روي أن عمر بن الخطاب﵁- ملك مائة سهم من خيبر، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالًا لم أصب مثله [قط]، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله ﷿- فقال رسول اللهﷺ-: "حبس الأصل، وسبل الثمرة".
جملة ما يعطي الرجل من ماله- على وجه التبرع- قسمان:
عطية بعد الموت، وهي: الوصية، وعطية في الحياة، وهي قسمان:
أحدهما: الصدقات المحرمات، وهي: الوقف.
والآخر: الهبات والهدايا.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
ولكل قسم كتاب، والمقصود من هذا الباب: بيان حكم الوقف، وهو: أن يحبس عينًا من أعيان ماله ويقطع تصرفه عنها، ويجعل منافعها لوجه من وجوه الخير؛ تقربًا إلى الله تعالى، وذلك- عندنا- مندوب إليه مستحب.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: الوقف لا يلزم، وإن فعل: فهو كالعارية ومتى شاء رجع إلا أن ينفذه قاض؛ فيلزم.
وقال أبو يوسف: الوقف جائز؛ غير أنه لا يلزم إلا أن يجعل داره مسجدًا، وصلى فيه جماعة، أو جعل أرضًا مقبرة، فدفن فيها ميت: تلزم جميعها، والحديث حجة عليهم، واتفاق الصحابة على فعل الوقف، وأنه لم ينقل عن أحد منهم؛ أنه رجع عما وقف مع حاجته: دليل على لزومه.
ويجوز وقف كل عيني مكن الانتفاع بها، مع بقاء عينها، ولم يحلها.
حرمة إبطال: الملك؛ فيجوز وقف الدور والعقارات، ووقف المنقولات من الثياب والدواب والعبيد والأمتعة.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز وقف الحيوانات، وإن حكم به الحاكم؛ وجوز محمد: وقف الخيل.
ولا يجوز وقف المطعومات وما يشم من الرياحين، لأنه لا يمكن الانتفاع به على الدوام.
ويجوز وقف العبد الصغير والحيوان الصغير؛ لأنه يرجى الانتفاع به.
ولا يجوز وقف الزمن الذي لا يرجى [الانتفاع به]، ويجوز وقف العبد الكافر، كتابيًا كان أو وثنيًا؛ كما يجوز إعتاقه.
ولا يجوز وقف الحمل في البطن؛ كما لا يجوز بيعه.
وفي وقف الدراهم: وجهان: كإجارتها، وفي وقف الكلب المعلم وجهان؛ كإجارته.
ولا يجوز وقف المكاتب، ولا وقف أم الولد؛ لأنه حلها حرمة إبطال الملك.
ويجوز وقف المعلق عتقه بالصفة، فإذا وجدت الصفة: فإن قلنا: الملك في الوقف
[ ٤ / ٥١٠ ]
للموقوف عليه: لا يعتق؛ بل هو وقف، وإن قلنا: الملك في الوقف للواقف، أو قلنا: ذلك إلى الله تعالى: عتق بوجود الصفة، وبطل الوقف.
وكذلك: وقف المدبر جائز، ثم إن قلنا: التدبير وصية: بطل التدبير؛ كما لو أوصى لإنسان بشيء، ثم وقفه: يصح، وكان رجوعًا عن الوصية:
وإن قلنا: التدبير تعليق: عتق بصفة؛ فهو كوقف المعلق عتقه بالصفة.
ولو وقف نصف عبد، أو نصف دار مشاعًا: جاز، سواء كان النصف الآخر له أو لم يكن، لأن عمر﵁- وقف مائة سهم من خيبر مشاعًا، ولا يثبت به الشفعة؛ لأنه لم يأخذ عليه عوضًا.
وكذلك: لو وقف علو دار دون سفلها، أو وقف سفلها دون علوها: جاز؛ لأنهما عينان؛ فيجوز وقف إحداهما دون الأخرى؛ كالعبدين.
ولو وقف شيئًا غير معين؛ من عبد أو فرس: لم يجز؛ كما لا يصح بيع غير المعين.
فصلٌ فيما يجوز الوقف عليه
ولا يصح الوقف إلا على وجه البر والمعروف؛ مثل: أن يجعل بقعة مسجدًا أو رباطًا لنزول المارة، أو يقف شيئًا على الفقراء والمساكين أو أبناء السبيل، أو على العلماء أو القراء أو الحجاج، أو على عمارة المسجد أو القناطر، أو على جماعة متعينين؛ مثل: أولاد فلان، أو على أقاربه: يصح. [والقر والوقف] على ما لا قربة فيه؛ مثل: إن وقف على البيع والكنائس أو على كتبة التوراة والإنجيل: لم يجز؛ لأنه مبدل.
وكذلك: لو وقف على السراق وقطاع الطريق ومن يرتكب المعاصي.
ولو وقف على كافر ذمي: جاز؛ كما يجزو التصدق عليه، والوصية له، ولو وقف على حربي أو مرتد: لم يجز؛ لأنه مأمور بقتلهما؛ فلا معنى للوقف عليهما.
وقيل: يجوز؛ كالذمي، ولو وقف على وارثه شيئًا من صحته: جاز؛ فإن وقف في مرضه: فهو كالوصية له، ولا يصح الوقف على من يملك؛ مثل: أن يقف على العبيد، وعلى الحمل في البطن، ولو وقف على دابة فلان: فيه وجهان:
[ ٤ / ٥١١ ]
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يملك؛ فلا معنى للوقف عليه.
والثاني: يجوز، ويكون وقفًا على مالكها.
ولو وقف شيئًا على فنسه: لا يجوز؛ لأن الوقف يقتضي حبس العين، وتمليك المنفعة، والعين قبل الوقف محبوسة عليه ومنفعة له؛ فلا معنى للوقف على نفسه.
وقال أبو عبد الله الزبيري- وهو قول أبي يوسف: يجوز؛ وبه قال بعض أصحابنا؛ لأن الملك في الوقف يزول إلى الله تعالى، وقبل الوقف: كان للواقف، وإن قلنا: باق على ملك الواقف: يصح أيضًا؛ لأن استحقاقه وقفًا غير استحقاقه ملكًا، لتغاير أحكامهما.
وكذلك: لو وقف حائطًا أو شيئًا على الفقراء؛ على أن يأكل هو من ثمرته، أو ينتفع به: فيه وجهان:
الأصح: أنه لا يجوز.
وقيل: يجوز؛ لأن عثمان﵁- وقف بئر رومة، وقال: "دلوي فيها كدلاء المسلمين".
والأول المذهب؛ وكان دخول عثمان﵁- في عموم الوقف من غير شرط.
ويجوز أن يدخل في العام من لا يدخل في الخاص؛ كما أن المساجد موقوفة، والوقف صدقة، وكان النبيﷺ- يصلي في المساجد، مع أنه كان لا يأخذ الصدقة.
وكذلك: لو قال: وقفت هذا على فلان: فإذا مات عاد إلي: لا يصح؛ على ظاهر المذهب.
ولا يصح تعليق الوقف على شرط؛ فيقول: إذا قدم فلان فقد وقفت، وإذا جاء رأس شهر فقد وقفت؛ كما لا يصح تعليق البيع.
ولا يصح بشرط الخيار فيه، ولا يشترط أن يرجع فيه متى شاء، أو يدخل فيه من شاء، ويخرج من شاء؛ لأنه إخراج مال عن ملكه على وجه القربة منجزًا؛ كالصدقة.
ولا يجوز إلى مدة؛ كالعتق.
ويشترط أن يكون الوقف على معلوم، ويرد انتهاؤه إلى ما لا ينقطع؛ وذلك من وجهين:
[ ٤ / ٥١٢ ]
أحدهما: أن يقف على ما لا ينقرض؛ مثل: أن يقف على الفقراء والمساكين، أو المجاهدين، أو العلماء وما أشبههما؛ فيصح.
والثاني: أن يقف على ما ينقرض، ثم بعده على ما لا ينقرض مثل أن يقف على رجل بعينه، ثم على عقبه، ثم على الفقراء؛ فيصح، وإن كان الوقف منقطع الابتداء والانتهاء؛ مثل: إن وقف على رجل غير معين أو على من يختاره فلان، أو على ولد فلان، وليس له ولد، أو على أولادي الذين يحدثون، أو على مسجد سيبنى: لا يصح على الصحيح من المذهب؛ وكذلك: لو قال: وقفت هذه، ولم يزد عليه: فالصحيح أنه لا يصح، وهو باق على ملك الواقف؛ لأنه لم يبين له مصرفًا.
وفيه قول آخر: أنه يكون وقفًا؛ لأنه رضي أن يتقرب به، وإن لم يبين [له مصرفًا]؛ كما لو قال: لله علي أن أتصدق بهذا: يصح، وإن لم يبين مصرفه: فعلى هذا: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس؛ لأن العادة قد جرت أن الإنسان إذا أراد أن يتصدق: يبدأ بأقاربه؛ فيجعل كأنه صرح به، فإذا لم يبق أحد منهم: صرف إلى الفقراء أو المساكين.
وفيه وجه آخر لابن سريج: أنه يجوز للقيم أن يصرفه في أي وجوه البرشاء مما يعود إلى صلاح المسلمين من أهل الزكاة، وإصلاح القناطر وسد الثغور ودفن الموتى وسائر وجوه البر؛ كما لو وقف شيئًا على وجوه البر: صرف إلى جميع هذه الوجوه.
وإن كان الوقف معلوم الابتداء، منقطع الانتهاء؛ مثل: إن قال: وقفت هذا على زيد، ولم يزد عليه، وقال: وقفته على زيد، ثم على عقبه، ولم يزد عليه، أو قال: على أولادي وأولاد أولادي، ولم يزدعليه، أو قال: على أولادي، ثم على مجهول: من حمل أو شخص لم يسمه: ففيه قولان:
أحدهما: أن الوقف باطل، لأن شرط الوقف أن يكون مؤبدًا، وهو إذا لم يزد منتهاه إلى ما لا ينقطع: فكأنه لم يؤبده؛ كما لو قال: وقفته خمسين سنة: لا يصح.
والثاني: وهو الاصح، والمنصوص عليه: أنه يصح؛ لأنه رضي بزوال حقه عنه إلى غيره.
فعلى هذا: تصرف غلته إلى من عينه، ثم [بعد من عينه] إلى أقرب الناس بالمحبس، ثم من بعدهم إلى الفقراء والمساكين؛ فإن لم يكن للواقف قريب: يصرف إلى الفقراء والمساكين.
[ ٤ / ٥١٣ ]
وإن كان الواقف مجهول الابتداء معلوم الانتهاء؛ بأن وقف على رجل مجهول، أو على حمل أو على ولدي ولا ولد له، أوعلى مسجد سيبنى، ثم على الفقراء، أو وقف على من لا يجوز، ثم [على من يجوز]؛ مثل: أن وقف على عبده، ثم على الفقراء: ففيه طريقان:
أحدهما: هو على قولين؛ كما لو كان معلوم الابتداء مجهول الانتهاء.
والثاني: لا يصح ههنا قولًا واحدًا، وهو الأصح والمنصوص عليه؛ لأن الابتداء، إذا كان مجهولًا: لا يمكن ترتيب الآخر عليه، وإذا كان الابتداء معلومًا: أمكن الترتيب على المعلوم.
فإن قلنا: يصح: فما حكمه في الحال؛ لا يخلو: إما إن كان الأول الذي لم يصح الوقف عليه: يمكن اعتبار انقراضه، أو لا يمكن: فإن لم يكن اعتبار انقراضه بأن وقف على رجل غير معلوم، أو على ولده ولا ولد له: كان وقفًا في الحال على الفقراء الذين سماهم؛ [لأن ما لا] يمكن اعتبار انقراضه [يكون ذكره لغوًا، وإن أمكن اعتبار انقراضه] بأن وقف على عبد أو على وارثه في مرضه، أو على زيد، ثم على الفقراء فرده: ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يصرف في الحال إلى الفقراء، وذكر الأول لغو، لأن الوقف عليه غير صحيح، وقد وجدنا ههنا مستحقًا سماه الواقف؛ فلا معنى للصرف إلى من لم يسمه.
والثاني: يصرف في الحال إلى أقرب الناس بالمحبس إلى أن ينقرض الموقوف عليه الأول، ثم بعد انقراضه: صرف إلى الفقراء؛ لأن تركه على ملك الواقف: لا يمكن، لأنه أزال ملكه، ولا يمكن صرفه إلى الفقراء؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال، وهو انقراض الأول.
والثالث: هو باق على ملك الواقف، ثم بعده: لوارثه، ما لم يمت الأول؛ فإذا مات الأول- فحينئذ: يكون للفقراء؛ لأنه لم يجعل للفقراء شيئًا في حياة ذلك الرجل؛ فيكون باقيًا على ملك الواقف.
قال الشيخ: يحتمل أن يقال: إذا وقف على زيد، فرده: لا يرتد، وهو الأصح عندي، خصوصًا على قولنا: إن الملك في الوقف زال إلى الله تعالى؛ كما لو أعتق عبده، فرده العبد: لا يرتد العتق.
وإن كان الوقف معلوم الطرفين مجهول الواسطة: يرتب على ما لو كان معلوم الابتداء مجهول الانتهاء: إن قلنا: هناك: يصح فهننا أولى وإلا فوجهان، والأصح: جوازه.
[ ٤ / ٥١٤ ]
فعلى هذا: إذا انقرض الأول: صرف إلى أقرب الناس بالمحبس، ثم بعدهم: إلى من سماه في الانتهاء، وإن كان مجهول الطرفين معلوم الواسطة: يرتب على معلوم الابتداء، إن قلنا ثم: لا يجوز فههنا: أولى؛ وإلا فوجهان، وإن جوزنا: ففي الحال: إلى من يصرف؟ فعلى ما ذكرنا من الاختلاف، فحيث قلنا: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس: هل يختص به فقراؤهم أم يسوى بين الفقراء، والأغنياء؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسوى بين الكل؛ لأن الكل في القرب منه سواء.
والثاني: يصرف إلى المحاويج منهم، لأن العادة جرت أن الإنسان يتصدق على فقراء أقاربه، وهو لو وقف دارًا على زيد شهرًا؛ على أنه تعود ملكًا له بعد الشهر: فالمذهب: أنه لا يصح، لأن شرط الوقف، وهو التأبيد: لم يوجد.
وفيه قول آخر: أنه يصح، لأنه رضي بزوال ملكه في الحال؛ فعلى هذا: ما حكمه بعد مضي الشهر؟ فيه قولان:
أحدهما: حكمه حكم ما لو كان معلوم الابتداء مجهول الانتهاء؛ فبعد انقراض المعلوم: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس.
والثاني: يعود بعد مضي الشهر إلى ملك الواقف؛ كما لو أجر، أو أعار داره مدة، فبعد مضي المدة: تعود إليه.
ولو وقف دارًا على زيد وعمرو، ولم يقل بعدهما على من، وجوزنا، فمات أحدهما، ففي نصيب الميت قولان:
أحدهما: يكون للآجر، فما دام أحدهما موجودًا: فلا يصرف إلى غيرهما.
والثاني: حكم نصيب الميت حكم نصيبهما، لو ماتا جميعًا، وإذا جعل آخر وقفه الفقراء أو المساكين: جاز، وكذلك: القناطر والرباطات، ولو جعل آخره مساجد معينة أو قناطر أو رباطات معينة: فقد قيل: يجوز؛ كما لو جعل آخره الفقراء.
وقيل: هو كما لو كان الوقف منقطع الانتهاء؛ لأن المسجد المعين قد يخرب، والفقراء لا يعدمون.
فصل في ألفاظ الوقف
وهي ثلاثة:
الوقف، والتحبيس، والتسبيل؛ وهي صرائح، قال النبيﷺ-: "حبس الأصل، وسبل
[ ٤ / ٥١٥ ]
الثمرة" فإذا قال: وقفت داري على الفقراء، أو: حبست أو: سبلت، أو: داري هذه موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو حبس ثم الوقف.
ولفظ "الصدقة" كناية، لأنه يستعمل في غير الوقف؛ فلا يحصل الوقف بقوله: تصدقت؛ حتى ينوي، أو يقول: صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو صدقة مؤبدة، أو محرمة، أو صدقة لا تُباع، ولا توهب، ولا تورث؛ لأن هذه اللفظة مع هذه القرائن: لا تحتمل إلا الوقف.
أما لفظ "التأبيد" و"التحريم" بأن يقول: حرمت هذه الدار، أو: أبدت، أو: داري هذه محرمة مؤبدة-[هل يكون صريحًا في الوقف؟ فيه وجهان:
أحدهما]: يكون صريحًا؛ كما لو قال: صدقة محرمة أو مؤبدة.
والثاني: لا يكون صريحًا إلا بإحدى القرائن؛ لأنه لم تثبت في عرف الشرع، ولا في عرف اللغة.
ولا يحصل الوقف إلا باللفظ؛ فإن من بنى مسجدًا، أو صلى فيه، أو أذن للناس بالصلاة فيه، أو جعل أرضًا مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها: لا يحصل الوقف؛ كما لا يحصل العتق إلا باللفظ.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا أذن للناس بالصلاة في المسجد، أو بالدفن في الأرض، فدفن واحد: زال ملكه، ويلزم الوقف بنفسه من غير تسليم، ولا قضاء قاض.
ولا يجوز بيعه ولا هبته.
ولا يجري فيه الإرث، ولا يجوز تغييره عن شرط الواقف؛ فتكون منفعة الوقف للموقوف عليه؛ فيبذل من غلته لعمارته، شرط الواقف أو لم يشرط؛ لأنه لا يبقى من غير عمارة، ثم يصرف الفضل إلى الموقوف عليه.
ورقبة الوقف لمن تكون؟ فيه أقوال:
أصحها: وهو المذهب: زوال الملك عنه إلى الله تعالى؛ كما في العتق: يزول الملك عن رقبة العبد إلى الله تعالى، والمنفعة للعتيق.
والاثني: الملك للموقوف عليه؛ لأن العقد ورد على رقبة المال، فيوجب زوال ملكه؛ كما لو باعه.
[ ٤ / ٥١٦ ]
والثالث: للواقف؛ كأنه بالوقف حبسه على حكم ملكه؛ ولذلك سمي حبسًا، وهذا ضعيف، وبعضنا ينكر هذا القول.
وإذا وقف على مسجد، أو رباط، أو على جماعة غير متعينين: يلزم من غير قبول.
فإن قال: جعلت هذا المكان مسجدًا: لا يصير مسجدًا؛ لأنه لم توجد ألفاظ الوقف؛ تفرد القاضي بهذا الفرع.
فإن قال: جعلته للمسجد: فهو تمليك للمسجد، ويشترط قبول القيم وقبضه؛ كما لو وهب لصبي شيئًا: يشترط قبول قيمه.
ولو وقف عليه: يلزم بلا قبول.
ومن أصحابنا من قال: إذا وقف على رجل معين، أو على جماعة معينين بشرط قبولهم، ويرتد بردهم.
قال الشيخ﵀- ويحتمل ألا يشترط قبولهم، ولا يرتد بردهم؛ لأنه بمنزلة عتق العبد، والعتق لا يرتد برد العبد، والعتق لا يرتد برد العبد، ولا قبوله شرط، وهذا هو الأصح عندي خصوصًا على قولنا: إن الملك من رقبة الوقف يزول إلى الله، ﷿.
ونفقة العبد الموقوف تكون في كسبه، إن كان كسوبًا، وإن لم تكن له كسب على من يجب؟ يبنى على أقوال الملك؛ إن قلنا: الملك للموقوف عليه: فنفقته عليه، وإن قلنا للواقف: فعليه إن كان حيًا، فإن مات، أو قلنا: زال الملك إلى الله تعالى: فنفقته في بيت المال؛ كما لو أعتق عبدًا، ولا كسب له: تكون نفقته في بيت المال، ولا تجب فطرته على [أحد، على] الأقوال كلها؛ كما لو اشترى قيم المسجد للمسجد عبدًا: تكون نفقته في غلة المسجد، ولا تجب فطرته على أحد؛ بخلاف ما لو وقف نخلة على جماعة معينين: كانت ثمرتها لهم، وعليهم زكاتها؛ لأن الزكاة- هناك- تجب من الثمار، وهي مملوكة لهم، وصدقة الفطر: تجب في الرقبة، الرقبة غير مملوكة لهم حقيقة ملك.
ولو جنى العبد الموقوف جناية موجبة للقصاص: فللمجني عليه أن يقتص: فإن عفا على مال، أو كان موجبًا للمال؛ فلا يمكن بيعه في الجناية- فعلى من يجب الضمان:
إن قلنا: الملك للموقوف عليه: فعليه أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته، وإن قلنا: للواقف: فعليه، وإن قلنا: زال إلى الله تعالى: فعلى ثلاثة أوجه:
[ ٤ / ٥١٧ ]
أحدها: يجب في بيت المال؛ لأنه ليس بملك لأحد.
والثاني: تكون من كسبه؛ لأنه كان في محلة الرقبة، والكسب مستفاد منها.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق، وهو الأصح: يكون على الواقف؛ لأنه منع من بيعها بالوقف؛ كما لو جنت أم الولد: يجب على السيد أرش الجناية؛ لأنه منع من بيعها بالاستيلاد.
ولو قتل العبد الموقوف- ينظر: إن قتله أجنبي أو الواقف: يؤخذ منه قيمته، ويشترى بها عبدًا آخر يوقف مكانه، على الأقوال كلها.
وقيل: إذا قلنا: الملك في رقبته للموقوف عليه: تكون القيمة له ملكًا؛ كالكسب، وليس بصحيح؛ لأنه تعلق به حق البطن الثاني؛ فلا يجوز إبطاله وإن قتله الموقوف عليه: إن قلنا: إذا قتله أجنبي تكون القيمة له: فلا تجب عليه القيمة، وإن قلنا: يشتري بها عبدًا آخر: فتؤخذ منه القيمة، ويشتري عبدًا آخر؛ فيوقف مكانه؛ وهو المذهب.
ولو قطع طرف منه: ففي الأرش وجهان:
أحدهما: يكون للموقوف عليه، كالكسب.
والثاني: وهو كالأصل: يشتري به شقص عبد، فيوقف، وهل يجوز تزويج الجارية الموقوفة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه عقد على منفعتها؛ كما يجزو إجارتها.
والثاني: لا يجوز، لأن التزويج ينقص قيمتها؛ فربما تحبل، فتهلك في الولادة، فيدخل الضرر على من بعدها، وإن جوزنا تزويجها، فمن يزوجها؟
إن قلنا: الملك فيها للموقوف عليه: ينفرد هو بتزويجها، وإن قلنا: للواقف: زوجها الواقف بإذن الموقوف عليه، وإن قلنا: زال إلى الله تعالى: زوجها الحاكم بإذن الموقوف عليه، وشرطنا إذن الموقوف عليه؛ لأن له حقًا في منافعها، ويكون المهر للموقوف عليه؛ على الأقوال كلها؛ كالكسب.
وإذا أتت بولد من زوج أو زنا، وكان الموقوف بهيمة، فولدت: ففي الولد وجهان:
أحدهما: يكون للموقوف عليه ملكًا؛ لأنه من منافعها؛ كالكسب، ولبن البهيمة وصوفها كله يكون للموقوف عليه.
والثاني: الولد يكون وقفًا، كالأم وولد أم الولد يكون في معنى الأم.
[ ٤ / ٥١٨ ]
ولا يجوز وطء الجارية الموقوفة لا للواقف، ولا للموقوف عليه، كما لا يجوز للأجنبي، لأنه ليس لهما حقيقة ملك، فلو وطئت الجارية الموقوفة- نُظر: إن وطئها أجنبي: عليه الحد، إن كان عالمًا؛ كما لو وطأ جارية الغير، والولد رقيق؛ كما ذكرنا.
وإن وطئها بشبهة: فلا حد، ويجب المهر، ويكون للموقوف عليه؛ كالكسب، فإن استولدها: فالولد حر، وعليه قيمته، ثم إن جعلنا الولد كالكسب: تكون القيمة للموقوف: [عليه]، وإن جعلناه كالأم: يشتري بتلك القيمة عبد، فيوقف.
ولو وطئها الموقوف عليه عالمًا: فقد قيل: لا حد عليه؛ لأنه يملكها في قول، وفي قول: له شبهة الملك.
والصحيح: أنه يبنى على أقوال الملك: إن قلنا: الملك له: لا حد عليه؛ وإلا فيجب؛ لأن ملك المنفعة لا يوجب سقوط الحد؛ كما لو استأجر جارية لعمل، فوطئها: يجب الحد، ولا مهر، وإذا استولدها: فالولد رقيق: ملك أو وقف؛ على اختلاف الوجهين، وإن وطئها بالشبهة: فلا حد ولا مهر عليه؛ لأن المهر بمنزلة الكسب، وكسبها له، فإن استولدها: يكون الولد حرًا، وهل تؤخذ قيمته؟ إن قلنا: الولد كالكسب: لا يؤخذ، وإن قلنا: بمنزلة الأم: تؤخذ قيمته فيشتري به عبد آخر، فيوقف، وإن جعلنا الملك للموقوف عليه: يصير أم ولد له، يعتق بموته، ثم يكون كفيلها، وتؤخذ القيمة من تركته، فيشتري جارية أخرى توقف.
وإن وطئها الواقف عالمًا: إن قلنا: الملك له: لا حد عليه، وعليه المهر للموقوف عليه، وإن استولدها تصير أم ولد له، تعتق بموته، فتؤخذ القيمة من تركته؛ فيشتري بها جارية أخرى، فتوقف عليه، وإن قلنا: ليس الملك له: عليه الحد، والمهر، وإذا استولدها: فالولد رقيق: وقف، أو ملك؛ على اختلاف الوجهين، ولا تصير الجارية أم ولد له، وإن وطئها جاهلًا: فلا حد، وإذا استولدها: فالولد حر ثابت النسب، وعليه قيمته، ويكون ملكًا للموقوف عليه، أو يشتري بها عبدًا، فيوقف؛ على اختلاف الوجهين، وإن جعلنا الملك للواقف: تصير الجارية أم ولد له، تعتق بموته؛ فتؤخذ القيمة من تركته، فيشتري بها جارية توقف.
ولو أعتق العبد الموقوف: لا يعتق على الأقوال كلها، سواء أعتقه الواقف أو الموقوف عليه؛ لأنا- وإن قلنا: الملك لأحدهما- فهو ملك ضعيف.
[ ٤ / ٥١٩ ]
فصل في مراعاة شرط الوقف
يجب مراعاة شرط الواقف في الوقف، فتصرف الغلة إلى الموقوف عليهم على شرطه من التسوية والتفضيل، والجمع والترتيب، فإن قال: وقفت هذا على أولادي: دخل من ولده فيه الذكر والأنثى والخنثى؛ لأن الكل ولده، وهل يدخل فيه ولد الولد؟ فعلى وجهين:
أصحهما: لا يدخل؛ لأن إطلاقه يتناول ولد الصلب.
والثاني: يدخل؛ لأن الشافعي﵁- نص على أنه لو أوصى لإنسان بمثل نصيب أحد أولاده، وله بنت وبنت ابن: يصرف إليه السدس، فجعل ولد الابن ولدًا.
ولو قال: على أبنائي: يصرف إلى الذكور دون الإناث، ولا يدخل فيه الخنثى المشكل؛ لأنا لا نعلم أنه ابن، ولا يدخل فيه أولاد البنات، وهل يدخل فيه بنو البنين؟ فعلى الوجهين.
ولو قال: على بناتي: يصرف إلى الإناث دون الذكور، ولا يدخل فيه الخنثى المشكل؛ لأنا لا نعلم أنه من البنات، ولو وقف على البنين والنبات، هل يدخل الخنثى المشكل فيه وجهان:
أحدهما: لا يدخل؛ لأنه لا [يعد من البنين ولا من البنات].
والثاني: يدخل؛ لأنه لا يخلو من أن يكون ابنًا أو بنتًا، وهذا أصح.
ولو قال: على أولادي وأولاد أولادي: دخل فيه أولاد البنين والبنات من الذكور والإناث والخناثى.
ولو قال: على أولادين ولا ولد له، أو قال: على أولادي الذين يحدثون: لم يصح؛ هذا هو المنصوص في عامة كتبه.
ولو قال: على أولادين وله أولاد، وحدث بعده آخرون: يصرف إلى الموجودين والذين حدثوا جميعًا.
وكذلك: لو قال: على عشيرتي، وله عشيرة، وحدث في عشيرته واحد: صرف إلى الكل.
وقال البويطي﵀- في العشيرة: لا يصرف إلى الحادث، ولعله يقول في الولد كذلك.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
أما إذا قال: على أولادي الموجودين، وعلى من يحدث: صح الوقف على الكل؛ كما لو قال: وقفت هذا على مسجد ليس مبنيًا: لا يصح الوقف على ظاهر المذهب، فإن قال: على مسجد كذا، وعلى كل مسجد يبنى في تلك المحلة: صح على الموجود، وعلى ما يبنى بعده.
ولو قال: على أولادي، وله أولاد، وحمل في البطن، فانفصل: يستحق الحمل مما يحدث من الغلة بعد انفصاله دون ما حدث من قبل، حتى لو كان الموقوف نخلة، فخرجت ثمرتها قبل خروج الحمل من البطن، ثم خرج: لا يكون له من تلك الثمرة نصيب.
ولو نفى بعض أولاده باللعان: فال نصيب لهم في الوقف، وإن استلحقهم بعد ما نفاهم: دخلوا في الوقف.
ولو قال: وقفت على، نسلي أو عقبي أو ذريتي: دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات، قربوا أو بعدوا؛ لأن الكل نسله وعقبه وذريته؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ﴾ [الأنعام: ٨٤] الآيات؛ جعل هؤلاء من ذرية إبراهيم، وهم كانوا أولاد الأولاد.
ولو وقف على أولاد أولاده الذين ينسبون إليه- لا يدخل فيه أولاد البناـ، ويدخل فيه أولاد البنين من الذكور دون الإناث.
ولو قال: على عترتي: قال ابن الأعرابي وثعلب: هم ذريته، وقال القتيبي: هم عشيرته.
ولو قال: على عشيرتي: فهم قرابته.
ولو قال: وقفت هذا على أولادي، فإن انقرض أولادي وأولاد أولادي- فعلى الفقراء-: فقد قيل: يدخل فيه أولاد الأولاد؛ لأنه لما شرط انقراضهم: دل أنهم مستحقون، والصحيح: أن هذا وقف منقطع الواسطة؛ لأنه لم يشرط لولد الولد شيئًا، وشرط انقراضهم؛ لاستحقاق غيرهم؛ فالوقف يكون صحيحًا؛ على ظاهر المذهب، وبعد انقراض أولاده إلى انقراض ولد الولد: يصرف إلى أقرب الناس بالمحبس، ثم بعد انقراض ولد الولد: إلى الفقراء.
ولو وقف على قرابته: يصرف إلى جميع من يعرف بقرابته؛ يسوى بين القريب والبعيد،
[ ٤ / ٥٢١ ]
والفقير والغني، والذكر والأنثى؛ فإن كان أعجميًا: يصرف إلى أقاربه من قبل الأب والأم، وإن كان عربيًا: فوجهان:
اصحهما: يصرف إلى أقاربه من جهة الأب؛ لأن العرب لا تفهم من مطلق اسم القرابة، إلا قرابة الأب؛ لأن العرب تفتخر بآبائها، ويصرف إلى أخص أقاربه، فإن وقف على أقارب الشافعي: يصرف إلى أولاد شافع، ولا يصرف إلى أولاد علي والعباس، وإن كانوا جميعًا من أولاد السائب بن يزيد؛ لأنه يعرف قريبه من يشاركه في الانتساب إلى أب يعرف به، فإن حدث قريب بعد الوقف: دخل فيه معهم، ولو وقف على أقرب الناس إليه فيستوي الأولاد ذكورهم وإناثهم، ويقدم الولد على ولد الولد، ويسوى بين ولد الولد من أولاد البنين والبنات، ويستوي الأب والأم: فإن كان له أب أو أم وولد: ففيه وجهان:
أحدهما: هما سواء؛ لأنهما في درجة واحدة في القرب.
والاثني: يقدم الولد؛ لأن الابن أقوى تعصيبًا من الأب.
فإن قلنا: هم سواء: يقدم الأب على ابن الابن، ويقدم الابن على الجد، وإن قلنا: يقدم الولد: فيقدم ابن الابن على الأب، ويقدم الأبوان، والولد على الإخوة، فإن لم يكن له أبوان، ولا ولد، وله إخوة، يقدم الأخ للأب والأم على الأخ للأب، وعلى الأخ للأم، ويستوي الأخ للأب مع الأخ للأم، فإن لم يكن له إخوة: صُرف إلى بني الإخوة على ترتيب آبائهم، وإن كان له جد وأخ ففيه قولان:
أحدهما: هما سواء.
والثاني: الأخ يقدم؛ لأن تعصيبه تعصيب الأولاد، فإن قلنا: هما سواء: فالحد أولى من ابن الأخ، والأخ أولى من أب الجد، وإن قلنا: الأخ أولى: فابن الأخ، وإن سفل، أولى من الجد، فإن لم يكن إخوة: صرف إلى الأعمام، وإلى أولادهم على ترتيب الإخوة وأولادهم، وفي العم وأبي الجد قولان: كما في الجد مع الأخ والعم والخال والعمة والخالة سواء.
وإن كانت له جدتان؛ إحداهما تدلي بقرابتين، والأخرى بقرابة واحدة: فالتي تدلي بقرابتين أولى.
ولو وقف على جماعة من أقرب الناس إليه: صرف إلى ثلاثة من أقرب الأقارب، فإن وجد في الأقرب بعض الثلاثة: تمم الثلاث من الدرجة الأبعد، وإن وقف على مواليه: فإن كان له مولى من أعلى: صرف إليه، وإن لم يكن له مولى من أعلى، وله مولى من أسفل: صرف إليه، وإن كان له موال من أعلى وموال من أسفل: ففيه ثلاثة أوجه:
[ ٤ / ٥٢٢ ]
أحدها: يسوى بينهما؛ لأن الاسم يتناولهما.
والثاني: يصرف إلى الموالي من الأعلى؛ لأن له مزية بنعمة الإعتاق وعصوبة الميراث.
والثالث: الوقف باطل؛ لأنه لا يمكن الحمل عليهما؛ لأن المولى في أحدهما بمعنى، وفي الآخر بمعنى، وليس حمله على أحدهما أولى؛ فبطل.
ولو وقف على جماعة موصوفين من أولاده: يراعى وصفه: فإن قال: على أولادي الفقراء: دفع إلى الفقراء منهم. فمن غني منهم: خرج عن الاستحقاق، ومن كان غنيًا، فافتقر: استحق.
ولو قال: على بناتي الأيامى: فمن تزوجت منهن: فلا حق لها فيه، وإن طلقها زوجها: استحقت.
ولو وقف على بني فلان شيئًا- نُظر: إن كانوا محصورين: صرف إلى ذكورهم دون إناثهم، ويجب تعميمهم، وإن كانوا قبيلة؛ مثل بني تميم وبني هاشم، وجوزنا الوقف: صرف إلى الذكور منهم والإناث، وفي صحة الوقف عليهم قولان، كما في الوصية لهم:
الأصح: جوازه، كما لو وقف على جماعة موصوفين؛ مثل: الفقراء والمساكين والغارمين والغزاة: يصح.
وأقل ما يصرف إليهم: ثلاثة، ويجب في الوقف مراعاة ترتيب الواقف؛ فإن قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا: فلا يقدم البعض على البعض، بل يسوى بين ولد الصلب وولد الولد وإن سفلوا من أولاد بنيه وأولاد بناته، ذكورًا كانوا أو إناثًا.
ولو قال: على أولادي، ثم على أولاد ولادي ثم تناسلوا بطنًا بعد بطن، أو لم يقل: بطنًا بعد بطن: يقدم البطن الأول، وكذا البطن الثاني مع الثالث والرابع، وإن سفلوا.
وكذلك: لو قال: على أولادي وأولاد أولادي؛ الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب: يراعى على الترتيب.
ولو قال: على أولادي وأولاد أولادي بطنًا بعد بطن: يسوى بين الكل، وقوله: "بطنًا بعد بطن": للتعميم.
وقال الزيادي: يراعى الترتيب، ولو قال: على أولادي، ثم على أولاد أولادي، وأولاد أولاد أولادي ماتناسلوا: يراعى الترتيب بين البطن الأول والثاني، ثم من بعد البطن الأول: يسوى بين الثاني والثالث ومن بعدهم.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
ولو قال: على زيد وعمرو وبكر، ثم على الفقراء، فإذا مات واحد منهم: صرف نصيبه إلى الآخرين، فإذا مات الثاني: صرف الكل إلى الثالث، وما دام واحد من الثلاثة باقيًا: لا يصرف شيء منه إلى الفقراء؛ لأن شرط الانتقال إلى الفقراء انقراض الثلاثة.
ولو قال وقفت على فلان وفلان وفلان: فإذا مات واحد منهم- فنصيبه لولده، فإن لم يكن له ولد، فلأهل الوقف، فإذا مات واحد منهم، وله ولد: فنصيبه لولده، ثم إذا مات آخر، ولا ولد له: فنصيبه لذلك الولد وللشريك الثالث.
لوو قال: وقفت هذا على أولادي سنة، ثم بعده للفقراء: [جاز، وصرف بعد سنة إلى الفقراء.
ولو قال: وقفت على الفقراء] سنة، ثم بعدها يصرف إلى أولادي عشر سنين، ثم بعد عشر سنين: يصرف إلى الفقراء: جاز، ويراعى شرطه.
ولا يجوز تغيير الوقف؛ فلو وقف بستانًا: لا يجوز أن يُجعل دارًا ولو وقف دارًا: لا يجوز أن تجعل بستانًا، فلو هدم رجل الدار أو قطع أشجار البستان: يؤخذ منه الضمان، فيبنى ويغرس وينفقه الحاكم: ولو انهدم البناء أو انقلعت أشجار البساتين: يشغل الأرض، فيبنى ويغرس من غلتها.
ولو وقف مسجدًا، فخرب أو تخلى أهل المحلة: لا يجوز بيع تلك الأرض؛ لأن ما زال الملك عنه لحق الله تعالى لا يعود [إلى الملك]؛ كما لو أعتق عبدًا، ثم زمن، لا يرد إلى الملك، ويجوز أن يصرف ما بقي من الآت ذلك المسجد إلى عمارة مسجد آخر، ولا يجوز أن يصرف إلى عمارة حوض أو بئر، وكذلك البئر الموقوفة إذا خربت يجوز صرف أجرها إلى عمارة بئر أخرى، أو حوض، ولا يجوز أن يصرف إلى عمارة مسجد؛ لأن شرط الواقف يراعي ما أمكن؛ وكل ما اشترى للمسجد مما يحتاج إليه من الآجر والطين والحصير، والحشيش- لا يجوز بيع شيء منها، وكلها في حكم المسجد؛ لأنها صارت كجزء من أجزائه. فإن بلي شيء منها؛ بحيث لا يحتاج إليه المسجد؛ كالسقوف العفنة، والحصر البالية- هل يجوز بيعها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، ويصرف ثمنها إلى المسجد؛ لأنها لو تركت لضاعت.
والثاني: وهو الأصح: لا يجوز؛ كما لا يجوز بيع أرض المسجد، وكذلك أستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة، ولا جمال- هل يجوز بيعها، وصرف ثمنها إلى ستر آخر؟ فيه
[ ٤ / ٥٢٤ ]
وجهان: [وكذلك لو وقف شجرة فجفت أو بهيمة فزمنت هل يباع فيها وجهان] أصحهما: لا [يجوز] كالمسجد.
والثاني: يباع؛ لأنها تضيع، وأرض المسجد يمكن الصلاة فيها، وتقبل العمارة ولو وقف مرجلًا فتلف في يد الموقوف عليه من غير تعد- لا ضمان عليه؛ لأنه مستحق للانتفاع به؛ كالمستأجر- فلو كسره إنسان أخذ الضمان، وأنفق على إصلاحه. وإن انكسر، فإن تبرع رجل بإصلاحه وإلا يتخذ منه مرجل أصغر فينفق الفضل على إصلاحه؛ فإن لم يمكن أن يتخذ منه مرجل، يتخذ ما أمكن من معرفة أو نحوها.
ولو وقفت شجرة على إنسان؛ هل يجوز قطع أغصانها، وبيعها؟ قال ابن سريج: إن وقف أصل الشجرة دون الأغصان، فالأغصان كالثمار؛ يجوز بيعها، وإلا فالغصن كأصل الشجرة. ولو وقف شيء على المسجد، يصرف إلى عمارته، ولا يصرف إلى الحصير والدهن؛ لأنه ليس من المسجد؛ فإن وقف على مصلحة المسجد، يجوز صرفه إلى الحصير والدهن والفرش، ولا يجوز تنقيش المسجد من شيء وقف على المسجد، أو جعل للمسجد، ويجوز التجصيص إن كان فيه إحكام.
ولو وقف ثورًا للإنزاء، جاز، ولا يجوز استعماله في الحرث. ولو وقف دابة على رجل؛ للركوب؛ ولم يجعل له درهًا، ووبرها- فحكم الدر والوبر حكم ما لو وقف شيئًا على زيد؛ ولم يقل بعده على من.
قال الشيخ ﵀: ينبغي أن [يكون القيم في الوقف] هو الواقف؛ فإن عُمر﵁-[كان يلي صدقته.
فإن مات وقد نصب قيمًا، فقيمه أولى بالقيام عليه فإن عمر﵁] جعل أمر صدقته إلى حفصة﵂- فلو جعل للقيم سهمًا من الغلة، يجوز وإن لم ينصب قيمًا؛ نظر: إن كان وقف على جماعة غير متعينين؛ كالفقراء والمساكين، أو على مسجد أو رباط- فأمره إلى الحاكم وإن وقف على متعينين: فإن قلنا: الملك في رقبة الوقف للواقف، أو زال إلى الله- تعالى- فأمره إلى الحاكم.
وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فأمره إلى الموقوف عليه.
ولو جعل الواقف النظر فيه إلى عدلين من ولده- كان ذلك إليهما- فإن لم يكن فيهم إلا
[ ٤ / ٥٢٥ ]
عدل واحد- ضم الحاكم إليه عدلًا آخر؛ لأن الواقف لم يرض فيه برأي واحد. فلو اختلف أرباب الوقف في شرائط الوقف- رجع إلى الواقف إن كان حيًا، وإن لم يكن حيًا جعل بينهم بالتسوية والله أعلم.
باب: الهبات
روي عن عائشة﵂- عن النبيﷺ- قال: "تهادوا؛ فإن الهدية تذهب بالضغائن".
[ ٤ / ٥٢٦ ]
والهبة: مندوب إليها.
ولا تصح إلا ممن يصح منه البيع، ولا تنعقد إلا بالإيجاب والقبول على الفور؛ كالبيع، وإذا قيل: لا يحصل الملك للمتهب ما لم يقبضه بإذن الواهب، فإذا قبضه: حصل له الملك حالة القبض؛ هذا هو المذهب.
وفيه قول آخر: أنه إذا قبض: يتبين أنه ملك بالعقد.
والأول المذهب.
وعند مالك: يملك بالعقد؛ كما في البيع.
قلنا: البيع معاوضة قوية، فلا يستدعي القبض بحصول الملك، والهبة تبرع ضعيف فيستدعي القبض، والقبض في العقار يحصل بالتخلية وفي المنقول: لا يحصل إلا بالنقل، فإن وضع بين يدي المتهب: لا يحصل القبض، ولا يختص القبض بمجلس العقد، ولا يحصل إلا بإذن الواهب؛ فإن قبض دون إذنه: دخل في ضمانه، ولم يملكه، وإن أذن له في القبض، ثم رجع- نظر: إن رجع بعدما قبض: فلا معنى لرجوعه، وقد تم ملكه، وإن رجع قبل أن
[ ٤ / ٥٢٧ ]
يقبض: لم يصح قبضه بعده.
ولو كان الموهوب عبدًا، فأمر الواهب المتهب بإعتاقه، أو المتهب الواهب فأعتقه، أو كان طعامًا، فأمره الواهب بأ: له، فأكله: كان قبضًا.
ولو مات الواهب أو المتهب أو جن أحدهما أو أغمي عليه قبل القبض: فقد قيل: يبطل العقد؛ لأنه عقد جائز، كالشركة.
والصحيح: أنه لا يبطل؛ لأنه يفضي إلى اللزوم بخلاف الشركة، ففي موت الواهب: إن شاء وارثه سلم، وإن مات المتهب قبض الوارث إن سلم إليه، وفي الجنون والإغماء: يقبض بعد الإفاقة، ولا يصح القبض في حال الجنون، ولو وهب في الصحة، وأقبض في مرض الموت يعتبر من الثلث؛ كما لو وهب من وارثه في حال الصحة، وأقبض في مرض الموت: لم يصح؛ كما لو وهب في المرض؛ والدليل عليه: ما روي عن أبي بكر الصديق﵁- أنه نحل عائشة جاد عشرني وسقًا، فلما مرض قال: وددت أنك قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث.
ولو وكل المتهب وكيلًا بالقبض أو الواهب وكل بالإقباض، يجوز.
ولو وهب من إنسان شيئًا، والشيء في يد المتهب: يشترط مضي إمكان القبض حتى يحصل الملك، ويشترط الإذن في القبض على ظاهر المذهب؛ كما ذكرنا في "الرهن".
ولو وهب لصبي أو مجنون شيئًا، فقبله قيمه أو الحاكم: جاز:
ولا يصح قبول متعهد الصبي، إذا لم يكن قيمًا.
وعند أبي حنيفة: يصح.
ولو وهب الأب لولده الطفل شيئًا، أو الجد أب الأب لناقلته، وتولى طرفي العقد: جاز، وهل يحتاج إلى لفظي الإيجاب والقبول، أم يجوز أن يقتصر على واحد فيه وجهان؛ كالبيع.
ويقبض له من نفسه.
أما الوصي أو القيم إذا وهب للصبي شيئًا: فلا يقبل لنفسه بل يقبله الحاكم، أو يأمر الحاكم من يقبل عنه.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
ولو وهب لعبد إنسان شيئًا: فهو هبة لسيده، وهل يصح قبوله بغير إذن السيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ كما لو اشترى شيئًا بغير إذنه: لا يصح.
والثاني: يصح؛ لأنه مجرد اكتساب لا يعقب الضمان؛ كالاحتطاب؛ بخلاف الشراء؛ فإنه يعقب الضمان.
ولا تصح هبة المجهول وما لا يقدر على تسليمه؛ كما لا يصح بيعه.
وتصح هبة المشاع من شريك وغير شريكه، سواء كان مما ينقسم أو لا ينقسم، ويكون قبضه بقبض الكل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- لا تصح من غير شريكه، إذا كان مما ينقسم، وكذلك: إذا وهب أرضًا مزروعة دون الزرع، أو وهب الزرع دون الأرض: يجوز.
وعنده: لا يجوز.
ولا تجوز هبة الدين من غير من عليه الدين، ويجوز ممن عليه، وهو إبراء، ثم إن أسقطه بلفظ الإبراء: أسقط من غير قبول ممن عليه؛ هذا هو المذهب؛ لأنه محض إسقاط لا تمليك فيه؛ كالعتق، والطلاق، والعفو عن القصاص يصح من غير قبول.
وذكر ابن سريج وجهًا أنه يشترط القبول في الإبراء؛ كالهبة والوصية.
والأول المذهب.
فعلى هذا: إن أسقطه بلفظ الهبة: يصح، وهل يحتاج إلى القبول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحتاج كالإبراء.
والثاني: يحتاج مراعاة للفظ، وكل شرط يفسد البيع: يفسد الهبة؛ فإن وهب بشرط ألا يتصرف فيه، أو إلى مدة، إذا مضت: عاد إليه ونحو ذلك، والمقبوض بحكم الهبة الفاسدة، إذا تلف في يد المتهب: هل يلزمه الضمان؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزمه؛ كالمقبوض بحكم البيع الفاسد.
والثاني: لا يضمن؛ لأن الواهب رضي بسقوط ضمانه.
فصلٌ
إذا تصدق على إنسان بشيء: لا يلزم المتصدق عليه أن يثيبه بشيء في الدنيا، إنما الصدقة لثواب الآخرة، أما الهبة المطلقة: هل تقتضي الثواب؟ نظر: إن وهب لمن دونه شيئًا
[ ٤ / ٥٢٩ ]
أو لنظيره: فلا يلزم الثواب؛ لأن الأمير إذا خلع على بعض الرعايا: لا يطمع منه عليه ثوابًا؛ وكذلك: الرجل يهب لنظيره شيئًا يقصد به المودة وتأكيد الصداقة لا الثواب.
أما هبة الأدنى من الأعلى: هل تقتضي الثواب؟ فيه قولان:
قال في الجديد- وهو الأصح-: لا تقتضي الثواب؛ كهبة النظير من النظير؛ وهذا لأن الأعيان كالمنافع، ولو أعار داره من إنسان: لا يلزم المستعير شيء، سواء كان مثله أو فوقه.
وقال في القديم: تقتضي الثواب؛ لأن الغالب أن الأدنى يهدي إلى الأعلى لطمع ثواب، فصار كالمشروط.
فإن قلنا: لا تقتضي الثواب: فلو شرط ثوابًا مجهولًا: تبطل الهبة، ولو شرط ثوابًا معلومًا: فيه قولان:
أحدهما: تبطل؛ لأنه خلاف مقتضى العقد، فعلى هذا يكون حكمه حكم البيع الفاسد في جميع أحكامه.
والثاني: تصح؛ لأنه معاوضة مال بمال؛ كالبيع؛ فعلى هذا: هل يكون ذلك بيعًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون بيعًا؛ اعتبارًا بالمعنى؛ حتى يثبت فيه الخيار والشفعة، ويلزم قبل القبض.
والثاني: أنه هبة؛ اعتبارًا باللفظ؛ فلا يثبت فيه الخيار، ولا تثبت فيه الشفعة، ولا تلزم قبل القبض؛ فعلى الوجهين جميعًا: لو وهب درهمًا بشرط ثواب درهمين: لا يصح، ويكون ربًا، وإن قلنا بقوله القديم: إنه يقتضي الثواب: ففي قدره: أربعة أوجه:
أحدها: يلزمه حتى يرضى الواهب؛ والدليل عليه ما روي عن طاوس؛ أن أعرابيًا وهب للنبيﷺ- ناقة، فأثابه عليها، فلم يرض فزاده، فلم يرض- حسبت أنه قال: ثلاث مرات، فلم يرض- فقال النبيﷺ-: "لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي،
[ ٤ / ٥٣٠ ]
ويروى مثله عن أبي هريرة مرفوعًا؛ فعلى هذا: إن وفى الموهوب له ذلك؛ وإلا رد الهبة؛ لأنها ملك الواهب؛ فلا يستحق عليه إلا بما يرضى.
والوجه الثاني: يلزمه ما جرت به العادة في ثواب مثله.
والثالث: يلزمه قدر ما يقع عليه الاسم، وإن قل، وبه قال أبو حنيفة، رحمة الله عليه-.
والرابع: يلزمه قدر قيمة الموهوب؛ لأنه عقد يوجب العوض، فإذا لم يكن فيه مسمى: يجب عوض المثل، كالنكاح، إذا لم يكن فيه مسمى: يجب مهر المثل، ولو لم يثبت للواهب الرجوع، وللمتهب أن يرد فلا تثبت، فلو تلف في يد المتهب قبل أن يثبت عليه قيمته؛ لأن كل عين كان له الرجوع بها: فإذا تلف رجع بقيمتها، وإن نقصت رجع بالأرش، ولو شرط الثواب على القول القديم- نظر: إن شرط ثوابًا مجهولًا: صح لأنه قضية العقد، فإن تلفت العين: ضمن ذلك العوض، وإن شرط ثوابًا معلومًا- فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه خلاف قضية العقد؛ لأن مقتضى العقد: أن يلزمه ثواب غير معلوم.
والثاني: يصح، ويلزمه ما سمي؛ لأنه لما صح العقد بعوض مجهول: فبالمعلوم أولى أن يصح، وعلى هذا القول لو شرط أن لا ثواب له- فيه وجهان:
[ ٤ / ٥٣١ ]
أحدهما: لا يصح؛ لأنه خلاف قضية العقد.
والثاني: وهو الأصح: يصح لأنه أسقط حقه.
ولو اختلفا، فقال الواهب: وهبتك ببدل، وقال الموهوب له: بلا بدل- فيه وجهان:
أحدهما: القول قول الواهب مع يمينه؛ لأنه لم يقر بخروجه عن ملكه بلا بدل.
والثاني: القول قول الموهوب له مع يمينه؛ لأن الواهب يقر بالهبة، ويدعي عوضًا، والأصل عدمه، والله أعلم بالصواب.
باب: العمرى والرقبى
روي عن جابر، عن النبيﷺ- قال: "العمرى ميراث لأهلها".
العمرى: جائزة عند عامة أهل العلم، وهي نوع من الهبة.
وصورتها: أن يقول الرجل لغيره: أعمرتك هذه الدار، أو هذه العين، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت أو جعلتها لك عمرًا، أو قال: داري لك عمرك- نظر: إن قال: ولعقبك من بعدك، أو لورثتك من بعدك: فهي عطية صحيحة؛ يشترط فيها القبول والقبض، كالهبة، وإذا قبض-: لزم، وإذا مات: كانت لورثته، وإن لم يكن له وارث: فلبيت المال، ولا يعود إلى المعطي بحال.
وإن لم يقل: ما دامت فلورثتك، ولعقبك: ففيه قولان:
[ ٤ / ٥٣٢ ]
قال في الجديد- وهو الأصح: إنها صحيحة، وتكون له حياته، وإذا مات تكون لورثته، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أن النبيﷺ- قال: "العمرى ميراث لأهلها"؛ ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة: بحياة المالك، ثم تنتقل إلى الوارث، فلم يكن ما جعله له في حياته منافيًا للأملاك المستقرة.
وفي القديم: اختلف أصحابنا فيه:
الأكثرون قالوا: إنها باطلة؛ لأنه تمليك غير مقدر بمدة؛ فصار كما لو قال: أعمرتك سنة، أو أعمرتك حياة زيد.
وقال أبو إسحاق، في القديم: يكون عارية متى شاء استرده، وإذا مات عاد إلى المعمر وحجة القول القديم: ما روي عن جابر؛ أن النبيﷺ- قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه؛ فإنها للذي أعطيها؛ لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث".
شرط في صحة الإعمار: أن يعمر له ولعقبه.
وروي عن جابر: "إنما العمرى التي أجاز رسول اللهﷺ- أن يقول: هي لك ولعقبك".
فأما إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها.
أما إذا قال: جعلتها لك عمرك أو حياتك؛ فإن مت عادت إلي، إن كنت حيًا وإلى
[ ٤ / ٥٣٣ ]
وارثي، إن كنت ميتًا: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال- وهو الأصح: حكمه حكم ما لو أطلق، فقال: هي لك عمرك، ولم يشرط الرجوع إليه، وشرط الرجوع إليه بعد الموت باطل، ولم يؤثر ذلك في العطية؛ لأن من ملك شيئًا لا يملكه أكثر من عمره.
ومنهم من قال: هذا لا يصح؛ لأنه لما منع شرطه أن يكون موروثًا لعقبه: فقد منع التأبيد؛ بخلاف ما لو أطلق.
ولو قال جعلتها لك عمري، أو حياتي: فقد قيل: هو كما لو قال: عمرك أو حياتك.
وقيل: لا يصح ههنا؛ لأنه لم يجعل له جميع حياة المعمر فإنه: يجوز أن يموت المعطي قبله؛ كما لو قال: عمر زيد: لا يجوز؛ لأنه يجوز أن يموت زيد قبل موت الموهوب له.
وأما الرقبى- فصورتها: أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو جعلتها لك رقبى، أو أعطيتك أو وهبت لك عمرك على أنك: إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك يقرر ملكك، سمي "رقبى"؛ لأن كل واحد يرقب موت صاحبه: فالمذهب أن هذا على قولين:
أصح القولين: أنها جائزة، ويلغو الشرط، وإذا مات المعمر: كان لوارثه؛ كما لو أعمره مطلقًا؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي ﷺ- قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا؛ فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو سبيل الميراث".
وقوله: "لا تعمروا ولا ترقبوا": ليس على سبيل النهي، بل على سبيل الإرشاد، معناه: لا تعمروا طمعًا في أن تعود إليكم، بل تصير ميراثًا.
وفيه قول آخر: أنه غير صحيح، وهو قول أبي حنيفة، رحمة الله عليه وخرج بعضنا من هذا: أن الشرط الفاسد هل يفسد الهبة، على قولين؛ حتى قالوا: لو قال: وهبتك هذه العين شهرًا، أو ملكتك داري شهرًا، أو وقفت هذا على فلان شهرًا: يصح على أحد القولين، ويلغو الشرط، ويتأبد، كما في العمرى، والمذهب: أن الهبة باطلة بهذا الشرط، وكذلك: الوقف كالبيع ويفارق العمرى؛ لأن الحديث جاء به، ولأنه ملكه حياة الموهوب له، وإطلاق الهبة لا يقتضي أكثر من هذا، وإنما شرط الرجوع إليه بعد موته على الوارث؛ فلم يمنع صحة العقد على قوله الجديد.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
وإذا جوزنا الرقبى على ظاهر المذهب: فقد تكون الرقبى من الجانبين وهو أن يجعل كل واحد منهما داره لصاحبه عمر صاحبه، على أنه إذا مات قبله: عاد إليه، أو كانت الدار مشتركة بين رجلين: جعل كل واحد منهما نصيبه لصاحبه على أنها لآخرنا موتًا: جاز.
ولو قال لإنسان: داري لك حياتك؛ فإن مت فهي لزيد: صحت العطية الأولى، ولم تصح لزيد؛ لأنه جعل للأول حياته؛ فلزم، فلا معنى لإعطائه زيدًا ما لا يملك؛ وكذلك: لو قال: عبدي لك حياتك، ثم هو حر بعد موتك: صحت العطية، ولا معنى للعتق في ملك الغير.
وقوله: "هو حر": كقوله: "إذا مت رجع إلي"؛ وذلك لا يضر العطية؛ كذا هذا.
ولا يجوز تعليق العمرى بأن يقول: إذا قدم فلان: فهذه الدار لك [حياتك، وإذا مات فلان أو إذا جاء رأس الشهر: فهذه لك]؛ لأن تعليق التمليك بالصفة: لا يجوز.
أما إذا علق بموته، فقال: إذا مت- فهذه الدار لك عمرك: يصح، ويعتبر خروجها من الثلث، فإن خرجت: كان عمري، فإن قال: إذا مت- فعبدي أو داري لك، ما دمت حيًا، فإذا مت: رجع إلى ورثتي، أو كان لزيد بعدك؛ فهذا قد أوصى بالعمرى بعد موته؛ فيجوز للموصي أن يرجع قبل موته، فإن لم يرجع حتى مات، وقبل المعمر كان له بعد موته، ثم لورثته، وبطل شرط الرجوع إلى وارث الموصي، وكونها لزيد، والله أعلم.
باب: عطية الرجل ولده
روي عن النعمان بن بشير؛ أن أباه أتى به رسول اللهﷺ- فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: "أكل ولدك نحلت مثله: "فقال: لا، قال: فارجعه". وعن طاوس، أن
[ ٤ / ٥٣٥ ]
النبيﷺ- قال: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد من ولده، ويروى عن ابن عمر، وابن عباس﵄- يرفعان الحديث مثل معناه.
إذا وهب شيئًا من إنسان، وسلم إليه: ليس له أن يرجع فيه إلا الأب يهب لولده؛ فله أن يرجع فيه، للحديث أما الأم وأمهاتها وأمهات الأب والأجداد من قبل الأم: فهل لهم الرجوع فيما وهبوا للناقلة فيه قولان:
أصحهما:- وهو المذهب-: لهم الرجوع؛ كما أنهم سواء في استحقاق النفقة والعتق وسقوط القصاص.
وفيه قول آخر: لا رجوع لهم، وجواز الرجوع يختص بالأب؛ للحديث، أما الجد أب الأب قد قيل فيه قولان؛ كالأم.
والمذهب: أن له الرجوع قولًا واحدًا؛ كالأب، لأنه ولي في التزويج والتصرف في المال؛ كالأب؛ بخلاف الأم والجد من قبل الأم.
أما العم والخال وسائر القرابات- فلا رجوع لهم في الهبة؛ كالأجانب.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-؛ إن وهب من ولده شيئًا، أو من قريبه الذي هو محرم
[ ٤ / ٥٣٧ ]
له؛ كالوالدين والإخوة والأعمام والأخوال: فلا رجوع له، وإن وهب من أجنبي أو من قريب، ليس بمحرم: فله الرجوع؛ والحديث حجة عليه، ولأن الأب قد يرى صلاح الابن في أن يرجع في هبته؛ إما بأن يعوضه ما هو أصلح له، أو يزجره عن فعل ما لا يجوز، أو يريد التسوية بين الأولاد: فرجوعه لا يخلو، عن نوع من الصلاح؛ فكان له الرجوع؛ ولذلك قال رسول اللهﷺ- في حديث النعمان بن بشير لأبيه في نحله ولده "ارجعه"، ولا غرض له في الرجوع في هبة الأجنبي.
[وقيل]: ويحصل الاستيحاش، فلم يجز؛ قال النبيﷺ-: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" وليس لنا مثل السوء.
ويستحب للرجل أن يسوي بين الأولاد في النحلة بين ذكورهم وإناثهم؛ لئلا يحملهم التفضيل على العقوق؛ فقد قال النبيﷺ- في حديث النعمان بن بشير لابنه: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟! قال: بل ىقال: فلا إذن" ويروى أنه قال: "فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم".
[ ٤ / ٥٣٨ ]
وقيل: العدل بينهم: أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
والأصح هو التسوية؛ فلو نحل بعض الأولاد دون البعض: يصح مع الكراهية.
وقال شريح وأحمد: لا يصح؛ وقول النبيﷺ- في حديث النعمان: "ارجعه": دليل على صحة الهبة، والرجوع مكروه، إذا كان قد سوى بين الأولاد أو لم يكن له إلا ولد واحد، فإن كان له أولاد، وقد خص بعضهم بالنحلة: فلا يكره الرجوع، والأولى ألا يرجع ويعطي الآخرين مثله، ولا فرق في ثبوت الرجوع بين أن يكون الوالد والولد [مختلفين، في الدين أو متفقين] ولو تصدق على ولده بشيء: هل يجوز له الرجوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كالهبة.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الصدقة يراد بها ثواب الآخرة، وقد حصل.
ولو وهب، لابن بشرط الثواب، فأثابه الابن: يجوز للأب الرجوع؛ لأن الثواب بر من
[ ٤ / ٥٤٠ ]
الولد وعلى الولد أن يبر أباه في جميع الأ؛ وال.
ولو تداعى رجلان نسب مولود، ووهبا له مالًا: لم يجز لواحد منهما أن يرجع؛ لأنه لم يثبت أنه ابنه؛ فإن ألحق بأحدهما: هل له أن يرجع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه ثبت أنه ولده.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لم يكن الرجوع ثابتًا حالة العقد؛ فلا يثبت بعده.
ولو وهب من عبد ولده شيئًا- فهو كما لو وهب لولده، فله الرجوع؛ وإنما يجوز للأب الرجوع فيما وهب لابنه إذا كان الموهوب قائمًا في ملك الابن: فإن كان تالفًا أو خرج عن ملكه أو كانت جارية. استولدها أو دار أوقفها: لا رجوع له فيه، ولا في قيمته، وإن خرج عن ملكه، وعاد إليه: هل للأب الرجوع فيه؟ فعلى وجهين:
أحدمها: له ذلك؛ لأنه وجد عين ماله.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن هذا الملك لم يحصل له من الأب، وإن كان الابن قد وهبه من إنسان، ولم يقبضه أو رهنه، ولم يقبضه، أو كان عبدًا قد بره: فللأب الرجوع فيه، وإن كان قد رهنه وأقبضه، أو كاتبه: لا يمكنه الرجوع فيه، فإن افتك الرهن، أو عجز عن أداء النجوم: فله الرجوع؛ لأن ملك الابن لم يزل عنه، وإن كان قد أجره الابن، أو كانت جارية، فزوجها: له الرجوع، ولا يفسخ النكاح، ولا الإجارة.
ولو مات الابن، فصار ميراثًا لابن ابنه، أو باعه الابن من ابنه: لا رجوع للجد، وإن كان الابن وهبه من ابنه: فهل للجد الرجوع، سواء كان ابنه حيًا أو ميتًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه خرج عن ملك الموهوب له؛ كما لو باعه.
والثاني: له الرجوع؛ لأن الابن وهبه، ممن له الرجوع في هبته.
ولو أفلس الابن الموهوب له، وحجر عليه القاضي، والموهوب قائم في يده: هل للأب الرجوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه تعلق به حق الغرماء؛ كما لو كان موهوبًا.
والثاني: له ذلك؛ لأن حقه كان سابقًا وإن ارتد الابن، فإن قلنا: ملكه بالردة لا يزول: فللأب أن يرجع، وإن قلنا: زال ملكه: فلا رجوع له، فإذا عاد إلى الإسلام: له أن يرجع؛ لأنا بينا أن ملكه لم يزل، وإن كان الموهوب قائمًا في يد الابن؛ لكنه تغير- نظر: إن كان قد تغير بنقصان: رجع الأب فيه، ولم يكن له أن يغرمه أرش النقصان؛ كما لو كان تالفًا:
[ ٤ / ٥٤١ ]
لم يكن له أن يغرمه القيمة، وإن تغير بزيادة- نظر:
إن كانت الزيادة متصلة؛ مثل سمن الدابة، وكبر الودي، وتعلم الحرفة في العبد: فله أن يرجع فيه مع الزيادة، وإن كانت منفصلة؛ كالولد والكسب وثمرة الشجرة: فله أن يرجع في الأصل، وتبقى الزيادة للابن.
ولو وهب من ولده جارية أو شاة حاملًا، فرجع، وهي حامل بذلك الولد، فله أن يرجع فيها حاملًا، ولو وهبها حاملًا، فوضعت: له الرجوع في الأم، وهل له أخذ الولد؟ فيه قولان:
إن قلنا: الحمل يعرف: فله أخذ الولد؛ كما لو وهب منه شيئين؛ فله أن يرجع فيهما جميعًا، وإن قلنا: الحمل لا يعرف: فليس له أخذ الولد؛ كما لو وهبها حاملًا، فولدت: أخذ الأم دون الولد، ولو وهبها حاملًا، فولدت: فإن قلنا: الحمل لا يعرف: فله أن يأخذها حاملًا، وإن قلنا: الحمل يعرف: فالولد للابن، وهل للأب أن يرجع في الأم أم يصبر حتى يوضع الحمل؟ فيه وجهان:
ولو وهب منه عصيرًا، وتخمر، ثم تخلل: له أن يرجع؛ لأن ملكه- وإن زال بالتخمر- فقد عاد الملك الأول بالتخلل؛ بدليل أنه لو رهن عصيرًا؛ فتخمر، ثم تخلل: عاد رهنًا، ولو وهب حنطة، فبذرها الابن، فنبتت، أو بيضة، فصارت فرخًا: فلا رجوع له.
قال الشيخ﵀-: هذا يبنى على أنه هل يجب على الغاصب البدل أم لا؟ إن لم نوجب البدل على الغاصب: جعلنا عين ماله قائمة: فله الرجوع فيها، وإن أوجبنا البدل: إن جعلناها هالكة: فلا رجوع له ههنا- وإن كان الموهوب ثوبًا، فصبغه الابن: فللأب أن يرجع فيه، ويكون الابن شريكًا معه فيه، وإن كان قصره، أو كان غزلًا، فنسجه، أو حنطة، فطحنها: رجع فيه الأب.
قال الشيخ﵀-: وهل يكون الابن شريكًا فيه؟ إن زادت قيمته، وجعلنا فعله عينًا: يكون شريكًا فيه؛ وإلا فلا؛ كما في الإفلاس، وإن كان الموهوب أرضًا، فغرس، أو بنى فيها الابن: فللأب الرجوع في الأرض، ولا حق له في الغراس والبناء؛ كما ذكرنا في "التفليس"؛ وكل موضع أثبتنا الرجوع، فيحصل الرجوع بقوله: رجعت أو أبطلت الهبة، فلو لم يرجع صريحًا؛ لكن باعه من آخر، ووهبه: فهل يكون رجوعًا؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٥٤٢ ]
أصحهما: لا يكون رجوعًا؛ كما لو باع المبيع في زمان الخيار؛ يكون فسخًا.
والأول: المذهب؛ أنه لا يكون رجوعًا؛ بخلاف البيع في زمان الخيار؛ لأن ملك المشتري في زمان الخيار ضعيف؛ فلم يمنع تصرف البائع وملك الابن على الموهوب قائم؛ بدليل نفوذ تصرفاته فيه؛ فلم ينفذ تصرف الواهب، فإن قلنا: يكون رجوعًا: فهل تصح الهبة والبيع؟ فيه وجهان؛ كالبيع في زمان الخيار.
ولو أعتقه الأب، أو كان طعامًا، فأكله، أو جارية فوطئها: فالصحيح: أنه لا يكون رجوعًا حتى لا ينفذ العتق، وإذا استولد بالوطء: يجب عليه قيمتها، وإن كان طعامًا، فأكله يجب عليه قيمته، وإذا رجع الأب في الهبة، فقبل أن يسترده: يكون أمانة في يد الابن حتى لو هلك في يده: لا ضمان عليه؛ بخلاف ما لو فسخ البيع: كان المبيع مضمونًا على المشتري؛ لأنه أخذه في الابتداء على حكم الضمان.
فصل في بيان حكم الهدية
روي عن رسول اللهﷺ- أنه قال: "يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة بجارتها، ولو مرسن شاة".
الهدية مندوب إليها؛ قالت عائشة﵂-: كان النبيﷺ- يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا يستحقر المهدي القليل، فيمتنع من أن يهدى به؛ للحديث، وقد قال النبيﷺ- في الصدقة: اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولا يستنكف المهدى إليه من قبول القليل"؛ قال النبيﷺ-: "لو أهدي إلي ذراع: لقبلت، ولو دعيت إلى كراع: لأجبت"، ولا تحتاج الهدية إلى إيجاب وقبول؛ لأنها ليست بعقد؛ كالصدقة؛ بل البعث من
[ ٤ / ٥٤٣ ]
جهة المهدي كالإيجاب، والقبض من المهدى إليه كالقبول، ولا تتم إلا بالقبض؛ حتى لو وعد إنسانًا هدية أو صدقة: فإن شاء وفاه، وإن شاء لم يف، والوفاء بالموعود أليق بحال أهل الإيمان، ولا رجوع في واحد منهما بعد القبض، ولو بعث هدية إلى إنسان على يد رسول، فمات المهدي قبل وصولها على المبعوث إليه: كان لورثة المهدي، ولو أرسل هدية في ظرف: يكون الظرف أمانة في يد المهدى إليه: فإن استعمله في غير الهدية ضمن، وإن كان شيئًا جرت العادة بتفريغ الظرف منه: يجب أن يفرغ، وإن جرت العادة بالتناول منه: جاز أن يتناول منه.
قال الشيخ﵀-: فإن تناول منه: كان كالمستعار، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم