلاق الآيسة والحامل، حتى لو طلق غير المدخول بها في حال الحيض، أو الصغيرة والآيسة والحامل بعد ما جامعها-: لا يكون بدعيًا؛ لأن غير المدخول بها لا عدة عليها فتطول، والصغيرة والآيسة عدتها بالأشهر فلا تطول، والغالب: أنها إذا لم تحض لا تحيل فلا يلحقه الندم، والحامل عدتها بوضع الحمل فلا تطول، والحمل ظاهر؛ فلا يلحقه الندم بظهوره.
فأما إذا قال لواحدة من هؤلاء: أنت طالق للسنة، أو قال: للبدعة، أو قال: للسنة والبدعة، أو قال: لا للسنة ولا للبدعة: يقع في الوقت في أي حالة كانت؛ لأنه إذا لم يكن في طلاقها سنة ولا بدعة-: يلغو ذكر الوصف.
أما التي في طلاقها سنة وبدعة هي المعتدة بالأقراء، إذا طلقت بلا عوض-: فهذه المرأة إذا قال لها الزوج: أنت طالق مطلقًا، أو: أنت طالق للسنة والبدعة، أو قال: لا للسنة- ولا للبدعة-: يقع في وقت البدعة في أي حالة كانت؛ لأنه وصف الطلاق بصفتين متضادتين فلغتا، وبقي مطلق الطلاق.
ولو قال لها: أنت طالق للسنة: فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه-: يقع الطلاق في الحال، وإن كانت في طهر جامعها فيه-: فلا يقع حتى تحيض وتطهر، وإن كانت في حال الحيض والنفاس-: فحتى تطهر؛ فكما طهرت طلقت، وإن لم تغتسل.
وعند أبي حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض-: طلقت، وإن طهرت لدون ذلك-: لا تطلق؛ ما لم تغتسل.
وإن وطئها في آخر الحيض، واستدام حتى انقطع الدم، وجاء أول الطهر، وهو
[ ٦ / ١٣ ]
مجامع-: لم يقع؛ لأنه لم يأت وقت السنة.
ولو قال لها: طالق للبدعة، فإن كانت في حال الحيض أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه-: يقع في الحال، وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه-: فكما حاضت طلقت، ولو جامع في ذلك الطهر-: فكما غيب الحشفة وقع الطلاق، ويجب عليه أن ينزع: فإن نزع فلا شيء عليه، وإن نزع وأولج ثانيًا-: فعليه الحد، إن كان قد علق به الطلاق الثلاث، وإن كانت رجعية-: فلا حد، وعليه المهر كما لو وطئ الرجعية، وإن لم ينزع، ودام عليه-: فلا حد؛ لأن الابتداء كان مباحًا، فهل يجب المهر؟ حكمه حكم ما لو قال لامرأته: إن قربتك فأنت طالق ثلاثًا؛ ذكرناه في "كتاب الصوم".
ولو قال لها: أنت طالق للسنة، وهي حائض أو في طهر جامعها، فيه فنوى الوقوع في الحال-: يقع.
وكذلك إن قال: أنت طالق للبدعة، وهي في طهر لم يجامعها فيه، فنوى في الحال-: يقع.
ولو قال: أنت طالق، إن كنت في هذا الوقت ممن يقع عليك طلاق السنة: فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه-: يقع في الحال، وإن كانت في حال حيض أو طهر جامعها فيه: لا يقع لا في الحال ولا إذا صارت إلى تلك الحالة؛ لأنه جعل الشرط حالة اللفظ.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا للسنة، ثم قال: نويت تفريقها على الأقراء-: لا يقبل قوله في الظاهر؛ لأن ظاهره الوقوع في الحال، ويقبل فيما بينه وبين الله تعالى حتى يقع طلقة واحدة في الحال، إن كانت في حال سنة، وطلقتان في قرءين بعدها.
وكذلك لو قال للصغيرة: أنت طالق للسنة، ثم قال: عنيت إذا بلغت، وصارت إلى حال يكون لطلاقها سنة وبدعة: لا يقبل قوله في الظاهر، ويقبل في الباطن.
وكذلك لو قال لامرأته: أنت طالق، ثم قال: عنيت به إذا دخلت الدار، وإذا جاء رأس الشهر-: لا يقبل قوله في الظاهر، ويقبل في الباطن؛ كما لو قال لها: أنت طالق، ثم قال: عنيت من الوثاق-: يقبل في الباطن دون الظاهر.
وهكذا في اليمين بالله﷿ -: لو حلف لا يدخل الدار، ثم قال: عنيت شهرا-: يقبل في الباطن، ولا يقبل في الظاهر، وهذا مطرد، وهو: أن كل ما لو وصله باللفظ مطلقًا-: دين في الحكم، فإذا نواه بقلبه-: لا يدين في الحكم فيما له، ويدين في الباطن إلا في الاستثناء، فإنه لو قال: أنت طالق، ووصل به: "إن شاء الله" نطقًا-: لا يقع، ولو نوى الاستثناء بقلبه-: لا يدين في الباطن؛ لأنه في الاستثناء يرفع اللفظ.
[ ٦ / ١٤ ]
فإذا نوى التعليق أو الوثاق-: لا يرفع اللفظ، بل يخصه، ويجعل له تأويلًا محتملًا فقبل في الباطن، هذا كما أن النسخ لما كان يرفع الحكم ويسقطه-: لم يصح إلا باللفظ دون القياس، والتخصيص لما لم يكن يرفع اللفظ، بل يخصصه-: صح لفظًا أو قياسًا.
أما إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: عنيت الوقوع في الحال، أو قال: أنت طالق من الوثاق، ثم قال: عنيت به وثاق النكاح-: يقبل قوله ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه يقر بأمر عليه؛ كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: عنيت به ثلاث طلقات-: يحكم بوقوع الثلاث.
ولو قال: أنت طالق لفلان، أو لرضا فلان-: يقع في الحال، ولا يقف على رضا فلان؛ لأنه تعليل، وليس تعليقًا معناه: حتى يرضى فلان؛ كما لو قال لعبد: أنت حر لوجه الله، أو لرضا الله-: يعتق في الحال، فإن قال: عنيت التعليق، يعني: إن رضي فلان-: لا يقبل في الظاهر، ويقبل في الباطن.
أما إذا قال: أنت طالق برضا فلان-: فهو تعليق؛ فلا يقع إلا بوجوده؛ كما لو قال: إن رضي فلان، ولو قال: لقدم فلان-: فهو تعليق؛ فلا يقع ما لم يقدم.
ولو قال لها: أنت طالق في كل قرء واحدة، أو قال: أنت طالق ثلاثًا، في كل قرء واحدة-: نظر: إن كانت المرأة صغيرة لم تحض قط أو آيسة تقع عليها في الحال طلقة، ثم لا تقع أخرى حتى تحيض وتطهر، حتى لو لم تحض، وإن لم يراجعها الزوجن حتى مضت لها ثلاثة أشهر-: فقد بانت منه، فإذا نكحها بعده، ثم رأت الدم، وطهرت-: فعلى قولي عود اليمين.
وكذلك: إن كانت حاملًا-: تقع في الحال طلقة، سواء كانت ترى الدم على الحبل أو لا ترى، وسواء جعلنا ذلك الدم حيضًا أو لم نجعله حيضًا.
ثم لا تقع أخرى ما لم تضع الحمل، وتطهر من النفاس، لأن زمان الحمل بمنزلة قرء واحد، ثم إن راجعها الزوج قبل وضع الحمل: فإذا وضعت الحمل، وطهرت من النفاس-: وقعت طلقة أخرى، وتستأنف أخرى.
وإن لم يراجعها، حتى وضعت الحمل، وقد انقضت عدتها بوضع الحمل-: فلا يقع بعد ذلك شيء إلا أن ينكحها قبل مضي تمام الأقراء، فيكون على قولي عود اليمين.
وقيل: إن كانت المرأة ممن لم تحض قط-: فلا يقع عليها الطلاق، حتى تحيض وتطهر؛ على القول الذي يقول: إن ذلك الطهر لا يحسب قرءًا في العدة.
وإن كانت المرأة من ذوات الأقراء: فإن كانت في تلك الحالة طاهرة-: تقع عليها
[ ٦ / ١٥ ]
طلقة، ثم إن كانت قبل الدخول-: بانت منه.
فإذا لم ينكحها حتى مضت الأقراء، ثم نكحها-: فقد ارتفع اليمين، وإن نكحها قبلم ضي الأقراء الثلاث-: فعلى قولي عود اليمين.
فإن كان بعد الدخول: فإن طهرت من الحيضة الثانية-: تقع طلقة أخرى، فإذا طهرت من الثانية-: تقع الثالثة.
ولو قال: أنت طالق في كل طهر واحدة: فإن كانت صغيرة أو آيسة تقع في الحال طلقة، وإن كانت حاملًا فإن كانت لا ترى الدم، أو كانت ترى الدم، وقلنا: لا يكون حيضًا-: تقع في الحال طلقة، سواء كانت في حال رؤية الدم أو لم تكن، ولا تتكرر بتكرر الأطهار على الحمل.
وإن قلنا: الحامل تحيض-: فإن كانت في حالة الدم-: لا يقع حتى تطهر، فإن كانت في حالة الطهر-: يقع ويتكرر بتكرر الأطهار على الحمل.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا؛ بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة- نظر: إن أراد ارتفاع طلقتين في الحال التي هي فيها من سنة أو بدعة، وطلقت إذا صارت إلى الحالة الأخرى-: تقع في الحال طلقتان، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الثانية.
وكذلك: إذا أراد التنصيف-: تقع في الحال طلقتان؛ لأن الصداق لا يتنصف، فلو أراد إيقاع طلقة في الحال، وطلقتين في الأخرى-: يقبل قوله ظاهرًا وباطنًا، ويقع كما لو نرى؛ لأن البعض يقع على جزء من أجزاء الجملة.
ولو أراد وقوع البعض من كل طلقة في الحال-: تقع في الحال ثلاث طلقات.
وإن أطلق-: يحمل على التنصيف؛ فتقع في الحال طلقتان، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الأخرى.
ولو قال: أنت طالق خمسًا؛ بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، ولم ينو شيئًا: فمن جعل الخمس عبارة عن الثلاث-: قال: تقع في الحال طلقتان، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الثانية، ومن جعل الحكم للفظ-: قال: تقع في الحال ثلاث طلقات؛ حملًا على التنصيف.
ولو قال لها: أنت طالق طلقة للسنة وطلقة للبدعة، أو قال: أنت طالق طلقتين: طلقة للسنة، وطلقة للبدعة: فإن لم يكن لها سنة ولا بدعة-: تقع في الحال طلقتان.
وإن كان لطلاقها سنة وبدعة-: تقع في الحال طلقة، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الأخرى؛ بخلاف ما لو قال: أنت طالق طلقة للسنة والبدعة-: تقع في الحال طلقة، ولا
[ ٦ / ١٦ ]
تقع بعده أخرى؛ لأنه لم يوقع إلا واحدة موصوفة بصفتين متضادتين، فلغت الصفتان، ووقعت طلقة.
ولو قال: أنت طالق طلقتين للسنة والبدعة-: فيه وجهان:
أحدهما: تقع طلقة في الحال، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الأخرى؛ [كالمسألة قبلها الأولى].
والثاني: قال الشيخ- وهو الأصح- تقع في الحال طلقتان؛ لأن الظاهر عود الصفتين إلى كل طلقة؛ فقد أوقع طلقتين وصفهما بصفتين-: متضادتين؛ فتلغو الصفتان؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا، للسنة والبدعة-: تقع الثلاث في الحال.
ولو قال: أنت طالق أحسن الطلاق، أو أعدل الطلاق، أو أكمل، أو أتم، أو أجمل أو أفضل-: فهو كما لو قال: للسنة؛ فلا يقع في حال البدعة، حتى تصير إلى حال السنة، إلا أن يريد: أن أحسن أحوالي: [إن طلقتك] فيقع في الحال.
ولو قال: أنت طالق أقبح الطلاق، أو أشنع الطلاق، أو أفظع، أو أسمج، أو أفحش، أو أنتن، أو أردأ-: فهو كما لو قال: للبدعة، إلا أن يريد قبح الحال، أي: أقبح أحوالك أن تبيني مني؛ فيقع في الحال.
ولو قال: أنت طالق طلاق الحرج: فهو كما لو قال: للبدعة.
ولو قال: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، أو جميلة فاحشة-: يقع في الحال؛ كما لو قال: أنت طالق للسنة والبدعة.
ولو علق طلاقها بصفة، ووجدت [الصفة] في حال السنة-: يقع سنيًا، إن وجدت في حال البدعة-: يقع بدعيًا، إلا أنه لا يأثم؛ لأنه لم يقصد إليه.
ولو قال: أنت طالق إذا قدم فلان للسنة، أو إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق للسنة: فإن قدم فلان، أو جاء [رأس] الشهر في حال السنة-: طلقت، وإن كانت في حال البدعة-: لا تطلق في الحال، وإذا صارت بعده إلى تلك الحالة-: طلقت.
وكذلك لو قال: إذا قدم فلان-: فأنت طالق للبدعة، فإذا قدم، وهي في حال البدعة-: طلقت، وإن كانت ف حال السنة-: لا تطلق حتى تصير إلى حال البدعة.
[ ٦ / ١٧ ]
وهذا بخلاف ما لو قال: إن كنت في هذا الوقت ممن يقع عليك طلاق السنة فأنت طالق، فلم تكن في حال السنة-: لم يقع، وإذا صارت بعده إليها-: لم يقع؛ لأنه جعل الشرط حالة التلفظ.
ولو قال لغير المدخول بها أو للحامل-: أو للصغيرة: إذا قدم فلان- فأنت طالق للسن-: فقد طلقت في أي حالة كانت، فإن دخل بها الزوج، أو وضعت [الحمل، أو حاضت الصغيرة بعد التعليق، قبل قدوم فلان، ثم قدم فلان-: يراعى حالها:
فإن كانت] في حال السنة-: طلقت؛ وإلا فلا، حتى تصير إليها؛ كما لو كان التعليق بعد الدخول ووضع الحمل؛ لأن الاعتبار بحال وجود الصفة، والله أعلم.
فصل فيما لو قال لامرأته إن كنت حائلًا
ولو قال لامرأته: إن كنت حائلًا، أو لم تكوني حاملًا-: فأنت طالق- نظر: إن كانت في سن لا يحتمل فيها الحمل الصغير-: يقع الطلاق في الحال، وإن كانت في سن يحتمل فيها الحمل-: فلا يجوز للزوج أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة؛ لأنه علق طلاقها بالحيال: وهو الأصل في النساء، وإن كانت ممن لا تحيض-: قال القفال﵀-: فحتى تمضي ثلاثة أشهر، حرة كانت أو أمة؛ لأن الحمل لا يظهر في أقل من هذه المدة، وإن كان قد استبرأها قبل اليمين-: هل يكتفي به؟ فيه وجهان:
أحدهما- وبه قال ابن أبي هريرة، وهو الأصح عندي-: يكتفى به؛ لأن المقصود منه معرفة براءة الرحم، وقد حصلت، ويحكم بوقوع الطلاق في الحال.
وقال أبو إسحاق: لا يكتفى به؛ لأنه استبراء قبل وجود السبب؛ فعلى هذا: إذا كان هذا القول في خلال الحيض-: فحتى تطهر وتحيض وتطهر.
فإذا حكمنا بوقوع الطلاق بعد مضي زمان الاستبراء، فأتت بعده بولد- نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت اليمين-: تبين أنها كانت حاملًا، ولم يقع الطلاق، وإن أتت به لأكثر من أربع سنين-: تحقق الوقوع، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا، ولدون أربع سنين- نظر: إن لم يطأها الزوج بعد اليمين، أو وطئها ولكن أتت به لدون ستة أشهر من وقت الوطء-: بان أنها حاملًا، ولم يقع الطلاق.
وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من وقت الوطء-: فالطلاق واقع؛ لأن الظاهر حدوث
[ ٦ / ١٨ ]
الحمل من الوطء الحادث.
وقيل: لا يقع: لاحتمال العلوق قبل اليمين، والأصل بقاء النكاح.
أما إذا علق الطلاق بالحمل، فقال: إن كنت حاملًا فأنت طالق- نظر: إن كان الحمل ظاهرًا في الحال-: يقع الطلاق، وإن لم يكن ظاهرًا-: فيمنع من وطئها حتى يستبرئها وهذا المنع مستحب أم واجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: واجب؛ كما في المسألة الأولى؛ لوجود التردد بين الحظر والإباحة.
والثاني: مستحب، وهو الأصح؛ بخلاف المسألة الأولى؛ لأن- هناك- علق الطلاق بالحيال، وهو الأصل في النساء، وههنا: علق بالحمل، وهو عارض لا يتحقق، [ثم] بعد [مضي] مدة الاستبراء: إن لم يظهر حمل-: يجوز له وطؤها، فلو أتت بعده بولد لأقل من ستة أشهر من وقت اليمين-: تبين أنها كانت حاملًا؛ فقد وقع الطلاق، فلو اتت به لأكثر من أربع سنين-: تحقق عدم الوقوع.
وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا، أو لدون أربع سنين- نظر: إن لم يطأها الزوج بعد اليمين، أو وطئها وأتت بولد لدون ستة أشهر من وقت الوطء-: بان أنها كانت حاملًا؛ وقد وقع الطلاق.
وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من وقت الوطء-: لا يحكم بالوقوع؛ لأن الظاهر حدوث الحمل من الوطء الحادث، والأصل بقاء النكاح.
ولو قال لها: إن أحبلتك فأنت طالق: فإن كانت حاملًا في الحال-: لا تطلق؛ لأنه يقتضي حملًا حادثًا، ولا يمنع من وطئها، فإذا وطئها مرة-: يمنع بعده من وطئها، حتى تحيض حيضة؛ لاحتمال العلوق من ذلك الوطء ووقوع الطلاق، فإذا حاضت وطهرت-: حينئذ: جاز له وطؤها مرة، ثم يمنع حتى تحيض.
فصل فيما لو قال نسائي طوالق.
إذا قال الرجل: نسائي طوالق، أو كل امرأة لي طالق-: يقع على كل من كانت في نكاحه، وعلى مطلقته الرجعية.
ولو قال: مماليكي أحرار، أو: أرقائي أحرار-: يعتق جميع عبيده وإمائه، ويدخل
[ ٦ / ١٩ ]
فيه: المدبر، وأم الولد، والحمل في البطن، وأشقاص العبيد، وكل عبد نذر إعتاقه، ويعتق عن نذره، وهل يعتق المكاتب؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يعتق؛ لأنه لا يعده من مماليكه، إلا أن ينويه، فإن لم يكن له إلا مكاتبون-: عتقوا.
ولو كان له أربع نسوة، فقال: كلكن طوالق، أو: نسائي طوالق إلا فلانة: وقع الطلاق على الكل، إلا على من استثناها.
فلو عزل واحدة بقلبه، ولم يتلفظ- نظر: إن كان في حال خصومة؛ كأن واحدة تقول: قد تزوجت علي، وهو ينكر، فذكر هذا اللفظ، واستثنى المخاصمة-: يقبل قوله ظاهرًا وباطنًا؛ لأن دعواه موافق لظاهر الحال.
وإن لم يكن في حال خصومة، أو كان في حال الخصومة لكنه عزل بقلبه غير المخاصمة-: لا يقبل قوله في الظاهر، ويقبل في الباطن.
ولو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، ثم قال: نويت إلا واحدة-: لا يقبل في الظاهر، وهل يدين في الباطن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يدين، كما لو قال: نويت إن شاء الله- لا يدين في الباطن.
والثاني: يدين؛ لأنه يرفع كل اللفظ، كما لو استثنى واحدة من نسائه.
قال الشيخ: نظير هذه المسألة لو قال: أربعكن طوالق إلا فلانة-: يصح الاستثناءز
ولو نوى بقلبه: إلا فلانة-: هل يدين في الباطن؟ فيه وجهان.
ولو كانت له امرأتان: زينب وعمرة، فنادى: يا زينب فأجابته عمرة، فقال: أنت طالق-: سئل فإن قال: علمت أن المجيبة عمرة، وأردت به طلاق زينب-: طلقت زينب ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه ناداها [ونواها]، وطلقت عمرة ظاهرا؛ لأنه خاطبها، ولم تطلق في الباطن؛ لأنه لم يقصدها.
ولو قال: علمت أن المجيبة عمرة، وقصدتها بالطلاق-: طلقت عمرة ظاهرًا وباطنًا، ولم تطلق زينب.
وكذلك لو قال: قصدت التي أجابتين، وظننتها زينب-: طلقت عمرة ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه قصد المجيبة، ولم تطلق زينب.
ولو قال لامرأته: يا زينب، أنت طالق، واسمها عمرة-: طلقت للإشارة، ولو لم يشر
[ ٦ / ٢٠ ]
إلى أحد، فقال: عمرة طالق-: طلقت امرأته، ولا يقبل قوله: عنيت عمرة أخرى.
ولو كانت امرأته مع أجنبية، فقال: إحداكما طالق، ثم قال: عنيت الأجنبية: يقبل قوله مع يمينه.
ولو كانت مع رجل أو دابة، فقال: عنيت الرجل أو الدابة-: لم يقبل قوله؛ لأن الرجل والدابة [ليسا] محلًا للطلاق.
ولو كانت [زوجته] مع أمته، واسم كل واحدة: زينب، فقال: زينب طالق، ثم قال: عنيت [الأمة]: يقبل؛ بخلاف ما لو قال: إحداكما طالق، ثم قال: عنيت الأمة-: فلا يقبل؛ لأن قوله: "إحداكما" صريح فيهما؛ لوجود المخاطبة، وإنما يحمل على الزوجة؛ لما أنه لم يطلق إلا زوجته، وقد صرف إلى ما يقتضيه صريحه فلم يقبل.
وإن قال: زينب طالق، فهو ليس بصريح في الأمة، وإنما يتناولها الاشتراك في الاسم؛ كما يتناول سائر من يشاركها في الاسم؛ فلم يصرفها إلى ما يقتضيه الاسم.
ولو كانت زوجته مع أجنبية بين يديه، فقالت زوجته: طلقني، فقال: طلقتك، ثم قال: عنيت الأجنبية-: لا يقبل، والله أعلم.
باب ما يقع به الطلاق من الكلام
قال الله ﵎: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقال ﷿: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ١].
ألفاظ الطلاق تنقسم إلى صريح، وكناية:
فالصريح: ما يقع به الطلاق من غير نية، وهي ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق،
[ ٦ / ٢١ ]
والسراح، ففي لفظ "الطلاق" عرف الشرع واللغة، وفي الأخريين عرف الشرع؛ لأنه ورد القرآن مكررًا به.
[ ٦ / ٢٢ ]
أما إذا قال لامرأته: طلقتك، أو فارقتك، أو سرحتك، أو أنت طالق أو مطلقة، أو مفارقة، أو مسرحة، أو ناداها: يا مطلقة، يا مفارقة، يا مسرحة، يا طالق-: وقع الطلاق، نوى أو لم ينو؛ لأن معاني هذه الألفاظ صريح في جميع اللغات.
فإن قال: عنيت به الطلاق من الوثاق، والمفارقة في المنزل، والتسريح في المنزل، أو قال: أردت غيرها، فسبق لساني إليها-: لا يقبل في الظاهرن ويقبل في الباطن.
ولا يجوز للمرأة طاعته في الظاهر: فإن علمت صدقه-: لها أن تقيم معه في الباطن، وعلى الحاكم التفريق بينهما.
ولو صرح، وقال: أنت طالق من الوثاق، أو: فارقتك في المنزل-: فلا يقع به الطلاق، إلا أن يقول: أردت من وثاق النكاح؛ فيقع.
ولو قال لها: أطلقتك أو أنت مطلقة من الإطلاق-: فهو كناية، وكذلك لو قال: أنت الطلاق، أو أنت طلقة؛ لأنه اسم لنفس الطلاق، فإن نوى به تطليقها-: يقع.
وكذلك لو قال: أنت وطلقة، أو أنت والطلاق-: فهو كناية، أي قرنت بينك وبين الطلاق، ولو قال لها: أنت نصف طالق-: فهو صريح، وهو كقوله: نصفك طالق.
[ ٦ / ٢٩ ]
ولو قال: أنت نصف طلقة-: فهو كناية؛ كقوله: أنت طلقة، ولو قال: لك طلقة-: فهو صريح.
والكناية: كل لفظ ينبئ عن الفرقة وإن دق، فإذا نوى به الطلاق-: يقع، وهي قسمان: ظاهرة وخفية.
فالظاهرة: كقوله: أنت خلية، برية، بائن، بتة، بتلة، حرام، حرة.
والخفية كقوله: أنت واحدة، ألحقي بأهلك، خليت سبيلك، حبلك على غاربك، لا حاجة لي فيك، اعتدي، استبرئي رحمك، اغربي، اسربي، اذهبي، سافري، اخرجي، قومي، تزوجي، تقنعي، تستري: فإذا نوى بشيء منها الطلاق يقع، وإن لم ينو لم يقع.
وكذلك لو قال لها: ذوقي، كلي، اشربي، فنوى يقع، أي: اشربي كأس الفراق، ذوقي مرارة الفراق.
ويشترط أن تكون النية مقترنة باللفظ: فإن نوى قبله، ثم تلفظ بلا نية، أو نوى بعد الفراغ من اللفظ-: لا يقع الطلاق، وإن قرن النية ببعض اللفظ فيه وجهان، سواء قرن بأوله أو بآخره.
وكل لفظ يفهم منه الطلاق بغلبة الاستعمال-: فهو ملحق بالصريح، فهو كقوله: حلال الله علي حرام ونحوه، وكل لفظ لا ينبئ عن الفرقة؛ كقوله: بارك الله فيك، وما أحسن وجهك، أو أطعميني، أو اقعدي، أو اقربي-: لا يقع به الطلاق، وإن نوى؛ كما لا يقع بمجرد النية.
ولو قال: أغناك الله، ونوى الطلاق-: قال صاحب "التلخيص": هو كناية.
[ ٦ / ٣٠ ]
ومن أصحابنا من قال: لا يقع به الطلاق؛ لأنه دعاء لا ينبئ عن الفراق، كقوله: بارك الله فيك.
ومنهم من قال: يقع؛ لأنه يحتمل أنه عنى به الغنى الذي وعد الله على الفراق؛ بقوله سبحانه تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣.] فهو كقوله: اعتدي.
ولو خاطبها بالكناية، فادعت المرأة: أنه أراد به الطلاق، وأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه.
ولو قال لامرأته: أنا منك طالق، ونوى وقوع الطلاق عليها-: يقع، وإن لم ينو، ونوى تطليق نفسه-: لا يقع، فلفظ "الطلاق" ههنا صرحي غير محتاج إلى النية، إنما يحتاج إلى الوقوع عليها.
ولو قال: أنا منك بائن: يحتاج إلى نية الطلاق، والوقوع عليها؛ حتى يقع، وكذلك: جميع الكنايات، وعند أبي حنيفة: إذا قال: أنا منك طالق، ونوى: لا يقع، وإذا قال: أنا منك بائن ونوى-: يقع؛ لأن البينونة تشمل الجانبين؛ لأن كل واحد منهما يبين من صاحبه.
قلنا: وقوع الطلاق في لفظ البينونة بنية لفظ الطلاق، فلو كان الطلاق لا يقع بإضافة الزوج الطلاق إلى نفسه منك لكان لا يقع بإضافة البينونة إلى نفسه.
ولو قال: اعتد منك أو أستبرئ رحمي منك، ونوى تطليقها-: ففيه وجهان.
أحدهما: لا يقع؛ لأنه ليس محلًا للاستبراء والاعتداد.
والثاني: وهو الأصح-: أنه يقع؛ لأنه يكون بمعنى: أعتد عدتك، استبرئ رحمك التي كانت ملكًا لي.
ولو قال لعبده: أنا منك حر، أو أعتقت نفسي منك، ونوى-: عتق العبد.
وقال ابن أبي هريرة: يقع لطلاق: أي: أعتقت نفسي من تعهدك بعتقك.
والأصح: أنه لا يقع بخلاف الطلاق؛ لأن الطلاق يحل النكاح، والزوجية شملت الجانبين؛ فصار أحد الزوجين كناية عن الآخر، والرق لا يشمل الجانبين حتى يصير السيد كناية عن العبد.
وإن قال لامرأته: أعتقتك، ونوى الطلاق-: يقع الطلاق، وكذلك لو قال لعبده: طلقتك، ونوى العتق-: عتق.
وكذلك جميع صرائح العتق وكناياته: كنايات في الطلاق، وصرائح ألفاظ الطلاق وكناياته: كنايات في العتق.
[ ٦ / ٣١ ]
وعند أبي حنيفة: لفظ العتق كناية في الطلاق، وأما الطلاق ليس بكناية في العتق؛ لأن العتق موضوع لإزالة أقوى الملكين، وهو ملك اليمين، فجاز استعماله في إزالة الأضعف، والطلاق موضوع لإزالة أضعف الملكين فلا يستعمل في إزالة الأقوى.
قلنا: الطلاق في الكناية-: لا يقع؛ بمجرد اللفظ، إنما يقع بالنية، فلما جاز أن يقع بلفظ غير موضوع لإزالة الملك، إذا نوى به العتق، وهو قوله: لا ملك ولا سلطان لي عليك-: فباللفظ الموضوع لإزالة أحد الملكين أولى.
ولو قال لعبده: اعتد أو استبرئ رحمك، ونوى العتق-: لا يعتق، لأنه ليس محل الاستبراء.
وإذا قال ذلك لأمته، ونوى العتق-: تعتق.
ولو قال لأمته: أنت علي كظهر أمي، [ونوى العتق-: تعتق، ولو قاله لزوجته، ونوى الطلاق-: لا تطلق، ويكون ظهارًا؛ لأن ما كان] صريحًا في حكم مختص بالنكاح-: لا يصير كناية في حكم آخر مختص بالنكاح، كما أن الطلاق لا يصير كناية عن الظهار، وكنايات الطلاق لا تصير صرائح بمسالة المرأة الطلاق ولا بالغضب.
وعند مالك: تصير صرائح بهما.
وعند أبي حنيفة: ثلاثة ألفاظ تصير صرائح بالمسألة والغضب، وهي قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأمرك بيدك، وبعضها يصير صريحًا بالمسألة على الخصوص، وهي قوله: أنت خلية، برية، بتة، بتلة، حرام، سرحتك، ألحقي بأهلك.
ولو قال رجل لآخر: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم-: فهو إقرار منه بالطلاق.
ولو قال له: طلقت امرأتك؛ على جهة استدعاء الطلاق لا على سبيل الاستفهام-: فقال: نعم، طلقت-: يقع.
ولو قال: نعم أو بلى، ولم يقل: طلقت-: ففيه قولان.
أحدهما: يقع؛ وهو صريح.
والثاني: كناية؛ لا يقع إلا بالنية.
وهذا بناء على ما لو قال رجل لآخر: زوجتك ابنتي، فقال: قبلت، ولم يقل: نكاحها-: هل يصح أم لا؟ فيه قولان.
[ ٦ / ٣٢ ]
ولو قيل لرجل: ألك زوجة؟ فقال: لا-: لا يلزمه به الطلاق، وللمرأة تحليفه أنه لم يرد به أنه طلقها، ولو قال لزوجته: لست بزوجة لي-: فهو كناية.
وقيل: لا يقع به شيء، وإن نوى؛ لأنه كذب محض.
ولو كان اسم امرأته [طالق]، فقال لها: يا طالق-: لا يقع إلا أن ينويه، ولو كان اسمها "طاهرة" فأراد أن يقول: "يا طاهرة" فسبق لسانه: "يا طالقة"-: لا يقع؛ لأنه مغلوب؛ كالمكره.
ولو قال الأعجمي لامرأته: أنت طالق، وهو لا يعرف معناه وموجبه-: لا يقع إلا التلفظ به؛ [كالأعجمي إذا لقن كلمة الكفر، فتلفظ به، وهو لا يعرف-: لا يحكم بكفره].
وإن قال: أردت موجبه [بالعربية]؟ فيه وجهان؛ أصحهما: لا يقع.
ولو قالت المرأة لزوجها: يا سفيه، فقال الزوج: إن كنت سفيهًا فأنت طالق: فإن أراد به مكافأتها بما قالت-: طلقت، وإن أراد به الشرط: فإن كان سفيهًا طلقت؛ وإلا فلا.
فصل في طلاق الثلاث
روي أن ركانة بن عبد يزيد أتى رسول الله ﷺ - فقال: "إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي سُهَيْمَةَ أَلْبَتَةَ، وَالله مَا أَرَدتُ إلاَّ وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ-: "مَا أَرَدتَّ إِلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ؟ وَالله، مَا أَرَدتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ".
إذا قال لامرأته: أنت طالق، أو خاطبها بكناية، ونوى الطلاق-: لا تقع إلا واحدة، إذا لم ينو عددًا، فإن نوى بشيء منها طلقتين أو ثلاثًا-: يقع ما نوى.
قال الثوري وأبو حنيفة: إذا قال لها: أنت طالق، ونوى اثنتين أو ثلاثًا-: لا تقع إلا واحدة، وقال أبو حنيفة: يجوز إرادة الثلاث بالكناية، ولا يجوز إرادة الثنتين، فنقيس الصريح على الكناية في إرادة الثلاث.
ولو قال لها: أنت واحدة. [ونوى الطلاق تقع، ومعناه: أن تتوحدي مني، فلو نوى
[ ٦ / ٣٣ ]
ثنتين أو ثلاثًا، أو قال: أنت طالق واحدة]، ونوى ثنتين أو ثلاثًا-: ففيه وجهان:
أحدهما: لا تقع إلا واحدة؛ لأن منويه يخالف ملفوظه، والطلاق يقع باللفظ؛ فمراعاة اللفظ أولى.
والثاني- وهو الأصح-: يقع ما نوى، ومعنى "واحدة": أي تتوحدين مني بهذا العدد.
ولو قال: أنت بثلاث أو باثنتين، ونوى الطلاق-: يقع، ثم إن نوى بقوله: بثلاث- ثلاثًا، أو بقوله: باثنتين- طلقتين-: يقع ما نوى، وإن نوى واحدة-: فوجهان:
أحدهما: يقع ما تلفظ به؛ لأنه صريح بالعدد.
والثاني: يقع ما نوى؛ لأنه قد يريد بثلاثة: أثلاث طلقة.
وإن أطلق-: تقع الثلاث، [إذا قال بثلاث]، ونوى أصل الطلاق؛ لأنه صريح في العدد، كناية في الطلاق.
ولو قال [لزوجته]: أنت طالق ثلاثًا، فماتت قبل فراغه من قاف "طالق"، أو ارتدت قبل الدخول-: لا يقع الطلاق.
وإن ماتت أو ارتدت قبل الدخول بعد قوله: "طالق" وقبل قوله: "ثلاثًا" [كم يقع]-: اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال- وهو اختيار المزني، وهو الأصح-: يقع الثلاث؛ لأن الطلاق يقع بقوله: أنت طالق، والثلاث تفسير له، ونيته تكون مقترنة بلفظ الطلاق؛ كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا-: يقع الثلاث، [ولا يقال: لم يقع إلا واحدة]؛ لأن لفظ الثلاث يوجد بعد البينونة.
ومنهم من قال: لا يقع شيء، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن آخر كلامه منوط بأوله؛ فلا يفصل بعضه عن بعض، وتمامه كان بعد الموت.
وقيل: تقع واحدة بقوله: أنت طالق؛ فلا تقع الثلاث؛ لأنه وجد بعد الموت، كما لو جن الزوج بعد قوله: "طالق" قبل قوله: "ثلاثًا" لا تقع إلا واحدة.
ولو قال لامرأته: أنت طالق ملء اليد، أو ملء البيت، أو ملء الدنيا، أو ملء السماء، أو ملء الأرض-: تقع طلقة واحدة رجعية؛ كما لو قال: كبيرة أو عظيمة.
[ ٦ / ٣٤ ]
وعند أبي حنيفة: تقع طلقة بائنة.
وكذلك: لو قال: أنت طالق أكبر الطلاق، أو أعظم الطلاق، أو أشد الطلاق، أو أعرض الطلاق، أو أطول الطلاق-: فهي طلقة واحدة رجعية.
وعند أبي حنيفة: إذا قال: أكبر، أو أعظم، أو أشد-: فهي بائنة.
ولو قال: أنت طالق كل الطلاق، أو أكثر الطلاق-: تقع الثلاث.
ولو قال: أنت طالق عدد التراب-: قيل: تقع واحدة؛ لأن التراب شيء واحد.
وقيل- وهو الأصح عندي-: تقع الثلاث؛ كما لو قال: عدد ذرات التراب، أو عدد أنواع التراب.
ولو قال لامرأته: يا مائة طالق، أو: أنت يا مائة طالق-: تقع الثلاث: لأنه في العرف كقوله: أنت طالق مائة.
ولو قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلاقًا رجعيًا-: قيل: لا يقع؛ لأنه لا يتصور في حقها.
قال الشيخ: عندي يقع الطلاق، وتلغو صفة الرجعة؛ كما لو قال للمدخول بها: أنت طالق طلاقًا بائنا-: تلغو صفة البينونة، ويقع الطلاق؛ كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلاقًا بدعيًا يلغو الوصف، ويقع الطلاق في الحال.
والكنايات عندنا: لا تقطع الرجعة، وعند أبي حنيفة: تقطعها إلا ثلاثة ألفاظ: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة؛ فنقيس على هذه الألفاظ، فنقول: معتدة عن طلاق لم يستوف الزوج عدد طلاقها، ولا شرط في طلاقها عوضًا؛ فتملك رجعتها؛ كما لو طلقها بصريح لفظ الطلاق، [أو بهذه الألفاظ الثلاث، وكذلك عنده: لو شرط قطع الرجعة في صريح لفظ الطلاق]-: تسقط الرجعة، وعندنا: لا تسقط؛ كما لا يسقط الولاء في العتق بالشرط، ولا بالكناية.
ولو قال: أنت طالق هكذا، وأشار بثلاث أصابع-: تقع ثلاث طلقات، ولو قال: أردت اثنتين: قُبِلَ قوله مع يمينه، وتقع طلقتان، ولو قال: أردت واحدة-: فلا يقبل، لأن الإشارة صريح في العدد.
وقال صاحب كتاب "التقريب": كناية تقبل.
ولو قال: أنت طالق، وأشار بثلاث أصابع، ولم يقل: هكذا-: لا تقع إلا واحدة.
ولو طلق امرأته طلقة رجعية، ثم قال: جعلتها اثنتين، أو طلقتين-: فهو كناية، فإن
[ ٦ / ٣٥ ]
كانت له نية-: تقع طلقة أخرى، وإن لم يكن له نية-: لا تقع أخرى.
وكذلك: لو طلق إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، أو: أنت شريكتها، أو: أنت كهي: فإن نوى به طلاق الأخرى-: يقع، وإن لم ينو-: لا يقع.
وكذلك لو قال رجل لامرأته: أشركتك معها، وأراد الطلاق، تطلق امرأة الآخر.
ولو قال لإحدى امرأتيه: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال للأخرى: أشركتك معها-: فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يريد به الأشراك في الطلاق، يعني: أنها إذا دخلت الدار، وطلقت: فأنت أيضًا تطلقين معها، يصح، فإذا دخلت الدار التي قال لها: [إن دخلت الدار]-: طلقتا جميعًا.
وإن أراد أنك شريكتها على معنى أنها لا تطلق إلا بدخولك معها الدار-: فلا يصح.
وإذا دخلت الأولى-: طلقت دون الأخرى؛ لأن الطلاق إذا علق بصفة-: لا يجوز ضم صفة أخرى إليها.
وإذا أراد التشريك في التعليق، يعني: أنك أيضًا إذا دخلت الدار- تطلقين-: ففيه وجهان:
أحدهما: يصير حالفًا في حق الثانية، حتى إذا دخلت الدار [طلقت] لأن التشريك في تنجيز الطلاق جائز فكذلك، في التعليق.
والثاني: لا يصح في حق الثانية؛ لأنه يمين، واليمين لا يقبل التشريك.
ولو قال رجل لآخر: يميني يمينك؛ على معنى أنك إذا حلفت بالطلاق أو بالله-: صرت أنا حالفًا بالله فلا يصح، وإذا حلف هذا الرجل: لا يصير هذا القائل حالفًا.
وإن كان ذلك الرجل قد طلق امرأته، أو حلف بالطلاق؛ فإن أراد هذا الرجل؛ أن امرأتي طالق كذلك طلقت، وإن أراد متى طلقت امرأتك وقع الطلاق: على امرأتي: فإذا طلق ذلك الرجل امرأته-: طلقت امرأة هذا.
ولو قال لامرأته: أنت طالق عشرًا، فقالت: يكفيني ثلاثة، فقال: الباقي لضرتك: لا يقع على ضرتها؛ لأن الزيادة على الثلاثة لغو.
[ ٦ / ٣٦ ]
ولو قالت: يكفيني منها واحدة، فقال: الباقي لضرتك-: يقع عليها ثلاث، وعلى ضرتها طلقتان؛ قال الشيخ: إذا نوى.
ولو قال لها: أنت طالق طلاقًا-: لا يقع إلا [طلقة] واحدة؛ كما لو قال: طلاقًا حسنًا؛ لأن الوصف لا يوجب تكرار الموصوف.
ولو قال لها: أنت طالق أو لا، أو قال: أنت طالق، أو لست بطالق-: لا يقع؛ لأنه شك، وبالشك: لا يقع الطلاق.
ولو قال: أنت طالق بل-: لا يقع؛ لأن حرف "بل" للرجوع عن الكلام الأول، ولا يصح الرجوع عن [كلام] الطلاق بعد ما أوقعه.
وقال ابن الحداد: لو قال لامرأته المدخول بها: أنت طالق واحدة بل ثلاثًا، إن دخلت الدار-: يقع في الحال واحدة، وتتم الثلاث بدخول الدار.
وقيل: يرجع الشرط إلى الكل؛ فلا يقع شيء حتى تدخل الدار؛ فإذا دخلت وقع الثلاث.
قال الشيخ: والأول أصح.
ولو كانت له امرأتان، فقال لإحداهما: أنت طالق طلقة، بل هذه ثلاثة تقع على الأولى طلقة، وعلى الأخرى ثلاث.
ولو قال: أنت طالق طلاقًا لا يقع، أو: أنت طالق لا تطلقين، أو: أنت طالق لست بطالق-: يقع؛ لأنه بعد ما أوقعه: يريد أن يرفعه؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا-: يقع الثلاث.
فصل فيما لو كتب الأخرس بطلاق امرأته
إذا كتب الأخرس بطلاق امرأته، أو أشار به إشارة مفهومة-: يقع، سواء نوى أو لم ينو؛ لأن الكتبة والإشارة منه بمنزلة نطق الناطق.
فأما الناطق: إذا أشار بالطلاق بأن قالت له زوجته: طلقني، فأشار بيده، أن اذهبي-: لا يقع الطلاق، نوى أو لم ينو.
قال صاحب "التلخيص": الإشارة بالطلاق كناية في حق الناطق؛ وبه قال أبو زيد.
والأول أصح؛ لأنها لا تعمل في حق الناطق.
[ ٦ / ٣٧ ]
فأما إذا كتب الناطق بطلاق امرأته: فإن تلفظ به يقع، وإن لم ينو ولم يقل-: لا يقع.
وإن نوى حالة الكتبة، ولم يتلفظ- نظر: إن كانت المرأة غائبة عن المجلس، سواء كانت في تلك البلدة أو لم تكن-: يقع عليها الطلاق.
وقيل: لا يقع؛ لأنه فعل من الأفعال؛ كالضرب ونحوه.
والأول المذهب؛ لأن الكتبة بين الغائبين؛ كالكلام بين الحاضرين.
وإن كانت المرأة حاضرة، فاختلف أصحابنا:
منهم من قال: لا يقع؛ لأن بالكتبة يخاطب الغائب لا الحاضر.
ومنهم من قال- وعليه الأكثرون-: يقع؛ لأن الكتبة كناية، والطلاق يقع بنية؛ فيستوي فيه الحاضر والغائب.
فحيث قلنا: يقع-: فلا فرق بين أن يكتب على القرطاس، أو على اللوح، أو على الأرض بالإصبع.
وعند أبي حنيفة: لا يقع إلا أن يكتب على القرطاس، وهو صريح عنده في حق الغائب، فإن قلنا: يقع-: ينظر في المكتوب: فإن كتب: أما بعد، فأنت طالق-: يقع الطلاق في الحال، وإن ضاع الكتاب.
وإن كتب: إذا أتاك كتابي فأنت طالق-: فلا يقع حتى يأتيها الكتاب، فلو ضاع الكتاب قبل الوصول إليها-: لا يقع.
وإن تخرق وضاع بعضه- نظر: إن تخرق الحواشي، ولم يفت شيء من المكتوب، فأتاها-: وقع لأن الكتاب اسم للمكتوب لا للبياض، وقد أتاها [المكتوب].
وكذلك لو امحي وبقي أثر يمكن قراءة كله-: يقع، وإن امحي كله بحيث لا يمكن قراءة شيء منه، [فأتاها القرطاس]-: لا يقع؛ لأن الكتاب لم يأتها، فإن فات بعض المكتوب، أو امحي بعضه- نظر: إن فات أو امحي موضع الطلاق، فأتاها [الباقي-:] لم يقع، وإن بقي موضع الطلاق، فأتاها- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقع؛ لأن الطلاق معلق بإتيان الكتاب، ولم يأتها كله.
والثاني: يقع؛ لأن المقصود قد أتاها.
[ ٦ / ٣٨ ]
أما إذا كتب: إذا أتاك طلاقي، ففات الكل إلا موضع الطلاق، فأتاها-: وقع، وإن فات محل الطلاق-: لم يقع.
ولو قال: إن وصل إليك طلاقي فأنت طالق، ثم كتب: إن أتاك كتابي فأنت طالق، فنوى، فإذا أتاها-: يقع طلقتان؛ لوجود الصفتين جميعًا، وهو وصول الطلاق ومجيء الكتاب.
ولو كتب: إذا قرأت كتابي فأنت طالق: فإن كانت تحسن القراءة-: يتعلق بقراءتها، ولا يقع بقراءة غيرها عليها، فإن قرأت إلا موضع الطلاق-: لا يقع، وإن قرأت موضع الطلاق لا غير-: فعلى الوجهين.
وإن كانت لا تحسن القراءة-: فيقع بقراءة غيرها عليها، ولو أتاها الكتاب، فأنكر الزوج الكتبة، أو أقر بالكتبة وأنكر النية-: يقبل قوله مع يمينه.
ولو شهد الشهود على أن هذا خطه-: لا يثبت به الطلاق، ما لم يشهدوا على قراءته أو إقراره بأنه قد نوى.
ولو كتب: أنا منك بائن-: فهو كناية من وجهين: من حيث اللفظ، ومن حيث الكتبة.
ولو قال الزوج [لأجنبي]: اكتب بطلاق امرأتي، فكتب [الأجنبي]، ونوى الزوج-: لا يقع؛ لأن النية وجدت من غير من وجدت منه الكتابة؛ كما لو قال لأجنبي: قل لامرأتي: أنت بائن، فقال لها: ونوى الزوج-: لا يقع.
والكتبة بالعتق والظهار والإيلاء كالكتبة ابالطلاق، وفي الكتبة بالتزويج: لا تصح؛ لأن الكتبة كناية، والنكاح لا ينعقد بالكناية؛ لأن الشهادة فيه شرط، والشهود لا يطلعون على ما في الضمير.
فصل
إذا فوض الطلاق إلى امرأته؛ فقال: طلقي نفسك، فقالت: طلقت، أو سرحت-: يقع الطلاق، واتفاقهما باللفظ ليس بشرط، والنية ليست بشرط من واحد منهما في الصريح، ويشترط التعليق في المجلس؛ على أصح القولين؛ لأنه في معنى التمليك.
ولو فوض بلفظ الصريح، فقالت: أبنت نفسي، ونوت-: يقع؛ وكذلك: ولو فوض
[ ٦ / ٣٩ ]
إليها بلفظ الكناية، فقال: أمرك بيدك، أو فوضت أمرك إليك، أو ملكتك أمرك، فنوى تفويض الطلاق إليها، فطلقت نفسها بصريح اللفظ أو بالكناية، ونوت، أو قالت للزوج: طلقتك، فنوت تطليق نفسها-: يقع.
ولو قال لها: اختاري نفسك، ونوى تفويض الطلاق إليها فقالت: اخترت، ونوت يقع طلقة رجعية، وإن لم تقل: نفسي، فأما إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت-: لا يقع حتى تقول: اخترت نفسي، فإذا اختارت نفسها-: تقع طلقة [رجعية] وإذا اختارت زوجها-: لا يقع؛ وهو قول عمر، [وابن عمر] وابن عباس، وابن مسعود، ﵃.
ولو قالت: اخترت الأزواج-: يقع؛ لأنها لا تصل إلى الأزواج إلا بفراقه؛ كما لو قال لها: تزوجي، ونوى-: يقع.
وقال أبو إسحاق: لا يقع؛ لأن الزوج من الأزواج؛ كما لو قالت: اخترتك، ولو قالت: اخترت أبوي-: فعلى وجهين:
أحدهما: يقع؛ لأنه يتضمن الرجوع إليهما؛ كما لو قال الزوج: ألحقي بأهلك، ونوى-: يقع الطلاق.
والثاني: لا يقع؛ لأن اختيار الأبوين لا يقتضي فراق الزوج.
وعند أبي حنيفة: إذا اختارت نفسها-: يقع طلقة بائنة.
وعند مالك، يقع ثلاث طلقات.
ولو قال لها: طلقي نفسك بلفظ الصريح، فطلقت بالكناية-: لا يقع.
وكذلك: لو قال: طلقي بلفظ الكناية، فطلقت بالصريح؛ بخلاف ما لو أطلق: فلا يشترط اتفاق اللفظين.
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فطلقت واحدة-: تقع تلك الواحدة.
ولو قال: طلقي نفسك واحدة، فطلقت ثلاثًا-: تقع الواحدة.
وعندنا، وعند أبي حنيفة: لا تقع؛ لأنه لم يفوض إليها ثلاثة.
قلنا: في إيقاع الثلاث إيقاع الواحدة، كما لو فوض إليها ثلاثًا، فطلقت واحدة-: تقع؛ لأن في تفويض الثلاث تفويض الواحدة؛ وكذلك في التوكيل بالطلاق.
[ ٦ / ٤٠ ]
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فقالت: طلقت-: يقع الثلاث.
ولو قال لها: اختاري من عدد الطلاق ما شئت، فاختارت واحدة، أو اثنتين-: وقعتا، وإن اختارت الثلاث-: لم تقع؛ لأن "من" للتبعيض، فتقتضي اختيار البعض.
ولو قال: طلقي نفسك؛ ونوى الثلاث، فقالت: طلقت، فإن نوت الثلاث-: يقع الثلاث؛ وإلا فتقع واحدة.
ولو نوى كل واحدة منهما عددًا: فإن اتفقت نيتهما-: وقع ما نويا، وإن اختلفت نيتهما-: يقع الأقل.
ولو اختلفا في التخيير، فقالت المرأة: خيرتني، وأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
وكذلك لو قال: خيرتك، ولكنك لم تختاري، فقالت: اخترت: فالقول قوله [مع يمينه].
ولو اتفقا على اختيارها، فقالت: نويت، وأنكر الزوج نيتها-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها أعرف بضميرها.
ولو قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار، فعلقت-: لم يصح؛ لأن التعليق يمين لا تجري فيه النيابة؛ وكذلك: لو وكل أجنبيًا بتعليق الطلاق أو العتق لا يصح، وإذا قال لها: طلقي نفسك، إن شئت ثلاثًا، فطلقت واحدة، أو قال: [طلقي نفسك، إن شئت] واحدة، فطلقت ثلاثًا-:
قال صاحب "التلخيص": لا يقع شيء فيهما، ووافقه الأصحاب، بخلاف ما لو قدم العدد على المشئية، فقال: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت، فطلقت واحدة-: يقع واحدة.
ولو قال: طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت ثلاثا-: يقع واحدة؛ لأنه إذا قدم المشيئة، فكأنه جعل العدد شرطًا في المشيئة، فجعل إليها أن تعلق نفسها ذلك العدد، إن شاءت لا غير، معناه: إن اخترت أن تطلقي نفسك ثلاثًا-: جعلتها إليك؛ فإذا أوقعت غيرها-: لم يجز ذلك؛ فلم يقع.
وإذا أخر المشيئة، ولم يجعلها صفة، ولكن ملكها الطلاق، فقوله: "إن شئت"-: راجع إلى أصل الأمر، أيك إن شئت فافعلي، فوقع ما فوض إليها، كما لو لم يقيد بالمشيئة.
[ ٦ / ٤١ ]
فصل
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢.١].
إذا قال لامرأته: أنت علي حرام، أو محرمة، أو حرمتك: فإن نوى به الطلاق، أو صار معهودًا بغلبة الاستعمال-: فهو طلاق، وإن نوى الظهار-: فهو ظهار، وإن نواهما؛ فلا يقعان، وهو طلاق؛ لأنه أقوى من الظهار؛ وإنما يزيل الملك.
وقيل: هو ظهار؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
ولو نوى تحريم عينها-: لم تحرم عليه، وعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ، وليس بيمين، بل موجبه موجب اليمين، حتى يجوز له وطؤها قبل التكفير؛ وهو قول ابن مسعود؛ بخلاف الظهار: لا يلزمه فيه الكفارة بنفس اللفظ، ما لم يصير عائدًا؛ لأن: هناك لا يمكنه تحقيق التحريم بلفظ الظهار؛ إذ لا يجوز إرادة الطلاق به، فشرطنا مضي إمكان الطلاق بعد؛ حتى يصير مخالفًا لقوله، وههنا: أمكنه تحقيق التحريم بإرادة الطلاق بنفس اللفظ؛ فلما لم يفعل؛ كان مخالفًا؛ فلزمته الكفارة.
ولو أطلق لفظ التحريم-: ففيه قولان.
أصحهما: تجب كفارة اليمين، لأن كل كفارة تجب بالكناية مع النية؛ فيكون لوجوبها صريح؛ قياسًا على كفارة الظهار.
والثاني: لا تجب الكفارة إلا بالنية؛ لأنه من باب الكنايات، فإنه كناية في الطلاق والظهار.
ولو قال: أنت حرام، ولم يقل: علي-: فهو كناية قولًا واحدًا.
ولو خاطب به أمته: فإن نوى به العتق-: فهو عتق، وإن نوى تحريم ذاتها-: لم تحرم، وعليه كفارة اليمين.
وكذلك: إذا أطلق، ولم ينو شيئًا على أصح القولين، ولو خاطب به عبده، أو زوجته الرجعية، أو أمته التي هي أخته، ونوى تحريم الذات، وأطلق-: لا يجب شيء؛ لأنهن محرمات عليه؛ كما لو خاطب به أجنبية.
ولو خاطب به زوجته المعتدة عن الشبهة، أو أمته المعتدة، أو الذمية، أو المجوسية، أو الوثنية، أو المرتدة-: فيه وجهان:
[ ٦ / ٤٢ ]
أحدهما: لا تجب الكفارة؛ لأنهن محرمات؛ [كالأجنبية].
والثاني: تجب؛ لأنهن يحللن بزوال العارض في هذا الملك؛ كما لو خاطب به أمته المحرمة والصائمة أو الحائض، أو قال: كل ما أملكه علي حرام، أو قال: حلال الله علي حرام- نظر: إن لم يكن له زوجة ولا جارية لا تلزمه الكفارة، وإن كانت له نساء وإماء تلزمه، وكم يلزمه؟ فيه قولان:
أصحهما: لا تجب إلا كفارة واحدة؛ لاتحاد اللفظ؛ كما لو حلف: لا يكلم زيدًا وعمرًا وبكرًا أو خالدًا، فكلمهم-: لا تجب إلا كفارة واحدة.
والثاني: تجب عن كل واحد كفارة؛ لتعدد المحل.
وعند أبي حنيفة: لفظ التحريم يمين، وإذا استعمله في زوجة أو أمة-: فهو كما لو حلف ألا يطأها، وإذا استعمل في طعام؛ كأنه حلف ألا يأكله، فإذا وطئ أو أكل، تلزمه الكفارة، ويروى ذلك عن أبي بكر وعائشة ﵄.
ولو قال لزوجته أو أمته: أنت علي كالميتة، أو كالدم، أو [كالحمر، أو كالخنزير] فهو كقوله: علي حرام إذا نوى، ويكون كناية، والله أعلم.
فصل
إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا-: يقع الثلاث، سواء كان مدخولًا بها أو لم يكن.
ولو قال لها: أنت طالق طالق، أو أنت طالق أنت طالق، إن لم يكن مدخولًا بها-: لا يقع إلا واحدة؛ لأنها تبين بالأولى، وكذلك إذا قال لها: أنت طالق وطالق، أو أنت طالق بل طالق، أو أنت طالق طلقة طلقة، أو طلقة وطلقة.
ولو قال لغير المدخول بها: [أنت طالق إحدى عشرة طلقة-: تقع الثلاث؛ كما لو قال: ثلاثًا.
ولو قال: واحدة ومائة-: لا يقع إلا واحدة]، ولو قال: إحدى وعشرين-: فوجهان:
أحدهما: وهو [قول ابن عمر]-: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه عطف العشرين على واحدة؛ كما لو قال واحدة ومائة.
[ ٦ / ٤٣ ]
والثاني: وبه قال أبو حنيفة، وصاحباه-: تقع الثلاث؛ لأنها بمنزلة كلمة واحدة؛ كما لو قال: إحدى عشرة.
ولو قال لها: أنت طالق واحدة ونصفًا-: لا يقع إلا واحدة، ولو قال: اثنتين إلا نصفًا-: تقع طلقتان.
فأما المدخول بها إذا قال لها الزوج: أنت طالق أنت طالق-: نظر: إن قالهما في مجلسين، أو سكت بينهما زمانًا-: يقع طلقتان، وإن قالهما من غير فصل: أنت طالق أنت طالق، أو قال: أنت طالق طالق- نظر: إن قصد بالثانية تكرار الأولى، أو إفهام الكلام الأول-: فلا يقع إلا واحدة، وإن قصد الإيقاع-: يقع طلقتان، وإن أطلق-: فقولان:
أصحهما: تقع طلقتان؛ لأن ظاهره الإيقاع، وإنما تجعل الثانية تأكيدًا إذا نواه.
والثاني: تقع واحدة؛ لأنها اليقين.
ولو ذكر هذه اللفظة ثلاثًا ولاءً: فإن أراد بالأخريين التكرار-: فلا تقع إلا واحدة، وإن أراد الإيقاع-: تقع الثلاث طلقات، وإن أطلق-: فعلى القولين:
أصحهما: يقع الثلاث.
وإن أراد باللفظة الثانية التكرار، وبالثالثة الإيقاع، أو أراد بالثانية الإيقاع، وبالثالثة تكرار الثانية-: تقع طلقتان، وأن أراد بالثالثة تكرار الأولى-: فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل، ويقع الثلاث؛ لأن بينهما فصلًا.
والثاني: يقبل، ويقع طلقتان؛ لأنه يسير.
ولو قال لها: أنت طالق وطالق، أو: أنت طالق وأنت طالق، أو قال: أنت طالق بل طالق، أو أنت طالق ثم طالق-: يقع طلقتان، وإن قال: أردت التكرار-: لم يقبل في الظاهر، لوجود المغايرة بين اللفظين.
ولو قال: أنت طالق وطالق، أو أنت طالق طلقة وطلقة فالمنصوص عليه وهو المذهب-: أنه تقع طلقتان، ولو قال: أنت طالق وطالق وطالق، أو قال: أنت طالق بل طالق بل طالق، أو قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، [أو أنت طالق فطالق فطالق] تقع طلقتان، ويسأل عن الثالثة، فإن أراد بها تكرار الثانية-: لا يقع، وإن أراد الاستئناف-: تقع الثلاث، وإن أطلق-: فقولان، وإن أراد بالثانية تكرار الأولى-: لا يقبل، ويقع الثلاث؛ لأنه لو أراد بالثانية تكرار الأولى-: لا يقبل.
[ ٦ / ٤٤ ]
ولو قال: أنت طالق طلقة وطلقتين، أو قال: طلقة فطلقتين يقع الثلاث، فإن قال: أردت إعادة الأولى في الأخريين فطلقتين: لا يقبل.
ولو قال: أنت طالق وطالق ثم طالق، أو أنت طالق ثم طالق بل طالق-: يقع الثلاث، وإن قال أردت التكرار-: لا يقبل؛ لوجود المغايرة بين الألفاظ.
ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق، أو قال: أنت طالق وطالق إن دخلت الدار، فدخلت- نظر: إن كانت مدخولًا بها-: يقع طلقتان، فإن لم يكن مدخولًا- نظر: إن قدم الجزاء، فقال: أنت طالق وطالق، إن دخلت الدار، أو: أنت طالق واحدة وواحدة، إن دخلت الدار، فدخلت-: تقع طلقتان.
وإن قدم الشرط، فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق-: فيه وجهان.
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة: يقع طلقة واحدة؛ كما في التنجيز، إذا قال لها: أنت طالق وطالق-: لا يقع إلا واحدة.
والثاني: يقع طلقتان؛ لأنهما يقعان معًا بدخول الدار؛ كما لو قدم الجزاء.
ولو قال لها: إن دخلت الدار، فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق، إن دخلت الدار، فأنت طالق، فدخلت الدار-: كم يقع؟ إن قصد به التكرار-: فواحدة، وإن قال لها في مجالس، أو قصد الاستئناف فثلاث، وإن اتحد المجلس.
وإن أطلق-: فقولان؛ بناء على ما لو وجب بفعل واحد في أيمان-: يلزمه كفارة واحدة أم كفارات؟ وفيه قولان:
قال الشيخ: ولا فرق بين المدخول بها وبين غير المدخول بها؛ لأنا إذا قلنا: يتعدد بدخول واحد يقع الكل دفعة واحدة.
ولو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وإن دخلت الدار، فأنت طالق طلقتين، فدخلت-: طلقت ثلاثًا، سواء كانت مدخولًا أو غير مدخول بها.
قال الشيخ: لأنها كما دخلت مرة-: يقع الكل دفعة واحدة؛ لأنه لم يعطف البعض على البعض؛ بخلاف ما لو قال: إن دخلت فأنت طالق وطالق، والله أعلم بالصواب.
باب الطلاق بالوقت
يجوز تعليق الطلاق بالأوقات وبالصفات، وكذلك: العتق، ولا يقع قبل مجيء ذلك الوقت، ولا قبل وجود تلك الصفة، فإذا قال: أنت طالق في شهر كذا، أو في أول شهر كذا، أو في غرة شهر كذا، أو إذا أهل هلال شهر كذا، أو إذا جاء شهر كذا.
[ ٦ / ٤٥ ]
فإذا أهل هلال ذلك الشهر-: يقع الطلاق، ولو رأى الهلال قبل غروب الشمس-: لا يقع؛ لأنه ليس من الشهر الثاني.
ولو قال: في شهر كذا، ثم قال: عنيت في أوسطه، أو قال: في غير شهر كذا، ث ٣ م قال: عنيت اليوم الثاني، أو الثالث-: لا يقبل في الظاهر؛ لأنه يتعلق بأول وجوده، ويقبل في الباطن؛ لأن الغرة اسم لثلاثة أيام من أول الشهر.
ولو قال: أنت طالق في رمضان، وهو في رمضان: يقع في الحال، فإن قال: إذا جاء رمضان، أو في أول رمضان-: فلا يقع ما لم يأت رمضان العام القابل.
ولو قال: في يوم كذا-: يقع بطلوع فجر ذلك اليوم.
ولو قال: في آخر شهر كذا-: يقع بطلوق الفجر من اليوم الأخير.
وقيل: عند غروب الشمس من اليوم الأخير.
وقيل: بدخول ليلة السادس عشر لأنه أول جزء من آخر الشهر.
ولو قال: في سلخ شهر كذا-: يقع بطلوع فجر من اليوم الأخير.
ولو قال: عند انقضاء شهر كذا، أو انسلاخ شهر كذا-: يقع في آخر جزء من اليوم الأخير، ولو قال: في أول آخر شهر كذا-: يقع بدخول ليلة السادس عشر.
وقيل: بطلوع الفجر من اليوم الأخير.
ولو قال: في آخر أول الشهر-: يقع قبل غروب الشمس من اليوم الخامس عشر.
وقيل: عند الغروب من اليوم الأول.
ولو قال: أنت طالق أمس غد، أو غد أمس على الإضافة-: يقع في الحال؛ لأن اليوم الذي هو فيه أمس غد وغد أمس.
ولو قال: غدًا أمس أو أمس غدًا، لا على الإضافة-: طلقت إذا طلع الفجر من الغد، ولغا ذكر الأمس.
ولو قال: أنت طالق اليوم غدًا، أو غدًا اليوم-: طلقت في الحال؛ لأنه يقين، ولا تطلق غدًا؛ لأنه يريد طلاقًا تكون طالقًا به غدًا.
فإن قال: أردت طلقة في اليوم، وطلقة في الغد-: تقع طلقتان: واحدة اليوم، والأخرى إذا جاء الغد.
وكذلك لو قال: أردت نصف طلقة اليوم، ونصف طلقة غدًا-: تقع طلقتان.
[ ٦ / ٤٦ ]
ولو قال: أردت طلقة اليوم، والنصف الثاني غدًا-: ففيه وجهان:
أحدهما: هكذا تقع طلقتان: طلقة اليوم، وأخرى إذا جاء الغد.
والثاني: يقع في الحال طلقة، ولا يقع في غد شيء؛ لأن النصف الثاني من هذه الطلقة قد وقع اليوم، فلم يبق ما يقع غدًا.
ولو قال: أنت طالق اليوم أو غدًا-: تطلق غدًا؛ لأنه يقين، وفي اليوم شك. [وقيل: يقع] اليوم؛ لأنه جعل كل واحد محلًا للطلاق، فيطلق بأولهما.
قال الشيخ: والأول أصح.
ولو قال: أنت طالق اليوم، أو قال: أنت طالق الشهر أو السنة-: يقع في الحال.
ولو قال: إذا مضى اليوم فأنت طالق-: فإذا غربت شمس ذلك اليوم طلقت، وإن لم يبق منه إلا ساعة؛ لأنه عرف اليوم بالألف واللام؛ فانصرف إلى اليوم الذي هو فيه، حتى لو قاله بالليل-: يكون لغوًا لا يقع به شيء.
ولو قال: إذا مضى يوم فأنت طالق-: لا يقع، حتى يأتي ذلك الوقت من اليوم الثاني؛ لأنه نكر اليوم فيقضي يومًا كاملًا.
ولو قاله بالليل-: فحتى تغرب الشمس من اليوم الذي يعقب تلك الليلة.
وكذلك لو قال: إذا مضى الشهر، فإذا غربت الشمس من اليوم الأخير-: يقع، وإن لم يبق من الشهر إلا ساعة.
ولو قال: إذا مضى شهر-: فلا يقع، حتى يمضي ثلاثون يومًا، فإذا قاله بالنهار-: يكمل يوم اليمين باليوم الحادي والثلاثين، وإذا قاله بالليل-: فحتى يمضي ثلاثون يومًا، ومن الليلة التي تعقب الثلاثين بقدر ما مضى من ليلة اليمين.
ولو قال: إذا مضت السنة-: تنصرف إلى السنة العربية، وإذا غربت الشمس من آخر يوم ذي الحجة-: طلقت، وإن لم يبق منه إلا ساعة.
ولو قال: إذا مضت سنة-: فحتى تمضي اثنا عشر شهرًا كوامل، وتكون أحد عشرًا [شهرًا] بالأهلة، سواء كانت كاملة أو ناقصة، [ويكمل شهر اليمين ثلاثين يومًا بالشهر الثالث عشر، سواء كانت كاملًا أو ناقصًا].
[ ٦ / ٤٧ ]
ولو قال: أردت سنة رومية أو فارسية-: يقبل في الباطن، ولا يقبل في الظاهر؛ لأن سنة الروم والفرس أطول؛ فهو يريد تأخير الطلاق.
ولو علق طلاقها بوقت أو صفة، ثم قال: عجلت تلك الطلقة-: لا تتعجل، فإن عنى به إيقاع طلاق في الحال-: يقع في الحال طلقة، وعند وجود الصفة أخرى.
ولو قال: أنت طالق الشهر الماضي، أو في الشهر الماضي، أو قال: أنت طالق أمس- نظر: إن لم يكن له نية، أو تعذر الرجوع إليه بموت، أو جنون، أو غباوة-: يحكم بوقوع الطلاق في الحال.
ولو قال: أردت به طلاقًا-: يقع في الحال، ولا يستند [إلى الشهر الماضي].
وإن قال: أردت به وقوع الطلاق في الشهر الماضي، ولم أرد إيقاعًا في الحال.
وقال الربيع: فيه قول آخر: إنه لا يقع للاستحالة؛ كما لو قال: إن طرت أو صعدت السماء- فأنت طالق-: لا يقع.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على قولين:
أحدهما: لا يقع الطلاق؛ لأنه علق بمستحيل وجوده.
والثاني: يقع؛ لأنه أوقع الطلاق، ويريد أن يرفعه بمستحيل؛ فيلغو المستحيل.
ومنهم من فرق بينهما- وهو المذهب- وقال في الإضافة إلى "أمس" يقع؛ لأنه أوقع الطلاق، ثم يريد رفعه بالإضافة إلى أمر؛ كما لو قال: أنت طالق طلاقًا لا يقع في الحال، وفي الصعود والطيران: لم يوقع الطلاق، بل علقه على أمر سيوجد، ولم يوجد فلم يقع.
ولو قال: أردت بها أنها كانت مطلقة من زوج آخر في الشهر الماضي، أو مني في نكاح آخر [قبل منه] إن عرف ذلك أو قامت عليه بينة، وإن لم يعرف-: لا يقبل، ويقع في الحال، فإن أراد الإقرار أني كنت طلقتها في الشهر الماضي-: قبل قوله مع يمينه، وعدة المرأة من ذلك الوقت، إن صدقته، وإن كذبته فمن الآن.
ولو قال: إذا قدم فلان فأنت طالق ثلاثًا قبله بشهر فإن قدم قبل مضي شهر من وقت اليمين-: لا يقع الطلاق، وتنحل اليمين.
وإن قدم بعد مضي شهر-: تبينا وقوع الطلاق قبله بشهر، فإن كان قد خالعها بعد اليمين قبل قدوم فلان، أو كان قد علق العتق بقدوم فلان على هذه الصفة، فباعه قبل قدوم
[ ٦ / ٤٨ ]
فلان-: يحسب شهر قبل قدومه، فإن وقع الخلع أو البيع في الشهر-: كان الخلع والبيع باطلين؛ لتقدم الطلقات الثلاث والعتق.
وإن وقع الخلع والبيع قبل الشهر-: فهما صحيحان، ولم يقع الطلاق المعلق والعتق بهما.
ولو قال لها: أنت طالق يوم يقدم فلان، أو قال لعبده: أنت حر يوم يقدم فلان، أو قال: إذا قدم زيد غدًا فأنت طالق، فخالع المرأة في أول النهار، أو باع العبد، ثم قدم زيد في ذلك اليوم-: ما حكمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: صح الخلع والبيع، ولم يقع الطلاق والعتق؛ لأنهما معلقان بالقدوم، ووجد القدوم من بعد.
والثاني: يتبين وقوع الطلاق والعتق بطلوع الفجر من ذلك اليوم؛ كأنه قال: أنت طالق، أو أنت حر في اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان-: فلم يصح الخلع ولا البيع.
وكذلك: لو ماتت المرأة بكرة ثم قدم فلان وقت الظهر-: هل يتبين أنها ماتت مطلعة؟ فعلى وجهين، وأصل هذا: أنه إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم في خلال النهار-: هل يلزمه صوم يوم بعده؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الصوم معلق بالقدوم، وكان قدومه في أثناء النهار، وصوم النهار-: لا يتصور.
والثاني: يلزمه؛ لأنا تبينا بالقدوم أن الصوم لزمه من أول النهار، كأنه نذر صوم اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان.
وإذا قال: إذا رأيت الهلال فأنت طالق-: ينصرف إلى العلم، فإذا تحقق دخول الشهر-: طلقت، وإن لم تر الهلال؛ كما قال النبي ﷺ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتِهِ" وأراد - ﷺ- به العلم بدخول الشهر.
فإن قال: أردت به الرؤية بعيني-: يقبل قوله ظاهرًا وباطنًا، وقيل: لا يقبل قوله في الحكم، والأول أصح؛ لأن حقيقة الرؤية تكون بالبصر، إلا أن يكون أعمى: فلا يقبل قوله في الحكم، ويقبل في الباطن.
وإذا قال: إذا رأيت بعيني-: فلا يقع ما لم ير بعينه.
إذا قال بالفارسية-: يحمل على رؤيته بنفسه، بصيرًا كان أو أعمى.
[ ٦ / ٤٩ ]
وقيل في الأعمى: يحمل على العلم، ويشترط أن يراه بعد غروب الشمس على السماء.
فلو رآه قبل غروب الشمس، أو رآه في ماء أو في مرآة-: لا يقع.
ولو رآه في الليلة الثانية والثالثة-: يقع، ولو لم يره إلا في الليلة الرابعة-: لا يقع؛ لأنه لا يسمى هلالًا بعد ثلاث ليال.
فإذا أطلق الهلال-: يتناول هلال أول شهر يستقبله، وإذا لم يره في الشهر الأول-: ارتفع اليمين حتى لو رآه في الشهر الثاني-: لا يقع، والله أعلم.
فصل في تعليق الطلاق بالتطليق والحلف به.
إذا قال لامرأته: إذا طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها- نظر؛ إن كان غير مدخول بها-: يقع عليها طلقة بالإيقاع، وانحلت اليمين، ولا [يقع] المعلق؛ لأنها بانت منه بالأولى.
وإن كانت مدخولًا بها-: يقع عليها طلقتان: واحدة بالإيقاع، وأخرى بالحنث.
فإن ادعى بأني لم أرد به التعليق، بل اردت أني منها طلقتها؛ فهي طالقة تلك الطلقة-: لا يقبل قوله في الحكم ويقبل في الباطن.
ولو وكل وكيلًا بالتطليق، فطلقها الوكيل-: يقع ما أوقعه الوكيل، ولا يقع المعلق؛ لأن الشرط أن يطلقها بنفسه.
ولو خالعها-: لا يقع المعلق؛ لأنها تبين بالخلع ثم إن جعلنا الخلع طلاقًا-: تنحل اليمين، وإن جعلناه فسخًا لا تنحل.
ولو علق طلاقها بصفة، ووجدت الصفة-: يقع طلقتان؛ لأن التعليق مع وجود الصفة تطليق، أما إذا علق طلاقها بصفة قبل التعليق بالتطليق؛ بأن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال لها: إن طلقتك فأنت طالق، ثم دخلت الدار-: لا يقع إلا طلقة واحدة، ولا يقع المعلق بالتطليق؛ لأن التعليق سبق اليمين، ووقوع الطلاق بمجرد وجود الصفة لا يكون تطليقًا.
أما إذا قال لها: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم طلقها بنفسه أو بوكيله، أو كان
[ ٦ / ٥٠ ]
قد سبق منه تعليق بالدخول، فدخلت بعد اليمين بالطلاق-: يقع طلقتان لوجود الوقوع، وتنحل اليمين.
[ولو قال لها]: أوقعت عليك الطلاق فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار:
قال بعض أصحابنا: لا يقع إلا طلقة واحدة، ولا يقع المعلق بالإيقاع؛ لأنه يقتضي طلاقًا يباشر إيقاعه.
ومن أصحابنا من قال- وهو الأصح عندي-: إنه يقع طلقتان: إحداهما بدخول الدار، والثانية بالصفة الأولى؛ كما في قوله: إذا طلقتك فأنت طالق.
ولو قال: كلما طلقتك فأنت طالق، فإذا طلقها-: يقع طلقتان، ولا تنحل اليمين، لأن كلمة "كلما" للتكرار، ولا يظهر له فائدة ههنا، لأنه إذا طلقها مرة أخرى يتم الثلاث، ولا وجود لليمين بعد الثلاث؛ على ظاهر المذهب.
ولو قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فإذا طلقها مرة: يقع عليها ثلاث طلقات؛ لأنه للتكرار؛ فوقوع الأولى يوجب وقوع الثانية، ووقوع الثانية [يوجب وقوع الثالثة].
ولو قال لنسائه الأربع: كلما طلقت واحدة منكن، فصواحباتها طوالق، فإذا طلق واحدة-: يقع عليها طلقة، وعلى كل واحدة من صواحباتها طلقة، فإذا طلق الثانية-: وقع على كل واحدة طلقتان، فإذا طلق الثالثة-: وقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
ولو قال: كلما طلقت واحدة منكن فأنتن طوالق: فإذا طلق واحدة-: يقع عليها طلقتان؛ لأنه علق طلاقها بتطليقها، ويقع على كل واحدة من صواحباتها طلقة، فإذا طلق الثانية-: تم عليها وعلى الأولى ثلاث طلقات، وعلى الثالثة والرابعة طلقتان، فإذا طلق الثالثة-: تم على الكل ثلاث طلقات.
ولو قال: كلما وقع طلاقي على واحدة منكن، فأنتن طوالق، أو صواحباتها طوالق: فإذا طلق واحدة منهن طلقة-: وقع على الكل ثلاث طلقات.
ولو قال لها: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو قال: إن كلمت فلانًا، أو إن ضربتك فأنت طالق-: يقع في الحال طلقة؛ لأنه
[ ٦ / ٥١ ]
علق الطلاق والحلف، وقد وجد الحلف، ثم إذا وجد الدخول أو الكلام أو الضرب-: يقع طلقة أخرى.
ولو قال لها: إن جاء رأس الشهر، أو إذا طلعت الشمس، أو شئت، أو حضت-، فأنت طالق-: فليس هذا بيمين؛ فلا يقع به الطلاق المعلق بالحلف؛ لأن اليمين ما يتضمن تحقيقه أمرًا ومنعًا عن شيء، أو إقدامًا على شيء، وليس في هذه التعليقات شيء من ذلك.
ولو قال: إن قدم فلان فأنت طالق- نظر: إن كان قصده منع فلان عن القدوم، وهو ممن يمتنع يمينه-: فهو يمين يقع به الطلاق المعلق بالحلف.
وإن كان قصده التأقيت، أو علق بقدوم الحجيج، أو بقدوم السلطان-: فلا يكون يمينًا؛ فلا يقع به الطلاق المعلق بالحنث.
ولو قال لامرأته المدخول بها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، قالها أربع مرات-: فكل واحدة من هذه الألفاظ يمين بالطلاق، فبالثانية: تنحل الأولى، وتقع طلقة، وبالثالثة: تنحل الثانية، وتقع أخرى، وبالرابعة: تنحل الثالثة، وتتم الثلاث.
والرابعة منعقدة؛ لأن من ضرورة انحلال الثالثة انعقاد الرابعة، غير أنه لا عود لليمين بعد الثلاث؛ على ظاهر المذهب.
وإن قال ذلك لغير المدخول بها، فبالثانية-: تنحل الأولى، ويقع طلقة، وتبين منه، والثانية منعقدة لا تنحل بالثالثة؛ لأنها غير منعقدة، وفائدته عوده في النكاح الثاني، على أحد القولين، والثالثة والرابعة لغو.
أما إذا قال لغير المدخول بها: إن كلمتك فأنت طالق، قالها ثلاثًا-: فبالثانية تنحل الأولى، ويقع طلقة، وتبين منه، وبالثالثة: تنحل الثانية، حتى لا يعود في النكاح الثاني؛ لأن الطلاق ههنا معلق بالكلام، واللفظة الثالثة كلام معها بعد البينونة؛ فتنحل به اليمين، وفي المسألة الأولى: الطلاق معلق باليمين، واللفظة الثالثة وجدت بعد البينونة، واليمين بالطلاق لا ينعقد بعد البينونة.
وقال أبو حنيفة في التعليق بالكلام: لا تنعقد الثانية، وهو اختيار الشيخ أبي سهل؛ لأن بقوله: "إن كلمتك" تبين منه، فقوله: أنت طالق يوجد بعد البينونة.
[وعند مالك]: تنعقد الثانية؛ لأن قوله: "إن كلمتك، فأنت طالق" كله كلام واحد لا يفصل بعضه عن بعض، وفائدته: العود في النكاح الثاني.
[ ٦ / ٥٢ ]
ولو كانت له امرأتان: زينب وعمرة، فقال: إذا حلفت بطلاقكما-: فعمرة طالق، قاله مرارًا-: فلا طلاق؛ لأنه علق طلاق عمرة باليمين بطلاقهما، وهو التكرار يحلف بطلاق عمرة وحدها، فإذا حلف بعدها بطلاقهما متفرقًا أو مجتمعًا-: طلقت عمرة.
وكذلك لو قال: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق، ثم قال: إن دخلتما الدار فعمرة طالق-: لم تطلق عمرة؛ لأنه لم يحلف بطلاقهما.
ولو قال: إن دخلتما الدار فأنتما طالقان-: طلقت عمرة؛ لأنه حلف بطلاقهما جميعًا، وكذلك لو قال: إن حلفت بطلاقكما فإحداكما طالق، فكرر-: لم تطلق واحدة منهما، حتى يقول: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان؛ حينئذ: تطلق إحداهما لا بعينها.
ولو قال: إن حلفت بطلاق إحداكما فأنتما طالقان، فكرره ثانيًا-: طلقت كل واحدة طلقة؛ لأنه علق طلاقها بالحلف بطلاق إحداهما، فإذا حلف بطلاقهما-: فقد حلف بطلاق إحداهما.
ولو قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا، فطلقها اختلف أصحابنا فيه:
فذهب جماعة: إلى أنه لا يقع الطلاق، وبه قال ابن سريج، وابن الحداد؛ لأنا لو أوقعنا هذه الطلقة لزمنا أن نوقع قبله ثلاثًا؛ لأن الجزاء لا يتخلف عن الشرط، فإذا وقع الثلاث قبله امتنع وقوع هذه الطلقة، وإذا لم تقع هذه الطلقة-: لا يقع ما قبله.
وذهب جماعة: أنه يقع [هذا الموقع]، [وبه قال صاحب "التلخيص"، والشيخ أبو زيد- رحمهما الله- وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه لا استحالة في وقوع هذه الطلقة] إنما الاستحالة في ترتيب الجزاء عليه، فيسقط الجزاء.
ومن أصحابنا من قال: إذا طلقها-: يقع ثلاث طلقات؛ وهو قول أبي بكر الإسماعيلي، يقع هذا الموقع، وترتب عليه من الجزاء طلقتان، لأنه بعد وقوع الأولى يبقى عليه طلقتان؛ فيمكن ترتيبهما على الأولى.
ولو قال: إذا طلقتك ثلاثًا فأنت طالق قبلها طلقة أو طلقتين-: يقع، ولو طلقها ثلاثًا-: فعلى الوجه الأول: لا يقع، وعلى الثاني: يقع ثلاث.
ولو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله طلقة، أو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله طلقتين، فطلقها-: يقع الثلاث، إن كانت مدخولًا بها وإن لم يكن مدخولًا بها-: فعلى الوجه الأول: لا يقع، وعلى الثاني: يقع الموقع.
[ ٦ / ٥٣ ]
ولو قال للمدخول بها: إذا طلقتك طلقة أملك رجعتك، فأنت طالق قبلها طلقتين، فطلقها-: لا يقع على الوجه الأول؛ لأنا إذا أوقعنا قبلها طلقتين-: لا تكون هذه الطلقة رجعية، وعلى الوجه الآخر: يقع الموقع.
ولو قال [لامرأته]: أنت طالق قبل موتي بشهر، فمات قبل مضي شهر-: لا يقع الطلاق، وإن مات بعد مضي شهر-: طلقت قبل موته بشهر.
ولو قال: أنت طالق مع موتي، أو مع موتك-: لا يقع؛ لأن النكاح يرتفع في تلك الحالة، فالطلاق لا يصادف النكاح؛ بخلاف ما لو قال لعبده: أنت حر بعد موتي-: يعتق مع موته؛ لأنه إذا قال: أنت حر بعد موتي-: يعتق بعد الموت، والطلاق لا يقع بعد الموت.
ولو تزوج رجل أمة مورثه، ثم قال: إذا مات مورثي فأنت طالق، فمات-: لا تطلق؛ لأن النكاح ينفسخ بالملك؛ فالطلاق لا يصادف النكاح، وإن كان على الميت دين؛ لأن الدين لا يمنع الميراث، وإن كان المورث قد قال لها: إذا مت فأنت حرة، فمات، وهي تخرج من الثلث-: عتقت وطلقت؛ لأن الزوج لم يملكها، حتى ينفسخ النكاح.
ولو قال الزوج لها: إذا اشتريتك فأنت- طالق، فاشتراها: إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع-: طلقت.
وإن قلنا: للمشتري-: لم تطلق، ولو قال: إذا ملكتك-: لم تطلق.
فصل
الألفاظ التي تستعمل في التعليق سبعة: من، وإن وإذ، ومتى، ومهما، وأي،
[ ٦ / ٥٤ ]
وكلما؛ مثل: أن نقول: من دخل من نسائي الدار فهي طالق، أو قال لواحدة: إن، أو: إذا دخلت الدار، أو: متى، أو: متى ما، أو: مهما دخلت الدار، أو: أي وقت، أو: أي حين، أو أي زمان دخلت، أو: كلما دخلت فأنت طالق: فإذا دخلت: طلقت، وكلها على التراخي في الإثبات إلا "إذا" و"إن"؛ فإنهما عند ذكر المآل إذا خاطب بهما المرأة يكونان على الفور.
فإن قال: إن أعطيتني، أو: إذا أعطيتني ألفًا، أو إن ضمنت لي ألفًا، فأنت طالق-: يشترط الإعطاء والضمان في المجلس.
وكذلك في المشيئة، إذا خاطبها بها، فقال: إن شئت فأنت طالق-: يشترط مشيئتها في المجلس.
أما في النفي: فجميع هذه الألفاظ على الفور، إلا "إن" فإنه على التراخي، حتى لو قال: إذا لم أطلقك، أو: متى، أو متى ما، أو: أي حين لم أطلقك فأنت طالق، فمضى زمان أمكنه أن يطلقها، فلم يفعل-: طلقت.
ولو قال: متى لم تكلمي فلانًا فأنت طالق، فمضى زمان إمكان الكلام، فلم تكلم-: طلقت، معناه: إذا فاتني زمان أمكنني فيه تطليقك، أو فاتك زمان أمكنك الكلام-: فأنت طالق.
ولو قال: إن لم أطلقك فأنت طالق: فلا يقع حتى يموت أحدهما قبل التطليق، فيحكم بوقوع الطلاق في آخر جزء من أجزاء الحياة؛ لأن معناه: إن فاتني طلاقك، ولا يتحقق الفوات إلا بالموت.
ولو جن الزوج جنونًا اتصل بالموت-: يحكم بالوقوع قبيل الجنون.
ولو قيد بزمان، وقال: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق، فإذا مضى اليوم، ولم يطلق-: يحكم بالوقوع قبيل غروب الشمس.
[ ٦ / ٥٧ ]
ولو قال: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم، فمضى اليوم، ولم يطلقها-: هل يقطع الطلاق أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقع؛ لأن مضي اليوم شرط في وقوع الطلاق في اليوم، ولا يوجد الشرط إلا بعد فوات المحل.
والثاني: وهو قول أبي حامد: يقع؛ لأن معناه: إن فاتني طلاقك اليوم: فإذا بقي من اليوم لا يمكنه أن يقول فيه: أنت طالق؛ فقد فاته، فوقع الطلاق.
وجميع هذه الألفاظ: لا تقتضي التكرار، حتى لو أتى بالمحلوف عليه مرة وحنث، ووقع الطلاق-: ارتفع اليمين، وإذا أتى به مرة أخرى-: لا طلاق يقع آخر إلا كلمة "كلما" فإنها للتكرار، وهي في النفي على الفور، حتى لو قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق، فمضت ساعة أمكنه تطليقها فيه، ولم يفعل-: وقعت طلقة.
ثم إن كانت المرأة مدخولًا بها، فمضى ثلاث ساعات، تقع ثلاث طلقات، وإن لم يكن مدخولًا بها-: بانت منه بالطلقة الأولى، فإذا نكحها بعده، وقلنا: يعود اليمين، فيمضي ساعة-: تقع طلقة أخرى.
فإذا قال للمدخول بها عقيب هذه الكلمة: طلقتك على ألف، فقبلت-: بانت منه، ولا تطلق بعده، ما لم ينكحها، فإذا نكحها-: فعلى قولي عود اليمين.
وإذا قال لامرأته: أن دخلت الدار فأنت طالق، بفتح الألف، أو: أنت طالق أن دخلت الدار، وهو ممن يعرف النحو-: يحكم بوقوع الطلاق في الحال، وإن لم تكن دخلت الدار؛ لأنه تعليل، وليس بتعليق، كأنه قال: أنت طالق؛ لأنك قد دخلت الدار، أو قال: أنت طالق إن طلقتك، أو إذا طلقتك-: يحكم بوقوع طلقتين في الحال: طلقة بإقراره، وأخرى بإيقاعه؛ كأنه قال: أنت طالق؛ لأني طلقتك.
ولو قال: إن دخلت الدار أنت طالق بحذف الفاء-: كان تعليقًا، ولا تطلق إلا بعد الدخول، كما لو قال: أنت طالق، إن دخلت الدار.
ولو قال: إن دخلت الدار، وأنت طالق: فإن قال: أردت الإيقاع في الحال-: قبل بلا يمين؛ لأنه يقر على نفسه، وإن قال: أردت الشرط والجزاء، فأقمت الواو مكان الفاء-: قبل قوله؛ لأنه محتمل.
ولو قال: أردت أن أجعل دخول الدار وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق آخر، ثم سكت عن الجزاء-: قبل قوله.
ولو قال: أنت طالق، إن دخلت الدار، طالقًا، أو قال: أنت، إن دخلت الدار، طالقًا
[ ٦ / ٥٨ ]
طالق: فإن طلقها رجعيًا، ودخلت الدار في العدة-: طلقت، وإن دخلت قبل الطلاق-: لم تطلق؛ لأنه شرط أن تدخلها، وهي طالق.
ولو قال: إن دخلت الدار طالقًا، واقتصر عليه - نظر: إن أراد بالنصب ما يراد بالرفع فلحن، عائدًا أو مخطئًا-: وقع الطلاق، إذا دخلت الدار.
ولو قال: نصبت على الحال، ثم لم أتم الكلام-: قبل قوله، ولا يقع شيء.
ولو قال لها: إن تركت طلاقك فأنت طالق، فمضى زمان أمكنه أن يطلقها، فلم يطلق-: طلقت، وإن طلقها في الحال واحدة، ثم سكت-: لا يقع أخرى للحنث؛ لأنه لم يترك طلاقها.
وبمثله لو قال: إن سكت عن طلاقك فأنت طالق، فلم يطلقها في الحال-: طلقت.
ولو طلقها في الحال، ثم سكت-: طلقت طلقة أخرى بالسكوت، ولا تقع الثالثة؛ لأن اليمين قد انحلت، والله أعلم.
فصل
إذا قال: إذا قدم فلان فأنت طالق، فقدم راكبًا أو ماشيًا، أو قال: إن دخل فلان الدار فأنت طالق، فدخل راكبًا أو ماشيًا-: وقع الطلاق.
وإن قدم به ميتًا-: لم يقع.
وإن قدم به محمولًا- نظر: إن كان بأمره-: وقع كما لو قدم راكبًا، وإن كان بغير أمره-: لم يقع، سواء إن كان زمنًا أو سويًا، تراخى أو لم يتراخ.
وإن أكره حتى دخل بنفسه-: فعلى قولين.
وكذلك إذا قدم جاهلًا بيمين الحالف، أو ناسيًا-: فيه قولان.
أحدهما: لا يقع؛ لأن الإكراه والنسيان مرفوع عن الأمة؛ كما لو أكره على الطلاق: لا يعق.
والثاني: يقع، لأنه كان مختارًا في اليمين.
هذا إذا علق بقدوم من يقصد الزوج منعه من القدوم بيمينه، وهو ممن يمتنع من القدوم لو علم بيمينه.
[ ٦ / ٥٩ ]
أما إذا علق بقدوم الحجيج أو السلطان-: فهذا مجرد تعليق ليس بيمين، فإذا قدم وقع، ولو قال: إذا رأيت فلانًا فأنت طالق، فرأى جزءًا من بشرته، حيًا أو ميتًا، طلقت، ولو رآه ملفوفًا في ثوب-: لم تطلق، ولو رآه في مرآة-: لم تطلق؛ لأنه رأى خياله؛ كما لو رآه في المنام، أو رأى صورته على الجدار، أو ظله على الأرض، أو رآه من وراء زجاج شفاف-: يقع؛ لأنه رآه حقيقة.
ولو قال: إن مسست فلانًا فأنت طالق، فمس شيئًا من بدنه بلا حائل، حيًا أو ميتًا-: طلقت، وإن كان وراء حائل-: لم تطلق.
ولو قال: إن ضربت فلانًا، فضربه ضربًا مؤلمًا-: وقع، وإن كان وراء ثوب، سواء إن ضربه بسوط أو وكزه بيده، وإن ضربه ميتًا-: لم يقع؛ لأن الضرب: ما يؤلم، والميت لا يتألم.
[ولو قال: إن قذفت فلانًا فأنت طالق، فقذفه حيًا أو ميتًا-: يقع؛ لأن قذف الميت كقذف الحي].
ولو قال: إن قذفت فلانًا في المسجد فأنت طالق-: يشترط أن يكون القاذف في المسجد، ومثله لو قال: إن قتلت فلانًا في المسجدح: يشترط أن يكون المقتول في المسجد؛ لأن مقصوده الامتناع عن هتك حرمة المسجد، وهتك الحرمة في القتل بكون المقتول فيه، وفي القذف بكون القاذف فيه.
ولو قال من عليه الدين لمن له الدين: إن أخذت مالك علي فامرأتي طالق، فأخذه مختارًا-: طلقت امرأة الحالف، سواء كان المعطي مختارًا في الإعطاء أو مكرهًا، وسواء أعطى بنفسه أو بوكيله.
ولو أخذ السلطان من ماله، فدفعه إليه، أو استلبه رب [الدين]، لأنه حلف على الأخذ، وقد وجد الآخذ مختارًا.
وإذا قال: إذا أخذت مني-: فلا يحنث بإعطاء الوكيل بإذنه، ولا بإعطاء السلطان من ماله، فإن أكرهه السلطان على الإعطاء، أو استلب منه رب [المال]-: فعلى قولين؛ بخلاف الصورة الأولى، حيث لم يعتبر فعله؛ لأنه لم يضف الأخذ إلى نفسه فيها.
[ ٦ / ٦٠ ]
ولو قال: إن أعطيتك حقك، فأعطاه مختارًا-: حنث، سواء كان الآخذ مختارًا في الأخذ أو مكرهًا.
ولو وكل بالإعطاء، أخذ السلطان من ماله، فأعطاه-: لم يحنث، ولو أكرهه حتى أعطاه بنفسه-: فعلى قولين:
ولو قال لها: إن كلمت فلانًا فأنت طالق- ينظر: إن كلمته بصوت يسمع في تلك المسافة-: يقع الطلاق، سواء سمعه أو لم يسمعه، وإن خفضت صوتها بحيث لا يسمع فاتفق أنه سمع-: لم يقع، ولو كلمته بصوت يسمع في تلك المسافة، غير أنه لم يسمع لعارض لغط أو ريح، أو كان به صمم-: فعلى وجهين:
قال الشيخ﵀-: الأصح عندي أنه لا يقع حتى ترفع صوتها بحيث يسمع في تلك المسافة مع ذلك العارض؛ فحينئذ: يقع، وإن لم يتفق السماع.
وإن كلمته، وهو نائم، أو مغمىً عليه-: لا يحنث؛ كما لو كلمته ميتًا، وإن كلمته، وهو سكران، أو مجنون-: يقع، وإن كلمته وهي مجنونة أو مكرهة-: فعلى قولين؛ بناءً على حنث الناسي والمجنون والمكره.
وإن كانت [سكرانة] يقع.
ولو قال لها: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تكلمي فلانًا، فكلمته-: لم تطلق؛ لأنها خالفت نهيه.
ولو قال لها: إن كلمتك فأنت طالق، فاعلمي ذلك-: طلقت؛ لأنه كلمها بقوله: "فاعلمي ذلك".
وقيل: إن وصله باليمين-: لم تطلق؛ لأنه من صلة الأول.
أما إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق-: طلقت؛ لأن قوله: "إن دخلت الدار" كلام آخر معها.
ولو كان في فمها ثمرة، فقال: إن ابتلعتها فأنت طالق، وإن لفظتها فأنت طالق، وإن أمسكتها فأنت طالق فالمخلص منه أن تبلع البعض في الحال، وتلفظ البعض، ولو قال: إن أمسكتها فأنت طالق-: فأنت طالق طلقت؛ لأنها ممسكة إلى الفراغ من الألفاظ.
ولو اتهمها بسرقة، فقال: أنت طالق، إن لم تصدقي أنك سرقت أو ما سرقت، فقالت: سرقت وما سرقت-: لم تطلق؛ لأنها صدقت في إحدى الخبرين.
[ ٦ / ٦١ ]
ولو قال: إن سرقت مني شيئًا فأنت طالق، فدفع إليها كيسًا، فأخذت منه شيئًا-: لم تطلق؛ لأنه خيانة ليس بسرقة.
ولو علق طلاقها بصفات مختلفة، فوجدت متفرقة أو مجتمعة-: يحنث في الكل؛ مثل أن قال لها: إن كلمت رجلًا فأنت طالق، وإن كلمت فقيهًا فأنت طالق، وإن كلمت زيدًا فأنت طالق، فكلمت رجلًا فقيهًا اسمه زيد-: طلقت ثلاثًا؛ لوجود الصفات كلها فيه.
ولو قال: إن دخلت الدار أو كلمت فلانًا فأنت طالق، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، أو كلمت فلانًا: فإذا وجدت إحدى الصفتين-: طلقت أيهما كانت، وترتفع اليمين حتى لا يقع بوجود الآخر شيء [آخر].
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار وإن كلمت فلانًا، أو قال: إن دخلت الدار وإن كلمت فلانًا فأنت طالق-: طلقت بكل واحدة طلقة؛ لأنه كرر حرف الشرط؛ فوجب لكل واحد جزاء، وإن وجدتا وقعت الطلقتان.
ولو قال: إن دخلت الدار وكلمت فلانًا فأنت طالق-: لم تطلق إلا بوجودهما جميعًا، وإذا وجدتا طلقت واحدة، سواء تقدم الكلام أو الدخول؛ لأن الواو للجمع.
ولو قال: إن دخلت الدار فكلمت فلانًا فأنت طالق، أو قال: إن دخلت الدار ثم كلمت فلانًا:- فلا تطلق إلا بوجودهما جميعًا، ويشترط تقديم الدخول على الكلام؛ لأن "الفاء" "وثم" للتعقيب.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت فلانًا-: لا تطلق إلا بوجودهما، ويشترط تقدم الكلام على الدخول؛ لأنه جعل الكلام شرطًا لوقوع الطلاق بالدخول.
وكذلك لو قال: أنت طالق إذا قمت [إذا] قعدت لم تطلق حتى يوجد القيام والقعود، ويتقدم القعود على القيام؛ لأنه جعل القعود شرطًا في القيام.
ولو قال: إن أعطيتك [إن] وعدتك إن سألتني فأنت طالق-: لم تطلق، حتى يوجد السؤال ثم الوعد، ثم العطية؛ لأنه شرط في العطية الوعد، ويشترط في الوعد السؤال، وكان معناه: إن سألتني فوعدتك وأعطيتك فأنت طالق.
ولو قال: إن دخلت الدار [فأنت طالق إن كلمت فلانًا-: فهذا يحتمل معنيين:
[ ٦ / ٦٢ ]
أحدهما: أنها إن دخلت الدار-:] اتصتف بأن طلاقها تعلق بالكلام، فيشترط تقديم الدخول.
والآخر: أنها إن كلمت-: اتصفت بأن طلاقها تعلق بالدخول؛ فيشترط تقديم [الكلام] فيرجع إليه.
فصل في تعليق الطلاق بالحيض
إذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق: فكما رأت الدم-: يحكم بوقوع الطلاق، ويكون بدعيًا؛ لأن الظاهر أنه حيض، بدليل أنها تؤمر بترك الصوم والصلاة.
ثم إذا انقطع على أقل من يوم وليلة-: بان أنه لم يكن حيضًا؛ فلم يقع الطلاق، وإن كانت حائضًا حالة اليمين-: لا يقع الطلاق بتلك الحيضة، حتى تطهر ثم تحيض؛ لأنه يقتضي حيضة مستأنفة.
ولو قال: عن حضت حيضة فأنت طالق-: فلا يقع حتى تحيض وتطهر، ويكون سنيًا، لأنه يقع في الطهر.
ولو قال: إن حضت حيضة فأنت طالق، وإن حضت حيضتين فأنت طالق، فإذا حاضت وطهرت-: يقع طلقة، ثم إذا حاضت حيضة أخرى وطهرت-: تقع أخرى؛ لأن هذه الحيضة مع الأولى حيضتان.
ولو قال: إن حضت حيضة فأنت طالق، ثم إن حضت حيضتين فانت طالق: فإذا حاضت وطهرت-: وقعت طلقة، ثم لا تقع أخرى حتى تحيض [بعدها] حيضتين أخريين.
ولو قال: كلما حضت حيضة فأنت طالق طلقة، وكلما حضت حيضتين فأنت طالق: فإذا حاضت وطهرت-: وقعت طلقة، ثم إذا حاضت أخرى وطهرت-: كمل الثلاث؛ لأن "كلما" للتكرار، والحيضة الثانية في نفسها حيضة؛ فيقع بها طلقة، وهي مع الأولى حيضتان؛ فتقع أخرىز
ولو علق طلاقها بحيضها، فقالت: حضت، وأنكر الزوج-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها أعرف بحيضها، فيقبل قولها في حقها؛ بخلاف ما لو علق بصفة أخرى، واختلفا في
[ ٦ / ٦٣ ]
وجودها-: كان القول قول الرجل مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
ولو علق طلاقها بحيض امرأة أخرى، فقالت تلك المرأة: حضت، وأنكر الزوج-: فالقول قول الرجل مع يمينه.
ولو كانت له امرأتان، فقال: إن حضتما فأنتما طالقان؛ فما لم تحيضا لا يقع لاطلاق، وإذا حاضتا طلقتا، سواء حاضتا معًا أو على الترتيب.
ولو قالتا: حضنا، وكذبهما الزوج-: فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف لا تطلق واحدة منهما.
ولو صدق الزوج إحداهما-: طلقت المكذبة دون الأخرى؛ لأن قول المكذبة في حقها مقبول، وقد صدق الزوج صاحبتها، فقد وجدت الحيضتان في حقها، ولا تطلق المصدقة؛ لأن حيض صاحبتها شرط في طلاقها، والزوج قد كذبها، فلا يقبل قولها في حق هذه.
ولو قال لهما: إن حضتما حيضة فأنتما طالقان-: ففيه وجهان:
أحدهما: هو لغو لا يحكم به؛ لأنه لا يتصور اجتماعهما على حيضة واحدة.
الثاني- وبه قال أبو حنيفة-: يصح، وينصرف إلى ما يتصور، وهو رؤية الدم منها، ويلغو قوله: "حيضة"؛ لأنه المستحيل من كلامه؛ كما لو قال لامرأته: أنت طالق للسنة والبدعة-: يقع في الحال، ويلغو الوصف.
ولو كن أربعًا، فقال الزوج: إن حضتن فأنتن طوالق-: فلا يقع الطلاق على واحدة منهن إلا أن يحيض الكل، فإذا حضن جميعًا-: طلقت كل واحدة طلقة.
وإن قلن: حضنا، فكذبهن الزوج، أو كذب ثلاثًا أو اثنتين-ح: فلا يقع شيء وإن صدق ثلاثًا، وكذب واحدة-: يقع على المكذبة طلقة؛ لأن قولها في حق نفسها مقبول، وقد صدق الزوج صواحباتها، فقد كمل الشرط في حقها، ولا يقع على المصدقات شيء.
ولو قال لهن: كلما حاضت واحدة منكن فأنتن طوالق: فإذا حضن أو حاضت ثلاث منهن-: طلقت كل واحدة ثلاثًا؛ لأن كلمة "كلما" للتكرار.
وقد قلن: حضنا، وكذبهن الزوج-: يقع على كل واحدة طلقة؛ لأن قولها في حقها مقبول دون صواحباتها.
ولو صدق واحدة وكذب ثلاثًا-: وقع على المصدقة طلقة لحيضتها، وعلى كل واحدة من المكذبات طلقتان: طلقة لحيضتها، وطلقة لحيض المصدقة.
[ ٦ / ٦٤ ]
ولو صدق اثنتين، وكذب اثنتين-: وقع على كل مصدقة طلقتان، وعلى كل مكذبة ثلاث؛ فإن صدق ثلاثًا-: وقع على الكل ثلاث.
ولو قال: كلما حاضت واحدة منكن فصواحباتها طوالق: فإذا حضن وصدقهن الزوج-: وقع على كل واحدة ثلاث طلقات، وإن كذبهن لا يقع شيء.
ولو صدق واحدة-: لا يقع على المصدقة شيء، ويقع على كل مكذبة طلقة؛ لأن لكل واحدة صاحبة واحدة صدقها الزوج. وإن صدق اثنتين-: وقع على كل مصدقة طلقة، وعلى كل مكذبة طلقتان؛ لأن لكل مصدقة صاحبة واحدة صدقها الزوج، ولكل مكذبة صاحبتان صدقهما الزوج وإن صدق ثلاثًا وقعت على كل مصدقة طلقتان، وعلى الكذبة ثلاث طلقات؛ لأن لها ثلاث صواحب صدقهن الزوج.
فصل
إذا قال لنسائه الأربع: إن لم أطأ واحدة منكن اليوم فصواحباتها طوالق: فإذا وطئ واحدة-: انحلت اليمين، ولو مضى اليوم، ولم يطأ واحدة منهن-: وقعت على كل واحدة منهن-: وقعت على كل واحدة منهن ثلاث طلقات؛ [لأن لكل واحدة ثلاث صواحب لم يطأهن الزوج، ولو وطئ واحدة-: يقع عليها ثلاث طلقات]. وعلى كل واحدة ممن لم يطأ طلقتان؛ لأن لكل واحدة صاحبتين لم يطأهما الزوج.
ولو وطئ اثنتين-: وقعت على كل موطوءة طلقتان، وعلى كل واحدة ممن لم يطأها طلقة.
ولو وطئ ثلاثًا-: وقعت على كل موطوءة طلقة؛ لأن لكل واحدة صاحبة واحدة لم يطأها الزوج، ولا يقع على غير الموطوءة شيء؛ لأنه لا صاحبة لها لم يطأها الزوج، هذا إذا قيد باليوم، فإن أطلق ولم يقيد-: وقع على العمر، فإن مات الزوج أو متن جميعًا قبل الوطء-: بان أنه وقعت على واحدة ثلاث طلقات قبل الموت.
ولو ماتت واحدة قبل الوطء، والزوج حي-: لا يقع على الميتة شيء؛ لأن الزوج ربما يطأ الحيات، ويقع على كل واحدة من الحيات طلقة طلقة.
ولو مات أخرى قبل الوطء-: بان أنه وقعت على الأولى قبل موتها طلقة، ووقع [بموتها] على كل واحدة من الحيتين طلقة أخرى.
[ ٦ / ٦٥ ]
فإن ماتت ثالثة قبل الوطء-: بان أنه وقعت على الأوليين قبل موتهما طلقتان، ثم على الرابعة ثلاث طلقات.
فإذا ماتت الرابعة قبل الوطء-: بان وقوع الثلاث على كل واحدة قبل موتها، والله أعلم.
فصل في التعليق بالولادة.
إذا قال لامرأته: إن ولدت ولدًا فأنت طالق، فأتت بولد حي أو ميت، ذكرًا أو أنثى-: يقع الطلاق، فلو قالت المرأة: ولدت، وأنكر الزوج-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح؛ كما لو علق طلاقها بدخول الدار وبصفة أخرى، فاختلفا في وجودهما-: كان القول قوله.
وقيل في الولادة: القول قولها؛ كما يقبل قولها في انقضاء العدة بالولادة، وكما لو علق الطلاق بحيضها، فقال: إن حضت، فقالت: حضت-: يقبل قولها.
والأول أصح؛ لأن إقامة البينة على الولادة ممكن، بخلاف الحيض؛ كما لو علق طلاقها بولادة غيرها، فقالت تلك المرأة: ولدت-: لا يقبل قولها في وقوع الطلاق.
ولو قال: إذا ولدت فأنت طالق، فأتت بولدين: وقعت بالأول طلقة، وانقضت عدتها بالثاني، سواء كان الوالدان حيين أو ميتين.
ولو قال: كلما ولدت ولدًا ذكرًا فأنت طالق، فأتت بأربعة أولاد-: وقعت بكل واحد طلقة، وانقضت عدتها بالرابع.
وإن أتت بثلاثة أولاد-: وقعت بالأوليين طلقتان؛ وانقضت عدتها بالثالث، ولا يقع به الطلاق؛ لأن الطلاق إنما يقع إذا صادف العدة، ههنا صادف انقضاء العدة.
وكذلك: إذا أتت بولدين-: يقع بالأول طلقة، وبالثاني تنقضي عدتها.
هذا هو المذهب، وهو قوله الجديد.
وقال في "الإملاء": يقع بالآخر طلقة، وتعتد بالأقراء حتى لو قال للرجعية: أنت طالق مع انقضاء العدة يقع-:
والأول المذهب؛ أن الطلاق إذا صادف انقضاء العدة-: لا يقع، وعليه يفرع.
وإن كان تحته امرأتان، فقال: كلما ولدت واحدة منكما فأنتما طالقتان، فأتت كل واحدة بولد-: فبولادة الأولى: يقع عليها طلقة، وعلى صاحبتها طلقة، وبولادة الثانية: يقع على الأولى: طلقة أخرى؛ لكونها في العدة، ولا يقع على هذه؛ على قوله الجديد؛ لأن
[ ٦ / ٦٦ ]
عدتها [تنقضي] بالاولادة.
ولو أتت كل واحدة بولدين، مثل: أن ولدت زينب يوم الخميس، وعمرة يوم الجمعة، ثم ولدت زينب يوم السبت ولدًا آخر، ثم عمرة يوم الأحد-: وقع على كل واحدة طلقتان بولادة الأوليين.
فإذا ولدت زينب يوم السبت-: لم يقع عليها شيء؛ لانقضاء عدتها، وتم على العمرة ثلاث طلقات، فإذا ولدت يوم الأحد انقضت عدتها.
ولو كن أربعًا فقال كلما ولدت واحدة منكن فأنتن طوالق: فإذا ولدت واحدة منهن-: وقع عليها وعلى كل واحدة من صواحباتها طلقة، فإذا ولدت الثانية تنقضي عدتها عن طلقة؛ على قوله الجديد ووقع على كل واحد من صواحباتها طلقة أخرى.
فإذا ولدت الثالثة-: تنقضي عدتها عن طلقتين، وتم على الأولى والرابعة ثلاث طلقات، ولا يقع على الثانية؛ لأنها بانت بانقضاء العدة.
فإذا ولدت الرابعة-: انقضت عدتها عن ثلاث طلقات، ولا يقع على صواحباتها بولادتها شيء؛ لأنهن بائنات.
ولو قال: كلما ولدت واحدة منكن فصواحباتها طوالق: فإذا ولدت واحدة لا يقع عليها شيء؛ لأن طلاقها غير معلق بولادتها، ووقعت على كل واحدة من صواحباتها طلقة.
فإذا ولدت الثانية-: تنقضي عدتها عن طلقة، ووقعت على الأولى طلقة، ثم على الثالثة والرابعة طلقتان.
فإذا ولدت الثالثة-: انقضت عدتها عن طلقتين، وتم على الأولى طلقتان، وعلى الرابعة الثلاث، ولم يقع على الثانية شيء؛ لأنها بانت بانقضاء العدة.
فإذا ولدت الرابعة-: انقضت عدتها عن ثلاثة، وتم على الأولى ثلاث طلقات.
ولو ولدت في هذه الصورة اثنتان معًا، ثم اثنتان معًا، فبولادة الأوليين: يقع على كل واحدة منهما طلقة، وعلى كل واحدة من الأخريين طلقتان، ثم بولادة الأخريين: تنقضي عدتها عن طلقتين، ولا يقع عليهما شيء آخر، وتم على كل واحدة من الأوليين ثلاث طلقات.
ولو قال لامرأته: إذا ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإذا ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فأتت بذكر وأنثى- نظر: إن وضعتهما معًا-: يقع بولادتهما ثلاث طلقات، وتعتد
[ ٦ / ٦٧ ]
بالإقراء وإن وضعتهما على الترتيب- نظر: إن وضعت الذكر أولًا-: وقعت عليها طلقة [للذكر]، فإذا وضعت الأنثى-: تنقضي عدتها عن طلقة، ولا يقع بولادتها شيء آخر على قوله الجديد.
فإن وضعت الأنثى أولًا-: وقعت عليها طلقتان، ثم بولادة الذكر تنقضي عدتها عن طلقتين.
وإن أشكل الأمر، فلم يدر أيهما وضعت معًا، أو على الترتيب، أو سبق الذكر أو الأنثى-: نأخذ باليقين، وهو الأقل؛ نجعل كأنها وضعت الذكر أولًا، وانقضت عدتها بالأنثى عن طلقة.
ولو قال: إن ولدت ولدًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأتت طالق طلقة، فأتت بأنثى يقع طلقتان؛ لأنه علق بولادة الولد وبولادة الأنثى، وقد وجدت الصفتان.
ولو قال: إن ولدت ولدًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت انثى-: يقع ثلاث طلقات.
ولو قال: إن كنت حاملًا بذكر فأنت طالق طلقة، وإن كنت حاملًا بأنثى فأنت طالق طلقتين، فإن أتت بذكر-: تنقضي عدتها عن طلقة، وإن أتت بأنثى تنقضي عدتها عن طلقتين، وإن وضعت ذكرًا وأنثى-: تنقضي عدتها عن ثلاث طلقات؛ لأن الطلاق وقع حالة التلفظ، فلم يقارن انقضاء العدة.
ولو قال: إن كان حملك ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن كان حملك أنثى فأنت طالق طلقتين، فأتت بذكر وأنثى-: لا يقع شيء؛ لأنه يقتضي أن يكون جميع الحمل ذكرًا أو أنثى، ولم يكن، وكذلك لو قال: إن كان ما في بطنك ذكرًا يقتضي أن يكون الكل ذكرًا.
ولو قال: إن كنت حاملًا بذكر فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين فإن ولدت ذكرًا انقضت عدتها عن طلقة، وإن ولدت أنثى-: يقع عليها حالة الولادة طلقتان، وتعتد بالأقراء.
وإن وضعت ذكرًا وأنثى- نظر: إن وضعت الأنثى أولًا، ثم الذكر-: يقع بولادة الأنثى طلقتان، وتبين وقوع طلقة حالة التلفظ بسبب الذكر، وانقضت به عدتها عن ثلاث طلقات.
وإن وضعت الذكر أولًا، ثم الأنثى-: فقد وقع بالذكر عليها طلقة حالة التلفظ، ثم بولادة الأنثى تنقضي عدتها عن طلقة، ولا يقع شيء آخر على قوله الجديد؛ لأنه يصادف
[ ٦ / ٦٨ ]
انقضاء العدة، وكذلك إن وضعتهما معًا-: تنقضي عدتها عن طلقة.
ولو علق طلاقها بالولادة، فقالت: ولدت، فأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ كما في سائر الصفات، والله أعلم.
فصل
إذا قال لامرأته: إن خرجت بغير إذني، أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، أو إلى أن آذن لك، أو مهما، أو أي وقت خرجت [بغير إذني] فإنت طالق، فإذا خرجت بغير إذنه-: طلقت، وانحلت اليمين، وإن خرجت مرة بإذنه-: لم تطلق، وتنحل اليمين، حتى لو خرجت بعد ذلك-: لا تطلق.
وعند أبي حنيفة: لا تنحل اليمين في قوله: بغير إذني، أو إلا بإذني، وتنحل في قوله: حتى آذن لك، أو إلى أن آذن لك؛ وقال: لأن المحلوف عليه خروج بغير إذن.
فإذا خرجت بالإذن-: لم يوجد المحلوف عليه؛ فلا تنحل اليمين؛ كما إذا قال: إن دخلت الدار لابسة للحرير فأنت طالق، فدخلت غير لابسة للحرير-: لا تنحل اليمين حتى لو دخلت بعده لابسة للحرير-: طلقت.
قلنا: ليمينه ههنا جهتان: جهة بر، وهي الخروج بالإذن، وجهة حنث، وهي الخروج بغير الإذن، فإذا وجدت إحدى الجهتين-: تنحل اليمين؛ كما لو قال: والله لا أدخل هذه الدار اليوم، أو لآكلن هذا الرغيف، فإذا أكل الرغيف-: بر، وانحلت اليمين، حتى لو دخل بعده الدار-: لم يحنث.
ولو لم يدخل الدار، حتى مضى اليوم-: بر، وإن لم يأكل الرغيف، وليس كقوله: إن دخلت الدار لابسة للحرير، فدخلت غير لابسة: لا تنحل اليمين؛ لأن إحدى الجهتين-: لم توجد؛ إذ لم يصرح بالنفي والإثبات.
قال [الشيخ﵀]-: على قياس هذا إذا قال: إن دخلت الدار غير لابسة للحرير إلا لابسة للحرير فأنت طالق: فإذا دخلت غير لابسة-: طلقت واحدة، وإذا دخلت لابسة لا تطلق ووجب أن تنحل اليمين.
ولو أذن لها الزوج، ولم تعلم، فخرجت-: لم تطلق، إلا أنها إذا أنكرت الإذن-: كان القول قولها مع يمينها، وعلى الزوج إقامة البينة.
[ ٦ / ٦٩ ]
قال الشافعي﵁-: والورع أن يحنث نفسه، إذا لم يعلمها بالإذن؛ لم يرد به أن يجعلها مطلقة فيتركها؛ بل أراد: أنه يراجعها، ثم بعده إذا طلقها طلقتين: فالورع ألا ينكحها إلا بعد زوج آخر، فإذا نكحها بعد زوج، فتكون عنده بطلقة، في الورع وفي الحكم جميعًا.
ولو أذن لها في الخروج، ثم رجع عن الإذن قبل الخروج، فخرجت بعده-: لا تطلق؛ لأن الإذن قد سبق، فلا يرتفع برجوعه.
قال﵀-: عندي هذا صحيح في قوله: "حتى آذن لك"؛ لأنه جعل الإذن غاية اليمين، فإذا وجد ارتفع.
أما إذا قال: بغير إذني، أو إلا بإذني: فإذا رجع، ثم خرجت-: فهو خروج بغير إذن، وهو أول خروج وجد بعد اليمين-: فوجب أن تطلق، وذكره الأصحاب.
ولو قال: إن خرجت بغير إذني لغير عبادة فأنت طالق: فإن خرجت للعبادة، ولقضاء حاجة أخرى-: لم تطلق على الأصح، ولو خرجت للعبادة فقضت في الطريق حاجة أخرى-: لم تطلق، والله أعلم.
فصل
إذا قال لامرأته: إذا تزوجت عليك فأنت طالق: فإذا تزوج عليها في النكاح، أو في عدة الرجعة-: طلقت، ولو أبانها، ثم تزوج امرأة-: لا يقع عليها الطلاق، ولا تنحل اليمين؛ لأنه حلف ألا يتزوج عليها، وهو لم يتزوج عليها.
فإن كان قال: إذا تزوجت فأنت طالق، فإذا أبانها، ثم تزوج-: تنحل اليمين، حتى لو نكحها بعده، ثم تزوج أخرى-: لا يقع الطلاق عليها.
ولو قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق-: فلا يقع الطلاق بترك التزوج، ما لم يقع اليأس من التزوج بموت أحدهما، أو بجنون من الزوج متصل بالموت؛ فيحكم بوقوع الطلاق قبل الموت والجنون.
وإذا تزوج عليها-: انحلت اليمين، سواء تزوج عليها امرأة تشبهها أو لا تشبهها. وعند مالك: إن تزوج عليها امرأة دونها-: لا تنحل بها اليمين حتى يدخل بها.
ولو قال: إذا أو متى لم أتزوج عليك فأنت طالق: فإذا مضى زمان أمكنه أن يتزوج عليها، فلم يفعل-: طلقت.
[ ٦ / ٧٠ ]
إذا قال لنسائه: من بشرتني منكن بقدوم فلان فهي طالق، فبشرته إحداهن صادقة، ثم بشرته أخرى-: طلقت الأولى دون الثانية.
ولو بشرتاه معًا، أو بشرنه جميعًا، أو بشرته إحداهما بعد ما رآه الزوج-: لم تطلق؛ لأن البشارة قد سبقت برؤية الزوج.
ولو كتبت واحدة منهن بالبشارة-: طلقت، ولو أرسلت رسولًا-: لم تطلق؛ لأن المبشر هو الرسول.
ولو قال: من أخبرني بقدوم زيد، فأخبرته واحدة بعد الأخرى-: طلقتا، ولو أخبرته كاذبة-: طلقت؛ لأن الخبر يدخله الصدق والكذب؛ بخلاف البشارة فإنها خبر صدق يقرع سمع سامع أول مرة.
ولو قال لامراته: إن زوجت ابنتي فأنت طالق، فزوجها تزويجًا فاسدًا، أو قال: إن بعت مالي، فباع بيعًا فاسدًا-: لا يقع الطلاق، حتى يزوج أو يبيع تزويجًا أو بيعًا صحيحًا تامًا بالإيجاب والقبول.
ولو قال لامرأته: إن بعت مالي بغير إذني، أو قال: إن بعت الخمر فأنت طالق، فباعت ماله بغير إذنه أو باعت الخمر-: لا يقع الطلاق إلا أن يريد صورة البيع.
وقال المزني: يقع، ويحمل على صورة البيع، وكذلك لو قال: إن بعت بيعًا فاسدًا، فباع-: لم تطلق إلا أن يريد صورة البيع.
وعند المزني: يقع.
قال الشيخ﵀-: وهو الاختيار عندي فيما إذا قيد بالفاسد، أو علق بما لا يقبل البيع؛ لأن الظاهر أنه يريد صورة البيع.
ولو قال: إن تسربت فأنت طالق، فإذا وطئ جاريته، وأنزل-: طلقت.
وقد يحصل بالوطء والإنزال والتحصين عن العيوب؛ لأن التسري في العرف إيجاد الجارية لابتغاء الولد، ويكون ذلك بهذه الأشياء.
فَصْلُ [فِيمَنْ يَقَعُ طَلاَقُهُ وَمَنْ لاَ يَقَعُ
لا يقع] طلاق الصبي والمجنون وكل من زال عقله بعلة أو مرض.
[ ٦ / ٧١ ]
أما السكران من الخمر، إذا تعمد شربه-: يقع طلاقه؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لما كان عاصيًا بسكره-: كان كالصاحي في جميع أحكامه، وكذلك هو كالصاحي في جميع أفعاله وأقواله كالصحيح.
وفيه قول: أنه كالمجنون في أقواله وأفعاله؛ لأنه لا يعقل؛ وهو قول المزني ومذهب مالك.
[ ٦ / ٧٢ ]
وقيل: قول السكران صحيح فيما عليه دون ماله؛ لأن مؤاخذته بأقواله مع زوال عقله معاقبة له على صنيعه لينزجر؛ كما عوقب بالحد، وأوجب عليه قضاء الصلوات.
وكذلك رددنا قوله فيما له دون ما عليه؛ عقوبة له، فعلى هذا الطريق: تصح أقاريره، ولا يصح بيعه؛ لأنه يجمع ماله وعليه، فيغلب جانب ماله.
وكذلك: لا يصح نكاحه ولا إنكاحه؛ لأن نكاحه له، وإنكاحه يكون بولاية له؛ وعلى هذا: يصح ضمانه؛ لأنه عليه.
ولو شرب دواء يزيل العقل عمدًا-: فهو كالسكران على الصحيح من المذهب: في وقوع طلاقه، والمؤاخذة بأفعاله وأقواله.
[ ٦ / ٧٣ ]
ولو أوجر الخمر فسكر، أو شرب شرابًا لم يعرفه مسكرًا فسكر-: فهو كالمجنون، ولو علم أنه مسكر، ولكن ظن أن [ذلك القَدْرَ] لا يسكر لقلته فسكر-: فهو كما لو علمه قدرًا يسكر.
ويقع طلاق الهازل، والناسي، والجاهل، مثل: أن نسي أن له زوجة فطلقها، أو وكل رجلًا بقبول نكاح امرأة له، فطلقها، ولم يعلم قبول الوكيل، فبان أنه قد قبل-: وقع الطلاق، وكذلك: العتق.
وطلاق المكره لا يقع؛ وكذلك كل حكم لا يلزمه في حال الطواعية، وإذا حمل عليه بإكراه باطل-: لا يصح، سواء فيه النكاح والطلاق والعتاق وسائر العقود.
ومن أصحابنا من قال: إنما لا يقع طلاق المكره، إذا ورى بغيره، فإذا ترك التورية-:
يقع، والأصح: أنه لا يصح إلا أن ينوي الوقوع.
وعند أبي حنيفة: يصح طلاق المكره وعتقه ونكاحه.
فنقول: قول لو صدر منه مختارًا بانت منه امرأته، وإذا حمل عليه بإكراه باطل-: لا يعمل؛ قياسًا على كلمة الردة.
أما ما يلزمه في حال الطواعية: فإذا أكره عليه: يعد كالحربي أو المرتد؛ يكره على الإسلام، فأسلم والمولى بعد مضي المدة: يكره على الطلاق فطلق-: يقع؛ لأنه إكراه بحق.
وحد الإكراه أن يخوفه بعقوبة تنال من بدنه عاجلًا لا طاقة له بها؛ مثل: أن يقول: إن فعلت كذا، وإلا قتلتك، أو لأقطعن عضوًا منك، أو لأضربنك ضربًا مبرحًا، أو لأدخلنك السجن، وكان القائل ممن يمكنه تحقيق ما يخوفه به من وال أو قاهر، حيث لا يلحقه الغوث.
[ ٦ / ٧٥ ]
وإن كان يخوفه، ولا يمكنه تحقيقه-: فلا يكون إكراهًا، وأمر السلطان إكراه؛ على أحد القولين.
فإن خوفه بعقوبة آجلة؛ بأن قال: لأضربنك غدًا، أو بضرب غير مبرح، بأن قال: لأضربنك سوطًا، أو سوطين، أو مما لا ينال من بدنه بأن قال: لأقتلن ولدك أو زوجتك-: فلا يكون إكراهًا.
أما النفي عن البلد-: هل يكون إكراهًا؟ نظر: إن كان بينه وبين أهله فهو إكراه؛ كالتخليد في السجن، وإن لم يكن [فيه تفريق بينه وبين أهله]- فيه وجهان.
أحدهما: ليس بإكراه؛ لأن البلاد في حقه سواء.
والثاني: هو إكراه؛ لأن مفارقة الوطن شديدة، ولذلك عوقب الزاني بالتغريب.
أما ما يؤول إلى ذهاب الجاه؛ مثل: أن قال: لأسودن وجهك، ولأطوفن بك في البلد، ولأصفعنك في السوق، أو نحو ذلك، أو لأتلفن مالك-: فلا يكون ذلك الكل إكراهًا إذا كان يكرهه على قتل، أو قطع.
وإن كان يكرهه على إتلاف مال، أو على طلاق، أو عتاق-: فهو إكراه؛ على قول بعض أصحابنا، وعند بعضهم: ليس بإكراه؛ لأنه لا يصيب بدنه بما لا يطيقه.
وقيل: إذا قال: لأقتلن ولدك فهكذا.
فمن جعل الاستحقاق بإذهاب الجاه من الصفع والضرب الخفيف وتسويد الوجه إكراهًا-: فذلك في حق المحتشم الوجيه.
فأما المتبدل الذي لا يبالي به-: فلا يكون إكراهًا في حقه، فكذلك أخذ القليل من المال ممن لا يضن عليه.
ولو أكرهه على أمر، ففعل بخلافه-: يقع؛ مثل: أن يكرهه على أن يطلق واحدة فطلق ثلاثًا، أو على ثلاث فطلق واحدة، أو على تنجيز الطلاق فعلى أو على التعليق فنجز، أو على أن يطلق بلفظ الكناية فصرح-: يقع؛ لأنه صار مختارًا بالمخالفة.
ولو أكرهه على أن يطلق امرأته زينب، فطلقها وضرتها- نظر: إن [طلقهما معًا] وقع عليهما، فإن فرق بينهما، فقال: زينب طالق، وعمرة طالق-: لم تطلق زينب للإكراه، وطلقت عمرة.
[ ٦ / ٧٩ ]
ولو أكرهه على أن يطلق إحدى امرأتيه لا بعينها، فطلق إحداهما بعينها-: يقع؛ لأنه بالتعيين صار مختارًا.
ولو أكرهه على أن يطلق زوجة المكره، فطلق-: وقع؛ لأن الإكراه أبلغ من الإذن، ولو أذن له به، فطلق-: وقع، فبالإكراه أولى.
بَابُ الطَّلَاقِ بِالحِسَابِ
إذا قال: أنت طالق واحدة في اثنتين- نظر: إن أراد "مع اثنتين" وقع الثلاث؛ لأنه يذكر ويراد به "مع"؛ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أممٍ.
وإن أراد الحساب-: يقع طلقتان.
وإن أراد الظرف يقع طلقة واحدة.
وإن أطلق ففيه قولان:
أحدهما: يحمل على الحساب، فيقع طلقتان، لأنه الظاهر من هذا اللفظ.
[ ٦ / ٨٠ ]
والثاني- وهو الأصح-: يقع طلقة واحدة؛ لأنه اليقين.
ولو قال: أنت طالق ما بين الواحدة والثلاث-: فتقع طلقة واحدة، ولو قال: من الواحدة إلى الثلاث: قيل: تقع الثلاث، ويدخل الطرفان فيه؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وقيل: تقع طلقتان، يدخل فيه الطرف الأول، ولا يدخل الثاني؛ لأنه حد لا يدخل في المحدود، وبه قال أبو حنيفة. وقيل: تقع واحدة، ولا يدخل فيه الطرفان؛ وهو قول زفر.
ولو قال أنت طالق قبل طلقة أو بعدها طلقة، أو بعد طلقة أو قبلها طلقة: فإن كان مدخولًا بها: فطلقة واحدة؛ كما لو قال لها: أنت طالق وطالق.
وقيل: في قوله: قبلها طلقة أو بعدها طلقة-: يصير دورًا، فمن أعمل الدور-: قال: لا يقع شيء.
والأول أصح.
وقال أبو حنيفة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، أو بعدها طلقة-: يقع طلقتان؛ لأنه أوقع طلقة، وأقر بطلاق وقع من قبل.
ولو قال للمدخول بها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، وبعدها طلقة-: طلقت ثلاثًا.
[ ٦ / ٨٣ ]
وكذلك لو قال: أنت طالق [ثلاثًا] طلقة قبلها وبعدها طلقة-: طلقت ثلاثًا؛ لأنه يقع قبلها نصف طلقة، وبعدها نصف [طلقة]؛ فيكملان.
ولو قال: طلقة بعدها طلقة، ثم قال عنيت بعدها طلقة أوقعها: لا يقبل في الحكم، ويقبل في الباطن.
ولو قال لها: أنت طالق طلقة معها طلقة، أو طلقة مع طلقة-: يقع طلقتان، سواء كانت مدخولًا بها أو لم يكن، ويقعان معًا.
وقيل يقع أحداهما، ثم الأخرى عقيبها في المدخول بها، وفي غير المدخول بها: لا يقع إلا واحدة؛ كما لو قال لها: أنت طالق طلقة وطلقة.
فَصْلُ
الطلاق له كلية وجزئية يحصل فيه ذكر بعض المحل، وذكر بعض الزمان، وذكر بعض اللفظ كذكر الكل؛ وكذلك العتق.
أما المحل: إذا قال لها: جزء منك طالق، أو نصفك طالق، أو ربعك طالق-: يقع الطلاق على جميعها.
وكذلك: إذا أضاف إلى عضو معين متصل بها اتصال خلقة؛ كالرأس واليد والرجل والشعر والسن [والظفر] والحشوة والقلب أو إلى إصبع زائدة عليها، فقال: إصبعك طالق-: يقع.
وكذلك إذا أضاف إلى روحها أو سمنها أو عرقها-: يقع عليها؛ كما لو قال: نفسك أو جسمك أو بدنك أو جنبك أو شخصك أو ذاتك طالق-: يقع.
ولو قال: حياتك، وأراد بها الروح-: يقع.
وعند أبي حنيفة: إذا أضاف إلى جزء تابع، أو إلى عضو يعبر عن جميع البدن؛ كالوجه والرقبة والرأس [والظهر]-: يقع.
فإن أضاف إلى ما يعبر عنه عن جميع البدن-: لا يقع.
وإن أضاف إلى المعاني القائمة بالذات؛ كالحسن والقبح واللون والسمع والبصر
[ ٦ / ٨٤ ]
والحركة والسكون والصوت والكلام والضحك والبكاء والنفس-: لا يقع.
وكذلك لو قال اسمك طالق-: لا يقع، ولو أضاف ما ينحلب منها كالبراق والمخاط والدمع والبول-: لا يقع، وإن أضاف إلى دمها-: يقع؛ على الأصح؛ لأنه خلقة فيها وبه بقاؤها.
وإن أضاف إلى لبنها ومنيها-: ففيه وجهان.
أحدهما: هو كالدمع.
والثاني: هو كالدم.
ولو أضاف إلى جنينها-: لا يقع؛ لأنه شخص آخر، ولو أضاف إلى عضو أبين منها-: لا يقع.
واختلفوا في كيفية وقوعه، إذا أضيف إلى عضو منها:
منهم من قال: يقع على ذلك العضو، ثم يسري.
ومنهم من قال يجعل ذلك عبارة عن جميع البدن.
وفائدته تبين فيما إذا قال لها: إن دخلت الدار قيدك طالق، فقطعت يدها، ثم دخلها الدار-: هل يقع أم لا؟
إن قلنا: يقع على العضو، ثم يسري-: لا يقع؛ لفقد المحل حالة الدخول.
وإن جعلناه عبارة عن جميع البدن-: يقع.
أما ذكر بعض الزمان، إذا قال: أنت طالق ساعة [أو يومًا] أو شهرًا-: يقع دائمًا.
وأما ذكر بعض اللفظ إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو سدس طلقة، أو بعض طلقة- يقع طلقة كاملة.
ولو قال: أنت طالق نصف وثلث طلقة، أو نصف وسدس طلقة-: [لا يقع إلا واحدة] لأنه ذكر الجزء الثاني قبل تمام الكلام؛ ولو قال: نصف ثلث سدس طلقة، أو قال: نصفي طلقة-: يقع طلقة، ولو قال نصف وثلثي طلقة، أو ثلاثة أنصاف طلقة-:
فعلى وجهين:
أصحهما: يقع طلقتان؛ لأن النصف والثلثين يزيد على الواحد، وكذلك: ثلاثة
[ ٦ / ٨٥ ]
أنصاف، فتكمل الطلقة الثانية، وكذل مهما زادت الأجزاء على الجملة.
والثاني: لا تقع إلا واحدة؛ لأنه أضافها إلى طلقة، وليس للطلقة الواحدة إلا نصفان؛ فتلغو الزيادة.
ولو قال: نصف طلقتين، أو ثلث طلقتين- يقع واحدة.
وقال أبو إسحاق تقع طلقتان.
ولو قال: نصفي طلقتين، أو ثلثي طلقتين-: يقع طلقتان.
ولو قال: ثلاثة أنصاف طلقتين-: ففيه وجهان.
أحدهما يقع طلقتان؛ لأنه أضاف إلى طلقتين، ويكون للطلقتين ثلاثة أنصاف.
والثاني: يقع ثلاث طلقات؛ لأن نصفي طلقتين طلقتان، فثلاثة أنصافها تكون ثلاثًا.
وكذلك لو قال: خمسة أنصاف طلقتين.
ولو قال: أنت طالق نصف طلقة ونصف طلقة ونصف طلقة، أو قال سدس طلقة وسدس طلقة وسدس طلقة-: فهو كما لو قال: أنت طالق وطالق وطالق يقع طلقتان، ويستفسر في الثالثة.
ولو قال: نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة-: يقع الثلاث؛ للمغايرة بين الألفاظ.
ولو قال: نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة-: يقع واحدة؛ لأنها أجزاء طلقة واحدة؛ بخلاف ما لو عطف بـ"الواو".
ولو قال لنسائه الأربع: أوقعت عليكن طلقة، أو بينكن طلقة يقع على كل واحدة طلقة.
ولو قال: أردت بعضهن-: لم يقبل في الحكم.
وقيل: يقبل في "بينكن"، ولا يقبل في "عليكن"؛ لأن حرف "بين" يذكر، ولا يراد به التشريك، كما يقال: [المسروق] لا يخرج من بين هؤلاء: لا يريد أنهم شركاء فيه.
والأول أصح.
وكذلك لو قال أوقعت عليكن أو بينكن طلقتين أو ثلاث طلقات أو أربع طلقات-: لا يقع على كل واحدة إلا طلقة، إلا أن يريد التقسيم، ففي طلقتين: يقع على كل واحدة
[ ٦ / ٨٦ ]
طلقتان، وفي الثلاث والأربع: يقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
فإن قال: أردت بعضهن بأن عين اثنتين، فقال: أوقعت على كل واحدة منهما اثنتين الأربع دون الأخريات-: فلا يقبل في الحكم، ويقع على المعينتين على كل واحدة طلقتان بحكم إقراره، وعلى الأخريين على كل واحدة طلقة.
ولو قال: أوقعت الثلاث على واحدة-: يقع عليها ثلاث طلقات، وعلى كل واحدة من الأخريات طلقة.
ولو قال: أوقعت عليكن أو بينكن خمس طلقات، أو ست طلقات، أو سبع طلقات، أو ثمان طلقات-: يقع على كل واحدة طلقتان.
ولو قال تسع طلقات-: يقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
ولو قال: أوقعت بينكن خمس طلقات لبعضكن أكثر ما لبعض، ثم قال: أردت [اثنتين] لفلانة عينها، ولكل واحدة من الباقيات واحدة واحدة-: يصدق؛ لأنه لم يخر واحدة من الطلاق.
ولو قال: أوقعت بينكن نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة-: طلقت كل واحدة ثلاثًا؛ لأنه لما عطف وغاير بين الألفاظ-: وجب أن يقسم كل جزء بينهن ويكمل.
فَصْلُ [في الاسْتِثْنَاءِ وَتَعْلِيقِ الطَّلاَقِ بِالمَشِيئَةِ]
إذا ذكر عددًا من الطلاق، واستثنى بعضه-: يجوز مثل: أن يقول: أنت طالق ثلاثًا
[ ٦ / ٨٧ ]
إلا اثنتين-: يقع واحدة، وإذا قال: ثلاثًا إلا واحدة-: تقع طلقتان، وشرطه أن يبقي شيئًا من المستثنى منه.
ولو قال: ثلاثًا إلا ثلاثًا-: لا يصح الاستثناء، ويقع الثلاث.
[ ٦ / ٨٨ ]
والاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فإن قال: ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة- يقع طلقتان؛ كأنه قال: ثلاثًا يقعن إلا اثنتين لا تقعان إلا واحدة تقع.
[ ٦ / ٩٠ ]
ولو قال: ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا اثنتين، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يقع الثلاث؛ لأن الأول لغو لرفعه اللف، والثاني- أيضًا- يكون لغوًا.
والثاني: يصح الاستثناء؛ لأن الاستثناء الثلاث من الثلاث إنما لا يجوز إذا وقف [عليه]، فإذا تداركه بما يرد شيئًا من الأصل-: يصح؛ فيقع طلقتان؛ كأنه قال: ثلاثًا [لا يقعن إلا اثنتين يقعان].
[ ٦ / ٩١ ]
والثالث- وهو الأضعف-: يلغو الأول، ويصح الثاني من الأصل؛ كأنه قال: ثلاث إلا اثنتين تقع واحدة.
ولو قال: ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا واحدة-: فعلى الوجه الأول: يقع الثلاث، وعلى الثاني: واحدة وعلى الثالث: طلقتان.
ولو قال: ثلاثًا إلا اثنتين إلا اثنتين-: يقع واحدة، ولا يصح الاستثناء الثاني.
ولو ذكر عددًا أكثر من المملوك، واستثنى منه شيئًا-: فالاستثناء ينصرف إلى الملفوظ أم المملوك فيه وجهان:
أصحهما- وهو قول ابن الحداد، وصاحب "التلخيص"-: ينصرف إلى الملفوظ؛ لأنه منه يستثنى.
والثاني: ينصرف إلى المملوك؛ لأن ما عدا المملوك لغو.
بيانه: إذا قال: أنت طالق أربعًا إلا واحدة: إن قلنا: ينصرف الاستثناء إلى الملفوظ-: تقع الثلاث.
وإن قلنا: ينصرف إلى المملوك-: يقع طلقتان، كأنه قال: ثلاثًا إلا واحدة.
ولو قال: أربعًا إلا اثنتين: إن صرفنا إلى الملفوظ-: يقع طلقتان، وإن صرفنا إلى المملوك-: فواحدة.
ولو قال: أربعًا إلا ثلاثًا: إن صرفنا إلى الملفوظ- يقع واحدة، وإن صرفنا إلى المملوك يقع ثلاثًا، كأنه قال: ثلاثًا إلا ثلاثًا.
وإن قال ستًا أو ثلاثًا-: يقع الثلاث على الوجهين جميعًا؛ لأنا إن صرفنا إلى المملوك يقع ثلاثًا؛ كأنه قال: ثلاثًا إلا ثلاثًا؛ فأنه قد استثنى الثلاث من الثلاث؛ فلا يصح، وإن صرفنا إلى الملفوظ-: فقد استثنينا الثلاث من الست؛ فبقي ثلاث طلقات.
ولو قال: أربعًا إلا ثلاثًا إلا اثنتين، إن قلنا: ينصرف إلى الملفوظ: يقع ثلاث طلقات، وإن قلنا: إلى المملوك: فهو كما لو قال ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا اثنتين.
ولو ذكر في الاستثناء أو في المستثنى منه عددًا عطف البعض على البعض-: هل يجمع فيه وجهان:
أحدهما: يجمع؛ فإنه لو قال: لفلان علي درهم ودرهم-: يكون كما لو قال: له علي درهمان.
والثاني-: وهو المذهب-: لا يجمع، بدليل أنه إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق
[ ٦ / ٩٢ ]
وطالق لا يقع إلا واحدة ولا يجعل كأنه قال: أنت طالق طلقتين.
بيانه: إذا قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة، أو قال: أنت طالق طلقة وطلقة وطلقة إلا طلقة.
إن قلنا: يجمع-: يقع طلقتان؛ كأنه قال: ثلاثًا إلا واحدة.
وإن قلنا: لا يجمع-: يقع الثلاث كأنه استثنى الواحد من الواحد.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة وواحدة: إن قلنا: يجمع: يقع الثلاث، كأنه استثنى الثلاث من الثلاث.
وإن قلنا: لا يجمع-: يقع طلقتان؛ فيصح استثناء الثنتين، ولا يصح استثناء الثالثة.
وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين وواحدة، أو قال: إلا اثنتين وإلا واحدة.
فإن قلنا: [يجمع] تقع الثلاث.
وإن قلنا: لا يجمع: فطلقة.
ولو قال: ثلاثًا إلا واحدة واثنتين: إن قلنا: يجمع-: يقع الثلاث.
وإن قلنا: لا يجمع-: يصح استثناء الواحدة، وتقع طلقتان.
ولو قال: اثنتين وواحدة إلا واحدة: إن جمعنا-: تقع طلقتان؛ [كأنه قال: ثلاثًا إلا واحدة وإن لم نجمع-: فثلاث.
أما إذا قال: واحدة واثنتين إلا واحدة-: يقع طلقتان] وجهًا واحدًا، ويصح الاستثناء.
ولو قال: طلقتين ونصفًا إلا نصف طلقة-: فهو كقوله: طلقتين وواحدة إلا واحدة.
ولو قال: أنت طالق واحدة ثم واحدة بل واحدة إلا واحدة يقع الثلاث، ولا يجمع، لتغاير الألفاظ.
ولو علق الطلاق بالمشيئة- لا يخلو: إما أن علق الوقوع بالمشيئة، أو منع الوقوع:
[ ٦ / ٩٣ ]
فإن علق الوقوع بالمشيئة- لا يخلو: إما أن علق بمشيئة الله ﷿، أو بمشيئة آدمي:
[ ٦ / ٩٤ ]
فإن علق [بمشيئة الله﷿-] فقال أنت طالق إن شاء الله، أو إذا شاء الله، أو متى شاء الله-: لا يقع؛ لأنه لا وقوف على مشيئة الله، وإنما تعرف مشيئته في الموجودات بحصولها وكذلك: كل قول له حكم: من عتق أو نذر أو يمين أو بيع أو نكاح أو إقرار: لا يصح شيء منها مع الاستثناء.
ولو قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله-: لا تطلق واحدة منهما.
ولو قال: حفصة طالق، وعمرة طالق، إن شاء الله-: تطلق حفصة، ولا تطلق عمرة؛
[ ٦ / ٩٥ ]
لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه.
وقيل: يرجع إليهما.
والأول أصح.
وإنما يصح الاستثناء إذا غرم عليه حالة التلفظ، ووصله باللفظ نطقًا، فإن تخلل بينهما فصل-: لا يصح الاستثناء، وإن كان بينهما سكتة أو تنفس-: فلا تمنع صحة الاستثناء، وإن نواه بقلبه، ولم يتلف بلسانه-: لا يصح، وإنما يصح إذا كان مقصوده رفع الطلاق، أو رفع اليمين، إن كان الاستثناء في اليمين: فإن لم يقصده، بل قصد بقوله: إن شاء الله: أن الأمور كلها بمشيئة الله وإرادته-: فلا يصح الاستثناء.
وكذلك: إن سبق إلى لسانه "إن شاء الله" [وكان الاستثناء غلب إلى لسانه "إن شاء الله" [وكان الاستثناء غلب على لسانه، وكانت عادته ألا يقول شيئًا إلا أن قال: "إن شاء الله] "، فقاله على العادة-: لم يكن استثناء؛ لأنه لم يقصده.
أما إذا علق بمشيئة آدمي؛ فقال: أنت طالق إن شاء فلان- فلا يقع ما لم يشأ فلان طلاقها، ولا تشترط مشيئته في المجلس؛ لأنه محض تعليق حتى لو كان غائبًا، فبلغه الخبر، فشاء بعد مدة-: يقع ولا يحال ببينه وبينها قبل المشيئة.
فإن شاء فلان تطلق، أو لم يشأ شيئًا، أو مات، أو غاب، فلم يعد، [أو غبي غباوة، فلم يدر] بمشيئته: لا يقع الطلاق.
ولو علق بمشيئة المرأة، فقال: أنت طالق إن شئت-: تشترط مشيئتها في المجلس؛ لأنه يتضمن تملي بضع، بخلاف ما لو قال لها: إن كلمت فلانًا فأنت طالق-: لا يشترط الكلام في المجلس؛ لأنه محض تعليق، والمشيئة استطلاع رأي، فأشبه القبول في البيع.
وإن قال متى شئت- لا تشترط المشيئة في المجلس، ولو خاطب الأجنبي، فقال: امرأتي طالق إن شئت، هل تشترط المشيئة في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما: تشترط؛ كما لو خاطب زوجته.
والثاني: لا تشترط؛ لأنه لا يتضمن التمليك؛ كما لو علق بمشيئته لا على وجه الخطاب.
ولو علق بمشيئة زوجته، فلم يخاطب، فقال: امرأتي طالق إن شاءت، فبلغ الخبر إليها-: هل تشترط مشيئتها في المجلس؟ فعلى وجهين.
[ ٦ / ٩٦ ]
ولو قال: أنت طالق إن شئت أنا، أو إن رضيت-: فهو تعليق، فإذا شاء في المجلس أو بعده-: يقع.
ولو قال لها: أنت طالق إن شئت وفلان، أو إن شئت وشاء أبوك-: فلا يقع حتى توجد مشيئتهما جميعًا، ثم تشترط مشيئة المرأة في المجلس، ومشيئة الأب والأجنبي، متى وجدت.
ولو قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت إن شئت، أو: شئت إن شاء فلان-: فلا يقع، وإن قال الزوج أو فلان: شئت؛ لأنه تشترط من جهتها مشيئة مجزومة؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك، فعلقت طلاقها-: لم يصح.
وكذلك لو قال: إن شئت غدًا-: لا يقع، ولو علق بمشيئتها أو بمشيئة فلان، فشاءت أو شاء فلان-: فلا يقع، وإن قال الزوج أو فلان: شئت؛ لأنه تشترط من جهتها مشيئة مجزومة؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك، فعلقت طلاقها-: لم يصح.
وكذلك لو قال: إن شئت غدًا-: لا يقع، ولو علق بمشيئتها أو بمشيئة فلان، فشاءت أو شاء فلان سكران-: يقع، وإن شاءت نائمة أو مجنونة-: لم يقع، وإن شاءت باللسان، ولم تشأ بالقلب-: يقع ظاهرًا وباطنًا.
وقيل: لا يقع باطنًا؛ كما لو علق بحيضها، فقالت: حضت، وكانت كاذبة- لا يقع في الباطن.
والأول المذهب؛ لأنه علق بقولها-: شئت وقد وجدت؛ بدليل أنه لو علق بمشيئة فلان، فقال فلان: شئت لا تسمع دعواه أنه لم يشأ.
ولو علق طلاقها بحيض غيرها، فقالت حضت، وكذبها الزوج قبل قوله.
وإن قال لصبية لا تعقل أو لمجنونة: أنت طالق إن شئت، [فقالت: شئت]-: لا يقع؛ لأنه لا حكم لقولها.
وإن كانت مراهقة-: فوجهان: وكذلك لو علق بمشيئة صبي أجنبي:
أحدهما: لا يقع لأنه لا حكم لمشيئته في التصرفات.
والثاني: يقع؛ لأن له مشيئة، بدليل أنه يخير بين الأبوين.
وإن كان أخرس، فشاء بالإشارة-: يقع، وإن علق بمشيئة ناطق، فخرس، ثم شاء بالإشارة-: فيه وجهان:
أصحهما: يقع؛ لأنه لا تطلق له حالة المشيئة.
وقيل: لا يقع؛ اعتبارًا بحالة التعليق.
وإن قال: أنت طالق أن شاء الله بفتح الألف، أو: إذ شاء الله. أو قال أن شاء زيد، أو: إذ شاء زيد-: يقع في الحال؛ لأنه تعليل؛ كأنه قال: قد شاء الله؛ حيث أجراه على لساني.
[ ٦ / ٩٧ ]
قال الشيخ - ﵀-: إذا قال: أنت طالق إن شاءت الملائكة-: لا يقع؛ كما لو قال: إن شاء الله تعالى؛ لأن لهم مشيئة، ولا تعرف.
ولو قال: إن شاء الحمار-: فهو كقوله: إن طرت أو صعدت السماء.
وإن قال لها: إذا رضيت الطلاق أو أحببت الطلاق فأنت طالق، فقالت: رضيت أو أحببت-: يقع.
ولو قال لها: أحبي الطلاق، أو أهوي، [أو أريدي]، أو أرضي، وأراد تمليكها الطلاق-: فهو كقوله: [شائي أو] اختاري، فإذا أرادت، أو أحبت، أو رضيت: يقع.
وعند أبي حنيفة: [لا يقع إلا قوله] شائي أو اختاري، ولا يتبين الفرق.
أما إذا علق منع الوقوع بالمشيئة؛ مثل: أن قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، فإن شاء زيد ألا تطلق-: لم تطلق، فإن شاء زيد الوقوع أو مات زيد أو غبي غباوة، فلم تعرف مشيئته-: يحكم بالوقوع.
ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله-: فالمذهب: أنه يقع الطلاق في الحال لوقوع اليأس من ظهور مشيئته؛ كما لو علق بمشيئة زيد: يقع اليأس منه من مشيئة.
وقيل: لا يقع؛ لأنه في الحقيقة تعليق بعدم المشيئة؛ بدليل أنه إذا علق بمشيئة زيد، وعلم أنه لم يشأ-: وقع، ولا يتصور الوقوع، مع عدم مشيئة الله تعالى.
قال الشيخ﵀-: يحكم بالوقوع قبل اليأس من مشيئته، ولا يستند إلى حالة التلفظ، حتى لا يحال بينه وبينها قبل اليأس.
قال الشيخ: وجب أن يحال، ويستند.
ولو قال: أنت طالق إن لم يشأ الله تعالى، أو إذا لم يشأ الله، أو ما لم يشأ الله، أو أن لو لم يشأ الله-: لا يقع؛ لاستحالة الوقوع دون مشيئة الله، ﷿.
وذكر صاحب "التلخيص" قولًا: أنه إذا قال: إن لم يشأ الله، أو إذا لم يشأ الله، أو متى لم يشأ الله: أنه يقع، وهذا قول لا يعرف، ولعله على قول من يجعله صفة مستحيلة؛ فيلغو.
ولو قال: أنت طالق إن شاء الله، أو لم يشأ الله-: يقع في الحال، كما لو قال شاء زيد أو لم يشأ.
[ ٦ / ٩٨ ]
قال الشيخ﵀-: ولو قال أنت طالق إلا أن أشاء، أو إلا أن يبدو لي-: يقع في الال؛ لأنه ليس بتعليق، بل أوقع الطلاق، ثم أراد رفعه إذا بدا له.
ولو قال لها: أنت طالق كيف شئت: قال أبو حنيفة: يقع الطلاق شاءت أو لم تشأ.
قال الشيخ القفال، والشيخ أبو زيد كذلك: يقع.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقع، حتى توجد مشيئته في المجلس، واختاره الشيخ أبو علي.
فإن شاءت أن تطلق أو شاءت ألا تطلق-: طلقت لوجود المشيئة.
قال الشيخ - ﵀-: وكذلك لو قال: أنت طالق على أي وجه شئت.
فلو قال لها: أنت طالق ثلاثًا، إلا أن يشاء أبوك واحدة، فشاء أبوها واحدة- لم يقع؛ كما لو قال إلا أن يدخل أبوك الدار، فدخل-: لا يقع، وإن شاء أبوها اثنتين أو ثلاثًا-: لا يقع؛ لوجود الصفة وزيادة.
ولو قال: أنت طالق لولا أبوك لطلقتك-: لا يقع؛ لأنه لم يرد الإيقاع، بل أخبر أنه لولا حرمة الأب لطلقها؛ كما لو قال: لولا أبوك لطلقتك.
إذا قال لامرأته يا زانية، أنت طالق ثلاثًا، إن شاء الله، أو قال: أنت طالق ثلاثًا، يا زانية، إن شاء الله-: يرجع الاستثناء إلى الطلاق لا إلى الزنا، حتى يجب عليه الحد؛ لأن الاستثناء لا يعمل في الأسامي، حتى لو قال: يا زانية؛ إن شاء الله-: يجب الحد، وتخلل قوله: "يا زانية" بين لفظ الطلاق والاستثناء-: لا يقطع الاستثناء؛ كما لو قال: أنت طالق، يا فاطمة، إن شاء الله-: لا يقع.
ولو قال لها: يا طالق، أنت طالق ثلاثًا، إن شاء الله-: رجع الاستثناء إلى قوله: أنت طالق، وتقع طلقة بقوله: "يا طالق، والله أعلم بالصواب.
بَابُ طَلاَقِ الْمَرِيضِ
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: "طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفِ تُمَاضِرَ بِنْتَ الأَصْبَغِ الكَلْبِيَّةَ، فَبَتَّهَا، ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ، ﵁، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْر وَأَمَّا أَنَا فَلاَ أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةُ".
[ ٦ / ٩٩ ]
طلاق المريض يقع كطلاق الصحيح، ثم إن كان الطلاق رجعيًا-: لا ينقطع الميراث بينهما، فأيهما مات، وهي في العدة، يرثه صاحبه.
[ ٦ / ١٠٠ ]
وأما الطلاق البائن في مرض موت الزوج- نظر: إن كان بمسألة المرأة أو باختلاعها نفسها-: فلا يجعل الرجل فارًا وينقطع الميراث من الجانبين.
وإن كان بغير مسألتها بأن طلقها ثلاثًا في مرض موته، أو خالعها مع أجنبي: فإن ماتت المرأة-: [لا يرثها] الزوج، وإن مات الزوج هل ترثه المرأة؟ فيه قولان:
أظهرهما- وهو قوله الجديد، وبه قال عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن الزبير [لامرأته]-: لا ترثه؛ كما لا يرثها الزوج، لأن المثبت للتوارث هو الزوجية، وقد ارتفعت؛ كما لو نفى نسب الولد باللعان [في المرض]-: ينقطع التوارث بينهما.
وقال في القديم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة: ترثه؛ لأن قصده بهذا الطلاق الفرار عن الميراث، فيرد عليه قصده، كما لو قتل مورثه لا يرثه لأن قصده استعجال الميراث؛ فعوقب بحرمانه.
فإن قلنا: ترثه-: إلى متى ترثه؟ فيه أقوال:
أحدها: ما لم تنقض عدتها، فإن مات بعد عدتها-: لم ترثه؛ وهو قول أبي حنيفة، حتى لو كان الطلاق قبل الدخول-: لا ترثه؛ لأنه لا عدة عليها.
والثاني: ترثه؛ ما لم تنكح زوجًا آخر، وهو قول ابن أبي ليلى.
والثالث- وهو قول مالك-: أبدًا، وإن نكحت زوجًا آخر؛ لأن توريثها بالفرار، وذلك لا يزول بالتزويج، سواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده.
ولو سألت طلاقها، فلم يجبها في الحال، ثم طلقها بعده-: فهو فاز، وكذلك لو سألت طلاقًا رجعيًا، فطلقها ثلاثًا-: كان فارًا.
ولو طلقها رجعيًا في مرضهن فانقضت عدتها-: لم ترثه؛ لأنه لم يكن فارًا بالطلاق الرجعي.
ولو علق في مرضه طلاقها بصفة، فوجدت- نظر: إن علق بفعل نفسه، أو بفعل أجنبي، أو بمضي زمان-: فهو فار، ترث في القديم.
وإن علق بفعل- من جهتها- نظر: إن لم يكن لها منه بد: إما طبعًا؛ كالأكل والشرب
[ ٦ / ١٠٢ ]
والنوم والقيام والقعود، أو شرعًا؛ كالطهارة وأداء الصلاة المفروضة-: فهو فار؛ وإن كان لها منه بد-: فلا يكون فارًا.
وإن علق في الصحة- نظر: إن علق بصفة لا توجد إلا في المرض بأن قال: إن مرضت مرض الموت أو نحو ذلك-: فهو فار.
وإن علق بصفة تحتمل وجودها في الصحة-: فليس بفار؛ على الأصح.
وقيل: هو فار، وهذا بناء على أن الاعتبار بحالة التعليق أم بحالة وجود الصفة؟ وفيه قولان.
ولو أقر في المرض أنه أبانها في الصحة-: فليس بفار.
ولو لاعَنَ عنها في مرضه- نظر: إن كان القذف في الصحة-: فليس بفار، وإن كان قذف في المرض، ولاعن-: فقد قيل: هو فار.
والمذهب: أنه لا يكون فارًا؛ لأن له غرضًا؛ هو نفي النسب أو إسقاط الحدود؛ وذلك يكوون بعد طلبها.
ولو فسخ النكاح بعيب منها في مرضه-: فلا يكون فارًا؛ لأنه لمعنى فيها.
أما العبد: إذا طلق امرأته في مرضه، والحر طلق امرأته الأمة، أو المسلم امرأته الذمية في مرضه طلاقًا بائنًا، ثم عتق العبد أو الأمة، أو أسلمت الذمية في العدة، ثم مات الزوج-: لا ترثه المرأة، ولا يختلف القول فيه؛ لأنها لم تكن وارثة يوم الطلاق، ولم يكن طلاق الزوج إياها فرارًا من الميراث.
ولو أبانها في المرض، فارتدت، ثم عادت إلى الإسلام، ثم مات الزوج-: فهو فار، ترث في قول.
ولو ارتد الزوج في مرض موته قبل الدخول أو بعد الدخول، أو لم يعد إلى الإسلام، حتى انقضت عدتها، ثم عاد، فمات-: لم يكن فارًا؛ لأنه لا يخلد نفسه في النار بحرمانها من الميراث.
ولو أبانها بعد ما ارتد هو، أو ارتدت هي في مرضه، ثم جمعهما الإسلام في العدة-: بان أن الطلاق قد وقع، ولا يجعل فارًا؛ لأنها لم تكن وارثة يوم الطلاق.
ولو أبان امرأته المسلمة في مرضه، وقلنا: ترث المبتوتة، فارتدت، ثم مات الزوج-: لم ترث؛ لأجل الردة.
فإن عادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة، أو بعد انقضائها، ثم مات الزوج، وقلنا:
[ ٦ / ١٠٣ ]
ترث المبتوتة بعد انقضاء العدة،-: فهذه ترث؛ لأنها كانت وارثة حالة الإبانة؛ فجعل فارًا.
ولو طلق زوجته الأمة في المرض، وعتقت، فاختلفا، فقالت المرأة: طلقتني بعد العتق؛ فلي الميراث، وقال الوارث: قبله؛ فلا ميراث لك-: فالقول قول الوارث مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الرق.
ولو أن امرأة أرضعت زوجها الصغير في مرض موتها-: هل تجعل المرأة فارة حتى يرثها الزوج؟ المذهب أنها لا تجعل فارة.
وخرج وجه بعيد: أنها تجعل فارة، ويرثها الزوج، نظيره: إذا عتقت أمة تحت عبد لها-: فسخ النكاح.
ولو عتق عبد، وتحته أمة-: فالمذهب: أنه لا فسخ.
وقيل: يثبت؛ كما يثبت لها إذا أبان أربع نسوة في مرض موته، ونكح أربعًا.
فإذا مات، وقلنا: ترث المبتوتة-: فميراث لمن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها- وبه قال مالك-: للمطلقات؛ لتقدم حقوقهن؛ فالمعنى الذي يمنع من سقوطهن يمنع من نقصان حقوقهن.
والثاني: يكون للجدد، لأن لهن حقيقة النكاح، وللأوليات حق النكاح.
والثالث- وهو [الأقيس] يكون للكل.
باب الشك في الطلاق
إذا شك [الرجل] هل وقع الطلاق على امرأته-: جعل كأنه لم يقع؛ لأن الأصل بقاء النكاح؛ وكذلك: لو شك في العدد-: يأخذ بالأقل؛ لأنه اليقين.
[ ٦ / ١٠٤ ]
ولو طار طائر، فقال: إن كان هذا غرابًا فامرأتي طالق، فلم يتبين-: لا يحكم بوقوع الطلاق؛ لاحتمال أنه لم يكن غرابًا.
ولو كانت له امرأتان، فقال: إن كان الطائر غرابًا فامرأتي زينب طالق، وإن كان غيره فعمرة طالق-: يقع [الطلاق] على واحدة لا بعينها، فيمنع منهما، حتى يتبين.
وإن كان هذا بين رجلين، وقال أحدهما: إن كان غرابًا فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فامرأتي طالق-: فلا يحكم على واحد بعينه، بل يبني كل واحد على يقين نفسه، ويمسك زوجته.
[ ٦ / ١٠٧ ]
وكذلك: حكم العتق في عبدين لرجلين، إلا أن في العتق إذا ملك أحدهما عبد صاحبه-: يؤاخذ بتعيين العتق في أحدهما، فإن كان قبل الشراء قد كذب صاحبه، وقال له: حنثت في يمينك، فإذا اشترى عبد صاحبه- حكم بعتقه عليه، وله إمساك عبد نفسه، وإن تردد الحنث بين العتق والطلاق بأن سقته بالليل واحدة، فقال: إن كانت الساقية امرأتي فهي طالق، وإن كانت جاريتي فهي حرة.
أو طائر طار فقال: إن كان هذا غرابًا فنسائي طوالق، وإن لم يكن غرابًا فعبيدي أحرار-: فيوقف عنهم جميعًا، ويمنع من الاستمتاع بالنساء، ومن التصرف في العبيد، ويؤخذ بالتعيين، وعليه نفقتهم؛ لأنهم في حبسه.
فإن عين [النساء لم يحنث] في العبيد، أو قال: لم أحنث في الطلاق-: عتق العبيد والنساء، وللنساء أن يدعين عليه بأنك حنثت في يمين الطلاق، فيحلف بالله أنني لم أحنث في يمين الطلاق.
فإن حلف قررن تحته، وإن نكل حلف النساء، وحكم بطلاقهن، وإن حلف بعضهن-: حكم بطلاق الحالفة منهن دون من لم تحلف.
ولو ادعى أحد الفريقين ابتداءً، فقال: ما حنثت في يمينكم-: تعين الحنث في الآخرين، وحلف في حق المدعين.
وإن ادعت واحدة من النساء، ونكل في حقها-: حلفت يمين الرد وبانت منه، ثم للزوج أن يحلف في حق أخرى، ولا يجعل نكوله في حق واحدة نكولًا في حق غيرها، فإن ادعى أحدا لفريقين، فقال: لا أدري-: كان ذلك إنكارًا منه في حق المدعين، ولكن لا يكون إقرارًا في حق الآخرين، فتعرض عليه اليمين، فإن أعاد، وقال: لا أدري-: كان نكولًا؛ فيحلف المدعون، ويقضي لهم.
أما إذا عرض عليه اليمين، فحلف على نفي دعواهم-: كان إقرارًا في حق الآخرين، وإن مات الزوج قبل البيان: قال الشافعي﵁-: يقرع بين العبيد والنساء، فإن خرجت القرعة للعبيد-: عتقوا، وإن خرجت للنساء-: لم يعتق العبيد، ولم تطلق النساء، لأنه لا مدخل للقرعة في الطلاق.
واختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فهل يقوم الوارث مقامه في البيان؟ فيه قولان:
[ ٦ / ١٠٨ ]
كما لو طلق إحدى امرأتيه، لا بعينها، فمات قبل البيان-: هل يقوم وارثه مقامه في البيان؟ فيه قولان.
ومن أصحابنا من قال ههنا: لا يقوم الوارث مقامه؛ لتمكن التهمة من بيانه، من حيث إنه ربما يعين الحنث في الطلاق، فيحرمهن من الميراث، ويستبقي العبيد لنفسه.
فإن قلنا: لا يقبل تعيين الوارث-: فيقرع بين العبيد والنسوان: فإن خرجت القرعة للعبيد-: حكم بعتقهم، وترث النساء منه، وإن خرجت للنساء-: لم يطلقن، وبقي الأمر على الإشكال.
والورع لهن: أن يدعن الميراث.
وإن قلنا: يقبل تعيين الوارث: فإن عين الحنث في العتق-: عتق العبيد، وورث النساء، وإن عين في الطلاق: فللنساء تحليف الوارث فيحلف على البت أنه حنث في يمين الطلاق، وللعبيد الدعوى- أيضًا- أنه حنث في يمين العتق، وقد عتقنا، فيحلف على العلم؛ أنه يعلم أن مورثه حنث في يمين العتق.
فصل
إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق- فلا يخلو: إما أن يكون عين واحدة بقلبه، أو لم يعين: فإن عين واحدةً بقلبه-: يؤمر بالبيان، وإن لم يعين-: يؤمر بالتعيين، ويمنع الزوج من قربانهما حتى يبين أو يعين، ويؤمر بالإنفاق عليهما.
فإن امتنع من البيان والتعيين-: حبس، سواء قال فيمن عين: نسيت المعينة، أو لم يقله؛ لأنه حق وجب عليه، وهو يقدر على إيفائه.
ثم إن كان قد عين بقلبه واحدة: فإذا بين-: فللأخرى أن تدعي عليه أنك عينتني، وتحلفه: فإن نكل-: حلفت، وطلقتا [معًا]، وتكون عدة من بين فيها من وقت اللفظ.
وإن لم يعين واحدة بقلبه: فإذا عين واحدة-: فليس للأخرى أن تدعي عليه وتحلفه؛ لأنه اختيار تشه؛ كما لو طلق إحدى امرأتيه ابتداء-: فلا دعوى عليه للأخرى، وعدتها من أي وقت تكون؟ فيه وجهان؟ وأصله أنه طلاق موقع أم التزام طلاق في الذمة؟ وفيه جوابان:
إن قلنا: طلاق موقع، ومحله غير متعين-: فمن وقت اللفظ، وإلا من وقت التعيين.
ولو وطئ إحداهما- نظر: إن كان قد عين واحدة بقلبه-: فالوطء لا يكون بيانًا.
[ ٦ / ١٠٩ ]
ثم إن بين في الموطوءة-: عليه الحد، إن كان الطلاق بائنًا، وعليه المهر لجهلها بالحال، وإن بين في غير الموطوءة، ثم ادعت الموطوءة عليه: أنه أرادها، فنكل، وحلفت-: حكم بطلاقها، وعليه المهر، ولا حد عليه للشبهة؛ لأنه طلاق ثبت باليمين من حيث الظاهر.
وإن لم يكن عين واحدة بقلبه-: هل يكون تعيينًا؟ فيه قولان:
أصحهما: بلى؛ لأن الظاهر أنه يطأ إلا من تحل له.
والثاني: لا يكون تعيينًا؛ كما لا يكون بيانًا، فعلى هذا: إذا عين في الموطوءة لا حد عليه؛ للشبهة، وعليه المهر.
ثم إذا عين واحدة بقلبه، فآخذناه بالبيان، فقال: هي هذه وهذه-: طلقتا جميعًا.
وكذلك: لو قال: هي هذه، أو قال: هي هذه مع هذه، ولو قال: هي هذه أو هذه-: فهو على الإشكال، فلا يزول الطلب عنه بالبيان.
ولو قال: هي هذه ثم هذه، أو هذه فهذه، أو بعدها هذه-: طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن هذه الحروف للتعقيب؛ فلا تصلح للإيقاع، وحرف الواو للعطف، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه، وحرف "بل" للرجوع عن الأول، والإقرار بتطليق الثانية، فلم يصح رجوعه، وقبل إقراره في حق الثانية.
ولو كن أربعًا، فعطف البعض على البعض بـ"الواو" أو بحرف "بل"-: طلقن جميعًا، وإن قال بلفظ "ثم" أو بـ"الفاء"-: طلقت الأولى دون الأخريات، وإن قال بلفظ "أو" فهو على الإشكال.
ولو قال: هي هذه وهذه وهذه أو هذه: فإن فصل الثالثة عن الثانية بنغمة أو إرادة أو وقف بينهما-: طلقت الأوليان مع إحدى الأخريين.
وإن لم يفصل، بل سرد الكل-: طلقت الأوليات أو الرابعة.
فإن عين في إحدى الأوليات الثلاث-: طلقن جميعًا دون الرابعة.
وإن عين في الرابعة-: طلقت دون الأوليات.
ولو قال: هي هذه أو هذه وهذه وهذه-: فعلى هذا التفصيل، فإن فصل الأخريين عن الأوليين-: طلقت الأخريات مع إحدى الأوليين، وإن سرد الكلام، ولم يفصل-: طلقت الأخريات دون الأولى.
فإن عين في إحدى الأخريات الثلاث-: طلقن جميعًا دون الأولى.
[ ٦ / ١١٠ ]
وإن عين في الأولى-: طلقت دون الأخريات.
ولو قال: هي هذه وهذه أو هذه وهذه وسرد-: طلقت: إما الأوليان، وإما الأخريان.
ولو قال: هي هذه بل هذه، أو هذه أو هذه-: طلقت الأولى، وواحدة من الأخريات، وقس عليه إذا دخل الواو في بعضها.
أما إذا لم يعين واحدة بقلبه، فآخذناه بالتعيين، فقال: هي هذه وهذه، أو قال: هذه بل هذه-: طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن الطلاق- ههنا- إلى اختياره، وليس له إلا اختيار واحدة، فإذا اختار إحداهما-: لم يبق له اختيار؛ وكذلك العتق.
وإن ماتت الزوجتان أو إحداهما قبل البيان والتعيين-: فيؤاخذ الزوج بالبيان والتعيين؛ كما في حال حياتهما، ويوقف له من تركة كل واحدة منهما، إن ماتتا.
وإن ماتت إحداهما-: فمن تركتها ميراث زوج، حتى يبين أو يعين، فإذا بين أو عين فغحداهما-: لا يرث منها، إذا كان الطلاق بائنًا، وإن جعلنا ذلك التزام طلاق في الذمة فيما إذا لم يكن عين بقلبه؛ لأن وقوعه يستند إلى حالة التلفظ، ويرث من الأخرى، ولوارثها أن يدعي عليه بأنك عينتها، إن كان عين واحدة بقلبه، وإن نكل-: حلف الوارث، وحرم ميراثها.
فإن لم يكن عين واحدة بقلبه-: فلا دعوى لوارثها عليه، فإذا مات الزوج قبل البيان والتعيين-: فهل يقوم وارثه مقامه في البيان والتعيين؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ كما يقوم مقامه في استلحاق النسب.
والثاني: لا يقوم مقامه؛ كما لا يقوم مقام الميت في اللعان، ونفي النسب؛ لأن كل واحدة زوجة في الظاهر، فبيان الوارث يتضمن إسقاط مشاركة في الإرث؛ فلا يقبل.
واختلفوا في محل القولين: فمنهم من قال: القولان فيما إذا كان قد عين بقلبه واحدة، ثم أشكل؛ لأنه إخبار؛ فجاز أن يخبر الوارث عن الموروث.
فأما إذا لم يعين واحدة بقلبه-: فلا يقوم الوارث مقامه؛ لأنه اختيار شهوة؛ كما لو أسلم عن أكثر من أربع نسوة، ومات قبل الاختيار-: لا يقوم فيه الوارث مقامه في اختيار الأربع.
وقال أبو إسحاق [المروزي]: في الكل قولان:
فإن قلنا: لا يقوم الوارث مقامه، أو قال الوارث: لا أعلم: فإن مات الزوج قبلهما-:
[ ٦ / ١١١ ]
يوقف من تركته ميراث زوجة منهما حتى يصطلحا، أو يصطلح ورثتهما بعد موتهما.
وإن سبق موتهما على موت الزوج-: يوقف من تركة كل واحدة منهما ميراث زوج.
وإن ماتت إحداهما قبل موت الزوج، والأخرى بعده-: فيوقف من تركة الأولى ميراث زوج، ومن تركة الزوج للأخرى ميراث زوج حتى يصطلحوا.
وإن قلنا: يقوم الوارث مقامه: فإن مات الزوج قبلها-: فقد قيل- ههنا-: ليس للوارث البيان؛ لأنه لا غرض له فيه؛ لأن ميراث واحدة وأكثر سواء، فيوقف لهما ميراث زوجة، حتى يصطلحا.
وقيل: يقبل بيان الوارث: فإذا بين في إحداهما-: لورثة الأخرى تحليفه، فإذا ماتتا قبل موت الزوج: فإذا بين الوارث من إحداهما-: فلورثة الأخرى تحليفه؛ لأنه يشاركهم في الميراث، فيحلف على [نفي] العلم أنه يعلم أن مورثه طلقها.
وإن ماتت إحداهما قبل موت الأخرى، ثم مات الزوج: فإن بين الوارث فيمن ماتت قبل الزوج-: قبل قوله بلا يمين؛ لأنه يضر بنفسه من وجهين: من حيث أنه يحرم نفسه من ميراث الأولى، ويثبت الشركة للأخرى معه في ميراث الزوج.
وإن بين فيمن مات الزوج قبلها-: فلوارث كل واحدة منهما تحليفه؛ لأنه يدعي الشركة في ميراث الأولى، وتحرم الأخرى من ميراث الزوج، فيحلف في حق الأولى على العلم أنه لا يعلم أن مورثه طلقها، ويأخذ ميراث الزوج من تركتها، ويحلف في حق الأخرى على البت أن مورثه طلقها؛ لأن يمين الإثبات يكون على البت.
وهذا كله فيما إذا كان قد عين واحدة بقلبه، وإن لم يعين-: فلا دعوى بعد التعيين ولا يمين؛ لأنه اختيار شهوة.
ولو شهد شاهدان من ورثة الزوج لواحدة أنها المطلقة- نظر: إن مات الزوج قبلها-: قبلت شهادتهما؛ لأنه لا تهمة فيها.
وإن ماتتا قبل موت الزوج-: لم تقبل؛ لأنهما يجران إلى أنفسهما نفع الميراث.
وإن ماتت إحداهما قبل موت الزوج: فإن شهدا لمن ماتت قبله-: قبلت؛ لأنهما يلتزمان بهذه الشهادة ضررًا ظاهرًا، وهو حرمان الزوج من ميراث الميتة؛ من قبل إثبات الشركة للأخرى في الميراث.
وإن شهدت الباقية بعد موت الزوج-: لا تقبل التهمة من حيث إنه يخرجها من الميراث ويثبت الشركة لنفسه في ميراث الأولى، والله أعلم بالصواب.
[ ٦ / ١١٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم