روي عن أنس قال: قدم رسول اللهﷺ- المدنية- ولهم يومان يلعبون فيهما- فقال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول اللهﷺ-: "إن الله
[ ٢ / ٣٧٠ ]
قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفِطر".
صلاة العيد سُنَّة مؤكدة. وقال الإصطخري: فرض على الكفاية. وقال أبو حنيفة: واجبة، وليست بفريضة.
[ ٢ / ٣٧١ ]
فإن قلنا: هي سنة- وهو المذهب- فإذا اتفق أهل بلد على تركها؛ هل يجب قتالهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقاتلون عليه؛ كسائر التطوعات إذا تركوها.
والثاني: يقاتلون عليه؛ لأنه من شعار الإسلام، ففي تركها تهاونٌ بالشرع، بخلاف سائر التطوعات؛ فإنها تؤدي فرادى، فلا يظهر تركها.
ولا يشترط في صلاة العيد ما يشترط في الجمعة من: عدد الأربعين، والجماعة، ودار الإقامة. [هذا هو المذهب؛ كصلاة الخسوف.
وفيه قول آخر- وبه قال أبو حنيفة-: يشترط فيه ما يشترط في الجمعة من: العدد، والجماعة، ودار الإقامة]. ولا تؤدي في بلد إلا في موضع واحد. ويستحب إظهار التكبير ليلتي العيد في: المنازل، والمساجد، والطرق، والأسواق؛ مسافرين كانوا أو حضورًا. وفي يوم العيد في طريق المصلَّى، وبالمصلَّى حتى يفتتح الإمام الصلاة.
أما من كان حاجًا: فذكره التلبية ليلة الأضحى. وقال أبو حنيفة: لا يسن التكبير ليلة الفطر. والحجة عليه: قوله ﷿: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وروي مثل قولنا عن ابن عمر، وعروة، وبه قال ابن المسيب، وأبو سلمة.
ويستحب أن يغتسل يوم العيد، ويتنظَّف، ويحلق الشعر، ويقلم الظفر، وما يقطع الرائحة، ويتطيب، ويلبس أحسن ما يجد ويتعمَّم. والثياب البيض أحبُّ إلينا. ومن لم يكن له إلا ثوب واحدي ستحب أن يغسله لعيده وجمعته، يستوي فيه من يريد حضور المصلَّى، ومن لا يريد؛ لأن المقصود منه إظهار الزينة والجمال؛ وذلك عام لجميع المسلمين.
ويستحب للقوم بعد ما صلوا الصبح يوم العيد: أن يغدوا إلى المصلى؛ لأخذ مجالسهم، ويختاروا قرب الإمام، ويكون خروج الإمام في وقت يمكنه افتتاح الصلاة. وهو بعد ارتفاع الشمس قيد رُمح؛ حتى لا يحتاج إلى انتظار القوم. ووقت صلاة العيد من حين ترتفع الشمس إلى وقت الزوال.
ويستحب في عيد الفطر بعد دخول وقت الصلاة: أن يؤخر الخروج قليلًا، ويعجل الخروج في عيد الأضحى؛ لما روي أن النبيﷺ- كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الأضحى، وأخِّر الفطر، وذكِّر الناس.
والمعنى فيه: أن في عيد الفطر يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة؛ فيؤخر الصلاة لأجلها.
والسُّنة في عيد الفطر: أن يطعم شيئًا قبل الخروج إلى الصلاة، ولا يطعم في عيد الأضحى حتى يرجع؛ لما روي عن أنس قال: كان رسول اللهﷺ- لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهنَّ وترًا.
وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان النبيﷺ- لا يخرج يوم الفطر، حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي.
والسنة للإمام والقوم: أن يمشوا إلى المصلى؛ لأن النبيﷺ- ما ركب في عيد، ولا جنازة قط. فإن عجز عن المشي ركب. أما في الرجوع: فله أن يركب مع القدرة؛ لأنه رجوع عن الطاعة، فلا يحتسب خطاه.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ويستحب أن يصلي صلاة العيد في الصحراء؛ فإن النبيﷺ- كان يخرج إلى الصحراء؛ لأنه أرفق بالناس؛ فإنه يحضرها القاصي والداني، والنساء والصبيان. فإن كان المسجد واسعًا يسعهم، ففي المسجد؛ خصوصًا إذا كان له شرف أفضل؛ لأن الأئمة لم يزالوا يصلون بـ "مكة" في المسجد صلاة العيد. كذلك في "بيت المقدس". فإن خرج إلى الصحراء يجوز. وإن كان المسجد ضيقًا، فالصحراء أولى؛ حتى لا يقع الناس في الزِّحام؛ لضيق المكان. فإن كان عذر من مطر وغيره، يصلي بهم في المسجد [الجامع]. فلو تفرقوا في المسجد، جاز. وإذا خرج الإمام إلى المصلى، يستحب أن يأمر من يصلي بضعفة الناس الذين لا يمكنهم حضور المصلى في موضع من المصْرِ.
وليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة، فإذا بلغ الإمام المصلى ينادي: "الصلاة جامعة". ويفتتح الصلاة بالتكبير، فإذا كبر للافتتاح يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات سوى تكبيرة الافتتاح، يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة ويستحب أن يقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فإذا فرغ من التكبيرة السابعة تعوذ، وقرأ بأم القرآن، وسورة "ق". فإذا قام إلى الركعة الثانية، كبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام، يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة من هذه الخمس، ويسبح بين كل تكبيرتين؛ كما في الركعة الأولى، ثم يقرأ بأم القرآن، وسورة ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ﴾ ويجهر بالقراءة.
وقال مالك: يكبر في الأولى سبعًا مع تكبيرة الافتتاح؛ وهو قول ابن عباس.
وقال أبو حنيفة: يكبر في الأولى ثلاثًا قبل القراءة سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية ثلاثًا بعد القراءة، ولا يقرأ بين التكبيرتين شيئًا.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
دليلنا: ما روي عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول اللهﷺ كان يكبِّر في الفطر والأضحى: في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا.
وعن جعفر بن محمد: أن النبيﷺ- وأبا بكر وعمر- كبروا في العيدين والاستسقاء سبعًا وخمسًا، وصلوا قبل الخُطبة، وجهروا بالقراءة.
وعن علي مثله؛ وهذا قول أكثر أهل العلم.
روي عن [أبي واقدٍ] الليثي، عن رسول اللهﷺ أنه كان يقرأ يوم الفِطر والأضحى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وعن النعمان بن بشير قال كان رسول اللهﷺ- يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
ولو نسي التكبيرات الزوائد، فتذكرها بعد ما ركع مضى، ولا يعود، ولو عاد بطلت صلاته. ولا يسجد للسهو؛ كما لو ترك التعوذ، وقراءة السورة. ولو تذكر قبل الركوع: نظر إن كان قبل أن يبتدئ القراءة كبر، وإن تذكر بعد ما ابتدأ القراءة، أو فرغ منها- في الجديد: لا يكبر؛ كما لو ترك دعاء الاستفتاح، فتذكر بعد ما اشتغل بالتكبيرات أو بالقراءة لا يعود إليه. وفي القديم: يكبر، ثم يعيد القراءة؛ لأنه في محل التكبير؛ وهو القيام، بخلاف دعاء الاستفتاح؛ لأنه لافتتاح الصلاة، وقد فات الافتتاح.
ولو أدرك الإمام بعد ما فرغ من التكبيرات، لا يكبر؛ كما لو أدركه بعد الركوع
[ ٢ / ٣٧٦ ]
لا يقرأ. وقال في القديم: يكبر؛ لأن محله القيام وقد أدركه. ولو ترك الإمام بعض التكبيرات؛ هل يأتي به المأموم؛ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو ترك القنوت لا يأتي به المأموم؛ لأنه ليس فيه كثير مخالفة.
وقال الشيخ ﵀: ولا خلاف: أنه لو أتى به لا تبطل صلاته؛ بخلاف القنوت؛ لأن الإمام انتقل عن ركن القنوت، وها هنا لم ينتقل عن محلِّ التكبير.
وإذا أدركه مسبوق في الثانية يكبر معه خمسًا، فإذا قام للثانية لا يكبر إلا خمسًا؛ لأن في قضائه ترك سنة أخرى، بخلاف صلاة الجنازة؛ يقضي بعد تسليم الإمام ما فات؛ لأنها أركان؛ وقيل: إن أدرك الإمام في الثانية، كبر سبعًا.
ولو صلى العيد خلف من يكبر ثلاثًا أو ستًا؛ هل يتبع الإمام في رأيه؟ فيه قولان:
أحدهما: يتبعه؛ لقول النبيﷺ-: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ فلا تختلفوا عليه". وكما لو صلى الصبح خلف من لا يرى القنوت، لا يقنت، ويتابع الإمام.
والثاني: يكبر على اعتقاده؛ لأنه ليس فيه مخالفة ظاهرة، بخلاف القنوت.
ولو صلى على جنازة خلف من يكبر خمسًا؛ هل يتبعه؟ فعلى قولين؛ كصلاة العيد. وقيل: في صلاة الجنازة لا يتابعه في الخامسة؛ وبه قال أبو حنيفة؛ وعنده: يتابع في صلاة العيد في سبع تكبيرات؛ لأن السبع صحيح؛ وكثير من العلماء عليه اليوم، وليس على الخمس في صلاة الجنازة أحد اليوم، وإن كان في الصدر الأول فهو متروك في صلاة الجنازة وإذا لم يتبعه ماذا يفعل؟ فيه وجهان:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة: يسلم.
والثاني: ينتظر الإمام حتى يسلم معه، فإذا فرغ الإمام من صلاة العيد، صعد المنبر، وأقبل بوجهه على الناس، وسلم. وهل يجلس قبل الخطبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نص عليه الشافعي في الأم-: يجلس بقدر أذان، ثم يقوم؛ كما في خطبة الجمعة.
والثاني: لا يجلس، بخلاف الجمعة؛ فإنه يجلس فيها؛ لفراغ المؤذنين، وليس في العيد أذان. ويخطب خطبتين قائمًا يجلس بينهما جلسة خفيفة- كما ذكرنا في خطبة الجمعة- ويستحب أن يفتتح الخُطبة الأولى بتسع تكبيرات تترى والثانية بسبع تكبيرات.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: هو من السنة. وتجوز خطبة العيد قاعدًا مع القدرة؛ لأن النبيﷺ- خطب على راحلته يوم العيد؛ لأنها ليست بفرض؛ كصلاة العيد تجوز قاعدًا.
وأركان الخطبة ما ذكرنا في خطبة الجمعة. ثم بعد ما أمرهم في الخُطبة بطاعة الله، ونهاهم عن معصيته- علمهم في عيد الفطر كيفية إخراج صدقة الفطر، وكميتها. وفي عيد الأضحى علَّمهم الأضحية، وما يجوز منها، وما لا يجوز، وإلى متى يجوز؟ وحضَّهم عليها، ودعا للمؤمنين. ثم نزل، وانصرف.
ومن حضر- والإمام يخطب- جلس، واستمع الخطبة، ثم قضى الصلاة: إن شاء في الصحراء، وإن شاء في بيته إذا رجع. وإن كان يصلي في المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، فإذا صلى صلاة العيد كان أولى؛ كما لو دخل المسجد وعليه مكتوبة فأداؤها أولى، ويحصل في ضمنه تحية المسجد؛ قاله أبو إسحاق. وهو الأصح.
وقال ابن أبي هريرة: يصلي تحية المسجد، ولا يصلي صلاة العيد؛ لأن الإمام لم يفرغ من سنة العيد؛ فلا يشتغل هو بالقضاء.
ويستحب: أن يرجع إلى بيته من غير الطريق الذي جاء.
روي عن أبي هريرة قال: كان النبيﷺ- إذا خرج يوم العيد من طريق، رجع في غيره.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
واختلفوا في: أن النبيﷺ- لم كان يفعله؟ قيل: كان يفعله حذرًا من كيد المنافقين؛ كما كان إذا أراد سفرًا ورَّى بغيره والصحيح: أنه كان يسلك الطريق الأبعد في الذهاب؛ لأنه ذهاب إلى الطاعة فتحتسب خطاه، ويرجع من الأقصر.
ويجوز التنفُّل قبل صلاة العيد وبعدها؛ في البيت، وفي الطريق، وبالمصلى ولا يكره. وقال أبو حنيفة: يكره بالمصلَّى قبل صلاة العيد، وبعدها: ويجوز للمنفرد، والعبد، والمسافر، والمرأة- أن يصلوا صلاة العيد في البلد، وفي الطريق وإذا فاتت يقضي، بخلاف صلاة الجمعة؛ فإنها معدولةٌ عن فرض بشرائط. ويستحب للعجائز اللاتي لا يخاف منهن الفتنة حضور المصلى للعيد، ويتنظفن بالغسل، ولا يلبسن شهرة الثياب، ولا يتطيَّبن.
روي عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج الحيَّض يوم العيدين، وذوات الخدور؛ فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، وتعتزل الحُيَّض عن مصلاهم. قالت امرأة: إحدانا
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ليس لها جلبابٌ. قال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها".
ويستحب تزيين الصبيان بالصبغ والحلي؛ لإظهار السرور؛ ذكورًا كانوا، أو إناثًا؛ لأنه عيد المسلمين، وليس على الصبيان تعبد؛ فلا يمنعون من لُبس الحلي.
فصلٌ: في التكبيرات
التكبيرات المرسلة في ليلتي العيد سُنَّة، من حين تغرب الشمس إلى أن يفتتح الإمام صلاة العيد بالمصلى. أما التكبيرات المقيَّدة بأدبار الصلوات: فمختصة بعيد الأضحى، ومتى يبتدئ بها؟ المشهور من المذهب: أنه يبتدؤها عقيب صلاة الظهر من يوم النَّحر، ويختم عقيب الصبح من آخر أيام التشريق: فيكون مكبرًا خلف خمس عشرة صلاة؛ وهو قول ابن عباس، وابن عمر؛ لأن الناس فيه تبعٌ للحاج؛ وهم يبتدئون التكبير عقيب الظهر يوم النحر، وذكرهم قبل ذلك التلبية.
[ ٢ / ٣٨١ ]
وقال في موضع: يبتدئ التبكير عقيب صلاة الصبح من يوم "عرفة"، ويختم عقيب العصر من آخر أيام التشريق؛ فيكون مكبرًا خلف ثلاث وعشرين صلاة؛ يروى ذلك عن عمر وعلي، وهو مذهب مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ ليكون جامعًا في التكبير بين الأيام المعلومات والمعدودات.
وقال في موضع: يبتدئ التكبير عقيب صلاة المغرب ليلة النحر، ولم يبين متى
[ ٢ / ٣٨٢ ]
يقطع؟ قال أصحابنا على هذا: يقطع عقيب الصبح من آخر أيام التشريق؛ فيكون مكبرًا خلف ثماني عشرة صلاة. فمن أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال، ومنهم من قال: مذهبه القول الأول. وحيث قال: يبتدئ عقيب الصبح من يوم "عرفة"- حكاية مذهب الغير، وحيث قال: عقيب المغرب من ليلة النحر- أراد به: التكبيرات المرسلة.
وقال أبو حنيفة: يبتدئ عقيب الصبح من يوم "عرفة"، ويختم عقيب العصر من يوم النحر، فيكون مكبرًا خلف ثماني صلوات؛ ويروى ذلك عن ابن مسعود. ثم لا خلاف أن التكبير مشروع عقيب فرائض الأوقات في هذه الأيام لنقل الخلف عن السلف. وفيه ثلاثة معاني.
أحدها: لأنها فريضة مؤداة في وقتها في أيام التكبير.
والثاني: لأنها صلاة مشروعة في أيام التكبير.
والثالث: لأنها صلاة مفعولة في أيام التكبير، وفائدتها تبين في السنن الرواتب. وصلاة العيد هل يكبَّر خلفها؟ فيه قولان:
إن قلنا: بالمعنى الأول لا يكبر. وإن قلنا: بالمعنيين الآخرين يكبر. فلو صلى في أيام التكبير نافلة؛ هل يكبر خلفها؟
إن قلنا: بالمعنيين الأولين لا يكبر، وإن قلنا بالمعنى الثالث يكبر.
وإن فاتته صلاة في أيام التكبير، فقضاها في غير أيام التكبير- لا يكبر خلفها؛ لأن التكبير مختص بهذه الأيام. وإن فاتته في هذه الأيام، وقضاها فيها: فإن قلنا: بالمعنى الأول لا يكبر، وإن قلنا: بالمعنيين الآخرين يكبر. ولو فاتته في غير أيام التكبير، وقضاها في أيام التكبير إن قلنا: بالمعنيين الأولين لا يكبر: وإن قلنا بالثالث يكبر. وهذا التكبير مسنونٌ في حق الرجال والنساء، والمقيم والمسافر؛ سواء صلى في الجماعة أو منفردًا وقال أبو حنيفة: لا يكبر المنفرد، ولا المرأة، ولا المسافر.
ولو نسي التكبير خلف الصلاة، فتذكر- والفصل قريب- كبر، وإن فارق مصلاه كبَّر حيث كان، وإن كان بعد طول الفصل هل يكبر؟.
فيه وجهان؛ بناءً على أنه لو نسي سجود السهو، وتذكر بعد طول الفصل هل يسجد؟ فيه قولان.
المسبوق بركعة لا يكبر مع الإمام؛ لأن صلاته لم تتم، فإذا أتم صلاته كبر.
والتكبير: أن يقول: الله أكبر ثلاث مرات نسقًا. وعند أبي حنيفة: يقول مرتين.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
قال الشافعي: وما ذكر من ذكر الله فحسن. وذكر الزيادة في "الأم" فقال: يكبر ثلاثًا، ويزيد: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعدهُ، ونصر عبدهُ، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر.
فصلٌ
إذا شهد شاهدان يوم الثلاثين من رمضان: أنَّا رأينا الهلال البارحة: نظر إن صحت عدالتهما قبل الزوال، فالإمام يأمر الناس بالفطر، ويخرج فيصلي بهم صلاة العيد. وإن صحت عدالتهما بعد الزوال قبل غروب الشمس؛ سواء شهدا قبل الزوال أو بعده، أو صحت عدالتهما قبيل الزوال بزمان يسير لا يمكنهم الصلاة يأمرهم الإمام بالفطر. وهل يصلي بهم صلاة العيد من الغد؟ فيه قولان:
أصحهما: يصلي؛ وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق؛ لما روي عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبيﷺ- أن ركبًا جاءوا إلى النبيﷺ- يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلّاهم. وقياسًا على الفرائض إذا فاتت تقضى.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
والثاني- وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، واختيار المزني-: لا يصلي من الغد، كصلاة الخسوف لا تقضى بعد الانجلاء. واحتج المزني﵀- بفصلين:
أحدهما: قال: لو جاز القضاء من الغد، لجاز اليوم بعد الزوال؛ لأنه أقرب إلى الوقت. والآخر: أنه لو جاز من الغد، لجاز بعد شهر. قلنا: أما اليوم بعد الزوال، ففيه وجهان:
أحدهما: إن أمكنه جمع الناس، يصلي اليوم بعد الزوال.
والثاني: لا يقضى إلا في ضحوة الغد؛ كالوقوف بـ "عرفة" إذا فات لا تقضى من الغد، إنما يقضى في مثل وقته من العام المقبل.
وأما بعد الغد إذا جوزنا القضاء؛ فهل يجوز أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما: يجوز. وقد نص الشافعي على أن الإمام لو كان مشتغلًا بالجهاد أيام العيد، فإذا فرغ قضى.
والثاني: لا يقضي بعد الغد؛ لأن الغد يتصور أن يكون وقت الصلاة العيد بأن يخرج الشهر كاملًا.
أما إذا شهد الشهود بعد غروب الشمس من يوم الثلاثين لا تقبل شهادتهم كما لو شهدوا في اليوم الثاني؛ لأن شوَّال قد دخل يقينًا، وليس في قبول شهادتهم إلا المنع من صلاة العيد، وإبطال صوم قد مضى. وكذلك لو شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال، أو بعده، وصحت عدالتهما بعد غروب الشمس، ففيه قولان:
أصحهما: حكمه حكم ما لو شهدوا بعد الغروب، فلا يحكم به.
والثاني: حكمه حكم ما لو صحَّت عدالتهما بعد الزوال قبل الغروب؛ فهل يعيد من الغد؟ فيه قولان. والله أعلم.
[ ٢ / ٣٨٥ ]