باب أحكام المياه
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
[ ١ / ١٣٧ ]
وروي عن أبي هريرة قال: سأل رجلٌ رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
[ ١ / ١٣٨ ]
"والطهور" هو: المطهر؛ وهو اسم لما يُتطهر به؛ كـ"السحور": اسم لما يُتسحر به، "والفطور": اسم لما يتفطر به.
وقال مالكٌ: "الطهور: ما يتكرر منه التطهر كـ"الصبور": ما يتكرر من الصبر، و"الشكور": ما يتكرر منه الشكر؛ ولذلك جوز التطهر بالماء المستعمل".
وقال أبو حنيفة ﵀: "الطهور هو الطاهر؛ ولذلك جوز إزالة النجاسة
[ ١ / ١٤٢ ]
بالمائعات الطاهرة.
والحديث حجة عليهما؛ لأنهم سألوا رسول الله - ﷺ- عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته؛ فأجاب بقوله: "هو الطهور ماؤه". فلولا أنهم عرفوا من الطهور المطهر لكان لا يزول إشكالهم بقوله: "هو الطهور ماؤه".
وكل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، ولم يخالطه شيءٌ- يجوز التطهر به، على أي لون كان، وأي طعمٍ وريح كانا، ويجوز بماء البحر ومياه الآبار، والماء النز؛ عذبًا كان أو ملحًا أو أُجاجًا، ويجوز بماء البرد والثلج؛ لأن الكل مطهر.
قال النبي - ﷺ -: "اللهم اغسلني بالماء والبرد والثلج". فلو أمر البرد أو الثلج على أعضاء طهارته، فسال الماء- حصل الغسل وإن لم يسل، فلا يحصل به إلا مسح الرأس والخف.
[ ١ / ١٤٣ ]
ولا يكره التطهر بالماء المسخن بالنار؛ سواء كان مسخنًا بنار الحطب، أو بنار السرقين؛ لأن السخونة بالحرارة، ولا نجاسة فيها؛ فإن كان شديد السخونة - يكره؛ لأنه يحرق، وربما لا يمكنه إسباغ الوضوء به.
ويكره بالمشمس في الأواني؛ لقول عمر - ﵁-: إنه يورث البرص،
[ ١ / ١٤٤ ]
ولكن لو تطهر به صحت الطهارة. فأما ما حمي في الحياض والغدران، فلا يكره الوضوء به.
وقيل: إنما يورث البرص، إذا شُمِّسَ في أواني الصفر في البلاد الحارة، وكان الإناء مغطى الرأس، فالشمس بحرارتها المترادفة تستخرج من الصفر زهومةً يكون فيها تعلق الماء؛ كالهباء فاستعماله مرة بعد أخرى يورث البرص.
ولو تغير الماء؛ لطول المكث- جاز الوضوء به؛ لأن النبي - ﷺ - كان يتوضأ من بئر "بُثضاعة"، وكان ماؤها كأنه نقاعةُ الحناء.
وكذلك لو وقعت بقرب الماء جيفةٌ، فنتن الماء منها - جاز التطهر به؛ لأنه لم يخالطه شيء.
ولا يجوز التطهر بماء الورد والخلاف ولا بماءٍ يسيلُ من عروق الأشجار، ولا
[ ١ / ١٤٥ ]
بالعرق الذي يسيل من بدن الحيوان؛ لأنه ليس بماءٍ مطلقٍ. ولو وقع في الماء شيءٌ طاهرٌ، ولم يغيره- جاز التطهر به؛ قل الماء أو كثر، وكثر الخليط أم قل؛ حتى لو صُب في ماءٍ قليل رطلٌ من لبنٍ أو ماء وردٍ، ولم يتغير شيءٌ من أوصاف الماء- يجوز استعماله [كله] في الطهارة؛ لأن الخليط صار مستهلكًا فيه.
ومن أصحابنا من قال: إن كان الماء غير كافٍ لطهارته؛ فكمله بالخليط- لا تصح الطهارة به؛ لأن غسل بعض الأعضاء يحصل بغير الماء. وإن كان كافيًا لغسل أعضائه مرةً مرةً- يجوز التطهر به، واستعمال كله.
وأما إذا تغير أحد أوصاف الماء بما وقع: إما لونه، أو طعمه، أو ريحه- نظر: إن كان ما وقع فيه شيئًا يخالط الماء، ويمكن صون الماء عنه؛ مثل: الزعفران والعصفر والدقيق والخبز واللبن والخل ونحوها، أو سقط فيه شيء من الثمار، وكان التغير كثيرًا؛ بحيث يضاف الماء إليه - لا يجوز التطهر به.
وعند أبي حنيفة ﵀: يجوز التطهر به؛ فيقول: ماء مضاف إلى خليطٍ يستغنى عنه، فلا يجوز التطهر به؛ كالمرقة، وماء الحمص والباقلاء المُغلى فيه.
وإن كان التغير قليلًا؛ بحيث لا يضاف الماء إليه؛ بأن وقع فيه زعفرانٌ؛ فاصفر قليلًا، أو دقيق؛ فابيض قليلًا- يجوز التطهر به على الصحيح من المذهب؛ لأنه لم يسلب إطلاق اسم الماء.
وإن تغير الماء بخليطٍ لا يمكن صون الماء عنه؛ كالتراب والحصاة وأوراق الأشجار تقع فيه، أو نبت فيه العشب والطحلب؛ فغيره- يجوز التطهر به؛ لأنه لما لم يمكن صون الماء منه، وقع عفوًا. وكذلك لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ، أو نورةٍ، أو كحلٍ، أو وقع فيه شيءٌ منها فتغير، أو نبع من معادنها- يجوز التطهر به. ولو طرح شيءٌ من هذه الأشياء في الماء قصدًا [فغيره]؛ نُظر إن غيره عن خلقته بالصنعة؛ بأن طُبخت النورة، أو طرح فيه الآجر المسحوق، أو أحرقت الأوراق؛ فطرح فيه رمادًا، أو أُغلي الطحلب في الماء - لا يجوز التطهر به.
وإن طرح فيه على خلقته؛ نظر: إن كان ترابًا، جاز التطهر به؛ لأنه طهور؛ فلا يسلب طهورية الماء؛ كما لو صُبَّ على الماء ماء آخر.
[ ١ / ١٤٦ ]
وإن كان غير تراب؛ كالزرنيخ والنورة، أو الحجر المسحوق، أو الطحلب والعشب المدقوق، وطرح فيه - فعلى وجهين:
أصحهما: لا يجوز التطهر به؛ لأن الاحتراز من القصد ممكن؛ كما لو وقع ما يمكن صون الماء عنه؛ فغيره.
والثاني: يجوز؛ لأنه لما لم يكن صونُ الماء منه في الأصل، كان عفوًا. نص عليه في رواية حرملة.
وأما الملح الجبلي؛ كالنورة، وأما ملح الماء إذا طرح في الماء؛ حتى غيره- يجوز التطهر به؛ لأنه ماء منعقدٌ؛ كالجامد.
ويجوز التطهر بماء الملاحة. وقيل؛ الملح الجبلي والماء سواء؛ في أنه لا يسلب طهورية الماء؛ لأن طبع كل واحد طبع الماء، ألا ترى أنه يذوب في الماء.
وقيل: كلاهما سواء في أنه يسلب طهورية الماء؛ كما لو غلب عليه: نِفطٌ أو قارٌ أو كبريت، وليس كالجامد؛ لأنه يذوب في الشمس، والملح لا يذوب. وهذا القائل يقول: لا يجوز التطهر بماء الملاحة. والأصح هو الأول.
ولو وقع في الماء ما لا يختلط به؛ فغيره؛ كالدهن والعود والعنبر- يجوز التطهر به؛ لأنه تغير مجاورةٍ؛ كما لو كانت بقرب الماء جيفةٌ؛ فتغير الماء من نتنها، وكذلك الكافور الصلب الذي لا يذوب في الماء، إذا وقع فيه؛ فغيره- يجوز التطهر به، فإن ذاب فيه فغيره، لم يجز.
والقطران نوعان: نوع يخالط الماء كالدبس، فإذا غيره، لم يجز التطهر به. ونوع يعلو الماء كالدهن، فلا يمنع التطهر به وإن غلب على الماء طعمه، أو ريحه. ولو وقع في الماء ماء مستعمل، أو ماء ورد؛ لا رائحة له، أو مائع آخر؛ لا يخالف صفته صفة الماء - ففيه وجهان:
أصحهما: هو أن الخليط إن كان قذرًا- لو كان له لون، أو طعم، أو ريح مخالف للماء لغلب على الماء - فلم يجز التطهر به. وإن كان أقل، يجوز.
والثاني: إن كان الخليط أكثر من الماء المطلق، أو مثله - لم يجز التطهر به، وإن كان أقل يجوز.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقيل: هذا الوجه في الماء المستعمل، دون غيره من المائعات؛ لأن المتوضئ لا يمكنه الاحتزار من أن يقع في ماء وضوئه شيء مما ينفصل عن أعضائه.
ولا يجوز التطهر بشيء من الأنبذة؛ لأنه ليس بماء مُطلقٍ.
وجوَّز الأوزاعي: بجميع الأنبذة.
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه -: يجوز بنبيذ التّمر خاصة إذا كان في السفر عادمًا للماء؛ وإن كان مطبوخًا مشتدًا.
وقال محمد بن الحسن: يجمع بين الوضوء والتيمم.
واحتجوا: بما روي عن ابن مسعودٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجنَّ: "ما في أدواتك؟ ". فقال نبيذٌ. قال - ﵇ -: "تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهورٌ" فتوضأ منه.
[ ١ / ١٤٨ ]
وهذا عند أهل النقل غير ثابت؛ لأنه رواية أبي زيد؛ وهو مجهول.
[ ١ / ١٤٩ ]
وقد صح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ - ولئن ثبت لم يكن ذلك نبيذًا متغيرًا، بل كان ماء مُعدًّا للشرب، نبذ فيه تميرات؛ ليجتذب مُلوحة الماء. يدل عليه أن الله - تعالى - قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] نقل من الماء عند عدمه إلى التيمم، فلا يتخللهما شيء آخر؛ كما قال في الكفارة: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] نقل من الرقبة إلى الصوم، ثم لا يتخللهما شيء آخر. وكل مائع لا يجوز الوضوء به والغسل، فإذا غسل به نجاسة لا تطهر؛ لأن الله - تعالى - خصَّ الماء بالتطهير؛ فلا يشاركه غيره.
وجوَّز أبو حنيفة - ﵀ - إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة؛ مثل: الخل وماء الورد والرَيق ونحوها، سوى الدهن واللبن، لأنهما لا ينعصران من الثوب؛ فيقول: مائع لا يرفع الحدث؛ فلا يرفع الخبث؛ كالدهن واللبن.
[ ١ / ١٥١ ]
فصلٌ في الماءِ الذي لا ينجس بوُقوع النَّجاسة فيه
روي عن ابن عمر - ﵄ -: "أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخبث".
أما إذا وقع في الماء شيء نجس لا يخلو: إما أن يكون الماء راكدًا، أو جاريًا: فإن كان راكدًا؛ نظر: إن كان أقل من قلتين، ينجس؛ سواء تغير، أو لم يتغير؛ سواء كانت النَّجاسة مما يدركها الطَّرف، أو لا يدركها الطَّرف.
[ ١ / ١٥٢ ]
وإن كان الماء قلتين فكثر؛ نظر: فإن وقعت فيه نجاسة ذائبة، فلا ينجس، ما لم يتغير؛ حتى لو صُبَّ فيه كوز بول، ولم يظهر فيه تغير، جاز استعماله كله، وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه، ينجس؛ سواء كان التغير قليلًا أو كثيرًا.
والقلتان خمسُ قربٍ. وبالوزن خمسمائة رطل؛ لأنه روي في الحديث إذا بلغ الماء قلتين بقلال هَجَرَ.
قال ابن جريج: رأيت قلال هجر؛ فالقلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا. فالشافعي - رحمة الله عليه - جعل الشيء نصفًا احتياطًا.
[ ١ / ١٥٣ ]
فتكون القلتان خمس قِربٍ، كل قربة خمسون منًّا.
وقيل: القُلتان ستمائة رطلٍ. والأول أصح.
وهذا تحديد، أم تقريب؟
فيه وجهان:
أحدهما: تحديدٌ؛ فإن انتقص منه قليلٌ، كان في حكم الماء القليل.
والثاني: تقريبٌ، حتى لو انتقص منه رطلٌ أو رطلان إلى ثلاثة، كان في حكم الكثرة، فإن انتقص أكثر من ثلاثة أرطال كان في حكم القلة؛ لأن الشيء قد يقع على أقل من النصف. وجعله الشافعي - ﵀ - نصفًا احتياطًا.
وعند أبي حنيفة - ﵀ -: حدُّ الماء الذي لا ينجس عشر في عشر في عمق شبر.
ومنهم من يقول: قدر ما لو حرَّك أحد طرفيه عند التوضؤ لا يتحرك الجانب الآخر.
وذهب الحسن والزُّهري، والنَّخعي، وعطاء، ومالك إلى أن الماء القليل لا
[ ١ / ١٥٤ ]
يَنجسُ بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغيرْ؛ لقول النبي ﷺ: "الماء طهورٌ لا ينجسه شيءٌ إلا ما غير طعمه أو ريحه".
[ ١ / ١٥٥ ]
وهذا اختيار إمام الأئمة، وعندنا: هو محمولٌ على الماء الكثير؛ بدليل حديث ابن عمر.
وإذا نجس الماء القليل فوجه تطهيره أن يُكائر بماء طاهرٍ أو نجس حتى يبلغ قُلتين [فإذا بلغ قلتين] ولا تغير فيه - كان طاهرًا مُطهرًا؛ سواء كان الماء الذي صُبَّ عليه قليلًا أو كثيرًا. فلو فرق بعده لا يعود نجسًا. ولو صُبَّ عليه ماء طاهر حتى غلبه؛ فزال تغيره قبل بلوغه قُلتين، أو لم يكن فيه تغير فلوث بماءٍ آخر، ولم يبلغ قُلتين، هل يحكم بطهارته؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يطهر؛ لأنه ماء أقل من قلتين، وقد حَصَلتْ فيه نجاسة.
والثاني: [وهو] اختيار العراقيين: يطهر لأن الماء غمر النجاسة؛ كالأرض النجسة إذا صُبَّ عليها من الماء ما يغمر النجاسة، والماء القليل إنما ينجس إذا وردت عليه النجاسة، وهاهنا ورد الماء على النجاسة؛ [كما لو] صُبَّ ماءٌ قليل على ثوبٍ نجس لا يحكم بنجاسته.
فإن قلنا: يطهر، إنما يطهر إذا كان الماء الوارد أكثر منه، ثم هو بمنزلة غُسالة النجاسة طاهر غير مُطهرٍ. وإن كان الماء الوار أقل منه، أو مثله - لم يطهر، إلا أن تبلغ قُلتين.
[ ١ / ١٥٧ ]
ولو كوثر ذلك بماء وردٍ أو عرقٍ؛ حتى بلغ قُلتين يحكم بطهارته، ولو كُثر بماء مُستعمل عاد مُطهّرًا على أصح الوجهين.
ولو غُمس كوزُ ماءٍ نجسٍ لا تغير فيه في قلتين من الماء - ذكر شيخنا القاضي فيه وجهين:
أحدهما: يطهر؛ لأنه اتصل بماء كثير.
والثاني - وهو الأصح -: لا يطهر؛ لأن الاختلاط - حقيقة - لم يوجد؛ بدليل أن صفة ماء الكوز لا تزول بهذا القدر.
فأما الماء الكثير إذا نجس بالتغير، فطهارته بزوال التغير، فإن زال بطول الزمان، أو بهبوب الرياح عليه، أو بنبات العُشب تحته - عاد مطهرًا؛ وكذلك لو صُبَّ عليه ماء آخر، أو نبع من تحته ماءٌ؛ حتى زال التغير، ولو أُخذ منه بعضه حتى زال التغير؛ نُظر: إن كان الباقي بعد زوال التغير قُلتين - كان طاهرًا، وإن كان أقل من قُلتين فهو نجس.
ولو طرح فيه تراب، أو جبس، أو نورةٌ غير مطبوخة؛ حتى زال التغيرُ - ففيه قولان:
أصحهما: [لا] يعود طاهرًا؛ كما لو طرح فيه مسكٌ، أو زعفرانٌ، أو كافورٌ، إو نورةٌ مطبوخة لم يطهر.
والثاني - وهو الأصحُ عند العراقيين -: يطهر؛ كالماء الكثير الكدورة بهذه الأشياء إذا وقعت في الماء الكثير نجاسةٌ جامدة - وهي قائمة فيه - لا يحكم بنجاسته على ظاهر المذهب إذا لم يتغير منها الماءُ، وله أن يأخذ الماء من أيِّ موضعٍ شاء، ولو قرب من النجاسة.
وقال أبو إسحاق، وهو صاحب "التلخيص": "إن بعُد عن النجاسة بقدر قُلتين، فهو
[ ١ / ١٥٨ ]
طاهر، وما دونه نجسٌ. والأول أصح؛ لأنه لو نجس بمجاورة تلك النجاسة قدر قلتين - لنجس ما وراء القُلتين بمجاورة القُلتين، وأدّى ذلك إلى الحكم بنجاسة ماء البحر بتغيُّره.
وإن كان الماء قدر قُلتين لا يزيد عليه، فوقعت فيه نجاسة جامدة - فعلى قول أبي إسحاق، وصاحب "التلخيص": وهو نجس. وإن أخرجت النجاسة منهما كان طاهرًا.
وعلى المذهب الأصح: هو طاهر.
وإن أُخذ منه شيء في إناء دفعة واحدة؛ فالمأخوذ - وباطن الإناء طاهر، وظاهر الإناء وما بقي من الماء نجسٌ؛ لأن النجاسة فيه؛ وهو أقل من قلتين.
وإن أخذت النجاسة مع شيء من الماء في [إناء] دفعة واحدة؛ فباطن الإناء وما فيه نجس، وظاهر الإناء وما بقى من الماء طاهر.
وقال أبو حنيفة: إن وقعت في بئرٍ نجاسةٌ ذائبةٌ، يُنزح جميع مائها. وإن ماتت فيها فأرةٌ، أو ما في جرمها، نزح عشرون دلوًا.
وإن ماتت حمامةٌ، أو سنَّورٌ، أو ما في جرمها - فأربعون دلوًا. وإن مات ما هو أكبر منها من شاةٍ، أو حمارٍ ونحوه - ينزح جميع مائها. وإن بقيت فيها الفأرة، أو وقع فيها ذنبها - نزح جميع مائها.
أما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ؛ لا يخلو: إما إن كان الماءُ كثيرًا، أو قليلًا: فإن كان كثيرا؛ بأن كان في عُرض النهر قدر قُلتين؛ [فإن] وقعت فيه نجاسةٌ [ذائبة] واستهلكت فيه؛ فهو طاهر، وإن كانت النجاسةُ جامدةً تجري مع الماء؛ فما فوقها ودونها
[ ١ / ١٥٩ ]
طاهر، والجرية التي فيها النجاسة طاهرة؛ على الصحيح من المذهب.
وعلى قول أبي إسحاق، وصاحب "التلخيص": ما قرب من النجاسة في عرض النهر وتحتها إلى قلتين - نجس.
وإن كان الماء [الجاري] قليلًا وقعت فيه نجاسةٌ؛ نظر: إن كانت ذائبةً وتغيرت؛ فالجرية المتغيرة نجسةٌ، [وهي كالنجاسة الجامدة] التي تجري مع الماء وإن لم يتغير منها الماء - فمحلُّ النجاسة نجسُ أيضًا.
وقال في القديم: "الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير"؛ وهو قول أبي حنيفة ﵀، واختيار إمام الأئمة.
وإن كانت النجاسة جامدة؛ نُظر: إن كانت تجري مع الماء؛ فمحل النجاسة من الماء والنهر نجس، وما دونه طاهرٌ؛ لأن النجاسة لم تصل إليه، والجرية التي تعقب النجاسة تغسل المحل؛ فهو في حكم غُسالة الجنابة؛ حتى لو كانت النجاسة نجاسة كلبٍ أو خنزيرٍ؛ فلا بد من سبع جريات تجري عقبيها، ثم ما وراءها طاهر.
وإن كانت النجاسة واقفةً والماء يجري عليها، أو كان الماء يجري بها، ولكن جري الماء أشد؛ فمحل النجاسة نجس، وما فوقها طاهر؛ لأنه لم يصل إلى النجاسة؛ كما لو صُبَّ ماء من إناء على نجس لا ينجس الماء الذي في الإناء. وما دونها نجس، وإن بعد عن النجاسة بأكثر من قلتين؛ لأن كل جريةٍ من الماء الجاري في حكم المنفصل عن صاحبه، لا يتكثَّر بعضه بالبعض، ولذلك لم ينجس ما فوقها، فإذا اجتمع في موضع قلتان كان طاهرًا، وكذلك إذا اتصل بماء كثير مجتمع في فضاء يطهر وإن لم يختلط به؛ بأن كان هذا كدرًا، وذلك ماء صافٍ يتبين منه؛ لأن الاجتماع [قد] وجد. وإن كانت النجاسة واقفة في هذا الماء القليل والماء يترادُّ عنها فالموضع الذي يترادُّ إليه الماء نجس.
وإن كان في وسط النهر حفر عميق؛ نظر: إن كان الموضع ضيقًا لا يجري فيه الماء سريعًا؛ فهو كالماء الراكد، وإن كان [الموضع] واسعًا، وجريُ الماء فيه سريع؛ فله حكم الماء الجاري، وإن كان على شط النهر حُفرةٌ يدخلها الماء من ساقية، ويخرج من أخرى إلى
[ ١ / ١٦٠ ]
النهر، فماء الحفرة في حكم الراكد، لا يتكثر بماء النهر، وغن كان متصلًا به. فإن وقعت فيه نجاسة- وهو أقل من قلتين - ينجس. وإن وقعت في إحدى الساقيتين نجاسة؛ نظر: إن كان جري الماء فيها سريعًا، فله حكم الماء الجاري، ولا يتكثر بماء النهر ولا بماء الحوض، وإن لم يكن جري الماء فيها سريعًا، فهو كالراكد. أهـ.
فَصْلٌ فِي المِيَاهِ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهَا الدَّوَابُّ
روي عن جابر بن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ- أنه سئل: "أيتوضأ بماء أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها".
سؤر جميع الحيوانات طاهر، إذ لم يصب فيها نجاسة، إلا سؤر الكلب، والخنزير، فإنه نجس. وكذلك كل حيوان أحد أبويه كلبٌ أو خنزير، إذا ولغ في ماء ليل، أو في مائع آخر؛ قلَّ أو كثر، ينجس الإناء وما فيه.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: سؤر السباع نجس، إلا سؤر الهرة. وعنده: سؤر سباع الطير وحشرات الأرض مكروه، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه. فإن لم يجد ماء سواه، جمع بين الوضوء به والتيمم.
وحديث جابر حُجةٌ عليه. أهـ.
فلو دمى فمُ رجل أو دسع البعير بجرته، ثم شرب من ماء قليل- ينجس ذلك الماء. ولو أكلت هرة فأرة، ثم ولغت في ماء قليل؛ فقد قيل: لا ينجس؛ لتعذر الاحتراز عنه،
[ ١ / ١٦١ ]
والصحيح أنه ينجس إذا ولغت فيه. قيل: إن غابت عينه يحتمل ورودها على ماء كثير، ثم عادت فولغت في ماء قليل؛ هل ينجس؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينجس؛ لأنا تيقنا نجاسة فمها؛ فلا يزول ذلك اليقين بالشك.
والثاني: لا ينجس؛ لاحتمال أنها حين غابت ولغت في ماء كثير، فطهر فمها؛ فلا يحكم بنجاسة هذا الماء بالشك. أ. هـ.
ولو مات حيوان في ماء قليل، أو في مائع آخر؛ فإن كان كثيرًا؛ نظر: إن كان حيوانًا تؤكل ميتته؛ كالسمك والجراد، لا ينجس ما مات فيه. وإن كان لا تؤكل ميتته؛ نظر: إن كانت له نفس سائلة؛ كالفأرة والعصفور ونحوها، نجس ما مات إلا الآدمي؛ فإن فيه قولين؛ بناء على [نجاسته بالموت].
وإن لم تكن له نفسٌ سائلة؛ كالذباب والنمل والعقرب والزنبور والخنفساء ونحوها- ففيه قولان:
أصحهما- وهو قول أبي حنيفة، ومالكٍ، وأكثر أهل العلم ﵏-: لا ينجس ما مات فيه؛ لتعذر الاحتراز عنه.
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ- قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاءً، وفي الآخر داء".
[ ١ / ١٦٢ ]
فأمر بغمس الذباب في الطعام، وقد يموت الذباب فيه، ولو كان ينجس الطعام، لكان لا يأمر بغمسه فيه.
والقول الثاني- وهو القياس-: أنه ينجس، والنبي -ﷺ- أمر بغمس الذباب فيه وطرحه، لا بقتله، وإنما أمر به، قطعًا لهم عن عادتهم؛ لأنهم كانوا يستقذرون طعامًا يقع فيه الذباب.
ولو مات حيوانٌ في طعامٍ نشؤه فيه؛ مثل: دود الخل يموت فيه، أو البقةُ على رأسه تموت فيه؛ فلا ينجسه. فإن أخرج، ثم رد إليه، فمات فيه، أو طرح في مائعٍ آخر؛ فمات فيه، هل ينجسه أم لا؟ فعلى القولين.
فإن قلنا: لا ينجسُ، فلو كثر حتى تغير منه الماء ففيه وجهان:
أحدهما: ينجس؛ لأنه ماءٌ تغير بالنجاسة.
والثاني: لا ينجس؛ لأن ما لا ينجس الماء القليل بوقوعه فيه، لا ينجسه، وإن تغير؛ كالسمك.
وبعض أصحابنا: جعلوا في نجاسة الحيوانات التي ليست لها نفسٌ سائلة بالموت- قولين؛ وهذا القائل يجعل في نجاسة بزرِ دود القز قولين؛ وليس بصحيحٍ، بل المذهب أنها تنجس بالموت؛ لا يختلف القول فيه؛ [وبه قطع العراقيون].
وبزر دود القز نجسٌ، لا يجوز بيعه، ولا ضمان على متلفه؛ كالسرقين، إنما الاختلاف في نجاسة ما يموت فيه من المائعات؛ لعموم البلوى، وتعذر الاحتراز منه.
ولو وقع حيوانٌ سوى الكلب والخنزير، أو المتولد من أحدهما في ماء قليل، أو مائع آخر؛ فخرج حيًا لا ينجسه؛ لأن النبيﷺ- أمر بمقلِ الذباب في الطعام، ولم يحكم بنجاسته.
[ ١ / ١٦٣ ]
فَصْلٌ فِي التَّحَرِّي فِي المِيَاهِ المُشْتَبَهَةِ
إذا اجتمع من الماء أوانٍ: بعضها طاهرٌ، وبعضها نجس، واشتبه عليه، له أن يجتهد؛ فأيها أدى اجتهاده إلى طهارته، توضأ به؛ سواء كانت الغلبة للأواني الطاهرة، أو النجسة. وكذلك الثياب إذا اشتبه عليه فيها الطاهر من النجس، يجتهد. وهل له أن يأخذ بغلبة الظن، من غير أن يجد نوعًا من الدليل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، حتى يرى نوعًا من الدليل من نقصان في أحد الإناءين، أو حركة، أو بلل على طرفه، أو أثر قدم الكلب قريبًا منه؛ يستدل به على أن الكلب شرب منه؛ كما في القبلة إذا اشتبهت عليه، لا يجوز أن يأخذ فيها بغلبة الظن من غير دليل؛ وبه قطع العراقيون.
والثاني- وهو الأصح-: يجوز؛ بخلاف القِبلةِ؛ لأن لها علامات ظاهرة تدل عليها، ولا دليل على طهارة الماء إلا غلبة الظن؛ فإن لم يغلب على ظنه طهارةُ واحد منها، ولم يكن معه ماء طاهر بيقين- يصلي بالتيمم، ثم يعيد؛ لأنه صلى بالتيمم، ومعه ماء طاهر. وكذلك في الثوبين، إذا لم يؤد اجتهاده إلى طهارة واحدة منها يصلي عريانًا، وأعاد.
وإن أراق الأواني، أو خلط البعض بالبعض؛ حتى نجس الكل- صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه؛ لأنه ليس معه ماء طاهر، ولا يجعل كإراقة الماء سفهًا؛ لأن إراقته- ها هنا لغرض؛ وهو الخلاص عن الاجتهاد، ومن أراق الماء لغرضٍ، وصلى بالتيمم- لا تجب عليه الإعادة.
أما إذا اجتهد وأدى اجتهاده إلى طهارة أحدها، ثم أراقها، أو أراق الذي أدى اجتهاده إلى طهارته- فهو كما لو [أراقه سفهًا].
وقال أبو حنيفة ﵀: "لا يجوز الاجتهاد في الأواني، إلا أن تكون الغلبة للطاهر؛ فنقيس على الثياب؛ فإن الاجتهاد فيها جائز، وإن كان عدد النجس فيها أكثر، وكذلك الاجتهاد في القبلة جائز، وإن كانت جهةُ الصواب فيها أقل.
وإذا استعمل أحد الإناءين بالاجتهاد، يُستحب له أن يريق الآخر، إلا أن يخاف
[ ١ / ١٦٤ ]
العطش؛ فله أن يمسك؛ ليشربه إذا اضطر إليه. فإن لم يرقه، فله أن يصلي بالوضوء الأول، ما لم يُحدث. فإذا أحدث؛ نُظر: إن بقي من الماء الأول شيءٌ، عليه أن يجتهد ثانيًا؛ فإن أدى اجتهاده إلى طهارة الأول توضأ به، وإن أدى اجتهاده إلى طهارة الثاني لا يجوز أن يتوضأ بواحد منها؛ لأنه يصير مستعملًا للنجاسة باليقين، بل يتيمم ويصلي؛ بخلاف القبلة إذا اجتهد، وصلى إلى جهة [ثم تغير] اجتهاده في صلاةٍ أخرى إلى جهةٍ غيرها يصلي إلى الجهة الثانية؛ لأن ترك القبلة بالعذر جائزٌ، ولا يجوز الوضوء بالماء النجس بحالٍ، فإذا صلى بالتيمم يعيد؛ لأنه تيمم ومعه ماءٌ طاهرٌ.
وقيل: لا يُعيد؛ لأنه ممنوع من استعمال ما معه من الماء كما لو حال بينه وبين الماء سبعٌ صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه.
والأول أصح، ولا تجب إعادة الصلاة الأولى؛ لأنا لو أوجبنا الإعادة نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وذلك لا يجوز.
وإن لم يبق من الماء الأول شيءٌ، فلا اجتهاد عليه حتى لو غلب على ظنه بدليل أرجح من الأول؛ أن الطاهر هو الثاني، فلا ينقض الأول من غير يقين، بل يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه.
وقيل: إذا أدى اجتهاده إلى طهارة الثاني، يصلي بالتيمم، ويعيد؛ لأنه صلى بالتيمم، ومعه ماءٌ يعتقد طهارته.
والأول المذهب؛ لأنه ممنوع من استعماله؛ فإن تيقن أنه استعمل النجس، عليه أن يغسل ما أصابه من ذلك الماء، ويعيد الصلاة.
وإن كانت الأواني خمسًا: واحد منها نجسٌ، واشتبه عليه؛ فإنه يجتهد عند كل حدثٍ حتى يستعمل منها أربعًا، ثم لا يجوز استعمال الخامس؛ فإن كان واحدٌ من الخمس طاهرًا، فإذا استعمل واحدًا بالاجتهاد، لا يجوز استعمال غيره؛ لأنه يصير مستعملًا للنجاسة باليقين. فإذا اشتبه عليه إناءان؛ فانصب أحدهما قبل الاجتهاد، هل له أن يتوضأ بالثاني من غير اجتهادٍ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه ماءٌ واحد شك في نجاسته؛ فالأصل أنه طاهر.
[ ١ / ١٦٥ ]
والثاني: لا يجوز- وهو الأصح عند العراقيين- كما في حال بقائهما، بل يجتهد، فإن أدى اجتهاده إلى طهارة القائم؛ توضأ به، وإن أدى إلى طهارة الهالك؛ صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه.
وإذا اشتبه عليه ماءان، ومعه ماء آخر طاهر بيقين؛ فهل له الاجتهاد في الماءين المشتبهين [أم لا]؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو الأصح: يجوز.
وقيل: لا يجوز؛ لأن الطاهر باليقين؛ كالنص، ولا يجوز الاجتهاد مع وجود النص.
والأول أصح؛ لأن النص ليس في موضع الاشتباه الذي هو محل الاجتهاد. وكذلك إذا اشتبه عليه ثوبان، ومعه ثوبٌ طاهر بيقين ومعه من الماء ما يغسلُ به أحد الثوبين، هل له الاجتهاد؟ فيه وجهان.
وكذلك إذا كان معه مزادتان في كل واحدةٍ قُلةٌ من الماء، ونجس أحدها، هل له الاجتهاد، أم يجمع بينهما حتى يتيقن الطهارة؟.
فيه وجهان.
وكذلك لو أدى اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين، ثم غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته يجوز أن يصلي في كل واحدٍ منهما على أصح الوجهين. ولو لبسهما، وصلى فيهما، يجوز؛ كما لو صلى في واحدٍ منفردًا.
وقال أبو إسحاق: "لا يجوز، وتجب الإعادةُ؛ لأنه كالثوب الواحد تيقن نجاسته، وشك في زوالها.
وهل يجوز للأعمى الاجتهاد في الأواني؟ فيه قولان:
قال في رواية حرملة: "لا يجتهد كما في القبلة".
وقال في "الأمام" وهو الأصح [عند المراوزة]: "يجوز؛ لأنه يعرف النجاسة بالشم
[ ١ / ١٦٦ ]
والذوق، أو نقصانٍ يجده في أحد الإناءين، أو حركةٍ توجد فيه؛ يعرف أن الكلب شرب منه.
فإن قلنا: يجوز، فلم يجد دلالة على الأغلب عنده؛ فهل له التقليد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن من ظن من أهل الاجتهاد في شيء لم يكن له أن يقلد [فيه] كالبصير.
والثاني: يجوز؛ لأنه مما يُعرف بالبصر وبغيره، فإذا لم يغلب على ظنه ثبت أن معرفته تعلقت بالبصر، فكان كالقبلة.
وكل طعامين طاهرين نجس أحدهما، واشتبه عليه مثل إناءين من لبنٍ، أو خلٍّ، أو نحوهما؛ فله أن يتحرى فيهما؛ كالماء، ثم يحل له أكل ما أدى اجتهاده إلى طهارته، وإن كان أحدهما نجس الأصل؛ مثل إناءين: أحدهما ماء، والآخر بولٌ؛ فاشتبه عليه؛ فالمذهب أنه لا يجوز له التحري فيهما، وبه قطع العراقيون؛ لأن النجس منهما ليس له أصلٌ في الطهارة، بخلاف الماء النجس، ولكن يُصلي بالتيمم، ثم يعيد على أصح الوجهين.
وقيل: يجوز التحري فيهما كالماء الطاهر مع النجس، ولكن لا يجوز أن يأخذ [بغلبة] الظن من غير دلالة، بخلاف الماء الطاهر والنجس؛ على أحد الوجهين.
وعند أبي حنيفة - ﵀ -: يجوز التحري إذا كانت الغلبة للماء، وكذلك إذا اشتبه عليه ماءٌ مطلقٌ، وماء وردٍ؛ فالمذهب أنه لا يتحرى؛ وبه قطع العراقيون؛ لأن ماء الورد ليس له أصل في التطهر، ولكن يتوضأ بكل واحد منهما.
وقيل: هو كما لو كان أحدهما ماء مطلقًا، والآخر مستعملًا، وإن كان أحدهما ماء مطلقًا، والآخر مستعملًا؛ فهذا مبنيٌّ على أنه إذا اشتبه عليه ماءٌ طاهر ونجس، ومعه ماء طاهرٌ بيقين؛ هل له الاجتهاد، أم لا؟
إن قلنا: لا يجوز؛ لأن له سبيلًا إلى يقين الطهارة؛ فهاهنا لا يجتهد بل يتوضأ بكل واحدٍ منهما.
وإن جوَّزنا هناك، فها هنا يجتهد؛ فأيهما أدى اجتهاده إلى أنه الماء المطلق، توضأ به.
وإذا اشتبه [عليه] لبنُ بقرٍ ولبن أتانٍ، أو خمرٌ وخلٌّ، أو شاة مذكاةٌ وميتة
[ ١ / ١٦٧ ]
- فالمذهب أنه لا يجوز له التحري فيه؛ وبه قطع العراقيون؛ كما لو اختلطت امرأة من محارمه بنساء محصوراتٍ، لا يجوز أن ينكح واحدة منهن بالاجتهاد.
وقيل: يجوز أن يطعم واحدًا بالاجتهاد؛ لأن الميتة تُباح عند الضرورة، أما إذا اختلطت امرأةٌ من محارمه بنساء غير محصوراتٍ- جاز له أن ينكح واحدةً منهن، حتى لا يؤدي إلى سد باب النكاح عليه؛ بخلاف ما لو اختلطت زوجته بأجانب، لا يجوز وطء واحدة منهن بالاجتهاد؛ لأنه لم يستبح الوطء بالاجتهاد، وها هنا يستباح بالعقد.
ولو اختلطت شاةٌ له بشاءِ الغير، أو حمامةٌ بحمام الغير، له أن يأخذ واحدة منها بالاجتهاد، ثم إن نازعه من في يده؛ فالقول قول صاحب اليد.
ولو نجس موضعٌ من بدنه أو ثوبه، وخفي عليه، يجب عليه غسل جميع بدنه، ولا يجوز غسلُ موضعٍ منه بالتحري لأنا تيقنا حصول النجاسة فيه؛ فلا يزول إلا باليقين، بخلاف ما لو نجس أحد الشيئين؛ لأنه إذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما، رده إلى الأصل، فلو أصاب يده المبتلة بعض ذلك الثوب، لا يجب غسل اليد؛ لأنا لم نتيقن أن يده أصابت محل النجاسة. ولو شق الثوب نصفين لا يجوز التحري؛ لاحتمال أن يكون الشق في محل النجاسة؛ فتكون القطعتان نجستين؛ ولو نجس أحد كُميه، أو إحدى يديه، أو إحدى أصبعين؛ هل يجوز له التحري؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كالثوبين؛ قاله ابن سُريج.
والثاني - وهو الأصح-: لا يجوز؛ لأنه شيء واحد، كما لو نجس موضع من الثوب وأشكل.
ولو فصل أحد الكمين من القميص، يجوز التحري بالاتفاق؛ كالثوبين.
[ ١ / ١٦٨ ]
ولو نجس مكان في صحراء، واشتبه يتحرى.
ولو نجس مكان من بيتٍ أو بساط، واشتبه عليه:
قيل: له الاجتهاد، فيصلي على الموضع الذي أدى اجتهاده إلى طهارته، ويتيمم من الموضع الذي أدى اجتهاده إلى طهارته من الأرض؛ كالصحراء، أو كالبيتين نجس أحدهما.
وقيل: لا يجوز التحري، وهذا أصح؛ كالثوب الواحد ينجس موضع منه.
ومن رأى ماءً قليلًا في إناءٍ أو وهدةٍ، وشك في طهارته- يجوز التطهر به، وإن وجده شديد التغير؛ لاحتمال أن يكون تغيره لطول المكث، والأصل طهارته.
ولو بالت ظبيةٌ في ماء بلغ قلتين، فوجد منه طعم البول، أو ريحه، وشك أن تغيره منه، أو من شيءٍ آخر- فهو نجسٌ. نص عليه من أصحابنا من قال بنجاسته على الإطلاق؛ وإليه ذهب صاحب "التلخيص".
ومنهم من قال: "صورته: أن يكون رأي الماء قبل البول غير متغير، ثم رآه عقيبه متغيرًا؛ فإن لم يكن رآه قبل بول الظبية، أو بعد العهد بين رؤيته، وبين بول الظبية- فهو على طهارته.
وإن ورد على ماءٍ؛ فأخبره عدلٌ بنجاسته- يجب قبول قوله؛ رجلًا كان أو امرأة؛ حرًا كان أو عبدًا؛ لأن خبر هؤلاء مقبولٌ.
ثم إن كان المخبر عالمًا يعتقد مذهبه، لا يجب أن يستفسره، وإلا فيجب؛ لأنه قد يكون ممن يرى نجاسة سؤر السباع. ولا يقبل فيه قول كافرٍ، ولا فاسقٍ، ولا صبيٍّ صغيرٍ، ولا مجنون.
وإن أخبر مُراهق، فيه وجهان عند المراوزة:
الأصح: يُقبل.
ولو أخبره أعمى، يقبل قوله.
ولو أخبره عدلٌ بطهارته، وعدلٌ بنجاسته: قال شيخنا الإمام إمام الأئمة: يُحكم بنجاسته؛ لأن عند من يخبر بالنجاسة زيادة علم.
[ ١ / ١٦٩ ]
وإذا اشتبه عليه إناءان؛ فأخبره عدل بنجاسة أحدهما بعينه، يأخذ بقوله. وإن أخبره عدلٌ [بنجاسة أحدهما] لا بعينه، له أن يجتهد. وإن أخبره عدل؛ بأن الكلب ولغ في هذا دون ذاك، وأخبره آخر؛ أن الكلب ولغ في ذاك دون هذا، يحكم بنجاستهما؛ لاحتمال أنه ولغ فيهما في وقتين.
وإن أضافا إلى وقت معين؛ بأن قال أحدهما: ولغ في هذا دون ذاك في وقت كذا، وقال الآخر: ولغ في ذاك دون هذا في ذلك الوقت.
قال الإمام إمام الأئمة: سبيله الاجتهاد؛ لأن النجاسة حقيقة في أحدهما لا بعينه.
فَصْلٌ في المَاء المُسْتَعْمَل
روي عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالًا أخذ وضوء
[ ١ / ١٧٠ ]
رسول الله - ﷺ-، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء؛ فمن أصاب منه شيئًا يمسح به، ومن لم يصب [منه شيئًا] أخذ من بلل يد صاحبه.
الماء المستعمل في الوضوء والغسل طاهرٌ غير مطهر، لا يزال به الحدث ولا الخبث، وليس بنجسٍ؛ لأنه ماء طاهرٌ لاقى محلًا طاهرًا؛ كما لو غسل به ثوبًا طاهرًا.
وقال الحسن، والزهري، والنخعي، ومالك: "هو مطهر، أما ما انفصل عن أعضاء المتوضئ في الغسلة الثانية والثالثة، وفي المضمضة والاستنشاق، وتجديد الوضوء، والمستعمل في غسل الجمعة والعيدين- مطهر على أصح الوجهين؛ لأنه لم يرفع حدثًا، ولا خبثًا؛ كالمنفصل في الغسلة الرابعة. وكما لو غسل به ثوبًا طاهرًا، أو استعمله للتبرد والتنظف - يكون مطهرًا، وكذلك لو غسل ثوبًا عن نجاسةٍ، وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثًا، والمنفصل في المرة الثانية، والثالثة مطهر على الأصح.
وفيما اغتسلت به الذمية من الحيض وجهان:
أحدهما: طهور؛ كالماء الذي توضأت به الكافرة.
والثاني: غير طهور؛ لأن غسلها صحيح؛ لغشيان الزوج، ووضوءها لا يصح.
قال الإمام إمام الأئمة: "وما توضأ به الصبي غير طهورٍ؛ لأنه يجوز أن يصلي [بذلك الوضوء] إذا بلغ".
ولا يحكم باستعمال الماء ما لم ينفصل عن محل الغسل، ولو جمع الماء المستعمل ح تى بلغ قلتين- عاد مطهرًا؛ على أصح الوجهين؛ كالمياه النجسة إذا جمعت حتى بلغت قلتين.
[ ١ / ١٧٢ ]
وقيل: لا يعود مطهرًا [لأن كل ماء طاهر] لا يجوز التطهر به عند القلة، فلا يجوز عند الكثرة؛ كماء الورد.
فأما الماء المستعمل في غسل النجاسة يكون حكمه حكم المحل بعد انفصال الماء عنه. وسيذكر إن شاء الله في فصل غسل النجاسات.
باب الأواني وتطهير النجاسات
روي عن ابن عباس؛ أن النبي - ﷺ- قال: "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" كل حيوان (لا تؤكل ميتته) ينجس بالموت، إلا الآدمي، [فإنه] لا ينجس بالموت؛ على أصح القولين.
وكل حيوان ينجس بالموت يطهر جلده بالدباغ؛ وهو ما سوى الكلب والخنزير؛ وهو قول عليِّ، وابن مسعود.
وأما الكلب والخنزير وما تولد منهما، أو من أحدهما- فلا يطهر جلدهما بالدباغ؛ لأن تأثير الدباغ في دفع نجاسته حصلت بالموت، والكلب والخنزير نجسان في حال الحياة؛
[ ١ / ١٧٣ ]
فلا يؤثر الدباغ في تطهير جلدهما.
وقال أبو حنيفة: "يطهر جلد الكلب بالدباغ.
وقال الأوزاعي، وابن المبارك، وأبو ثور: "لا يطهر إلا جلد ما يؤكل لحمه، ويروى ذلك عن عمر ﵁.
والدباغ إنما يحصل بما تدبغ به القرب من: القرظ والشب، أو ما يقوم مقامهما من: العفص وقشور الرمان، ونحوها من دواء فيه عفوصةٌ ينشف فضول الجلد، ويزيل ذهومته، ويحوله من طبع اللحوم إلى طبع الثياب؛ بحيث لا يفسد.
والتجفيف بالتراب والشمس لا يكون دباغًا؛ خلافًا لأبي حنيفة - ﵀ - حيث جعله دباغًا، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، حتى تجوز الصلاة عليه ومعه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة.
قالت سودة - ﵂ -: ماتت لنا شاةٌ، فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ
[ ١ / ١٧٤ ]
فيها حتى صار شنًا.
وما تناثر من الأدوية عن الجلد في الدباغ نجس، فإذا دبغ الجلد لا يجب غسله بالماء بعده؛ على أصح الوجهين؛ لأنه طهارة تحصل بالانقلاب؛ فلا يفتقر إلى الماء؛ كالخمر إذا تخللت.
ويحكم بطهارة ما تشرب الجلد من الأدوية؛ كالخمر إذا تخلل، يحكم بطهارة أجزاء الدن.
وقيل: يجب غسله بالماء بعد الدباغ.
ولو دبغ الجلد بدواء نجس، يندبغ، ويجب غسله بالماء؛ لأن نجاسة الدواء نجاسةٌ أجنبية لم تحصل من مجاورة الجلد؛ فلا تزول بانقلاب الجلد؛ كالخمر إذا وقعت فيها نجاسةٌ أجنبية، لا تطهر بالانقلاب.
ويجوز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ؛ لما روي أن النبي - ﷺ - مر بشاةٍ ميتةٍ لمولاة ميمونة فقال: "هلا أخذتم إهابها؛ فدبغتموه، فانتفعتم به". فقالوا: إنها ميتة. فقال ﵇: "إنما حرم أكلها".
[ ١ / ١٧٥ ]
ولا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ، ويجوز بعد الدباغ؛ على القول الجديد، وهو الأصح؛ لأنه جلد طاهر كجلد المذكاة.
وقال في القديم: "لا يجوز بيعه؛ لأن الأصل تحريم الميتة؛ غير أن الشرع أباح الانتفاع بجلدها بعد الدباغ، فلا تتعدى الإباحة منه، وهل يحل أكله بعد الدباغ؟
نظر: إن كان جلد ما لا يؤكل لحمه لا يحل؛ لأن الذكاة لا تبيحه، فلا يبيحه الدباغ. فإن كان جِلْد ما يؤكل لحمه، ففيه قولان:
أحدهما: يحل أكله؛ لأنه جلدٌ طاهر كجلد المذكاة.
والثاني قديمًا: لا يحل؛ لقوله - ﵇-: "إنما حرم أكلها".
ومن قال بالأول قال: أراد به أكل ما يؤكل جنسه؛ وهو اللحم.
فصلٌ
قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ الآية﴾ [يس: ٧٨، ٧٩].
الصوف، والشعر، والريش، والسن، والقرنُ، والعظم - فيها حياة تموت بموت الحيوان، وتنجس بنجاسة الأصل، ولا تطهر بالدباغ، حتى لو دبغ جلد ميته، وعليه شعرٌ يطهر الجلد، ولا يطهر الشعر. وهذا هو المذهب.
وحكى الربيع بن سليمان الجيزي [قولًا] أن الشعر يطهر تبعًا للجلد، وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه-: لا حياة في شيء من هذه الأشياء، ولا ينجس بموت الحيوان. والآية حجة عليه في العظم.
وقال مالك: "في العظم حياة، ولا حياة في الشعر".
وقيل: للشافعي - ﵁- قول مثله، فعلى هذا شعور جميع الحيوانات طاهرة في جميع الأحوال، إلا شعر الكلب والخنزير، وما تولد من أحدهما؛ فإنه نجس في عموم الأحوال.
[ ١ / ١٧٦ ]
فإن قلنا بالمذهب الصحيح: إن في الشعر حياةً؛ فشعور جميع الحيوانات طاهرة في حال حياتها.
كعينها إلا في الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما. فإذا انفصل شعر الحيوان عنه في حياته، أو انفصل ريش الطائر، نظر: إن كان غير مأكول اللحم؛ فهو نجس إلا شعر الآدمي فإنه طاهر في عموم الأحوال؛ لكرامته على ظاهر المذهب.
وقيل في نجاسة شعر الآدمي بعد الانفصال عنه: قولان؛ بناءً على نجاسة بدنه بالموت.
فإن قلنا بنجاسته، فإذا سقطت منه شعرةٌ أو شعرتان؛ فصلى فيها، أو سقطت في ماء وضوء يعفى عنها؛ لقلتها، وتعذر الاحتراز عنه، فإن كثرت لم يُعف عنه؛ كدم البرغوث.
والأول أصح: أن شعر الآدمي طاهرٌ؛ فإن النبي - ﷺ - لما حلق شعره، ناوله أبا طلحة؛ حتى قسمه بين أصحابه.
وحكى إبراهيم البلدي، عن المزني؛ أن الشافعي﵁ - رجع عن تنجيس شعر الآدمي.
[ ١ / ١٧٧ ]
قيل: رجع عن تنجيس شعر الآدمي خاصة؛ لكرامته؛ كما حكم بطهارة لبنه مع تحريم أكل لحمه.
وقيل: "رجع عن تنجيس جميع الشعور، سوى الكلب والخنزير؛ كما صح عنده أن لا حياة فيها.
فأما إذا انفصل عن حيوانٍ يؤكل لحمه شعره، أو ريشةٌ في حياته - فهو طاهر، سواء جُز، أو نتف، أو سقط - وإذا انفصل من الحيوان - سنه أو ظفره أو قرنه - يكون نجسًا؛ سواءً انفصل عما يؤكل لحمه، أو لا يؤكل، إلا من الآدمي؛ فإن حكمه إذا انفصل عن حكم ميته فأما ما يؤكل لحم ميتته؛ كالسمك والجراد، فإذا انفصل عظمٌ منه، أو جزء في حياته؛ فهو طاهر كميتته.
وإذا انقطع جناح طائر مأكول اللحم في حياته فما عليه من الشعر نجس (تبعًا لميته).
وعند أبي حنيفة - ﵀-: شعور جميع الحيوانات [وعظمها] طاهرة في جميع الأحوال إلا من الخنزير؛ فيقول: جزء من الميتة؛ فيكون في حكم الأصل كسائر الأجزاء، فإذا ذبح حيوان يؤكل لحمه؛ فشعره وعظمه وجلده بعد الذكاة طاهر؛ كلحمه، وما لا يؤكل لحمه فذكاته كمؤته.
وعند أبي حنيفة ومالك - رحمهما الله -: جلد ما لا يؤكل لحمه بعد الذكاة طاهر؛ كما بعد الدباغ؛ فيقول: الذكاة وضعت لإباحة اللحم، فإذا لم تفد هذه الذكاة إباحة اللحم، لا تفيد طهارة الجلد؛ كذكاة المجوسي.
فصلٌ في استعمال النجاسات
روي عن عبد الله بن عكيم قال: "أتانا كتاب رسول الله - ﷺ-: "ألا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ، ولا عصب".
[ ١ / ١٧٨ ]
قيل: الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ. وفي إسناد الحديث ضعفٌ.
واختلف نصوص الشافعي - ﵀ - في استعمال النجاسات: فقال هاهنا: ولا يدهن في عظم.
قيل: منع من استعمال الدهن في عظم الفيل؛ لأنه نجسٌ بملاقاةِ عظم الفيل.
[ ١ / ١٧٩ ]
وقال في الصلاة: "ولا يصل ما انكسر من عظمه، إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيًا".
وقال في موضع: "ولا تدهن السفن بشحوم الخنازير".
فهذه النصوص [تدل على] أنه لا يجوز استعمالها.
وقال في صلاة الخوف: "ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير؛ من جلد قردٍ، أو فيل".
وقال في موضع: "لو عجن بماء نجس، أطعم نواضحه وكلابه".
وقال: "ويزيل الأرض بالسماد".
وقال: "لا بأس أن يوقد بعظم الميتة".
وقال: "ويسجر التنور بالعذرة".
وهذه النصوص تدل على جواز استعمالها.
وقال في موضع: "ولا يحل أكل زيتٍ ماتت فيه فأرة. وفي استصباحه قولان.
فمن أصحابنا من جعل في استعمال النجاسات قولين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها محرمةٌ.
والثاني: يجوز؛ كما يجوز لبس ثوب أصابته نجاسة، والتحريم في الأكل.
والصحيح من المذهب التفصيلُ؛ وهو أنه لا يجوز استعمال شيءٍ منها في بدنه، ولا في ثياب بدنه. والحديث محمولٌ على هذه المواضع، إلا عند الضرورة؛ وهو أن يخاف على نفسه من حرٍ أو بردٍ، ولم يجد إلا جلد خنزيرٍ، أو ميتة فليلبسه؛ كما يأكل الميتة إذا خاف الهلاك من الجوع.
وأما استعمالها في غير بدنه من دوابه أو غيرها؛ نظر: إن كانت النجاسة مغلظةً، وهي نجاسة الكلب والخنزير- فلا يجوز.
وإن كانت مخففة يجوز. وعلى هذا التفصيل تخرج النصوص كلها.
وفي الاستصباح بالزيت النجس قولان:
أصحهما: يجوز؛ لأنه لا يستعمل في بدنه.
[ ١ / ١٨٠ ]
والثاني: لا يجوز؛ لأن السراج يقرب من الإنسان، فلا يؤمن أن يصيب بدنه أو ثيابه.
وإذا انكسر عظمٌ من عظامه؛ فجبره بعظمٍ طاهر - يجوز، ولو جبره بعظم نجس، ينزع إن كان لا يخاف هلاك نفسه، ولا تلف عضوه، وإن لحقه أذى. فإن لم ينزع أجبره السلطان على نزعه، سواء اكتسى اللحم، أو لم يكتس. فإن مات، لم ينزع؛ لأن التكليف سقط بالموت. هذا هو المذهب.
فإن كان يخاف من النزع تلف نفسه، أو عضوه- لا ينزع؛ لأن إبقاء الروح بالشيء النجس جائز؛ كما يباح أكل الميتة عند الضرورة.
وقيل: ينزع؛ لأنه حصل بفعله. والأول المذهب.
وكذلك يجوز أن يرقعه بعظمٍ نجسٍ، إذا لم يجد عظمًا طاهرًا، وخاف التلف. ولو داوى جرحه بدواءٍ نجس، أو فتح موضعًا من بدنه، وجعل فيه دمًا والتحم، أو خاط بخيطٍ نجس- فكالعظم يجب إخراجه.
وقال أبو حنيفة﵀-: "إن اكتسى العظم لحمًا، لا ينزع؛ كما لو شرب نجسًا، لا يكلف أن يتقيأ.
ومن أصحابنا من قال: يجب أن يتقيأ والمنصوص في صلاة الخوف أنه كالعظم.
وقيل: لا يجب؛ لأنه صار. [في معدن] النجاسة.
ولو وصلت المرأة شعرها بشعرٍ نجس، يقطع، ولا تصح صلاتها ما دام معها. ولو وصلت بشعر طاهر، تصح صلاتها فيه. وهل يجوز فعله أم لا؟
نظر: إن وصلت بشعرٍ آدمي، لا يجوز؛ لأن من كرامة الآدمي ألا ينتفع بشيءٍ منه بعد موته، بل يدفن؛ ولأنها إن وصلت بشعر رجلٍ، لا يجوز لها النظر إليه إن لم يكن محرمًا. وإن وصلت بشعر امرأة، لا يجوز لزوجها النظر إليه، وإن كان بشعر حيوان فلا يجوز لغير ذات الزوج، ولا لذات الزوج بغير إذن زوجها؛ لأن النبي - ﷺ- لعن الواصلة والمستوصلة؛ ولأنها بهذا الفعل تغر زوجها.
[ ١ / ١٨١ ]
وإن فعلت بإذن الزوج، فوجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لظاهر الحديث.
والثاني: يجوز؛ لأنه زينةٌ، والزينة جائزة لها؛ لاستمالة قلب الزوج، وكذلك تغمير الوجه، والخضاب بالسواد.
وتطريف الأصابع لا يجوز لها بغير إذن الزوج، وبإذنه وجهان عند إمام الأئمة، وعند شيخنا: الأصح لا يجوز.
أما الخضاب بالحناء فمستحبٌ لها.
فصلٌ في بيان النجاسات
روي عن عبد الله بن مسعود في الاستنجاء؛ أن النبي - ﷺ - أمره أن يأتي بثلاثة أحجارٍ قال: "فأتيته بحجرين وروثةٍ؛ فألقى الروثة وقال: "إنها ركسٌ".
بول جميع الحيوانات، ودمها، وروثها، وقيؤها نجس، وكذلك ذرق الطيور كلها؛ سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم.
[ ١ / ١٨٢ ]
وقيل: ما يؤكل ميتته كالسمك والجراد- فدمه، وبوله، وروثه طاهر؛ وهو قول أبي حنيفة ﵀. وليس بصحيح، بل الصحيح أنه نجسٌ. وكان شيخي القاضي الحسين المروزي﵀- يجعل في الدم يتحلبُ من الكبد والطحال وجهين؛ كدم السمك؛ لأنه يسيل من طاهرٍ.
[ ١ / ١٨٣ ]
وقال أحمد: "بول ما يؤكل لحمه، وروثه طاهر".
وقال أبو حنيفة: "ذرق الطيور طاهرٌ إلا من الدجاج؛ فإنه نجس؛ فنقول: طعام أحالته الطبيعة، فأشبه روث سائر الحيوانات.
والمذي والودي نجسان؛ كالبول، وكذلك القيح، والماء الذي يسيل من القروح [إن كانت له رائحة؛ فهو نجس، وإن لم يكن له رائحة؛ فهو طاهر؛ لرطوبة البدن.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: طاهر؛ كالعرق.
والثاني: نجس؛ لأنه يتحلل منه؛ فهو كالقيح].
وما يخرج من الجوف عند الولادة نجس.
وعين جميع الحيوانات، ولعابها، وعرقها- طاهر، إلا الكلب والخنزير، والمتولد منهما أو من أحدهما.
وميت جميع الحيوانات نجسٌ إلا ما يؤكل ميته؛ وهو السمك والجراد.
وفي الآدمي إذا مات قولان ظاهران:
أحدهما: نجس؛ لأنه ميتٌ لا يحل أكله؛ كسائر الميتات.
والثاني- وهو الأصح-: طاهر، ولو كان نجسًا لم يغسل.
ومني الآدمي طاهر؛ وهو قول عبد الله بن عباس؛ وبه قال عطاء. فإن بال أو أمذى، ثم أمنى قبل غسل ذكره، ينجس المني بملاقاة البول.
ومني المرأة طاهر في الأصل.
واختلفوا في بلل باطن فرج المرأة: فالصحيح أنه لا يحكم له بالنجاسة؛ كباطن قضيب الرجل.
[ ١ / ١٨٤ ]
وقيل: بلل باطن فرجها نجس، فعلى هذا إذا خرج منيها منها ينجس بملاقاته.
وقال مالك ﵀: "المني نجس يغسل: رطبًا كان، أو يابسًا. وحكى صاحب "التلخيص" [بنقله] قولًا عن الشافعي - ﵀- مثله؛ وهو قول سعيد بن المسيب؛ والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: "هو نجس؛ يغسل رطبه، ويفرك يابسه" ولو كان نجسًا، لكان لا يكتفي بالفرك، كسائر النجاسات.
ومني سائر الحيوانات نجسٌ، وإنما خص بطهارته بنو آدم؛ كرامة.
وقيل: مني ما سوى الكلب والخنزير- طاهر؛ كالعرق.
وقيل: مني ما يؤكل لحمه طاهر، وما لا يؤكل لحمه فمنيه نجس؛ كاللبن. وكل حيوانٍ يؤكل لحمه؛ فلبنه طاهر حلال، وما لا يؤكل لحمه؛ فلبنه نجس، إلا لبن الآدميات؛ فإنه طاهر؛ كرامة للآدمي.
وقال الاصطخري: "لبن ما لا يؤكل لحمه طاهر كعرقه.
ولو ماتت شاةٌ، وفي ضرعها لبنٌ- فهو نجسٌ، لأنه يلاقي بدنها النجس.
والإنفحة طاهرة إذا أُخرجت من السخلة بعد ذكاتها، فإن أخرجت بعد موتها فنجسةٌ.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: طاهر لبنها، والإنفحة كلاهما، وكل طائر يؤكل لحمه فبيضته طاهرة يحل أكلها، ويجب غسلها إن وقعت حالة الانفصال في مكان نجس، وإن وقعت في مكان طاهر، لا يجب على قول من يقول: "بلل باطن الفرح طاهرٌ".
[ ١ / ١٨٥ ]
وعلى قول من يقول: "بلل باطن الفرج نجس"- يجب غسله.
وكل طائرٍ لا يؤكل لحمه، فبيضته نجسة حرام.
ولو ماتت دجاجةٌ، فخرجت منها بيضةٌ؛ نظر: إن لم يكن قد تصلب قشرها؛ فهي نجسة لا تطهر بشيء، وإن تصلب قشرها؛ فوجهان:
أحدهما: أنها نجسة حرامٌ، ولا تطهر بشيءٍ؛ كما لو انفصل عضوٌ من أعضائها بعد الموت.
والثاني- وهو الأصح-: أنها حلالٌ؛ وبه قطع العراقيون؛ كما لو وقعت بيضة في شيء نجس تنجس بملاقاة النجاسة، فتطهر بالغسل. وإذا مذرت البيضة، فهي طاهرة؛ كاللحم يخنذ. وإذا أحضنت تحت الدجاجة، فصارت دمًا فهو نجس، وإذا صارت علقةً، أو المني إذا صار علقةً- فوجهان:
أحدهما: أنه نجس؛ لأنه دمٌ يخرج من الرحم؛ كدم الحيض.
والثاني: طاهر؛ لأنه دمٌ غير مسفوحٍ؛ فهو كالطحال، والكبد. والمشيمة نجسة، وهي الغشاء الذي يكون فيه الولد؛ فهي بمنزلة عضوٍ من الحي، والمدة نجسة.
وفي البلغم وجهان:
أصحهما: طاهر؛ كالنخامة؛ وبه قال أبو حنيفة ﵀.
والثاني: نجس كالمدة؛ وبه قال أبو يوسف.
والمسك طاهر؛ لأن النبيﷺ- كان يستعمله. وفي فأرته وجهان:
أحدهما: نجسة؛ كعضو منفصلٍ عن الحيوان.
والثاني- وهو المذهب-: أنها طاهرة؛ كبيضة ما يؤكل لحمه، والعسل ينفصل من النحل.
ولو أكلت الدابة شعيرًا؛ فراثته كذلك - فهو نجس- وهل يطهر بالغسل؟.
[ ١ / ١٨٦ ]
نظر: إن وصلت النداوة إلى باطنه؛ بحيث لو زرع لم ينبت لا يطهر، وإلا فيطهر؛ كما لو ابتلع نواةً؛ فخرجت منه؛ تطهر بالغسل، وكذلك لو خرج من فرجه دودٌ حيٌّ؛ فهو نجس للرطوبة التي عليه، فإذا غسل طهر. ولو نبت زرعٌ من سرقينٍ، أو ماء نجس- فهو نجس، فإن شقق، وخرج منه الحبةُ، يكون طاهرًا.
وكل شرابٍ أسكر كثيره، فهو نجس؛ كالخمر. ولا يطهر شيء من الأعيان النجسة بالانقلاب، إلا جلد الميتة إذا دُبغ، والخمر إذا تخللت بنفسها؛ يُحكم بطهارتها؛ سواء اتخذ العصير بنية الخل، أو بنية الخمر؛ فتخمر فتخلل، إلا أنه إذا اتخذه بنية الخمر كان عاصيًا؛ لقصده إلى المعصية.
وإذا اتخذه بنية الخل، فإذا تخمر، جاز له إمساكها إلى أن تتخلل. فإذا اتخذه بنية الخمر، فإذا تخمر، يجب إراقتها، فلو لم تُرق؛ فتخللت حلت.
ولو عالج الخمر؛ بأن طرح فيها شيئًا من خلٍّ أو ملح، أو شيء آخر؛ حتى تخللت فهي على نجاستها؛ كما لو كانت [كما لو خللها] بالعلاج كان حرامًا، ولا تطهر بعده بشيء.
وقال أبو حنيفة ﵀: "يجوز تخليل الخمر بالعلاج، وإذا خللت، حلت.
دليلنا: ما روي عن أنسٍ قال: "سئل رسول الله - ﷺ-: أيتخذ الخمر خلًا؟ قال: "لا". والنهي يدل على التحريم، ولتحريمه معنيان:
أحدهما: دخول صنعة الآدمي فيه بالاستعجال؛ كما لو استعجل موت قريبه؛ فقتله- لم يرثه.
[ ١ / ١٨٧ ]
والثاني: أن ما طرح فيه صار نجسًا بملاقاة الخمر؛ فهو فيها بعد التحلل ولا ضرورة بنا إلى تطهيره؛ بخلاف أجزاء الدن يحكم بطهارتها، إذا صارت الخمر خلًا؛ لأجل الضرورة؛ إذ لو لم يحكم بطهارتها، لم يوجد خل طاهر.
وفرع عليه القاضي شيخنا﵀- قال: "لو غلت الخمر؛ فعلت إلى رأس الدن، ثم عادت إلى أسفلها؛ فتخللت- كان طاهرًا.
ولو نقل الخمر من الظل إلى الشمس، أو فتح رأس الدن حتى تخللت، فوجهان:
أحدهما: لا تحل؛ لدخول صنعة الآدمي فيه.
والثاني: قال شيخنا إمام الأئمة- وهو الأصح-: "يحل؛ لأنه لم يخالطه شيءٌ.
ولو ألقى بصلًا أو ملحًا في عصيرٍ؛ فتخمر، ثم تخلل- هل يكون طاهرًا؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو الأصح-: لا؛ لأن ما ألقاه فيه نجس بملاقاة الخمر، ولا ضرورة إلى تطهيره.
والثاني: يطهر؛ لأنه حصل فيه قبل أن كان خمرًا؛ كأجزاء الدن.
وإذا وقعت في الملاحة نجاسةٌ، فصارت ملحًا- فهو نجس، وكذلك رماد السرقين.
وعند أبي حنيفة﵀-: طاهر.
ودخان الزيت النجس نجس، والسرقين نجس؛ على ظاهر المذهب؛ لأنها أجزاء تحللت منه؛ كالرماد.
وقيل: ليس بنجس؛ كالبخار الخارج من الكنيف والإصطبل.
ويجوز الاصطلاء بنار السرقين. وإذا طالت المدة على النجاسة؛ فصارت بطبع التراب- فهو نجس.
فصلٌ في إزالة النجاسات
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مراتٍ؛ أولاهن بالتراب، وأخراهن بالتراب".
[ ١ / ١٨٨ ]
النجاسات قسمان:
نجاسة الكلب والخنزير، ونجاسة غيرهما.
أما الكلب: إذا ولغ في إناءٍ فيه ماءٌ قليل، أو مائعٌ آخر؛ وإن كان كثيرًا- ينجس الإناء وما فيه؛ فعليه أن يريقه، ويغسل الإناء سبع مراتٍ؛ إحداهن [مكدرةً] بالتراب؛ [لأن مسح] الإناء بالتراب؛ سواء كان قد صُبَّ الماء على التراب، أو ألقي التراب في الماء، فكدره- فجائز. وكذلك لو أصاب شيءٌ، من بدن الكلب موضعًا رطبًا- يجب غسله سبعًا؛ إحداهن بالتراب.
والمتولد بين الكلب وغيره كالكلب.
وقال أبو حنيفة: "لا فرق بين الكلب، وسائر السباع، يغسل الإناء من ولوغه؛ كما يغسل من سائر النجاسات".
[ ١ / ١٩٠ ]
وقال مالك ﵀: "لا ينجس الماء بولوغ الكلب، ولكن يجب غسل الإناء سبعًا؛ تعبدًا.
أما الخنزير أو المتولد من الخنزير وغيره، إذا ولغ في ماءٍ قليل، أو أصاب شيءٌ من بدنه موضعًا رطبًا ينجس. وكم يغسل فيه؟ قولان:
أظهرهما- وهو القول الجديد-: يجب غسله سبعًا؛ إحداهن مع التراب؛ لأنه أسوأ حالًا من الكلب؛ لأن تحريمه بالنص، وتحريم الكلب بالاجتهاد؛ ولأنه لا يجوز اقتناؤه بحالٍ، ويجوز اقتناء الكلب عند الحاجة.
وقال في القديم- وهو قول عامة أهل العلم-: "لا يجب غسله إلا مرة واحدة، ولا يجب التعفير؛ كسائر النجاسات؛ بخلاف الكلب؛ لأنهم كانوا يقربون الكلاب من أنفسهم، وألفوها؛ فغلظ الأمر فيه؛ قطعًا لهم عن عادتهم، ولم يوجد هذا في الخنزير؛ فهو كالخمر لما كانت نجاسة مألوفة، غلظ الأمر في شربها؛ بإيجاب الحد، ولم يغلظ في شرب الدم والبول.
ولو أصاب دم الكلب، أو روثه موضعًا، فلم تزل العين [إلا] بعد غسلتين أو ثلاث غسلات- هل تحتسب تلك الغسلات من السبع؟
فيه وجهان:
أحدهما: تحسب حتى لو زالت العين في الغسلة السابعة؛ فقد طهر؛ كما في الاستنجاء، لو حصل النقاء بالحجر الثالث، لا يجب استعمال غيره.
والثاني: تحسب الغسلات التي زالت بها العين غسلة واحدة؛ فتجب بعد زوال العين ست غ سلات؛ كما أن أثر الولوغ يزول بغسلة واحدة، ويجب بعدها ست غسلات.
ولا يحصل التعفير بالتراب النجس، أما الأشنان والصابون والنخالة والجص؛ هل يقوم مقام التراب، سواء كان التراب موجودًا، أو لم يكن؟ فيه قولان [واختلفوا على وجهين:
أحدهما: أن القولين في حال عدم التراب، وأما عند وجود التراب؛ فلا يجوز بغيره؛ قولًا واحدًا.
[ ١ / ١٩١ ]
والثاني: أن القولين في الأحوال كلها؛ لأنه جعلها في أحد القولين؛ كالتيمم، وفي الآخر جعل كالاستنجاء والدباغ. وفي الأصلين جميعًا لا فرق بين وجود المنصوص عليه، وبين عدمه].
أحدهما: لا؛ لأنه طهارةٌ أُمر فيها بالتراب، فغيره لا يقوم مقامه كالتيمم.
والثاني: تقوم مقامه؛ لأنه طهارةٌ عن خبث بالجامد، كالاستنجاء يقوم غير الحجر مقامهُ؛ وكالدباغ القرظ، والشب فيه يقوم مقامه.
فإن قلنا: غير التراب يقوم مقامه، فلو غسله ثماني مرات بلا تراب فالغسلة الثامنة؛ هل تقوم مقام التراب؟
فيه وجهان:
أحدهما: تقوم مقامه، لأن الماء أبلغ في التنظيف.
والثاني - وهو الأصح -[عند المراوزة]: لا تقوم مقامه لأنه غلظ الأمر فيه بالجمع بين اثنين فلا يجوز الاختصار على أحدهما؛ كزنا البكر أمر فيه بالجمع بين الجلد والتغريب؛ فلا يجوز الاقتصار على أحدهما.
ولو طرح التراب في خلٍّ، أو ماء وردٍ؛ فعقر به الإناء [ثم غسله بالماء] هل يطهر؟ وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن الخل لا يطهر.
وقيل: يطهر؛ لأن المقصود من هذه الغسلة التراب لا الماء؛ ولو ولغ كلب في إناءٍ وقعت فيه نجاسةٌ أخرى، لا يجب إلا سبع مرات؛ إحداهن بالتراب؛ لأن غسل النجاسات تتداخل حتى لو غسل الإناء من الولوغ ثلاث مرات، ثم وقعت فيه نجاسة، لا يجب غسله بعد ذلك إلا أربعًا.
ولو ولغ كلبان في إناء، أو كلبٌ واحد مرارًا، لا يجب غسله أكثر من سبع مئات؛ لأن النجاسة لا تتضاعف بزيادة الولوغ.
[ ١ / ١٩٢ ]
ولو ولغ كلب [في إناء] ووضع ذلك الإناء في ماء كثير لا يطهر، إلا بأن يجري عليه سبع جرياتٍ، أو تحركه فيه سبع مرات، ويكرره.
وقيل: يطهر؛ لأن الإناء لو كان في هذا الماء حين ولغ الكلب فيه، لم يؤثر فيه الولوغ، فإذا وضع فيه يطهر، وليس بصحيح.
وفرع ابن الحداد على الأول قال: "لو ولغ الكلب في إناءٍ فيه ماء قليل، ثم كُوثِرَ ذلك الماء حتى بلغ قلتين؛ - فالماء طاهر، والإناء نجس. أما نجاسة غير الكلب والخنزير، فليس في غسلها عددٌ، ولا تعفيرٌ، بل إن كانت حكمية فصب عليها ماءً واحدًا؛ أي على جميعها، وعصر المحل- طهر، ويستحب أن يغسلها ثلاثًا.
وإن كانت [عيينة]؛ كالدم والروث- يحثها، ويقرضها، ثم يدلكها بالماء؛ فتطهر، وإن بقي أثرٌ لها؛ لما روي عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة سألت رسول الله - ﷺ - عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة فقال رسول الله - ﷺ-: حثيه، ثم اقرضيه [بالماء]، [ثم اغسليه بالماء]، ثم رشيه، وصلي فيه".
[ ١ / ١٩٣ ]
وسئلت عائشة﵂- عن الحائض؛ يصيب ثوبها الدم؟ قالت: "تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرةٍ.
[ ١ / ١٩٤ ]
وإن كانت النجاسة لها رائحة، فغسلها؛ فزال الأثر، وبقيت الرائحة، فهو نجسٌ، إن لم يكن لتلك النجاسة رائحةٌ ذكيةٌ، وإن كانت لها رائحة ذكيةٌ؛ مثل: [بول المبرسم] والخمر العتيق؛ ففيه قولان:
أحدهما: لا يطهر؛ حتى تزول الرائحة؛ لأن الرائحة صفتها لا تنفك عنها؛ كالطعم إذا بقي لا يحكم بطهارته.
والثاني- وهو الأصح عند المراوزة-: يطهر؛ لأن الرائحة لا تدل على النجاسة؛ كمن دخل بيت الخمور فعبقت الرائحة بثوبه لا يكون نجسًا بخلاف الطعم؛ فإنه لا يبقى إلا ببقاء العين، فإن كان اللون باقيًا مع الرائحة، فهو نجس على الصحيح من المذهب.
ولو صبغ ثوبًا [بصبغ] نجس، وخضب يده بحناءٍ نجس، فغسله، فزالت العين، وبقي اللون- فهو طاهر، وإذا أراد غسل النجاسة، يجب أن يورد الماء على المحل النجس؛ حتى يطهر، فإذا أورد المحل النجس على ماءٍ أقل من قلتين، ينجس الماء، ولا يطهر المحل؛ لأن الماء إذا ورد على المحل تكون القوة للوارد؛ ولهذا قال ﷺ؛ "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء؛ حتى يغسلها ثلاثًا".
[ ١ / ١٩٥ ]
فالنبي - ﷺ- منعه من إدخال اليد في الإناء، وأمره بصب الماء عليها، ثم إذا صب الماء على المحل النجس، فما دام الماء يتردد على المحل لا يحكم بنجاسته؛ لأنا لو حكمنا بنجاسته لم تكن إزالة النجاسة بماء أقل من قلتين.
فإذا انفصل عن المحل، نظر: إن انفصل متغيرًا فالماء والمحل نجسان، وإن انفصل غير متغير؛ نظر: إن كانت النجاسة باقية على المحل، فالمنفصل نجس، وغن كانت زائلة فالمنفصل طاهر غير مطهر؛ كالماء المستعمل في الوضوء؛ لأن البلل الباقي في المحل من بقية المنفصل، فلولا أن المنفصل طاهرٌ، لم يكن المحل طاهرًا.
وقال أبو القاسم الأنماطي: "المنفصل نجسٌ؛ وهو قول أبي حنيفة ﵀؛ فحكم الماء المنفصل عن المحل حكم المحل بعد انفصال ذلك الماء عنه؛ على المذهب الصحيح. وعلى قول أبي القاسم الأنماطي حكم الماء بعد الانفصال حكم المحل بعد ورود ذلك الماء عليه، وفائدته تظهر في غسالة ولوغ الكلب إذا أصاب موضعًا، كم يجب غسل ذلك الموضع؟
فعلى المذهب الصحيح: أنه إذا أصاب من الغسلة الأولى، يجب غسل ذلك الموضع ست مرات، وإن أصاب من الثانية فخمس مرات، ومن الثالثة أربع مرات، ومن الرابعة ثلاث مرات، ومن الخامسة مرتين، ومن السادسة مرة واحدة. وإن أصاب من السابعة، لا يجب غسل ذلك الموضع، وإن أصاب من غسلة التعفير، أو من غسله بعد التعفير- لا يجب تعفير ذلك الموضع.
وإن أصاب من غسله قبل التعفير، يجب تعفير ذلك الموضع؛ لأن تعفير محل الولوغ عليه باقٍ، وعلى قول الأنماطي حكم المنفصل حكم المحل قبل ورود ذلك الماء.
وإن أصاب من الغسلة الأولى، يجب [عليه] غسله سبع مرات، ومن الثانية ست
[ ١ / ١٩٩ ]
مرات، ومن الثالثة خمس مرات، ومن الرابعة أربع مرات، ومن الخامسة ثلاث مرات، ومن السادسة مرتين، ومن السابعة مرة واحدة.
وإن أصاب من غسلة التعفير، أو من غسله قبل التعفير- يجب تعفير ذلك الموضع.
وإن أصاب من غسله بعد التعفير، لا يجب تعفيره، ولو جمعت غسلات الولوغ، فإن بلغ قلتين، فهو طاهر على أصح الوجهين؛ كالمستعمل في الوضوء، وإن لم يبلغ [قلتين] فهو نجس وإذا أصاب موضعًا، فهو كما لو أصاب من الغسلة الأولى؛ لأن تلك الغسالة فيها.
وقيل: هي طاهرة؛ لأنها بمجموعها طهرت المحل؛ فكان كغسالةٍ انفصلت، ولا تعفير فيها؛ وليس بصحيح.
ولو صب على محل رطبٍ بالبول قدر منوين من الماء، فانفصل أكثر من منوين في الوزن غير متغير، أو كان في إناء قليل بول؛ فصب فيه من الماء ما غمره فيه وجهان:
أحدهما: هو نجس [وبه قطع القاضي في طريقته]؛ لأن زيادة الوزن أبلغ من تغير اللون.
وقيل؛ هو طاهر [وهو الأصح]؛ لأن الوارد عليه من الماء قد غلبه، فجعله كالمستهلك ولكن لا يكون مطهرًا لغسالةِ النجاسة، وكالماء الكثير إذا صُب منه كوب بولٍ، ولم يتغير، كان طاهرًا.
وإن حصل زيادة الوزن. قال الإمام إمام الأئمة: "والأول أصح، بخلاف الماء الكثير؛ لأن قوته قوة الغلبة، وقوة الغلبة تغلب زيادة الوزن، والقليل ليس له قوة الغلبة؛ بدليل أنه لو وقع فيه نجاسة يسيرةٌ، ولم يتغير ينجس، فلما لم يغلب قليل نجاسة لا أثر له، فأولى ألا يغلب ما له أثرٌ بزيادة الوزن.
ولو صب الماء على الثوب النجس فعصره، أو علقه حتى سال الماء منه، أو صُبَّ الماء في الإناء النجس فقلبه يطهر. ولو لم يعصره، بل تركه في الماء، ثم الهواء حتى جفَّ،
[ ١ / ٢٠٠ ]
أو صب الماء في الإناء النجس، فلم يقلبه، وتركه حتى جف- هل يحكم بطهارته؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحكم بطهارته؛ وهو الأصح عند العراقيين؛ كالأرض النجسة إذا صُبَّ [الماء] عليها، وتركت حتى جفت، حكم بطهارتها.
والثاني- وهو الأصح عند الإمام إمام أئمة-: لا يحكم بطهارته؛ حتى يدلك ويعصر؛ لأن عصر الثوب وقلب الإناء ممكن، بخلاف الأرض.
قال الإمام: "وهذا أصح؛ لأنا لو لم نشرط ذلك لم يكن بين بول الصبي الذي لم يطعم، وبين بول غيره فرقٌ؛ وقد فرق الشرع بينهما.
ولو بعّض محل النجاسة في الغسل، فغسل بعضه في دفعة، والبعض في دفعة- هل يطهر؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التلخيص": "لا يطهر؛ لأن الجزء المغسول الذي يلي غير المغسول ينجس؛ لمجاورته، ثم ينجس ما وراءه؛ لاتصاله به.
والوجه الثاني - وهو الأصح-: يطهر؛ لأن الثوب جامدٌ لا تتعدى فيه. النجاسة [إلى] الجزء [الذي] يلي النجاسة؛ كما قال النبي - ﷺ- في الفأرة تموت في السمن إن كان جامدًا: "ألقوها وما حولها" فلم يحكم إلا بنجاسة ما حولها.
[ ١ / ٢٠١ ]
وقيل: قول صاحب "التلخيص" فيما إذا كان يغسل الثوب في جفنةٍ فغسل نصفه، ثم أورد النصف الثاني على ذلك الماء - فلا يطهر؛ لأنه نجس بورود المحل النجس عليه.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ولو أصاب الأرض بولٌ، أو خمرٌ، أو نجاسة مائعة، فصب عليها من الماء [ما يغمرها؛ فيطهر. وهل يحكم بطهارته قبل أن تنشف الأرض من الماء؟] فيه وجهان:
ولا يشترط حفر الأرض.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: لا يطهر حتى تحفر الأرض إلى الموضع الذي وصلت النداوة إليه، وينقل التراب.
دليلنا: ما روي عن أبي هريرة؛ أن أعرابيًا بال في ناحية المسجد. فقال النبي - ﷺ-: "صبوا عليه ذنوبًا من ماء". ولم يأمر بنقل التراب، ولا تقدير لما يصب عليه من الماء إلا المكاثرة؛ وهي أن يكون الماء أكثر من البول حتى يغمره.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقيل: يصب عليه سبعة أمثاله.
ولو اختلط بالتراب مائعٌ نجسٌ، أو ضرب لبنٌ ببول؛ فصب عليه الماء حتى تخلل
[ ١ / ٢٠٤ ]
أجزاءه، طهر ظاهره وباطنه، ولا يطهر بالطبخ.
ولو صب الماء عليه بعد الطبخ، فإن كان رخوًا تخلل الماء أجزاءه، وطهر ظاهره وباطنه معه. وإن كان متحجرًا، لم يتخلل الماء أجزاءه، طهر ظاهره دون باطنه، [و] تجوز الصلاة عليه، ولا تجوز معه.
ولو اختلط بالتراب نجاسةٌ جامدة، فلا يطهر بصب الماء، ولو طبخ فلا تطهره نارٌ، ولا غسلٌ بعد الطبخ؛ [وقال أبو الحسن المرزبان: إذا صب عليه ماء، يطهر ظاهره؛ لأن ما فيه من النجاسة يحترق؛ ولهذا يتبعه موضعه. قالوا والأول هو المذهب]؛ لأن رماد السزقين متفرقٌ في أجزائه.
وإذا نجس الدهن، فلا يمكن تطهيره بحالٍ؛ لأنه ينجس كله بملاقاة النجاسة، ولا يتخلل الماء تضاعيفه؛ حتى يستخرج النجاسة.
وقيل: يمكن تطهيره بأن تجعل في إناء، ويصب عليها الماء، ويحرك بخشب، ثم يترك حتى تعلو الدهن، ويفتح أسفله حتى يخرج الماء. وليس بصحيح.
أما الزئبق إذا أصابته نجاسةٌ، ولم تنقطع؛ حتى صب عليها الماء يطهر؛ لأن النجاسة لم تدخل أجزاءه. وإن تقطع فهو بمنزلة الدهن، لا يمكن تطهيره؛ على ظاهر المذهب.
وبول جميع الحيوانات سواء في أنه لا يطهر منها إذا أصاب موضعًا إلا بالغسل، كسائر النجاسات، إلا بول الصبي الذي لم يطعم؛ فإنه يكتفي فيه بالرش، ولا نعني بالرش أن يرش عليه الماء حتى يبتل، ولا يسيل، بل ينضحه بالماء حتى يصل إلى جميعه فيغمره؛ بحيث لو عصر ينعصر؛ فيطهر، وإن لم يدلك ولم يعصر؛ لما روي عن أم قيس بنت محصن؛ أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام. فأجلسه رسول الله - ﷺ- في حجره، فبال على ثوبه؛ فدعا بماءٍ؛ فنضحه ولم يغسله.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وفي بول الصبية التي لم تطعم قولان:
أحدهما: يكتفي فيه برش الماء، كبول الصبي.
والثاني- وهو الأصح؛ وبه قطع العراقيون-: يجب غسله؛ لما روي عن لبابة بنت الحارث قالت: قال رسول الله - ﷺ-: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر".
[ ١ / ٢٠٦ ]
والفرق: أن طبع الأنثى أحر، فبولها ألصق بالمحل. وقال النخعي، والثوري، وأبو حنيفة: "يجب غسله؛ كبول غيره؛ وهو الاحتياط".
وبول الخنثى المشكل كبول الأنثى من أي آلةٍ خرج. وكل نجاسة تطهر بالغسل، فلا يطهرها غير الماء. هذا هو المذهب. وقال في "الإملاء" في الرضيع: "إذا أشرقت عليه
[ ١ / ٢٠٧ ]
الشمس فانمحقت [آخر] النجاسة عنه، جاز الاستنجاء به، فحكم بطهارة ظاهره وباطنه.
وقال في القديم: "إذا أصاب الأرض بولٌ، فجفت بالشمس، جازت الصلاة عليه. ولا يجوز التيمم به".
وهذا يدل على أنه يطهر بالشمس ظاهره، ولا يطهر باطنه. وخرج من هذا أن في الجديد: غير الماء لا يطهر؛ وهو المذهب.
وفي القديم: الشمس تطهر. ثم هل تطهر الظاهر والباطن، أم لا تطهر إلا الظاهر؟.
[فيه قولان]:
[ ١ / ٢٠٨ ]
قال أبو عبد الله الخضري: "إذا قلنا: الشمس تطهر، فالنار أولى؛ لأنها أقوى".
ولو ضرب لبن بماء نجس، وطبخ، يطهر على هذا التخريج. إن كانت الأرض رطبة لم يجز الصلاة عليها، ولا التيمم منها، وإن كانت يابسة، فقولان.
ولو أصاب أسفل خفه أو نعله نجاسةٌ جامدة؛ فدلكه بالأرض حتى ذهبت.
قال في القديم: "تجوز الصلاة فيه".
ولم يرد به أن الأرض تطهره، ولكنه [يكون] عضوًا كمحل الاستنجاء إذا مسحه بالحجر، والمذهب: هو قوله الجديد: إنه لا تجوز الصلاة في ذلك الخف ما لم يغسله بالماء؛ كما لو أصابته نجاسةٌ مائعةٌ، وكالثوب تصيبه النجاسة.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: يطهر بالمسح.
فصلٌ فيما يحرم من الأواني
وما لا يحرم
روي عن حذيفة، عن النبي - ﷺ-[أنه] قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها ولا تلبسوا الحرير والديباج؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة".
[ ١ / ٢٠٩ ]
الأواني المتخذة من الجلود الطاهرة، والأشياء الخسيسة؛ كالخشب، والخزف، والحديد، والرصاص، والنحاس، والصفر، والزجاج- يجوز استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها، وإن كثرت قيمتها بالصنعة؛ لأن جوهرها غير نفيسٍ.
وأما المتخذة من الجواهر النفيسة؛ نظر: إن كانت من ذهبٍ أو فضةٍ، يحرم استعمالها في الطهارة، والأكل، والشرب وغيرها.
وقال في القديم: "تكره" والأول أصح؛ لما روي عن أم سلمة؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
فلولا تحريمه لكان لا توعد عليه بالنار. ولو توضأ منها، يعصي الله تعالى، ويصح وضوؤه؛ لأن الطهارة تحصل بالماء، وهو طهورٌ.
وكذلك يحرم الأكل بملعقة الفضة، واستعمال ماء الورد من قارورة الفضة، والتبخر بمجمرة الفضة إذا قعد عليه.
[ ١ / ٢١٠ ]
أما إذا أتته الرائحة من بُعدٍ فلا حرج عليه. ويستوي في تحريمه الرجال والنساء، وإن كان يجوز للنساء لُبس حلي الذهب والفضة، ولا يجوز للرجال؛ كما أن افتراش الحرير والديباج حرام على الفريقين، وإن كان يجوز للنساء لبسها دون الرجال؛ لأن الجلوس عليها للخيلاء؛ وهو حرام، واللبس للزينة؛ وهي مباحة للنساء. وهل يحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يحرم؛ لأنه ليس فيه إلا حفظ المال وإحرازه؛ حتى لا يتفرق.
والثاني - وهو الأصح-: أنه يحرم؛ لأن ما لا يجوز استعماله يحرم اتخاذه؛ كالطنبور والمزمار. وفائدته: تظهر فيما لو استأجر أجيرًا لاتخاذه؛ هل يستحق الأجرة؟ ولو كسره [كاسر] هل يغرم الصنعة؟ إن قلنا: "يحرم اتخاذه"، لا أجرة للأجير، ولا غرم على
[ ١ / ٢١١ ]
الكاسر، وإن قلنا: "لا يحرم"؛ فالأجير يستحق الأجرة، والكاسر يغرم الصنعة.
أما الأواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة؛ مثل: الفيروزج والبلور، والمها ونحوها- هل يحرم استعمالها؟
فيه قولان؛ بناء على أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما، أو لمعنى فيهما؛ وهو الفخر والخيلاء؟ وفيه جوابان:
إن قلنا: "لعينهما"، فهاهنا لا يحرم.
وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم. والأصح: أنه لا يحرم، ويكره. وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهب أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟
إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم.
وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم.
وإن قلنا: "للفخر والخيلاء"، فهاهنا يحرم. والأصح: أنه لا يحرم، ويكره. وعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهبٍ أو فضةٍ، وموهه برصاصٍ، أو صفرٍ، حتى غطى الذهب والفضة- هل يحرم استعماله، أم لا؟
إن قلنا: "التحريم لعين الذهب والفضة" يحرم.
وإن قلنا: "للخيلاء"، فلا يحرم.
وعلى عكسه: لو اتخذ إناءً من حديدٍ، أو نحاسٍ، وموهه بذهبٍ أو فضةٍ.
إن قلنا: التحريم لعين الذهب [والفضة]- لا يحرم استعماله.
وإن قلنا: "للخيلاء"، يحرم.
أما الإناء المضبب بالذهب أو الفضة؛ نظر: إن كانت الضبة على فم الإناء؛ بحيث تمس فم الشارب- يحرم الشرب منه.
وإن كان على موضعٍ آخر، أو أراد استعماله في غير الشرب، على أي موضع كانت الضبة؛ نظر: إن كان قليلًا للحاجة؛ بأن كان قد تصدع فضببه لم تكره. وإن كان كثيرًا للزينة، يحرم استعماله.
وإن كان كثيرًا للحاجة، أو قليلًا للزينة- يكره، ولا يحرم.
وقيل: يحرم.
وحد الكثرة: أن يكون جزءٌ كامل منه من ذهبٍ أو فضة؛ عروته، أو شفته، أو أسفله.
قال الإمام: "وبه قطع العراقيون".
[ ١ / ٢١٢ ]
يحتمل أن يقال عن الذهب: لا يجوز؛ كما أن لُبس الخاتم من الفضة يجوز للرجال، وإن كان عليه شيءٌ من ذهبٍ لا يجوز.
ولو اتخذ لإنائه حلقةً أو سلسلةً من فضة أو رأسًا- يجوز؛ لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله.
وعند أبي حنيفة﵀-: لا بأس بالمضبب بالذهب والفضة، إذا لم يضع فاه عليه.
ويجوز الوضوء من أواني الكفار، والصلاة في ثيابهم ما لم [تعلم] نجاسته؛ سواء كان من الكفار الذين يتدينون استعمال النجاسات؛ كالمجوس، أو لا يتدينونه؛ لما روي: أن النبي - ﷺ- توضأ في مزاده مشركةٍ، وتوضأ عمر - ﵁- من ماء في جرة نصرانية. ويكره إذا كانوا من الكفار الذين يتدينون استعمال النجاسات، إلا بعد الغسل.
والصلاة في سراويلاتهم أشد كراهيةً؛ لأنها تجاور محل النجاسة.
ومن أصحابنا من قال: "إن كانوا من الذين يستعملون النجاسات [ديانة]، هل يجوز الوضوء من أوانيهم، والصلاة في ثيابهم؟ فيه قولان؛ لتعارض الأصل والظاهر:
أحدهما: يجوز؛ لأن أصل الماء والثوب على الطهارة.
والثاني: [لا] يجوز؛ لأن الظاهر من حالهم استعمال النجاسة.
[ ١ / ٢١٣ ]
وقال أحمد وإسحاق: "لا يجوز؛ لأن الظاهر من بعد الغسل على الإطلاق".
ويستحب تغطية الأواني، ولو أن يعرض عليه عودًا؛ لما روي عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: "أغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمروا الآنية، وأطفئوا السراج؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف إناءً. وإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم".
"باب السواك"
روي عن عائشة﵂-، وعن أبيها - أن رسول الله - ﷺ- قال: "السواك
[ ١ / ٢١٤ ]
مطهرة للفم، مرضاة للرب".
والسواك سنة مستحبة؛ وهي في حالتين أشد استحبابًا: عند القيام إلى الصلاة، وإن لم يكن الفم متغيرًا.
وعند تغير الفم بنومٍ، أو سكوتٍ، أو جوعٍ، أو أكل شيء مما يغير الفم، وإن لم يرد الصلاة.
وذكر العراقيون حالة ثالثة؛ وهي عند اصفرار الأسنان.
والسواك غير واجب؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ - قال: "لولا [أن]
[ ١ / ٢١٥ ]
أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
قال الشافعي﵁-: "ولو كان واجبًا لأمرهم به؛ شق أو لم يشق".
ويستحب للصائم قبل الزوال، ويكره بعد الزوال؛ لأن تغير الفم بعد الزوال من أثر الصوم؛ فيكره إزالته؛ لقول النبي - ﷺ-: "خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
[ ١ / ٢١٦ ]
وعند أبي حنيفة﵀-: يستحب في جميع النهار، ويستحب أن يستاك بخشب [حريف] له رائحة ذكية، ويكون وسطًا؛ لا يكون خشبًا يجرح اللثة، ولا لينًا لا يقلع الصفرة.
ولو لقت على أصبعه خرقةً خشنة [أو كانت خشنةً] فأمرها على أسنانه قام مقام السواك.
[ ١ / ٢١٧ ]
ويستحب: أن يستاك عرضًا [ولا يقوم]، ويمره على لثته وأسنانه، ولا بأس أن يستاك بسواك غيره.
ويستحب: قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة.
روي عن أبي هريرة، عن النبيﷺ- قال: "خمسٌ من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار".
وهذه الخصال سنة، والختان واجب في حق الرجاء والنساء جميعًا.
وقال أبو حنيفة ﵀: "سنة".
فنقول: أجمعنا على أن ستر العورة واجب، [و] يجوز كشف عورة المختون؛ لأجل الختان، ولولا وجوبه، لما جاز ترك الواجب لأجله.
وروي عن أنس قال: "وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة".
[ ١ / ٢١٨ ]
ويستحب ترجيل الشعر وتذهينه، ويرجل غبًا. ويكره نتف الشيب؛ لأنه روي عن النبي - ﷺ- أنه قال: "لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور المسلم".
ويستحب خضاب الشعر بالحناء، أو بالصفرة، ويكره السواد. روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ- قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم".
[ ١ / ٢١٩ ]
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أحسن ما غير به الشيب: الحناء والكتم".
ويستحب أن يكتحل وترًا؛ لما روي عن ابن عباس قال: "كان النبي -ﷺ- يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثًا في كل عين".
وروي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ- قال: "من اكتحل فليوتر، ومن لا فلا حرج". والله أعلم بالصواب.
"باب نية الوضوء"
روي عن عمر بن الخطاب﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: "إنما الأعمال
[ ١ / ٢٢٠ ]
بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى".
[ ١ / ٢٢١ ]
لا تصح الطهارة عند الحدث إلا بالنية، [و] يستوي فيه: الوضوء، والغسل، والتيمم.
وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة: "يصح الوضوء والغسل بلا نية" دليلنا بعد الخبر فنقول: طهارة عن حدثٍ؛ فتفتقر إلى النية؛ كالتيمم. أما إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية؛ لأن سبيلها سبيل ترك المهجور؛ كترك المعاصي لا يحتاج إلى النية. والوضوء عبادة. قال النبي ﷺ: "الوضوء شطر الإيمان".
[ ١ / ٢٢٤ ]
والعبادة تفتقر إلى النية؛ كالصلاة، والصوم، والحج.
قالوا: "النية في التيمم منصوصٌ عليها؛ وهي قوله ﷿: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
والتيمم القصد؛ بخلاف الوضوء.
قلنا: "النية غيرُ منصوص عليها في التيمم، وليس المراد من القصد ما ذكروا، بل المراد منه: القصد إلى الصعيد؛ لنقل التراب إلى الوجه واليدين؛ بدليل أنه أضاف القصد إلى الصعيد، والقصد إلى الصعيد يكون بالبدن، لا بالقلب. وإن سلمنا: ففي الوضوء أيضًا منصوصٌ عليها، لأنه تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦].
علق وجوب غسل الأعضاء بالقيام إلى الصلاة؛ فوجب أن يكون ذلك الغسل للصلاة؛ كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢، ٤]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٢٨]. ثم الواجب أن يجلد للزنا، ويقطع للسرقة. فإن جلد وقطع لغيرهما، لم يجز عنهما.
والنية تكون بالقلب في الطهارة، وجميع العبادات من الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج وغيرها، فلو لم يتلفظ بلسانه جاز، ولو تلفظ بلسانه، ولم ينو بقلبه- لم يجز. وينوي المحدث رفع الحدث، واستباحة الصلاة، وينوي الجنب رفع الجنابة، أو استباحة الصلاة. فلو نوى بوضوئه، أو غسله: أن يفعل فعلًا تجب له الطهارة؛ مثل: صلاة النافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر، أو الطواف، أو مس المصحف- صح وضوؤه، وغسله لجميع الصلوات؛ لأن هذه الأفعال لا تباح مع الحدث؛ فتتضمن نيتها رفع الحدث. وكذلك لو نوى الجنب بغسله الاعتكاف في المسجد، أو قراءة القرآن- يصح غسله.
ولو نوى فعلًا لا تندب له الطهارة؛ مثل: عيادة المريض، وزيارة الصديق، والأكل، والنوم أو التبرد والتنظف ونحوها- لا تصح طهارته.
ولو نوى فعلًا يستحب له الطهارة؛ مثل: الأذان، والتدريس أو المحدث نوى
[ ١ / ٢٢٥ ]
الاعتكاف في المسجد، أو قراءة القرآن، أو الجنب نوى بغسله العبور في المسجد- فيه وجهان:
أصحهما: لا تصح طهارته؛ لأن هذه الأعمال لا تباح مع الحدث، فنية فعلها لا ترفع الحدث.
والثاني: يصح؛ لأنه نوى ما يستحب له الطهارة، ولا يحصل الاستحباب إلا بارتفاع الحدث.
ولو نوى تجديد الوضوء، أو الجنب نوى غسل الجمعة والعيد- فقد قيل: فيه وجهان؛ كما لو نوى الأذان. وليس بصحيح بل لا تصح طهارته، بخلاف ما لو نوى الأذان والتدريس؛ لأن استحباب الطهارة هناك لأجل الحدث؛ فجاز أن تتضمن نيته رفع الحدث، وتجديد الوضوء.
والغسل من الجمعة والعيد مستحب [لا] لأجل الحدث والجنابة، فلا تتضمن نيته الخروج عن الحدث.
ولو نوت الحائض بغسلها تمكين الزوج من الوطء جاز للزوج وطؤها.
وهل يصح غسلها للصلاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنها نوت فعلًا يجب لها الغسل.
والثاني، وهو الأصح: لا يصح؛ لأن اغتسالها وقع لما ينقض الغسل؛ وهو الجماع؛ فلا يتضمن رفع الحدث. وصحته في حق الوطء لا يدل على جواز أداء الصلاة به؛ كالذمية اغتسلت من الحيض، جاز لزوجها غشيانها، وإذا أسلمت لا يجوز لها أن تصلي به.
ولو توضأ ثلاثًا ثلاثًا؛ فترك لُمعة في الغسلة الأولى، وانغسلت في الثانية أو الثالثة؛ وهو غير عالمٍ بها، ثم علم.
فقد قيل: هو كتجديد الوضوء؛ لأن اعتقاده أن الحدث قد ارتفع عن العضو بالغسلة الأولى؛ فالثانية لا تتضمن رفع الحدث.
وقيل: يصح؛ لأن الغسلة الثانية والثالثة يأتي بهما على حكم النية الأولى، وتلك النية نية صحيحة، مشتملة على الغسلات كلها؛ فجاز إكمال الفرض بكل غسلةٍ منها.
ولو توضأ رجل، فنسي مسح الرأس فيه، ثم جدد وضوءه فمسح فيه رأسه، أو اغتسل
[ ١ / ٢٢٦ ]
للجنابة؛ فترك لمعة، ثم اغتسل للجمعة، فغسلت تلك اللمعة- لا يتم به وضوؤه وغسله؛ لأنه لم يمسح، ولم يغسل اللمعة عن الفرض. هذا هو المذهب.
ولو نسي وضوءه الأول، أو غسله الأول؛ فأعادهما على أنه محدثٌ أو جنبٌ، ثم تذكر- تم وضوؤه وغسله؛ لأنه أتى به على اعتقاد الوجوب.
ولو نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها؛ نظر: إن لم ينف غيرها صح وضوؤه لجميع الصلوات، وإن نفى غيرها؛ بأن قال: أصلي به الظهر، ولا أصلي [به] غيره ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: تصح طهارته لجميع الصلوات؛ لأن الحدث إذا ارتفع في حق صلاة واحدة، يرتفع في حق جميعها.
والثاني: لا يصح أصلًا؛ لأنه غير مقتضاه؛ فصار كما لو لم ينو؛ وكما لو شرع في صلاة الظهر بنية أن يصلي ركعة واحدة لا يصح.
والثالث: يصح وضوؤه للصلاة التي عينها دون غيرها. وهذا ضعيف.
ولو أحدث أحداثًا كثيرة؛ فنوى رفع واحدٍ بعينه؛ نظر: إن لم ينف [رفع] غيره، يخرج عن جميعها، وإن نفى غيره؛ فقال: نويت رفع حدث البول دون غيره- فوجهان:
أحدهما: [لم] يرتفع جميعها.
والثاني: لا يصح وضوؤه أصلًا.
وتنوي المستحاضة وسلس البول بوضوئهما استباحة فرض الصلاة، فلا تصح طهارتهما بنية رفع الحدث؛ لأن الحدث متصل بهما لا يرتفع، وطهارتهما للنافلة كالتيمم للنافلة:
وينوي المتيمم استباحة فرض الصلاة، ولا يصح تيممه بنية رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ بدليل أن تيممه يبطل برؤية الماء.
وقال ابن شريجٍ: "يصح تيممه بنية رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق صلاة واحدة".
[ ١ / ٢٢٧ ]
والأول المذهب: أنه لا يصح إلا بنية استباحة الصلاة فإذا تيمم لاستباحة فرض الصلاة، لا يجب تعيين الفريضة؛ حتى لو تيمم لفريضةٍ بعينها، جاز له أن يصلي فريضة أخرى، دون ما عينها. وإذا تيمم لفريضة، جاز له أن يصلي بذلك التيمم السنن، وما شاء من النوافل قبل الفريضة وبعدها.
ولو تيمم لنافلةٍ، أو لحمل مصحفٍ، أو سجود تلاوةٍ، أو سجود شكرٍ، أو تيمم الجنب للاعتكاف، وقراءة القرآن- صح تيممه لما نوى.
وقيل: لا يصح.
وهل يجوز أداء الفريضة به؟
فيه قولان:
قال في الجديد - وهو المذهب-: "لا يجوز؛ لأن الفرض لا يكون تبعًا للنفل".
وقال في "الإملاء" وبه قال أبو حنيفة﵀-: "يجوز؛ كما لو توضأ لنافلة، جاز أداء الفرض به".
ولو تيمم لاستباحة الصلاة مطلقًا، فهو كالتيمم للنفل. ولو تيمم لصلاة جنازةٍ، يصح؛ وهو كالتيمم للفريضة؛ على أحد الوجهين؛ لأن صلاة الجنازة فريضةٌ.
وقيل: [هو] كالتيمم للنافلة؛ لأن صلاة الجنازة ليست بفرض عينٍ.
ولو تيمم لأداء صلاةٍ منذورةٍ، فهو كالتيمم للفريضة؛ لأن أداء المنذورة فريضة.
ولو تيممت الحائض، ونوت التمكين للزوج- ففي صحته وجهان: كما لو توضأت لهذه النية.
قال الإمام إمام الأئمة: "فإن جوزنا، فهو كالتيمم لصلاة النفل.
ولو نوى المتيمم فرض التيمم، أو فرض الطهارة.
قيل: يصح؛ كما لو نوى المتوضئ فرض الوضوء.
والأصح: أنه لا يصح؛ لأن التيمم لا يستقل بنفسه، إنما هو لاستباحة الصلاة، ولم توجد هذه النية.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ولو تيمم لفائتةٍ ظنها عليه؛ فبان أن لا فائتة عليه [لم يصح تيممه. وبمثله لو توضأ لفائتة ظنها عليه، ثم بان أن لا فائتة عليه- يصح وضوؤه. وكذلك لو ظن أن فائتة ظهر فتيمم له، ثم بان أنها عصر- لم يصح تيممه. وبمثله] يصح وضوؤه.
والفرق: أن نية استباحة الصلاة في التيمم لازمةٌ من غير تعين، فإذا عين وأخطأ لم يجز؛ كما لو عين الإمام في الصلاة، أو في صلاة الجنازة عين الميت، وأخطأ- لم تصح صلاته.
وفي الوضوء نية استباحة الصلاة [عين الصلاة] غير لازمة؛ لأنه يجوز أن يعدل عنها إلى نية رفع الحدث؛ فالخطأ فيه لا يضر؛ كالمصلي إذا عين اليوم، وأخطأ- تصح صلاته. وهذا بخلاف ما لو كانت عليه فائتتان؛ فتيمم لإحداهما، له أن يصلي به أخرى دون ما عينها؛ لأن ثم صح تيممه للتي عينها، وها هنا لم يصح تيممه لما عينها؛ لأنها لم تكن عليه.
ولو تيمم لأداء فرضين لم يصح تيممه؛ كما لو نوى أن يصلي الظهر خمس ركعات.
وقيل: يصح تيممه لواحدة منهما.
ولو تيمم لاستباحة الصلاة، واعتقاده أنه جنبٌ؛ فإذا هو محدثٌ، أو اعتقاده أنه محدثٌ؛ فإذا هو جنبٌ- لا يضر؛ لما ذكرنا أن ما لا تشترط نيته، فالخطأ فيه لا يضر.
ولو ظن المحدث أن حدثه بولٌ؛ فتوضأ بنية رفع حدث البول، ثم بان أن حدثه غائط أو نوم، أو الحائض ظنت أنها جنبٌ؛ فاغتسلت بنية رفع الجنابة، أو ظنت الجنب أنها حائضٌ فاغتسلت للحيض- يصح الوضوء والغسل؛ لأنه يعتقد ارتفاع الحدث عنه. فإن فعل عالمًا، فلا يصح؛ لأنه ينوي رفع ما لم يخله عالمًا؛ فيكون عبثًا، بخلاف ما لو كان جاهلًا؛ لأن الجاهل [يعتقد جواز] الصلاة به؛ فيصير كأنه نوى استباحة الصلاة.
وقيل: يصح، ويلغو التعيين.
ولو أن جنبًا ظن أنه محدثٌ؛ فاغتسل بنية رفع الحدث- ترتفع الجنابة عن وجهه، ويديه، ورجليه؛ لأنه غسلها على اعتقاد الوجوب، ولا ترتفع عن سائر الأعضاء.
ولو أن محدثًا ظن أنه جنبٌ؛ فاغتسل بنية رفع الجنابة؛ نظر: إن رتب أعضاء وضوئه - خرج عن الحدث، وغن لم يرتب فيه وجهان؛ بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن، أم لا؟ فيه وجهان:
[ ١ / ٢٢٩ ]
أحدهما: لا يحل إلا الأعضاء الأربعة؛ بدليل أنه لا يجب إلا غسلها.
والثاني: يحل جميع البدن؛ لأنه ليس بعض البدن أولى بأن يحله الحدث من البعض؛ غير أن الله - تعالى- خفف عن عباده؛ فرفع الحدث عنهم بغسل هذه الأعضاء الظاهرة؛ لما أن الحدث يتكرر في اليوم مرارًا، ويشق على الإنسان غسل جميع البدن، عند كل حدثٍ، بخلاف الجنابة؛ فإنها تقع في الأيام مرةً واحدة.
فإن قلنا: "يحل جميع البدن" يخرج عن الحدث؛ لأن الترتيب إنما يجب إذا اقتصر على غسل الأعضاء الأربعة، فإذا غسل جميع البدن، سقط عنه الترتيب؛ كما في الغسل.
فإن قلنا: "يحل الأعضاء الأربعة" لا يخرج عن الحدث.
[و] قال مالكٌ: "الخطأ في الحدث يمنع صحة الطهارة".
وقال ربيعة: "إن أخطأ من نوع إلى نوع، مثل: إن أخطأ من حدث البول إلى الغائط، أو من الحيض إلى الجنابة - تصح طهارته، وإن أخطأ من جنسٍ إلى جنسٍ؛ مثل: إن أخطأ من الحدث إلى الجنابة، أو [من] الجنابة إلى الحدث- لا يصح.
ووقت النية في حق المتوضئ عند غسل أول جزء من الوجه، ويستحب أن ينوي عند المضمضة والاستنشاق، وتستديم النية إلى أن يغسل جزءًا من الوجه. فلو نوى عند غسل الوجه، ولم ينو قبله- صح وضوؤه، ولا يحصل له ثواب المضمضة والاستنشاق.
ولو نوى عند المضمضة والاستنشاق، وعزبت نيته قبل غسل شيء من الوجه- ففيه وجهان:
[ ١ / ٢٣٠ ]
أحدهما- وهو الأصح-: لا يصح وضوؤه؛ لأن ما قبل غسل الوجه يصح الوضوء بدونه؛ فلا يكون محلًا للنية.
والثاني: يصح؛ لأنه نوى عند فعلٍ من أفعال الوضوء.
وقيل: إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شيءٌ من بشرة الوجه- صح وضوؤه، وإلا فلا. وهذا ضعيف؛ لأنه وإن انغسل بعض من وجهه في المضمضة والاستنشاق فلم يغسله عن الفرض؛ بدليل أنه لا يجوز الاقتصار عليه، بل يجب غسله ثانيًا عن الفرض.
ولو نوى عند غسل اليدين في الابتداء، ولم ينو عند المضمضة فقد قيل: فيه وجهان؛ كما لو نوى عند المضمضة، ثم عزبت نيته.
والمذهب: ألا يصح وضوؤه وجهًا واحدًا؛ لأن غسل اليدين في الابتداء ليس من السنن المختصة بالوضوء، إنما أمر به؛ خيفة أن تكون أصابتها نجاسةٌ؛ فهو كما لو نوى عند الاستنجاء، ولم ينو بعده- لا يصح وضوؤه، ولو نوى عند غسل الوجه، ثم عزبت نيته قبل أن يتم وضوءه لا يضر؛ لأنه يشق عليه ذكر النية إلى آخر العبادة، وكذلك في الصلاة والصوم.
وأما استدامة النية حكمًا شرط، وهو [أن] لا ينوي شيئًا آخر. فلو نوى عند غسل اليدين التبرد والتنظف؛ نظر: إن كان ذاكرًا للنية الأولى، يصح وضوؤه. وكذلك لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث مع التبرد والتنظف- يصح وضوؤه؛ لأن ما يحصل بدون النية، فضمه إلى النية لا يفسدها؛ كما لو صلى فريضة، وقصد مع أداء الفريضة التعليم، أو كبر في الصلاة، ونوى معه الإعلام- يصح.
ولو ترك النية الأولى، ونوى التبرد والتنظف عند غسل اليدين- لا يصح ما غسل بنية التبرد والتنظف، وعليه أن يعيد ذلك بعد تجديد النية.
ولو كان ناسيًا للنية الأولى- فهو كما لو رفضها- لا يصح ما غسل بنية التبرد والتنظف؛ على ظاهر المذهب.
وقيل: يصح وضوؤه؛ لأنه مستديمٌ للنية الأولى في حال النسيان؛ فلا يضر نية
[ ١ / ٢٣١ ]
التبرد والتنظف، وليس بصحيح؛ لنا نجعله مستديمًا للنية الأولى حكمًا إذا لم ينو شيئًا آخر. وعلى هذا لو غسل المتوضئ أعضاءه إلا الرجل، فسقط في النهر؛ فغسلت رجله؛ فإن كان ذاكرًا لنية الوضوء تم وضوؤه، وإن كان ناسيًا لم يصح غسل الرجل عند الوضوء؛ على ظاهر المذهب ولو كان على عضوٍ من أعضاء وضوئه نجاسةٌ- فلا يصح غسله عن الوضوء ما لم يغسل النجاسة، ولو نواها تزول النجاسة، ولا يحسب عن الوضوء.
قال إمام الأئمة ﵀: "ورأيت أنه يُحسب عنهما".
ولو فرق النية على أعضاء الوضوء؛ فنوى عند غسل كل عضو رفع الحدث عن ذلك العضو- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح وضوؤه؛ حتى ينوي في الابتداء رفع الحدث عن الجملة؛ كما لو فرق نية الصلاة على أفعالها.
والثاني: يصح. وهذا أصح؛ لأن تفريق أفعال الوضوء جائز، فجاز تفريق النية على أفعالها، بخلاف الصلاة؛ فإن تفريق أفعالها لا يجوز، فلا يجوز تفريق النية على أفعالها والله أعلم بالصواب.
باب سنة الوضوء
بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
إذا أراد الرجل أن يتوضأ؛ يبدأ فيسمى الله- تعالى-؛ لما روي عن سعيد بن زيدٍ عن رسول الله - ﷺ- أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه".
[ ١ / ٢٣٢ ]
والمراد [منه]: نفي الفضيلة لا نفي الجواز. والتسمية سنةٌ، لو تركها يصح وضوؤه.
وقال أحمد ﵀: "لا يصح".
وقال إسحاق: "إن تركها عمدًا لا يصح وضوؤه، ولو نسي التسمية في ابتداء الوضوء، سمى في أثنائه".
والسنة: أن يغسل يديه إلى الكوعين ثلاثًا في ابتداء الوضوء؛ سواء قام من النوم، أو لم يقم؛ غير أنه إن قام من النوم، يستحب ألا يغمس يديه في الإناء؛ حتى يغسلهما؛ لتوهم نجاسة أصابتهما، فلو غمس فيه قبل الغسل، ولم يعلم بها نجاسةً لم يضر الماء.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وإن لم يقم من النوم؛ فإن شاء غمس يديه في الإناء، وإن شاء صب عليهما [فغسلهما]؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده".
وقال الحسن: "يجب غسل اليدين في ابتداء الوضوء"؛ وهو قول إسحاق وقال أحمد: "إن قام من نوم الليل، يجب غسل اليدين، ثم بعد غسل اليدين يأخذ الماء بيمينه للمضمضة.
وقال في رواية المزني: "يغرف غرفة لفيه وأنفه". وقال في رواية البويطي: "يغرف غرفةً لفيه، وغرفة لأنفه".
فمعنى رواية البويطي: أنه يغرف غرفةً؛ فيتمضمض بها ثلاثًا، ثم يغرف غرفة أخرى؛ فيستنشق بها ثلاثًا. وهذا رواية علي﵁- عن رسول الله ﷺ.
واختلفوا في رواية المزني.
قيل: أراد به: يغرف غرفة واحدة؛ فيتمضمض بها ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا.
وقيل: أراد به: أنه يغرف غرفةً؛ فيتمضمض ويستنشق مرة، ثم يغرف غرفة أخرى؛ فيفعل مثل ذلك، ثم يغرف غرفة ثالثة كذلك وهذا رواية عبد الله بن زيد، عن رسول الله ﷺ. وهو الأصح.
والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل جميعًا.
وقال الحسن: "هما واجبان فيهما"؛ وهو قول ابن المبارك، وإسحاق.
وقال الثوري وأبو حنيفة: "واجبان في الغسل، سنتان في الوضوء" فنقيس الغسل على الوضوء؛ لأن غسل الوجه واجبٌ فيهما، والفم والأنف على الوجه.
[ ١ / ٢٣٧ ]
والمبالغة سنة في المضمضة والاستنشاق. إلا أن يكون صائمًا؛ فلا يبالغ، لما روي عن عاصم بن لقيط بن حبرة، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء.
قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا".
والمبالغة في المضمضة: أن يأخذ الماء بفمه، ويديره فيه، ويبلغه إلى أقصى الحنك، ثم يمجه.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وفي الاستنشاق: يأخذ الماء بأنفه، فيبلغه إلى خياشيمه، ويمتخط بشماله، ثم يأخذ الماء بيديه؛ فيغسل جميع وجهه ثلاثًا.
وحد الوجه: من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا. والبياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، ووتدا الأذن ليسا من الوجه؛ غير أنه لا يمكن تعميم الوجه بالغسل إلا بغسلهما، وموضع الصدغين من الرأس، والنزعتان من الرأس؛ وهو ما انحسر عنه الشعر من جانبي الرأس، ويستحب غسلهما. وفي موضع التربيع وجهان:
قال ابن شريج: "من الوجه".
وقال أبو إسحاق: "من الرأس".
فإن كان الرجل أصلع؛ بأن ذهب شعر مقدم رأسه؛ فموضع الصلع من الرأس. وإن كان أغم، بأن انحط منبت شعره إلى الجبهة، فما على الاستواء من الوجه وغيره فمنبت الشعر؛ لأن الاعتبار بغالب الأحوال.
وقيل: إن اتصل شعره بالحاجب، فما على الاستواء من الوجه، وإن لم يتصل فوجهه من منبت الشعر. وخمسه من الشعور على الوجه يجب غسل ظاهرها وباطنها في الوضوء والغسل، وإن كانت كثيفةً. ويجب غسل البشرة التي تحتها؛ وهي الحاجبان، وأهداف العينين والعذارُ، والشاربُ، والعنفقة، وكذلك حكم الشعر النابت على الخدين؛ لأن الغالب من هذه الشعور الخفة، وكثافتها نادرة. أما اللحية والعارض؛ نظر: إن كانت خفيفةً يجب غسل ظاهرها وباطنها.
وإن كانت كثيفة؛ وهو ألا ترى البشرة من تحتها- يجب إمرارُ الماء على ظاهرها، ولا يجب غسل باطنها في الوضوء، ويجب في الغسل؛ لأن مبنى الوضوء على التخفيف؛ لأنه يتكرر في اليوم مرارًا، ومبنى الغسل على الاستقصاء لأنه يجب في الأيام مرة؛ فلا يشق عليه [مرارًا] غسل باطنها في الأيام مرة.
وإن كان بعض لحيته خفيفًا، والبعض كثيفًا- يجب إيصال الماء إلى باطن الخفيف دون الكثيف.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وإذا نبتت لامرأةٍ لحيةٌ كثيفة، يجب إيصال الماء إلى باطنها؛ لأنه نادرٌ؛ كما إذا كثف شعر الذراع يجب إيصال الماء إلى ما تحته في غسل اليدين. والخنثى المشكل فيه كالمرأة.
وفي ما استرسل من اللحية عن حد الوجه، أو خرج من العارض نحو الأذنين- قولان:
أصحهما: أنه يجب إمرار الماء على ظاهرها؛ لأنه شعرٌ نابتٌ على الوجه؛ كشعر الخدين.
القول الثاني- وهو مذهب أبي حنيفة-: لا يجب؛ لأن الشعر النازل عن الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه؛ وكذلك النازل عن حد الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب الغسل.
ويستحب إدخال الماء في العين؛ نص عليه في "الأم"؛ لأن ابن عمر﵁- كان يفعله وليس بسنةٍ؛ لأن النبيﷺ- لم ينقل عنه [أنه] فعله، بخلاف المضمضة، والاستنشاق؛ لأن النبيﷺ- كان يفعلها؛ ولأن باطن الفم والأنف يتغير، وداخل العين لا يتغير.
وتخليل اللحية سنةٌ؛ لما روي عن أنس؛ أن رسول الله - ﷺ- كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماءٍ؛ فأدخله تحت حنكه، [فخلل به لحيته]. وقال: "هكذا أمرني ربي". ثم
[ ١ / ٢٤٠ ]
بعدها يفرغ من غسل الوجه، يجب عليه غسل اليدين مع المرفقين.
والسنة: أن يغسل يده اليمنى أولًا ثلاثًا، ثم اليسرى مثل ذلك، ويستحب أن يغسل ما فوق المرفق، ويمر يده إلى نصف العضد فما فوقه، وكذلك في غسل الرجلين إلى نصف الساق فما فوقه؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ- قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل".
وعن أبي حازم: قال: "كنت خلف أبي هريرة- وهو يتوضأ- فكان يمر يده حتى يبلغ إبطه. فقلت: "يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ قال: سمعت خليليﷺ- يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
وإن طالت أظافيره، وخرجت من رؤوس الأصابع- يجب غسلها قولًا واحدًا.
فإن كان الرجل أقطع اليدين من الكوع، أو من نصف الساعد- يجب عليه غسل ما فوقه [مع المرفقين]. وإن كان أقطعهما من فوق المرفقين، فغسل اليدين عنه ساقط، ويستحب أن يمس موضع القطع الماء؛ إطالة للغرة.
وإن كان أقطعهما من المرفق، بأن أبين المفصل- نقل المزني﵀-: أن لا
[ ١ / ٢٤٧ ]
فرض عليه فيهما. ونقل الربيع: أن عليه غسل ما بقي. فقد قيل: فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه غسل طرف عظم العضد؛ لأنه مغسولٌ في حال الصحة.
والثاني: لا يجب؛ وهو في حال الصحة مغسول تبعًا لا مقصودًا.
وقيل- وهو الأصح-: يجب عليه غسل طرف العضد قولًا واحدًا، وفي نقل المزني: "خلل [أو] أراد به: إذا كان مقطوع طرف عظم العضد، فلا فرض عليه فيه.
ولو انقطعت جلدةٌ من ساعده، وبقيت متدلية على الساعد مثل آية عليها يجب عليه غسلُ جميعها، وغسل ما ظهر من تحتها. وإن جاوز القطع المرفق، وبقيت متدلية على العضد- لا يجب غسل تلك الجلدة؛ لأنها صارت أصلًا في غير محل الفرض.
ولو انقطعت الجلدة من الساعد، فاتصل رأسها بالعضد؛ وهي متجافيةٌ- يجب أن يغسل من الجلدة ما في محاذاة المرفق والساعد؛ ظاهرًا وباطنًا، ولا يجب غسل ما فوق المرفق.
وإن اتصل ظاهر الجلدة بظاهر الساعد والعضد- لا يجب قلعها، بل يغسل ما ظهر منها إلى المرفق.
ولو تقطعت الجلدة من العضد، وبقيت متدلية على الساعد مثل آية عليها، لا يجب غسلها. وإن جاوز القطع المرفق، وبقيت متدلية على الساعد- يجب غسل جميع الجلدة [ظاهرها وباطنها]؛ لأنها صارت أصلًا [في محل الفرض].
ولو انقطعت الجلدة من العضد، فاتصل رأسها بالساعد؛ وبقيت متجافية- فيجب أن يغسل منها ما في محاذاة المرفق والساعد: ظاهرًا وباطنًا.
وإن اتصل ظاهرها بظاهر العضد والساعد [لا يجب قلعها، بل يجب] غسل ما ظهر منها إلى المرفق [ولا يجب غسل ما فوق المرفق] ولو غسل ظاهر الجلدة، ثم زالت الجلدة، يجب غسل ما ظهر من تحتها؛ بخلاف ما لو أمر الماء على ظاهر لحيته الكثيفة، ثم خلقت لحيته- لا يجب غسل ما ظهر من تحتها؛ لأن جواز غسل ظاهر الجلدة
[ ١ / ٢٤٨ ]
للضرورة، وقد زالت، وفي اللحية اكتفى بغسل ظاهرها لا لضرورة؛ لأن إيصال الماء إلى باطنها ممكن، بل لأنه الوجه المأثور بغسله، وقد أتى بما أمر به.
ثم بعد غسل اليدين، يجب عليه مسح الرأس، وحد الرأس: ما تشتمل عليه منابت الشعر المعتاد. وفرض المسح يسقط عنه بما ينطلق عليه اسم المسح، وغن كان قدر شعرة واحدة في أي موضع شاء من الرأس؛ سواء مسح بأصبع واحدة، أو بخشبٍ، أو بخرقةٍ، أو غيرها.
وقال صاحب "التلخيص": "يجب عليه أن يمسح بقدر ثلاث شعرات" وعند مالك: [يجب] مسح جميع الرأس.
وعند أبي حنيفة: يجب مسح ربع الرأس.
[قال إمام الأئمة]: "وجب ألا يسقط الفرض عنه، إذا مسح أقل من قدر الناصية؛ لأن ظاهر القرآن يوجب التعميم، والسنة خصته بقدر الناصية؛ وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة؛ أن النبي - ﷺ- مسح بناصيته، وعلى عمامته. ولم ينقل أنه - عليه
[ ١ / ٢٤٩ ]
السلام- مسح أقل من هذا. والروايات الصحيحة عن رسول اللهﷺ -[أنه] مسح برأسه مرةً واحدة؛ وهو قول أكثر أهل العلم. وحكاه أبو عيسى في "جامعه" عن الشافعي ﵀.
والمشهور من مذهب الشافعي: أن التكرار فيه مسنونٌ ثلاثًا بثلاث مياهٍ جددٍ؛ ويروى ذلك عن أنس؛ وهو قول عطاء.
[ ١ / ٢٥٢ ]
والسنة في المسح: أن يغمس يديه في الإناء، أو يصب الماء عليهما، ولا يمسك الماء بيديه، ثم يضعهما على مقدم رأسه ملصقًا طرف إحدى السبابتين بالأخرى، واضعًا إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه. ويحسب الذهاب والرد مرة واحدة؛ لأن بالذهاب تبتل بواطن شعور مقدم الرأس، وظواهر شعور مؤخره، وبالرد تبتل بواطن شعور المؤخر، وظواهر شعور المقدم. فإن كان أمعط وله ذؤابةٌ مسترسلةٌ؛ فلا فائدة في الرد، ولو رد لا يحسب مرة أخرى؛ لأن البلل صار في حكم المستعمل؛ لحصول مسح جميع الرأس.
ولو مسح رأسه، فيقوم مقام المسح؛ لأنه مسحٌ وزيادة. [وفيه وجه: أن الغسل لا يقوم مقام المسح] ولو وضع يده المبتلة على رأسه؛ ولم يحركها، أو قطر عليه قطرة ماء؛ ولم تسل- حصل المسح على الصحيح من المذهب.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال الشيخ القفال: "لا يحصل ما لم يحرك اليد، أو تسيل القطرة؛ لأنه مسٌّ. وليس بمسح".
ولو مسح على أصول شعره، ولم يصل البلل إلى البشرة - جاز. فإن مسح على شعر يزايل منبته؛ نظر: إن كان الموضع الممسوح من الشعر يخرج عن حد الرأس لو مد - لم يجز؛ كما لو مسح على الدؤابة المسترسلة. وإن كان [الممسوح] لا يخرج عن حد الرأس- فوجهان:
أصحهما: يجوز؛ لأنه غير خارج عن حد الرأس.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه زائل عن منبته؛ كالخارج عن حد الرأس.
وإن كان بعض رأسه محلوقًا، والبعض عليه شعرٌ- فهو بالخيار: إن شاء مسح على الشعر، وإن شاء على الموضع المحلوق.
ولو أدخل يده تحت شعره، ومسح على البشرة، ولم يمسح الشعر- يجوز، بخلاف ما لو أدخل يده تحت لحيته الكثة؛ فغسل بشرة الوجه، ولم يغسل ظاهر اللحية- لم يجز؛ لأنه مأمورٌ هناك بغسل الوجه، والوجه ما تقع به المواجهة، والمواجهة تقع بظاهر اللحية؛ فلم يجز ترك غسله.
ولو مسح على شعره، ثم حلقه، لا يجب إعادة المسح؛ كما لو توضأ، ثم قلَّم ظفره- لا يجب [عليه] غسل ما ظهر من تحته.
وإن كان على رأسه عمامةٌ، ولا يريد نزعها- يمسح بناصيته، ويستحب أن يمسح على العمامة؛ اقتداء بالنبي ﷺ.
ولو مسح على العمامة، ولم يمسح شيئًا من الرأس- لا يجوز.
وقال الأوزاعي، وأحمد: "يجوز إذا كان محنكًا؛ لحديث المغيرة. فيقال: "إنما سقط الفرض عنه بمسح الناصية، ولا بمسح العمامة.
ثم بعد مسح الرأس، السنة: أن يمسح أذنيه؛ ظاهرهما وباطنهما ثلاث مرات بثلاث مياه جددٍ؛ فيدير المسبحتين في باطنهما يفضي بهما إلى الصماخين، ويمر الإبهامين على
[ ١ / ٢٥٥ ]
ظاهرهما، فلو أمسك المسبحة وألإبهام عن مسح الرأس لمسح الأذنين- جاز.
وقال في رواية البويطي: "ويأخذ لصماخيه ماء على [حد مستوى] ماء الأذنين.
والأذنان ليستا من الوجه، ولا من الرأس.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه وجماعة: "هُما من الرأس؛ يمسحان بالبلل الفاضل عن مسح الرأس".
وقال الزهري: "هما من الوجه يغسلان معه".
وقال الشعبي: "باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس".
واحتج الشافعي﵁-: بأن البياض المستدير بالأذن لما لم يكن من ارأس مع قربه من الرأس، [واستوائهما في الخلقة؛ فالأذن مع بعدها من الرأس] واختلافهما في الخلقة أولى. وهذا صحيح إن لم يثبت فيه حديث.
ويستحب مسح العنق تبعًا للرأس والأذن؛ إطالة للغرة: ثم بعده يجب عليه غسلُ الرجلين مع الكعبين، والسنة: أن يغسل أولًا رجله اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك.
[ ١ / ٢٥٦ ]
والكعبان: هما [الكعبان] الناتئان من جانبي القدمين.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومسح الرجل لا يقوم مقام الغسل؛ لأن كل من روى وضوء رسول الله - ﷺ- ذكر أنه غسل رجليه.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وروي عن عبد الله بن عمرو؛ أن النبيﷺ- رأى قومًا، وأعقابهم تلوح؛ لم يمسها الماء. فقال رسول الله - ﷺ-: "ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".
[ ١ / ٢٦٥ ]
وكيفية غسلهما: أن ينصبهما، ثم يصب الماء عليهما بيمينه، ويدلكهما بيساره، ويجتهد في ذلك العقب؛ خصوصًا في الشتاء؛ فإن الماء يتجافى عنها لخشونتهما.
وتخليل الأصابع سنةٌ، إذا كان الماء يصل إليها من غير تخليلٍ؛ فإن كانت الأصابع ملتفة؛ لا يصل الماء إلى باطنها؛ إلا بالتخليل يجب التخليلُ، ويخلل بخنصر يده اليسرى من باطن القدم؛ فيبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى. وإن كانت على رجله شقوقٌ، يجب إيصال الماء إلى باطنها؛ فإن أذاب فيها شحمًا، أو عجينًا، أو خضبت بالحناء يجب إزالة عين الحناء، والعجين، والشحم؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى البشرة.
ولو كانت لرجل يدان أو رجلان في جانب واحد؛ نظر: إن كان يبطشُ بهما، ويمشي بهما- يجب غسلهما، وإن كان يبطش بإحداهما، فهي أصليةٌ يجب غسلها مع المرفق والكعب.
[ ١ / ٢٦٩ ]
أما الزائدة إن نبتت في محل الفرض: يجب غسلها؛ كالأصبع الزائدة، وإن نبتت فوق المرفق والكعب، يجب أن يغسل من الزائدة بقدر ما تحاذي المرفق والكعب الأصلية، دون ما فوقها حتى لو لم تصل الزائدة إلى المرفق والكعب الأصلية، لا يجب غسل شيء منها؛ [كسلعة] تكون على عضده.
قال الإمام [إمام الأئمة]: "إذا كانت الزائدة منبتها فوق الساعد والكعب، ولم يكن شيء منها متصلًا بمحل الفرض- لا يجب غسلها. وإن كانت في محاذاة الفرض متدلية؛ كالجلدة التي انقطعت من عضده؛ فبقيت متدلية، فإن اتصل شيءٌ منها بمحل الفرض، يجب غسل ما في محاذاة محل الفرض ويستحب أن يقول بعد الفراغ من الوضوء- ما روي عن عمر بن الخطاب﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ-: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين- فتحت له ثمانية أبواب [من] الجنة؛ يدخل من أيها شاء".
ويستحب: ألا يُنشف الأعضاء من بلل الوضوء والغسل؛ لما روي عن ميمونة قالت: "وضعت لرسول الله - ﷺ- غسلًا فاغتسل، فناولته ثوبًا، فلم يأخذه؛ فانطلق وهو ينفض يديه [أراد به: المسح لا النفض المنهي عنه].
[ ١ / ٢٧٠ ]
ولأنه أثر عبادة؛ فيستحب ألا يزيلها. فإن فعل لم يكره؛ لما روي عن معاذ بن جبلٍ قال: "رأيت رسول الله - ﷺ- إذا توضأ، مسح وجهه بطرف ثوبه".
ويستحب: ألا يستعين بغيره على وضوئه لغير ضرورة، فإن فعل لم يكره؛ لأن المغيرة بن شعبة صب الماء على النبي - ﷺ- حتى توضأ. فإن صب عليه إنسانٌ، يستحب أن يقوم على يساره؛ لأنه أمكن وأحسن في الأدب.
ولو فرق وضوءه، أو غسله؛ نظر: إن كان التفريق يسيرًا يجوز، وإن تفاحش؛ نظر: إن كان بعذرٍ؛ بأن نفد ماؤه؛ فطلب، أو خاف من شيء؛ فهرب- جاز- وإن كان بغير عذرٍ، فقولان:
في الجديد- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة﵀-: يجوز؛ كالتفريق اليسير، وكما لو كان بعذرٍ.
وفي القديم- وبه قال مالك-: لا يجوز؛ كما لو فرق أفعال الصلاة، لا تصح صلاته.
وحد التفريق المتفاحش: أن يجف العضو المغسول مع اعتدال الهواء، فإن تباطأ جفافه؛ لبرودة الهواء، أو تسارع إليه الجفاف؛ لحرارة الهواء- فلا عبرة به.
[ ١ / ٢٧١ ]
فإن جوزنا البناء، هل يجب تجديد النية عند البناء؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه يجب.
والترتيب في الوضوء واجبٌ؛ وهو أن يبدأ بغسل الوجه، ثم بعده يغسل يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه؛ كما ذكر الله تعالى. فلو توضأ وترك الترتيب عامًا أو ناسيًا، وصلى- لا تصح صلاته [كما لو ترك الترتيب في أفعال الصلاة- لا تصح صلاته].
وقال الثوري، وأبو حنيفة: "الترتيب سنةٌ؛ وهو قول أكثر أهل العلم [وإليه ميل إمام الأئمة]. ولو أنه غسل أعضاء وضوئه دفعة واحدة [لا] يصح وضوؤه [وقطع العراقيون؛ بأنه لا يجب إلا غسل الوجه]. ولو اغتسل المحدث بنية رفع الحدث، ولم يرتب أعضاء وضوئه- ففيه وجهان:
إن قلنا: الحدث يحل جميع البدن، يخرج عن الحدث.
وإن قلنا: يحل الأعضاء الأربعة لا يخرج عن الحدث؛ لترك الترتيب. وهو الأصح. فعلى هذا لو انغمس في ماء، وخرج من غير مكثٍ- فهو كما لو غسل الأعضاء دفعة واحدة، وإن مكث يسيرًا صح، لحصول غسلِ الأعضاء على الترتيب.
ولو أجنب رجل، ولم يحدث؛ بأن لف على قضيبه خرقة، وأولج في فرج امرأة [و] لم يمسها، أو احتلم قاعدًا، أو أنزل بالنظر- يجب عليه الغسل، ولا ترتيب عليه في غسل أعضاء الوضوء. فأما إذا كان جنبًا محدثًا؛ سواء تقدمت الجنابة على الحدث، أو تقدم الحدث، فهل يدخل الحدث في الجنابة؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: يدخل؛ حتى لا يجب غسل أعضاء الوضوء إلا مرةً واحدة؛ عن الجنابة والحدث جميعًا، ولا يجب عليه الترتيب؛ لأنهما حدثان ترادفا؛ فتداخلا؛ كالحيض مع الجنابة؛ وكما أن العمرة تدخل أعمالها في الحج في القران.
والوجه الثاني: لا يدخل حتى يجب غسل أعضاء الوضوء مرتين: مرة عن الحدث مرتبًا، ومرة عن الجنابة كيف شاء؛ لأن موجبها مختلف، فلا يتداخلان؛ كما أن حد الشرب لا يدخل في حد الزنا.
[ ١ / ٢٧٢ ]
والوجه الثالث: يدخل فيه الغسل [والترتيب]؛ فلا يجب غسل أعضاء الوضوء إلا مرةً واحدة، ويجب الترتيب؛ لأن الغسل في الطهارتين موجودٌ؛ فتتداخلان، [و] لا ترتيب عليه في الغسل؛ وهو فرضٌ في الوضوء؛ فلا يسقط.
[قال صاحب "التلخيص" ولا يجوز تثليث الوضوء عمدًا، إلا في هذه المسألة، وجوابه يخرج على ظاهر المذهب.
وحكى أبو حاتم القزويني وجهًا رابعًا: أنه يقتصر على الغسل؛ لأنه يحتاج أن ينوبهما؛ لأنهما عبادتان متجانستان: صغرى وكبرى؛ فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال، دون النية؛ كالحج والعمرة].
وعلى هذا فرع ابن الحداد: لو أن جنبًا غسل جميع بدنه إلا رجليه، ثم أحدث يجب عليه غسل الوجه، واليدين، و[مسح] الرأس مرتبًا. أما غسل الرجلين: فعلى الوجه الأول: لا يجب إلا مرة واحدة، إن شاء قدم [على] الأعضاء الثلاثة، وإن شاء أخر؛ لاجتماع الحدث والجنابة في الرجل؛ فسقط حكم الحدث.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وعلى الوجه الثاني: يجب غسل الرجلين مرتين؛ مرةً عند الحدث بعد الأعضاء الثلاثة، ومرةً عند الجنابة متى شاء.
وعلى الوجه الثالث: لا يجب غسلهما إلا مرةً واحدة بعد الأعضاء الثلاث.
وتقديم اليمنى على اليسرى في غسل اليد والرجل- سنةٌ في الوضوء، فلو قدم غسل اليسرى جاز لأن الله - تعالى- جمع بينهما في الذكر فقال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
وكذلك كل فعل مستحب؛ فالبداية فيه باليمين؛ كدخول المسجد يبدأ فيه بالرجل اليمنى [وإذا خرج يقدم اليسرى. وعكسه دخول الخلاء يبدأ فيه بالرجل اليسرى]، وإذا خرج يقدم اليمنى. وإذا سلم عن الصلاة يبدأ باليمين، وإذا لبس النعل، أو القميص، أو السراويل- يبدأ باليد اليمنى والرجل اليمنى، وفي النزع يبدأ باليسرى. والمصافحة باليمين، والاستنجاء باليسار. روي عن عائشة﵂- قالت: "كان النبي - ﷺ- يُحب التيامن ما استطاع؛ في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله".
[ ١ / ٢٧٤ ]
وفرائض الوضوء ستةٌ:
"النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح شيء من الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب".
وفي القديم: الموالاة فريضة؛ فتصير سبعًا.
والسنن ثلاثة عشر: التسمية، وغسل اليدين إلى الكوعين، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما، وتخليل اللحية، والبداية باليمنى في غسل اليد والرجل، وإطالة الغرة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، وتخليل الأصابع، وغسل كل عضوٍ مرتين أو ثلاثًا، والموالاة على قوله الجديد".
وبعضنا يجعل التسمية، وغسل اليدين في الابتداء، وتخليل الأصابع، والغسلة الثانية من الهيئات، ويجعلها دون السنن.
ويكره أن يزيد غسل الأعضاء على الثلاث؛ لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "جاء أعرابيٌّ إلى النبي - ﷺ- يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا. ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا؛ فقد أساء، وتعدى، وظلم".
وتجديد الوضوء مستحبٌ؛ وهو أن يكون على الطهارة؛ فيتوضأ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ-: "من توضأ على طهرٍ، كتبت له عشر حسناتٍ".
وإنما يستحب التجديد إذا كان قد صلى بالوضوء الأول صلاةً؛ فرضًا أو نفصلًا. فإن لم يكن قد صلى به، يكره التجديد؛ لأنه يصير كأنه زاد الوضوء على الثلاث. ولو نذر أن يتوضأ. قال القاضي حسين﵀-: "ينعقد، وعليه تجديد الوضوء بعدما صلى بالأول صلاة، فإن توضأ- وهو محدثٌ- لم يخرج عن نذره؛ لأنه واجب شرعًا وإن جدد الوضوء قبل أن يصلي بالأول- لم يخرج عن نذره. ولو نذر التيمم لا ينعقد؛ لأنه لا يجدد.
وقال بعض أصحابنا: "لا يلزم الوضوء بالنذر؛ لأنه غير مقصود في نفسه؛ كما لو نذر التيمم لا ينعقد".
فصلٌ فيما يمنع منه المحدث
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ* لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ الآية﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨، ٧٩].
وروي عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ- لعمرو بن حزمٍ: ألا يمس القرآن إلا طاهرٌ.
[ ١ / ٢٧٦ ]
لا يجوز للمحدث الصلاة، ولا الطواف، ويجوز له الاعتكاف، وقراءة القرآن. ولا يجوز سجود التلاوة، ولا يجوز له حمل المصحف، ولا مس ما هو منسوب إليه من جلد، أو غلاف [أو] صندوق هو فيه، أو خريطة هو فيها.
وقال الحكم، وحماد: "يجوز للمحدث والجنب حمله ومسه".
وقال أبو حنيفة: "يجوز مسه إلا الموضع المكتوب".
وإن كان المصحف في صندوقٍ من الثياب، أو في عدلٍ من الأمتعة يجوز للمحدث
[ ١ / ٢٧٧ ]
حمله. نص عليه [عند أصحابنا]؛ وبه قطع أصحابنا بـ"العراق"؛ لأنه لا يقصد حمل المصحف. وقيل لا يجوز؛ لأنه حامله.
ولو قرأ القرآن من مصحف بين يديه؛ من غير أن يمسه- يجوز. ولو قلب أوراقه بخشبة، أو كتب القرآن من غير أن يحمل المكتوب، أو يمسه- فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ [وبه قطع العراقيون]؛ لأنه لم يمسسه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن ما فعله منسوبٌ إليه، ولا يجوز حمل لوحٍ كتب عليه القرآن.
وعلى المعلم تكليف الصبيان الطهارة؛ لحمل المصحف واللوح، وكتبة القرآن، فإن لم يفعل أثم المعلم.
وقيل: يجوز للصبيان حملها محدثين؛ لأن طهارتهم ناقصة؛ فلا معنى لاشتراطها. ولو حمل المحدث كتابًا فيه آياتٌ متفرقةٌ من القرآن، أو كتب المحدث يجوز. ولو حمل تفسير القرآن؛ نظر: إن كان القرآن بغير خط التفسير- لا يجوز؛ لأن القرآن فيه مقصودٌ، وإن كان الكل بخط واحدٍ يجوز. ويجوز حمل ما نقش عليه آيةٌ من القرآن من درهمٍ، أو ثوبٍ، أو خشبةٍ.
ويكره تنقيش الجدر والثياب بالقرآن، وبأسماء الله تعالى. ولا يجوز كتبة القرآن بالنقش النجس. ولا تجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفر؛ لما روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
وأما إذا كتب إليهم كتابًا، وكتب فيه آيةً من القرآن يجوز؛ فإن النبي - ﷺ- كتب إلى
[ ١ / ٢٧٨ ]
هرقل كتابًا، وكتب فيه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الآية﴾ [آل عمران: ٦٤].
ويجوز تعليم الكافر القرآن إذا كان يرجو إسلامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
وقيل: لا يجوز؛ كما لا يجوز بيع المصحف [منه]؛ بخلاف الاستماع؛ لأن المستمع لا يتلقف ما يستخف به.
أما إذا رآه معاندًا، لا يجوز تعليمه بحال. وحيث جوزنا لا يجوز له حمل المصحف؛ لأنه غير طاهر.
فصلٌ فيما يمنع منه الجنب
روي عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ- قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن".
كل ما يحرم على المحدث يحرم على الجنب، وزيادة شيئين: وهما قراءة القرآن، والاعتكاف؛ فلا يجوز للجنب، ولا للحائض، ولا للنفساء أن تقرأ شيئًا من القرآن، وإن كان كلمةً.
وجوز أبو حنيفة﵀- أقل من آية.
وقال مالك: "يجوز للحائض قراءةُ القرآن؛ لأنه ربما يمتد زمان حيضها فتنسى القرآن".
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقيل: هذا قول الشافعي﵀ - في القديم.
أما إذا قال عند ابتداء أمر تبركا: "بسم الله"، أو عند الفراغ تيمنًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ١]، أو عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أو ركب دابة فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ولا يقصد قراءة القرآن- يجوز.
وكذلك لو تكلم بكلمة توافق نظم القرآن، أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة أو الإنجيل، أو ذكر الله - سبحانه- وسبح، أو صلى على النبيﷺ- فجائز.
[و] قالت عائشة﵂-: "كان النبي -ﷺ- يذكر الله على كل أحيانه".
ولا يجوز للجنب المكث في المسجد، ولا للحائض؛ لما روي عن عائشة﵂- عن رسول الله ﷺ: "إني لا أحل المسجد لحائضٍ، ولا جنبٍ".
[ ١ / ٢٨٠ ]
أما المرور في المسجد يجوز لهما، إذا كان للمسجد بابان؛ يدخل من واحد، ويخرج من آخر، وكانت الحائض قد شدت نفسها؛ بحيث لا يتلوث من دمها المسجد، أو كان بعد انقطاع دمها قبل العسر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣].
وقال أبو حنيفة﵀-: "لا يجوز المرور".
وقال أحمد، والمزني: "يجوز للجنب المكث في المسجد؛ لأن المشرك لما لم يمنع من دخول المسجد، فالمسلم الجنب أولى".
قلنا: المشرك إنما لا يمنع إذا لم نتحقق جنابته، فإن تحققنا، فوجهان:
أحدهما: يمنع؛ كما يمنع المسلم.
والثاني: لا يمنع؛ لأنه لا يعتقد تعظيم المسجد، فلا يؤاخذ بحرمته؛ بخلاف المسلم؛ كما أن المسلم يحد بشرب الخمر؛ لأنه يعتقد تحريمها، والكافر لا يحد.
ولو أجنب رجل والماء في المسجد- ليس له أن يدخل المسجد؛ فيغتسل فيه، بل إن كان معه إناء يتيمم، ويدخل المسجد؛ فيخرج الماء وإن لم يكن معه إناءٌ يصلي بالتيمم، ثم يعيد.
ولو احتلم في المسجد، خرج. فإن خاف على نفسه، أو على ماله، أقام فيه؛ للضرورة. فإن وجد ترابًا غير تراب المسجد، تيمم للإقامة. والله أعلم.
[ ١ / ٢٨١ ]
باب الاستطابة
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها لغائط، ولا بولٍ، وليستنتج بثلاثة أحجار.
ونهى عن الروث والرمة، وأن يستنجي الرجل بيمينه. وإذا أراد قضاء الحاجة، يضع ما كان معه من شيءٍ عليه اسم الله - ﷿-. وإن كان في صحراء، يذهب حتى لا يراه أحد؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي -ﷺ- كان إذا أراد البراز، انطلق حتى لا يراه أحدٌ. ويستتر بشيء من شجر، أو حائط؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ- قال: "من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثبًا من رملٍ فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم".
[ ١ / ٢٨٢ ]
ولا يرفع ذيله؛ حتى يدنو من الأرض؛ لما روي عن أنس قال: "كان النبيﷺ- إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض".
ويطلب لبوله مكانًا لينًا، فإن كان صلبًا، لينه بشجر أو غيره؛ حتى لا يرتد إليه البول؛ لما روي عن أبي موسى الأشعري، أن النبي - ﷺ- قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" يعني: ليطلب لبوله مكانًا. ولا يبول في مهاب الرياح ويبول قاعدًا؛ لما روي [عن] عمر [بن الخطاب ﵁] أن النبي - ﷺ- قال له: "لا تبل قائمًا". وهذا نهي تأديب، فإن كان به عذرٌ، أو كان المكان ضيقًا، فلا بأس به؛ لما روي
[ ١ / ٢٨٣ ]
عن حذيفة؛ أن النبي - ﷺ- أتى سباطة قومٍ، فبال قائمًا".
[ ١ / ٢٨٤ ]
ويحترز عن قضاء الحاجة في الطريق، وتحت الأشجار المثمرة، وحيث يستظل الناس؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ- قال: "اتقوا اللاعنين. قالوا: وما اللاعنان، يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم".
ولا يبول في المستحم؛ وهو موضع الوضوء والغسل؛ لما روي عن عبد الله بن
[ ١ / ٢٨٥ ]
مغفلٍ أن النبي - ﷺ- نهى أن يبول الرجل في مستحمه. وقال: "إن عامة الوسواس منه".
ولا يبول في جحرٍ؛ لما روي عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس؛ أن النبي - ﷺ- نهى أن يبال في الجحر. قيل لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال:
[ ١ / ٢٨٦ ]
إنها مساكن الجن.
وإن أراد دخول الخلاء قدم رجله اليسرى، وإذا خرج قدم اليمنى، وعند الدخول يقول ما روي عن أنس [قال]: "كان النبي -ﷺ- إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
وروي عن علي؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء- أن يقول: بسم الله".
[ ١ / ٢٨٧ ]
وإذا خرج يقول ما روي عن عائشة﵂- قالت: "كان النبي - ﷺ- إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" يعني: أسألك غفرانك.
وإذا قعد لقضاء الحاجة، يعتمد على رجله اليسرى؛ لأنه أيسر لقضاء الحاجة، ويستر رأسه، ولا يذكر الله بلسانه، ولا يكلم أحدًا، وإذا سلم عليه أحدٌ لا يرد [عليه] السلام، وإذا عطس لا يحمد؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - قال: "لا يخرج الرجلان يرضبان الغائط كاشفين [عن] عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك".
وروي عن ابن عمر قال: "مر رجلٌ على النبي -ﷺ- وهو يبول، فسلم عليه؛ فلم يرد عليه".
[ ١ / ٢٨٨ ]
ولا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها على قضاء الحاجة في الصحراء؛ لحديث أبي
[ ١ / ٢٨٩ ]
هريرة. ويجوز في البنيان؛ لما روي عن ابن عمر قال: "ارتقيت فوق بيت حفصة، فرأيت رسول الله - ﷺ- يقضي حاجته مستدبر القبلة، مستقبل الشام".
وقال الثوري، وأبو حنيفة: "لا يجوز الاستقبال، ولا الاستدبار؛ لا في الصحراء، ولا في البنيان".
والفرق بين الصحراء والبنيان [يعد الجيران] الصحراء، ولا تخلو عن مُصَلٍّ جني، أو إنسي، أو ملكٍ، فربما يقع بصر مثل على عورته، وأما الخشوش في الأبنية إنما تحضرها الشياطين، ولأن الأماكن تضيق في البنيان؛ فربما لا يمكنه تحريف كنيفه. ونعني بالبنيان: ما يكون مسقفًا، أو محوطًا يمكن تسقيفه.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وإن كان في بستانٍ، فقعد بقرب الجدار، جاز الاستقبال والاستدبار. وإن قعد بعيدًا لم يجز. ولو جعل في الصحراء بين يديه سترةً، وجلس قريبًا منها مستقبل القبلة- جاز. وينبغي أن تكون تلك السترة فوق سترة المصلي؛ بحيث تستر أسافل بدنه.
روي عن ابن عمر؛ أنه أناخ راحلته مستقبلًا القبلة، ثم جلس يبول إليها. فقيل له: أليس قد نهي عن هذا؟
قال: إنما نهي عن ذلك في الفضاء؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس.
ولا يستقبل بفرجه الشمس والقمر.
وإذا أحدث الرجل؛ نظر: إن كان حدثه نومًا، أو لمس امرأة، أو مس ذكرًا، أو خرجت منه ريح- فلا استنجاء عليه. وإن خرجت من أحد سبيليه عينٌ؛ نظر: إن كان ما يوجب الطهارة الكبرى؛ كالمني، أو [دم] الحيض، أو النفاس- فيجب به الغسل، ولا يغنيه الاستنجاء. وإن كان مما يوجب الطهارة الصغرى؛ نظر: إن كان معتادًا؛ مثل: الغائط والبول- يجب عليه الاستنجاء؛ قلت النجاسة، أو كثرت؛ إما بالماء، [أو بالحجر]. ويجوز الاقتصار على أحدهما، والماء أولى؛ لأنه يزيل العين والأثر جميعًا، والحجر لا يزيل الأثر. ولو جمع بينهما؛ فاستعمل الحجر أولًا، ثم غسل بالماء- كان أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨].
نزل في شأن أهل "قباء"؛ كانوا يتبعون الماء الحجر.
وقال أبو حنيفة ﵀: "لا معنى للاستنجاء بالحجر وجوبًا، بل إن كانت النجاسة
[ ١ / ٢٩١ ]
قدر درهم بغلي وأقل- كان عفوًا، ولا استنجاء عليه، وإن كانت أكثر؛ فيجب الغسل بالماء.
وإذا استنجى بالماء؛ يصب الماء بيمينه، ويدلك المحل بشماله، فإذا فرغ يستحب أن يمسح بشماله الأرض، ثم يغسلها؛ لما روي عن أبي هريرة قال: "كان النبيﷺ- إذا أتى الخلاء أتيته بماءٍ في [تورٍ أو ركوةٍ]؛ فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر؛ فتوضأ.
وفي الاستنجاء يبدأ بغسل قبله؛ كما في مسح الرأس؛ يبدأ بمقدم رأسه. وإن خرج من أحد فرجيه غير المعتاد من دمٍ، أو قيحٍ، أو مذي- يجب عليه الاستنجاء. وهل يجوز أن يقتصر على الحجر، أم لا؟
فيه قولان [ظاهران]:
أصحهما: يجوز؛ كما لو خرج المعتاد.
[ ١ / ٢٩٢ ]
والثاني: لا يجوز ما لم يغسله بالماء؛ لأنه الأصل وجوب غسل النجاسات؛ غير أنه جوز الاقتصار على الحجر في المعتاد؛ لأنه يكثر ويتكرر، وخروج غير المعتاد يقع نادرًا.
ولو خرج منه حصاةٌ، أو نواةٌ، أو خرج المعتاد يابسًا، ولم يتلوث المحل؛ هل يجب الاستنجاء؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب؛ كما لو خرجت منه ريحٌ.
والثاني: يجب تعبدًا؛ كما لو حصل النقاء بحجرٍ واحد، يجب استعمال حجرين آخرين؛ تعبدًا. [قال القفال إذا استعمل الثالث وزالت النجاسة بالحجر، لا يجوز؛ لأنه أدى به للفرض]؛ فعلى هذا هل يجوز أن يقتصر على الحجر في خروج الحصاة والنواة؟ فيه قولان؛ لأنه غير معتادٍ.
ولو انسد المخرج المعتاد، وانفتح على بطنه مخرجٌ؛ يخرج منه الغائط والبول- نظر: إن انفتح دون المعدة، ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه؛ لأن الإنسان لابد له من مخرج حدثٍ. وهل يجوز الاقتصار على الحجر؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ لأن الخارج معتادٌ.
والثاني: لا يجوز، بل يجب الغسل بالماء؛ وهو الأصح؛ لأن الخرج غير معتادٍ.
وإن انفتح فوق المعدة؛ هل ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه، [أو تقيأ خلاله]؟
فيه قولان:
أحدهما: بلى. كما لو كان دون المعدة.
والثاني: لا ينتقض؛ لأن الوضوء إنما ينتقض بما أحالته المعدة، ثم انحط منها إلى المخرج.
وإن لم ينسد [المخرج] المعتاد، وانفتحت على بطنه ثقبةٌ يخرج منها المعتاد؛ فإن كانت فوق المعدة لا ينتقض الوضوء منه، وإن كانت دون المعدة فقولان:
فحيث قلنا: ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه، هل ينتقض بخروج غير المعتاد منه، وبخروج الريح، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما ينتقض؛ لأن كل مخرجٍ ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه- ينتقض
[ ١ / ٢٩٣ ]
بخروج غير المعتاد منه؛ قياسًا على المخرج المعتاد.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينتقض؛ لأنا نجعله كمحل الحدث في المعتاد خاصة، لضرورة أن الحيوان لا بد له من محلٌ حدثٍ، ولا ضرورة في غير المعتاد.
وكذلك هل يجب الوضوء بمس تلك الثقبة؟ وهل يجب الغسل بالإيلاج فيها؟
فعلى وجهين:
الأصح: لا يجب؛ كما لا يجب الحد بالإيلاج فيها، ولا يجب سترها عن الأبصار؛ فحيث قلنا: لا ينتقض الوضوء؛ فيجب غسل ذلك المحل بالماء. وإن قلنا: ينتقض الوضوء؛ فهل يجوز أن يقتصر على الحجر؟ نظر: إن كان الخارج غير معتاد لا يجوز؛ لأن الخارج والمخرج جميعًا غير معتادٍ. وإن كان الخارج معتادًا، فقولان:
إن اعتبرنا الخارج يجوز، وإن اعتبرنا المخرج لا يجوز، بل يجب الغسل بالماء.
وإذا بال أو تغوط، يجوز له الاقتصار على الحجر، وإن عدا المخرج، إذا لم يتفاحش، فإن تفاحش لا يجوز. هذا هو المذهب.
وفيه قولٌ آخر: إذا عدا المخرج لا يجوز.
وفيه قول ثالث: يجوز ما لم يخرج إلى ظاهر الأليتين. وعلى هذا القول يجوز في البول ما لم يجاوز الحشفة.
والأول أصح.
والمرأة في الاستنجاء من الخلاء كالرجل في البول، يجوز لها الاقتصار على الحجر، إن كانت بكرًا. وإن كانت ثيبًا، فالغالب أنها إذا بالت تعدى البول إلى أسفل فرجها، فإن تحقق ذلك وجب الغسل بالماء، وإلا فيجوز الاقتصار على الحجر [والخنثى المشكل إذا خرج البول من أحد عضويه، فيجب عليه الغسل بالماء، ولا يجوز الاقتصار بالحجر] لاحتمال أن العضو الذي يمسحه بالحجر عضوٌ زائد.
وإذا خرجت النجاسة من غير الفرج يجب الغسل بالماء، فلو تغوط فقبل أن يستنجي بالماء قام حتى انضمت أليتاه- وجب الغسل بالماء؛ لتحول النجاسة عن المكان الذي لاقته عند الخروج، وكذلك لو لم يستنج حتى جف المحل وجب الغسل؛ لأن الحجر لا يقلع النجاسة بعد الجفاف.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ويجب في الاستنجاء استعمال الحجر؛ حتى يحصل النقاء؛ وهو ألا يبقى إلا أثر لاصق، لا يزيله إلا الماء. ثم إن حصل ذلك بحجر، أو بحجرين- يجب إكمال الثالث؛ لقوله ﵇: "وليستنج بثلاثة أحجار". وإن لم يحصل النقاء بثلاثة أحجارٍ، يجب أن يزيد، ثم إذا حصل النقاء بعد الثالث بشفع، يستحب أن يزيد واحدًا؛ حتى يختم بالوتر، وإن لم يزد جاز؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ- قال: "من استجمر فليوتر، ومن لا فلا حرج".
وقال مالك: "إذا حصل النقاء بأقل من ثلاثة أحجار- لا يجب إكمال الثالث؛ لهذا الحديث" [وعندنا هذا] فيما بعد الثالث؛ بدليل قوله ﵇: "وليستنج بثلاثة أحجار".
ولو استنجى بحجرٍ كبير في ثلاثة مواضع- كان كثلاثة أحجار.
واختلفوا في كيفية الاستنجاء بالحجر:
فقال أبو إسحاق: "يأخذ حجرًا؛ فيضعه على مقدم صفحته اليمنى، ويديره إلى مؤخرها، ثم يأخذ الثاني؛ فيضعه على مقدم صفحته اليسرى، ويديره إلى مؤخرها، ثم يأخذ الثالث؛ فيمسح به المسربة".
وقال ابن أبي هريرة: "إذا فعل هكذا لا يكون ماسحًا جميع المحل بثلاثة أحجار، بل يأخذ حجرًا؛ فيضعه على مقدم صفحته اليمنى على مكان طاهر، ويديره إلى مؤخر تلك الصفحة، ومن مؤخر صفحته اليسرى إلى مقدمها، ثم يأخذ الثاني؛ فيضعه على مقدم صفحته اليسرى، ويديره إلى مؤخرها؛ ومن مؤخر اليمنى إلى مقدمها، ويمر بالثالث على الصفحتين والمسربة".
وقيل: "يأخذ حجرًا؛ فيضعه على مقدم المسربة، ويديره إلى مؤخرها، ويضع الثاني على مؤخرها، ويديره إلى مقدمها، ويحلق بالثالث".
[ولم ينقل العراقيون إلا الوجهين الأولين] وهذا كله بيان السنة. فلو استنجى بثلاثة أحجارٍ كيف شاء؛ بحيث لا تنتشر، وحصل النقاء- جاز.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وإنما قلنا: "يضع الحجر على مكانٍ طاهر"؛ لأنه إذا وضعه على محل النجاسة نشرها، ولم يجز بعده إلا الغسل بالماء".
وإنما قلنا: "يدير الحجر"؛ حتى يرفع كل جزء طاهر من الحجر جزءًا من النجاسة فلو جرفه انتقلت النجاسة من محل إلى محل؛ فيجب بعده الغسل بالماء.
ويستنجي بشماله؛ لما روي عن عائشة - ﵂- قالت: "كانت يد رسول الله - ﷺ- اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى".
فلو استنجى بيمينه، كان مكروهًا، وسقط الفرض عنه؛ لأن الاستنجاء يحصل بالحجر؛ وهو صالحٌ للاستنجاء به.
وإذا بال، يجب أن يستبرئ بعده؛ وهو أن يمكث بعد البول ساعة، ويمشي خطوات، ويتنحنح، ويمر أصبعه على العرق الذي تحت أنثييه، ويجر ذكره بشماله؛ حتى يخرج ما فيه من بقية البول، ثم يمر ذكره على حجرٍ، أو ارض، أو جدارٍ في ثلاثة مواضع بشماله، فإن لم يجد إلا حجرًا صغيرًا أخذه بين عقبيه، فإن لم يمكنه أخذه بيمينه ويمر عليه قضيبه بشماله؛ بحيث لا يحرك يمينه؛ حتى لا يكون مستنجيًا بيمينه فلو أمر القضيب على مكانٍ واحد مرتين يجب الغسل بالماء؛ لأن بعض ما زايله من النجاسة في المسحة الأولى يعود إليه في الثانية.
فصلٌ فيما يجوز به الاستنجاء
قال النبي -ﷺ-: "وليستنج بثلاثة أحجار" ونهى عن الروث والرمة. والاستنجاء لا يختص بالحجر؛ لأن النبي - ﷺ- لما نهى عن الروث والرمة دل ذلك على أن الحكم غير مقصورٍ على الحجر، بل يجوز بكل جامدٍ طاهرٍ قالعٍ غير محترم؛ كالمدر والخرف والخشب وغيرها. ولا يجوز بمائع غير الماء، ولا بشيء رطب، ولا بشيء نجس؛ كالرجيع، وعظم الميتة ونحوها. فلو استنجى بشيء منها لا يسقط الفرض عنه، ويجب الغسل بالماء؛ لأنه حدثت هناك نجاسةٌ أجنبية، ولا يجوز أن يستنجي بحجر قد استنجى به مرةً، إلا أن يغسل بالماء ويجفف.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ولو استنجى بالحجر الثاني والثالث، ولم يتعلق به شيءٌ من لوث- جاز الاستنجاء به. ولو استنجى بشيء أملس من زجاجٍ، أو قصبٍ، أو حديدٍ أملس- لا يسقط الفرض عنه؛ لأنه لا يقلع النجاسة، ويجب الغسل بالماء؛ لأنه ينشر النجاسة.
ولو استنجى بمحترمٍ من مطعومٍ، أو ورق مصحفٍ، أو عضوٍ من أعضاء حيوانٍ يعصي الله تعالى، وهل يسقط الفرض عنه؟
إذا كان قالعًا فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه معصيةٌ.
والثاني: يسقط؛ لأنه قلع النجاسة.
فإن قلنا: لا يسقط، فلو استنجى بعده بالحجر يجوز؛ لأنه لم ينشر النجاسة ولم يزدها.
ولو استنجى بشيء مأكول ما في جوفه؛ كالجوز واللوز ونحوه- يكره، ويسقط الفرض عنه. فإن زايله القشر؛ فاستنجى بقشره- لم يكره.
ولو استنجى بعظمٍ ذكي طاهرٍ، يعصي الله تعالى؛ لأنه مطعومٌ؛ روي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ: "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن".
ثم إن كان العظم عليه زهومةٌ لا يسقط الفرض عنه، ويجب الغسل بالماء لأنه لا يقلع النجاسة، بل ينشرها.
وإن كان قالعًا، فوجهان.
ولو استنجى بجلد طاهرٍ، فيه ثلاثة أقوال:
قال في رواية عن حرملة: "لا يجوز؛ لأنه في معنى الرمة".
وقال في رواية البويطي: "يجوز؛ لأنه طاهرٌ قالعٌ؛ كالحجر".
وقال في "الأم"- وهو الأصح-: "إن كان مدبوغًا يجوز؛ سواء كان جلد ذكي، أو جلد ميتةٍ؛ لأنه تحول بالدباغ عن طبع اللحم إلى طبع الثياب. وإن كان جلد ذكي لم
[ ١ / ٢٩٧ ]
يدبغ- لا يجوز؛ لأنه طعام؛ فإن الشاة قد تسمط؛ فيؤكل جلدها، فإن كان عليه شعرٌ يحول بين النجاسة والجلد، فاستنجى بالوجه الذي عليه الشعر- يجوز مع الكراهية".
ويجوز الاستنجاء بالقابس والفحم الصلب.
وقال في رواية البويطي: "ولا يستنجى بعظمٍ ولا حممةٍ، وقد جاء ذلك في الحديث".
قيل: أراد بالحمم': العظم المحترق.
وقيل: أراد بها: الفحم الرخو الذي يتناثر إذا أصابه غمزٌ فلا يقلع النجاسة، وأما التراب: فقد نص على أن الاستنجاء به؛ لأنه يلتصق بالمحل؛ فلا يقلع النجاسة.
وقيل: يجوز؛ لأن ما يلتصق بالمحل في المرة الأولى يتناثر في الثانية.
ولو بال أو تغوط ثم توضأ قبل الاستنجاء- يصح وضوؤه. ولو تيمم قبل الاستنجاء، ففيه قولان:
أحدهما: [يصح] تيممه؛ كالوضوء.
والثاني- وهو الأصح-: لا يصح تيممه، بخلاف الوضوء؛ لأن الوضوء يراد لرفع الحدث؛ فجاز أن يرفع الحدث، وثم مانعٌ عن الصلاة؛ ولذلك جاز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت. والتيمم يراد للصلاة؛ ولذلك جاز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت. والتيمم يراد للصلاة؛ ولذلك لا يجوز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت.
وإذا تيمم قبل الاستنجاء، لا يعقبه استباحة فلم يجز.
ولو تيمم وعلى بدنه نجاسةٌ في غير محل الاستنجاء- هل يصح تيممه؟
[ ١ / ٢٩٨ ]
فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ كما لو كان على محل الاستنجاء.
والثاني: يصح- وهو الأصح-؛ لأن النجاسة على البدن لا تزال إلا بالماء؛ وهو عادمٌ للماء، فلو لم يصح تيممه امتنع عليه أداء الصلاة، وفي محل الاستنجاء يمكنه أن يستنجي بالحجر، ثم يتيمم؛ حتى لو كان معه ما يكفي لإزالة النجاسة؛ فتيمم قبل غسلها- لم يصح تيممه؛ لإمكان إزالتها قبل التيمم.
وقال الشيخ أبو زيد: "التيمم قبل الاستنجاء صحيحٌ، ثم إن طلب الماء للاستنجاء، بطل تيممه، وغن استنجى بحجرٍ، ولم يطلب الماء لا يبطل تيممه.
باب الحدث
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ [أو] أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا الآية﴾ [النساء: ٤٣].
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة من أحدث؛ حتى يتوضأ".
[ ١ / ٢٩٩ ]
نواقض الوضوء أربعةٌ:
- خروج الخارج من أحد السبيلين.
- والغلبة على العقل.
- ولمس الرجل المرأة.
- ومس الفرج ببطن الكف.
فإن خرج من أحد فرجيه شيء؛ معتادًا كان أو غير معتادٍ؛ عينًا أو ريحًا؛ خرجت من الدبر أو من القبل- ينتقض وضوؤه؛ حتى لو أدخل في [إحليله] قطنةً؛ فخرج قليل منها- أينتقض وضوؤه؟ وبالإدخال لا يبطل.
وقال ربيعة: "خروج غير المعتاد لا ينقض الوضوء"؛ وبه قال مالك، إلا في دم الاستحاضة.
وقال أبو حنيفة ﵀: "خروج الريح من القُبل لا ينقض الوضوء، وإذا زال عقله بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو مرضٍ، أو سكرٍ- ينتقض وضوؤه، قل ذلك أو كثر؛ على أي حالٍ كان".
وقيل: "قل من يغمى عليه إلا وينزل، فإن تيقن الإنزال وجب الغسل، وإن لم يتيقن يستحب أن يغتسل، ولا يجب".
وأما النوم: فأوائله؛ وهو النعاس لا توجب الوضوء، فإن تمكن من النوم ينتقض وضوؤه، قل ذلك أم كثر؛ سواء كان في الصلاة، أو خارج الصلاة؛ على أي حال كان؛ قائمًا أو ساجدًا، إلا أن ينام قاعدًا متمكنًا بمقعدته من الأرض، فلا ينتقض وضوؤه؛ على ظاهر المذهب؛ سواء كان مستندًا، أو لم يكن؛ لأن النوم لا ينقض الوضوء بعينه، ولكن تسترخي به المفاصل، فيتيسر خروج الخارج منه، وهو لا يشعر، فنومه على هذه الصفة كان حدثًا، وإذا نام قاعدًا، فلا يخرج منه شيء إلا هو يشعر به؛ فلم ينتقض الوضوء.
وقال في رواية البويطي؛ وهو اختيار المزي: "إنه ينتقض وضوؤه" وجعل النوم حدثًا
[ ١ / ٣٠٠ ]
على أي حال كان؛ لما روي عن علي﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ-: "وكاء السه العينان؛ فمن نام فليتوضأ". وهذا على ظاهر المذهب محمولٌ على غ ير حال القعود؛ لما روي عن أنسٍ قال: "كان أصحاب رسول الله - ﷺ- ينتظرون العشاء؛ فينامون قعودًا؛ حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضوؤن. فلو نام قاعدًا فسقط؛ نظر: إن انتبه قبل أن زالت مقعدته- لم ينتقض وضوؤه وغن لم ينتبه حتى زالت مقعدته- ينتقض وضوؤه".
وقال مالك: "قليل النوم لا ينقض الوضوء".
[ ١ / ٣٠١ ]
وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المبارك: "إذا نام على هيئةٍ من هيئات الصلاة- لا ينتقض وضوؤه، وإن لم يكن في الصلاة؛ حتى يستلقي أو يضطجع".
وللشافعي﵀- قول في القديم: "أن من نام في الصلاة، لا ينتقض وضوؤه".
فصلٌ في الملامسة
قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
قال عبد الله بن عمر: "قبلة الرجل امرأته، وجسها بيديه من الملامسة" فمن قبل امرأته، أو جسها بيديه؛ فعليه الوضوء. وإذا لمس الرجل امرأته، أو أمته، أو أجنبية؛ وهو أن تصيب بشرته بشرتها، ولا حائل بينهما- ينتقض وضوؤه بأي عضوٍ؛ لمس بشهوة أو غير شهوةٍ؛ عمدًا أو سهوًا؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود.
وكذلك إذا لمسته المرأة، ينتقض وضوؤها؛ وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومالك.
وفي الملموس قولان:
أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ لأنهما يشتركان في ابتغاء اللذة؛ كما أنهما يستويان في وجوب الغسل عليهما بالجماع".
وقال في رواية حرملة: "لا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الفعل من اللامس دونه".
وقال الحسن: "لا ينتقض وضوؤه باللمس"؛ وهو قول ابن عباس.
وقال أبو حنيفة: "لا ينتقض إلا أن يتجردا، ويتعانقا، وينشر لها".
وقال مالك: "إن لمس بشهوة ينتقض، وإن كان وراء حائلٍ، وإن كان بغير شهوةٍ لا ينتقض".
وعندنا: وراء الحائل لا ينقض الوضوء؛ سواء كان الحائل رقيقًا، أو صفيقًا. ولو لمس شعر امرأة، أو ظفرها، أو سنها- لا ينتقض الوضوء؛ لأن لا يلتذ بلمس الشعر والسن والظفر، إنما يلتذ بالنظر إليها.
[ ١ / ٣٠٢ ]
ولو لمس امرأة من محارمه؛ بنسبٍ، أو رضاع، أو صهرته- فقولان:
أصحهما: لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الله - تعالى- سلب الشهوة عن قلوب الرجال على محارمهم؛ فهو كما لو لمس رجل رجلًا، أو امرأةٌ امرأةً.
والثاني: ينتقض؛ لظاهر القرآن.
فإن قلنا: بالأول، فلا ينتقض، وإن كان شهوةٌ؛ كما لو لمس رجلٌ رجلًا بشهوة.
ولو لمس صغيرةً أجنبية لا تشتهى، فعلى هذين القولين. ولو لمس صغيرةً من محارمه، ترتب على الكبيرة: إن قلنا ثم: لا ينتقض وضوؤه، فها هنا أولى وإلا فوجهان.
والمذهب أنه لا ينتقض؛ لأنه اجتمع فيها سببان لسلب الشهوة: الصغر، والمحرمية.
ولو لمس عجوزةً لا تشتهى، أو امرأة ميتةً: قيل: فيه وجهان [وهو طريقة العراقيين] كالصغيرة.
وقيل- وهو الأصح-: ينتقض وضوؤه؛ كما لو لمس يدًا شلاء من امرأة حيةٍ.
ولو لمس يدًا، أو عضوًا قطعت من امرأة- لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الحكم معلقٌ بلمس المرأة؛ وذلك العضو لا يسمى امرأةً.
فصلٌ في مس الفرج
روي عن بسرة بنت صفوان؛ أن النبي - ﷺ- قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقالت عائشة﵂-: "إذا مست المرأة فرجها توضأت".
إذا مس رجل ذكر نفسه، أو ذكر غيره؛ من صغير أو كبير؛ حي أو ميت؛ قريب أو أجنبي، أو ذكرًا سُل من حي؛ ببطن الكف، أو بطن الأصابع- ينتقض وضوؤه، ولا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الحكم علق باللمس، ولم يوجد ذلك من الملموس وكذلك المرأة إذا مست فرجها، أو فرج غيرها- ينتقض وضوؤها؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن عباسٍ، وسعد بن أبي وقاصٍ، وجماعةٍ من التابعين.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وابن المبارك: "لا ينتقض الوضوء بمس الفرج"؛ وهو قول علي، وابن مسعود.
وقال مالك: "إن مس قصدًا، ينتقض [الوضوء] ".
ولو مس بظهر الكف أو بالساعد- لا ينتقض ولو مس برؤوس الأصابع، أو بما بين
[ ١ / ٣٠٩ ]
الأصابع- نظر: إن كان مما يلي بطن الكف ينتقض وإن مس بموضع الاستواء، فوجهان:
أصحهما: لا ينتقض.
ولو مس ببطن أصبعٍ زائدةٍ، فإن كانت على سنن الأصابع الأصلية ينتقض وضوؤه، وإلا فلا.
ولو مس بيده الشلاء، ينتقض [وضوؤه].
ولو كانت له كفان، فإن كانتا عاملتين؛ فبأيهما مس ينتقض وضوؤه. فإن كانت إحداهما عاملةً، فإن مس ببطن العاملة ينتقض وإن مس ببطن الأخرى، لا ينتقض.
ولو مس أنثييه، أو أليتيه، أو أعجازه، أو عانته- لا ينتقض وضوؤه وكذلك لو مست المرأة ركبها: وهو ما ظهر من الفرج- لا ينتقض حتى تمس أحد طرفي فرجها.
ولو مس ذكرًا مقطوعًا، أو قطع جزءًا منه؛ فمسه- فوجهان:
أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ بخلاف ما لو مس يدًا مقطوعة من امرأة؛ لأن لمس المرأة غير موجود هناك، وهاهنا مس الذكر موجود.
وكذلك لو مس البقية الباقية من مجبوبٍ، ينتقض. ولو مس حلقة الدبر، ينتقض وضوؤه؛ على القول الجديد؛ وهو المذهب؛ لأنه أحد الفرجين؛ كالذكر.
وقال في القديم، وبه قال مالكٌ: "لا ينتقض".
ولو خلق لرجل ذكران، فإن كانا عاملين؛ فأيهما مس ينتقض وضوؤه. وإن كان أحدهما عاملًا، فإن مس العامل ينتقض وضوؤه، وغن مس غير العامل لا ينتقض.
ولو مس فرج بهيمةٍ، لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا حرمة لها؛ بدليل أنه لا يحرم النظر إليها، ولا يعتد عليها بوجوب التستر.
أما الخنثى المشكل: ففي مس الدبر كالواضح، أما في مس القبل، فيؤخذ في أمره باليقين، ويطرح الشك؛ فكل موضع يحتمل بقاء طهره، ويحتمل انتفاضه- لا يحكم بانتقاضه؛ حتى يتحقق قطعًا. فإذا مس الخنثى ذكر نفسه، لا ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال أنه
[ ١ / ٣١٠ ]
أنثى، وهذا عضوٌ زائد. ولو مس فرجه، لا ينتقض؛ لاحتمال أنه ذكرٌ، وهو شقٌ زائدٌ. ولو مسهما جميعًا، ينتقض وضوؤه، وكذلك لو خرج من أحد فرجيه شيءٌ، لا ينتقض وضوؤه؛ حتى يخرج منهما. فإن خرج من أ؛ د فرجيه منيٌّ يجب الغسل؛ لأن خروجه من ثقبه غير الفرج يوجبه. فلو مس الخنثى ذكره، وصلى الظهر، ثم مس فرجه وصلى العصر- يجب عليه إعادة صلاة العصر؛ لأن الحدث فيها يقينٌ، ولا يجب إعادة صلاة الظهر.
ولو مس ذكره، وصلى الظهر، ثم أحدث؛ فتوضأ ومس الفرج، وصلى العصر- لا يجب إعادة واحدة منهما. وإن كان الحدث يقينًا في إحداهما لا بعينها، لأنهما حدثان أمضت كل واحدة منهما باجتهاد صحيح، فيقين الخطأ في إحداهما [لا بعينها] لا يوجب الإعادة؛ كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، لا يجب إعادة واحدة منهما. فإن صلى صلوات بعد مس الذكر، ثم زال الإشكال، وبان أنه رجلٌ- يجب عليه إعادةُ تلك الصلوات؛ كما لو حكم بالاجتهاد، ثم بان النص بخلافه - يرد الحكم.
ولو مس رجلٌ ذكر الخنثى المشكل- ينتقض وضوء الماس؛ لأن الخنثى إن كان ذكرًا، فقد مس ذكره، وإن كان أنثى فقد لمسها. ولا ينتقض وضوء الخنثى؛ لاحتمال أنه رجل.
وإن مس رجلٌ فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤه، لاحتمال أن الخنثى رجل.
ولو مست امرأة فرج الخنثى ينتقض وضوؤها؛ لأن الخنثى إن كانت امرأةً، فقد مست فرجها، وإن كان رجلًا، فقد لمسته، ولا ينتقض وضوء الخنثى.
ولو مست المرأة ذكر الخنثى، لا ينتقض وضوؤها؛ لاحتمال [أنه أنثى.
ولو أن خنثيين؛ مس كل واحد ذكر صاحبه- لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال] أنهما امرأتان، وكذلك لو مس كل واحدٍ فرج الآخر؛ لاحتمال أنهما رجلان. ولو مس أحدهما ذكر الآخر، ومس الآخر فرجه- ينتقض وضوء واحد منهما لا بعينه، وكل واحد يبني على يقين نفسه، ويصلي.
ولو مس خنثى ذكر خنثى، وفرج خنثى آخر- ينتقض وضوء الماس؛ كما إذا كان الممسوس واحدًا.
ولو أولج خنثى ذكره في فرج- امرأة، أو دبرها- ينتقض وضوء المولج فيها
[ ١ / ٣١١ ]
بالإخراج، ولا غسل عليها، ولا وضوء على الخنثى؛ لاحتمال أنه أنثى.
ولو أولج رجلٌ ذكره في فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثى رجلٌ.
ولو أن خنثيين أولج كل واحد ذكره في فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثى رجلٌ.
ولو أن خنثيين أولج كل واحد ذكره في فرج الآخر- لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثيين رجلان. ولو أولج كل واحدٍ ذكره في دبر الآخر- ينتقض وضوؤهما بالإخراج، ولا غسل على واحدٍ منهما؛ لاحتمال أنهما امرأتان. ولو أولج هذا ذكره في دبر ذاك، وذاك في فرج هذا - ينتقض وضوؤهما؛ لأن أخس أحوالهما أن نجعلهما امرأتين؛ إذ لو قدرناهما رجلين، أو رجلًا وامرأة وجب الغسل عليهما؛ فكل موضعٍ لا يوجب الغسل عليه، لا يحكم ببطلان صومه وحجه، ولا يوجب على المرأة المولج فيها عدة، ولا يوجب لها مهرًا.
قال الإمام إمام الأئمة: "والخنثى الذي حكمنا بزوال الإشكال في حقه؛ فإذا خرج من العضو الآخر له بولٌ، فهو كما لو خرج من ثقبةٍ على بطنه. وإن كان مشكلًا فخرج من الفرجين شيء- ينتقض وضوؤه، وإن خرج من أحدهما، فكالخروج من الثقبة".
ولو أولج الخنثى ذكره في فرج امرأة أو دبرها، وأولج رجل في فرجه- وجب الغسل على الخنثى، وبطل صومه وحجه، ولا كفارة عليه في الصوم، إن لم يوجب على المرأة [إلا احتياطًا].
فصلٌ
خروج النجاسة من غير السبيلين- لا يوجب الوضوء؛ وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المبارك: "إذا افتصد، أو احتجم، أو خرج دمٌ من موضع آخر؛ فسال، أو قاء ملء الفم- ينتقض وضوؤه.
والقهقهة لا تبطل الطهارة؛ وهو قول عامة أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: "القهقهة في الصلاة تبطل الطهارة، إلا في صلاة الجنازة".
[ ١ / ٣١٢ ]
وأكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي - ﷺ- أكل كتف شاةٍ، ثم صلى ولم يتوضأ. وما روي أن النبي - ﷺ- قال: "توضؤوا مما مست النار"- منسوخ.
[ ١ / ٣١٣ ]
قال جابرٌ: "كان آخر الأمرين عن رسول الله - ﷺ- ترك الوضوء مما غيرت النار".
وقال أحمد: "أكل لحم الجزور يوجب الوضوء"؛ وهو قول الشافعي في القديم؛ لما روي أن النبي - ﷺ- سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم". [وهذا عند الأكثرين
[ ١ / ٣١٦ ]
منسوخٌ، أو محمول على غسل اليد والفم. خص به لحم الجزور؛ لأن له زهومةً ليست لغيره من اللحوم].
وحكى القاضي قولًا: أن أكل لحم الجزور يوجب الوضوء؛ وليس بمشهور.
والمستحب أن يتوضأ من الضحك في الصلاة، ومن الكلام القبيح؛ لما روي عن ابن مسعودٍ: "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة- أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب".
وقالت عائشة: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء".
قال ابن عباس: "الحدث حدثان: حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان".
فصلٌ في الشك في الطهارة
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا؛ فأشكل عليه؛ أخرج منه شيءٌ، أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد؛ حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا".
[ ١ / ٣١٧ ]
إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فله أن يصلي؛ لأن الأصل بقاء الطهارة. وإن وقع هذا الشك في الصلاة مضى في صلاته [ولا يجوز أن يخرج، ويبطل العبادة.
وقال مالك: عن وقع هذا الشك في الصلاة، مضى في صلاته].
وإن كان خارج [عن] الصلاة، فلا يصلي حتى يتوضأ. والحديث حجةٌ عليه؛ لأنه لم يفصل بين الحالين، فلو شك في الحدث، وتوضأ على الشك، ثم بان أنه كان محدثًا- لم يصح وضوؤه؛ لأن وضوؤه لم يستند إلى أصل حدثٍ.
ولو تيقن الحدث وشك في الطهارة لا يجوز [له] أن يصلي حتى يتوضأ؛ لأن الأصل بقاء الحدث. فلو توضأ، ونوى أنه كان محدثًا- فهو فرض طهارته، وغلا فهو تجديد وضوئه على الفرض؛ حتى لو زال شكه بعد ذلك، وتيقن الحدث لا يجب [عليه] إعادة الوضوء؛ لأنه استند إلى يقين حدثٍ.
ولو تيقن الطهارة، وتيقن أنه رأى رؤيا بعدها، ولا يذكر نومًا- فعليه الوضوء، ولا يحمل على النوم قاعدًا؛ لأنه خلاف العادة. وإن شك أنه كان رؤيا، أو حديث نفسٍ- فلا وضوء عليه؛ لأن الأصل بقاء الطهارة.
ولو تيقن الطهارة والحدث، ولم يدر أيهما كان أسبق- فينظر إلى الحالة التي قبلها: فإن كان في تلك الحالة متطهرًا، فهو الآن محدثٌ؛ لأنه تيقن حدثًا رافعًا لتلك الطهارة، وشك في طهارة رافعةٍ لهذا الحدث، والأصل بقاء الحدث. وإن كان في تلك الحالة محدثًا، فهو الآن متطهرٌ؛ لأنه تيقن طهارة رافعةً لذلك الحدث، وشك في حدثٍ رفع هذه الطهارة، والأصل بقاؤها.
ولو سمع من بين رجلين صوتُ حدثٍ، وكل واحد ينفيه عن نفسه، يجوز لكل واحد منهما أن يبني على يقين نفسه؛ فيصلي. فلو اقتدى أحدهما بالآخر، فصلاة الإمام صحيحةٌ، وصلاة المأموم باطلة؛ لأنه ينفي الحدث عن نفسه، ويجعله في إمامه، ولا يصح الاقتداء بإمام هو عنده محدثٌ.
[ ١ / ٣١٨ ]
وإن كانوا جماعة؛ فسمع من بينهم صوت حدثٍ، وكل واحدٍ ينفيه عن نفسه، ثم أم كل واحد في صلاةٍ، واقتدى به الآخرون- فعلى كل واحد منهم إعادة آخر صلاة كان فيها مأمومًا؛ مثلًا: كانوا خمسة [و] أم كل واحدٍ في صلاة من الصلوات الخمس، وبدؤوا بالصبح- فعلى إمام الصبح والظهر والعصر والمغرب إعادة صلاة العشاء، وعلى إمام العشاء إعادة صلاة المغرب؛ لأن كل واحد منهم إذا اقتدى بآخرٍ، كأنه ينفي الحدث عن نفسه، وعن إمامه؛ حتى يتعين في الآخر؛ فلا يمكنه نفيه عنه". هذا قول ابن الحداد؛ وهو الأصح.
وقال صاحب "التلخيص": "صلاة الأئمة صحيحة، وعلى كل واحدٍ [منهم إعادة كل صلاةٍ كان فيها مأمومًا؛ لأن لكل واحدٍ أن يجتهد في حدث نفسه، وليس [له] أن يجتهد في حدث الغير؛ لأنه لا علامة يتميز بها المتطهر عن المحدث".
أما إذا اجتهد خمسة نفرٍ في خمس أوانٍ؛ واحد منها نجس، واشتبه، وتوضأ كل واحد منهم بواحد، وأم كل واحد الباقين في صلاة؛ فعلى كل واحدٍ منهم إعادة آخر صلاةٍ كان فيها مأمومًا بالاتفاق؛ لأن الاجتهاد في الأواني جائزٌ؛ فكأن كل واحد منهم اجتهد في إنائه وإناء إمامه؛ إلى أن تعينت النجاسة في الآخر.
وقيل: مسألة الأواني كمسألة الحدث على الاختلاف، إلا أن يجتهد كل واحدٍ في إناء إمامه؛ كما اجتهد في إناء [نفسه، وأدى] اجتهاده إلى طهارته، حينئذٍ لا يجب [إلا] إعادة آخر صلاةٍ كان فيها مأمومًا [بالاتفاق].
ولو امتنع الخامس من أن يؤمهم في العشاء فصلوا خلف واحد منهم [ولو اختلف واحد من الأولين فعلى الخامس إعادة المغرب] ولا إعادة على الباقين. ولو كان واحد من الأواني الخمس طاهرًا، واشتبه؛ فاجتهد خمسة؛ واستعمل كل واحد منهم واحدًا، ثم اقتدى بعضهم بالبعض يجب على المأمومين الإعادة بالاتفاق؛ لأن الطاهر فيها واحد، وكل واحد [منهم] يعين الطهارة فيما استعمله، فيكون اقتداؤه بمن يعتقد أنه استعمل النجس.
[ ١ / ٣١٩ ]
وإن كانوا خمسة، وسمع من بينهم صوتان- فهو كالصوت الواحد ما لم يعلم أنهما من شخصين، فإن علم أنهما من اثنين، أو كان خمس أوانٍ: اثنان نجسان؛ فاجتهد خمسةٌ، واستعمل كل واحد واحدًا أو أم كل واحدٍ في صلاة، واقتدى به الآخرون- صح صلاةُ كل واحد خلف اثنين، وبطل خلف اثنين. ولو كان النجس ثلاثة، جاز صلاةُ كل واحد خلف واحد، ولا تصح خلف ثلاثٍ.
باب ما يوجب الغسل
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا الآية﴾ [المائدة: ٦].
[ ١ / ٣٢٠ ]
وروي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ- قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان- فقد وجب الغسل؛ وإن لم ينزل".
موجبات الغسل أربعة: اثنان يختصان بالنساء؛ وهما: الحيض والنفاس. واثنان يشترك فيهما الفريقان:
أحدهما: الموت.
والثاني: الجنابة.
وغسل الجنابة يجب بأحد أمرين: إما نزول المني، أو تغيب الحشفة في الفرج؛ وإن لم ينزل.
والمني ماءٌ أبيض ثخينٌ، له رائحة كرائحة الطلع، يخرج بدفقةٍ ولذةٍ، تعقبه فترةٌ، وإذا يبس تكون رائحته كرائحة البيض وقد يرق [ويصفر] من المرض، ويحمر من كثرة الجماع. ومني المرأة أصفر رقيق، فمن أيهما خرج بشهوةٍ، أو بغير شهوة- وجب عليهما الغسل. وإذا خرج من غير الإحليل، يجب.
وقال أبو حنيفة: "إذا خرج لمرض، لا يجب الغسل".
وأما المذي: وهو رقيقٌ يخرج عند حركة الشهوة، والودي: ماء أبيض ثخين يخرج
[ ١ / ٣٢١ ]
بعد البول؛ فهما يوجبان الوضوء؛ كالبول. روي عن علي﵁- أن رسول الله - ﷺ- قال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل".
وإذا غيب حشفته في فرجٍ، أو دبرٍ من آدمي، أو بهيمة حي أو ميتٍ- وجب الغسل، وإن لم ينزل.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الغسل في البهيمة ما لم ينزل. وإن غيب بعض الحشفة، لا يجب. وإن كان مقطوع الحشفة؛ فغيب من الباقي بقدر الحشفة- وجب الغسل، وإن كان الباقي أقل من الحشفة، لا يجب.
ولو لف على ذكره خرقةً؛ فأولج- وجب. ولو احتلم فلم ينزل، لا غُسل عليه، ولو احتلمت المرأة فأنزلت، وجب عليها؛ كالرجل؛ لما روي عن أم سلمة قالت: "جاءت أم سليمٍ إلى رسول الله - ﷺ- فقالت: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسلٍ إذا احتلمت؟ قالت: "نعم، إذا رأت الماء".
[ ١ / ٣٢٢ ]
ولو أمنى فاغتسل [ثم خرج] منه المني- وجب عليه إعادة الغسل؛ سواء كان بعد البول، أو قبله.
وقال الحسن، والأوزاعي: "إذا كان قبل البول، لا يجب إعادة الغسل؛ لأنه بقية مني، اغتسل منه مرةً".
ولو استدخلت امرأة مني رجل، هل يجب عليها الغسل؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يجب؛ لأنه لم يوجد جماعٌ، ولا نزول مني.
وقيل: يجب. فعلى هذا: لا فرق بين أن تدخله في فرجها أو دبرها؛ كتغييب الحشفة. وإذا خرج منها مني الرجل، لا غسل عليها؛ سواء حصل فيها بالاستدخال، أو بالجماع. والاحتياط أن تغتسل إذا كان من جماعٍ؛ لأنه لا يؤمن من امتزاج المنيين.
ولو رأى على ثوبه أثرًا لم يدر أنه منيٌّ أو مذيٌ: فإن اغتسل وصلى في ذلك الثوب- جاز؛ لاحتمال أنه منيٌّ، ولو توضأ وصلى فيه من غير أن يغسله- لم يجز؛ لأنه إن كان مذيًا فهو نجس، وغن كان منيًا فيجب عليه الغسل. وكذلك لو توضأ، وترك فيه الترتيب- لا يجوز، والاحتياط: أن يغتسل، ويرتب أعضاء وضوئه، ويغسل الثوب.
وقال عطاء، والشعبي، والنخعي: "إذا رأى بلةً وجب الغسل، وإن لم يتيقن أنه منيٌّ".
ولو رأى على ثوبه منيًا، ولا يذكر إنزالًا؛ نظر: إن احتمل أنه أصابه من غيره، بأن كان يلبسه غيره- فلا غسل عليه، ويستحب أن يغتسل؛ لاحتمال أن يكون منه. وإن لم يحتمل من غيره، فعليه الغسل، وإعادة الصلوات من آخر نومةٍ نامها فيه، والاحتياط أن يعيد من أول نومةٍ نامها فيه. وإن لم يكن صلى فيه بعد النوم، اغتسل، ولا يجب قضاء الصلاة، وكذلك إن لم يكن [نام فيه، اغتسل لما يستقبل].
[ ١ / ٣٢٤ ]
أما غسل الحيض والنفاس يجب بخروج الدم؛ لأن الغسل [المتعلق بالخارج يتعلق بطهوره؛ كغسل الجنابة] يجب بخروج المني. ووقت جوازه: انقطاع الدم؛ كالوضوء يجب بخروج لحدث، ووقته القيام إلى الصلاة، كالوطء يوجب العدة عند الطلاق.
ولو ولدت امرأة ولم تر الدم، يجب عليها الغسل على ظاهر المذهب؛ لأن الولد من منيهما؛ وخروج المني يوجب الغسل.
وقيل: لا يجب؛ لأنها لم تر الدم.
وكذلك هل يفسد به الصوم؟
فعلى وجهين:
ولو ألقت علقةً، هل يجب عليها الغسل؟
فوجهان:
أصحهما: يجب؛ كالمضغة ولو أجنبت حائضٌ فلا فائدة لغسلها، إلا على قول من يجوز للحائض قراءة القرآن.
قال الشيخ إمام الأئمة: "ويستحب أن تغتسل؛ تنظيفًا".
وإذا أراد الجنب النوم، أو الأكل، أو الشرب قبل الغسل- يجوز، ويستحب أن يغسل فرجه، ويتوضأ، وكذلك إذا أراد العود؛ لما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله - ﷺ- إذا كان جنبًا، فأرد أن يأكل أو ينام- توضأ للصلاة".
وأما الحائض: فلا يستحب لها الوضوء للأكل، والشرب، والنوم؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهان ويؤثر في حق الجنب؛ فإنه يرفع الجنابة عن أعضاء وضوئه.
[ ١ / ٣٢٥ ]
فصل
روي عن قيس بن عاصمٍ، أنه أسلم؛ فأمره رسول الله - ﷺ- أن يغتسل بماءٍ وسدرٍ".
إذا أسلم كافر، ولم يكن وجب عليه الغسل في حال كفره- يستحب له أن يغتسل، ولا يجب؛ لأن خلقًا كثيرًا أسلموا، ولم يأمر النبي - ﷺ- أحدًا منهم بالاغتسال.
وقال مالك: "يجب الغسل للإسلام، ولو وجب عليه الغسل، واغتسل في حال كفره- يجب عليه إعادة الغسل بعد الإسلام؛ لأن الغسل قربةٌ لا تصح من الكافر؛ كالوضوء.
وقال أبو بكر الفارسي: "لا يجب إعادة الغسل [بعد الإسلام]؛ لأن غسل الكافر
[ ١ / ٣٢٧ ]
صحيح؛ بدليل أن الذمية إذا طهرت من الحيض تحت مسلم؛ واغتسلت- جاز للزوج غشيانها".
والأول [أصح و] هو المذهب، وليس إذا صح غسلها لحق الزوج ما يدل على أنه يجوز أن تصلي به؛ كالمجنونة إذا طهرت من الحيض، وغسلها زوجها- جاز له غشيانها، وإذا أفاقت يجب عليها إعادة الغسل.
ولو توضأ كافر أو تيمم، ثم أسلم- لا يجوز أن يصلي [به] حتى لو أن ذميةً طهرت من الحيض؛ فتيممت عند عدم الماء لغشيان الزوج، ثم أسلمت قبل أن يصيبها الزوج- لا يجوز أن تصلي به.
ولو اغتسل مسلمٌ أو توضأ، ثم ارتد، ثم أسلم- لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء.
وقال أبو بكر الفارسي: "يجب إعادة الوضوء، ولا يجب إعادة الغسل".
ولو تيمم، ثم ارتد، ثم أسلم؛ هل يجب إعادة التيمم؟
وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ كالوضوء.
والأصح: أنه يجب؛ لأنه أضعف، ومن شرطه أن تعقبه العبادة.
ولو اغتسل أو توضأ [صبي] يعقل عقل مثله، ثم بلغ- لا إعادة عليه. ولو تيمم، ثم بلغ؛ فوجهان:
أصحهما: لا إعادة عليه؛ بدليل أنه لو صلى بذلك التيمم قبل البلوغ، ثم بلغ- والوقت باقٍ- جازت صلاته؛ فكذلك إذا صلى بعد البلوغ.
فصلٌ في الاغتسالات المسنونة
روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل".
[ ١ / ٣٢٨ ]
وعن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم". وأراد بالمحتلم: البالغ، والمراد من الوجوب: وجوب الاختيار.
غسل الجمعة سنة في حق من يريد حضور الجمعة دون من لا يريد حضورها، بخلاف غسل العيد؛ فإنه سنةٌ في حق الكافة من النساء والعبيد والصبيان؛ لأنه لإظهار السرور، وهو عام. وغسل الجمعة لإزالة الرائحة الكريهة؛ حتى لا يتأذى به من بقربه؛ فيختص بمن يريد الحضور.
وعند مالكٍ: غسل الجمعة واجبٌ. والدليل على أنه غير واجب: ما روي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ-: "من توضأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل". قوله: "فبها ونعمت" أي: بالسنة أخذ، ونعمت الخصلة.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ويستحب أن يغتسل للجمعة حالة الرواح إلى الجمعة، فلو اغتسل بعد طلوع الفجر الصادق- يحسب، ولو اغتسل قبله، لم يحسب؛ بخلاف غسل العيد يحسب؛ على أصح القولين قبل طلوع الفجر الصادق عند السحر؛ لأن صلاة العيد تؤدى في أول النهار، فإذا اغتسل قبل طلوع الفجر، يبقى أثره إلى وقت الصلاة. وصلاة الجمعة تؤدى بعد الزوال؛ فلا يبقى أثره.
وفيه قول آخر: أن غسل العيد أيضًا لا يحسب، إلا بعد طلوع الفجر؛ كغسل الجمعة. والأول أصح.
ولا يصح الغسل إلا بالنية؛ فلو وافق يوم الجمعة يوم العيد؛ فاغتسل لهما غسلًا واحدًا- يكفي، ولو نوى أحدهما، حصل الثاني. وإن كان جنبًا؛ فنوى غسل الجنابة
[ ١ / ٣٣٣ ]
والجمعة والعيد- حصل الكل، ولو نوى غسل الجمعة والعيد، لم يخرج عن الجنابة. وهل يحسب عن غسل الجمعة والعيد؟ وجهان.
ولو نوى غسل الجنابة، ولم ينوِ غسل الجمعة- خرج عن الجنابة، وهل يحسب عن غسل الجمعة والعيد؟
فيه قولان:
أصحهما: يحسب؛ كمن دخل المسجد، وصلى فرضًا، يحسب عن تحية المسجد.
والغسل من غسل الميت، والوضوء من مسه- سنةٌ؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ- قال: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" ويروى: "من مسه فليتوضأ" والمراد من الحمل: المس أيضًا.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقيل: لا يؤمر من مسه بالوضوء، وتأول الحديث على مس الفرج منه، أو أراد بقوله: "من حمله فليتوضأ" أي: من أراد حمله، فليتوضأ من قبل؛ حتى يكون بصفة يمكنه الصلاة عليه.
والاغتسالات المسنونة ستة عشر: غسل الجمعة، والعيدين، والخسوفين، والاستسقاء، والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وسبع اغتسالات في الحج: الغسل للإحرام، ولدخول "مكة"، وللوقوف بـ"عرفة"، وللوقوف بـ"مزدلفة" غداة يوم النحر، وثلاث اغتسالات لرمي أيام التشريق؛ لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس، فاستحب لها الغسل. ولم يذكر الغسل لرمي جمرة العقبة؛ لأنه [قد] اغتسل يومئذٍ للعيد، وللوقوف بـ"مزدلفة" ولأن وقته موسعٌ من [نصف] الليل إلى آخر النهار، ولا يجتمع لها الناس في وقت واحد.
وزاد في القديم: "الغسل لطواف الزيارة، وطواف الوداع".
وتغتسل الحائض جميع هذه الاغتسالات، إلا غُسل الطواف؛ فإنها لا تطوف.
وقال في القديم: "وتغتسل من الحجامة والحمامة. أما الحجامة: فقد ورد فيه أثرٌ. وأما [من] الحمام قيل: أراد به إذا [تنور] تغتسل، وغلا فلا". وقيل: الاختلاف الأيدي في ماء الحمام.
[و] قال الشيخ [إمام الأئمة: "المراد] من الغسل للحمام عندي: أن يدخل الحمام فيعرق؛ فيستحب ألا يخرج من غير غسلٍ، ويستحب لمن أراد مقاربة الناس، والاجتماع معهم- أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، لئلا يتأذى بقربه أحدٌ".
وآكدُ الاغتسالات المسنونة غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت.
وفيهما قولان:
أصحهما وهو اختيار المزني-: غسل الجمعة؛ لأن الأخبار فيه أصح. وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوبه.
باب كيفية الغسل
روي عن عائشة﵂- قالت: "كان رسول الله - ﷺ- إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بغسل بدنه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثياتٍ".
[ ١ / ٣٣٦ ]
فرضُ الغسل شيئان: النية، وغسل جميع البدن كيف شاء، والسنة أن يبدأ؛ فيسمى الله تعالى، ويغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل فرجه وما عليه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. وهل يستحب تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يؤخر؛ وهو ظاهر رواية عائشة.
والثاني: يؤخر؛ وهو رواية ميمونة عن رسول الله - ﷺ- أنه أخر غسل الرجلين؛ وبه قال أبو حنيفة.
ثم إن كثر شعر رأسه، يدخل أصابعه العشر في الماء؛ فيخلل بها أصول شعره؛ حتى
[ ١ / ٣٣٧ ]
يبتل، فيتيسر وصول الماء إلى باطنها. ثم يصب الماء على رأسه [ثلاث] حثيات من ماءٍ بيديه ولا يجب نقضُ الضفائر إذا وصل الماء إلى باطنها من غير النقض، فإن لم يصل إلا بالنقض، يجب أن ينقضها؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ- قال: "تحت كل شعرةٍ جنابةٌ؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر".
[ ١ / ٣٣٨ ]
وعند مالك: لا يجب نقض الضفائر، ولا إيصال الماء إلى ما تحت الشعور الكثيفة، والحديث حجةٌ عليه.
ثم يفيض الماء على سائر جسده ويبدأ بميامنه، ويستحب إمرار اليد على ما أمكنه من جسده، ولا يجب.
وقال مالك: "يجب".
ويجب إيصال الماء إلى باطن الأذنين والغضون وبواطن الشعور الكثة، ولا يجب إدخال الماء في العينين. ولو ترك المضمضة والاستنشاق فقد أساء ويجزيه، ويستحب أن يعيد المضمضة والاستنشاق.
وغسل المرأة من الحيض والنفاس كغسل الجنابة، إلا أنه يستحب لها في غسل الحيض والنفاس أن تأخذ فرصةً من مسكٍ [على قطنة]؛ فتدخلها في فرجها؛ لإزالة تغير حصل من الدم؛ [لما] روي عن عائشة قالت: "جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ- تسأله عن الغسل من الحيض فقال: "خذي فرصة من مسكٍ، فتطهري بها. فقالت: كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة: " [فقلت]: تتبعي بها آثار الدم".
[ ١ / ٣٣٩ ]
فإن لم تجد مسكًا، فطيبًا آخر، وإن لم تجد فالماء كافٍ. ويجب على المرأة الثيب في الغسل إيصال الماء إلى محل الافتضاض، وما يبدو منها عند القعود؛ لأنه صار في حكم الظاهر؛ كالشقوق على الرجل؛ بخلاف الفم والأنف، لا يجب إيصال الماء إلى [باطنهما لأنهما] على الحالة الأولى.
وقيل: لا يجب إيصال الماء إلى باطن الفرج، وهذا على قول من يجعل بلل باطن الفرج نجسًا. وقال: لأنه تزداد النجاسة إذا غسلته. وقيل: يجب في غسل الحيض والنفاس؛ لإزالة الدم، ولا يجب في غسل الجنابة؛ كباطن الفم، يجب غسله إذا نجس، ولا يجب غسله في غسل الجنابة.
فصل
روي عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله - ﷺ-: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنبٌ" فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة. قال: يتناوله تناولًا".
[ ١ / ٣٤٠ ]
ويكره الاغتسال في الماء الدائم، فلو اغتسل فيه؛ نظر: إن كان الماء قدر قلتين يدفع الجنابة عنه، ولا يصير الماء مستعملًا، وإن اغتسل فيه جماعة. فإن كان الماء أقل من قلتين؛ نظر: إن انغمس فيه ثم نوى، خرج عن الجنابة، وإذا خرج يصير الماء مستعملًا، وإن نوى ثم انغمس فيه. [فقد] صار الماء مستعملًا. وهل يخرج عن الجنابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يخرج؛ لأن الماء صار مستعملًا؛ بملاقاة أول جزء من بدنه.
والثاني- وهو الأصح-: أنه يخرج من الجنابة؛ لأن الماء ما دام يتردد على العضو، لا يحكم باستعماله ما لم ينفصل.
ومن قال: بالأول، قال: ذاك إذا ورد الماء على المحل. وأما إذا أورد المحل على الماء القليل، فلا.
كما في غسل النجاسات. ولو قعد فيه إلى سرته ثم نوى ثم مقل فيه- ترتفع الجنابة عما دون سرته. وفيما فوقها وجهان:
الأصح: [ترتفع]. ولو انغمسا في ماء قليل، ثم نويا معًا، خرجا عن الجنابة. ولو انغمس فيه أحدهما، ونوى، ثم انغمس فيه الثاني قبل خروج الأول- ترتفع الجنابة عن الأول.
وفي الثاني وجهان:
أحدهما: ترتفع؛ لأن الماء لم ينفصل (عن) الأول، فلا يحكم باستعماله.
والثاني- وهو الأصح-: لا ترتفع؛ لأن ما يتصل بالثاني في حكم المنفصل عن الأول.
قال الشيخ إمام الأئمة (رحمة الله عليه): فإن قلنا بالوجه الأول؛ فلو خرج أحدهما قبل الثاني، فلا يحكم بالاستعمال في حق الثاني، وكذلك لو شرعا معًا ثم خرج أحدهما- لا يحكم بالاستعمال في حق الثاني ما لم يخرجا.
[ ١ / ٣٤١ ]
ولو أدخل جنبٌ يده في ماءٍ قليلٍ، ولا نجاسة عليها، ولم ينو لا يضر [الماء] إذا نوى. ثم أدخل يده فيه أو محدث يتوضأ من إناءٍ صغيرٍ، فبعد غسل الوجه، أدخل يده فيه؛ نظر: إن أدخل بنية إزالة الحدث، صار الماء مستعملًا. وإن قصد أخذ الماء، ولم ينو إزالة الحدث- لا يصير مستعملًا.
ولا يكره استعمال فضل الجنب والحائض للرجال والنساء جميعًا؛ لما روي عن عائشة - ﵂- قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ- من إناء واحدٍ، تختلف أيدينا فيه من الجنابة".
وإذا اغتسلا من إناء واحد، كان كل واحد مستعملًا فضل صاحبه.
وكره الشعبي والنخعي الوضوء بفضل الحائض والجنب.
[ ١ / ٣٤٢ ]
والإسراف في الماء حرامٌ، وإن كان على شط البحر. وماء الوضوء والغسل غير محصورٍ قدره، بل عليه غسل المغسول، ومسح الممسوح، وحد الغسل: أن يسيل الماء على العضو، وقد يرفق الرجل بالقليل؛ فيكفي، ويجرف بالكثير؛ فلا يكفي. ويستحب ألا ينقص عما فعله رسول الله - ﷺ- روي عن عائشة﵂-: "أن رسول الله - ﷺ- كان يغتسل بالصاع- ويتوضأ بالمد". والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٤٣ ]
باب التيمم
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
[ ١ / ٣٤٤ ]
قال ابن عباس: الصعيد: التراب.
وروي عن حذيفة قال: "قال رسول الله - ﷺ-: "ججُعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت
[ ١ / ٣٤٥ ]
تربتها طهورًا، إذا لم نجد الماء".
والتيمم من خصائص هذه الأمة، فمن عجز عن استعمال الماء؛ لعدمٍ أو مرضٍ- تيمم
[ ١ / ٣٥٠ ]
جنبًا كان أو محدثًا؛ لما روي عن عمران﵁-: "أن النبي - ﷺ- قال لجنب: "عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك".
والتيمم ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربة لليدين مع المرفقين. وهو قول: أكثر أهل العلم.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد- رحمة الله عليهم-: ويمسح اليدين إلى الكوعين؛ روي ذلك عن علي، وابن عباس ﵄. وقال الزهري: ويمسح إلى الإبطين؛ روي عن عمار؛ أنه مسح إلى الإبطين. وكل ذلك مرويٌّ لكنه منسوخ. بما روي عن ابن الصمة أنه قال: "مررت على النبي - ﷺ- وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد [عليَّ] حتى قام [إلى جدارٍ] يحثه بعصًا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على السلام.
ومسح الوجه واليدين في التيمم يكون تارةً بدلًا عن غسل جميع البدن في حق الجنب والحائض والنفساء والميت، وتارة عن غسل الأعضاء الأربعة في حق المحدث، وتارة يكون بدلًا عن جزء يسير من بدنه، في حق من على عضو من أعضاء طهارته جراحةٌ لا يقدر على غسل محلها.
ولا يحصل التيمم إلا بالتراب، يعلق باليد منه غبارٌ؛ على أي لون كان ويجوز
[ ١ / ٣٥٣ ]
بالسبخ والبطحاء إذا كان فيهما غبار ويجوز بالطين الأحمر والأصفر، وبالطين الأرمني والذي يؤكل، وطين الدواب إذا دق كالمدر الدقوق.
وأما الرمل قال في القديم: يجوز به التيمم.
وقال في "الأم": لا يجوز؛ فحيث جوز أراد به الرمل ألذي له غبارٌ يعلق باليد، وحيث لم يجوز، أراد به الأحمر الذي له يعلق باليد.
ولا يجوز الزرنيخ والنورة والجص والكحل، ولا بالذر والرماد، وما ليس بتراب.
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه-: يجوز بما كان من طبقات الأرض؛ كالزرنيخ والنورة والجص ونحوها.
ولا يجوز بالطين المقلي ولا الآجر المدقوق، ولا الحجارة المسحوقة، ولا بالتراب المحترق فإن أصابته نار؛ فاسود ولم يحترق- جاز.
قال الشيخ﵀-: وسئل القاضي﵁- عن تراب الأرضة. قال: إذا أخرجته من خشبٍ، لم يجز التيمم به؛ لأن أصله ليس بتراب؛ كالحنطة إذا عفنت صارت ترابًا وإن أخرجته من مدرٍ جاز، وإن كان مختلطًا بلعابها؛ لأن لعاب الأرضة طاهر؛ كتارب مزج بخل أو ماء وردٍ، ثم جفف- يجوز التيمم به.
ولو ضرب بيده على ثوبٍ أو على ظهر حيوانٍ عليه غبار وعلق باليد؛ فتيمم به- جاز.
ولو ضرب على أرض صلبة، أو صخرةٍ لا غبار عليها- لم يجز؛ لأنه مأمور بالمسح؛ فيقتضي ممسوحًا [به].
وقال أبو حنيفة: يجوز.
وعند مالك: إذا ضرب يده على ما تصاعد من وجه الأرض من شجر، أو نبات لا غبار عليه- جاز. وحمل الصعيد عليه. والحديث حجةٌ عليه؛ [حيث جعل] التراب
[ ١ / ٣٥٤ ]
طهورًا. ولو طلى الطين على عضوٍ أو ضرب يده على تربةٍ نديةٍ- لم يجز؛ لأنه لا يعلق باليد منها غبارٌ.
ولو اختلط بالتراب نجاسةٌ، لا يجوز التيمم به، وإن كان التراب كثيرًا، والنجاسة قليلة. وكذلك لو تيمم بتراب مقبرةٍ منبوشةٍ، لم يجز؛ لاختلاط صديد الموتى به. وكذلك لو اختلط بالتراب شيءٌ طاهر من دقيقٍ، أو زعفرانٍ، أو نورةٍ- لا يجوز التيمم به وإن لم يظهر عليه؛ لأنه قد تعلق بالعضو شيء منه؛ فيمنع وصول التراب إليه.
وقال الشيخ إمام الأئمة﵀-: لو كانت يده نجسةً؛ فضربها على تراب طاهر، ومسح به وجهه- جاز؛ لأن الممسوح به طاهر؛ كما لو أخذ بيد نجسة حجرًا طاهرًا؛ فاستنجى به- جاز.
قال الشيخ إمام الأئمة: ولا يصح مسح اليد النجسة عن التيمم قبل غسلها؛ كما لا يجوز غسلها عن الوضوء، ولا يجوز التيمم بالتراب المستعمل؛ وهو أن يأخذ من وجه متيمم أو يده أو ما تناثر منه بعد المسح.
وقيل: يجوز التيمم بما يتناثر منه، والمستعمل الغبار الباقي على الوجه. والأول أصح.
ولو تيمم جماعةٌ بكثيب من ترابٍ جاز؛ لأن كل واحد يستعمل فضل صاحبه، والقصد إلى التراب شرطٌ لصحة التيمم، حتى لو سفت الريح التراب على وجهه، فأمر عليه يده، ونوى - لم تصح؛ بخلاف ما لو وقف في المطر، ونوى الوضوء؛ فسال الماء على أعضائه- صح وضوؤه؛ لأن ثمَّ هو مأمور بالغسل، وقد وجد. وهاهنا [هو] مأمور ب التيمم، والتيمم القصد، ولم يوجد منه القصد إلى التراب.
ولو وقف في مهب الريح قصدًا بنية التيمم؛ حتى أصاب التراب وجهه ويديه؛ فمسحه بيده- فوجهان:
أظهرهما: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد التراب حقيقة، بل التراب أتاه. ولو اجتمع التراب على رأسه، أو على عضوٍ غير عضو التيمم؛ فأخذ ما عليه، ومسح به وجهه ويديه- جاز. ولو أخذ من عضو التيمم؛ نظر: إن أخذ من وجهه، لا من تراب التيمم؛ فمسح به يده، أو أخذ من يده؛ فمسح به وجهه - جاز.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وكذلك لو أخذ من إحدى يديه؛ فمسح به الأخرى. ولو أخذ من وجهه ورد إليه، أو من يده ورد إليها- فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لوجود النقل؛ كما لو أخذ من وجه غيره.
والثاني: لا يجوز؛ لأن أخذه منه، ورده إليه كمسح اليد عليه بلا نقلٍ.
وقيل: إذا أخذ من الوجه ورد إليه، أو من اليد ورد إليها- لم يجز. وإن أخذ من الوجه ورد إلى اليد، أو أخذ من اليد ورد إلى الوجه فوجهان.
ولو يممه غيره بإذنه، أو معك وجهه ويديه في التراب- نظر: إن كان معذورًا لمرض، أو قطع يد- جاز. نص عليه. وإلا فوجهان:
قال "صاحب التلخيص": لا يجوز.
ومن أصحابنا من قال: يجوز؛ كما لو غسل غيره أعضاءه في الوضوء. وكذلك لو صب غيره التراب على يديه؛ حتى مسح وجهه، أو كان على كمه أو يده تراب؛ فمسح به وجهه- فيه وجهان.
كيفية التيمم
[وكيفية التيمم]: [أن] يسمي الله، وينوي ويضرب كفيه على التراب. ونص على أنه يفرق [بين] أصابعه؛ [موبه قال العراقيون]. وإن كان التراب ناعمًا يعلق باليد من غير ضربٍ؛ ويستديم النية إلى مسح جزءٍ من الوجه، فلو ابتدأ النية بعد أخذ التراب، أو نوى مع الضرب، وعزبت نيته قبل مسح شيء من الوجه- لم يصح.
قال الشيخ﵀-: لأن القصد إلى التراب- وإن كان واجبًا- فليس هو بركنٍ مقصود، إنما المقصود منه نقل التراب لمسح الوجه، وهو المقصود، فكان وجود النية عند الركن المقصود شرطًا.
ولو أحدث بعدما أخذ التراب، بطل قصده؛ فعليه أن يأخذ ثانيًا؛ كما لو غسل بعض وجهه، ثم أحدث، عليه إعادة ما غسل، ثم بعد مسح الوجه يضرب ضربةً أخرى، ويفرق بين أصابعه، ويمسح يديه؛ فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى؛ [بحيث لا يجاوز طول أنامله اليمنى عرض أصابعه اليسرى، ثم يمر يده اليسرى على ظهر
[ ١ / ٣٥٦ ]
كفه اليمنى. فإذا بلغ الكوع، ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير كفه إلى بطن الذراع؛ فيمسح ببطن كفه اليسرى بطن ذراعه اليمنى، وتكون إبهامه اليسرى منصوبةً؛ فيمسح ببطنها ظهر إبهامه اليمنى، ثم يضع بطون أصابع يده اليمنى على ظهور أصابعه اليسرى، فيمسح يده اليسرى؛ كما وصفنا، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعه؛ وذلك واجب؛ لأن الراحتين إ لى الآن كانتا ماسحتين؛ فلا يسقط] فرض الكف؛ لكونها ىلة لمسح عضوٍ آخر. فإن قصد بإمرار الراحتين على الذراع مسح الراحتين حصل مسحهما؛ إذ لا فرق بين أن يمسح الراحة بذراعه، أو براحته الأخرى.
[وكيف] ما أوصل التراب إلى الوجه واليدين؛ بضربتين أو بأكثر؛ بيده، أو بخرقةٍ، أو
[ ١ / ٣٥٧ ]
بخشبة - جاز. ولو ضرب [يده] على التراب، ثم وضعها على وجهه، ولم يمرها- جاز على أصح الوجهين؛ كما ذكرنا في مسح الرأس في الوضوء، ولا يجب إيصال التراب إلى بواطن الشعور الخفيفة على الوجه والذراع؛ لأنه يشق عليه، بل يمسح ظاهرها، وكذلك المرأة إذا كانت لها لحيةٌ، لا يجب إيصال التراب إلى باطنها؛ بخلاف الوضوء يجب فيه إيصال الماء إلى مواطن الشعور الخفيفة؛ لأن الماء يتخللها من غير مشقةٍ. وهل يجب إمرار التراب على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الوجه؟
فيه قولان:
[ ١ / ٣٥٨ ]
أصحهما: يجب؛ كما في الوضوء.
وذكر الشافعي﵀- تفريق الأصابع في الضربتين: فذهب بعض أصحابنا [وهو طريقة قاضينا الحسين] إلى أنه لا يفرق في الأولى؛ حتى لو فرق في الأولى دون الثانية لم يصح مسح ما بين أصابعه؛ لأنه مسحها بتراب أخذ قبل مسح الوجه؛ فيكون كمن مسح يديه بتراب كان عليه من غير نقله.
وإن فرق بين الضربتين فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه أخذ لليد ترابًا جديدًا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن بعض ما أخذ في الضربة الأولى باقٍ بين أصابعه؛ فيصير كما لو كان على وجهه تراب؛ فنقل إليه غيره؛ من غير أن ينفض الأول- لم يجز.
قال الشيخ-[إمام الأئمة]-: والمذهب عندي: أنه لو فرق أصابعه في الضربتين، يجوز؛ كما نص. ولا بأس بأخذ تراب اليد قبل مسح الوجه؛ حتى لو ضرب يديه على التراب؛ فمسح بيمينه جميع وجهه، ومسح بشماله يده اليمنى- يجوز.
والترتيب واجبٌ في المسح، لا في أخذ التراب.
ولا يُسن التثليث في التيمم، ولا تجديد التيمم، ويستحب إمرارُ التراب على العضوين. ولو بقي على وجهه أو يديه شيء لم يمسه التراب- لم تصح صلاته. ولو أخذ التراب قبل دخول وقت الصلاة، ثم مسح بعد الوقت- لم يجز.
وفرائض التيمم خمسة: النية، والقصد إلى التراب لنقله، ومسح جميع الوجه،
[ ١ / ٣٥٩ ]
ومسح اليدين إلى المرفقين، والترتيب، وهو أن يمسح الوجه قبل اليدين.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وبعض أصحابنا زادوا عليها طلب الماء؛ فجعلوها ستًا؛ وذلك شرط جواز التيمم في حق المسافر، دون المرض والجريح؛ فإن التيمم جائز له مع وجود الماء.
وسنن التيمم ثلاثٌ: التسمية وتقديم [اليد] اليمنى على اليسرى في المسح، والموالاة.
وفي القديم: الموالاة فرض.
[ ١ / ٣٦٧ ]
فصلٌ في طلب الماء
روي عن أبي ذر: "أن رسول الله - ﷺ- قال: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن
[ ١ / ٣٦٨ ]
لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته؛ فإن ذلك خيرٌ".
[ ١ / ٣٧٣ ]
ويجوز للمسافر أن يصلي بالتيمم إذا عدم الماء، ولا يجب عليه الإعادة؛ سواء كان سفره طويلًا، أو قصيرًا، ولا يصح تيممه إلا بعد طلب الماء؛ لأن الله - تعالى- قال: ﴿فَلَمْ
[ ١ / ٣٧٤ ]
تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] ولا يقال لمن [لم] يطلبوا شيئًا: لم يجدوا؛ كما قال الله - تعالى- في الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] ثم لا يجوز له المصير إلى الصوم، إلا أن يعجز عن الرقبة، بعد طلبها.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجب طلب الماء، إلا أن يرى علامةً من خضرةٍ أو طيرًا يقع، أو قافلةً، ولا يجب تحمل المشقة العظيمة في طلب الماء، بل يطلب من رحله ورفقائه، ويسألهم عن موضعه. وإن كان في قاع مستوٍ لا حائل دون نظره، نظر عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه، وإن كان دون نظره حائل قريب من شجر أو تل- عدل إليه؛ فنظر وراءه. فإن كان يخاف لو عدل عن الحائل على نفسه، أو ماله من عدو أو سبعٍ، أو يخاف الوحدة أو الانقطاع، أو يخاف ضياع رحله، أو فوت الصلاة- تيمم وصلى ولا إعادة عليه؛ لأنهم لو دلوه على ماءٍ حقيقة، أو رأى الماء يقينًا، ويخاف شيئًا من هذه الأشياء، لو أتاه- لا يلزمه أن يأتيه، بل يصلي بالتيمم، ولا يعيد.
وإن كان في قافلة عظيمة، وقف ينادي: من يجود بالماء، من يبيع ماء، إن كان معه ثمنه؛ حتى تنقطع القافلة، أو يبقى من الوقت قدر إمكان الصلاة حينئذٍ يتيمم، ويصلي، ولا يعيد. وإنما أمرناه بذلك؛ لأن كل ساعة تمر عليه، من يجب الطلب منه، ولو قل رفقاؤه- لا يجب أن يطلب من كل واحد بعينه بل ينادي عليهم.
ولو بعثوا من يطلب لهم الماء، جاز. فإن طلب دون أمرهم، لم يسقط عنهم الطلب؛ فهو كطلب الرقبة في الكفارة لو طلب له غيره بأمره، جاز؛ بخلاف القبلة ليجتهد له غيره؛ لأنه أمر خفي، وهذا ظاهر.
ويجب تجديد الطلب لكل تيمم، وإن طال مقامه في مكان واحد؛ لأنه قد يعثر على بئر خفيت عليه، أو يرى من يدله على الماء، حتى لو تيمم، فقبل أن صلى أحدث- يجب إعادة الطلب، غير أن الطلب الثاني يكون أخف من الأول.
ولو طلب الماء في أول الوقت، وتيمم في آخر الوقت- جاز إذا لم يبرح مكانه، وكذلك لو تيمم في أول الوقت، ولم يبرح مكانه؛ فصلى في آخر الوقت، أو بعد خروج الوقت- جاز. وإن برح مكانه لم يجز، إلا بعد أن يجدد الطلب، ويتيمم ثانيًا ولو كان معه
[ ١ / ٣٧٥ ]
ماء، ولكنه محتاج إليه؛ لشربه، أو لسقي دوابه، أو يحتاج إليه رفيقه، ما لم يصل إلى ماء آخر- فهو كالمعدوم، وله أن يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه. وكذلك لو كان على طرف بئرٍ، أو في سفينة في البحر غير قادرٍ على آلة الاستسقاء- يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه، ولو لم يكن معه ماء، ووجده يباع بثمن المثل في موضعه، ومعه ثمنه من أي نوع من المال، وكان فاضلًا عن نفقته، ونفقة من معه من العياب والدواب، ما دام في سفره، عليه أن يشتريه. فإن لم يفضل ماله عن نفقته ونفقة عياله في سفره، أو فضل ولكن بيع الماء بأكثر من ثمن مثله، في مثل ذلك المكان- لا يجب أن يشتري، وإن قلت الزيادة، إلا أن يكون قدرًا يتغابن الناس بمثله، وإن لم يكن معه ثمن الماء، ولكن صاحبه يبيعه بنسيئةٍ، أو أقرضه رجلٌ ثمن الماء- يجب عليه أن يشتري ويستقرض، إن كان له [في] بلده مالٌ يؤديه. وإن لم يكن، لا يجب. وقيل: لا يجب الاستقراض؛ لأنه اكتسابٌ، ولا يجب الاكتساب لتحصيل الماء؛ بخلاف ما لو بيع منه نسيئةً؛ لأنه [تحصيل الماء]. ولو وهب له الماء، يجب القبول. ولو وهب له ثمن الماء، لا يجب [القبول]؛ لأن الماء يتسامح به من غير منةٍ، ولا يتسامح بالثمن إلا بمنةٍ ولا يلزمه قبول المنة. ولو أقرضه الرجل الماء، [يجب قبوله على الأصح. ولو وهبه الماء] ولم يقبل، وصلى بالتيمم فهل يجب الإعادة؟ وجهان: كما لو أراقه سفهًا. قال الشيخ إمام الأئمة: هذا إذا تيمم بعدما هلك الماء في يد الواهب، أو رجع الواهب عن قوله، فإن كان الماء قائمًا، والواهب على هبته لا يصح تيممه، وهل يجب أن يسأل الماء، ويستوهب إذا غلب على ظنه أن صاحبه يهبه؟
قيل: لا يجب؛ كالرقبة في الكفارة. والأصح: أنه يجب، نص عليه في رواية البويطي؛ بخلاف الرقبة؛ لأن الرقبة لو وهبت له لا يلزمه القبول، وقبول الماء واجب عليه، لو وهب له؛ فيلزمه السؤال.
ولو كان على طرف بئرٍ، وليس معه ما يستقي به الماء؛ فأعار منه رجل آلة الاستسقاء- يجب عليه أن يقبل. ولو وهب منه، لا يلزمه القبول، ولو باعه أو أجره- يجب أن يشتري، ويستأجر إن كان معه مال.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وكذلك العريان في الثوب، لو وجد ثوبًا يباع أو يؤجر، ومعه الثمن والأجرة- يجب أن يشتري، ويستأجر. ولو أعير منه، يجب القبول، ولو لم يفعل وصلى، يجب الإعادة، ولو وهب منه، لا يجب القبول.
ولو كان معه منديلٌ نفيسٌ تنقص قيمته لو استقى به، أو احتاج إلى شقه. سئل عنه القاضي حسين﵀- فقال: إن كان النقصان الذي يدخله قدر أجر مثل الحبل- يلزمه أن يستقي به، وإن كان أكثر لا يجب.
ولو وجد العريان الذي لا ماء معه ماء وثوبًا يباعان، ومعه ثمن أحدهما- يجب عليه شراء الثوب؛ لأنه لا بدل له، والوضوء بدلٌ؛ وهو التيمم. وكذلك يجب على السيد أن يشتري لعبده ما يستر به عورته، ولا يجب أن يشتري له ماء الطهارة في السفر. ولو كان معه ماء يحتاج إليه لوضوئه، ليس له أن يدفعه إلى صاحبه؛ ليتطهر به أو يغسل به ميتًا، ويختار لنفسه التيمم؛ لأن فرضه الوضوء، وفرض صاحبه التيمم. فلو وهبه من صاحبه، أو باعه منه؛ وهو غير محتاج إلى ثمنه- نظر: إن باع، أو وهب قبل دخول وقت الصلاة- صح، ويصلي بالتيمم. وإن فعل بعد دخول الوقت، ففيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن استعماله واجبٌ عليه.
والثاني يصح؛ لأن له فيه عوضًا؛ وهو جلب مودة صاحبه.
فإن قلنا: يصح، يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه. وإن قلنا: لا يصح البيع والهبة، فلا يصح تيممه، ما دام الماء قائمًا في يد صاحبه. فإن تلف، فهو كما لو أراق الماء سفهًا.
فإن كان ماؤه يفضل عن فرض طهارته، يستحب أن يجود به على صاحبه، ولا يجب.
وليس للمسافر أن يتوضأ بمائه وثم من يموت عطشًا؛ مسلمًا كان أو ذميًا، أو لصاحبه دابة، أو كلب غير عقور عطشان، [بل] يجب عليه أن يسقيه هبةً أو بيعًا، ويتيمم. فإن لم يفعل، للمضطر أن يكابره، ويأخذ منه [الماء] قهرًا وليس له أن يكابره على أخذ الماء للوضوء، ولا على أخذ الثوب منه؛ [ليستر عورته في الصلاة. إذا لم يكن مالكه مضطرًا مثله؛ كالماء. ولو كان معه ماء؛ فأراقه قبل دخول الوقت، لغير غرضٍ، فإذا دخل الوقت
[ ١ / ٣٧٧ ]
يتيمم، ويصلي، ولا إعادة عليه. [ولو أراقه] بعد دخول الوقت، نظر: إن أراقه لغرض من تبردٍ، أو تنظفٍ أو نحوه- تيمم، وصلى، ولا إعادة عليه [وإن] أراقه سفهًا، يصلي بالتيمم. وهل يجب عليه الإعادة؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه مفرطٌ في تضييع الماء.
والثاني: لا يجب؛ لأنه كان عادمًا للماء حالة التيمم، والتفريط كان في إراقة الماء؛ كما لو قتل الرقبة في الكفارة، جاز له أن يكفر بالصوم. فإن أوجبنا الإعادة، لا يجب إلا إعادة صلاة واحدة. وقيل: يعيد ما صلى بالتيمم إلى أن أحدث.
ولو اجتاز بماء في أول الوقت، ولم يتوضأ؛ حتى بعد- صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه. ولو دخل على المسافر وقت الصلاة- وهو عادم للماء- فله ثلاثة أحوال:
إحداها: إذا كان لا يرجو وجود الماء في آخر الوقت- فالأفضل أن يعجل الصلاة بالتيمم في أول الوقت.
[الحالة] الثانية: إذا كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت، ولا يتيقن- فإن شاء: عجل الصلاة بالتيمم، وإن شاء أخر؛ حتى يصل إلى الماء.
وأيهما أفضل؟
فيه قولان:
أصحهما: التعجيل بالتيمم أفضل؛ كما أن تعجيل الصلاة منفردًا في أول الوقت أفضل من تأخيرها إلى آخر الوقت؛ ليصلي بالجماعة.
والثاني- وبه قال مالك، وسفيان، وأبو حنيفة- رحمة الله عليهم-: التأخير أفضل؛ ليصل إلى الماء.
الحالة الثالثة: إذا كان الماء على طريقة يتيقن الوصول إليه قبل خروج الوقت- فالأفضل أن تؤخر الصلاة حتى يتوضأ؛ لأن الطهارة فريضة، والتعجيل فضيلة؛ فانتظار الفضيلة أولى. فإن صلى بالتيمم في أول الوقت، جاز.
[ ١ / ٣٧٨ ]
وقال في "الأم": لا يجوز، بل يؤخر؛ حتى يأتي الماء. والأول المذهب؛ لما روي عن ابن عمر﵄- أنه أقبل من "الجرف" حتى إذا كان بالمربد، تيمم؛ فصلى العصر، ثم دخل "المدينة" والشمس مرتفعة، ولم يُعد الصلاة. أما إذا كان الماء على يمينه، أو يساره، أو ورائه، ويمكنه أن يأتيه في وقت الصلاة- لا يلزمه أن يأتيه؛ لأن فيه زيادة مشقة عليه؛ كما لو وجد الماء يباع بأكثر من ثمنه، لا يلزمه الشراء.
قال الشيخ إمام الأئمة: إلا أن يكون [الماء] قريبًا من موضع طلبه، ويمكنه أن يأتيه من غير خوفٍ، ولا تعب يلزمه؛ سواء كان على يمينه أو على يساره أو أمامه.
وقيل: إذا كان يمكنه أن يأتي الماء في الوقت من غير خوفٍ، فلا فرق بين أن يكون على يمينه أو يساره، أو أمامه. وهل يجوز أن يصلي بالتيمم، أم يجب أن يأتي الماء فيتوضأ؟
فيه قولان:
فأما إذا كان معه ماء، ويخاف فوت وقت الصلاة لو اشتغل بالوضوء- يجب عليه أن يتوضأ، ولا يجوز أن يصلي بالتيمم.
وقيل: يصلي بالتيمم لحق الوقت، ثم يتوضأ ويعيد الصلاة. والأول المذهب.
ولو اجتمع قومٌ على رأس بئرٍ، وآلة الاستسقاء واحدة، [وأخذوا] يتناوبون فيها، فمن [علم أن النوبة تصل إليه في الوقت- يصبر حتى يتوضأ، ومن] علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت، فلا نص للشافعي في هذه المسألة. وذكر فيما لو اجتمع قوم في سفينة، وفيها مكان يتسع لقيام رجل واحد؛ فيتناوبون الصلاة فيه، فمن علم أن
[ ١ / ٣٧٩ ]
النوبة تنتهي إليه في الوقت، يصبر حتى يصلي فيه قائمًا، ومن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت قال: يصلي في الوقت قاعدًا.
وقال في جماعة من العراة بينهم ثوبٌ واحد؛ يتناوبون الصلاة فيه: فمن علم أن النوبة تنتهي إليه في الوقت، يصبر حتى يصلي فيه، ومن علم أن النوبة لا تأتيه إلا بعد الوقت، ذكر فيه قولين:
أحدهما: يصلي في الوقت عاريًا.
والثاني: ينتظر الثوب، وإن فات الوقت.
فمن أصحابنا من جعل الكل على قولين:
أحدهما: يراعي حق الوقت؛ كمن لا ماء معه يصلي بالتيمم. وغن علم أن يجده بعد الوقت.
والثاني: يصبر؛ حتى يصلي بعد الوقت لابسًا وقائمًا؛ لأن الثوب موجود؛ وهو قادر على القيام.
ومنهم من قال في السفينة: يصلي قاعدًا في الوقت، قولًا واحدًا؛ لأن القيام بدلًا وهو القعود، وفي انتظار الثوب قولان؛ لأنه لا بدل للستر، فمسألة انتظار [آلة الاستسقاء] كمسألة السفينة؛ لأن للوضوء بدلًا وهو التيمم. فإن قلنا: يصلي في الوقت بالتيمم، أو عاريًا أو قاعدًا، في السفينة- فهل تجب الإعادة إذا قدر على الثوب والماء [و] على القيام؟ فيه قولان أصحهما: أنه يجب الإعادة؛ كالعاجز الذي معه ماء، ولا يجد من يعينه على الوضوء ويصلي بالتيمم، ثم يعيد.
ولو اجتمع جنب وحائض وميت، وثمَّ ما يكفي لواحد منهم- فصاحب الماء أولى به من غيره، فإن فضل عن المالك، وأراد أن يجود به على واحدٍ منهم، أو هجموا على مباح- فالميت أولى به استحبابًا؛ لأن الحي يصل إلى الماء، فإن كان الحي يحتاج إليه للشرب، أو لسقي الدواب، ما دام في سفره- فهو أولى به، ويتيمم الميت فيدفن؛ حتى لو كان الماء للميت، يجوز للحي أن يأخذه لشربه، وسقي دوابه، ويغرم ثمنه لورثة الميت، إذا وصل إليهم باعتبار قيمة المفازة، وليس له [أن] يأخذ ماء الميت للطهارة، وإن كان على بدن الحي نجاسةٌ فيه وجهان:
[ ١ / ٣٨٠ ]
أصحهما: الميت أولى بالماء المباح؛ لأن غسله خاتمة أمره.
والثاني: الذي على بدنه النجاسة أولى به؛ لأنه لا بدل لغسل النجاسة، ولغسل الميت بدل، وهو التيمم؛ فإن كان على بدن الميت نجاسة، فهو أولى به وجهًا واحدًا.
ولو اجتمع جنبٌ وحائضٌ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: الحائض أولى؛ لأن حدثها أغلظ؛ بدليل أنه يمنع الغشيان، والجنابة لا تمنع.
والثاني: الجنب أولى؛ لأن وجوب الغسل عليه بنص الكتاب.
والثالث: هما سواء، يقرع بينهما.
ولو اجتمع جنبٌ ومحدث؛ نظر: إن كان الماء يكفي للجنب، ويفضل عن المحدث- فالجنب أولى به؛ لأن حدثه أغلظ. وإن كان لا يكفي للجنب، ويكفي للمحدث- فالمحدث أولى به؛ لأنه يستفيد به كمال الطهارة.
ولو اجتمع محدٌ، ورجل على بدنه نجاسة- فالذي على بدنه نجاسةٌ أولى، وكذلك ل كان على بدنه نجاسة؛ وهو محدث، ووجد من الماء ما يكفي لأحدهما يغسل به النجاسة؛ لأنه لا بدل له؛ ولأنه لو توضأ به، وصلى مع النجاسة- يجب عليه الإعادة، ولو غسل النجاسة، وتيمم للحدث- لا يجب الإعادة.
وكذلك لو كان محرمًا، وعلى بدنه طيبٌ؛ وهو محدث- يبتدئ بغسل الطيب. فلو تيمم المحدث قبل غسل النجاسة، لا يصح؛ لأنه لا يعقبه استباحة الصلاة. ولو كان مع المسافر من الماء ما لا يكفي لأعضاء وضوئه، إن كان محدثًا، أو لغسل جميع بدنه إن كان جانبًا؛ هل يلزمه استعمال؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو قوله الجديد، وبه قال عطاء-: يجب أن يغسل به بعض أعضائه؛ لأنه قادر عليه، ثم يتيمم للباقي على الوجه واليدين؛ كما لو كان بعض أعضائه جريحًا، يجب عليه غسل الصحيح منها.
وقال - في القديم- وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم-: لا يجب استعماله، بل يتيمم؛ كما لو وجد في الكفارة بعض رقبةٍ، لا يجب إعتاقه، بل ينتقل إلى
[ ١ / ٣٨١ ]
الصوم؛ بخلاف ما لو كان بعض أعضائه صحيحًا، يجب غسله؛ لأن العجز هناك في المؤدي؛ فيجب عليه أن يأتي بما قدر عليه؛ كمن عجز عن القيام في الصلاة يصلي قاعدًا؛ وكما لو كان فقد بعض الأعضاء، يجب عليه غسل الباقي. وهاهنا العجز في المؤدى به موجود بعضه، كفقد كله؛ كالرقبة للكفارة.
فإن قلنا: يلزمه استعماله، يجب أن يستعمله أولًا، ثم يتيمم. فلو قدم التيمم، لا يصح، ثم إن كان محدثًا، يغسل به وجهه، ثم بدنه على الترتيب، إلى أن ينفذ الماء. وإن كان جنبًا، غسل أي عضو شاء، والأولى أن يغسل أعضاء وضوئه ورأسه. ولو وجد المسافر الثلج، ولم يجد ما يذيبه، والهواء بارد، تيمم وصلى، ولا إعادة عليه. وهل يلزمه مسحُ الرأس به؟
قيل: قولان؛ كمن وجد من الماء ما لا يكفي لغسل أعضائه.
وقيل- وهو الأصح-: لا يجب؛ لأن الترتيب واجب في الوضوء، ومن أوجب استعمال بعض الماء، يوجب تقديمه على التيمم، وهاهنا لا يمكن تقديم مسح الرأس مع بقاء فرض الوجه واليد عليه.
ولو كان عادمًا للماء، ووجد [من] التراب ما يمسح به عضوًا، هل يلزمه مسحه.
قيل: فيه قولان.
وقيل: يلزمه قولًا واحدًا. وهو الأصح؛ لأنه لا بدل له؛ كالعريان إذا وجد ما يستر به بعض عورته، يلزمه ستره. وكذلك إذا وجد من الماء ما يغسل به بعض أعضائه؛ وهو عادم للتراب، هل يلزمه استعماله؟ فعلى هذا لا خلاف.
فصلٌ في المتيمم يجد الماء
روي عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر؛
[ ١ / ٣٨٢ ]
فحضرت الصلاة- وليس معهما ماء- فتيمما وصليا، ثم وجدا في الوقت؛ فأعاد أحدهما الصلاة، ولم يُعِد الآخر. ثم أتيا رسول الله - ﷺ فذكرا ذلك. فقال للذي لم يُعِدْ: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك". وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين". والصحيح: أن الحديث مرسلٌ عن عطاء، [وليس] فيه ذكر أبي سعيد.
إذا وجد المتيمم الماء، بطل تيممه، ولا يجب إعادة ما صلى بالتيمم، وإن كان وقت الصلاة باقيًا.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وقال عطاء وطاوس والزهري: يجب إعادة الصلاة بالوضوء إن كان الوقت باقيًا، ولو وجد الماء في خلال الصلاة، مضى في صلاته، ولا إعادة عليه، بخلاف المستحاضة
[ ١ / ٣٨٤ ]
إذا انقطع دمها في خلال الصلاة، تبطل صلاتها؛ لأن المستحاضة قد أحدثت بعد الطهارة حدثًا، وجوزنا صلاتها معه؛ لأجل الضرورة، وقد زالت الضرورة، ولم يوجد من المتيمم بعد تيممه حدثٌ. ورؤية الماء ليست بحدث؛ بدليل أنه لو كان معه ماء- وهو محتاج إليه لشربه- يجوز له أن يصلي بالتيمم، غير أن القدرة على استعمال الماء يعيد حكم حدثه السابق. وإذا وجد الماء في خلال الصلاة فهو غير قادر على استعماله شرعًا؛ لأن حرمة الصلاة تمنعه؛ فصار كمن لا يقدر على استعماله لمانع حسي من لص أو سَبُعٍ يمنعه عن الماء، لا يبطل تيممه. وجعل بعض أصحابنا في بطلان صلاة المتيمم يجد الماء، والمستحاضة ينقطع دمها جميعًا- قولين؛ بنقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم: تبطل صلاة المتيمم بوجود الماء؛ كالمعتدة بالأشهر ترى الدم في خلالها تنتقل إلى الأقراء.
قلنا: لأنها لم تتلبس بالمقصود. نظيره فيما نحن فيه؛ أن يرى الماء في أثناء التيمم يبطل تيممه، ونظيره ما نحن فيه من المعتدة: أن ترى الدم بعدما اعتدت بالأشهر ونكحت، لا يجب عليها أن تعتد بالأقراء.
إذا ثبت أن صلاته لا تبطل بوجود الماء؛ فهل يستحب له الخروج عن الصلاة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يستحب، حتى يستأنفها بالوضوء للخروج عن الخلاف.
والثاني: لا يجوز أن يخرج؛ لما فيه من إبطال العمل، والله - ﷿- يقول: ﴿﴾ [محمد: ٣٣] فإذا [لم يخرج، فكما] فرغ من الصلاة والماء قائم، يبطل تيممه، وإن تلف الماء قبل فراغه من الصلاة؛ نظر: إن لم يعلم بتلفه حتى سلم [فلما سلم] بطل تيممه؛ لتوهم القدرة على الماء.
وإن علم بتلفه قبل الفراغ من الصلاة، فلا يبطل تيممه؛ على الصحيح من المذهب؛ حتى يجوز له أن يتنفل [بعده] بذلك التيمم.
وقال صاحب "التلخيص": قد بطل تيممه بوجود الماء، إلا في [حق] الصلاة
[ ١ / ٣٩١ ]
الواحدة؛ لاشتغاله بها، وإذا سلم لم يجز له أن يصلي إلا بتيمم جديد.
ولو وجد المتيمم الماء في خلال صلاة النفل، لا تبطل صلاته؛ كالفرض. ثم ينظر إن شرع فيها بنية مطلقة، أو بنية أن يصلي ركعتين -[لا] يجوز أن يزيد على ركعتين، وإن نوى أربعًا وأكثر، له أن يتم ما نوى، ولا يزيد عليها؛ [وبه قطع العراقيون].
وقال الشيخ﵀-[وإن] نوى ركعتين، يجوز أن يزيد عليها؛ لأن حرمة التحريم قائمة، ما لم يسلم. وإن كان تيممه للمعةٍ لم يقدر على غسلها؛ فوجد في خلال الصلاة [ماء] قريبًا منه- لا يؤمر بغسلها في الصلاة؛ بخلاف العريان يجد الثوب قريبًا منه في الصلاة، يجب عليه ستر العورة؛ لأنه لم يأت عن ستر [العورة] ببدلٍ، وقد أتى عن غسل اللمعة ببدلٍ؛ وهو التيمم.
ولو شرع المسافر في الصلاة بالتيمم، ثم نوى الإقامة- نظر: إن لم يجد الماء، مضى في صلاته؛ لأن نية الإقامة ليست بأكثر من وجود الماء، وكذلك لو اتصلت السفينة بدار الإقامة في خلال الصلاة بالتيمم- لا تبطل صلاته. وهل يجب الإعادة؟ وجهان: أظهرهما: لا يعيد؛ كالمتيمم يجد الماء في خلال الصلاة.
وقيل [هاهنا]: يعيد؛ لأن الإقامة حصلت بصنعه، بخلاف ما لو وجد الماء. والأول أصح. أما إذا وجد الماء في خلال الصلاة، ثم نوى الإقامة تبطل صلاته؛ لأنه مقيم صحيح واجدٌ للماء؛ فلا تصح صلاته بالتيمم.
قال صاحب "التلخيص" تخريجًا.
وقيل: لا تبطل صلاته؛ لأنه افتتحها مسافرًا عادمًا للماء. والأول أصح تغليبًا لحكم الحضر.
فإن قلنا: لا تبطل صلاته، هل يجب الإعادة؟
حكمه حكم ما لو نوى الإقامة، ولا ماء معه. ولو تيمم، ثم وجد من الماء ما لا يكفي
[ ١ / ٣٩٢ ]
لأعضاء وضوئه. إن قلنا: يجب استعماله، يبطل تيممه. [(وإن قلنا: لا يجب استعماله، لا يبطل تيممه)].
ولو أن جنبًا اغتسل؛ فنفذ الماء، وبقيت لمعةٌ من بدنه، ثم أحدث، يتيمم لها تيممًا واحدًا.
ولو تيمم، ثم وجد من الماء ما يكفي لغسل اللمعة. فإن قلنا: يلزمه استعمال القليل من الماء، بطل تيممه؛ لأن الماء لا يتعين لغسل اللمعة، ثم الأولى: أن يستعمله في اللمعة ثم يعيد التيمم للحدث.
وإن قلنا: لا يجب استعمال القليل من الماء، فلا يبطل تيممه في حق الحدث؛ فيغسل به اللمعة، ويصلي.
قال الشيخ﵁-: ولو تلف الماء، يجب [عليه] إعادة التيمم؛ لأن تيممه قد بطل في حق اللمعة.
ولو وجد ذلك القدر من الماء؛ فتيمم قبل استعماله- نظر: إن تلف الماء، يجب [عليه] إعادة التيمم؛ لأن تيممه لم يقع عن اللمعة. وإن غسل به اللمعة، هل يجب إعادة التيمم للحدث؟
إن قلنا: يجب استعمال القليل من الماء يجب، وإلا فلا يجب، وله أن يصلي بذلك التيمم.
قال الشيخ: هذا إذا كان الماء يكفي للمعته، ولا يكفي لأعضاء وضوئه، فإن كان يكفي لوضوئه، ولكن لو غسل اللمعة لا يكفي له الفضل- بطل تيممه على القولين؛ لأنه كافٍ لكل واحد منهما، ولا يتعين عليه أحدهما؛ حتى يقال: يصح تيممه في حق الآخر. ولو تيمم عند عدم الماء، ثم رأى قافلةً بطل تيممه؛ لأنه وجب عليه طلب الماء منهم.
ووجوب طلب الماء على المتيمم يُبطلُ تيممه؛ فإن طلب، ولم يجد؛ يعيد التيمم.
وكذلك توهم القدرة على الماء يبطل التيمم؛ مثل: أن رأى بعد التيمم سرابًا ظنه ماء،
[ ١ / ٣٩٣ ]
أو رأى ماء ظنه طاهرًا؛ فبان نجسًا، أو رأى بئرًا ظن أن فيها ماء؛ فلم يكن، أو ظن أنه يمكنه نزولها؛ فلم يمكن- بطل تيممه، ويعيده بعد زوال التوهم. أما إذا رأى رجلًا عاديًا، فلما وقع بصره عليه؛ علم أن لا ماء معه، أو رأى بئرًا. علم أن لا ماء فيها أو لا يمكنه أن يستقي منها- لا يبطل تيممه.
ولو رأى المتيمم ماء، وثم سَبُع أو عدو يمنعه منه- نظر: إن رأى الماء أولًا، ثم رأى المانع- بطل تيممه. وإن رأى المانع أولًا، أو رآهما معًا- لا يبطل تيممه. ولو سمع بعد التيمم رجلًا يقول: أودعني فلان ماءً أو غصبت من فلان ماءً- لا يبطل تيممه.
ولو قدم ذكر الماء؛ فقال: معي ماء أودعنيه فلان، أو غصبته من فلان فقد قيل يبطل تيممه؛ لأنه أطعمه في الماء بتقديم ذكره، ثم أزال طعمه بذكر الوديعة والغصب.
وذكر القاضي﵀-[أنه] وإن قدم ذكر الماء، يحتمل ألا يبطل تيممه؛ على قول من لا يُبغض الأقارير.
قال شيخنا: هذا ضعيف. ولو نسي المسافر الماء في رحله؛ فصلى بالتيمم- يجب عليه الإعادة؛ لأن الفرض لا يسقط بالنسيان؛ كما لو نسي غسل عضوٍ من أعضاء الوضوء؛ وصلى، أو نسي الرقبة في الكفارة؛ فصام- لا يحسب وحكى أبو ثور قولًا؛ وهو قول أبو حنيفة: أنه لا يجب الإعادة وكذلك لو نسي أن يكون له رجل، ولو ضل رحله في الرحال، أو ضلت راحلته وله عليها ماء، أو حال بينه وبينها عدو أو حريق؛ فصلى بالتيمم- لا إعادة عليه. ولو ضل الماء في رحله، تيمم، وصلى وأعاد؛ [لأنه زاد] وقيل: لا يعيد؛ كما لو ضلت راحلته. ولو طلب الماء في رحله، فلم يجد؛ فذهب ليطلبه من موضعٍ آخر، فوضع رجل ماء في رحله وصلى بالتيمم- لا إعادة عليه. وإن لم يطلب الماء من رحله؛ لعلمه: أن لا ماء فيه وكان قد وضع فيه غيره الماء- يجب الإعادة على الأصح.
ولو عثر على بئر بعدما صلى بالتيمم؛ نظر: إن علم البئر، ثم نسيها، فهو كنسيان الماء؛ يجب الإعادة. وإن لم يعلمها؛ نظر: إن كانت في موضع طلبه مكشوفةً، يجب الإعادة، وإن لم يكن في موضع طلبه أو كانت مغطاة؛ فظهرت لا يجب الإعادة.
[ ١ / ٣٩٤ ]
ومن لم يجد الماء في الحضر، فإن كان محبوسًا، أو كان لتلك القرية نهر انقطع ماؤها، أو بئر انحسر ماؤها- يجب عليه أن يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا وجد الماء؛ سواء كان الرجل مقيمًا، أو مسافرًا؛ لأن القرى تبنى على المياه؛ فعدم الماء فيها نادرًا.
وقال مالك، والأوزاعي- رحمة الله عليهما-: لا يعيد الصلاة ولو لم يجد ماء، ولا ترابًا، يجب أن يصلي لحق الوقت، ثم يعيد إذا وجد أحد الطهورين. ولا يجوز له حملُ المصحف، وإن كان جنبًا لا يجوز له قراءة القرآن إذا صلى، بل يذكر الله بدل القراءة؛ لأن الجنب ممنوع من قراءة القرآن، وسائر الأركان يأتي بها تشبهًا، وقراءة القرآن حقيقة. وكذلك الحائض إذا انقطع دمها، ولم تجد أحد الطهورين- لا يجوز للزوج غشيانها.
وأما الجنب إذا لم يجد الماء في الحضر وصلى بالتيمم؛ هل له قراءة القرآن؟ فيه وجهان:
وكذلك: هل يجوز له حمل المصحف؛ محدثًا كان أو جنبًا؟ فيه وجهان: والأصح: يجوز. وكذلك إن كانت حائضًا؛ فتيممت، جاز للزوج غشيانها.
وقال في القديم: من لم يجد ماء ولا ترابًا، يجوز له تأخير الصلاة إلى أن يجد أحد الطهورين. ويستحب أن يصلي.
قال مالك، وأبو حنيفة، وكثير من أهل العلم: يؤخر الصلاة. وإذا لم يجد ماء ولا ترابًا؛ فشرع في الصلاة، ثم أ؛ دث- بطلت صلاته؛ كالمستحاضة إذا أحدثت في الصلاة حدثًا جديدًا، تبطل صلاتها. ولو وجد أحد الطهورين في خلال الصلاة، بطلت صلاته.
وكذلك من شرع في الصلاة في الحضر بالتيمم، ثم وجد الماء- بطلت صلاته؛ لأنه لم يشرع فيها ببدلٍ صحيح؛ ولهذا وجبت عليه الإعادة، ولا يجوز أداء صلاة العيد والجنازة للمقيم السليم مع وجود الماء بالتيمم.
وقال أبو حنيفة: يجوز إذا خاف قوتهما لو اشتغل بالوضوء. وبالاتفاق لا يجوز أداء صلاة الجمعة بالتيمم مع وجود الماء، وإن خاف فوتها؛ مع أنها آكد، فما دونها أولى.
[ ١ / ٣٩٥ ]
فصلٌ فيما يستباح بالتيمم
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. إلى قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].
ظاهر الآية يدل على وجوب الوضوء والتيمم لكل صلاة؛ غير أن الدليل قد قام في الوضوء: أنه يجوز أن يصلي به فرائض فيبقى التيمم على ظاهره.
قال ابن عباس: لا يصلي مكتوبة غلا بتيمم.
التيمم يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل، غير أن المتيمم لا يجوز له أن يجمع بين لاتي فرض بتيمم واحد، ولا بين طوافي فرض، ولا بين صلاة فرض، وطواف
[ ١ / ٣٩٦ ]
فرض. ولا بين منذورين، ولا بين منذورة ومكتوبة، بل يجب أن يحدث لكل صلاة تيممًا بعد طلب الماء؛ وهو قول جماعةٍ من الصحابة والفقهاء.
وقال سعيد بن المسيب، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة: يجوز أن يجمع بين فرائض بتيمم واحد، ما لم يحدث. وبالاتفاق يجوز أن يجمع بين فريضةٍ وما شاء من النوافل قبلها وبعدها، وأن يسجد للتلاوة والشكر، ويحمل المصحف، وإن كان جنبًا أن يقرأ القرآن، ويعتكف بعد الفريضة وقبلها.
ولو جمع بين فريضة وصلاة جنازة، نص على جوازه، ونص على أنه: لا يجوز أداء صلاة الجنازة على الراحلة؛ كالفريضة. فمن أصحابنا من جعل فيها قولين:
أحدهما: لا يجوز في الموضعين؛ لأن صلاة الجنازة فريضة.
والثاني: يجوز؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان.
وقيل المسألة على حالين، إن كانت صلاة الجنازة متعينة عليه لا يجوز حتى يجدد لها تيممًا ولا يجوز على الراحلة ولا قاعدًا مع القدرة على القيام فإن، لم تكن متعينة عليه يجوز.
وقيل: يجوز بعد الفريضة بتيمم واحد؛ لأنها ليست بفرض عينٍ، ولا يجوز على الراحلة، ولا قاعدًا مع القدرة على القيام؛ لأنه معظم صلاة الجنازة؛ وهو القيام، وهو يخل به. وكذلك لو تيمم وصلى على جنازة [ثم أراد] أن يصلي على جنازة أخرى- فعلى هذا الاختلاف. والأصح جوازه.
[ ١ / ٤٠٢ ]
ولو جمع بين طواف فرضٍ وركعتي الطواف، هذا يبنى على أن ركعتي الطواف فريضة أم نافلة؟
وفيه قولان: إن قلنا: نافلة، يجوز. وإن قلنا: فريضة فوجهان: الأصح: لا يجوز؛ حتى يجدد التيمم لركعتي الطواف.
والثاني: يجوز؛ لأنها [تبع لركعتي الطواف] وكذلك الوجهان في الجمع بين [الخطبة] وصلاة الجمعة؛ بتيمم واحد.
ولو صلى بالتيمم فريضة، ثم أدرك جماعة؛ فصلاها معهم بذلك التيمم- يجوز؛ لأن الفريضة منهما واحدة.
ولو نسي صلاة من صلوات يوم وليلة، لا يدري عينها، [وأراد أن يصليها بالتيمم- يجب أن يزيد على عدد التيمم، على عدد ما فاته من الصلوات. فإن لم يُزد في عدد التيمم]، يجب عليه قضاء خمس صلوات، ويجوز فعل الكل بتيمم واحد؛ لأن الفرض منهما واحد.
ولو نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة، ولا يدري عينهما وأراد أن يصلي بالتيمم- يجب أن يزيد عدد التيمم على عدد ما فاته من الصلوات، فإن لم يزد في عدد التيمم يزيد في عدد الصلوات، وأيهما فعل جاز؛ غير أن صاحب "التلخيص" يقول: [يصلي] خمس صلوات بخمس تيممات؛ فيزيد في عدد التيمم.
وقال ابن الحداد: يزيد في عدد الصلوات، ويصلي ثماني صلوات بتيممين؛ فيتيمم ويصلي الصبح والظهر والعصر والمغرب، ثم يتيمم ويصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
[ويجب أن يترك في المرة الثانية من الصلوات ما ابتدأ بها في الأول. حتى لو صلى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء]. وبالثانية الصبح والظهر والعصر والمغرب- لا يسقط عنه إلا أحد الفرضين؛ لاحتمال أن [يكون] أحد فرضيه عشاء، والفرض الآخر إحدى الصلوات الثلاث. أما الظهر أو العصر أو المغرب، فبالتيمم الأول صحت تلك الصلاة، ولم يصح العشاء. وبالتيمم الثاني: تصح العشاء.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ولو نسي ثلاث صلواتٍ من صلوات يوم وليلة، أو أربع صلوات ولم يدر عينها- فعلى قول صاحب "التلخيص" يتيمم خمس تيممات، ويصلي خمس صلوات. وعلى قول ابن الحداد: إذا نسي ثلاث صلواتٍ يتيمم ثلاث تيممات، ويصلي تسع صلوات؛ فبالتيمم الأول: يصلي الصبح والظهر والعصر، وبالثاني: الظهر والعصر والمغرب، وبالثالث: العصر والمغرب والعشاء. وإذا نسي أربع صلوات، يتيمم أربع تيممات، ويصلي ثماني صلوات.
فبالتيمم الأول: يصلي الصبح والظهر، والثاني: الظهر والعصر، وبالثالث: العصر والمغرب، وبالرابع: المغرب والعشاء.
ولو نسي صلاتين من صلوات يومين؛ نظر: إن علم أنهما مختلفتان، فهو كما لو نسيهما من يوم وليلة. وإن علم أنها متفقتان، [أو] شك لم يدر أنهما متفقتان، أو مختلفتان- يأخذ بأسوأ- الأحوال؛ وهو أنهما متفقتان؛ فيجب عليه أن يصلي عشر صلوات بتيممين، كل خمس منها بتيمم.
ولو تيممت الحائض، وصلت فريضة- جاز للزوج غشيانها بعده، ولا يجب تجديد التيمم بعده لكل وطأةٍ. ولو وجد الماء في خلال الفعل، يجب قطعه.
ولو أن جنبًا تيمم، ثم أحدث- بطل تيممه في حق الصلاة، ولا يجوز أن يصلي، ولكن يجوز له قراءة القرآن والاعتكاف في المسجد؛ لأن تيممه قام مقام الاغتسال؛ فارتفع به تحريم القرآن والاعتكاف، فلا يعود ذلك إلا بجنابةٍ جديدة، أو بوجود الماء؛ فإن وجود الماء يعيد حكم الحدث السابق، ولم يوجد من الجنب بعد التيمم شيءٌ منها، إنما وجد الحدث، والحدث لا يحرم الاعتكاف ولا القراءة؛ فهو كما لو اغتسل الجنب، ثم أحدث يحرم عليه الصلاة، ولا يحرم القراءة والاعتكاف، وكذلك الحائض إذا تيممت، ثم وطئها الزوج، بطل تيممها في حق الصلاة وقراءة القرآن والاعتكاف، لحدوث الجنابة ولا يبطل في حق الغشيان؛ لأن تحريم الغشيان قد ارتفع بالتيمم [الأول] فلا يعود إلا بحيضٍ جديد، أو بوجود الماء. إذا ثبت أن الجنب إذا تيمم، ثم أحدث لا يبطل تيممه، في حق القراءة والاعتكاف؛ فلو أنه وجد من الماء ما لا يكفي لغسله، ويكفي لوضوئه؛ فإن قلنا: يجب استعمال القليل من الماء، بطل تيممه في الكل؛ فيستعمله، ثم يعيد التيمم.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وإن قلنا: لا يجب استعمال القليل منا لماء، فتيممه باقٍ في جواز القراءة والاعتكاف؛ كما كان، وبطل في حق الصلاة؛ لأنه وجد من الماء ما يكفي لحدثه الذي حدث، فإذا توضأ، جاز له أن يصلي. والله أعلم.
باب جامع التيمم
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية [المائدة: ٦].
لا يجوز أداء الصلاة بالتيمم، إلا بأحد العذرين: إما السفر، أو المرض.
[ ١ / ٤٠٥ ]
ومجموعهما العجز عن استعمال الماء ولا يصح التيمم لصلاة الوقت إلا بعد دخول الوقت في العذرين جميعًا.
وقال أبو حنيفة﵀-: يجوز. وظاهر القرآن حجةٌ عليه؛ حيث أوجب الطهارة عند القيام إلى الصلاة، غير أن الدليل قام في الوضوء؛ أنه يجوز قبل الوقت؛ فبقي التيمم على ظاهره، ويشترط في عذر السفر طلب الماء بعد دخول الوقت، ولا يحسب الطلب قبل دخول الوقت، ولا يتيمم لصلاة [الخوف إلا بعد أن يبتدئ الخوف] ولا لصلاة الاستسقاء إلا بعد الخروج إلى الصلاة، ولا لصلاة الجنازة إلا بعد غسل الميت، ولا لتحية المسجد إلا بعد دخول المسجد، ولا للفائتة إلا بعد أن يذكرها؛ حتى لو تيمم لفائتةٍ يظنها عليه، ولا يتحقق ثم تيقن- لا يجوز فعلها به. ولو تيمم لفائتةٍ هو ذاكرها قبل دخول وقت الفرض، ثم دخل الوقت؛ فأراد أن يصلي صلاة الوقت، دون الفائتة.
ولو تيمم لصلاة الوقت بعد دخول وقتها؛ وهو لا يذكر فائتةً، ثم تذكر فائتة، وأراد أن يصلي الفائتة، دون صلاة الوقت- يجوز على أصح الوجوه.
[ ١ / ٤١٢ ]
وقيل: لا يجوز؛ لأنه يريد أداء صلاة لو تيمم لها، لم يصح.
وقال الشيخ أبو زيدٍ: إن تيمم للفائتة، ثم دخل وقت الصلاة- لا يصلي صلاة الوقت؛ لأنها لم تكن واجبةً عليه، حال التيمم. وإن تيمم لصلاة الوقت، ثم تذكر فائتة، يجوز أن يصليها؛ لأن الفائتة كانت واجبةً عليه حالة التيمم، وإن كان لا يذكرها. والأول أصح؛ لأن التيمم إذا صح لصلاة يجوز أداء غيرها به؛ كما لو كانت عليه فائتتان يذكرهما فتيمم لإحداهما- جاز له أن يصلي الأخرى، دون ما عينها، وكذلك لو دخل عليه وقت الصلاة، وتذكر فائتة؛ فتيمم لإحداهما- جاز له أن يصلي الأخرى دون التي تيمم لها. ولو تيمم لفائتة هو ذاكرها، ثم تذكر فائتة أخرى؛ فأراد أن يصلي به الثانية دون الأولى- يجوز على ظاهر المذهب.
وعلى الوجه الثاني: لا يجوز.
فصلٌ في المرض المبيح للتيمم
روي عن جابرٍ بن عبد الله قال: "خرجنا في سفرٍ؛ فأصاب رجلًا منا حجرٌ؛ فشجه في رأسه؛ فاحتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصةً في التيمم قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي - ﷺ- أخبر بذلك. فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إن لم يعملوا، فإنما شفاء العي السؤال؛ إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".
[ ١ / ٤١٣ ]
كل مرضٍ لا خوف فيه من استعمال الماء؛ كالصداع والحمى اليسيرة لا يبيح التيمم؛ لأن الماء لا يضره، وإنما ينفعه.
"قال النبي - ﷺ-: "الحمى من فيح جهنم؛ فأبردوها بالماء" وإن كان به مرضٌ يخاف من استعمال الماء الهلاك؛ كالجدري والحصبى، أو به جراحةٌ يخاف من استعمال الماء تلف العضو، أو يخاف مرضًا يفضي إلى الهلاك- يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه. وإن كان لا يخاف التلف، ولكن يخاف شدة الضنا، وزيادة العلة والوجع- فقولان: قال: في "الأم" [لا يتيمم] لأنه لا يخاف التلف.
وقال في "الإملاء"، وفي القديم- وهو الأصح- وهو قول أكثر أهل العلم: يباح له التيمم؛ لأنه يفضي به إلى الخوف. وكذلك إذا كان يخاف إبطاء البرء، وبقاء الشين القبيح، الذي يشوه الخلقة؛ كالسواد الكثير في الوجه ونحوه- يباح له التيمم؛ على أصح القولين.
فأما [بقاء] الشين اليسير؛ مثل: أثر الجدري، والسواد القليل- لا يبيح التيمم. وإذا أشكل أمر المرض، فلا يقبل في كونه مخوفًا إلا قول طبيب مسلم عدلٍ، وإن كان عبدًا أو امرأة، ولا يجوز الاعتماد على قول المراهق؛ على أحد الوجهين.
[ ١ / ٤١٤ ]
وقيل: في الفاسق أيضًا وجهان. وإن كان بعض أعضاء [طهارته] صحيحًا، والبعض جريحًا، يخاف من استعمال الماء فيه - يجب عليه أن يغسل الصحيح، ويتيمم لأجل الجريح على الوجه واليدين.
وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر أعضائه صحيحًا، غسل الصحيح، ولا تيمم عليه، وإن كان الأكثر جريحًا يكفيه التيمم، ولا يجب غسلُ الصحيح. وحديث جابر دليلٌ على وجوب الجمع بين التيمم والغسل.
وإن كانت الجراحة على محل التيمم- يجب إيصال التراب إلى محل الجراحة؛ لأنه لا خوف من إمرار التراب عليه. وكذلك إذا كانت للجراحة أفواهٌ مفتحةٌ يجب إيصال التراب إلى ما تفتح منها؛ لأنه في حكم الطاهر.
وإن كانت على الجراحة لصوقٌ، يجب عليه رفع اللصوق؛ للتيمم. فإن خاف من نزع اللصوق أن ينقطع اللحم الرطب، لا ينزعه؛ وهو كالجبيرة. ثم إن كان هذا الجريح جنبًا فإن شاء قدم غسل الصحيح من أعضائه ثم تيمم. وإن شاء قدم التيمم على الغسل؛ بخلاف المسافر إذا وجد [من] الماء ما لا يكفي لأعضاء طهارته.
وقلنا: يجب استعماله- يجب أن يستعمله أولًا، ثم يتيمم؛ لأن المسافر أبيح له التيمم؛ لعدم الماء، ولا يصير عادمًا للماء ما لم يستعمل ما معه، وأبيح للجريح التيمم؛ للخوف من استعمال الماء في محل الجراحة مع وجود الماء؛ فيجوز له تقديم التيمم. وإن كان محدثًا، والجراحة على أعضاء طهارته؛ هل يجب عليه الترتيب في التيمم مع الوضوء، أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنهما طهارتان، بل إن شاء تيمم وغسل المقدور عليه من أعضائه، وإن شاء قدم الغسل، ثم تيمم، وإن شاء تيمم في خلال غسل الأعضاء.
والوجه الثاني: يجب عليه الترتيب؛ لأن التيمم مع غسل الصحيح من الأعضاء هو الوضوء التام؛ فيترتب على هذا: إن كانت الجراحة على وجهٍ، يجب تقديم التيمم على غسل اليد، ثم إن أمكنه غسلُ بعض الوجه؛ فإن شاء قدمه على التيمم، وإن شاء تيمم
[ ١ / ٤١٥ ]
قبله؛ لأنه [لا] ترتيب في غسل عضوٍ واحد وإن كانت الجراحة على يديه، يجب تأخير التيمم عن غسل الوجه، وتقديمه على مسح الرأس. وإن كانت على رجله، يجب تأخير التيمم عن مسح الرأس.
وقال الشيخ إمام الأئمة﵀-: على هذا الوجه إذا كانت الجراحة على يده ورجله، فلا بد من [تيممين]: أحدهما: عن غسل اليد بعد غسل الوجه، وقبل مسح الرأس. والآخر: عن غسل الرجل بعد مسح الرأس، فإذا غسل الصحيح من أعضائه، وتيمم للجريح، وصلى فريضة، فإذا أراد فريضة أخرى يجب عليه تجديد التيمم، ولا يجب إعادة الغسل، إلا أن يكون محدثًا، والجراحة على غير الرجل.
وقلنا: يجب الترتيب، فحينئذٍ إذا عاد التيمم للفريضة الأخرى- يجب عليه غسل ما بعد العضو الجريح؛ لأجل الترتيب. وإن كان جنبًا والجراحة على غير أعضاء وضوئه، فغسل الصحيح وتيمم للجريح، ثم أحدث قبل أن يصلي فريضة- يجب عليه الوضوء، ولا يجب إعادة التيمم؛ لأن تيممه من غير أعضاء الوضوء؛ فلا يؤثر فيه الحدث. وإذا برئت الجراحة، وهو على طهارته- يجب عليه غسل محل الجراحة، ويجب غسل ما بعدها، إن كان محدثًا، والجراحة على أعضاء طهارته؛ لمراعاة الترتيب.
وهل يجب استئناف الوضوء، أو إن كان جنبًا هل يجب استئناف الغسل أم لا؟ فيه قولان؛ كالماسح على الخفٌ إذا نزع الخف، وهو على طهارة المسح يجب عليه غسلُ الرجلين وهل يجب استئناف الوضوء؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب، وهذا بخلاف ما قبل الاندمال إذا صلى بالتيمم فريضة، [ثم أراد فريةً] أخرى يجب إعادة التيمم، ولا يجب استئناف الوضوء قولًا واحدًا؛ لأن هناك لم ينتقض بشيءٍ من وضوئه، والتيمم طهارة منفردة ارتفع حكمها؛ فلا يكون سببًا لنقض طهارةٍ أخرى؛ كالجنب إذا اغتسل، ثم أحدث، لا يبطل غسله. وهاهنا إذا اندملت الجراحة، وجب غسل محل الجراحة؛ وهو من جملة الوضوء؛ فيصير كأن طهره انتقض في ذلك المحل؟ وإذا بطل بعض الوضوء، بطل كله. وقيل: فيما قبل الاندمال إذا تيمم لفريضة أخرى أيضًا قولان، وليس بصحيح.
[ ١ / ٤١٦ ]
وإذا توهم الجريح اندمال الجرح بعد التيمم؛ فرفع اللصوق؛ لينظر إليه فإذا هو لم يندمل لا يبطل تيممه؛ بخلاف المسافر يتوهم وجد الماء يبطل تيممه؛ لأن توهم الماء يوجب الطلب، وطلب الماء يبطل التيمم. وإذا برئت الجراحة لا يجب عليه إعادة الصلوات التي صلاها بالتيمم، إلا أن يكون على جرحه دمٌ لم يمكنه غسله؛ فتجب الإعادة على ظاهر المذهب.
وقيل في القديم- وهو اختيار المزني-: لا يجب الإعادة وإن خاف إن غسل ما حوالي الجرح من الصحيح أن يصيب الماء الجرح يحتال في إفاضة الماء عليه؛ على وجه لا يصيب الجراحة فإن لم يمكنه لمس ما حواليه الماء من غير إفاضة، ويجزيه. فإن أمكن غسل ما حواليه، ولكن الجراحة على ظهره لا تنالها يده، أو كان الرجل أعمى أو أقطع لا يمكنه إفاضة الماء عليه؛ من غير أن يصيب الجرح يستعين بغيره [في غسل] ما حواليه؛ فإن لم يجد من يعينه، غسل ما قدر عليه، وتيمم وصلى. ثم إذا وجد من أعانه على غسله، وأعاد الصلاة؛ كالزمن الذي بقربه ماء، ولا يجد من يناوله يصلي بالتيمم، ثم يغتسل.
وإذا انكسر عظم على أعضاء طهارته، واحتاج إلى وضع الجبائر عليه، وضعها على الطهارة، ولا يدخل تحت الجبيرة من الصحيح إلا قدر الحاجة. وإذا تطهر، يجب عليه أن يمسح الجبيرة بالماء. فإن كان جنبًا مسحها متى شاء، وإن كان محدثًا فإذا وصل إلى غسل ذلك العضو يمسح عليها، وهل [يجب] تعميم الجبيرة بالمسح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ كما لا يجب تعميم الخف بالمسح.
والثاني- وهو الأصح-: يجب؛ لأنه مسحٌ أبيح للضرورة؛ فيجب فيه التعميم؛ كمسح الوجه [في التيمم] بخلاف مسح الخف؛ فإنه رخصة ليس ببدلٍ؛ بدليل جوازه مع القدرة على غسل الرجل.
ومن تمام الرخصة ألا يوجب عليه التعميم؛ حتى لا يفسد خفه، وهل يجب عليه التيمم مع مسح الجبيرة؟ ظاهر ما ذكر في "المختصر" يدل على أنه لا يتيمم.
وقال في "الأم": يتيمم.
[ ١ / ٤١٧ ]
قيل: فيه قولان: أحدهما: يتيمم؛ كالجريح.
والثاني: لا يتيمم؛ لأنه أتى عما تحت الجبيرة ببدلٍ؛ وهو مسح الجبيرة؛ فلا يلزمه بدلٌ آخر.
وقيل: هو على حالين: فإن كان ما تحت الجبيرة مجروحًا؛ بحيث [لا يمكنه] غسله- يجب عليه التيمم؛ كالجريح. وإن أمكنه غسله- لو كان ظاهرًا- فلا يجب عليه التيمم؛ كالماسح على الخف لا يلزمه التيمم. وإن كانت الجبيرة على محل التيمم [لا يجب مسح] الجبيرة بالتراب؛ لأن مسح التيمم على ما يواري [المحل] لا ينفع، ويجوز استدامة الجبيرة بلا تأقيت، إذا كان في نزعها خوف تلف العضو، وإبطاء البرء؛ على أصح القولين.
ومتى نزعها- وهو على طهارة المسح- يجب عليه غسلُ ذلك المحل، وغسل ما بعده من أعضاء الطهارة، إذا كان محدثًا؛ لأجل الترتيب- وهل يجب استئناف الوضوء [إذا] كان جنبًا؟
هل يجب استئناف الغسل؟
فيه قولان؛ كالماسح على الخف ينزع الخف- أصحهما: لا يجب وهل يجب عليه إعادة الصلوات التي صلاها بالمسح؟
نظر: إن كان وضع الجبيرة على غير الطهارة، يجب، وإن وضعها على الطهارة [فيه] قولان:
أظهرهما: يجب؛ لأنه عذرٌ نادر.
والثاني- وهو قول أكثر أهل العلم-: لا تجب الإعادة وإن كان على جرحه لصوقٌ يخاف من نزع اللصوق، ولا يخاف من إيصال الماء إلى الجرح، أو [خدش] [عضو] من أعضائه، وطلى عليه شيئًا، أو وثبت أنفه فألصق عليه بإقلاء، ويخاف من نزعه؛ كالجبيرة.
[ ١ / ٤١٨ ]
وقال شيخنا: وكذلك الشقوق على الرجل إذا احتاج إلى تقطير ما يتجمد فيها. وكذلك الفصد. ولو أجنب، ومعه ماء، ولكنه يخاف على نفسه [من] البرد لو اغتسل ولم يجد ما يسخن به الماء؛ نظر: إن أمكنه أن يغسل أعضاءه قليلًا [قليلًا] ويجففه- فعل، وإن لم يمكنه أن يغسل ما يقدر عليه من الأعضاء الظاهرة، ويتيمم لأجل سائر الأعضاء. ثم إن كان في الحضر، يجب عليه [إعادة] الصلاة إذا زال العذر. وإن كان في السفر فقولان: أحدهما: لا يجب عليه [الإعادة]؛ كما لو صلى بالتيمم؛ لعدم الماء في السفر.
والثاني - وهو الأصح-: يجب الإعادة؛ لأنه عذر نادر؛ كما لو كان معه ثوبٌ نجس يخاف الهلاك من الحر أو البرد لو نزعه؛ فصلى فيه، ثم يعيد.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الإعادة [في كل حال].
فصلٌ في الأعذار التي تسقط الإعادة
وهي قسمان: عام ونادر. فالعام منها: كالمريض يصلي قاعدًا أو نائمًا؛ للعجز، والمسافر لا يقدر على الماء، أو معه ماء؛ وهو محتاج إليه لشربه، والمريض يعجز عن استعماله؛ فصلى بالتيمم، والمقاتل يصلي بالإيماء- فلا إعادة عليهم.
والعذر النادر قسمان: نادر يدوم، ونادر لا يدوم: فالذي يدوم: كعذر المستحاضة، وسلس البول، والمذي، ومن استرخت مقعدته يدوم خروج الحدث منه. ومن به دملٌ، أو جرحٌ سائل، أو رعافٌ دائم- يصلون مع الحدث والنجاسة، ولا إعادة عليهم؛ لأن هذه الأعذار وإن كانت نادرة، ولكنها لما دامت التحقت بالعذر العام لما يلحق صاحبها من المشقة في الإعادة. وأما الذي لا يدوم كالمريض الذي لا يخاف من استعمال الماء، ولكنه لا يجد من يناوله أو لا يجد من يحوله إلى القبلة، أو الأعمى الذي لا يجد من يدله على القبلة، والجريح يصلي بالتيمم؛ وعلى جرحه دم، والماسح على الجبيرة في قولٍ، ومن لم يجد في الحضر ماء فصلى بالتيمم- فيجب عليهم الإعادة.
[ ١ / ٤١٩ ]
وعلى قوله القديم- وهو اختيار المزني-: لا إعادة عليهم- والمذهب الأول؛ كمن أصابته نجاسة من غيره، ولا يقدر على غ سلها، وكالذي لا يجد ماءً ولا ترابًا يصلي لحق الوقت، ثم يعيد قولًا واحدًا. وفي هذا المعنى من منع من استقبال القبلة قهرًا، [أو عن] القيام في الصلاة- صلى كما أمكنه، ويجب عليه الإعادة. ولو كان محبوسًا في مكان نجس، فدخل عليه وقت الصلاة- يجب عليه أن يصلي على النجاسة، وعليه الإعادة؛ على ظاهر المذهب.
وفي القديم: لا إعادة عليه. وكذلك العريان إذا وجد ثوبًا نجسًا، هل يصلي فيه، أم يصلي عاريًا؟
فيه قولان: الأصح: أنه يصلي عاريًا قائمًا، ويتم الركوع والسجود، ولا إعادة عليه؛ سواء كان في الحضر، أو في السفر؛ لأن الثوب يعز وجوده في السفر والحضر، والناس يضنون [به]؛ بخلاف ما لو صلى بالتيمم في الحضر، يعيد؛ لأنه لا يعز وجود الماء في الحضر، والناس لا يضنون به؛ فعدم القدرة [عليه] في الحضر نادرٌ والمربوط على الخشبة [أو من] شد وثاقه على الأرض- يجب أن يصلي؛ كما أمكنه، ثم يعيد؛ لأنه عذر نادر.
والغريق إذا بقي على لوحٍ يصلي، كما أمكنه، ثم لا يعيد ما صلى إلى القبلة بالإيماء.
وما صلى إلى غير القبلة فيه قولان:
أحدهما: لا يعيد؛ كما لو صلى بالإيماء إلى القبلة. والصحيح: أنه يعيد؛ بخلاف [ما] لو صلى بالإيماء؛ لأن حكم الإيماء أخف من ترك القبلة، ألا ترى أن المريض يصلي بالإيماء، ولا يعيد. وإذا لم يجد من يحوله إلى القبلة يصلي إلى غيرها، ثم يعيد. والفرق بين المريض إذا صلى إلى غير القبلة، يعيد قولًا واحدًا.
والغريق لا يعيد على أحد القولين؛ لأن العذر الذي يمنع الغريق عن الركوع والسجود؛ وذلك العذر منعه عن الاستقبال- وهو الغرق؛ فاستويا في سقوط الإعادة.
وفي المريض العذر الذي يمنعه عن الركوع والسجود هو عذر المرض، والمرض لا
[ ١ / ٤٢٠ ]
يعجزه عن استقبال القبلة، لو وجد من يحوله، فكان المانع فقد الغير؛ فأشبه الأعمى إذا لم يجد من يهديه إلى القبلة، يصي ويعيد. وكل موضع [أوجبنا] عليه الإعادة، فأيهما فرضه؟ فيه أقوال: أصحها- نص عليه في "الأم": الثانية فرضه؟ لأن الأولى لو كانت فرضه، لم يلزمه الإعادة؛ كمن لم يجد ماء ولا ترابًا فصلى، ثم أعاد- كانت الثانية فرضه.
وقال في "الإملاء": كلاهما فرض؛ لأنه مخاطب بفعل الأولى، وقد ترك بعض الأعمال فيها ولا يمكن إفراد تلك الأعمال بالقضاء؛ فوجب إعادة الكل.
وخرج قول: أن الله يحتسب [الفريضة] أيتهما شاء؛ كما لو صلى فريضة وحده، ثم صلاها بالجماعة. وعلى القول الذي خرج من القديم: أن الإعادة غير واجبة عليه، الأولى فريضة والثانية نافلة. والله أعلم.
باب: ما يفسد الماء وبيان النجاسات
مذكور في الباب الأول من الكتاب والله أعلم
باب: المسح على الخفين
روي عن أبي بكر﵁- أن رسول الله - ﷺ- أرخص للمسافر ثلاثة أيامٍ
[ ١ / ٤٢١ ]
ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر؛ فلبس خفيه- أن يمسح عليهما.
المسح على الخفين جائز للمحدث إذا توضأ عند عامة العلماء ومدته: مقدرة عند أكثر أهل العلم؛ فيمسح المقيم: يومًا وليلة، والمسافر: ثلاثة أيام ولياليهن.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وابتداء المدة من أول حدثٍ يحدثه بعد لبس الخف؛ لأنه عبادةٌ مؤقتةٌ؛ فيكون أول وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة، ثم يمتد من حين أحدث إلى ذلك الوقت من اليوم الثاني إن كان مقيمًا، وإن كان مسافرًا، فإلى ذلك الوقت من اليوم الرابع؛ فأكثر ما يصي المقيم بالمسح من فرائض الوقت ست صلوات؛ مثل: أن يحدث في آخر وقت الظهر؛ فيمسح، ويصلي الظهر. وفي اليوم الثاني يعجل الظهر في أول الوقت.
إن جمع لعذر [مطر]؛ فيتصور: أن يصلي سبع صلوات، وأكثر ما يصلي المسافر بالمسح ست عشرة صلاة وإن جمع: فيتصور سبع عشرة صلاة. وله أن يقضي من الفرائض بالمسح ما شاء.
وقال مالك - رحمة الله عليه-: مدة المسح لا تتقدر، بل له أن يمسح ما شاء ما لم يلزمه غسل؛ وهو قول الشافعي﵁- في القديم.
وروي ذلك عن عمر، وعثمان﵄-.
وقال الأوزاعي وأحمد: المدة مقدرةٌ، وابتداؤها من وقت المسح.
وإذا لزم الماسح غسل جنابة، أو لزم المرأة غسل حيض أو نفاس- وجب غسل الرجلين، لما روي عن صفوان بن عسال المرادي؛ أنه قال: كان رسول الله - ﷺ- يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابةٍ، لكن من بولٍ وغائطٍ ونومٍ.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وهذا لأن الجنابة لا تتكرر في اليوم؛ فلا يشق عليه نزع الخف، وغسل الرجل؛ بخلاف الحدث؛ كما أن الجنب عليه غسل محل الاستنجاء. ويجوز للمحدث أن يقتصر على الحجر؛ لأن الحدث يتكرر في اليوم مرارًا. وكذلك لو أراد غسلًا مسنونًا، نزع الخف، وغسل الرجل، فلو لزمه غسل؛ فصب الماء في الخف حتى تغسلت رجله- جاز عن الغسل، ولكن لا يجوز بعده المسح؛ حتى ينزعه؛ فيلبسه ثانيًا، وكذلك بعد انقضاء مدة المسح لو لم ينزع الخف، وغسل الرجل في الخف. ثم وضوؤه، ولكن لا يجوز المسح بعده؛ حتى ينزعه؛ فيلبسه ثانيًا.
ولو دميت رجله في الخف؛ فغسلها فيه- لم يبطل المسح، وغن لم يمكن غسلها فيه، نزع الخف، وغسل الدم، ولا يكون مسح الخف بدلًا عنه.
ولا يجوز المسح حتى يلبس الخف على كمال الطهارة، فلو غسل إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى، وأدخل الخف- لا يجوز المسح؛ لأنه لبس الخف الأول قبل كمال الطهارة، فإذا نزع الأول، ولبسه ثانيًا بعد لبس الثاني- جاز المسح بعده.
وقال الثوري، وأبو حنيفة- رحمة الله عليهما-: إذا غسل إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى، وأدخلها- جاز المسح؛ وهو اختيار المزني ﵀.
ولو لبس الخف على الطهارة؛ فقبل أن وصل الرجل إلى قدم الخف، أحدث- لم يجز المسح؛ لأن الرجل حصلت في مقرها؛ وهو محدث.
ولو أدخل الرجل في ساق الخف قبل الغسل، ثم غسلها في الساق، ثم أدخلها موضع القدم- جاز المسح.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ولو أخرج الماسح رجله من قرار الخف إلى ساق الخف- لا يبطل مسحه. نص عليه؛ بخلاف الابتداء؛ لم يجز المسح ما لم يصل الرجل إلى قرار الخف؛ لأن الأصل هناك عدم جواز المسح؛ فلا يباح إلا باللبس التام. وفي النزع الأصل: جواز المسح، فلا يبطل [إلا] بالنزع التام.
وقيل: إذا أخرج الرجل إلى ساق الخف، يبطل المسح؛ كما في الابتداء لا يمسح.
ولو تطهرت المستحاضة، أو سلس البول، ولبس الخف- هل يجوز له المسح؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأن حدثه دائم؛ فلا يحصل لبس الخف منه [على] كمال الطهارة.
والثاني: يجوز له المسح لفريضة واحدة، وما شاء من النوافل؛ فإذا أحدث بعد ما صلى فريضة، فله أن يمسح للنوافل، وإن أحدث قبل أن صلى فريضة، يمسح لفريضة واحدة. فإذا أراد الوضوء لفريضة أخرى، عليه نزع الخف، وغسل الرجل. وإذا انقطع دمها قبل أن صلت فريضة، فهو كما لو أحدثت؛ فلها أن تمسح لفريضة واحدة على هذا الوجه.
وقيل: لا يجوز المسح هاهنا وجهًا واحدًا؛ لأنه لم يبق لطهارتها حكمٌ بعد انقطاع الدم؛ فصارت كمن لبس الخف محدثًا.
ولو لبس الخف على التيمم لا يجوز المسح؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث.
وخرج ابن سريج وجهًا: أنه يرفع الحدث في حق فريضة واحدة؛ فله أن يمسح لفريضة واحدة، وما شاء من النوافل؛ كما ذكرناه في المستحاضة؛ وهو ضعيف؛ لأن التيمم يبطل بوجود الماء، ويعود إلى حالته الأولى؛ فيكون كمن لبس الخف محدثًا. وكذلك الجريح إذا غسل الصحيح من أعضائه، وتيمم للجريح، ثم لبس الخف- لم يجز له المسح؛ على الصحيح من المذهب.
ولو ابتدأ المسح مسافرًا، ثم صار مقيمًا؛ نظر: إن أقام بعد مضي يوم وليلة- عليه نزع الخف، وإن أقام قبل مضي يوم وليلة تيمم يومًا وليلة مسح المقيمين بالاتفاق.
ولو ابتدأ المسح مقيمًا، ثم سافر يمسح مسح المقيمين، تغليبًا لحكم الحضر؛ كما لو كان في أحد طرفي صلاته مقيمًا- لا يجوز له القصر.
وقال الثوري وأبو حنيفة: يمسح مسح المسافرين؛ اعتبارًا بالمال.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ولو لبس الخف في الحضر وأحدث، ثم سافر قبل المسح، مسح مسح المسافرين؛ حتى لو توضأ في الحضر، ومسح على أحد الخفين، ثم سافر؛ فمسح [في السفر] على الخف الآخر- له أن يمسح مسح المسافرين؛ لأنه لم يتم المسح في الحضر.
وقال المزني: إذا أحدث في الحضر، ثم سافر؛ فتوضأ يمسح مسح المقيمين؛ لأن ابتداء المدة كان في الحضر.
ولو أحدث في الحضر ولم يسافر؛ حتى خرج وقت الصلاة، ثم سافر ومسح- يمسح مسح المسافرين. [ونقل العراقيون عن أبي إسحاق؛ أنه يتم مسح مقيم، ونقل عن أبي علي بن أبي هريرة؛ أنه يتم مسح المسافرين]. وقال أبو إسحاق: يمسح مسح المقيمين؛ لأنه عاصٍ بإخراج الصلاة عن الوقت، ولا رخصة للعاصي. والأول المذهب؛ كما لو فاتته صلواتٌ يجوز قضاؤها بالتيمم في السفر.
ولو شك المسافر في ابتداء مسحه؛ كان في الحضر، أو في السفر- لا يزيد على مسح المقيمين؛ لأن الأصل وجوب غسل الرجلين عليه؛ فلا يسقط عنه إذا شك في سبب الرخصة، فلو مسح اليوم الثاني على الشك، ثم زال الشك في اليوم الثالث، وعلم أنه ابتدأ المسح مسافرًا- فعليه إعادة صلوات اليوم الثاني؛ لأنه صلاها على الشك، ويجوز له أن يصلي- بالمسح في اليوم الثالث. ثم إن كان على مسح اليوم الأول، ولم يحدث في اليوم الثاني- له أن يصلي في اليوم الثالث بذلك المسح. وإن كان قد أحدث في اليوم الثاني، ومسح على الشك- يجب عليه إعادة المسح لصلوات اليوم الثالث. وهل يجب استئناف الوضوء؟ فعلى قولي تفريق الوضوء.
الأصح: لا يجب، ويجوز إعادة صلوات اليوم الثاني بالمسح في اليوم الثالث.
ولو شك في انقضاء مدة المسح، يجب عليه نزع الخف. وإذا نزع الماسح الخف بعد انقضاء المدة، أو في خلالها؛ وهو على طهارة المسح- يجب عليه غسل الرجلين، وهل يجب استئناف الوضوء؟ فيه قولان:
[ ١ / ٤٢٨ ]
أصحهما- وهو قول الثوري، وأبي حنيفة-: لا يجب؛ لأنه غسل تلك الأعضاء مرة؛ كما لو غسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم نزع الخف قبل المسح- لا يجب عليه إلا غسل الرجلين.
وقال في القديم- وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأحمد-: يجب استئناف الوضوء؛ لأن الوضوء قد انتقض في الرجل؛ فينتقض في سائر الأعضاء، وليس أصل القولين تفريق الوضوء؛ لأن التفريق بالعذر جائز، والعذر هاهنا موجود؛ لأن التفريق اليسير جائز. وهاهنا لو نزع الخف عقيب المسح في الحال قبل جفاف الأعضاء- ففي وجوب استئناف الوضوء قولان، بل أصلهما: أن المسح على الخف هل يرفع الحدث عن الرجل؟ فيه جوابان مستنبطان من هذين القولين:
أحدهما: لا يرفع؛ لأنه مسحٌ بدل الغسل كالتيمم.
والثاني: يرفع؛ لأنه مسح بالماء؛ كمسح الرأس في الوضوء.
فإن قلنا: لا يرفع الحدث عن الرجل، فلا يجب استئناف الوضوء؛ لأن الحدث قد ارتفع عن سائر الأعضاء، إلا عن الرجل؛ فلا يجب إلا غسل الرجل.
وإن قلنا: يرفع الحدث عن الرجل؛ فيجب استئناف الوضوء؛ لأن نزع الخف بمنزلة حدثٍ جديد؛ حتى أوجب غسل الرجلين، والحدث يتجرأ؛ فيجب غسل سائر الأعضاء.
فصلٌ في الخف الذي يجوز المسح عليه
روي عن المغيرة بن شعبة؛ أن رسول الله - ﷺ- توضأ ومسح على خفيه.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وروي عنه؛ أن النبي - ﷺ- توضأ ومسح الجرموقين.
يشترط في الخف ثلاث شرائط؛ حتى يجوز المسح عليه:
أحدها: أن يكون صفيق الأعلى؛ بحيث لا ينشف الماء.
الثاني: أن يكون قوي الأسفل؛ بحيث يمكن متابعة المشي عليه.
[ ١ / ٤٣٠ ]
الثالث: أن يكون سائرًا للقدمين مع الكعبين؛ فإن كان فيه خرقٌ في موضع الكعبين، أو فيما دونهما يظهر منه شيءٌ من الرجل أو اللفافة- لا يجوز المسح عليه، وإن كان الخرق قليلًا قدر رأس الإشفي.
وقال مالك والأوزاعي وإسحاق- رحمة الله عليهم-: يجوز المسح عليه، وإن تفاحش الخرق ما دام يستمسك [في] الرجل؛ وهو قول الشافعي﵁- في القديم.
[ ١ / ٤٣١ ]
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه-: إن كان الخرق أقل من ثلاثة أصابع، يجوز المسح عليه، ولو تخرق خفه في خلال المدة، بطل المسح. وإن كان في خلال الصلاة، بطلت صلاته، وعليه غسل الرجلين؛ كما لو نزعه؛ بخلاف المتيمم يجد الماء في خلال الصلاة، لا تبطل صلاته؛ لأن الاحتراز عنه غير ممكنٍ، وعن تخرق الخف ممكن؛ بألا يلبس خفًا أشرف على الخرق؛ كالأمة إذا شرعت في الصلاة مكشوفة الرأس؛ فعتقت، والثوب بعيد بطلت صلاتها؛ لأن الاحتراز عنه ممكن؛ بألا تصلي إلا وعليها خمارٌ.
ولو تخرقت ظهارةُ الخف والبطانة صفيقة، أو انخرقت البطانة والظهارة صفيقةٌ، أو تخرق ما فوق الكعب- جاز المسح عليه. ولو تخرقت الظهارة، والبطانة رقيقة- لم يجز المسح عليه.
ولا يجوز المسح على جورب الصوف، واللبد، إلا أن يركب طاقةً فوق طاقةٍ؛ حتى يتصفق وينعل قدمه؛ بحيث يمكن متابعة المشي عليه ولا يجوز على الجورب من الجلد الذي يلبس مع المكعب؛ حتى يكون بحيث يمكن متابعة المشي عليه وحده، أو يكون ملصقًا بالمكعب. وإن كان المسحي له شرائح تفتح وتشد، وإذا فتحت ظهرت الرجل- يجوز المسح عليه إذا كانت مشدودة، وإن فتحت الشرائح بطل المسح، وإن لم تظهر الرجل؛ لأنه إذا مشي عليه بعد الفتح تظهر [الرجل].
ولو اتخذ خفًا من خشب أو حديدٍ، جاز المسح عليه، إذا أمكن المشي عليه؛ فإن لم يمكن؛ لثقله أو رقته، لم يجز.
وكذلك لا يجوز على الخف الواسع الذي لا يتثبت في الرجل، ولا الضيق الذي لا يمكن المشي عليه، وإن كان ضيقًا يتسع بالمرور عليه- جاز.
ويجوز المسح على خف واسع الفم ترى القدم في قراره؛ بخلاف ما لو صلى في قميص واسع الجيب ترى منه عورته- لم يجز. ولو كان ضيق الجيب، لكنه وقف على طرف سطح ترى عورته من تحت ذيله صحت صلاته؛ لأنه مأمور بالستر من الأعلى والجوانب، وفي الخف من الأسفل والجوانب.
ولو مسح على خف مغصوبٍ؛ فصلى، صحت صلاته، وإن كان عاصيًا بالغضب؛ كما لو صلى في ثوب مغصوبٍ.
[ ١ / ٤٣٢ ]
وقال صاحب "التلخيص": لا يجوز صلاته [بالمسح] على خف مغصوب؛ مقيمًا كان، أو مسافرًا؛ لأن المسح رخصةٌ لا تثبت للعاصي، كما لو لبس خفًا من ذهبٍ أو فضة، لا يجوز المسح عليه.
وإذا كان أقطع الرجل، وبقي في محل الغسل شيءٌ، فلبس عليه خفًا من خشب لا يمكنه متابعة المشي عليه إلا بالعصا- نظر: إن كان أخذه العصا لحدة الخف، لم يجز المسح عليه، وإن كان لجراحة الرجل، يجوز؛ كالمقعد إذا لبس الخف، يجوز له المسح عليه. وإن كان مقطوع إحدى الرجلين؛ فلبس الخف في الرجل الأخرى- جاز المسح عليه.
فصلٌ في مسح الجرموق
وهو خفٌ يلبسه فوق خف؛ فينظر فيه إن كان الأسفل متخرقًا أو ضعيفًا؛ بحيث لو انفرد- لا يجوز المسح عليه فهو كاللفافة، ويجوز المسح على الأعلى.
وإن كان الأسفل؛ بحيث لو انفرد جاز المسح عليه، والأعلى ضعيف، أو متخرق؛ فالأعلى كالوقاية لا يجوز المسح عليه، بل يدخل يده تحته؛ فيمسح على الأسفل؛ فلو مسح الأعلى؛ فدخل الماء جوفه؛ فأصاب الأسفل، نظر: إن قصد المسح على الأسفل أو عليهما- جاز، وإن قصد مسح الأعلى لم يجز، وإن لم يخص واحدًا، بل كان على النية الأولى؛ فقصد المسح في الجملة- فيه وجهان.
وإن كان كل واحد منهما؛ بحيث لو انفرد- جاز المسح عليه؛ فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان:
أظهرهما- وهو قوله الجديد-: لا يجوز، لأن الخف ممسوح في الطهارة؛ فلا يجوز المسح على ما يواريه؛ كالعمامة لا يجوز المسح عليها؛ لأنها تواري ممسوحًا؛ وهو الرأس.
وقال في القديم، وهو مذهب أبي حنيفة وقول أكثر أهل العلم: يجوز المسح على الأعلى؛ لأن المسح على الخف جوز؛ رفقًا بالعباد؛ لاحتياجهم إلى لبسه، ولما يلحقه من المشقة في نزعه عند كل وضوء؛ فكذلك يحتاجون إلى لبس الجرموق في الأسفار والأوقات الباردة؛ فجاز لهم المسح عليه. فعلى هذا لو لبس ثالثًا ورابعًا بعضها فوق بعض-
[ ١ / ٤٣٣ ]
جاز المسح على الأعلى، فإن كان الكل متخرقًا إلا الأعلى، جاز المسح على الأعلى بلا خلاف، وكان ما تحته كاللفائف.
وإن قلنا: لا يجوز المسح على الجرموق؛ فأدخل يده تحته، ومسح على الخف- يجوز؛ كما لو مسح الرأس تحت العمامة، أو مسح على الجبيرة في كمه.
وعلى هذا القول لو تخرق الخفان تحت الجرموقين: فإن كان حالة الخرق على طهارة اللبس، له أن يمسح بعده على الجرموقين؛ لأن الجرموق صار أصلًا. وإن كان محدثًا في تلك الحالة، لم يجز؛ كما لو أحدث اللبس لا على كمال الطهارة، وكذلك إن كان على طهارة المسح على الجرموق؛ لأن مسحه لم يكن جائزًا.
وإن قلنا: يجوز المسح على الجرموق؛ فلأي معنى يجوز؟
ذكر ابن سريج فيه ثلاث معاني:
أصحها: أن الخف بدلٌ عن غسل الرجل، والجرموق بدل البدل.
والثاني: [أن] الأسفل يصير كاللفافة، والخف هو الأعلى.
والثالث: أنهما كخف واحد؛ فالأعلى ظهارةٌ، والأسفل بطانةٌ.
وفائدة هذه المعاني تتبين في مسائل:
منها: لو لبس الخف على [كمال الطهارة] ثم لبس الجرموق محدثًا فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، أو الأسفل كاللفافة لا يجوز المسح عليه. فإن قلنا: الأعلى كالظهارة يجوز؛ كما لو ركب ي خفه طاقةً، وهو محدث.
ولو لبس الجرموق على طهارة المسح. إن قلنا: مسح الخف يرفع الحدث عن الرجل، يجوز المسح على الجرموق.
وإن قلنا: لا يرفع؛ فهو كما لو لبس الجرموق محدثًا. ولو لم يمسح على الجرموق وأدخل يده تحته؛ فمسح على الخف. إن قلنا: الأعلى بدلُ البدل، [يجوز]؛ كما لو غسل الرجل في الخف.
وإن قلنا: الأسفل كالبطانة أو كاللفافة، لا يجوز.
ولو لبس الجرموق في إحدى الرجلين إن قلنا: الأعلى بدل البدل، لا يجوز المسح
[ ١ / ٤٣٤ ]
على الجرموق؛ كما لو لبس الخف في إحدى الرجلين، لا يجوز المسح عليه.
وإن قلنا: الأسفل كاللفافة يجوز المسح على الجرموق والخف الآخر؛ لأن الخف إنما يصير كاللفافة إذا لبس الجرموق فوقه؛ فهذا كما لو كان على إحدى رجليه لفافةٌ دون الأخرى.
وإن قلنا: الأعلى الظهارة يجوز أيضًا.
ولو لبس الجرموقين، ومسح عليهما، ثم نزع الجرموقين؛ وهو على طهارة المسح.
إن قلنا: الأعلى بدلُ البدل، لا يجب نزع الخفين، بل يعيد المسح على الخفين. وهل يجب استئناف الوضوء؟ فيه قولان.
وإن قلنا: الأسفل كاللفافة، يجب عليه نزع الخفين، وغسل الرجلين. وفي استئناف الوضوء قولان.
وإن قلنا: الأعلى كالظهارة، لا يجب عليه شيء؛ كما لو تخرقت ظهارة خفه؛ والبطانة ضعيفة.
وكذلك لو نزع أحد الجرموقين بعد المسح. إن قلنا: الأعلى بدل البدل، يجب عليه نزع الجرموق الثاني، ويعيد المسح على الخفين.
وإن قلنا: الأسفل كاللفافة، يجب عليه نزع الخفين، وغسل الرجلين.
وإن قلنا: الأعلى كالظهارة، لا شيء عليه.
ولو تخرق الجرموقان، أو أحدهما، فهو كما لو نزعه.
وإن قلنا: الأعلى بدلُ البدل، عليه نزع الجرموقين، وإعادة المسح على الخفين.
وإن قلنا: الأسفل كاللفافة، عليه نزع الخفين، وغسل الرجلين.
وإن قلنا: الأعلى كالظهارة، لا شيء عليه.
ولو تخرق الخفان تحت الجرموقين، يجوز المسح على الأعلى على المعاني كلها، وإن كان على طهارة المسح لا يبطل مسحه، وإن كان محدثًا، فيمسح على اللبس الأول.
وإن تخرق إحدى الخفين: إن جعلناه كالبطانة وكاللفافة، لا شيء عليه، وإن جعلنا الأعلى بدل البدل، يجب عليه نزع الجرموق الذي لم يتخرق الخف تحته، ويعيد المسح على ذلك الخف. وفي استئناف الوضوء قولان.
ولو تخرق الخفان والجرموقان أو تخرق الخف والجرموق من رِجلٍ واحدة، عليه نزع
[ ١ / ٤٣٥ ]
الكل، إلا على قول من يجعل الأعلى كالظهارة وكان خرقُ الخف والجرموق في محلين مختلفين- فلا شيء عليه، كما لو تخرقت ظهارة الخف في موضع، والبطانة في موضع آخر وليس بصحيح. ولو [تخرق] الخف من رِجلٍ، والجرموق من الأخرى: إن جعلنا الأعلى كالظهارة، لا شيء عليه، وإن جعلنا الأسفل كاللفافة، عليه نزع الكل، وإن جعلنا الأعلى بدل البدل، عليه نزع الجرموق المتخرق، وأعاد المسح على الخف الذي تحته.
ولو لبس خفًا ذات طاقين غير ملتصق إحداهما بالأخرى، وحرفهما واحد؛ فمسح على الطاقة الأولى- فهو كمسح الجرموق، ولو مسح على الطاقة الثانية، فكمسح الخف تحت الجرموق.
قال الشيخ إمام الأئمة: عندي لا يجوز المسح على الطاقة الثانية، ويجوز على الأولى؛ لأن الكل خف واحد؛ فمسح الطاقة الثانية كمسح باطن الخف.
فصلٌ في كيفية المسح
روي عن المغيرة بن شعبة؛ أن النبي - ﷺ- مسح أعلى الخف وأسفله. والحديث ضعيف الإسناد.
الواجب من المسح: أن يمسح قدر ما ينطلق عليه اسم المسح؛ من ظهر الخف.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: يجب أن يمسح قدر ثلاث أصابع.
[ ١ / ٤٣٦ ]
والسنة: أن يمسح أعلى الخف وأسفله؛ فيغمس يديه في الماء، ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، ويضع أصابعه اليمنى على أطراف أصابع الرجل مفرقًا بين أصابعه، ثم: يمرر اليمنى إلى ساقه؛ واليسرى إلى أطراف أصابعه. روي ذلك عن ابن عمر؛ وهو قول الزهري، ومالك، وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة: لا يمسح أسفل الخف.
وهل يستحب مسح عقب الخف؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ كالأسفل.
والثاني: لا؛ لأن السنة ما حدثت به.
فلو مسح أعلى الخف، ولم يمسح أسفله- جاز، ولو مسح أسفله، أو عقبه، أو حرفه، ولم يمسح أعلاه- لا يجوز.
وقال أبو إسحاق: يجوز؛ لأنه مسح على ما يواري المغسول؛ كما لو مسح الأعلى.
ولو مسح ساق الخف أو تراجع، لم يجز؛ لأنه لا يواري المغسول. ولو مسح باطن الخف، لم يجز. قال علي﵁-: لو كان الدين بالرأي، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره وقد رأيت رسول الله - ﷺ- يمسح على ظاهر خفه.
[ ١ / ٤٣٧ ]
باب الحيض
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
الحيض: اسمٌ لدمٍ يرخيه الرحم؛ وهو شيء كتبه الله- تعالى- على بنات آدم، وله وقتٌ وتقديرٌ وحكمٌ؛ فالمرجع في وقته وتقديره إلى الوجود؛ وهو غالب العادات؛ لأن ما ورد به الشرع مطلقٌ، ولا حد له في اللغة يرجع فيه إلى العزف والعادة؛ فوقته بعد استكمال المرأة تسع سنين، فلو رأت الدم قبل هذا السن لا يكون حيضًا.
قال الشافعي﵁-: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء
[ ١ / ٤٣٨ ]
"تهامة" يحضن لتسع- سنين.
وأقل الحيض يومٌ وليلةٌ.
وقال في موضعٍ: يومٌ.
قيل: فيه قولان:
والمذهب: أنه يومٌ وليلةٌ، وحيث قال: يومٌ أراد: بليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا؛ وهو قول علي ﵁.
قال عطاءٌ: من النساء من يحضن يومًا، وتحيض خمسة عشر [يومًا]؛ وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبه قال مالكٌ في الأكثر. وعنده: لا تقدير لأقله.
وقال الثوري وأبو حنيفة: أقله: ثلاثة أيامٍ وأكثره: عشرة أيام.
وأقل الطهر خمسة عشر يومًا بالاتفاق، ولا نهاية لأكثره.
ويحرم في الحيض عشرة:
إيتاء الصلاة، والصوم، والاعتكاف، والمكث في المسجد، والطواف، ومس المصحف وقراءة القرآن، والسجود، والغشيان، والطلاق في حق بعض النساء ولا تصح طهارتها؛ لأن الطهارة تراد للصلاة، ولا تجوز صلاتها.
قال النبي - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش: "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة".
ولا يجوز لها الصوم. والحيض يمنع جواز الصلاة، ووجوبها، ويمنع جواز
[ ١ / ٤٣٩ ]
الصوم، ولا يمنع وجوبه؛ حتى أنها إذا طهرت يجب عليها قضاء الصوم، ولا يجب قضاء الصلاة؛ لما روي عن عائشة﵂- قالت: كنا نحيض عند رسول الله - ﷺ- ثم نطهر؛ فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة.
وهذا لأن الصلاة يتكرر وجوبها في اليوم مرارًا، وربما تكون [المرأة] نصف دهرها حائضًا؛ فلو أمرناها بالقضاء لشق عليها، والصوم شهرٌ واحدٌ في السنة، وأكثر ما يفوتها بالحيض نصفه؛ فلا يشق عليها قضاؤه.
ولا يجوز لها الاعتكاف والمكث في المسجد؛ [لأن النبي - ﷺ- قال لعائشة: "إني لا أُحل المسجد لحائضٍ، ولا جنب" ولا يجوز لها الطواف]؛ لأن النبي - ﷺ- قال لعائشة وحاضت في الحج: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت".
[ ١ / ٤٤٠ ]
ولا يجوز لها مس المصحف، ولا السجود؛ لأن الطهارة شرط فيهما ولا تصح طهارتها.
ولا يجوز للزوج غشيانها؛ فإن وطئها مستحلًا كفر، وإن فعل غير مستحل، عصى الله - تعالى- واستغفر، ولا كفارة عليه؛ في قوله الجديد، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، وابن المبارك، وأبو حنيفة؛ لأنه وطء محرم للأذى؛ فلا يتعلق به الكفارة، كالوطء في الدبر.
وقال في القديم- وهو الأحوط-: إن كان في أول الدم يتصدق بدينارٍ، وإن كان في آخره، أو بعدما انقطع الدم قبل الغسل- يتصدق بنصف دينار، وهو قول الأوزاعي وأحمد، وإسحاق؛ لما روي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ- قال: قال النبي - ﷺ-: "إذا وقع الرجل بأهله- وهي حائضٌ- إن كان دمًا أحمر فليتصدق بدينارٍ، وإن كان أصفر فنصف دينار".
[ ١ / ٤٤١ ]
وروي عن ابن عباس موقوفًا عليه إن أصابها في الدم فدينارٌ، وإن أصابها انقطاع الدم، فنصف دينار.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقال الحسن: عليه ما على المجامع في نهار رمضان، ويجوز تقبيل الحائض ومضاجعتها بعدما شدت عليها إزارًا، ويستمتع بما فوق سرتها ودون ركبتها، ويحرم الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها؛ على ظاهر المذهب؛ وهو قول أكثر أهل العلم.
لما روي عن النبي - ﷺ-: "من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه". وروي عن
[ ١ / ٤٤٣ ]
معاذ قال: سألت رسول الله - ﷺ- عما يحل للرجل من امرأته؛ وهي حائض: قال: "ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل".
وقال أبو إسحاق: لا يحرم الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها؛ وهو قول عكرمة، ومجاهد؛ لأن النبي - ﷺ- قال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"؛ يعني: الجماع.
ولأنه فرجٌ حرم الاستمتاع فيه؛ للأذى، فلا يحرم مما حواليه؛ كالدبر. ولا يحل للحائض شيء من محظورات الحيض بعد انقطاع دمها ما لم تغتسل، أو تيمم عند عدم
[ ١ / ٤٤٤ ]
الماء، إلا الصوم والطلاق؛ فإنها لو طهرت بالليل، ونوت الصوم، واغتسلت بالنهار- صح صومها.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن طهرت لأكثر الحيض، جاز للزوج غشيانها قبل الغسل، وإن طهرت لدون ذلك، فلا يحل حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة. والآية حجةٌ عليه؛ لأن الله - تعالى- قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] يعني: انقطاع الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن. ﴿فَاتُوهُنَّ﴾ فلم يأذن بالإتيان، إلا بعد الاغتسال. والله أعلم.
فصلٌ في المستحاضة
روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أستحاض؛ فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ- ألا إنما ذلك عرقٌ، وليس بحيضٍ فإذا أقبلت حيضتك؛ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي. ويروى: "فإذا أدبرت فاغتسلي"؛ ويروى قال لها النبي - ﷺ-: "إذا كان
[ ١ / ٤٤٥ ]
دم الحيض؛ فإنه دمٌ أسود يعرف؛ فإن كان ذلك، فامسكي عن الصلاة".
دم الاستحاضة دمُ عرقٍ لا يتعلق به شيء من أحكام الحيض، وقد يكون منفصلًا عن دم الحيض؛ كالصغيرة قبل بلوغها تسع سنين، أو البالغة ترى الدم أقل من يوم وليلة، وقد يكون متصلًا بدم الحيض؛ كالبالغة يتصل بها الدم، حتى يجاوز خمسة عشر يومًا؛ فكم يكون حيضها؟ فلا يخلو إما إن استحيضت مميزةً أو غير مميزة؛ وهي التي ترى الدم على نوعين، بعضه أقوى، وبعضه أضعف؛ كالأسود أقوى من الأحمر، والأحمر أقوى من الأصفر، والثخين أقوى من الدقيق، والمتغير أقوى من المشرق؛ فيجب عليها أن تعمل
[ ١ / ٤٤٦ ]
بالتمييز؛ فيكون الدم القوي لها حيضًا، والضعيف استحاضةً.
وعند أبي حنيفة: لا تعمل بالتمييز، بل ترد إلى عادتها إن كانت معتادةً وإن كانت مبتدأةً، فإلى أكثر الحيض. والحديث حجة عليه، وإنما يعمل بالتمييز بثلاث شرائط:
أحدها: ألا ينقص الدم القوي عن يوم وليلة.
والثاني: ألا تزيد عن خمسة عشر يومًا.
والثالث: ألا ينتقص الدم الضعيف بين الدمين القوي عن خمسة عشر يومًا؛ لأنه طُهرٌ في حق المميزة، والطهر لا ينتقص عن خمسة عشر يومًا؛ فإن انتقص الدم القوي عن يوم وليلة، أو زاد على خمسة عشر يومًا، أو انتقص الدم الضعيف عن خمسة عشر [يومًا] فهي كمن رأت الكل على لونٍ واحدٍ.
ولو كانت ترى يومًا وليلة دمًا أسود، ثم يومًا وليلة أحمر، ثم أسود، ثم أحمر؛ فإن انقطع على خمسة عشر يومًا فالكل حيضٌ، وإن جاوز، فهو كما لو رأت الدم كله على لونٍ واحدٍ؛ لأن الدم الضعيف لم يبلغ أقل الطهر. وإذا اجتمع دمان قويان، ومجموعهما لا يزيد على خمسة عشر يومًا، تجعل الكل حيضًا؛ مثل: إن رأت خمسة أيام دمًا أسود، ثم خمسةً دمًا أحمر، ثم أصفر واستمر، وزاد على خمسة عشر؛ فأيام السواد والحمرة حيضٌ، وما بعدهما استحاضةٌ.
وإذا تغير دم المميزة من القوة إلى الضعف في خمسة عشر في الشهر الأول الذي استحيضت فيه؛ فإنها تدع الصلاة والصوم رجاء الانقطاع على خمسة عشر؛ فإن انقطع خمسة [عشر] فما دونها؛ فالكل حيضٌ؛ حتى لو رأت خمسة دمًا أسود وخمسةً أحمر، وخمسة أصفر، وانقطع يكون الكل حيضًا، إلا على قول من لا يجعل الصفرة في غير أيام العادة- حيضًا.
فتقول: حيضها عشرة أيام، فإذا جاوز خمسة عشر حينئذٍ- تغتسل، وتقضي صلوات أيام الدم الأضعف، ثم في الشهر الثاني إذا تغير الدم من القوة إلى الضعف- تغتسل وتصلي، وتصوم.
ولو انقطع على خمسة عشر، تجعل الكل حيضًا؛ لأن الغالب أنه لا ينقطع على عادة الشهر الأول، وإذا اختلفت عادتها في التمييز بالزيادة والنقصان، تعمل على اختلاف
[ ١ / ٤٤٧ ]
عادتها؛ مثل: إن كانت عادتها من كل شهر خمسة أيام دمًا أسود، وباقي الشهر أحمد؛ فجاءها شهرٌ، ورأت فيه ستة أيام دمًا أسود، ثم أحمر، وجاوز خمسة عشر يومًا فحيضها فيه ثلاثة أيام.
ولو جاءها بعد ذلك شهر؛ فرأت في جميعه الدم على لونٍ واحدٍ، فحكمها حكم المعتادة إذا استحيضت ترد إلى عادتها.
ولو أن مبتدأة رأت شهرًا دمًا أحمر، ثم في الشهر الثاني رأت خمسة أيامٍ دمًا أسود، وباقي الشهر أحمر، ثم في الشهر الثالث رأت الكل أحمر، فحيضها في الشهر الأول حيض المبتدأة وفي الثاني حيضها خمسة أيام على التمييز، وفي الثالث أيضًا خمسة أيام؛ لأنها أقرب العادات. هذا إذا تقدم الدم القوي. فأما إذا تقدم الأضعف على الدم الأقوى؛ نظر: إذا لم يزد على خمسة عشر [يومًا]، مثل: إن رأت مبتدأة خمسة دمًا أحمر، ثم خمسة أسود، وانقطع، أو رأت خمسةً دمًا أحمر، ثم عشرة أسود، أو عشرة أحمر، ثم خمسة أسود، وانقطع- ففيه وجهان:
أصحهما- وهو المذهب-: أن الكل حيضٌ؛ كما لو تقدم السواد.
والثاني: حيضها أيام السواد؛ لأنه أقوى، ولا يتقوى به الدم الضعيف؛ لأنه سابق.
ولو رأت خمسة دمًا أحمر، ثم خمسةً أسود ثم خمسةً أحمر، وانقطع- فعلى الوجه الأول؛ وهو المذهب: الكل حيضٌ.
وعلى الوجه الثاني: حيضها أيام السواد مع الحمرة التي تتبعها والخمسة الأولى دم فسادٍ.
وإن جاوز خمسة عشر، فلا يخلو: إما إن أمكن الجمع بين الابتداء والتمييز أو لم يمكن.
فإن أمكن الجمع؛ مثل: إن رأت خمسةً دمًا أحمر، ثم خمسة دمًا أسود، ثم أحمر، وجاوز خمسة عشر- ففيه وجهان:
أحدهما: حيضها أيام السواد؛ لأنه اعتبار صفة الدم؛ فهو أولى من اعتبار السبق.
[ ١ / ٤٤٨ ]
والثاني: يجمع بين الابتداء والتمييز؛ فحيضها عشرة أيام؛ لأن للخمسة الأولى قوة السبق، وللثانية قوة الدم؛ فاستويا.
وكذلك: لو رأت [خمسة دمًا أحمر، ثم عشرة أسود، ثم أحمر، أو رأت عشرة أحمر، ثم خمسة أسود، ثم أحمر]؛ فعلى الوجه الأول: حيضها أيام السواد.
وعلى الوجه الثاني: حيضها خمسة عشر يومًا.
وقيل: حيضها حيض المبتدأة من ابتداء الحمرة.
وإن لم يمكن الجمع بين الابتداء والتمييز؛ مثل: إن رأت سبعًا دمًا أحمر، ثم عشرة دمًا أسود- فعلى الوجه- الأول: حيضها أيام السواد، وعلى الوجه الثاني: حيضها حيض المبتدأة من ابتداء الحمرة.
ولو رأت خمسة عشر يومًا دمًا أحمر، ثم خمسة عشر دمًا أسود- فعلى الوجه الأول: حيضها أيام السواد، وعلى الوجه الثاني: حيضها حيض المبتدأة من ابتداء الحمرة.
ولو رأت خمسة عشر يومًا دمًا، أحمر، ثم خمسة عشر دمًا أسود- فعلى الوجه الأول: حيضها أيام السواد، وعلى الوجه الثاني: حيضها حيض المبتدأة؛ من ابتداء ما رأت الدم ولا يتصور مستحاضةً تدع الصلاة شهرًا كاملًا إلا هذه على الوجه الأول؛ وذلك أنها تدع الصلاة أول ما رأت الدم؛ رجاء الانقطاع، فإذا لم ينقطع، وتغير إلى السواد، بان أن ما مضى كان استحاضةً، وحيضها أيام السواد؛ فتترك الصلاة إلى آخر الشهر، ثم تغتسل، وتعيد صلوات أيام الحمرة.
ولو رأت خمسة أيام دمًا أحمر، ثم رأت ستة عشر دمًا أسود- فقد بطل العمل بالتمييز هاهنا؛ لأن الدم القوي زاد على خمسة عشر فحيضها حيض المبتدأة؛ من ابتداء الحمرة؛ لا يختلف القول فيه.
ولو رأت ستة عشر يومًا دمًا أحمر، ثم عشرة دمًا أسود: فإن قلنا: بظاهر المذهب: إن المبتدأة تردُ إلى يوم وليلة، فهاهنا يومٌ وليلة لها حيضٌ؛ من ابتداء الحمرة، وأيام السواد حيضٌ؛ لا يختلف القول فيه، لأن بينهما طهرًا كاملًا وكذلك إذا كان عددُ أيامِ الحمرة أكثرهن ستة عشر.
وإن قلنا: ترد المبتدأة إلى ست أو سبع في هذه الصورة- فعلى الوجه الأول: حيضها أيام السواد، وعلى الوجه الثاني: ست أو سبع من ابتداء الحمرة، ولو أن معتادةً استحيضت مميزة؛ فإنها تعمل بالتمييز على الصحيح من المذهب؛ كالمبتدأة إذا استحيضت
[ ١ / ٤٤٩ ]
مميزة؛ لأن التمييز اعتبار صفة الدم؛ فهو أولى من اعتبار زمانه؛ كالعدة بالأقراء تقدم على الأشهر.
وقال ابن خيران، والإفصطخري: -تعمل بالعادة؛ وهو قول أبي حنيفة﵀-.
وإن كانت نسيت عادتها، فحكمها حكم ناسيةٍ لا تمييز لها. والمذهب الأول: أنها تعمل بالتمييز.
بيانه: امرأة عادتها: أنها تحيضُ من كل شهر خمسة أيام وتطهر خمسةً وعشرين؛ فجاءها شهر؛ فرأت فيه ستة أيام دمًا أسود، ثم ثلاثة أيام، ثم أحمر، وجاوز خمسة عشر، فحيضها أيام السواد على الصحيح من المذهب.
وعلى قول ابن خيران والإصطخري: حيضها خمسة أيام؛ على عادتها [القديمة].
قال شيخنا الإمام ﵁: على قياس قول من يذهب إلى الجمع بين العادة والتمييز في المسألة التي بعدها، يجب أن يكون حيضها في هذه المسألة أكثر المدتين من العادة أو التمييز.
ولو كانت عادة حيضها خمسة أيام من أول كل شهر، والباقي طهرها، جاءها شهر، ورأت الخمسة أيام [الأولى] دمًا أحمر ثم خمسة دمًا أسود، ثم أحمر، وجاوز خمسة عشر- فثلاثة أوجه:
أحدها: حيضها أيام السواد، وعلى قول ابن خيران، والإصطخري: الخمسة الأولى على العادة.
والوجه الثالث: تجمع بين العادة والتمييز، فحيضها عشرة أيام، وكذلك إذا كانت عادتها بالتمييز، بأن كانت ترى من أول كل شهر خمسة أيام دمًا أسود، وباقي الشهر أحمر؛ فجاءها شهر، ورأت الخمسة الأولى دمًا أحمر، ثم خمسةً دمًا أسود، ثم أحمر، واستمر-
[ ١ / ٤٥٠ ]
فعلى الوجه الأول: حيضها أيام السواد، وعلى الوجه الثاني: حيضها الخمسة الأولى وعلى الوجه الثالث: حيضها عشرة أيام.
وإذا لم يمكن الجمع بين العادة والتمييز؛ بأن كانت عادةُ حيضها خمسة أيام؛ من أول الشهر جاءها شهر، ورأت خمسة عشر يومًا دمًا أحمر، ثم خمسةً أسود: فمن قال: تعمل بالتمييز، فحيضها أيام السواد وصار طهرها أربعين يومًا.
ومن قدم العادة، قال: حيضها الخمسة الأولى على عادتها.
ومن ذهب إلى الجمع، قال: هاهنا [الجمع] لا يمكن، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، فحيضها حيض المبتدأة من ابتداء الحمرة، ولو كانت عادتها خمسة أيام من أول الشهر جاءها شهرٌ، ورأت عشرين يومًا دمًا أحمر، ثم خمسة دمًا أسود؛ فالخمسة الأولى لها حيضٌ على عادتها وأيام السواد حيضٌ؛ لأن بينهما طُهرًا كاملًا لا يختلف القول فيه.
فأما إذا استحاضت المرأة غير مميزة؛ فلا يخلو: إما إن كانت معتادةً أو مبتدأةً، أو ناسيةً: فإن كانت معتادةً؛ بأن كانت تحيض من كل شهرٍ خمسة أو عشرة، وتطهر الباقي؛ فجاءها شهر، واستحاضت فيه- فإنها ترد إلى عادتها في الحيض والطهر؛ سواء ثبتت عادتها بحيضٍ وطهرٍ صحيح، أو بالتمييز؛ وسواء كانت تحيضُ في كل شهرٍ مرةً، أو في كل شهرين.
لما روي عن أم سلمة؛ أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله - ﷺ- فاستفتت لها أم سلمة النبي - ﷺ- فقال ﵇: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها؛ فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر؛ فإذا خلفت ذلك، فلتغتسل، ولتستثفر، ثم لتصل".
[ ١ / ٤٥١ ]
والمعتادة: إذا جاوز الدم عادتها أول مرة، لا تغتسل، بل تدع الصلاة؛ رجاء أن ينقطع على خمسة عشر أو دونها؛ فيكون الكل حيضًا، وإن جاوز خمسة عشر حينئذٍ تغتسل، وتقضي صلوات الأيام التي جاوزت عادتها، ثم في الشهر الثاني؛ كما [إذا] انقضت أيام عدتها، تغتسل، وتصلي، وتصوم، ثم إن جاوز الدم خمسة عشر، صحت صلاتها وصومها.
وإن انقطع على خمسة عشر، فالكل حيضٌ، ويجب عليها قضاء صيام تلك الأيام كلها.
والعادة تثبت بمرةٍ واحدة حتى لو حاضت مبتدأة أول مرة. خمسة أيام، وطهرت بقية الشهر، ثم في الشهر الثاني استمر بها الدم، وجاوز خمسة عشر- فحيضها من شهر الاستحاضة خمسة أيام وعند أبي حنيفة ﵀: لا تثبت العادة بأقل من مرتين، والعادة المستقرة قد تزداد وتنتقص، وتنتقل، والحكم للآخر إذا استحيضت بعده؛ لأن النبي - ﷺ- قال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها".
وبيان الزيادة: امرأةٌ عادة حيضها من أول كل شهر خمسة أيام جاءها شهر؛ فرأت فيه ستة أيام دمًا، وانقطع؛ فحيضها في هذا الشهر ستة أيام، وطهرها أربع وعشرون فإذا استحيضت في الشهر الثاني نردها إلى ستة أيام في الحيض وفي الطهر إلى أربع وعشرين.
وبيان النقصان: امرأة عادةُ من أول كل شهر خمسة أيام، ثم جاءها شهر؛ فرأت فيه ثلاثة أيام دمًا، وانقطع؛ فحيضها في هذا الشهر ثلاثة أيامٍ، وطهرها سبعٌ وعشرون. فإذا استحيضت بعد هذا الشهر تردها إلى ثلاثة أيام في الحيض، وفي الطهر إلى سبع وعشرين.
ولو أن مبتدأة رأت ثلاثة أيام دمًا، وانقطع، ثم في الشهر الثاني رأت خمسًا، وانقطع، ثم استحيضت في الشهر الثالث- تردها إلى خمسٍ.
ولو رأت أول مرة خمسًا، ثم في الشهر الثاني ثلاثًا، ثم استحيضت في الشهر الثالث- تردها إلى ثلاثة.
وبيان الانتقال: امرأة عادتها من أول كل شهر خمسة أيام جاءها شهرٌ؛ فرأت الخمسة الأول نقاءً، والخمسة الثانية دمًا، واستحيضت؛ فالخمسة الثانية لها في هذا الشهر حيضٌ
[ ١ / ٤٥٢ ]
وبعدها ثلاثون يومًا طهرًا؛ لأن العادة الأخيرة في الطهر؛ وعلى هذا أمرها أبدًا ما دام الدم متصلًا.
وقال أبو إسحاق المروزي ﵀: ليس لها في شهر الانتقال حيضٌ، فإذا تم الشهرُ فحيضها خمسة أيام من الشهر الذي بعده؛ على عادتها القديمة. والمذهب الأول.
وإذا رأت في شهر الانتقال الخمسة الثانية دمًا، وانقطع، ثم بعدها بعشرين يومًا رأت الدم، واستحيضت- نجعل لها الخمسة الأولى بعد العشرين حيضًا وعشرين يومًا طهرًا؛ لأنها العادة الأخيرة. هكذا أبدًا يكون لها من كل خمس وعشرين يومًا خمسةٌ حيضٌ.
ولو رأت في شهر الانتقال الخمسة الثانية دمًا، وانقطع، ثم في الشهر الثاني رأت الخمسة الثانية أيضًا، واستحيضت- فالخمسة الثانية لها حيضٌ. وعاد طهرها إلى خمسٍ وعشرين.
ولو كانت عادتها خمسة أيام من أول كل شهر، جاءها شهر؛ فرأت الخمسة الأولى على عادتها دمًا، وانقطع، ثم عاودها الدم في هذا الشهر بعد مضي خمسة عشر يومًا، واستحيضت- فالخمسة الأولى لها حيضٌ، والخمسة الخامسة حيضٌ، ثم بعدها خمسة عشر يومًا طهرٌ؛ لأنها العادة الأخيرة في الطهر، وكذلك لو رأت الخمسة الخامسة دمًا وانقطع، ثم عاودها لدم بعد خمسة أيام في ابتداء الشهر على عادتها القديمة، واستحيضت فالخمسة الخامسة لها حيضٌ، ولا حيض لها في ابتداء الشهر ما لم يتم خمسة عشر.
وقال أبو إسحاق: الخمسة الخامسة دم فسادٍ، وحيضها خمسةُ أيام من الشهر الذي بعدها على العادة القديمة.
ولو كانت للمرأة عاداتٌ مختلفةٌ، فلا تخلو: إما أن يكون لها دورٌ مستقيم، أو لم يكن.
فإن كان لها دورٌ مستقيمٌ؛ بأن كانت ترى في الشهر بثلاث أيام دمًا، وانقطع، ثم في شهرٍ خمسة أيام، ثم في شهرٍ سبعة أيامٍ، ثم يعود؛ فترى ثلاثًا، ثم خمسًا، ثم سبعًا. وأقل مدة تستقيم هذه العادة ستة أشهر؛ فإذا استحيضت عقب الشهر الثالث، ترد إلى الثالث أبدًا، وإن استحيضت عقب الشهر الخامس، ترد إلى الخمس أبدًا، وإن استحيضت
[ ١ / ٤٥٣ ]
عقب شهر السابع ترد إلى السابع أبدًا؛ لأن النبي - ﷺ- قال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها" فردها إلى الشهر الذي قبل الاستحاضة، ولأن العادة كما ثبتت بمرة، تنتقل بمرةٍ واحدة.
والوجه الثاني: ترد إلى دور عادتها، فإن استحيضت عقب الشهر الثالث ترد إلى الخمس، ثم إلى السابع، وإن استحيضت عقب الشهر الخامس ترد إلى السبع، ثم إلى الثالث، وإن استحيضت عقب الشهر السابع، ترد إلى الثالث، ثم إلى الخامس.
فإن قلنا: ترد إلى ما قبل الاستحاضة، فهل يجب عليها أن تعمل بالاحتياط ما بين أقل عادتها إلى أكثر عادتها؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا بد لها بعد الأيام المردود إليها ما للطاهرات، وعليها ما على الطاهرات؛ كما في العادة المستقيمة.
والثاني: تعمل بالاحتياط.
وبيانه: أنها إن استحيضت عقب شهر الثلاث، ورددناها إلى الثلاث، فبعد مضي الثلاث تغتسل وتصلي وتصوم، ثم بعد انقضاء الخمس تغتسل، ثم تغتسل بعد انقضاء السبع، ويجتنبها زوجها في هذه المدة. بعد مضي السبع حتى تقضي صيام الكل؛ لاحتمال أنها كانت حائضًا، ولم يصح صومها، ولا تقضي الصلاة؛ لأنها إن كانت طاهرة فقد صلت، وإن كانت حائضًا فلا صلاة عليها.
وإن استحيضت عقب شهر الخمس، تترك الصلاة والصوم إلى انقضاء الخمس، ثم تغتسل وتصلي وتصوم، ويجتنبها زوجها إلى انقضاء السبع، ثم بعده تغتسل وتصلي، وتقضي صيام الكل، وتقضي صلوات اليوم الرابع والخامس؛ لاحتمال أنها كانت طاهرةً، ولم تصل.
وإن استحيضت عقب الشهر السابع، تترك الصلاة والصوم إلى انقضاء السبع، ثم تغتسل، وتقضي صلوات اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع.
وإن لم يكن لها دورٌ مستقيم بأن كانت ترى في بعض الشهور ثلاثًا، وفي بعضها خمسًا، وفي بعضها سبعًا بلا ترتيب، ولكن أوائلها متفقةٌ؛ فإذا جاءها شهرٌ، واستحيضت فيه؛ فإنها ترد إلى ما قبل الاستحاضة أبدًا.
ثم هل تعمل بالاحتياط، إما بين أقل العادات وأكثرها؟ فعلى وجهين كما ذكرنا.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وإن لم تعرف عادة الشهر الذي استحيضت بعده؛ فإنها ترد إلى أقل العادات، وتعمل بالاحتياط ما بين أقلها وأكثرها، وإن كان لا يتفق أوائل حيضها بأن كانت تحيض في بعض الشهور في أوله، وفي بعضه في وسطه، وفي البعض في آخره ترد إلى ما قبل الاستحاضة. فإن أشكل عليها أمر الشهر الذي قبل الاستحاضة- فهي كالناسية؛ فمن أول الشهر إلى انقضاء أقل عادتها تتوضأ لكل فريضةٍ، وبعدها إلى آخر الشهر تغتسل لكل فريضة.
فصلٌ في المبتدأة
إذا استحيضت المبتدأة، فإلى ماذا ترد؟ فيه قولان:
أصحهما: إلى أقل الحيض؛ وهو يومٌ وليلة، من ابتداء ما رأت الدم، وباقي الشهر؛ وهو تسع وعشرون لها طهرٌ؛ لأن سقوط الصلاة والصوم عنها في يوم وليلة بيقين، وفيما زاد عليه شك، والفرض لا يسقط بالشك.
القول الثاني: ترد إلى ست أو سبع غالب عادات النساء؛ لما روي عن حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضةً كثيرة شديدةً، فجئت إلى النبي - ﷺ- أستفتيه، فقال: "إنما هي ركضةٌ من ركضات الشيطان؛ فتحيضي ستة أيامٍ، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي؛ فصلى أربعةً وعشرين ليلة وأيامها، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي وكذلك افعلي في كل شهرٍ؛ كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن".
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقوله: "ست أيامٍ، أو سبع" ليس على التخيير، بل على التنويع، ومعناه: إن كانت عادة نسائك ستًا فتحيضي ستًا، وإن كانت سبعًا، فسبعًا.
ومن قال بالأول، أجاب بأن حمنة لم تكن مبتدأة، بل كانت معتادةً، شك النبي - ﷺ- في عادتها أنها ستة أو سبعة.
وعند أبي حنيفة ﵀. ترد المبتدأة إلى أكثر الحيض؛ وهو عشرة أيام، وعلى القولين جميعًا تترك الصلاة في الشهر الأول إلى خمسة عشر؛ رجاء أن تنقطع على خمسة عشر، فما دونها؛ فيكون الكل حيضًا فإذا جاوز خمسة عشر [تغتسل] وتقضي صلوات أربعة عشر يومًا؛ على القول الأصح.
وعلى القول الآخر: صلوات ما وراء الست والسبع، ثم في [أول] الشهر الثاني إذا جاوز الزمان المردود إليه اغتسلت وصلت.
وإذا رأت المبتدأة أول ما رأت الدم، تدع الصلاة والصوم؛ لأن الظاهر أنه حيضٌ.
وقيل: لا تدع بأول الرؤية؛ لأنا لا نعرفه حيضًا ما لم يمض يومٌ وليلة. فإن قلنا: ترد إلى ست أو سبع؛ فالعبرة بعادة نساء عشرتها من جهة الأب والأم جميعًا. فإن كانت عادة بعضهن سنًا، وعادة بعضهن سبعًا ترد إلى الأغلب؛ فإن استويا، فإلى الست؛ لأنها أقل، وإن كانت عادتهن أقل من ست، أو أكثر من سبع، ففيه وجهان:
أقيسهما: ترد إلى عادتهن.
والثاني: ترد إلى الست أو السبع، لأنها الأغلب من عادات النساء؛ لظاهر الخبر، فإن اعتبرنا عادة نساء عشيرتها، فلم يكن لها عشيرةٌ. بعادة نساء بلدها وقبيلتها؛ فإن لم يكن في قبيلتها أحدٌ فبأقرب القبائل إليها، فإذا رددناها إلى يوم وليلة، أو إلى ست أو سبع- فهل يجب عليها بعد هذه الأيام أن تعمل بالاحتياط إلى تمام خمسة عشر يومًا؟ فيه قولان:
[ ١ / ٤٥٦ ]
أصحهما: لا، بل فيما بعدها، لها ما للطاهرات، وعليها ما على الطاهرات تصلي وتصوم، وتقضي فيه الفوائت، ويأتيها زوجها؛ كما بعد خمسة عشر يومًا؛ وكالمعتادة بعد انقضاء أيام عادتها.
والقول الثاني: يجب عليها العمل بالاحتياط بخلاف المعتادة؛ لأنا رددناها إلى يقين حيضٍ اعتادته؛ فعلى هذا يجب عليها أن تغتسل لكل فريضةٍ بعد الأيام المردود إليها، ويجب عليها أن تصوم، وتطوف إن كان عليها طواف؛ ويجتنبها زوجها، ولا يصح فيها قضاء الفوائت من الصوم والصلاة والطواف؛ لاحتمال أنها حائضٌ، فلا يصح منها قضاؤها، ثم بعد انقضاء خمسة عشر تغتسل وتقضي الصيام والطواف الذي أتت به في هذه الأيام، ولا تقضي فرائض الأوقات، لأنها إن كانت طاهرةً فقد صلتها، وإن كانت حائضًا فلا صلاة عليها.
وحكى البويطي قولًا عن الشافعي ﵀: أن المبتدأة ترد إلى أقل الحيض، وأقل الطهر. والمذهب الأول: أن لها في كل شهر حيضًا وطهرًا واحدًا [والله أعلم].
فصلٌ في المرأة ترى الصفرةَ والكدرة
روي أن نساء [المهاجرين] كن يبعثن إلى عائشة﵂- بالدرجة فيها الكرسف فيها الصفرة؛ فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد: الطهر من الحيض.
قال الشافعي ﵀: والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض؛ لا خلاف أن المعتادة إذا رأت الصفرة والكدرة في أيام عادتها يكون ذلك حيضًا.
فأما المبتدأة إذا رأت الصفرة أو الكدرة، أو المعتادة إذا رأت في غير أيام عادتها:
[ ١ / ٤٥٧ ]
فذهب الأكثر من أصحابنا إلى أن كل زمان يجعل فيه الحمرة حيضًا، ويجعل الصفرة والكدرة فيه حيضًا، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
ومعنى قول الشافعي﵀- "في أيام الحيض" أي: في أيام إمكان الحيض حيضٌ.
وذهب صاحب "التلخيص"، و كان يذهب أبو إسحاق، ثم رجع عنه: أنها لا تكون حيضًا في غير أيام العادة؛ وهو قول ابن المسيب، وعطاء، وأكثر الفقهاء؛ وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد؛ لما روي عن أم عطية قالت: كنا لا نعد الكدرة، والصفرة بعد الطهر شيئًا. فإن جعلناها حيضًا، فلا يشترط أن يتقدمها شيء من الدم القوي؛ كما في أيام العادة.
وقيل: يشترط أن يتقدمها شيء من الدم القوي؛ حتى يستتبع الضعيف؛ فعلى هذا كم يشترط؟ فيه وجهان:
أصحهما: لحظة.
والثاني: يوم وليلة؛ حتى يتقوى فيستتبع الضعيف.
خرج من هذه الجملة: لو أن مبتدأة رأت خمسة أيام صفرةً أو كدرةً- وانقطع فهو حيضٌ عند الأكثرين من أصحابنا.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وعلى قول صاحب "التلخيص" ومن شرط تقدم السواد ليس بحيض؛ وهو قول أكثر الفقهاء.
ولو رأت خمسةً دمًا أسود، ثم خمسة أصفر، أو معتادة عادتها خمسة، رأت هكذا- فالكل حيضٌ عند الأكثرين وعلى قول صاحب "التلخيص": حيضها أيام السواد.
ولو رأت المبتدأة خمسةً دمًا أصفر، ثم خمسة أسود، وانقطع- فعند الأكثرين: حكمه حكم ما لو رأت خمسةً دمًا أحمر، ثم خمسةً أسود- فالكل حيضٌ؛ على أصح الوجهين:
وعلى الثاني: حيضها أيام السواد.
وعلى قول صاحب "التلخيص" ومن يشترط تقدم السواد: حيضها أيام السواد.
ولو رأت خمسة صفرة ثم خمسة عشر سوادًا، فعلى قول صاحب "التلخيص"، ومن يشترط تقدم السواد: حيضها أيام السواد.
وعلى قول الآخرين: تبنى على أن الابتداء؛ هل يترك بالتمييز، أم لا؟
إن قلنا: يترك، فحيضها أيام السواد.
وإن قلنا: لا يترك، فحيضها حيضُ المبتدأة من ابتداء الصفرة.
ولو رأت خمسةً صفرةً وستة عشر سوادًا: على قول صاحب "التلخيص"، ومن يشترط تقدم السواد حيضها حيضُ المبتدأة من ابتداء السواد.
وعلى قول الآخرين: حيضها حيض المبتدأة من ابتداء الصفرة؛ لأن التمييز قد بطل ها هنا.
ولو رأت خمسة دمًا أحمر، [ثم خمسةً أصفر]، ثم خمسةً أسود، [فعند الأكثرين حكمه حكم ما لو رأت عشرة دمًا أحمر، وخمسة دمًا أسود] فالكل حيضٌ على أصح الوجهين.
وعلى الثاني: حيضها أيام السواد وعلى قول من لا يجعل الصفرة حيضًا حكمها حكم ما لو رأت خمسة دمًا وخمسة نقاءً ثم خمسة دمًا- يبنى على القولين في تلفيق الدم إن قلنا: نلفق فحيضها أيام الحمرة والسواد.
وإن قلنا: لا نلفق، فالكل حيض.
[ ١ / ٤٥٩ ]
فصلٌ في الناسية
روي عن عائشة﵂- أن سهلة بنت سهيلٍ استحيضت، فأتت النبي - ﷺ- فأمرها أن تغتسل لكل صلاة.
وقال الشيخ إمام الأئمة: هذا الحديث في مستحاضةٍ نسيت عادتها، فأمرها بالاغتسال عند كل صلاة؛ لأنه ما من وقت صلاةٍ إلا ويحتمل فيه انقطاع دم الحيض، ووجوب الغسل عليها.
أما الناسية وتسمى: متحيرة، لا يخلو: إما إن لم تذكر شيئًا من طهرها، أو حيضها، أو ذكرت شيئًا. فإن لم تذكر شيئًا؛ بأن كانت معتادةً نسيت عادتها، أو جنت صغيرة؛ فأفاقت والدم بها متصل- ففيها قولان.
أحدهما: حيضها حيض المبتدأة من أول كل هلالٍ؛ فالشهر في حق المستحاضة نوبةُ حيضها وطهرها، طالت أم قصرت، وفي حق هذه ما بين الهلالين.
وقال الشيخ القفال: إذا أفاقت المجنونة، والدم بها متصلٌ فشهرها ثلاثون يومًا، وابتداؤه من وقت الإفاقة؛ لأن تلك الحالة حالة توجه الخطاب عليها.
والقول الثاني- وهو الأصح-: لا نجعل لها حيضًا بيقين، [ولا طهرًا بيقين] بل يجب عليها أن تأخذ بالاحتياط أبدًا؛ لأنه ما من حالةٍ من أحوالها إلا ويحتمل فيها الحيض والطهر والانقطاع، والاحتياط يكون في أربعة أشياء:
في الصلاة، والطواف، والصوم، والغشيان.
أما إذا لزمتها العدة، فحكم بانقضائها في ثلاثة أشهر؛ لأن الأغلب في أحوال النساء أن تكون لهن في كل شهر حيضةٌ، ولو لم نحكم بانقضاء عدتها، لبقيت في حيال الزوج أبدًا، وفيه إضرارٌ بها.
أما الغشيان: فلا يجوز للزوج أن يغشاها أبدًا؛ فلو فعل، عصى الله تعالى.
وأما الصلاة: فيجب عليها أن تصلي صلوات اليوم والليلة، كل صلاة مرتين بست اغتسالاتٍ.
[ ١ / ٤٦٠ ]
بيانه: إذا دخل عليها وقت الظهر تغتسل وتصلي الظهر، ثم إذا دخل وقت العصر تغتسل وتصلي العصر، فإذا غربت الشمس تغتسل وتصلي المغرب، ثم تتوضأ؛ فتقضي الظهر، ثم تتوضأ؛ فتقضي العصر. وإنما أوجبنا قضاءهما؛ لاحتمال أن دمها انقطع قبل غروب الشمس؛ فلم يصح فعلهما في أول الوقت، ولزمها قضاؤهما بإدراك آخر الوقت.
ولا يجب الغسل لقضائهما؛ لأن الانقطاع إن كان قبل الغروب، فغسل المغرب كافٍ لهما، وإن كان الانقطاع بعد الغروب؛ حتى لم يصح غسلها للمغرب، ولا يجب عليها قضاء الظهر والعصر، ثم إذا دخل وقت العشاء تغتسل وتصلي العشاء، ثم إذا طلع الفجر تغتسل وتصلي الصبح، ثم تقضي المغرب والعشاء بوضوءين؛ لاحتمال أن دمها انقطع قبل طلوع الفجر فلم يصح فعلهما في أول الوقت، ولزمها قضاؤهما بإدراك آخر الوقت- ثم إذا طلعت الشمس تغتسل، وتقضي الصبح؛ لاحتمال أن الدم انقطع قبل طلوع الشمس، فلم يصح فعل الصبح في أول الوقت.
قال الشيخ إمام الأئمة﵀-: ولو قدمت قضاء الظهر والعصر بعد غروب الشمس على أداء المغرب - فعليها أن تغتسل لقضاء الظهر، وتتوضأ لقضاء العصر، ثم تغتسل لصلاة المغرب. وكذلك في المغرب والعشاء إذا قدمت قضاءهما بعد طلوع الفجر على فعل الصبح، فتحتاج إلى ثمانٍ اغتسالاتٍ. بوضوءين.
قال الشيخ: ولو كانت تغتسل لكل صلاة، وتصليها مرة حتى يمضي الشهر، فلا يجب عليها إلا قضاء صلوات يومين؛ لأن أشد أحوالها أن يكون ابتداء حيضها في صلاة، والانقطاع في الأخرى. ويحتمل كون الصلاتين متفقتين؛ فيكون لمن نسي صلاتين من صلوات شهر، وشك أنهما متفقتان، أو مختلفتان- فلا يجب عليه إلا قضاء صلوات يومين.
وإن كانت على هذه المرأة فائتة، يجب عليها فعلها ثلاث مرات بثلاث اغتسالاتٍ؛ فتغتسل في أي وقت شاءت وتصليها، ثم تمهل بعد فعلها قدر إمكان فعلها مع الغسل، ثم بعد زمان الإمهال إلى تمام خمسةً عشر من ابتداء الشروع تغتسل [في] أي وقت شاءت وتصليها مرة أخرى. ثم بعد كمال خمسة عشر تمهل قدر إمكان فعلها مع الغسل، ثم- تغتسل ثالثًا وتصلي.
ولو أنها أمهلت في أحد الطرفين دون الثاني، لا يسقط الفرض عنها؛ إن لم تمهل في الطرف الأول، بل حصلت الثانية متصلة بالأولى؛ فيحتمل انقطاع حيضها في الثانية،
[ ١ / ٤٦١ ]
وابتداء حيض الثاني في خلال الثالثة؛ فيبطل الكل.
وإن لم تمهل في الطرف الثاني، بل حصلت الثانية والثالثة متصلين بعد انتهاء خمسة عشر؛ فيحتمل انقطاع حيضها في الأول والابتداء في الثانية؛ فيغسل الكل.
ولو كانت عليها فائتتان؛ فأرادت قضاءهما معًا، اغتسلت أي وقتٍ شاءت، وصلت إحداهما، ثم توضأت عقيبها وصلت الأخرى، ثم أمهلت قدر إمكان فعلهما مع الغسل، ثم بعد زمان الإمهال إلى تمام خمسة عشر صلتهما مرة أخرى بالاغتسال الأول، والوضوء للثانية، ثم بعد كمال خمسة عشر أمهلت قدر إمكان فعلهما، ثم صلتهما بالغسل للأول، والوضوء للثانية؛ سواء اتفقت الصلاتان عددًا، أو - اختلفتا؛ وحكم الطواف حكم الفائتة؛ يجب فعله ثلاث مرات بثلاث اغتسالات، ولا يجب الغسل لركعتي الطوافل؛ وهل يجب الوضوء لهما، أم لا؟
إن قلنا: ركعتا الطواف نفلٌ، لا يجب.
وإن قلنا: فرض، يجب.
وقيل: لا يجب؛ لأنهما تبعٌ للطواف.
وأما الصوم، فإن كان عليها صوم يوم، يجب عليها أن تصوم ثلاثة أيام؛ تصوم يومًا متى شاءت، ثم تمهل يومًا إلى تمام خمسة عشر من اليوم الأول؛ تصوم يومًا آخر وتمهل يوم السادس عشر، وتصوم يوم السابع عشر.
ولو لم تمهل في أحد الطرفين، لا يسقط الفرضُ عنها؛ كما وصفنا في الصلاة.
قال الشيخ إمام الأئمة﵀-: وإذا لم تُمهل، تحتاج أن تصوم أربعة أيام لصوم يومين، ثم بعد كمال خمسة عشر تصوم يوم السادس عشر، والسابع عشر. وكذلك في الطواف والصلاة تحتاج إلى فعلها أربع مرات تطوف مرتين بغسلين، ثم بعد كمال خمسة عشر تطوف مرتين آخرتين بغسلين، وكذلك الصلاة. ولو كان عليها صوم يومين، يجب عليها أن تصوم ستة أيام؛ تصوم يومين، ثم إلى كمال السادس عشر تصوم يومين آخرين، ويسميان يومي الاشتراك، ثم تصوم السابع عشر والثامن عشر. ولا يجب الإمهال، بل يجوز [أن تصوم] اليومين المتوسطين متصلًا بالأولين، أو بالآخرين، أو تصل أحد اليومين باليومين الأولين، والثاني بالآخرين، أو تصوم بينهما.
وفي صوم اليوم الواحد، لو صامت أربعة أيام هكذا؛ بأن صامت يومًا، ثم صامت
[ ١ / ٤٦٢ ]
يومي الاشتراك إلى كمال السادس عشر. ثم صامت يوم السابع عشر، ولم تُمهل- سقط الفرض عنها وإن كان عليها صوم ثلاثة أيام، يجب عليها أن تصوم ثمانية أيام؛ تصوم ثلاثة أيام، ثم تصوم يومي الاشتراك إلى كمال السادس عشر، ثم تصوم من السابع عشر ثلاثة أيام.
وكذلك إن كان عليها صوم أربعة أيام فأكثر، يجب عليها أن تصوم ذلك العدد، ثم تصوم يومي الاشتراك إلى كمال السادس عشر؛ متى شاءت، ثم تصوم من السابع عشر ذلك العدد على التوالي.
وإن كان عليها صوم أربعة عشر يومًا؛ يجب عليها صوم ثلاثين يومًا على التوالي، فإذا دخل عليها شهر رمضان، يجب عليها أن تصوم جميع الشهر؛ فيحسب لها منه أربعة عشر يومًا، ثم تصوم شهرًا آخر؛ فيتم لها ثمانيةٌ وعشرون يومًا؛ فيبقى لها من قضائه صوم يومين؛ فتصوم ستة أيام؛ كما وصفناه.
وإن خرج شهر رمضان ناقصًا؛ فيحصل لها الصوم ثلاثة عشر يومًا، وإن كان عليها صوم شهرين متتابعين، يجب عليها صوم أربعة أشهر وعشرين يومًا متتابعات؛ فيحصل لها الصوم أربعة أشهر؛ صوم ستة وخمسين يومًا، وتصوم عشرين صوم أربعة أيام. ولا يجوز التفريق؛ لأن التتابع فيه فرصة.
فأما إذا كانت الناسية تذكر شيئًا من حيضها أو طهرها- فكل زمان يحتمل فيه قطعُ الدم، يجب عليها أن تغتسل فيه لكل صلاة. وكل زمان لا يحتمل فيه الانقطاع، عليها أن تتوضأ لكل صلاة؛ سواء كان زمان شك، أو يقين طهر، وتصوم، وفي زمان الشك يجتنبها زوجها؛ كما في يقين الحيض ثم لا تخلو هذه المرأة: إما إن عرفت قدر حيضها أو لم تعرف.
فإن لم تعرف؛ فلا يخلو: إما إن عرفت موضع حيضها من الشهر، أو لم تعرف.
فإن لم تعرف؛ مثل: إن قالت: لا أذكر شيئًا إلا انقطاع دمي؛ كأن يكون بالليل- يجب عليها أن تغتسل لصلاة الليل أبدًا، وتتوضأ لصلوات النهار.
ولو كان على هذه صوم يوم، يجب عليها أن تصوم يومين بينهما أربعة عشر يومًا. ولو قالت: كان انقطاع دمي وقت الزوال- يجب عليها أن تغتسل كل يوم وقت الزوال، وتتوضأ لسائر الصلوات.
[ ١ / ٤٦٣ ]
ولو قالت: لا أحفظ شيئًا، إلا أني كنت لا أخلط الشهر بالشهر؛ تعني: كنت في الطرفين طاهرةً- فتقول لها: ساعة عن آخر الشهر، وساعة من ليلة الهلال طُهرٌ بيقين، وبعده زمان شك لا يحتمل فيه الانقطاع، تتوضأ لكل صلاةٍ إلى انقضاء يوم وليلة، ثم بعده يحتمل الانقطاع تغتسل لكل صلاة؛ إلى أن يبقى من الشهر ساعةٌ.
ولو قالت: كنت لا أخلطُ الشهر بالشهر، وكنت يوم الخامس طاهرةً؛ فساعة من آخر الشهر، وساعة من أوله طُهرٌ بيقين، وبعده زمان شك لا يحتمل فيه الانقطاع؛ تتوضأ لكل صلاة إلى مضي يوم وليلة، ثم تغتسل لكل صلاةٍ إلى انقضاء اليوم الرابع، وليلة الخامس، ثم يوم الخامس طهرٌ، ثم بعده يوم وليلة زمانُ شكٍّ لا يحتمل فيه الانقطاع؛ تتوضأ لكل صلاة، ثم بعده يحتمل الانقطاع، تغتسل لكل صلاة إلى أن يبقى من الشهر ساعةٌ.
ولو عرفت موضع حيضها؛ مثل: إن قالت: كان حيضي أول الشهر؛ فيوم وليلة من أول الشهر لها حيض بيقين، ثم بعد غسل لكل صلاة، إلى انقضاء خمسة عشر يومًا؛ لأنه يحتمل فيها انقطاع الدم، ثم بعده طهر بيقين.
ولو قالت: كان انقطاع دمي في آخر الشهر؛ فيوم وليلة من آخر الشهر لها حيضٌ، وتغتسل بعده، والنصف الأول من الشهر طهر، وبعده زمان الشك لا يحتمل فيه الانقطاع، تتوضأ لكل صلاة إلى أن يبقى من الشهر يوم وليلة.
ولو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر، أو كنت أخلط بياض شهر بسواد شهرٍ- فساعتان لها حيضٌ بيقين؛ ساعة من آخر الشهر، وساعة من أول ليلة الهلال، ثم بعده زمان الشك، ويحتمل فيه الانقطاع؛ تغتسل لكل صلاة إلى أن يبقى من اليوم الخامس عشر ساعة، ثم تلك الساعة، وساعة من الليلة السادس عشر طهرٌ بيقين، ثم بعده زمان الشك، ولا يحتمل فيه الانقطاع، تتوضأ لكل صلاة إلى أن يبقى من الشهر ساعة.
ولو قالت: كنت أخلط سواد شهرٍ بسواد شهر- فساعةٌ من آخر ليلة الثلاثين، ويوم الثلاثين، وساعة من ليلة الهلال لها حيضٌ بيقين، وبعده زمانُ شك، يحتمل فيه الانقطاع، تغتسل لكل صلاةٍ إلى أن يبقى من ليلة الخامس عشر ساعة، ثم تلك الساعة. ويوم الخمس عشر، وساعة من ليلة السادس عشر طُهرٌ بيقين، وبعده زمان شك، يحتمل فيه الانقطاع، تتوضأ لكل صلاة إلى أن تبقى من ليلة الثلاثين ساعة.
ولو قالت: كنت أخلط بياض شهر. [ببياض شهر]، فساعة من آخر يوم الثلاثين،
[ ١ / ٤٦٤ ]
والليلة الأولى من الشهر الثاني، وساعة بعد طلوع الفجر لها طُهرٌ بيقين، ثم بعده زمان شك، يحتمل فيه الانقطاع، تغتسل لكل صلاة إلى أن تبقى من يوم الخامس عشر ساعة. ثم تلك الساعة، وليلة السادس عشر وساعته بعد طلوع الفجر طُهرٌ بيقين، ثم بعده زمانٌ شكٍ لا يحتمل فيه الانقطاع؛ تتوضأ لكل صلاة، إلى أن يبقى من الشهر ساعةٌ.
ولو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر بيوم وليلة- فيوم وليلة من آخر الشهر ويوم وليلة من أوله لها حيضٌ ثم بعده زمان شك، يحتمل [فيه] الانقطاع، تغتسل لكل صلاة إلى انقضاء يوم الرابع، ثم يوم الخامس عشر والسادس عشر مع ليلتهما طهرٌ بيقين، ثم بعده زمان شك لا يحتمل فيه الانقطاع، تتوضأ لكل صلاةٍ إلى انقضاء التاسع والعشرين.
ولو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر، وكنت يوم الخامس حائضًا- فساعة من آخر الشهر إلى انقضاء خمسة أيام من الشهر الثاني لها حيضٌ بيقين، ثم بعده زمان شكٍ يحتمل فيه الانقطاع؛ تغتسل لكل صلاة، إلى أن تبقى من اليوم الخامس عشر ساعة، ثم بعده إلى انقضاء العشرين طهرٌ بيقين، ثم بعده زمان شكٍ لا يحتمل فيه الانقطاع؛ تتوضأ لكل صلاةٍ إلى أن يبقى من الشهر ساعة.
ولو قالت: كنت أخلطُ الشهر بالشهر، وكنت يوم الخامس طاهرةً، فساعة من آخر الشهر، وساعة من أوله حيض بيقين، ثم بعده زمان شك يحتمل فيه الانقطاع؛ تغتسل لكل صلاةٍ [إلى انقضاء اليوم الرابع، ويوم الخامس طهر بيقين إلى أن يمضي من ليلة السادس عشر ساعةٌ، ثم بعده زمان شك لا يحتمل فيه الانقطاع تتوضأ لكل صلاة]، إلى أن يبقى من الشهر ساعة.
فأما إذا عرفت المستحاضةُ الناسية قدر حيضها، إلا أنها قد أضلته- لا تخلو: إما أن أضلته في جميع الشهر، أو في أيام بعينها من الشهر.
فإن أضلت في جميع الشهر؛ بأن قالت: حيضي خمسة أيام أضللتها في جميع الشهر؛ نظر: إن قالت: كنت لا أخلط الشهر بالشهر- فإنها تتوضأ لكل صلاة من أول الشهر إلى انقضاء اليوم الخامس؛ لأنه يحتمل فيه الطهر والحيض، ولا يحتمل الانقطاع، ثم بعده يحتمل الانقطاع؛ تغتسل لكل صلاةٍ إلى آخر الشهر.
فإن عرفت انقطاع دمها في وقت معلومٍ- فبعد انقضاء الخامس تغتسل لكل يوم في
[ ١ / ٤٦٥ ]
ذلك الوقت؛ فتتوضأ لسائر الصلوات.
وإذا صامت هذه شهر رمضان، يحصل لها صوم أربعة وعشرين يومًا؛ لأنه قد يقع النهار مشتركًا بين الطهر والحيض؛ فيبطل صوم ستة أيام. فإن عرفت انقطاع دمها بالليل، يحصل لها صوم خمسة وعشرين يومًا، ثم إذا أرادت قضاء صوم الخمسة، تصوم عشرة أيام على التوالي؛ ويتصور سقوط الفرض عنها بصوم ستة أيام إذا فُرِّقت؛ وهو أن تصوم يومًا، وتمهل أربعة، ثم تصوم يومًا، وتمهل أربعة هكذا، حتى تصوم ستة أيام في ستة وعشرين يومًا.
فإن قالت: كان حيضي خمسة أيام أضللتها، ولا أدري: هل كنت أخلط الشهر بالشهر، أو لا أخلط؟ فهي كمن لا يحفظ شيئًا؛ يجب عليها أن تغتسل لجميع الصلوات أبدًا.
وإن قالت: أضللت خمسة في الشهر، وكنت لا أخلط العشر بالعشر- فعليها أن تتوضأ لكل صلاة في الخمسة الأولى من كل عشرة، وفي الخمسة الثانية تغتسل لكل صلاة.
ولو قالت: أضللتُ- عشرة أيام في الشهر، وأعلم أني كنت لا أخلط العشر بالعشر- فلا غسل عليها إلا عند انقضاء كل عشر؛ فتتوضأ لسائر الصلوات.
ولو قالت: أضللت خمسة في الشهر، وكنت إما اليوم الخامس، أو الخامس والعشرين حائضًا أو قالت: كنت إذا كنت يوم الخامس حائضًا، كنت يوم الخامس والعشرين طاهرة، وإذا كنت يوم الخامس طاهرةً، كنت يوم الخامس والعشرين حائضًا- فعليها أن تتوضأ لكل صلاة في الخمسة الأولى، ثم بعده تغتسل لكل صلاة إلى انقضاء اليوم التاسع، ثم بعده إلى انقضاء العشرين طهرٌ بيقين، ثم بعده زمان شك لا يحتمل فيه الانقطاع؛ تتوضأ لكل صلاةٍ إلى انقضاء الخامس والعشرين، ثم بعده تغتسل لكل صلاةٍ إلى انقضاء التاسع والعشرين ويوم الثلاثين طهرٌ بيقينٍ.
ولو قالت: كنت أحيض من الشهر خمسة عشر، وأخلط أحد النصفين بالآخر بيوم. معناه: أني كنت أحيضُ أربعة عشر يومًا من أحد النصفين، ويومًا من النصف الآخر فإن كان اليوم من النصف الأول، فأول حيضها الخامس عشر، وآخرها التاسع والعشرون. وإن كان اليوم من النصف الثاني، فأول حيضها اليوم الثاني من الشهر، وآخره السادس عشر، فلها يومان من الشهر طهرٌ بيقين: اليوم الأول والآخر، ويومان حيضٌ بيقين؛ وهو الخامس عشر والسادس عشر وعليها غسلان: غسلٌ عند انقضاء السادس عشر، وغسلُ عند انقضاء التاسع والعشرين.
ولو قالت: كنت أحيضُ أربعة عشر يومًا، وأخلط أحد النصفين بالآخر بيوم- فأربعة
[ ١ / ٤٦٦ ]
أيام لها طُهرٌ بيقين: يومان من أول الشهر، ويومان من آخره؛ فيومان لها حيضٌ بيقين الخامس عشر والسادس عشر، وعليها غسلان عند انقضاء السادس عشر، وغسل عند انقضاء الثامن والعشرين.
ولو قالت: كنت أحيضُ خمسة عشر، وكنت أخلط أحد النصفين بالآخر بيومين؛ فيومان في أول الشهر، ويومان من آخره طهرٌ بيقين، وأربعة أيام من وسطها حيضٌ بيقين؛ أولها الرابع عشر، وعليها غسلان: غسلٌ عند انقضاء السابع عشر، وآخر عند انقضاء الثامن والعشرين، هكذا كلما زاد الخلط بيوم زاد طهر يومين؛ يوم من أوله، ويوم من آخره، وحيضٌ يومين من وسطه إلا أن تقول: كنت أخلط بثمانية؛ فحينئذٍ لا تزيد شيئًا فيكون حكمه حكم ما لو قالت: كنت أخلط سبعة؛ لأنه إذا كانت ثمانية من أحد النصفين، يكون سبعة من النصف الآخر؛ فيكون لها أربعة عشر طهرٌ بيقين؛ سبعة من أول الشهر، وسبعة من آخره، وأربعة عشر حيضٌ بيقين؛ سبعة من أول الشهر، وسبعة من آخره، وأربعة عشر حيضٌ بيقين؛ أولها اليوم التاسع، وآخرها الثاني والعشرون، واليوم الثامن والثالث والعشرون زمان الشك، وعليها غسلان عند انقضاء الثاني والعشرين، وعند انقضاء الثالث- والعشرين.
ولو قالت: كنت أخلط بتسعة، فهو كما لو قالت: كنت أخلط بستة.
ولو قالت: كنت أخلط [من الشهر] بعشرة، فهو كما لو قالت: بخمسة. وقس عليه.
ولو قالت: كنت أخلط من الشهر خمسة عشر، وأخلط أحد النصفين بالآخر بيوم، ولا أدري هل كنت أخلط بأكثر، أم بأقل، وتعرف أن اليوم كاملٌ في الخلط، فيومان لها طُهرٌ بيقين: أحدهما من أول الشهر، والآخر من الآخر، ويومان من وسطه حيضٌ؛ كما ذكرناه، غير أنه يجب عليها أن تغتسل بعد السادس عشر [لكل صلاةٍ إلى انقضاء] التاسع والعشرين. فإن لم تعرف أن الخلط فيما زاد على اليوم بجزء وبأكثر- يجب عليها أن تغتسل بعد السادس عشر كل صلاة إلى انقضاء التاسع والعشرين.
ولو قالت: كنت أحيضُ خمسة عشر، وكنت أخلط النصف بالنصف بجزءٍ- فلها جزءٌ من آخر الشهر، وجزءٌ من أوله طهرٌ، وجزءٌ من آخر الخامس عشر، وجزءٌ من ليلة السادس
[ ١ / ٤٦٧ ]
عشر حيضٌ بيقينٍ، وعليها غسلان: غسل بعد جزءٍ من ليلة السادس عشر، وغُسلٌ حين يبقى من آخر الشهرة جزءٌ، وتتوضأ لسائر الصلوات.
فإن قالت في هذه الصور: كنت أخلط النصف بالنصف بجزءٍ، ولا أدري هل كنت أخلط بأكثر أم لا؟ فالحكم عندي هكذا.
إلا أن هاهنا بعد جزء من ليلة السادس عشر تغتسل لكل صلاة، إلى أن يبقى من الشهر جزءٌ؛ لاحتمال الانقطاع فيه.
فأما إذا أضلت حيضها في أيام بعينها من الشهر؛ نظر: إن كان حيضها لا يزيد على نصف الأيام المنسي فيها، تتوضأ لكل صلاةٍ إلى انقضاء عدد أيام حيضها؛ لأنه لا يحتمل فيه الانقطاع، وبعده تغتسل لكل صلاةٍ إلى انقضاء الأيام المنسي فيها؛ لاحتمال الانقطاع فيه؛ مثل: إن قالت: أضللت ثلاثة أيام في العشرة الأولى من الشهر- فإلى انقضاء ثلاثة أيام؛ تتوضأ لكل صلاةٍ، وبعدها تغتسل لكل صلاةٍ إلى انقضاء العشرة، ثم بعد طُهرٌ بيقين.
ولو قالت أضللت خمسة في العشر الأول، فإلى انقضاء خمسة أيام تتوضأ لكل صلاة، ثم إلى تمام العشر تغتسل لكل صلاةٍ، وإن كان عدد حيضها يزد على نصف الأيام المنسي فيها، فيكون لها حيضٌ بيقين؛ وذلك أنا نقدم حيضها في الأيام المنسي فيها أقصى ما يمكن؛ فتؤخر أقصى ما يمكن؛ فما دخل من الأيام في آخر التقديم، وأول التأخير حيضٌ، وقبلها زمان شك لا يحتمل فيه الانقطاع تتوضأ لكل صلاةٍ. وبعدها زمان شك يحتمل فيه الانقطاع تغتسل لكل صلاة.
بيانه: إذا قالت: قد أضللت ستة أيام في العشرة الأولى، فإذا قدمنا حيضها أقصى ما يمكن، يكون حيضها من ابتداء الشهر إلى انقضاء السادس، وإذا أخرنا أقصى ما يمكن، يكون ابتداء حيضها من اليوم الخامس إلى انقضاء العاشر؛ فاليوم الخامس والسادس يدخلان في آخر التقديم، وأول التأخير؛ فهما حيضٌ بيقين، وأربعة أيامٍ من أول الشهر؛ تتوضأ لكل صلاةٍ، وبعد اليوم السادس تغتسل لكل صلاة أربعة أيام إلى انقضاء العشر.
ولو قالت: أضللت سبعة في العشر الأولى، فثلاثة أيام من أول الشهر؛ تتوضأ لكل صلاة، ثم أربعة أيام لها حيضٌ، وبعده ثلاثة أيام؛ تغتسل لكل صلاةٍ.
ولو قالت: أضللت ثمانية في العشرة الأولى؛ فيومان من أولها؛ تتوضأ لكل صلاة، ثم ستة أيام لها حيضٌ، وبعده يومان؛ تغتسل لكل صلاة.
ولو قالت: أضللت تسعةً في العشرة الأولى- فيوم من أول الشهر؛ تتوضأ لكل صلاةٍ، ثم ثمانية أيام لها حيضٌ، وبعده يوم واحد؛ تغتسل لكل صلاة.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ولو قالت: أضللت خمسة في العشرة الأولى، وأعلم أني كنت طاهرةً. في اليوم الثالث- فالثلاثة الأولى لها طهرٌ، وإنما أضلت حيضها في سبعة أيام بعدها؛ ففي اليوم الرابع والخامس تتوضأ لكل صلاة، ثم ثلاثة أيام لها حيضٌ بيقين؛ وهي اليوم السادس والسابع والثامن، وبعده يومان؛ تغتسل لكل صلاة.
ولو قالت: كنت في اليوم الثالث حائضًا- فهذه أضلت حيضها في السبعة الأولى، وثلاثة أيام من آخر العشر مع بقية الشهر لها طُهرٌ بيقين، ويومان من أول العشر، تتوضأ لكل صلاة، ثم ثلاثة أيام لها حيض بيقين؛ وهو اليوم الثالث والرابع والخامس، ثم بعدها يومان: السادس والسابع؛ تغتسل لكل صلاة. فإن قالت: حيضي خمسة أيام في العشرة الأولى، وكنت يوم السادس طاهرةً- فهذه قد نطقت بما أزال الشك؛ فيكون حيضها الخمسة الأولى.
ولو قالت: كنت يوم الخامس طاهرةً، فحيضها الخمسة الثانية.
فصلٌ في التلفيق
إذا رأت المرأة يومًا دمًا ويومًا نقاءً، ثوم يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، أو رأت يومًا دمًا، ويومين نقاءً، ثوم يومًا دمًا، ويومين نقاءً، ثم [يومًا] دمًا. أو رأت أكثر لكن لم يتخلل بين الدمين أقل الطهر- فلا يخلو: إما أن انقطع على خمسة عشر، أو جاوز خمسة عشر: فإن انقطع على خمسة عشر، فما دونها، فلا خلاف أن أيام الدم حيضٌ، وفي أيام النقاء قولان:
أصحهما- وبه قال أبو حنيفة﵀-: أنها حيضٌ؛ لأن الحائض لا يسيل منها الدم على الدوام، بل ساعة فساعة، ثم ساعات الانقطاع لا تجعل طهرًا.
والقول الثاني: وهو اختيار ابن سريج: أن الدماء تلفق؛ فيجعل أيام النقاء طهرًا؛ لأن النبي ﷺ: قال: "فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم وصلي".
والإدبار إنما يعرف بالانقطاع؛ فلو أن امرأةً رأت يومًا دمًا، وليلة دمًا، ثم رأت ثلاثة عشر يومًا نقاءً، ثم يومًا وليلة دمًا- فعلى القول الأول [الخمسة عشر] كلها حيضٌ.
وعلى القول الثاني: اليوم الأول والخامس عشر حيضٌ، وما بينها طُهرٌ.
[ ١ / ٤٦٩ ]
فإن قيل: إذا جعلتم أيام النقاء طهرًا وجدت أن تنقضي عدة المرأة في ستة أيام إذا كانت ترى يومًا دمًا ويومًا نقاءً، هكذا حتى مضت ستة أيام.
قلنا: لا تنقضي؛ لأن عليها أن تعتد بأقراء كوامل، وهذا كله قرءٌ واحدٌ؛ تفرق عليها، هذا إذا رأت في كلِّ دفعة أقل الحيض، فإن لم تبلغ في كل دفعة أقل الحيض؛ بأن كانت ترى نصف يومًا دمًا، ونصف يومٍ نقاء، أو ساعة فساعة إلى خمسة عشر- نظر: إن بلغ مجموع الدم في خمسة عشر أقل الحيض- فالصحيح من المذهب: أنه يبنى على قول التلفيق؛ وهو قول أبي العباس، وأبي إسحاق، وأكثر أصحابنا.
فإن قلنا: لا يلفق الدم، فالكل حيض. وإن قلنا: يلفق، فساعات الدم حيضٌ، وساعات النقاء طهرٌ حتى إن رأت يومًا بلا ليلةٍ أو أقل دمًا، ثم في آخر خمسة عشر رأت ما يتم به يوم وليلة دمًا، وانقطع- كان الخمسة عشر كلها حيضٌ على القول الأول.
وعلى القول الثاني: الدمان حيضٌ وما بينهما طهرٌ.
ومن أصحابنا من قال: الكل دمُ فسادٍ، إلا أن يتقدمها أقل الحيض دفعةً واحدة، ويتأخرها أقل الحيض فتستتبع أيام النقاء؛ كما في الزكاة، ما لم يكن المال المختلط نصابًا [لا] يستتبع غير المختلط. فإن كان في أحد الطرفين يوم وليلة دون الثاني- فاليوم والليل لها حيض، والثاني دمُ فسادٍ. ومن أصحابنا من قال: إذا تقدمها أقل الحيضِ؛ يستتبع الساعات المتفرقة. ولو رأت يومًا وليلة دمًا، وأربعة عشر نقاءً، ثم يومًا وليلة دمًا- فالأول حيضٌ، والثاني استحاضةٌ؛ لا يختلف القول فيه؛ لأن الثاني خارجٌ عن خمسة عشر، وإن كان بينهما خمسة عشر نقاء، فكلاهما حيضٌ؛ لا يختلف القول فيه، وما بينهما طُهرٌ كاملٌ، فأما إذا لم يبلغ مجموع الدم في خمسة عشر أقل الحيض- فهو دم فسادٍ.
ولو ن امرأة رأت أول ما رأت يومًا وليلةً دمًا، وانقطع- يجب عليها أن تغتسل على القولين، وتصلي وتصومن ويجوز للزوج غشيانها؛ لأنها لا تدري هل يعود الدم، أم لا؟
ثم إذا عاد الدم، تدع الصلاة والصوم، ثم إذا انقطع تغتسل، وتصلي، وتصوم، وتطوف، ثم بعد خمسة عشر: إن قلنا: الدماء لا تلفق، يجب عليها قضاء الصيام والطواف؛ لأنه بان أنها كانت حائضًا، فلم يصح صومها وطوافها، ولا يجب عليها قضاء الصلوات.
[ ١ / ٤٧٠ ]
وإن قلنا: الدماء تلفق لا يجب عليها قضاء صيام أيام النقاء في الشهر الثاني، إذا قلنا: الدم يلفق يفعل هذا، تغتسل كلما انقطع الدم، وتصلي، وتصوم في أيام النقاء، ولا قضاء لما فعلت.
وإن قلنا: لا تلفق [لا] تدع الصلاة والصوم أيام النقاء؛ لأن الغالب أن الدم يعود على عادة الشهر الأول، وغن لم يعد بان أنها كانت طاهرةً، وتقضي صلوات أيام النقاء.
ولو رأت أول ما رأت نصف يوم دمًا، أو أقل من يوم وليلة، وانقطع- فلا غسل عليها، إلا على قول من يقول: إن الدم يلفق؛ فالاحتياط أن تغتسل؛ لأن الدم إذا عاد، تبين أن الغسل كان واجبًا عليها؛ فإذا تكرر ذلك، يجب عليها أن تغتسل عند كل انقطاع؛ على هذا القول. هذا إذا انقطع دم ذات التلفيق على خمسة عشر. فأما إذا جاوز خمسة عشر؛ نظر: إن كانت مميزةً، فأيام الدم القوي لها حيضٌ، وفي النقاء المتخلل بينهما قولان، وما بعدهما دمُ فسادٍ.
مثل: إن كانت ترى يومًا وليلة دمًا أسود، ثم يومًا وليلة نقاءً، ثم دمًا أسود ثم نقاءً، ثم دمًا أسود، ثم نقاء، ثم أحمر الدم؛ فكانت ترى يومًا دمًا أحمر، ثم [يومًا] نقاءً؛ حتى جاوز خمسة عشر.
فإن قلنا: الدماء لا تلفق، فحيضها خمسة أيام؛ وهي أيام السواد مع النقاء المتخلل بينهما.
وإن قلنا: تلفق، فحيضها ثلاثة أيام؛ وهي أيام السواد، وإن لم تكن مميزة؛ لا تخلو: إما إن كانت معتادةً أو مبتدأة: فإن كانت معتادةً، ترد إلى عادتها؛ مثل: إن كانت عادتها من كل شهرٍ خمسة أيام، جاءها شهر؛ فرأت فيه يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، هكذا حتى جاوزت خمسة عشر.
فإن قلنا: الدماء لا تلفق، فحيضها خمسة أيام على التوالي من أول الشهر وإن قلنا: بتلفيق الدماء، فاختلف أصحابنا فيه.
منه من قال: تلفق من أيام العادة؛ فيكون حيضها ثلاثة أيام: الأول والثالث والخامس. ومنهم من قال: تلفق قدر العادة. من جملة خمسة عشر يومًا؛ فحيضها خمسة أيام الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع.
[ ١ / ٤٧١ ]
ولو كانت عادتها ستة أيام من كل شهر، فجاءها شهرٌ؛ فرأت يومًا دمًا ويومًا نقاء، هكذا حتى جاوزت خمسة عشر.
فإن قلنا: الدماء لا تلفق، فحيضها خمسة أيام على التوالي؛ لأن اليوم السادس لها نقاءٌ لم يتخلل بين دمي الحيض، وإنما نجعل أيام النقاء حيضًا على هذا القول، إذا تخللت بين دمي الحيض.
وإن قلنا: تلفق الدماء فإن قلنا: تلفق من أيام العادة، فحيضها ثلاثة أيام: اليوم الأول والثالث والخامس.
وإن قلنا: تلفق من جملة خمسة عشر، فحيضها هذه الأيام مع السابع والتاسع.
ولو كانت عادتها عشرة، فجاءها شهر، فرأت فيه يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، هكذا حتى إذا جاوز خمسة عشر. إن قلنا: الدماءُ لا تلفق، فحيضها تسعة أيام على التوالي؛ لأن اليوم العاشر نقاءٌ لم يتخلل بين دمي الحيض.
فإن قلنا: تلفق الدماء: فإن قلنا: تلفق من أيام العادة، فحيضها خمسة أيام من التسعة: اليوم الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع وإن قلنا: تلفق من جملة خمسة عشر، فحيضها ثمانية أيام هذه الأيام مع الحادي عشر والثالث عشر والخامس عشر؛ لأنه لم يوجد في خمسة عشر إلا ثمانية أيام دمًا.
ولو كانت عادتها خمسة أيام من كل شهر، فرأت اليوم الأول من الشهر نقاءً، والثاني دمًا، ثم نقاءً، ثم دمًا، هكذا حتى جاوز خمسة عشر، فهذا مبنيٌ على أن المعتادة إذا جاءها شهرٌ؛ فتأخر دمها عن عادتها، واستحيضت؛ هل تنتقل عادتها، أم لا؟ على قول أبي إسحاق: لا تنتقل، بل تراعي أيامها المتقدمة، فإن وجد فيها أو في بعضها دمٌ، فهو حيضٌ، وإن لم يوجد فلا حيض لها في هذا الشهر؛ [على ما ذكرناه].
والصحيح من المذهب أن العادة تنتقل؛ فعلى هذا: إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فحيضها خمسة أيام على التوالي، أولها اليوم الثاني.
وإن قلنا: تلفق، فإن قلنا: تلفق من أيام العادة، فحيضها ثلاثة أيام [على التوالي] الثاني والرابع والسادس؛ لأنا إذا نقلنا عادتها فمن أول اليوم الثاني إلى خمسة أيام من عادتها.
[ ١ / ٤٧٢ ]
وإن قلنا: تلفق من جملة خمسة عشر، فحيضها خمسة أيام: الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر.
وعلى قول أبي إسحاق إن قلنا: الدماء لا تلفق، فحيضها ثلاثة أيام: الثاني والثالث والرابع.
وإن قلنا: تلفق، الثاني والرابع، فاليوم الثاني والرابع.
ولو كانت عادتها خمسةً، جاءها شهر؛ فرأت قبله بيوم دمًا، ثم اليوم الأول من الشهر الثاني نقاءً، ثم دمًا، ثم نقاءً، حتى لو جاوزت خمسة عشر، إن قلنا: بظاهر المذهب: إن العادة تنتقل بأول مرة: إن قلنا: الدماء لا تلفق، فحيضها خمسة أيام على التوالي، أولها اليوم الأخير من الشهر.
وإن قلنا: تلفق: فإن قلنا: تلفق من أيام العادة، فحيضها اليوم الأخير، واليوم الثاني والرابع من الشهر الثاني. وإن قلنا: تلفق من جملة خمسة عشر، فهذه الأيام مع السادس والثامن وعلى قول أبي إسحاق: إن قلنا: الدماء لا تلفق، فحيضها اليوم الثاني والثالث والرابع من الشهر الثاني.
وإن قلنا: تلفق، فيومان الثالث الثاني والرابع، ولو كانت عادتها من كل شهر خمسة، فجاءها شهر، فرأت يومين دمًا، ويومين نقاءً، ثم يومين دمًا، ثم نقاءً؛ هكذا حتى جاوز خمسة عشر فإن قلنا: الدماء لا تلفق، فحيضها في هذا الشهر خمسة أيام على التوالي، فاليوم الخامس لها حيضٌ، والسادس استحاضةٌ.
وإن قلنا: تلفق، فإن قلنا: تلفق من أيام العادة، فحيضها اليوم الأول والثاني والخامس.
وإن قلنا: تلفق من جملة خمسة عشر، فحيضها خمسة أيام؛ هذه الأيام مع اليوم السادس والتاسع، واليوم العاشر استحاضةٌ، ثم في الشهر الثاني يكون ابتداء الشهر نقاءً.
وإن قلنا: بظاهر المذهب: إن العادة تنتقل بأول مرةٍ: فإن قلنا: الدم لا يلفق، فحيضها خمسة أيام على التوالي؛ أولها اليوم الثالث من الشهر، وآخرها اليوم السابع.
وإن قلنا: تلفق: فإن قلنا تلفق من أيام العادة، فحيضها ثلاثة أيام: الثالث والرابع والسابع.
وإن قلنا: من جملة خمسة عشر، فحيضها خمسة أيام؛ هذه الأيام مع اليوم الثامن والحادي عشر.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وعلى قول أبي إسحاق: العادة لا تنتقل بأول مرة، فحيضها في هذا الشهر اليوم الثالث والرابع فحسب؛ سواء قلنا: الدم يلفق أو لا يلفق؛ لأن اليوم الأول والثاني والخامس نقاءٌ، ثم في الشهر الثالث يتخلل النقاء من دم الحيض؛ فيكون حيضها خمسة أيام على التوالي إن قلنا: لا تلفق الدماء.
وإن قلنا: تلفق، فثلاثة أيام، فما دامت ترى هكذا، يكون حيضها على قول أبي إسحاق: في شهر يومان، وفي شهر إما خمسة، أو ثلاثة على اختلاف القولين.
ولو كانت عادتها من كل شهر سبعة أيام، فجاءها شهر، ورأت خمسة أيام دمًا، وانقطع، ثم عاودها الدم وزاد على يوم وليلة؛ نظر: إن تخلل بين الدمين خمسة عشر، فهما حيضان وما بينهما طهرٌ، وإن لم يتخلل بينهما أقل الطهر؛ نظر: إن عاودها الدم بعد تمام خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم الأول، فالثاني دمُ فسادٍ، وإن عاودها قبل تمام خمسة عشر؛ مثل: إن عاودها اليوم العاشر؛ نظر: إن انقطع على خمسة عشر من ابتداء الدم الأول، فالدمان حيضٌ، وفي النقاء المتخلل بينهما قولان.
إن قلنا: لا تلفق الدماء، فالكل حيضٌ.
وإن قلنا: تلفق، فالنقاء طهرٌ، وإن استمر حتى جاوز خمسة عشر: فإن قلنا: الدم لا يلفق، فالخمسة الأولى حيضٌ والثاني دمُ فسادٍ. وكذلك إذا قلنا: الدم يلفق من أيام العادة.
وإن قلنا: يلفق في جملة خمسة عشر، فالخمسة الأولى لها حيضٌ، مع اليوم العاشر والحدي عشر. ولو عاودها الدم اليوم السابع، واتصل؛ فجاوز خمسة عشر.
فإن قلنا: الدم لا يلفق، فحيضها سبعة أيام على التوالي.
وإن قلنا: يُلفق من أيام العادة، فحيضها الخمسة الأولى مع اليوم السابع والثامن، فإن كانت المرأة مبتدأة، رأت يومًا وليلة دمًا، ثم يومًا وليلة نقاءً؛ حتى جاوز خمسة عشر.
فإن قلنا: بالقول الأصح: إن المبتدأة ترد إلى يوم وليلة، فاليوم الأول مع ليلته حيضٌ، والباقي طُهرٌ.
وإن قلنا: ترد إلى ست أو سبع، يبني على قولي التلفيق.
وإن قلنا: لا تلفق الدماء فإن رددناها إلى ست، فحيضها خمسة أيام على التوالي؛ لأن اليوم السادس طهر لم يتخلل بين دمي الحيض، وإن رددناها إلى سبع، فحيضها سبعة
[ ١ / ٤٧٤ ]
أيام على التوالي وإن قلنا: نلفق الدماء: فإن قلنا: تلفق من الأيام المردودة إليها، فإن رددناها إلى ست، فحيضها اليوم الأول والثالث والخامس، وإن رددناها إلى سبعٍ، فحيضها أربعة أيام؛ هذه الأيام مع اليوم السابع وإن قلنا: تلفق من جملة خمسة عشر، فإن رددناها إلى ست، فحيضها ست أيام من أيام الدماء وإن رددناها إلى سبع، فسبعة أيام من أياما لدماء.
ولو أن هذه المرأة كانت تغتسل وتصوم، وتصلي أيام النقاء، وتدع الصلاة والصوم أيام الدماء؛ حتى جاوز خمسة عشر، وقلنا بالقول الذي يقول: إن [أيام] الدماء لا تلفق كم يجب عليها من قضاء الصيام والصلاة؛ فإن قلنا: المبتدأة ترد إلى يوم وليلة، يجب عليها قضاء [صلوات صلاة] سبعة أيام؛ وهي أيام الدماء، سوى اليوم الأول؛ لأنها كانت في حكم الطاهرات في هذه الأيام، ولم تصل، ولا يجب قضاء صلوات أياما لنقاء؛ لأنها إن كانت حائضًا، فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرةً، فقد صلت.
وفي الصوم قولان، بناء على أنه هل يجب عليها أن تعمل بالاحتياط؟ فيما بين الأيام المردود إليها والخمسة عشر.
فإن قلنا: يجب عليها العمل بالاحتياط، ويجب عليها قضاء صوم خمسة عشر يومًا؛ لاحتمال أنها كانت حائضًا في أيام النقاء، فلم يصح صومها.
وإن قلنا: لا يجب العمل بالاحتياط، فعليها قضاء صيام ثمانية أيام؛ وهي أيام الدماء التي لم تصم فيها.
وإن قلنا: ترد المبتدأة إلى ست أو سبع، فيجب عليها قضاء صلوات خمسة أيام، وإن رددناها إلى ست، وإن رددناها إلى سبع قضاء أربعة أيام؛ وهي أيام الدماء التي لم تُصَل فيها.
وأما الصوم فعلى قول الاحتياط، عليها قضاء صيام خمسة عشر يومًا. وعلى القول الآخر: إن رددناها إلى ست، فعليها قضاء صوم عشرة أيام.
وإن رددناها إلى سبع، فصوم أحد عشر يومًا، ثم هذه المبتدأة يكون ابتداء حيضها الأول من ابتداء رؤية الدم، وحيضها الثاني أقرب الدمين من ثلاثين زائدًا أو ناقصًا.
فإن استوت الزيادة والنقصان، تعتبر الزيادة؛ حتى لا يقع لها في شهر واحد حيضان.
بيانه: إن كانت ترى يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، فحيضها الثاني اليوم الحادي والثلاثين،
[ ١ / ٤٧٥ ]
وإن كانت ترى يومين دمًا ويومين نقاءً، فهذه ترى اليوم الحادي والثلاثين، والثاني والثلاثين نقاء، فيكون حيضها الثاني اليوم الثالث والثلاثين، ولا تجعل التاسع والعشرين والثلاثين حيضًا حتى لا يقع في شهر واحد حيضان.
ولو كانت ترى ثلاثة دمًا، وأربعة نقاءً، فيكون ابتداء حيضها الثاني اليوم التاسع والعشرين، ولا يجعل ابتداؤه السادس والثلاثين؛ لأنه أبعد من الثلاثين.
ولو كانت المبتدأة ترى يومًا بلا ليلةٍ دمًا، ثم ليلة نقاءً حتى جاوز خمسة عشر، وقلنا بظاهر المذهب: إن أقل الحيض يوم وليلة يبنى على أن المبتدأة إلى ماذا ترد؟
إن قلنا: ترد إلى يوم وليلة: فإن قلنا: الدماء لا تلفق، فليس لهذه المرأة حيضٌ.
وكذلك إن قلنا: تلفق من الأيام المردود إليها؛ لأن الليلة نقاءٌ لم يتخلل بين دمي الحيض وإن قلنا: تلفق الدماء- من جملة خمسة عشر منها- لها حيضٌ.
وإن قلنا: ترد إلى ست أو سبع.
فإن قلنا: لا يلفق الدم، فإن رددناها إلى ست، فحيضها من ابتداء ما رأت الدم إلى غروب الشمس من اليوم السادس، فإن رددناها إلى سبع، فإلى غروب الشمس من اليوم السابع.
وإن قلنا: تلفق الدماء فإن قلنا: تلفق من الأيام المردود إليها، فحيضها ست نهارات رددناها إلى ستةٍ وسبعةٍ نهارات، رددناها إلى سبعٍ دون الليالي.
وإن قلنا: تلفق من جملة خمسة عشر، فحيضها اثنا عشر نهارًا إن رددناها إلى ست، وأربعة عشر نهارًا إن رددناها إلى سبع.
وذكر محمد ابن بنت الشافعي طريقًا في ذات التلفيق المبتدأة، أو المعتادة إذا جاوز دمها خمسة عشر: فقال: إن لم يتصل الدم من خمسة عشر بما بعدها، فأيام الدماء فيما دون خمسة عشر كلها حيضٌ، وفي النقاء المتخلل بينهما قولان، وما وراء خمسة عشر دمُ فسادٍ؛ كما لو انقطع على خمسة عشر.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وإن اتصل الدم بما بعدها، فترد إلى ما ترد إليه المبتدأة إن كانت مبتدأة، إن كانت مبتدأة، وإن كانت معتادة فإلى عادتها.
بيانه: إذا كانت ترى يومًا دمًا، ويومًا نقاءً؛ حتى جاوز خمسة عشر، فحيضها خمسة عشر إذا قلنا: لا تلفق الدماء؛ لأن اليوم السادس عشر نقاءٌ، وإن كانت ترى يومين دمًا، ويومين نقاءً، فحيضها أربعة عشر يومًا، وإن كانت ترى ستة دمًا، وستة نقاء، فقد اتصل الدم بما بعد خمسة عشر يومًا، فترد إلى حيض المبتدأة، وإن كانت معتادةً، فإلى عادتها.
فصلٌ في النفاس
روي عن أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله -ﷺ- أربعين يومًا.
والنفاس: اسمٌ لدمٍ يخرج عقب الولادة، وحكمه حكم الحيض غير أنهما يختلفان بالتقدير، فأقل النفاس لا غاية له؛ وهو قول مالكٍ، والأوزاعي، وأكثره ستون يومًا؛ وهو
[ ١ / ٤٧٧ ]
قول عطاءٍ، والشعبي، وغالبه أربعون يومًا.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: أكثره أربعون يومًا؛ وهو قول أكثر أهل العلم.
وأقله عند الثوري ثلاثة وعند أبي حنيفة: خمس وعشرون.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وإذا رأت المرأة الدم على الحبل لا يكون نفاسًا، وهل يكون حيضًا؟ فيه قولان:
قال في الجديد- وهو الأصح؛ وبه قال مالك-: هو حيضٌ؛ لأنها رأت الدم بصفة الحيض في وقته؛ كالحائل، غير أن العدة لا تنقضي؛ لأنه لا يدل على براءة الرحم.
وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: لا يكون حيضًا، بل هو استحاضةٌ، يجب عليها أن تصلي وتصوم؛ لأن فم الرحم ينسد في زمان الحبل، فلا يخرج دم الحيض.
فإن جعلناه حيضًا فلو رأت بعده بأقل من خمسة عشر يومًا، فالدم الخارج بعد الولادة نفاسٌ، والأول ليس بنفاسٍ؛ وهو حيض على الصحيح.
وقيل: الأول دمُ فسادٍ؛ لأنه لم يتخلل بينهما طُهرٌ كاملٌ، والأول أصح؛ لأن الطهر الكامل إنما يشترط بين الدمين إذا كانا من جنسٍ واحد، وهاهنا أحد الدمين نفاسٌ، والآخر حيض، فلا يشترط بينهما طهرٌ كامل.
واختلف أصحابنا في الدم الخارج مع الولد: منهم من قال- وهو الأصح-: لا يكون نفاسًا؛ لأنه لم يخرج عقب الولادة؛ فهو كالخارج قبل الولادة.
وقال أبو إسحاق: هو نفاسٌ؛ أنه خرج مع نفس كالخارج بعده.
وقيل: هو كالخارج بين الولدين.
ولو أتت بتوأمين، فالدم الخارج بين الولدين، هل يكون نفاسًا؟ فيه وجهان:
أصحهما، وبه قال محمد بن الحسن: ليس بنفاسٍ وهو كالخارج قبل الولادة؛ لأنه خرج قبل فراغ الرحم.
والثاني: وبه قال صاحب "التلخيص"، وهو قول أبي حنيفة-: هو نفاسٌ؛ لأنه خرج عقب نفسٍ؛ فعلى هذا مدة أكثر النفاس من أي وقت تكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: من ولادة الأول؛ لأنا لو اعتبرنا من ولادة الثاني تزيد مدة النفاس على الستين.
والثاني- وهو الأصح-: يعتبر من ولادة الثاني، وإن زاد على الستين؛ لأنهما نفاسان، دخل أحدهما على الآخر؛ كما لو وطئ امرأة بالشبهة، يجب عليها أن تعتد ثلاثة أقراءٍ، فلو شرعت في العدة، ثم وطئها في خلال العدة، تستأنف العدة، وإن زاد مجموعهما على ثلاثة أقراء؛ لأنهما عدتان.
[ ١ / ٤٨١ ]
وإذا اتصل بالنفساء الدم حتى جاوز الستين، فقد دخلت الاستحاضة. على النفساء.
وإن كانت مميزة، فأيام الدم القوي لها نفاسٌ، والباقي استحاضةٌ، وإن كانت معتادةً ترد إلى عادتها في النفاس وإن كانت مبتدأةً، ففيها قولان:
أصحهما: ترد إلى أقل النفاس، وهو لحظة.
والثاني: ترد إلى غالب العادات؛ وهي أربعون يومًا، وتعيد ما تركت بعدها من الصلوات.
ولو رأت صفرة أو كدرةً في أيام الستين؛ فإن كانت في أيام عادتها، فهو نفاسٌ، وإلا فعلى الاختلاف الذي ذكر في الحيض. الأصح أنه نفاسٌ.
وقد قيل: إن زاد دم النفساء على الستين، فالستون [لها] نفاسٌ، وما بعدها استحاضةٌ، بخلاف الحائض إذا زاد دمها على خمسة عشر، لا ترد إلى أكثر الحيض؛ لأن النفاس يقين؛ فكان أقوى، والحيض من حيث الظاهر. وهذا وجه ضعيف.
وقيل: الستون نفاس، وبعده حيضٌ. وهذا أضعف من الأول، بل المذهب ما ذكرنا أن الاستحاضة دخلت على النفاس؛ فصار كما لو دخلت على الحيض.
ولو انقطع دم النفساء، ثم عاد في مدة الستين، وانقطع على الستين- نظر: إن لم يبلغ النقاء بين الدمين أقل الطهر- فالدمان جميعًا نفاس، وفي النقاء المتخلل بينهما قولان:
فإن قلنا: الدم لا يلفق، فهو نفاس.
وإن قلنا: يلفق، فطهر.
وإن انقطع على خمسة عشر يومًا، ثم عاد- ففيه وجهان:
أصحهما: أن الدم الثاني حيضٌ، ومابينهما طهر.
[والثاني]- وبه قال أبو حنيفة-: أن الثاني نفاسٌ؛ كالأول؛ لأنها رأته في زمان النفاس، وفي النقاء المتخلل بينهما قولان.
فإن قلنا: الثاني حيضٌ، فلو لم يبلغ الدم الثاني أقل الحيض، ففيه وجهان:
[ ١ / ٤٨٢ ]
أحدهما: هو دمُ فسادٍ.
والثاني: هو نفاس.
وفرع أبو إسحاق على قولنا: إن الثاني دم حيضٍ؛ قال: لو أن امرأة كانت عادة حيضها خمسة أيام، وطهرها خمسة عشر يومًا، فولدت ورأت عشرين يومًا دمًا، ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت الدم، واتصل؛ فجاوز خمسة عشر- قال: عشرون يومًا لها نفاسٌ، وخمسة عشر طُهرٌ، ثم بعدها تحيض خمسة عشر، وتطهر خمسة عشر على عادتها.
ولو طهرت عشرين، ثم رأت الدم، واتصل، فقد تغير طهرها؛ فتحيض بعد معاودة الدم خمسة، وتطهر عشرين؛ هكذا أبدًا.
فصل في طهر المستحاضة
روي عن عروة عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ- فذكرت خبرها قال: "ثم اغتسلين ثم توضئي لكل صلاةٍ".
وأكثر الحفاظ على أن هذا اللفظ موقوفٌ على عائشة.
يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل فريضةٍ بعد غسل الفرج وحشوه وتعصيبه ولا يجب عليها إعادة الصلاة.
وإن كان الدم يسيل على بدنها وثوبها إذا لم يكن ذلك لتفريطٍ منها في حشو الفرج والتعصيب، وكذلك سلس البول والمبتلى بالمذي، ولا يجوز لها الجمع بين صلاتي فرضٍ بوضوء واحد ولا بين طوافي فرض، ولا بين منذورتين.
ولو طافت طواف فرض فهل يجوز لها أن تصلي ركعتي الطواف بتلك الطهارة؟
هذا يبنى على أن ركعتي الطواف فرضٌ، أو تطوعٌ؟
إن قلنا: تطوعٌ يجوز.
وإن قلنا: فرضٌ لا يجوز.
وقيل: يجوز؛ لأنها تبع للطواف.
[ ١ / ٤٨٣ ]
ويجوز لها أن تجمع بين فريضةٍ واحدة وما شاءت من النوافل قبل الفريضة وبعدها في الوقت وبعده، ويجوز للزوج غشيانها. وهل يجب غسل الفرج والتعصيب لكل فريضة؟
نظر: إن كانت العصابة زالت عن موضعها، وكان الدم يسيل مع الشد، يجب، وغلا فوجهان:
أصحهما: يجب [عليها] كالوضوء. وكذلك لو خرج منها ريحٌ قبل أن صلت، يجب عليها الوضوء. وهل يجب تجديد التعصيب؟
فيه وجهان، ولا يصح وضوؤها لصلاة الوقت قبل دخول وقتها.
ولو توضأت في أول الوقت وصلت في آخره، أو بعد الوقت؛ نظر: إن كان تأخيرها للاشتغال بأسباب الصلاة من ستر عورةٍ، أو نصب سترةٍ، أو أذان وإقامة، وانتظار جماعةٍ أو جمعة- يجوز.
وإن أخرتها بلا عذرٍ، فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ كالمتيمم في أول الوقت، ويصلي في آخره يجوز.
والثاني- وهو الأصح-: لا يجوز، بخلاف المتيمم؛ لأنه لم يحدث به حدثٌ بعد التيمم، وهاهنا الحدث بها متصل؛ فيجب أن يكون اشتغالها بعد الوضوء بأسباب الصلاة.
وقيل: لها التأخير ما لم يخرج وقت الصلاة، فإذا خرج الوقت لم تصل بعده.
وقال ربيعة: يجوز لها أن تصلي ما شاءت ما لم يصبها حدثٌ غير الدم.
وقال أبو حنيفة: يجوز لها أن تجمع بين فرائض بوضوء واحد؛ ما دام الوقت باقيًا، وبخروج الوقت تبطل طهارتها، وإن لم تكن قد صلت بها.
وعند زُفرٍ: يبطل وضوؤها بدخول الوقت لا بخروجه. وعند أبي يوسف: يبطل بكل وحد منهما فعند أبي حنيفة إذا توضأت لصلاة قبل الوقت لا يمكنها أن تصلي تلك الصلاة بذلك الوضوء؛ لأن دخول وقت كل صلاة يكون بخروج وقت أخرى، وينتقض وضوؤها بخروج الوقت إلا صلاة الظهر؛ فإنها إذا توضأت قب الزوال، ثم زالت الشمس- لها أن تصلي الظهر. وعند أبي يوسف وزفر: لا يجوز؛ لأن دخول الوقت عندهما ينقض الطهر.
ولو انقطع دم المستحاضة بعدما توضأت، أو سلس البول بعدما توضأ، نظر: إن لم
[ ١ / ٤٨٤ ]
يكن الانقطاع عادة، بطلت طهارتها؛ لأن الصلاة جوزت لها مع الحدث؛ لأجل الضرورة، وقد زالت الضرورة.
ولو عاودها الدم قبل إمكان فعل الطهارة والصلاة. ففيه وجهان:
أصحهما: وضوؤها بحاله؛ لأن الانقطاع إذا لم يدم قدر إمكان فعل الطهارة والصلاة- لا يؤثر في الطهارة.
والثاني يجب عليها إعادة الوضوء.
ومهما حكمنا ببطلان طهارتها بانقطاع الدم فتوضأت بعد انقطاع الدم، وشرعت في الصلاة، ثم عاد الدم، فهو حدثٌ جديد، يجب عليها أن تتوضأ، وتستأنف الصلاة وإن كان الانقطاع عادةً لها، نظر: إن كان زمان الانقطاع في عادتها يسيرًا لا يمتد قدر إمكان الطهارة والصلاة، ولا ينتقض طهرها، وإن امتد على خلاف العادة، بان أن طهرها منتقضٌ. وإن كان زمان الانقطاع في عادتها يمتد قدر إمكان الطهارة والصلاة، ينتقض طهرها، فلو عاد قبل إمكان فعلها على خلاف العادة. هل عليها إعادة الوضوء؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: يجب إعادة الوضوء، فلو كانت شرعت في الصلاة، ثم عاد الدم، هل يجب استئناف الصلاة؟ فيه وجهان بناءً على ما لو صلى رجل خلف خنثى مشكلٍ، يجب عليه الإعادة؛ لاحتمال أن الخنثى امرأةٌ، فلو لم يعد حتى بان الخنثى رجلًا ففي وجوب الإعادة قولان:
أصحهما يجب؛ لأنه كان شاكًا حالة الشروع في الصلاة في جواز صلاته خلفه، كذلك هاهنا هذه كانت مأمورةً بالوضوء حالة الشروع في الصلاة شاكة في بقاء طهارتها؛ فيجب عليها الاستئناف في كل موضعٍ قلنا: ينتقض طهرها بانقطاع الدم، فلو كان الانقطاع في خلال الصلاة، تبطل صلاتها على ظاهر المذهب، بخلاف المتيمم يجد الماء في خلال الصلاة لا يبطل تيممه؛ لأنه لم يتحدد، ثم حدث بعد التيمم، فلو شكت في انقطاع دمها، فهو كعدم الانقطاع.
ولو كان به جرحٌ سائل، أو رعافٌ دائم، أو دم يسيل سيالةً، عليه غسله لكل فريضة ويعصبه، ولا وضوء عليه، ولا يجبُ عليه إعادة الصلاة، فلو انقطع في خلال الصلاة تبطل صلاته على ظاهر المذهب؛ كما ذكرنا. فلو قال أهل البصر: إن هذا الانقطاع لا يبطل، ويعود في ساعة، فهو كما لو لم ينقطع، وصلاته صحيح، وإن كان به جرح غير سائل؛ فانفجر في خلال الصلاة، أو ابتدأت الاستحاضة في خلال الصلاة، يجب عليها أن
[ ١ / ٤٨٥ ]
تنصرف، وتغسل الجرح، وتتوضأ المستحاضة، وتستأنف الصلاة.
وسلس البول إذا كان يسيل بوله قائمًا، واستمسك قاعدًا، كيف يصلي؟ فيه وجهان.
أصحهما: قاعدًا؛ حفظًا للطهارة.
قال الشيخ: وعلى الوجهين لا إعادة عليه؛ لأنه من الأعذار التي تدوم. والله أعلم
تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني
وأوله: "كتاب الصلاة"
[ ١ / ٤٨٦ ]
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء الثاني
يحتوي على الكتب التالية
الصلاة - العيدين - صلاة الخسوف- الجنائز
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
[ ٢ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين: