روي عن أمية بن صفوان، عن أبيه؛ أن النبيﷺ- استعار منه أدراعه يوم حنين، فقال: أغصبًا يا محمد! قال: "بل عارية مضمونة".
العارية: أن تأخذ عينًا من المالك، لتنتفع به وترد.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
والإعارة: قربة مندوب إليها، وتصح ممن هو جائز التصرف.
وكل عين: جازت إعارتها، وهي مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها؛ كالدور،
[ ٤ / ٢٧٩ ]
والعقار، والعبيد، والدواب، والثياب، ونحوها، أما ما لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها؛ كالأطعمة: لا يجوز إعارتها.
وفي إعارة الدراهم والدنانير وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كالأطعمة.
والثاني: يجوز؛ لأنه ربما يريد أن يتحمل بها، أو يضرب على طبعها.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: إعارة النقدين تكون قرضًا، ولو استعار جارية للخدمة، فإن كانت محرمًا له: جاز، وإن لم تكن محرمًا له: لا يجوز؛ لخوف الفتنة، فإن كانت صغيرة لا تشتهي: فوجهان.
ويكره أن يستعير أحد أبويه للخدمة؛ لأنه يُكره أن يستخدمهما.
وتصح العارية بالقول من أحدهما، وبالفعل من الآخر، فإن قال المستعير: أعرني، فسلمها إليه المُعير، أو قال المعير: أعرتك، فقبضها المستعير: تمت الإعارة؛ كإباحة الطعام: يجوز بالقول من أحدهما، وبالفعل من الآخر.
ولا يشترط في الإعارة بيان المدة: لأنها تبرع؛ متى شاء رجع؛ كما لو قال: ادخل كرمي، وكل ما شئت: جاز، وإن لم يبين، ولو ضرب لها أجلًا: لا يلزم، وعند مالك- رحمة الله عليه-: يلزم.
والعارية مضمونة على المستعير؛ حتى لو تلفت في يده بفعله أو بفعل غيره أو بآفة سماوية: يلزمه الضمان؛ لقول النبيﷺ- لصفوان: "بل عارية مضمونة".
وعند أبي حنيفة والثوري- رحمة الله عليهما-: العارية أمانة في يد المستعير، فنقول: بعد الخبر أجمعنا على أن المستعير من الغاصب، إذا هلكت العين في يده، وهو جاهل: يستقر عليه الضمان، فلولا أن العارية سبب الضمان: لكان لا يستقر عليه كالمستودع الجاهل من الغاصب إذا هلكت العين في يده: لا يستقر عليه الضمان، ولا خلاف أن الأجراء إذا هلكت في يده بالاستعمال: لا يلزمه ضمانها؛ لأنه كان مأذونًا فيه، ولو تلفت العين بالاستعمال- فالمذهب: أنه لا يجب ضمانها؛ كالأجزاء.
وقيل: يجب ضمان الجزء الذي بقي قبل التلف؛ فعلى هذا: إذا أشرف على الهلاك بالاستعمال: لا يجوز استعماله بعده، ولو تلف الأجزاء بالاستعمال: ففيه وجهان:
[ ٤ / ٢٨٠ ]
أحدهما: لا يضمن؛ كما لو تلفت بالاستعمال.
والثاني: يضمن؛ كالعين إذا هلكت، وهو الأصح.
وإذا هلكت في يده، فأي قيمة تلزمه؟ قيل: يلزمه ضمان الغصب أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم الهلاك.
والصحيح أنه يعتبر قيمتها يوم التلف؛ لأنا لو ألزمناه الأكثر: أوجبنا عليه ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال؛ وذلك لا يجوز.
ومن قال بالأول قال: الأجزاء تابعة للعين؛ فإن رد العين: سقط ضمان الأجزاء، وإن وجب ضمان العين بالتلف: وجب ضمان الأجزاء.
ولو ولدت العارية في يد المستعير، هل يكون الولد مضمونًا عليه؟ فيه وجهان؛ وإن قلنا: ضمان الأصل كضمان الغصب: يكون مضمونًا عليه، وإن قلنا: يعتبر ضمانة بيوم التلف: لا يكون مضمونًا عليه، ولا خلاف أنه لا يجوز له استعمال الولد.
ولو أعار شيئًا إعارة فاسدة، أو ما لا يجوز إعارته، كالأطعمة وغيرها: يكون مضمونًا على المستعير، لأن ما يكون صحيحه مضمونًا: يكون فاسده مضمونًا.
ومن استعار شيئًا: يجوز أن يستوفي منفعته بنفسه وبوكيله، لأن الوكيل نائب عنه، ولا يجوز أن يؤاجره من غيره، وهل يجوز له أن يُعيره من غيره؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما يجوز للمستأجر أن يعير من غيره.
والثاني- وهو الأصح-: لا يجوز؛ لأنه أبيح له المنفعة؛ فلا يملك أن يبيح لغيره كمن أبيح له طعام: لا يملك أن يبيحه لغيره، بخلاف المستأجر: فإنه يملك المنفعة، بدليل أنه يجوز له أن يؤاجر من غيره، ويأخذ عليه العوض، والمستعير: لا يملك أخذ العوض عليه؛ فلا يملك الإباحة.
وإذا رجع المعير عن العارية: يجب رد العارية، ومؤنة الرد تكون على المستعير.
ولو استعار من المستأجر، أو أوصى لإنسان بخدمة عبد أو سكنى دار، فالموصى له أعاره من إنسان: جاز، وهل يكون مضمونًا على المستعير؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما لو استعار من المالك.
والثاني- وهو الأصح، والمذهب- لا يكون مضمونًا عليه؛ لأنه ينوب عن المستأجر، والموصى له في الانتفاع؛ بدليل أن الكراء يستقر على المستأجر بانتفاعه؛ فيده كيد المستأجر والموصى له، ويدهما ليست يد ضمان.
[ ٤ / ٢٨١ ]
ومؤنة الرد على من تكون؟! نُظر: إن رده على المستأجر: فيكون على المستعير، وإن رد على المالك، فعلى المالك؛ كما لو رد المستأجر بنفسه.
فصلٌ [في بيان إعارة الأرض]
إذا أعار أرضًا مطلقًا؛ لينتفع بها: جاز، وإن لم يبين جهة الانتفاع، ثم المستعير يجوز له أن يزرع ويغرس ويبني لإطلاق الإذن، ولو أعار للغراس أو البناء: فله أن يزرع؛ لأن الزرع أقل ضررًا من الغرس والبناء، ولو أعار للزرع: لم يكن له أن يغرس، ولا أن يبني؛ لأن ضرر الغراس والبناء أكثر، ولو أعار للغرس، هل يجوز له أن يبني؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن كل واحد منهما للتأبيد.
والثاني-[وهو الأصح- ليس له ذلك]؛ لأن ضررهما مختلف: ضرر البناء في ظاهر الأرض، وضرر الغراس في باطنها.
ولو أعار أرضًا للزراعة- نُظر: إن بين زرعًا: فله أن يزرع ما بين، أو زرعًا آخر ضرره مثله أو دونه، وليس له أن يزرع زرعًا آخر ضرره أكثر؛ فإن فعل قلع مجانًا، ولو أعار للزراعة، ولم يبين نوعًا: فقد قيل: لا يصح للجهل، والأصح: جوازه، وله أن يزرع ما شاء، قل ضرره أو كثر؛ وكذلك: لو أعار دابة، ولم يبين أنه يركب أو يحمل؟ فيه وجهان.
ولو أعار مطلقًا، فغرس وبنى، ثم رجع: له قلعه مجانًا، وإذا أعار الأرض للغراس والبناء- لا يخلو: إما أن يبين مدة أو لم يبين: فإن بين مدة: فله أن يغرس ويبني في المدة متى شاء، وإن بقي من المدة قليل ما لم يرجع المعير، وله أن يحدد كل يوم غرسًا، وبعد مضي المدة: لا يجوز أن يغرس، ولا أن يبني، فإن فعل قلع مجانًا، فإن غرس وبنى في المدة: فإذا مضت المدة- نُظر: إن أمكن رفع البناء والغراس من غير نقص يدخلها: أمر برفعها، وإن لم يمكن إلا بدخول نقص فيها- نُظر: إن كان المعير شرط عليه قلع البناء، والأشجار، وتسوية الأرض: يجب عليه جميع ذلك، فإن لم يفعل: فللمعير قلعها مجانًا، وإن شرط قلع الأشجار، ولم يشترط تسوية الأرض: لا يلزمه تسوية الأرض؛ لأنه لما شرط القلع: رضي بالحفر، وإن لم يشرط عليه قلع الأشجار- نُظر: إن اختار المستعير قلعها: فله ذلك؛ لأنها ملكه، فله نقلها، وهل يلزمه تسوية الأرض؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٢٨٢ ]
أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه لما أعار مع علمه- بان له مع قلع الأشجار؛ فقد رضي بما يحصل بالقلع من التخريب.
والثاني: يلزمه؛ لأن القلع كان باختياره؛ فإنه لو امتنع: لم يجبر عليه.
ومن خرب أرض غيره: يلزمه التسوية، وإن لم يختر المستعير قلع البناء والأشجار: لم يكن للمعير قلعها مجانًا.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: له قلعها مجانًا، وهو اختيار المزني، وهذه فائدة بيان المدة.
وعندنا: لا يقلعها مجانًا؛ لأنه كان مأذونًا في الغرس والبناء، ولكنه يتخير بين الأشياء الثلاثة، إن شاء أخذها بالقيمة، وإن شاء كلف المستعير قلعها، وضمن أرش النقصان، وإن شاء أقرها بالأجر؛ وكذلك: لو رجع قبل مضي المدة؛ فيتخير في الغراس والبناء، وليس للمستعير أن يقول: إنما أتملك الأرض بالقيمة؛ لأن الأرض أصل؛ لا تتبع الغراس، والغراس تبع؛ فجاز أن يتبع الأرض في التملك؛ كما يتبعها في البيع؛ فإن أراد القلع: لا يحتاج إلى إذن المستعير، وإن أراد التملك بالقيمة، أو التقرير بالأجرة: يحتاج إلى إذنه؛ لأنه بيع وإجارة، وربما يرى المستعير نقله، فإن امتنع المعير عن بذل القيمة وأرش النقصان: فإن دفع المستعير الأجرة: لم يكن للمعير قلعها، وإن امتنع عن بذل الأجرة، هل للمعير قلعها مجانًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن الإعارة تقتضي الانتفاع من غير ضمان.
والثاني: له ذلك؛ لأنه لا يجوز الانتفاع بالعارية بعد الرجوع من غير أجرة.
وإذا اتفقا على بيع الأرض مع الغراس والبناء: جاز، ثم يوزع الثمن على أرض مشغولة بالغراس، وعلى الغراس، فما خص الأرض للمعير، وما خص الغراس للمستعير.
فإذا أراد المعير بيع الأرض: له ذلك، ثم المشتري يتخير في الغراس بين الأشياء الثلاثة، ولو باع المستعير الغراس: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن ملكه عليها غير مستقر، وربما يتملكها المعير.
والثاني: يجوز، وهو الأصح، وعدم الاستقرار لا يمنع البيع، كما يجوز للمشتري بيع الشقص المشفوع، مع أن للشفيع أخذه بالشفعة.
ثم المعير مع المشتري يتخير بين الأشياء الثلاثة، وللمشتري الخيار في فسخ البيع، إن كان جاهلًا، ويجوز لمالك الأرض دخول الأرض، وأن يستظل بالغراس، ولم يكن
[ ٤ / ٢٨٣ ]
للمستعير منعه؛ لأن حق المستعير في موضع الغراس، فأما البياض: فلا حق له فيه.
وليس لمالك الغراس دخولها للتفرج، ولا لغير غرض، إلا لتعهد الغراس بسقي أو تلقيح أو جذاذ ثمر؛ فيجوز له دخولها لهذه الأغراض؛ بغير إذن المعير.
وقيل: لا يجوز إلا بإذنه.
والأول أصح.
ولو أعار أرضًا للبناء والغراس مطلقًا، ولم يبين مدة: جاز، وله أن يغرس، ويبني ما لم يرجع المعير، فإن رجع بعد ما غرس وبنى، فيتخير المعير بين الأشياء الثلاثة؛ كما ذكرنا، وإن غرس أو بنى بعدما رجع، وكان عالمًا بالرجوع: يقلع مجانًا، وإن كان جاهلًا بالرجوع: فيه وجهان، كما لو حمل السيل نويات إلى أرضه فنبتت.
ولو أعار أرضًا للزراعة، فزرع، ثم رجع المعير، والزرع لم يدرك: لم يكن للمعير قلعه بل ببقيه إلى أوان الحصاد، لأن له وقتًا ينتهي إليه؛ بخلاف الغراس؛ فإنها للتأبيد.
وله طلب أجر مثل ما بعد الرجوع إلى الحصاد؛ لارتفاع العارية بالرجوع.
وقيل: ليس له طلب الأجرة، لأنه أذن فيه مجانًا؛ كما قبل الرجوع.
والأول أصح؛ لأنه أباح له المنفعة إلى وقت الرجوع؛ كما لو أعار بعيرًا إلى مكة، فلما توسط البادية: رجع المعير عليه لنقل أمتعته إلى العمران بأجر المثل.
قال الشيخ﵀-: ولو أعار للزراعة مدة، وانقضت المدة، والزرع لم يُدرك- ينظر: إن فرط في الزراعة بالتأخير: يقلع مجانًا، وإن لم يفرط: فلا يقلع.
وإذا أعار أرضًا للزراعة مطلقًا: فلا يزرع إلا زرعًا واحدًا وكذلك: لو أعار للغرس، فغرس، وقلع؛ فلا يغرس بعده إلا بإذن جديد.
ولو حمل السيل نويات أو حبات إلى أرضه: يجب عليه ردها إلى مالكها لو عرفه، وإن لم يعرفه دفع إلى الحاكم، ولو لم يعلم حتى نبتت في أرضه، هل يجبر مالكها على قلعها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يُجبر؛ لأنه لم يكن منه تفريط.
والثاني: يجبر؛ لأن المالك لم يأذن فيه، كما لو انتشرت أغصان أشجاره إلى هواء دار غيره: يُجبر على إزالة ضرره؛ وهذا أصح.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
فإن قلنا: لا يجبر: فإن كان زرعًا: يبقى إلى أوان الحصاد بالأجرة، وإن كان شجرًا: يتخير مالك الأرض فيها بين أن يتملكها بالقيمة، أو يقلعها، ويضمن أرش النقصان، وبين أن يقرها بالأجرة، كما ذكرنا في العارية.
ولو حمل السيل نواة واحدة، أو حبة لا قيمة لها، والغراب دفن جوزة في أرضه، فنبتت: هل يملكها مالك الأرض؟ فيه وجهان:
أحدهما: يملك؛ لأنه لم يكن لها قيمة، فصارت متقومة في أرضه.
والثاني: لا يملك؛ لأن تلك الحبة كانت محرمة الأخذ من المالك؛ فعلى هذا: هل يؤمر بقلعها مجانًا؟ فعلى الوجهين.
إذا غرس رجل أرض الغير بإذنه، ثم وقف رب الأرض والغراس الأرض والغراس معًا: جاز، كما لو باعا ولو وقف رب الأرض: جاز، كالبيع، ولو وقف مالك الغراس غراسه: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن القلع ثابت لرب الأرض، فيكون وقف ما لا يمكن الانتفاع به.
والثاني- قاله ابن حداد: يجوز.
ثم إن قلعها صاحب الأرض- يؤخذ منه أرش النقصان، وينفق عليه، ويغرس في موضع آخر.
قال الشيخ﵀-: ويمكن بناء الوجهين على جواز البيع.
ولو دفع أرضًا إلى رجل ليغرسها أو يبني فيها على أن نصف الغراس والبناء لمالك الأرض، والنصف له: فهذا فاسد للجهالة.
فإذا غرس وبنى: فالغراس والبناء للغارس والباني؛ فإن كان لا ينتقص قيمتها بالنقل، كلف نقلها: وإن كان ينتقص: فلا يقلع مجانًا؛ لأنه فعل بالإذن، فيتخير مالك الأرض فيها بين الأشياء الثلاثة.
وإن كان زرعًا يبقى إلى أوان الحصاد، ويستحق رب الأرض الأجر، وكم يستحق؟ فيه وجهان:
أحدهما: نصف أجر مثل الأرض، لأنه كان يعتقد نصف عمل العامل له.
والثاني: يستحق تمام أجر المثل؛ لأن جميع عمل العامل وقع للعامل، وجميع الغراس له.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
أما إذا باع نصف الأرض معينًا على أن يغرس له النصف الآخر، ووصف الغراس: جاز علق أو لم يعلق.
ولو قال الرجل: أعرتك دابتي اليوم على أن تعيرني دابتك غدًا: فهذه إجارة فاسدة، وكل واحد يستحق على صاحبه أجر مثل دابته.
وكذلك: لو قال: أعرتك دابتي على أن تعلفها، أو داري على أن تطين سطحها، أو تكسح ثلجها: فهي إجارة فاسدة، والتطيين وكسح الثلج على المالك، وللمالك عليه أجر مثل الدابة والدار.
ولو قال: أعرتك دابتي على أنها إذا هلكت تضمن أكثر من قيمتها- فهي إجارة فاسدة.
وقيل: عارية فاسدة.
ولو دفع شاة إلى رجل، فقال: ملكتك درها ونسلها: فهذه هبة مجهولة؛ فالشاة مضمونة عليه بحكم العارية الفاسدة، وما حصل من الدر والنسل: كالمقبوض بحكم الهبة الفاسدة.
ولو قال: أبحتُ لك درها ونسلها: ففيه وجهان:
أحدهما: أنها هبة فاسدة كالأول.
والثاني: إباحة صحيحة؛ لما روي عن أبي هريرة﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: "الصدقة اللقحة الصفي منحة، والشاة الصفي منحة تغدو بإناء وتروج بأجر".
فعلى هذا: الشاة عارية صحيحة.
ولو قال: ملكتك، أو: أبحتُ لك درها ونسلها؛ على أن تعلفها: فهذا فاسد، والعلف بإزاء أجرة الشاة وثمن الدر والنسل، فالشاة غير مضمونة عليه بحكم الإجارة الفاسدة، والدر والنسل مضمون عليه بحكم الشراء الفاسد، كما لو دفع كسرة إلى سقاء، فأخذ الكوز ليشرب فسقط من يده وانكسر: ضمن الماء؛ لأنه أخذه بحكم الشراء الفاسد، ولم يضمن الكوز؛ لأنه في يده بحكم الإجارة الفاسدة، فإذا أخذ مجانًا: فالكوز عارية
[ ٤ / ٢٨٦ ]
يجب ضمانه، والماء كالمقبوض بحكم الهبة الفاسدة، [وكذلك: لو] اشترى شيئًا في وعاء، فقبضه: فالوعاء لا يكون مضمونًا عليه.
ولو استعار صندوقًا، وفيه نقد للمالك لم يعلمه المستعير: يكون ما فيه أمانة عنده؛ كالريح: تلقي ثوبًا في حجره: يكون أمانة عنده.
ولو دفع دراهم إلى رجل، فقال: اجلس على هذا الحانوت، واتجر لنفسك، أو دفع إليه بذرًا، وقال: ابذر في هذه الأرض: فالحانوت والأرض عارية، والدراهم والبذر هبة أو قرض، فيه وجهان.
ولو كانت دابة واقفة بين يدي مالكها، فوضع رجل متاعًا عليها بغير أمر صاحبها: لصاحب الدابة طرح متاعه، فلو لم يطرح وسير الدابة: دخل المتاع في ضمانه، ولا يجب على صاحب المتاع ضمان الدابة.
ولو قال صاحب المتاع: سير الدابة، فسيرها: لا يجب على صاحب الدابة ضمان المتاع، وصار صاحب المتاع مستعيرًا لذلك القدر من الدابة، إن كان على الدابة متاع آخر: يضمن بقدر متاعه.
ولو كان راكبًا دابة، فأردف رجلًا خلفه بمسألته أو غير مسألته: كان كما لو أعار منه نصف دابة، فإن هلكت الدابة: يجب على الرديف نصف الضمان.
وكذلك: لو أعارف سفينة من إنسان، وهو فيها، فهلكت: يجب على المستعير نصف الضمان، فإن أركبه الدابة، وهو يمشي خلفها: يجب على الراكب جميع الضمان.
ولو كان يمشي معه رجل، ومعه متاع، فقال صاحب المتاع: احمل متاعي هذا على دابتك، فحمل: كان لو أعار الدابة منه، يجب عليه ضمانها.
ولو قال صاحب الدابة: أعطني متاعك أضعه على دابتي، ففعل: كان كما لو استودع متاعه؛ لا يجب على صاحب المتاع ضمان الدابة، ولو كان لرجل حمل نفيس على دابة، فأركب إنسانًا فوقه، حتى يكون حرزًا للمال: لا يجب على الراكب ضمان الدابة؛ لأن صاحب الدابة أركبه لمنفعة نفسه.
وكذلك: لو بعث رجلًا إلى بلد لشغله، فأعطاه دابة ليركبها: لا يجب على الراكب ضمان الدابة؛ لأنه أركبه لإصلاح شغله.
ولو استعار رجل دابة ليركبها إلى بلد، فجاوزها: يجب عليه أجر مثل ما جاوز،
[ ٤ / ٢٨٧ ]
ذهابًا ورجوعًا إلى الموضع الذي جاوزه.
وهل له أن يركبها في الرجوع إلى البلد الذي استعار منه أم يسلمه إلى حاكم البلد الذي استعار إليه؟ وجهان:
أحدهما: له أن يركبها للرجوع؛ لأن المالك أذن فيه.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن الإذن قد انقطع بالمجاورة، فعلى هذا: إذا رجع عليه أجر مثل الرجوع.
فصل في الاختلاف
إذا ركب دابة إنسان، فاختلفا، فقال المالك: أكريتك الدابة، وقال الراكب: بل أعرتني- لا يخلو: إما إن كان هذا الاختلاف في حال قيام الدابة أو بعد تلفها.
فإن كان في حال قيامها- نُظر: إن كان في حال ما أخذ الدابة قبل مضي مدة لها أجرة: فلا فائدة فيه إلا أن يدعي المالك تعجيل الأجرة: فالقول قول الراكب مع يمينه.
وقال في المزارعة: إذا زرع أرض الغير، ثم اختلفا؛ فقال المالك: أكريتك، وقال الزارع: بل أعرتني: إن القول قول المالك مع يمينه: فمن أصحابنا من جعل المسألة على قولين:
أحدهما- وهو الأصح، وهو اختيار المزني-: أن القول قول المالك مع يمينه؛ لأن المنافع كالأعيان.
ولو اختلفا في عين، فقال المالك: بعتك، وقال الذي في يده: وهبتني: كان القول قول المالك مع يمينه، لأنه أتلف منفعة الغير، ثم يدعي البراءة من الضمان: فلا يقبل؛ كما لو أكل طعام الغير، ثم قال: أبحته لي، فقال: ما أبحته لك: فالقول قول المالك مع يمينه.
والقول الثاني: القول قول الراكب والزارع مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على إباحة المنفعة له، والمالك يدعي الكراء، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر النص، فقال في الدابة: القول قول الراكب، وفي الأرض: القول قول المالك؛ لأن العادة جرت: أن الدابة تعاد، والأرض لا تُعاد؛ بل تؤاجر، والصحيح: أن لا فرق بينهما.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
فإن قلنا: القول قول المالك، فإذا حلف أخذ الأجرة، وأي أجرة يأخذ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يأخذ المسمى؛ لأنا لما قبلنا قوله في الكراء: يقبل قوله في المسمى.
والثاني: يأخذ أجر المثل، وهو المنصوص؛ لأنهما لو اتفقا على الأجرة، واختلفا في قدرها، وجب أجر المثل، فإذا اختلف في الأجرة: أولى أن يجب أجر المثل، فإذا نكل المالك عن اليمين: لا تُرد اليمين على الراكب، لأن عين المالك حجة لاستحقاقه الأجر، وإذا لم يحلف سقط، ويمين الرد يستحق بها حق، وهو لا يدعي شيئًا.
وإن قلنا: القول قول الراكب مع يمينه، فإذا حلف برئ، وإذا نكل حلف المالك واستحق المسمى قولًا واحدًا؛ لأن يمينه بعد نكول المدعى عليه: إما أن تكون كالبينة أو كالإقرار، فأيهما وجد يستحق به المسمى، وهذه المسألة بخلاف ما لو دفع ثوبًا إلى غسال ليغسله، فغسله، ثم اختلفا، أو خاط لرجل ثوبًا، أو بنى دارًا، فاختلفا، فقال المالك: فعلته مجانًا، وقال العامل: بل بالأجرة: فالقول قول المالك مع يمينه قولًا واحدًا بخلاف الراكب والزارع؛ لأن الخياط والغسال قوت منفعة نفسه، ثم يدعي الضمان على الغير: فلا يقبل، والراكب أفات منفعة دابة الغير، ويريد إسقاط الضمان عن نفسه: فلا يقبل.
وإن كان هذا الاختلاف بعد تلف العين- نُظر: إن تلفت حالة ما أخذها قبل مضي مدة لها أجر، والراكب مقر له، وهو ينكر: فيرتد برده، وإن تلفت بعد مضي مدة لها أجر، والمالك يدعي عليه الكراء، وهو يقر بالقيمة: فهو يبني على أن اختلاف الجهة، هل يمنع الأخذ؟ وفيه وجهان.
إن قلنا: يمنع الأخذ: فالقيمة ساقطة برده، وفي الكراء: القول قول من يكون؟ فعلى ما ذكرنا من القولين.
وإن قلنا: لا يمنع الأخذ- نُظر: إن كانت الأجرة والقيمة سواء، أو كانت الأجرة أقل: أخذها المالك بلا يمين، وإن كانت الأجرة أكثر: أخذ قدر القيمة، وفي تلك الزيادة القول قول من يكون؟ فعلى القولين.
وإن كان الاختلاف على عكس هذا، قال المالك: أعرتك، وقال: لا، بل أكريتني: فالقول قول المالك مع يمينه، يحلف ويأخذ العين، وإن كان بعد مضي مدة لها أجر: فالراكب يقر له بالكراء، وهو ينكر، فيرتد برده، وإن كان بعد تلف العين نُظر: إن مضت مدة لمثلها أجرة؛ فالمالك يدعي عليه القيمة: فالقول قوله مع يمينه؛ هذا هو المذهب؛
[ ٤ / ٢٨٩ ]
لأن الراكب أتلف عليه ماله، والأصل: أنه لم يبح، وإن مضت مدة لمثلها أجرة: فالمالك يدعي القيمة، والراكب يقر بالأجرة، فإن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأجر: فلا أجرة له، وفي القيمة: يحلف ويأخذ، وإن قلنا: لا يمنع الأخذ: فإن كانت الأجرة والقيمة سواء، أو كانت القيمة أقل: أخذها المالك بلا يمين، وإن كانت القيمة أكثر، ففي تلك الزيادة: حلف المالك وأخذ.
ولو قال المالك: غصبتني، وقال الراكب: لا، بل أعرتني: يسترد المالك العين، وإن كان بعد مضي مدة لها أجر؛ فالمالك يدعي كراء المثل، وهو ينكر: نقل المزني: أن القول قول المستعير، وهو الراكب.
اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من قال: المسألة على طريقين؛ كالمسألة الأولى:
أحدهما: أنها على قولين.
والثاني: يفرق بين الأرض والدابة.
ومنهم من قال: القول قول المالك قولًا واحدًا، والنقل وقع خطأ؛ لأن الراكب يدعي الإذن، وهو ينكر، والأصل عدم الإذن، وفي المسألة الأولى: اتفقا على الإذن، وإن كان هذا الاختلاف بعد تلف العين، وكان بعد مضي مدة: فالمدعي يدعي كراء المثل؛ فيحلف ويأخذ، ويدعي القيمة بطريق الغصب، وهو يقر بطريق العارية.
وإن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ: حلف وأخذ، وإن قلنا: لا يمنع الأخذ: إن قلنا: ضمان العارية ضمان الغصب، أو قلنا: تعتبر بيوم التلف، وكانت قيمتها يوم التلف أكثر: أخذها بلا يمين، وإن كانت قيمتها يوم التلف أقل: ففي الزيادة: يحلف ويأخذ، وإن اختلفا، فقال المالك: غصبتني، وقال الراكب: بل أكريتني، فإن لم تمض مدة لها أجر: حلف المالك، وأخذ العين، وإن كان أرضًا زرعها: قلع الزرع، وعلى الزارع تسوية الأرض، وإن كان بعد مضي مدة لها أجر: فالمالك يدعي كراء المثل، وهو يقر بالمسمى، فإن استويا، أو كان أجر المثل أقل: أخذه بلا يمين، وإن كان أجر المثل أكثر: حلف، وأخذ الزيادة.
قال الشيخ﵀-: ولا يبنى على اختلاف الجهة؛ كما لو أن المالك يدعي فساد الإجارة، والراكب يدعي الصحة: حلف المالك، وأخذ أجر المثل، وإن كان هذا
[ ٤ / ٢٩٠ ]
الاختلاف بعد تلف العين، وكان بعد مضي مدة: فالمالك يدعي كراء المثل والقيمة، والراكب يقر بالمسمى، وينكر القيمة، فما يقر الراكب أخذه بلا يمين، وفي الزيادة: يحلف ويأخذ.
ولو قال المالك: غصبتني، فقال: بل أودعتني، وكان بعد تلف العين- حلف المالك، وأخذ القيمة وأخذ كراء المثل، إن مضت مدة لها أجر، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٩١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم