قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩].
وعن أبي بكرة قال: خطب النبيﷺ- يوم النحر، فقال في خطبته: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
[ ٤ / ٢٩٢ ]
الغصب: هو الاستيلاء على مال الغير بجهة العدوان.
وهو معصية وسبب للضمان.
أما إذا حبس المالك عن ملكه، حتى هلك ماله: لا يضمن؛ لأنه لا صنع له في المال؛ كما لو أتلف طعام المضطر حتى مات جوعًا: ضمن الطعام، ولم يضمن النفس؛ لأنه لا صنع له في النفس.
وإذا غصب شيئًا، ثم رده كذلك، لم يتغير؛ ولم يمض زمان لمثله أجرة: لا شيء عليه، وإن أمسكه زمانًا لمثله أجرة: يجب عليه أجر مثل ذلك الزمان؛ سواء استعمله أو لم يستعمله.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: منافع الغصب غير مضمونة، ولا يضمن المنفعة عنده إلا بعقد أو شبهة عقد.
وعند مالك- رحمة الله عليه-: إن استعمل ضمن أجر المثل، وإلا فلا.
فنقول: المنفعة إذا ضمنت بشبهة العقد، وهو أن يستأجر شيئًا إجارة فاسدة: وجب أن يضمن بالغصب، كالعين، بل هذا أولى؛ لأن العقد يصدر عن الرضا، والرضا سبب لسقوط الضمان، ثم لم يسقط به ضمان المنفعة، فالغصب الصادر عن عدم الرضا أولى ألا يسقطه.
وإذا تلفت العين المغصوبة في يد الغاصب، أو أتلفها: يجب عليه المثل، إن كان مثليًا، وإن كان متقومًا: فالقيمة.
وإنما أوجبنا المثل في المثلي؛ لأن إيجاب المثل رجوع إلى المشاهدة والقطع،
[ ٤ / ٢٩٣ ]
وإيجاب القيمة رجوع إلى الاجتهاد والظن، وعند إمكان الرجوع إلى القطع: لا يصار إلى الظن؛ كما لا يصار إلى القياس عند وجود النص.
وحد المثلي كل مكيل أو موزون، جاز بيع بعضه ببعض، وجاز السلم فيه.
وشرطنا الكيل والوزن؛ لأن أجزاء المكيل والموزون قلما تختلف، وشرطنا جواز بيع بعضه ببعض؛ لأنه يشبهه من حيث إنه يأخذ مثله، وقلنا: يجوز السلم فيه، لأنه يشبهه من حيث إن البدل يثبت في ذمته؛ كالحيوان والثياب المتقومة؛ لأنها ليست بمكيلة ولا موزونة، وكذلك العنب والرطب والثمار الرطبة؛ لأنه لا يجوز بيع بعضها ببعض، واللبن الحامض والعسل المصفى بالنار واللآلئ والجواهر كلها متقومة؛ لأنه لا يجوز السلم فيها.
والدراهم والدنانير والحبوب والأدهان والألبان كلها مثلية؛ لاجتماع هذه المعاني فيها.
وقال العراقيون: حد المثلي: ما تتساوى أجزاؤه، ولا يختلف أجزاء النوع الواحد منه.
وقالوا: الصفر والنحاس متقوم وعلى الحد الذي ذكرنا مثلي، وما دام المثل موجودًا: عليه تحصيله، وإن علت قيمته، وإذا وقع المثل يبرأ، وإن قلت قيمته.
وقيل: إذا وجد المثل بأكثر من ثمن المثل: لا يلزمه المثل؛ لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن المثل كعدمه؛ كالماء في الوضوء والرقبة في الكفارة؛ والأصح: أنه يلزمه، لأن المثل كالعين، ولو كانت العين قائمة: عليه ردها، وإن احتاج في ردها إلى أضعاف: ثمنها.
وإذا تراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل: جاز، وإن خرج المثل عن أن يكون متقومًا بتبدل مكان أو زمان: يجب عليه قيمته باعتبار مكان الإتلاف وزمانه، مثل: إن أتلف خمرًا في الصيف؛ فليس له رد المثل في الشتاء، بل عليه قيمة مثله ي الصيف؛ وكذلك: لو أتلف عليه ماء في مفازة يعز فيها الماء، ثم اجتمعا في بلد ليس له رد المثل؛ بل يجب عليه قيمته في مثل تلك المفازة، فإذا أخذ القيمة في الشتاء، ثم جاء الصيف، أو أخذ قيمة الماء في البلد، ثم اجتمعا في مثل تلك المفازة، هل [له] رد القيمة، ومطالبته بالمثل، أو هل للغارم إعطاء المثل، واسترداد القيمة؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٢٩٤ ]
أحدهما: لا؛ لأنه وصل إلى حقه بأخذ القيمة.
والثاني: له ذلك؛ لأن أخذ القيمة كان؛ لأنه لم يصل إلى كمال حقه، وقد زال ذلك المعنى.
ولو أتلف عليه مثليًا، ثم لقيه ببلد آخر، هل له مطالبته بالمثل؟ نظر: إن لم يكن لنقله مؤنة كالدراهم والدنانير: له ذلك، وإن كان لنقله مؤنة: ليس للمتلف عليه مطالبته بالمثل، ولا للمتلف إجباره على قبول المثل إلا أن يتراضيا، فإن لم يتفقا أخذ المالك قيمة مثله باعتبار بلد الإتلاف، فإذا رضي وأخذ المثل: لم يكن له أن يكلفه مؤنة النقل، وإذا أخذ القيمة، ثم اجتمعا في بلد الإتلاف، هل لأحدهما مطالبة الآخر بالرد- فعلى الوجهين، وكذلك: لو لم يكن المثل موجودًا يوم الإتلاف، ثم وجد- نُظر: إن وجد قبل أخذ القيمة: يأخذ المثل، وإن وجد بعد أخذ القيمة، هل يترادان؟ فعلى وجهين؛ كذلك حكم القرض.
أما [إذا] غصب مثليًا، ونقله إلى بلد آخر: فللمالك مطالبته بعينه، وله أن يكلفه رد عينه إلى بلد الغصب، أو يطالبه بقيمته، ثم إذا عاد إلى بلده، وعين ما غصبه قائمًا: رد القيمة، وأخذ العين.
ولو تلف في يد الغاصب في البلد المنقول إليه: كان للمالك مطالبته بمثله، لأن الطلب بعينه قد توجه عليه في ذلك البلد؛ فليس أحد البلدين أولى من الآخر، فإن لم يوجد له مثل: طالبه بأكثر البلدين قيمة؛ كما في المقوم.
والتبر والسبيكة مثلي أو متقوم؟ فيه وجهان، فإن أتلف شيئًا من جنس الأثمان- نُظر: إن لم يكن فيه صنعة؛ كالتبر والنقرة: إن قلنا: هي مثلية: يغرم مثلها، وإن قلنا: متقومة: تقوم بنقد البلد، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، وقيل: إن كان نقد البلد من جنسه: فإذا قوم به: تزيد قيمته على وزنه: فيقوم بغير جنس حقه؛ حتى لا يؤدي إلى الربا، وإن كانت له صنعة- لا يخلو: إما إن كان مما يحل استعماله أو لا يحل استعماله: فإن كان يحل؛ كالخاتم وحلي النساء: فما الحكم فيه؟
قال الشيخ: إن صنعة الحلي متقومة، أما وزن الحلي مثلي أو متقوم؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه مصلي؛ فعلى هذا إذا أتلف حليًا، وزنه مائة، وقيمته مائتان: يضمن الوزن بمثله، والصنعة بنقد البلد، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه.
وقيل: يضمن الكل بغير جنسه؛ كيلا يؤدي إلى الربا من حيث إنه يصير كبيع مال
[ ٤ / ٢٩٥ ]
الربا بجنسه مع الفضل، وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-.
والأول المذهب؛ لأن الربا يجري في العقود لا في الغرامات.
قال﵁-: وإن قلنا: وزن الحلي متقوم-: يضمن الكل الوزن والصنعة جميعًا بنقد البلد؛ سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، ولو لم يتلف إلا الصنعة بأن كسرها: يغرم النقصان بنقد البلد؛ سواء كان نقد البلد من جنسه أو من غير جنسه، وإذا كان ذلك الشيء لا يحل استعماله مثل أواني الذهب والفضة: ففي جواز اتخاذه وجهان.
إن قلنا: يحرم اتخاذه: فهو في الضمان كالسبيكة؛ لأنه لا قيمة للصنعة.
وإن قلنا: لا يحرم: فكالحلي؛ لأن الصنعة متقومة، أما إذا غصب متقومًا، فتلف في يده، أو أتلفه: يجب عليه قيمته من نقد البلد الذي تلف فيه أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف، لأنه في الحالة التي زادت قيمتها غاصب مخاطب بالرد؛ كما قبلها، حتى لو غصب عبدًا محترفًا، فنسي الحرفة، أو كان يحسن القرآن، فنسي، ثم مات: يجب عليه قيمة عبد محترف [أو] قارئ، أو شاة سمينة، فعزلت، ثم ماتت: عليه قيمة شاة سمينة، وكذلك: يضمن نقصان السوق عند هلاك العين، مثل: إن غصب عبدًا قيمته مائة، فارتفعت الأسواق وبلغت قيمته مائتين ثم انحطت، فعادت إلى مائة، ثم هلك: يجب عليه مائتان.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: تجب قيمته باعتبار يوم الغصب، وبالاتفاق: لا يعتبر ارتفاع السوق بعد تلف العين، حتى لو كانت قيمته مائة، فهلك عنده، ثم بلغت قيمة مثله مائتين: لا يجب إلا مائة.
ولو ارتفعت قيمته مرارًا بالسوق: لا يتكرر ضمانها؛ بل يضمن أكثرها، مثل: إن كانت قيمته عشرة، فارتفعت الأسواق، وبلغت قيمته عشرين، ثم انحطت الأسواق، فعادت إلى عشرة، ثم ارتفعت، فبلغت ثلاثين، ثم هلكت: يضمن ثلاثين، ولا يضمن خمسين.
وإذا غصب مثليًا، فتلف في يده، أو أتلفه، وانقطع المثل: يأخذ قيمته، ولا نعني بالانقطاع: ألا يوجد في الدنيا، بل إذا لم يوجد في بلد الغصب وبلد الإتلاف وحواليه في المواضع التي لا يتعذر حمله: فهو منقطع، يأخذ القيمة، ولا يلزمه حمله من البلاد البعيدة؛ كما ذكرنا في المسلم فيه، إذا انقطع، ثم كيف نعتبر قيمته بعد انقطاع المثل: ففيه ثلاث أوجه:
[ ٤ / ٢٩٦ ]
أحدها: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف، ولا عبرة بازدياد قيمة أمثاله بعد تلفه؛ كما في المتقومات.
والثاني: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى انقطاع المثل، وهذا أصح، لأن وجود المثل، كقيام العين، بدليل أن له مطالبته بالمثل عند وجوده، كما يطالب بالعين عند قيامها، فانقطاع المثل يكون كتلف العين.
والثالث: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التغريم، والأخذ؛ لأن طلب المثل لا يسقط بالانقطاع، بدليل أن المثل إذا وجد: يجب عليه المثل، فالانتقال إلى القيمة يكون يوم الأخذ، فاعتبر به.
وقيل: أصل هذا: أن المثل إذا انقطع: فالواجب عليه قيمة الأصل أم قيمة المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما: قيمة الأصل؛ لأنه أتلف الأصل.
والثاني: قيمة المثل؛ لأن الواجب بالإتلاف مثله فإذا عدم وجبت قيمته: فإذا قلنا: الواجب قيمة الأصل: فلا نعتبر ما بعد التلف، وعليه أكثر ما كانت قيمته من يوم الغصب إلى التلف، وإن قلنا: الواجب قيمة المثل: فنعتبر ما بعده، فيعتبر بيوم التغريم.
ولو أتلف على إنسان مثليًا، ولم يغصبه، وانقطع المثل: قال الشيخ: على الوجه الأول: عليه قيمته باعتبار يوم الإتلاف، وعلى الثاني: عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الإتلاف إلى انقطاع المثل، وعلى الثالث: إلى يوم التغريم.
وإذا غصب مثليًا، واتخذ منه ما لا مثل له، وتلف عنده: يضمن الأكثر؛ مثل: إن غصب حنطة، فطحنها، وخبزها، وأكلها؛ فإن كانت قيمة الحنطة أكثر: يجب عليه مثلها، وإن كانت قيمة الدقيق أو الخبز أكثر- يجب عليه قيمته، وإن استوت قيمة الكل: أخذ مثل الحنطة؛ لأن المثل أقرب إلى المغصوب، وكذلك: لو غصب متقومًا، وصار مثليًا بفعله، أو بغير فعله، مثل: إن غصب رطبًا، فصار تمرًا، وهلك عنده: فإن كانت قيمة الرطب أكثر: تجب عليه قيمته، وإن كانت قيمة التمر أكثر: يجب عليه مثله، وإن استويا: أخذ مثل التمر، ولو غصب مثليًا، فاتخذ منه مثليًا آخر، مثل: إن غصب سمسمًا، فعصره دهنًا، وتلف عنده: فأيهما كان أكثر قيمة يجب عليه مثله، وإن استويا: يأخذ مثل أيهما شاء.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
هذا كله فيما إذا تلف المغصوب عند الغاصب، أما إذا كان المغصوب قائمًا، لكن دخله نقص- نُظر: إن كان النقصان من جهة السوق؛ بأن كانت قيمته يوم الغصب مائة، فتراجعت الأسواق، وعادت قيمته إلى خمسين، فرده: لا يجب عليه نقصان السوق، قال أبو ثور: يجب عليه نقصان السوق؛ كما لو تلفت العين: يضمن نقصان السوق.
قلنا: في حال بقاء العين: الواجب عليه رد العين؛ كما لو غصب، وهو مخاطب به، وقد ردها كما أمر، أما بعد تلف العين: الواجب عليه رد القيمة، فيجب عليه الأكثر؛ لأنه مخاطب برده عند كثرة قيمته، فإذا لم يفعل حتى هلك: ضمن قيمته، أما سائر النقائص: فيجب عليه ضمانها مع رد العين، سواء كانت نقصان جزء، أو نقصان وصف حصل بفعله، أو بآفة سماوية؛ مثل: إن غصب عبدًا أو حيوانًا، فسقط عضو من أعضائه، أو حدث به عيب آخر، أو ضربه، فعيبه، أو كان العبد: محترفًا، أو كاتبًا، أو قارئًا؛ فنسي الحرفة، والكتابة، والقرآن، أو غصب شاة سمينة، فهزلت، فردها: يجب عليه ضمان النقصان، ويلزم ضمان الجزء الفائت أكثر ما كان من يوم الغصب إلى حين تلف ذلك الجزء، ولا يراعى زيادة القيمة من بعد تلف الجزء؛ كما لا يراعى زيادة قيمة العين بعد تلفها؛ وكذلك: لو حدثت الزوائد في يد الغاصب بفعله، فزالت: مثل: إن غصب عبدًا احترف، فعلمه حرفة، أو علمه القرآن، أو الأدب أو الفقه أو الشعر أو شيئًا يجوز تعليمه، فنسيها، ثم رده، أو غصب شاة هزيلة، فسمنت، ثم زال السمن، وردها: يجب عليه ضمان النقصان، ولو غصب غزلًا قيمته درهم، فنسجه، فصارت قيمته عشرة، ثم نقضه، فعادت إلى دراهم، أو غصب جوهر زجاج قيمته درهم، فاتخذ منه قدحًا ليساوي عشرة، فانكسر، فعادت قيمته إلى درهم، ورده مكسورًا: يغرم تسعة، ولو انكسر، فعادت قيمته إلى خمسة، فرد: يغرم خمسة.
ولو تكررت هذه النقائص، هل يتكرر الضمان- نُظر: إن كانت مختلفة؛ مثل: إن علمه حرفة، فنسيها، ثم علمه أخرى، فنسيها أو علمه سورة من القرآن، فنسيها، ثم علمه سورة أخرى، فنسيها: يتكرر عليه الضمان، حتى لو علمه عشرين سورة، كل ذلك ينساها، أو عشرين حرفة، فنسيها: يضمن عشرين مرة.
ولو غصبه، وهو محترف، فنسي حرفته، وانتقصت قيمته، ثم علمه حرفة أخرى زادت قيمته على ما كانت يوم الغصب، ثم رده: يجب عليه نقصان نسيان حرفة الأولى، ولا يتخير ذلك النقصان بهذه الزيادة، ولو علمه حرفة واحدة مرارًا، أو سورة من القرآن مرارًا، وهو ينساها، فهل يتكرر عليه الضمان؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٢٩٨ ]
أحدهما: يضمن مرارًا؛ كالحرف المختلفة.
والثاني: لا يتكرر، لأنه عين ما ضمنه مرة؛ فعليه ضمان. أكثرها قيمة.
ولو غصب شاة سمينة، فهزلت، ثم سمنت، ثم هزلت: هل يضمن السمن مرارًا؟ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه وجهان: كالحرفة الواحدة، والسورة الواحدة يتعلمها مرارًا.
ومنهم من قال- وإليه ذهب صاحب "التلخيص": يضمن مرارًا وجهًا واحدًا؛ لأن السمن الثاني غير الأول، وهو بمنزلة الحرفتين، بخلاف الحرفة الواحدة، فإن الثانية عين الأولى، فلا يضمنها مرتين، وكذلك: لو غصب جوهر زجاج، فاتخذ منه إناء، فانكسر، ثم اتخذه قدحًا بعد الكسر، ثم انكسر: هل يغرم الكسر مرتين؟ نُظر:
إن كانت الصنعة الثانية غير الأولى: يضمن مرتين، وإن كانت مثل الأولى: فكالسمن، وذكر صاحب "التلخيص" أنه يضمنه مرارًا بخلاف الحرفة الواحدة.
وعلى هذا: لو غصب شاة سمينة، فهزلت، ثم سمنت، ثم ردها، أو عبدًا يحسن القرآن، فنسي، ثم تعلم، ثم رده: هل يجب عليه ضمان الهزال، وضمان النسيان، أم يتخير بما حدث؟ فعلى وجهين؛ بناءً على تكرر الضمان، إن قلنا: لا يتكرر الضمان: يتخير، وإلا فلا يتخير.
ولو غصب جارية بها سمن مفرط، فزال بعضه، ولم ينتقص قيمتها: ردها، ولا شيء عليه.
ولو غصب ثوبًا، فأمسكه مدة لها أجر، فانتقصت قيمته بآفة، فرده: فيجب عليه أرش النقصان، وأجر مثل تلك المدة؛ كما لو غصب عبدًا، فأمسكه مدة، فسقط عضوه أو مرض عنده: رده مع أجر المثل وأرش النقصان.
قال الشيخ: ثم ينظر: إن سقط عضوه، أو مرضن ثم أمسكه مدة: عليه أرش النقصان، وأجر مثل عبد، ناقص، فإن أمسكه مدة، ثم سقط عضوه أو مرض: عليه أجر مثل عبد سليم، وأرش النقصان؛ لأن مضي الزمان، إذا كان بعد الهلاك: لا يوجب أجر مثله.
فأما إذا لبس الثوب مدة، وأبلاه باللبس: هل يجب عليه أجر المثل مع أرش النقصان؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٢٩٩ ]
أصحهما: يجب كلاهما؛ كما لو انتقصت قيمته بسبب آخر.
والثاني: لا يجب إلا أكثر الأمرين: إما الأجرة، أو أرش النقصان؛ لأن النقص حصل بما حصل عليه الأجرة، وهو: الاستعمال؛ فلا يجتمعان، ولهذا لا يضمن المستأجر نقصان الأجزاء.
ولو غصب ثوبًا قيمته عشرون، فانحطت السوق، ثم عادت قيمته إلى عشرة، ثم استعمله، فصارت قيمته خمسة، ثم رده: يجب عليه عشرة؛ لأنه تلف بالاستعمال نصف الثوب، فيقابله نصف نقصان السوق، ونقصان السوق يضمن عند تلف العين.
ولو غصبه وقيمته عشرون، فاستعمل أولًا حتى عادت قيمته إلى عشرة، ثم انحطت السوق، فعادت قيمته إلى خمسة، ثم رده: يجب عليه ضمان العشرة التي هلكت بالاستعمال، ولا يجب خمسة عشر؛ لأن نقصان السوق قابل ما بقي بعد الاستعمال، وعند رد العين؛ لا يجب نقصان السوق.
ولو غصبه وقيمته عشرة، فاستعمله، فعادت قيمته إلى خمسة، ثم ارتفعت الأسواق، فصارت قيمته عشرة، ثم رده: قال ابن حداد: يرد معه عشرة؛ لأنه أتلف نصف الثوب بالاستعمال، ولو كان الكل قائمًا: كانت قيمته عشرين، وليس بصحيح، بل لا يجب عليه إلا الخمسة التي تلفت بالاستعمال، ولا يعتبر ارتفاع السوق في النصف الذي تلف؛ كما لو غصب ثوبين قيمة كل واحد خمسة، فتلف أحدهما، ثم ارتفعت السوق، فصارت قيمة القائم عشرة؛ لا يجب عليه للتالف إلا خمسة.
ولو غصب عبدًا، فجرحه- نُظر: إن لم يكن لتلك الجراحة أرش مقدر في الأحرار: يجب عليه رده مع أرش النقصان، وإن كان لها أرش مقدر في الأحرار: يجب عليه رده؛ مثل: إن قطع إحدى يديه، أو إحدى رجليه؛ فعلى قوله القديم: يجب على غير الغاصب بهذه الجناية أرش النقصان، فعلى الغاصب كذلك، وعلى قوله الجديد: يجب على غير الغاصب نصف القيمة؛ فعلى هذا القول: يجب على الغاصب أكثر الأمرين: إما نصف القيمة أو أرش النقصان، فإن كان نصف القيمة أكثر: يجب ذلك، لوجود سببه، وهو: القطع، وإن كان أرش النقصان أكثر: يجب ذلك لوجود سببه، وهو الغصب.
ولو شلَّت يده في يد الغاصب: يجب عليه أرش النقصان، ولو قطع يديه عليه كمال قيمته، ولو قطع أنثييه، فزادت به قيمته: يجب عليه قيمته، لأن للأنثيين بدلًا مقدرًا لا يضمن بما ينقص من القيمة، بخلاف ما لو كان بالجارية سمن مفرط، فزال ولم تنتقص قيمتها؛ لأنه ليس للسمن بدل مقدر، إنما يضمن ما ينتقص من القيمة، فإذا لم ينتقص لا يضمن.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
ولو قطع أجنبي إحدى يديه في يد الغاصب: ففي القديم: يجب عليه أرش النقصان، والمالك بالخيار: إن شاء أخذه من الغاصب، وإن شاء أخذه من القاطع، وقرار الضمان على القاطع.
وعلى القول الجديد: يجب على القاطع نصف قيمته، ثم: إن كان نصف قيمته مثل أرش النقصان، أو أكثر: فالمالك يطالب أيهما شاء، والقرار على القاطع، وإن كان نصف القيمة أقل: يطالب بنصف القيمة، أيهما شاء، والقرار على القاطع، وما زاد على نصف القيمة إلى كمال أرش النقصان: يكون على الغاصب؛ لا يطالب به القاطع.
ولو قتله قاتل في يد الغاصب- نُظر: إن كان القاتل عبدًا قتله عمدًا: فللمالك أن يقتص، ولا شيء له على الغاصب؛ لأنه أخذ بدل دمه، وإن كان موجبًا للمال، أو عفى على مال: فإن كان الجاني حرًا: فالمالك يرجع بالقيمة، إن شاء على الغاصب، وإن شاء على القاتل، والقرار على القاتل.
وإن كان الجاني عبدًا- نُظر: إن سلم سيد العبد الجاني العبد للبيع، فبيع: فإن كانت قيمته مثل قيمة المقتول: أخذها، ولا شيء على الغاصب، وإن كانت أكثر: فالفضل لمالكه، وإن كانت أقل، فيرجع بالنقصان على الغاصب، وإن اختار سيد العبد الجاني الفداء: فإن قلنا: يفدى بأرش الجناية: أخذه سيد المقتول، ولا شيء على الغاصب، وإن قلنا: يفدى بالأقل، فإن كانت قيمة المقتول مثل قيمة القاتل، أو أقل: أخذها، ولا شيء على الغاصب إلا أنه طريق فيه، فإن كانت قيمة المقتول أكثر: فالفضل على الغاصب.
ولو جنى العبد في يد الغاصب بأن قتل إنسانًا أو قطع يد إنسان، أو سرق، واسترده المالك، فقتل في يده قصاصًا، أو قطع قصاصًا، أو سرقه، أو كان قد ارتد في يد الغاصب، فقتل في يد المالك بالردة: يرجع المالك بقيمته، أو بأرش يده على الغاصب، لأن السبب وجد في يده؛ وكذلك: لو جنى في يد الغاصب، فاسترده المالك، وبيع في الجناية: يرجع المالك بقيمته على الغاصب، فإن كان أرش الجناية ألفًا وقيمته خمسمائة: بيع في الجناية لا يرجع إلا بخمسمائة حتى لو غبن إنسان، أو ارتفع السوق في يد المالك، فبلغت قيمته ألفًا، فبيع بألف: أخذ المجني عليه كلها، ولا يرجع المالك على الغاصب إلا بخمسمائة؛ لأنه لم يكن في ضمانه إلا قيمته.
ولو عفا المجني عليه: فلا رجوع للمالك على الغاصب بشيء.
ولو مات العبد في يد الغاصب: أخذ المالك قيمته من الغاصب، ثم المجني عليه
[ ٤ / ٣٠١ ]
يطالبه بحقه من قيمته، فإذا دفع إليه: رجع المالك على الغاصب بما أخذ منه المجني عليه من قيمته، فيضمن قيمته مرتين؛ بخلاف ما لو جنى عبد في يد مالكه، ثم غصبه غاصب، فمات في يده: لا يغرم قيمته إلا مرة واحدة، لأن الجناية لم توجد في ضمانه.
ولو قتله أجنبي في يد الغاصب بعد ما جنى: فالمالك: إن شاء غرم الغاصب، وإن شاء غرم الجاني؛ فإن غرم الجاني: أخذ المجني عليه منه ما أخذ من الجاني، ثم المالك يرجع على الغاصب ثانيًا، والغاصب يرجع على الجاني مرة واحدة.
ولو غصب عبدًا، قيمته ألف، فتراجعت قيمته في يد الغاصب بالسوق إلى خمسمائة، ثم جنى جناية أرشها ألف، ومات عنده: أخذ المالك من الغاصب ألفًا؛ اعتبارًا بالأكثر، ولم يكن للمجني عليه إلا خمسمائة، لأنه ليس له إلا قدر قيمته يوم الجناية.
ولو غصب ثوبًا فشقه، أو إناء فكسره، أو عصا فرضضه: يجب عليه رده مع أرش النقصان، ولا يجبر على إصلاح الإناء ورفو الثوب، وعند مالك- رحمة الله عليه-: يجبر عليه؛ كما لو جعل الأرض صفرًا: يجب عليه تسويتها.
قلنا: لأن الأرض بالتسوية تعود إلى ما كانت عليه، والثوب بالرفو لا يعود إلى ما كان عليه، وما دام شيء من المغصوب باقيًا: يجب عليه رده.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا جنى على المغصوب جناية: فوت جل منفعته، ليس للمالك أن يأخذ شيئًا من الغاصب إلا أن يترك العين إليه، فيأخذ قيمتها، وإن جنى جناية فوت إطلاق اسمه: ملكه الغاصب، وعليه قيمته حتى قال: لو قطع إحدى يدي العبد: يجب عليه نصف قيمته.
ولو قطع كلتا يديه: فلا شيء للمالك إلا أن يترك العبد إلى الغاصب، فيأخذ منه قيمته.
ولو غصب ثوبًا، فشقه عرضًا: رده مع أرش النقصان، ولو شقه طولًا، أو صبغه أسود، قال: لا شيء للمالك إلا أن يترك إليه الثوب، فيأخذ قيمته.
ولو قطع الثوب؛ فخاطه ملبوسًا، قال: يملكه الغاصب، وعليه قيمته، وكذلك قال: لو غصب شاة مذبحة، قال: لا شيء للمالك إلا أن يتركها إلى الغاصب، فيأخذ قيمتها، وإن شوى لحمها- قال: ملكها، وعليه قيمتها.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وقال: إذا غصب نحاسًا، فاتخذ إناء يملك- فنقول: جنى على ملك الغير، فلا يتوقف وجوب الضمان على التمليك؛ كما إذا قطع إحدى يديه، يؤيده: أنكما إذا أوجبتم الضمان على الغاصب عند قلة الجناية من غير أن جعلتم له شيئًا في مقابلته، فعند كثرة الجناية أولى.
ولو غصب حنطة، فبلها، أو عفنت عنده: فإن كان النقصان متناهيًا: عليه ردها، مع ضمان النقصان، وإن كان النقصان الذي دخلها غير متناه: ففيه قولان:
أصحهما: يردها مع ضمان النقصان؛ كما في النقصان المتناهي.
والثاني: المالك بالخيار: إن شاء أخذها مع الضمان بالنقصان، وإن شاء تركها إلى الغاصب، وأخذ منه مثل حنطة.
ولو غصب سمنًا وعسلًا ودقيقًا، فاتخذ منه خبيصًا: فقد انتقص كل واحد منهما نقصانًا غير متناه؛ ففي قول: يأخذها مع أرش النقصان الذي دخلها.
وفي الثاني: يتخير بين هذا، وبين أن يتركها، ويأخذ مثل ما هو مثلي، وقيمة ما هو متقوم منها.
ولو غصب عبدًا فأبق من يده، أو غيبة إلى بلد، أو دابة فضلت: فللمالك أن يأخذ قيمته من الغاصب للحيلولة، ويملك المالك ما أخذ من القيمة، كما يملك بدل المتلف.
ولا يملك الغاصب المغصوب حتى إذا وجده: يجب عليه رده؛ فيسترد القيمة، كما لو جنى على عينه، فابيضت، فأخذ الأرش ثم عاد بصره: عليه رد الأرش.
ولا ينفد تصرف الغاصب في العبد، وينفد تصرف المالك في القيمة، وما حصل من المغصوب من النماء والزيادة بعد دفع القيمة: يكون للمالك.
وهل يكون مضمونًا على الغاصب، سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون مضمونًا عليه؛ كالحاصل قبل أداء القيمة.
والثاني: لا يكون مضمونًا عليه؛ لأن ضمانه بضمان الأصل، وقد سقط ضمان الأصل بأداء القيمة، فسقط ضمان الزوائد، وكذلك: هل يجب على الغاصب أجر مثل المغصوب من حين دفع القيمة على أن رده؟ فيه وجهان.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا غرم القيمة: ملك العبد، ولا رد عليه؛ إلا
[ ٤ / ٣٠٣ ]
أن يأخذ المالك القيمة بقول الغاصب، فبان أكثر؛ فله الرد. فنقول: أخذ بدل ملكه المغصوب من الغاصب؛ لتعذر الرد، فإذا زال العذر: وجب أن يجب؛ كما لو كان المغصوب مدبرًا؛ يؤيده: أن التضمين لو كان يوجب التمليك: وجب ألا يضمن المدبرح لأن عندكم: المدبر لا يملك كالحر.
ولو كان لرجل زوج خُف، قيمتها عشرة، فغصب رجل أحدهما، أو أتلفه، وعاد قيمة الثاني إلى درهمين: كم يلزمه من الضمان؟ فيه وجهان:
أصحهما- وعليه أكثر أصحابنا- يلزمه خمسة؛ لأن قيمة ما تلفه خمسة.
والثاني- وبه قال صاحب "التلخيص"-: يلزمه ثمانية؛ لأن انتقاص قيمة الثاني بسبب غصبه، ولا خلاف أنه إذا سرق الفرد، ولم تكن قيمته نصابًا، وكان نصابًا مع النقصان الذي دخل الثاني أن القطع: لا يجب، لأنه يندرئ بالشبهة؛ كما لو دخل حرزًا، وأتلف فيه مالًا: يجب الضمان عليه، ولا يجب القطع.
أما إذا غصب الزوج معًا، ثم رد أحدهما، وقيمته درهمًا: يلزمه ثمانية؛ لأن الغصب وجد فيهما، والنقص وجد في المغصوب.
ولو غصب بيضة، فأحضنها تحت دجاجة، فأخرجت فراخًا، أو غصب حنطة، فبذرها، فنبتت، وازدادت: ففيه أوجه:
أصحهما: ما حصل للمالك، ولا شيء له سواه؛ لأن المغصوب عاد إليه زائدًا، فإن كانت قيمته أنقص مما غصب: عليه أرش النقصان.
والثاني: الكل للغاصب، وعليه مثل الحنطة وقيمة البيضة؛ لأن المغصوب قد هلك في يده، وما حصل بشيء حدث له.
والثالث: ما حصل للمالك، ويجب على الغاصب قيمة البيضة، ومثل الحنطة؛ لأن المغصوب قد هلك في يده: فعليه ضمانه والحادث زيادة زاده الله تعالى على عين مال المالك؛ فيكون له.
وفي الإفلاس: لو فعله المشتري، ثم أفلس بالثمن: فإن قلنا في الغصب: يكون ما حصل للمالك، ولا شيء له سواه: ففي الإفلاس: للبائع أخذه، ولا ثمن له، وإن قلنا بالوجهين الآخرين: فليس للمفلس إلا مضاربة الغرماء.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
ولو غصب شجرة، فسقط ورقها، ثم نبت، أو غصب شاة، فحز شعرها، ثم ثبت: فعليه ضمان ما سقط من الورق، وما حز من الشعر، ولا يتخير الأول بما نبت، بخلاف ما لو غصب جارية، فسقط شعرها، ثم نبت، أو سقط سنها، ثم نبت: يتخير الأول بالآخر؛ لأن الأول لم يكن متقومًا؛ إنما وجب عليه أرش النقصان؛ لفقده، وقد زال النقص، بخلاف الورق والصوف، فإنه متقوم، كما لو غصب جارية، فولدت، واصفر لونها، ثم زال: يتخير.
ولو غصب عصيرًا، فتخمر في يده: أراق الخمر، ورد مثل العصير، فلو تخللت بعده في يده: فيه وجهان:
أحدهما: رد الخل وأرش النقصان.
والثاني: رد الخل ومثل العصير؛ لأنه لما تخمر، صار كالتالف، فإذا تخللت فهي زيادة زادها الله تعالى للمالك.
ولو غصب شيئًا لا قيمة له مما يجوز اقتناؤه من كلب صيد أو جلد ميتة: عليه مؤنة رده، فإن تلف عنده: لا شيء عليه، فإن أمسك الكلب زمانًا، هل عليه أجر مثله؟ فيه وجهان؛ بناءً على جواز إجارته.
ولو دبغ جلد الميتة: عليه رده.
ولو غصب شاة، فماتت، فدبغ الغاصب جلدها: يجب عليه قيمة الشاة، وهل يجب عليه رد الجلد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما لو غصب الجلد، فدبغه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه ضمن جميع قيمة الشاة.
ولو غصب خمرًا من ذمي: يجب عليه ردها، لأنه بذل الجزية على ألا نتعرض له فيها.
وإن غصبها من مسلم- نُظر: إن صب في الدن بنية الخل: عليه ردها، وإن صب بنية الخمر: أراقها، ولا يجب ردها؛ لأن النبيﷺ- حين سأله أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرًا؟ - "أمره بإراقتها"، فإن تخللت في يده: عليه رد الخل؛ كالجلد يدبغ؛ لأنه صار مالًا على حكم ملكه، فإن تلف عنده ضمنه.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وقيل: يلزمه رد الخل، وفي الجلد، إذا دبغه: وجهان؛ لأنه صار مالًا بفعله، والخمر تخللت لا بصنعه.
وقيل: يلزمه رد الجلد، وفي الخل وجهان؛ لأن من غصب الخمر: لم يغصب ما يجوز اقتناؤه؛ بخلاف جلد الميتة.
هذا إذا لم يرفع المالك يده عنها، فإن ماتت شاة، فألقاها صاحبها أو خمرًا، فأراقها صاحبها، وأخذها رجل، فدبغ جلدها، أو تخللت الخمر عنده: هل لصاحبها أن يستردها؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه أبطل حقه بالطرح.
ولو غصب عبدًا مرتدًا: عليه رده، ويغرم مؤنة الرد، ولو أمسكه زمانًا: عليه أجر المثل، فلو هلك في يده أو قتله الغاصب: هل عليه الضمان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأن دمه هدر، كما لو قتله في يد المالك.
والثاني: يجب؛ لأنه متقوم؛ كما يضمن منافعه، فلو قتله أجنبي في يد الغاصب: لا ضمان على القاتل، وهل يجب على الغاصب؟ فيه وجهان.
وأم الولد تضمن بالغصب، وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: لا تضمن.
أما الحر: فلا يضمن بالغصب، صغيرًا كان أو كبيرًا، حتى لو حمل حرًا صغيرًا على مسبعة، فأكله سبع: لا ضمان عليه، وعند أبي حنيفة: يضمن.
وبالاتفاق: لو مات في يده: لا يضمن، ولو غصب صبيًا، وعلي حلي، هل يضمن الحلي؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن؛ لأن الحُلي في يد الصبي، ولم تدخل في يد الغاصب.
والثاني: يضمن؛ لأن الصبي غير كامل اليد.
ولو حبس حرًا مدة، هل يلزمه أجر مثله؟ - نُظر: إن استعمله: يجب، وإن لم يستعمله: فيه وجهان:
[ ٤ / ٣٠٦ ]
أحدهما: يجب؛ كالعبد.
والثاني: لا يجب؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد.
ولو ألقت الريح ثوبًا لإنسان في داره: لزمه حفظه كاللقطة، فإن عرف صاحبه- لزمه إعلامه، فإن عرف صاحبه- لزمه إعلامه، فإن لم يفعل: ضمنه، وإن وقع في داره طائر: لا يلزمه حفظه، ولا إعلام صاحبه؛ لأنه محفوظ بنفسه؛ فإن دخلت حمامة في برجه، فأغلق عليها الباب؛ فإن نوى إمساكها على نفسه: ضمنها؛ كالغاصب، وإن لم ينوه: لم يضمن؛ لأنه يتصرف في برجه برد الباب.
فصلٌ في الزوائد التي تحصل في المغصوب أو منه
الزوائد التي تحصل في المغصوب أو منه: تكون مملوكة للمغصوب منه، مضمونة على الغاصب؛ مثل: إن غصب جارية أو شاةً، فولدت في يد الغاصب، أو شجرة فأثمرت: يكون الولد والثمرة للمالك، ويكون مضمونًا على الغاصب، فلو ألقت الجارية جنينًا ميتًا: فالمذهب: أنه لا يضمن الولد.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
ولو غصب دراهم أو دنانير، فاشترى بها سلعة- نُظر: إن اشترى بعينها- في الجديد: يكون باطلًا، وفي القديم: يكون موقوفًا على إجازة المالك، فإن أجاز- صح
[ ٤ / ٣٠٨ ]
له، وإن لم يجز: بطل، فإن اشترى في الذمة، ونقد تلك الدراهم أو الدنانير في ثمنها وربح: ففي الربح قولان: قال- في القديم-: هو للمغصوب منه، لأنه نماء ملكه كثمرة الشجرة، وفي الجديد: يكون للغاصب، فإذا تلف عنده: يضمنه.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
ولو غصب عبدًا، فاكتسب في يده، أو اصطاد: يكون كسبه لمالكه، ويكون مضمونًا على الغاصب، وهل يجب عليه أجر المثل لمدة الاصطياد؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٣١٠ ]
أحدهما: يجب؛ لأنه أتلف على المالك منافعه.
والثاني: لا يجب؛ لأن منافعه صارت إلى المولى.
ولو غصب جارحة؛ كالفهد والبازي، واصطاد بها: فالصيد لمن يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون للمغصوب منه؛ كصيد العبد.
والثاني: يكون للغاصب، لأنه المرسل، والجارحة آلة لا تصطاد بنفسها؛ كما لو غصب شبكة أو قوسًا، فاصطاد به: تكون للغاصب؛ فعلى هذا: يجب عليه أجر مثل الجارحة؛ كما يجب أجر مثل الشبكة.
فصلٌ في منافع الغصب
قد ذكرنا أن منافع الغصب مضمونة على الغاصب، وإن لم يستوفها أصلًا، أما إذا غصب جارية: فمنفعة بضعها لا تكون مضمونة عليه، إذا لم يستوفها، فإذا وطئها الغاصب، فهو كما لو وطئها على الغاصب، فإن كان عالمًا بالتحريم: يجب عليه الحد، ويجب مهر المثل، إن كانت الجارية مكرهة، وإن كانت طائعة: فالمذهب أنه لا يجب المهر كالحرة، إذا طاوعت بالزنا: لا مهر لها.
وقيل: يجب المهر؛ لأنه حق المولى؛ فلا يسقط بطواعيتها؛ كما لو قطع يد عبد بإذنه: يجب الضمان، والمذهب الأول؛ لأن لها يدًا في إسقاط مهرها بالإرضاع والارتداد قبل الدخول؛ فإن وطئها جاهلًا بالتحريم: بأن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية: لا علم له بتحريم الزنا: فلا حد عليه ويجب المهر، فإن كانت بكرًا، فافتضها، هل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يفرد، وعليه مهر مثل بكر.
[ ٤ / ٣١١ ]
والثاني: يُفرد؛ لأن كل واحد ينفك عن الآخر؛ فعليه أرش الافتضاض، ومهر مثل ثيب، فإن كانت الجارية طائعة، وقلنا: لا مهر للطائعة، فإن قلنا: يُفرد الأرش والافتضاض: يجب عليه أرش الافتضاض: فإن قلنا: لا يُفرد: فهل تجب الزيادة على مهر مثل الثيب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ كالحرة الطائعة: لا شيء لها، وإن كانت بكرًا.
والثاني: يجب؛ لأنه بمقابلة نقصان جزء منها: فلا يسقط برضاها؛ كما لو رضيت بقطع يدها- لا شيء لها، ولو وطئ الجارية المغصوبة مرارًا، أو المشتري من الغاصب: إذا وطئها مرارًا- نظر: إن كان عالمًا بالتحريم: يجب عليه لكل وطأة مهر وإن كان جاهلًا: لا يجب إلا مهر واحد، لأنه شبهة واحدة، فإن وطئها مرة جاهلًا، ثم علم، فوطئها ثانيًا: عليه مهران.
ولو وطئ في النكاح الفاسد مرارًا: لا يجب إلا مهر واحد؛ لأن الشبهة واحدة.
ولو وطئ امرأة بالشبهة مرارًا- نظر: إن كانت الشبهة واحدة؛ بأن غلط في ليلة واحدة، فوطئها مرارًا: لا يجب إلا مهر واحد، وإن زالت تلك الشبهة، ثم طرق شبهة أخرى، فوطئها: يجب عليه مهر آخر.
ولو وطئ الأب جارية ابنه مرارًا، أو أحد الشريكين وطئ الجارية المشتركة مرارًا عالمًا، والسيد وطئ مكاتبته مرارًا- فهل يتكرر المهر، إذا اختلفت المجالس؟ ففيه وجهان:
أحدهما: يتكرر؛ لتعدد الوطئات؛ كما لو اختلفت المجالس.
والثاني: لا يتكرر؛ لاتحاد المجالس؛ كما لا يتعدد بتعدد الإيلاجات في وطأة واحدة.
ولو وطئ الغاصب الجارية المغصوبة، واستولدها: فإن كان عالمًا بالتحريم: فالولد رقيق للمالك، وهو مضمون على الغاصب، إن خرج حيًا، فإن مات في يده: يجب عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم الولادة إلى أن مات، وإن ماتت الأم في الطلق: يجب عليه قيمتها، وإن دخلها نقص بالولادة: يجب ضمانه، وإن خرج الولد ميتًا: فلا يجب عليه
[ ٤ / ٣١٢ ]
ضمانه؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه لم يدخل في يده ماله قيمة؛ كما لو كان جاهلًا بالتحريم، فوطئ، وأتت بولد ميت: لا يجب ضمانه.
وفيه وجه آخر: أنه يضمن الولد الميت باعتبار قيمته يوم الخروج، لو خرج حيًا؛ لأن الشافعي﵁- قال: خذها وما نقصها، وقيمة من كان منهم ميتًا؛ بخلاف ما لو كان جاهلًا بالتحريم؛ لأن الولد هناك انعقد على الحرية، ولا يضمن الحر باليد.
والأول المذهب؛ أنه لا يضمن، والنص محمول على ما إذا خرج حيًا، ثم مات.
ولو ألقت جنينًا ميتًا بضرب ضارب- فعلى الضارب عُشُر قيمة الأم، والمالك بالخيار: إن شاء أخذه من الغاصب، وإن شاء أخذه من الضارب، والقرار على الضارب.
ولوطئها الغاصب جاهلًا بالتحريم: فالولد حر ثابت النسب، وعلى الغاصب قيمته باعتبار يوم السقوط؛ لأنه أول حالة يمكن فيه تقويم الولد، فإن خرج ميتًا: لا يجب عليه ضمان الولد؛ لأنا لا نتيقن أنه نُفخ فيه الروح، وأن الغاصب أتلفه، ولا يلزم الضمان بالشك.
وإن ألقت جنينًا ميتًا عقيب الضرب: كان الظاهر أنه بضربه، وللمالك عُشر قيمة الأم على الغاصب؛ لأنه كما يقوم الجنين على الضارب: يقوم للمالك؛ وإنما قلنا: يستحق عُشر قيمة الأم؛ لأن حقه في القيمة؟ بدليل أنه لو خرج حيًا: كان يستحق قيمته؛ باعتبار يوم السقوط؛ فإذا خرج ميتًا: فيستحق عُشر قيمة الأم، فإن كانت الغُرة وعُشر قيمة الأم سواء: أخذها السيد، فإن كانت الغُرة أكثر: أخذ السيد قدر عُشر قيمة الأم، والباقي لورثة الجنين، فإن كانت الغرة أقل: أخذها السيد، وعلى الغاصب ما زاد عليها إلى تمام عُشر قيمة الأم؛ لأن الولد لو كان مملوكًا: كان يجب للسيد على الجاني عُشر قيمة الأم؛ فالنقصان كان لحريته، وحريته بسبب اعتقاد الغاصب، وإذا ماتت الأم في يده: لزمه قيمتها أكثر ما كانت من حين غصبها إلى أن تلفت، ويدخل في ذلك ضمان أرش البكارة ونقصان الولادة؛ لأن ذلك ضمان نقص الأجزاء، وقد ضمن هو الجملة؛ فدخل فيها نقص ضمان الأجزاء.
وإذا أتت المغصوبة بولد من زوج أو زنا: فهو مضمون على الغاصب، كالولد الذي أتت به من الغاصب؛ وكذلك: ولد التهمة؛ سواء غصبها حاملًا أو حائلًا، وإذا دخل الأم نقص بالولادة: يجب عليه ضمان نقصان الولادة مع قيمة الولد.
[ ٤ / ٣١٣ ]
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: ولد المغصوبة لا يكون مضمونًا على الغاصب؛ سواء غصبها حاملًا أو حائلًا؛ إلا أن يطالبه المالك برده، فلم يرد: ضمن؛ وكذلك: جميع ما يحدث من الزوائد من المغصوب: يكون أمانة عند الغاصب.
وإذا دخل الأم نقص بالولادة عنده: يتخير نقصان الولادة بالولد، وإن كان بالنقصان أكثر من قيمة الولد- قالوا: لا يجب إلا تلك الزيادة؛ فنقيس على ولد الصيد يحدث مضمونًا على المحرم بالجزاء، كذلك هذا يؤيده: أن المحرم إذا غصب ظبية مملوكة، فأتت بولد، وتلف الولد في يده من غير صنع من جهته: فلم يجب الجزاء لله تعالى مع أن حق الله تعالى أقرب إلى السقوط؛ فلأن تجب القيمة للمالك أولى؛ مع أن حقوق العباد أقرب إلى اللزوم.
ولو وطئ رجل حرة أجنبية- نُظر: إن كانا عالمين بالتحريم: يجب عليهما الحد، ولا مهر لها، ولا عدة عليها، وإن حدث ولد: لا يثبت النسب، وإن كانا جاهلين بالحال: لا حد عليهما، ولها المهر، وعليها العدة، وثبت النسب، وإن كان الرجل عالمًا، والمرأة جاهلة أو مكرهة، أو كانت نائمة: فيجب على الرجل الحد، ولا حد على المرأة، ولا عِدة؛ لأنه لا حرمة لماء الرجل، ولا يثبت النسب، وكذلك: لو زنا عاقل بمجنونة: فإن كان الرجل جاهلًا، وهي عالمة أو كان نائمًا، فاستدخلت ذكره: لا حد عليه، ولا مهر لها؛ لأنها زانية، ويجب عليها الحد، وتجب عليها العدة لحرمة ماء الرجل، ويثبت النسب، وكذلك: لو مكنت عاقلة من مجنون.
وعند أبي حنيفة: الحد والمهر لا يجتمعان، فإذا أكره امرأة على الزنا: لا يجب عليها الحد، ولا مهر لها؛ حتى لو غلط بامرأة، فوطئها على ظن أنها زوجته- قال: إن كان هذا ليلة الزفاف-: يجب المهر، ولا يجب الحد؛ لشبهة العقد، وإن كان في ليلة أخرى: يجب الحد، ولا يجب المهر، وقال: لأنه فعل واحد لا يتعلق به موجبان؛ أحدهما: يسقط بالشبهة، والآخر: لا يسقط، وكذلك: قالوا في السرقة: لا يجتمع القطع والغرم.
قلنا: المهر أحد ما يجب بالوطء في ملك الغير؛ فيجب على المكره العالم؛ كالحد.
يؤيده: أن المهر حق المرأة، والحد حق الشرع، فلا يمتنع اجتماعهما؛ كالمحرم: إذا قتل صيدًا مملوكًا: يلزمه الجزاء لله تعالى، والقيمة للمالك، وإن لم يكن بُد من إسقاط أحدهما: وجب أن يسقط الحد؛ لأنه يتدرك بالشبهة، ويجب المهر؛ لأنه ثبت مع الشبهة.
[ ٤ / ٣١٤ ]
فصلٌ في بيع الغاصب الجارية المغصوبة
إذا باع الغاصب الجارية المغصوبة: فكل ما ذكرناه أنه يلم الغاصب من أجر مثل وأرش نقص ومهر وقيمة ذلك: فإنه يلزم المشتري أيضًا؛ لأنه أخذه من يد ضامنه؛ فكان مضمونًا عليه، فإن وطئها المشتري- نُظر: إن كان عالمًا بالحال: عليه الحد والمهر إن كانت مكرهة؛ كما ذكرنا في الغاصب، ولا رجوع له على الغاصب، فإذا أخذه المالك من الغاصب: رجع عليه، وإن كان جاهلًا بالحال: فلا حد عليه، وعليه المهر، وهل يرجع المشتري بالمهر بعدما غرم على الغاصب؟ فيه قولان:
أحدهما- قاله في القديم-: يرجع؛ لأنه غره، وهو لم يشرع في العقد على أن يضمن المهر.
والثاني- وهو الأصح، وهو قوله الجديد: لا يرجع؛ لأنه أتلف منفعة البُضع؛ كما لو قتلها؛ يغرم قيمتها، ولا يرجع على الغاصب. فإن قلنا: يرجع بالمهر على الغاصب.
فإن كانت بكرًا، فافتضها: إن قلنا: لا يفرد أرش الافتضاض: رجع بالكل على الغاصب، وإن قلنا: يفرد: فيرجع بمهر الثيب، ولا يرجع بأرش الافتضاض؛ لأن وجوبه بمقابلة نقص حدث بفعله؛ كما لو قطع يدها: غرم الأرش، ولا يرجع على الغاصب.
ولو استولدها: فالولد حر ثابت النسب، وعليه قيمته للمالك باعتبار يوم السقوط، ورجع بعدما غرم على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه على أن يضمنه، وكذلك: نقصان الولادة.
ولو خرج الولد ميتًا: لا شيء عليه، ولو ألقت الجنين ميتًا يضرب ضارب: يجب على الضارب الغُرة للمشتري، وعلى المشتري للمالك الأكثر من قيمة الغرة أم قيمة الولد يوم سقط، ويرجع على الغاصب.
ولو استرضعهما المشتري ولده، أو ولد غيره: يجب عليه للمالك أجر المثل، وهل يرجع على الغاصب؟ فيه قولان؛ كالمهر.
وهذا بخلاف ما لو اشترى شاة مغصوبة جاهلًا، فولدت، فشرب المشتري لبنها: يغرم مثل اللبن، وفي الآدمية: أوجبنا الأجرة؛ لأن الآدمية ترضع بالأجرة، ولبن البهيمة لا يتلف بالأجرة، ثم هل يرجع بما غرم من اللبن على الغاصب؟ فعلى قولين.
ولو تناولت السخلة اللبن: يغرمه المشتري، وإن عاد نفعه إلى المالك؛ كما لو
[ ٤ / ٣١٥ ]
غصب شعيرًا وأقضمه دابة مالكه: يغرم. قال الشيخ: ولو تناولت السخلة اللبن، وغرمه المشتري: وجب أن يرجع على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه؛ على أن يضمنه، ولم يعد نفعه إليه، كالسخلة، إذا ماتت في يد المشتري: غرم قيمتها، ورجع على الغاصب، ولو أكلها المشتري: غُرم، وهل يرجع؟ فيه قولان، كالمهر.
وجملة هذا التفصيل: إن كان نقص حدث بالمغصوب قبل البيع من فوات جزء وفوات منفعة، يكون ضمانه على البائع؛ لا يطالب به المشتري.
أما ما حدث في يد المشتري: فالمالك بالخيار: إن شاء طالب به الغاصب، وإن شاء طالب المشتري، والقرار على من يكون؟ نُظر: إن كان المشتري عالمًا بأنه مغصوب: فالقرار يكون عليه، فإن أخذه المالك من الغاصب: رجع الغاصب على المشتري، وإن أخذ من المشتري: لا يرجع على الغاصب، وإن كان المشتري جاهلًا؛ بأنه مغصوب: فكل ضمان لزم المشتري الجاهل من الغاصب، وأداه مما شرع فيه على أن يضمنه: لم يرجع به على الغاصب، وما شرع فيه على ألا يضمنه؛ مثل ضمان المنافع- نُظر: إن لم يستوف بمقابلته شيئًا: رجع، وإن استوفى: فقولان، خرج منه أن العين: لو تلفت في يده: ضمن قيمتها أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف، ولم يرجع على الغاصب، لأنه شرع فيه على أن يضمن العين؛ كذلك الأجزاء: إذا تلفت في يده: يضمن أكثر ما كانت قيمتها من حين حصل في يده إلى أن تلفت الأجزاء، ولا يرجع على الغاصب: فإن أتت بولد، وهلك في يد المشتري: غرم قيمته، ويرجع على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه على أن يضمنه، وما تلف في يده من المنافع: إن لم يستوفها: غرم، ورجع على الغاصب: فإن استخدم العبد، وسكن الدار: يغرم الأجرة، وهل يرجع على الغاصب؟ فيه قولان؛ فكل موضع أثبتنا للمشتري الرجوع على الغاصب: فإذا أخذه المالك من الغاصب: لا رجوع له على المشترين وما لا يرجع به المشتري على الغاصب، فإذا أخذ من الغاصب: له الرجوع به على المشتري.
قال الشيخ: والقياس ألا يرجع المشتري على الغاصب؛ بما أنفق على العبد، وما أدى من خراج الأرض؛ لأنه شرع فيه على أن يضمنها.
وإذا تلفت العين المغصوبة في يد المشتري: فإن كانت قيمتها في يد الغاصب
[ ٤ / ٣١٦ ]
والمشتري سواء، أو كانت قيمتها في يد المشتري أكثر: فللمالك أن يأخذ من أيهما شاء، فإن أخذ من الغاصب: رجع على المشتري، وإن أخذ من المشتري: لا يرجع على الغاصب، وإن كانت قيمتها في يد الغاصب أكثر؛ بأن كانت قيمتها في يد الغاصب ألفًا، فعادت إلى خمسمائة، ثم باعها وتلفت في يد المشتري- فالمالك إن غرم الغاصب له أن يغرمه الألف، ثم هو لا يرجع على المشتري إلا بخمسمائة، وإن غرم المشتري: لا يغرمه إلا خمسمائة، ويأخذ خمسمائة من الغارم؛ لأن المشتري لا يكون طريقًا فيما تلف في يد الغاصب؛ لأنه لم يدخل في يده.
ولو أن الغاصب أجر العين المغصوبة- نُظر: إن كان المستأجر عالمًا بأنها مغصوبة: فهو غاصب، والغاصب يضمن القيمة وأجر المثل من حين أخذها، ولا يرجع على الغاصب؛ وكذلك: إذا استودع أو استعار من الغاصب عالمًا، أما إذا كان المستأجر جاهلًا بأنها مغصوبة: يجب عليه أجر المثل للمالك من حين أخذها، ولا يرجع على الغاصب؛ لأنه شرع فيه على أن يضمن المنفعة، وإن ضمن المالك أجر تلك المدة من الغاصب: رجع عليه الغاصب، وإن تلفت العين في يد المستأجر: تجب قيمتها على الغاصب؛ لأن المستأجر لم يشرع فيه على أن يضمن العين، وكذلك لو أودعه الغاصب من إنسان، أو رهنه، أو قارضه، أو وكلَ ببيعه، ودفعه إلى الوكيل، فتلف عنده: يجب ضمان العين والمنفعة على الغاصب، ويتقرر عليه، وهل يكون المستأجر والمستودع والمرتهن والوكيل طريقًا فيه أم لا؟ فعلى وجهين، وكذلك: لو ولدت عنده، فهلك الولد، هل يكون طريقًا في قيمة الولد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون طريقًا؛ لحصول العين في يده.
والثاني: لا يكون طريقًا؛ لأن أيديهم أيدي أمانة.
ولو زوجها الغاصب، فماتت تحت الزوج: يجب على الغاصب القيمة، والزوج هل يكون طريقًا؟ قيل: فيه وجهان؛ كالمودع، قيل-[و] هو المذهب: لا يكون طريقًا؛ لأن الزوج لا يحتوي على الزوجة.
ولو وطئها الزوج- غرم مهر المثل للمالك، ولا يرجع على الغاصب؛ لأنه شرع فيه على أن يضمن المهر، والغاصب يكون طريقًا فيه، بخلاف المغرور بالحرية: يغرم المهر، ويرجع على الغار؛ على أحد القولين؛ لأن النكاح هناك كان صحيحًا، ففسخ، وفسخ العقد يوجب استرداد الباذل ما بذل، وههنا: العقد غير صحيح، وقد أتلف منفعة البضع؛ فيغرم، ولا يرجع؛ نظيره من المغرور لو غر بأمة، وهو واجدٌ لطول الحرة أو غير خائف من
[ ٤ / ٣١٧ ]
العنت، فوطئها جاهلًا: غرم المهر، ولا يرجع على الغار.
ولو استخدمها الزوج: يجب عليه أجر المثل، ولا يرجع على الغاصب؛ لأن الغاصب لم يسلطه على الخدمة.
ولو أعار المغصوب من إنسان أو ساومه أو أقرضه، فهلك عندهم: فقرار الضمان عليهم؛ لأن أيديهم أيدي ضمان، والغاصب طريق فيه؛ كما لو غصبه رجل من الغاصب، أو سرق منه: ضمنه، والغاصب طريق فيه.
أما الأجزاء: إذا تلفت بالاستعمال في يد المستعير: ضمنها، ورجع على الغاصب؛ لأنه لم يشرع فيه على أن يضمن الأجزاء.
ولو غصب طعامًا، فأطعمه إنسانًا؛ بأن قدمه إليه؛ حتى أكل- نُظر: إن أكله عالمًا: فللمالك يغرم أيهما شاء، وقرار الضمان على الآكل، وإن أكله جاهلًا: فالمالك: يغرم أيهما شاء، وقرار الضمان على من يكون؟ فيه قولان:
أحدهما: على الغاصب؛ لأنه غر الطاعم.
والثاني- وهو الأصح، وهو اختيار المزني، وهو قول أبي حنيفة: يكون على الآكل؛ لأنه المتلف.
فإن قلنا: على الغاصب: فإذا غرم الآكل: رجع على الغاصب، وإن قلنا: على الآكل: فإذا غُرم الغاصب: رجع على الآكل، وإذا غرم الآكل: لا يرجع على الغاصب.
ولو أن الغاصب قدمه إلى المالك، حتى أكله: فإن كان عالمًا: برئ الغاصب من الضمان، وإن كان جاهلًا: ففيه قولان: إن قلنا: قرار الضمان على الطاعم: يبرأ الغاصب، وإن قلنا: على الغاصب: لا يبرأ الطاعم؛ وعلى هذا لو غصب شيئًا، فوهبه من إنسان، فتلف في يد المتهب: يضمن المتهب، وقرار الضمان على من يكون؟ فعلى قولين:
أصحهما: على المتهب؛ كما في البيع: يكون على المشتري؛ لأنه أخذه للتملك.
والثاني: على الواهب.
ولو وهبه من المالك، فأخذه جاهلًا: هل يبرأ الغاصب أم لا؟ إن قلنا: الإقرار
[ ٤ / ٣١٨ ]
على المتهب: يبرأ؛ وإلا فلا.
وإن كانت جارية، فاستولدها المتهب: فالولد حر وعليه قيمته، وهل يرجع على الواهب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع؛ كما يرجع على البائع.
والثاني: لا يرجع؛ بخلاف البائع؛ لأنه ضمن له سلامة الولد، والواهب متبرع لم يضمن سلامة شيء.
ولو أمر الغاصب إنسانًا بإتلافه، فأتلفه جاهلًا، هل يتقرر عليه الضمان؟ فيه قولان؛ كالإطعام، والمذهب: أنه يتقرر.
وإذا قاله للمالك، ففعل: يبرأ عن الضمان؛ لأن الإتلاف محظور؛ بخلاف الآكل.
ولو أجره من المالك، أو أودعه، أو رهنه، أو زوج، وهو جاهل، فتلف عنده: لا يبرأ؛ لأنه لم يعد إلى سلطانه، ولو فعله مع أجنبي: لا يتقرر عليه الضمان، فإن باعه من المالك، أو أعاره، أو أقرض- يبرأ، ولو كان المغصوب عبدًا، فقال الغاصب للمالك: أعتقه، فأعتقه جاهلًا- يعتق، ويبرأ الغاصب، بخلاف الإطعام لا يبرئه في قول؛ لأن الأكل يباح في ملك الغير، والعتق لا ينفد.
ولو قال الغاصب: أعتقه عني، ففعل جاهلًا: هل يعتق؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو قال: أعتق عبدي من فلان، وفلان لم يأمره: هل يعتق؟ فيه وجهان.
ولو قال المالك للغاصب: أعتقه، فأعتق: يعتق ويبرأ؛ سواء قال: أعتقه عني، أو قال: مطلقًا.
وفرع الشيخ قاضينا الحسين﵀- على هذا الأصل: لو باع طعامًا، ثم إن البائع أطعمه المشتري، فأكله جاهلًا: هل يكون قبضًا يستقر به عليه الثمن؟ فعلى وجهين؛ بناءً على براءة الغاصب؛ وكذلك: لو باع كرباسًا، ثم قال البائع للمشتري: اقطع لي منه قميصًا، ففعل: إن كان عالمًا: كان من ضمانه، وإن كان جاهلًا: فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان.
[ ٤ / ٣١٩ ]
فصلٌ في تصرف الغاصب في المغصوب بالزيادة والنقصان
روي عن ابن عمر قال، قال رسول اللهﷺ-: "من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه: خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين".
غصب العقار متصور موجب للضمان، وهو أن يستولي عليه؛ فيمنع المالك.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: غصب العقار لا يتصور، والحديث حجة عليه، ولأن ما يضمن بالعقد يضمن بالغصب؛ كالمنقول، فإذا غصب أرضًا وبنى فيها أو غرس أو زرع: يقلع مجانًا؛ لما روي عن سعيد بن زيد: "أن النبيﷺ- قال: ليس لعرق ظالم حق".
[ ٤ / ٣٢٠ ]
فللمالك أن يكلف الغاصب قلعها وتسوية الأرض، ثم الشافعي﵁- ههنا: أوجب أرش النقصان، ولم يوجب تسوية الأرض، فقال فيما لو باع أرضًا، وفيها حجارة مستودعة، فقلعها: إن عليه تسوية الأرض، فاختلف أصحابنا فيه.
[ ٤ / ٣٢١ ]
فمنهم من جعلها على قولين:
أحدهما: يلزمه أرش النقصان؛ لأن الحفر نقص حصل بفعل مضمون، فيقال الضمان.
والثاني: يلزمه تسوية الأرض؛ لأن جبران النقص بالمثل أولى من جبرانه بالقيمة.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
ومنهم من قال في الغصب: يجب الأرش؛ لأن الغاصب متعد، فغلظ الأمر عليه، والبائع يلزمه تسوية الأرض؛ لأنه غير متعد؛ فلم يلزمه أكثر من التسوية، فإن أوجبنا التسوية، فبقي بعد التسوية نقص: يجب أرش ذلك النقص، ويأخذ منه أجر مثل الأرض من حين غصب إلى أن يفرغ من التسوية: فإن دخل الأرض نقص لطول مدة الغراس: هل يجمع بين أرش النقصان وأجر مثل المدة أم يجب أكثرهما؟ فيه وجهان؛ كالثوب يبلى بالاستعمال.
ومن اشترى أرضًا وبنى فيها، وغرس، ثم استحقت: فللمستحق قلع الغراس والبناء، ثم المشتري يرجع على البائع بالنقص الذي دخل البناء والغراس؛ على ظاهر المذهب، ولو حفر الغاصب في الأرض المغصوبة بئرًا: فللمالك إجباره على أن يطمها، فإن رضي بن المالك: يجوز للغاصب أن يطمها، وإن كان التراب تالفًا: له أن يطم بتراب من عنه؛ لأنه يخاف ضرره، فإنه لو تردى فيها شيء وهلك: يجب عليه ضمانه، فلو أبرأ الغاصب عن ضمان ما يقع: ففيه وجهان:
أحدهما: يصح الإبراء، ولم يكن له بعد ذلك طمها؛ كما لو حفر بإذنه.
والثاني: لا يصح؛ لأنه أبرأه عن شيء لم يجب.
وإن كان الغاصب طوى البئر بآلة نفسه: فللغاصب نقل تلك الآلة، وللمالك إجباره على نقلها، وإن تركها إليه: لا يلزمه القبول؛ كما لو غرس وبنى في الأرض، ثم ترك الغراس والبناء إلى المالك: لا يُجبر على قبوله.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
ولو نقل التراب عن الأرض المغصوبة: فللمالك إجباره على رد التراب، فإن كان تالفًا: فعليه رد مثله، وإن لم يقدر: ضمن النقص الذي دخل الأرض، فإذا أخذ التراب مبسوطًا، ورده: للمالك إجباره على بسطه، وعلى الغاصب أجر مثل الأرض لمدة رد التراب وبسطه، وإن رضي المالك بألا يبسطه: ليس له بسطه، وإن كان أخذ التراب من موضع: ليس للمالك إجباره على نقله إلى أقصى الأرض، وإن رضي المالك بألا يرد التراب المنقول- هل للغاصب رده؟ نُظر: إن كان قد حفر فيها حفرة: له رده؛ لأنه يخاف ضررها، وإن لم يحفر- نُظر: إن نقل التراب إلى ملك الغير، أو إلى شارع: فله رده؛ لأنه يخاف ضرره؛ فإنه لو زلقت به رجل حيوان، فتلفت: يجب عليه الضمان، وكذلك: لو نقل إلى ملك نفسه: له رده، أو كان قد دخل الأرض نقص يريد المالك تضمينه: فله رده، ولو لم يكن شيء من ذلك، وكان نقل التراب إلى موات: لم يكن له رده، فلو رده، هل للمالك إجباره على إخراجه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ملكه.
والثاني: له ذلك؛ لأنه ترك حقه فيه؛ فذاك حقه إلى كافة الناس.
ولو غصب دارًا، فزوقها- نُظر: إن كان يحصل منه عين مال، لو نزع: فللغاصب نزع التزويق؛ سواء كان لذلك التزويق قيمة أو لم يكن؛ لأنه عين ماله؛ كالصبغ في الثوب، ويغرم أرش نقص يدخل الدار، وللمالك إجباره على نزعه، فلو ترك الغاصب التزويق إليه: هل يُجبر على قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يُجبر؛ كالقصارة في الثوب؛ لأنه صار صفة لملكه، فعلى هذا: ليس له أن يكلفه النقل.
والثاني: لا يُجبر؛ لأنه عين ماله، ولا يجبر على تمليك مال الغير؛ كما لا يجبر على قبول الغراس والبناء.
وإن كان التزويق تمويهًا لا يحصل منه شيء: ليس للغاصب نزعه، إذا رضي به المالك، وهل للمالك إجباره على نزعه؟ فيه وجهان:
أصحهما: ليس له ذلك؛ لأنه لا غرض له فيه؛ كالثوب إذا قصره.
والثاني: له ذلك؛ لأن له غرضًا، وهو أن يأخذ أرش النقصان.
ولو غصب قطنًا، فغزله: فالغزل للمالك، وإن دخله نقص: فعلى الغاصب أرش النقصان، وإن زادت قيمته: فلا شيء للغاصب؛ كما لو غصب ثوبًا، فقصره، وزادت
[ ٤ / ٣٢٤ ]
قيمته أو حنطة، فطحنها: لا شيء للغاصب، وإن انتقصت قيمته: عليه أرش النقصان؛ وكذلك: لو غصب غزلًا، فنسجه: فالكرياس للمالك، وإن دخله نقص: غرمه الغاصب، وإن زادت قيمته: فلا شيء للغاصب، وليس للغاصب نقضه، إذا رضي به المالك؛ لأنه ليس له فيه عين مال، وهل للمالك إجباره على نقضه؟ نُظر: إن كان لا يمكن نسجه ثانيًا، ولا رده إلى الحالة الأولى: ليس له ذلك، وإن أمكن نسجه ثانيًا؛ كالخز: فله إجباره على نقضه، فإن بقي فيه نقص: أخذ أرشه، وإن كان قيمة الغزل عشرة، فبلغت قيمته بالنسج خمسة عشر، فنقصه، فانتقصت قيمته عن عشرة: يضمن النقصان عن العشرة، وهل يضمن النقصان عن خمسة عشر إلى العشرة؟ نُظر: إن نقصه بأمر المالك: لا يضمن؛ لأنه رضي بذلك النقص، وإن نقصه دون أمره: ضمن.
ولو غصب نُقرة، فطبعها دراهم أو نُحاسًا، فاتخذ منه إناء أو جوهر زجاج، فاتخذ منه قدحًا أو طينًا، فضرب منه لبنًا: للمالك إجباره على الرد إلى الحالة الأولى، فإن رضي به المالك: ليس للغاصب رده إلى الحالة الأولى، وعليه أرش النقصان، وإن كان قد أدخل في النقرة غشًا: للمالك إجباره على إخراج الغش.
قال المُزني﵀-: ليس للغاصب دفن البئر، ولا نزع التزويق، ولا رد التراب الذي نقله إذا رضي به المالك، كالنقرة يطبعها، والطين يضرب منه اللبن، والغزل ينسجه.
قلنا: في دفن البئر، ورد التراب له منفعة، وفي نزع التزويق: يأخذ عين ماله، ولا منفعة له في رد الدراهم واللبن إلى الحالة الأولى، ولا في نقص الكرباس.
ولو غصب ثوبًا، فصبغه بصبغ من عند نفسه: فإن كان الصبغ، لو نزع: يحصل منه عين نمال-: فللغاصب إخراجه، وللمالك إجباره على إخراجه؛ سواء كان لذلك قيمة بعد الإخراج، أو لم يكن؛ لأنه عين مال.
قال ابن سُريج: إذا أراد صاحب الثوب استخراج الصبغ، وامتنع الغاصب: لا يجبر عليه؛ لأن الصبغ يهلك بالاستخراج؛ بخلاف الغراس: يجبر على إخراجه؛ لأنه لا يهلك بالقلع؛ بل تنتقص قيمته، والأول أصح؛ أنه يجبر على إخراجه؛ كالغراس: فإن دخل الثوب نقص: يغرم أرش النقصان، ولو ترك الغاصب الصبغ إليه: هل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا في التزويق، وإن كان الصبغ لا يحصل منه شيء بالإخراج: ليس
[ ٤ / ٣٢٥ ]
للغاصب إخراجه، وإن كان يزداد به قيمة الثوب؛ لأنه يتصرف في ملك الغير، وهل للمالك إجباره على إخراجه؟ فيه وجهان؛ كالتزويق، وإن كان الصبغ يحصل منه شيء، فتراضيا على ترك الصبغ فيه: فهما شريكان فيه، كل واحدب قدر ملكه؛ بخلاف ما لو قصر الثوب: لا يكون شريكًا؛ لأنه ليس له عين مال في القصارة؛ مثل: إن كانت قيمة الثوب عشرة، وقيمة الصبغ عشرة، وبعد الصبغ: قيمته عشرون: فهو بينهما يباع ويأخذ كل واحد نصف ثمنه؛ وكذلك: إذا زادت قيمته؛ فصارت ثلاثين: فهو بينهما يأخذ كل واحد نصف ثمنه؛ لأن الزيادة حصلت في ملكهما، وإن انتقصت قيمته، وإن كانت قيمته بعد الصبغ خمسة عشر: فهو بينهما أثلاثًا: الثلثان لمالك الثوب، والثلث للغاصب، ويجعل النقصان من الصبغ؛ لأن النقصان حصل بفعل الغاصب.
ولو غبن إنسان، وبيع منه بأكثر من خمسة عشر: يكون الكل بينهما أثلاثًا.
ولو نزع الغاصب الصبغ، فانتقصت قيمته عن عشرة: يغرم النقصان عن عشرة، وهل يغرم النقصان عن خمسة عشر؟ نُظر: إن نزع بمطالبة المالك: لا يغرم؛ وإلا فيغرم، ولو كانت قيمته بعد الصبغ عشرة: حُسب النقصان على الغاصب؛ فإن بيع الثوب بعشرة: تكون كلها لصاحب الثوب، فإن انتقص عن العشرة: فهو للمالك، وعلى الغاصب أرش النقصان عن العشرة، وإذا لم تزد قيمة الثوب على العشرة، أو انتقصت عن العشرة: لم يبق للغاصب في الثوب حق؛ لأن ماله- وهو الصبغ- مستهلك، فإذا أراد استخراج الصبغ: إذا كان يحصل منه شيء- أجيب إليه؛ لأنه عين ماله؛ كما لو غرس في الأرض المغصوبة، وأراد قلعه- له ذلك، ثم إذا انتقص قيمة الثوب باستخراج الصبغ: ضمن النقصان، وإذا زادت قيمة الثوب بالصبغ، ولم يتفقا على البيع- نظر: إن أراد صاحب الثوب البيع، وامتنع الغاصب: يباع؛ لأن الغاصب متعد: لا يملك منع المالك من بيع ماله.
فإن أراد الغاصب البيع، وامتنع المالك، هل يجبر عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يُجبر؛ كما يجبر الغاصب.
والثاني: لا يُجبر؛ لأن الغاصب متعد؛ فلا يستحق إزالة ملك المالك عن ثوبه.
ولو غصب ثوبًا وصبغًا من رجل، فصبغه به- نُظر: إن لم تنتقص قيمة الثوب والصبغ: أخذه المالك، ولا شيء له، وإن زادت قيمته: فلا شيء للغاصب، وإن انتقصت قيمة واحد منهما: غرم أرش النقصان، وقوم كل على الانفراد، فلو أراد المالك إجباره على إخراج الصبغ: له ذلك، إذا كان يحصل منه شيء.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
قال الشيخ﵀-: وإن كان لا يحصل منه شيء: له إجباره- أيضًا- على إخراجه لرد الثوب إلى ما كان عليه، إن أمكن، فإن رضي به المالك: لم يكن للغاصب نزعه؛ لأنه ليس فيه عين مال؛ كالطين: يضرب منه لبنًا.
ولو غصب ثوبًا من رجل، وصبغًا من آخر، وصبغه به: فإن لم تزد قيمته: فالثوب بينهما على قدر الملكين، وإن زاد: فالزيادة بينهما على قدر الملكين، وإن انتقص بأن كانت قيمة كل واحد عشرة، وكان بعد الصبغ قيمته خمسة عشر: فالثوب بينهما نصفان، ويرجعان على الغاصب بخمسة.
وقال﵁-: القياس أن يكون الثوب بينهما أثلاثًا، ولو غصب أرضًا وبذر بذره فيها: للمالك إجباره على إخراج البذر، ويغرمه النقصان، فلو رضي به المالك: ليس للغاصب إخراجه؛ لأنه ليس له فيه عين مال.
فصلٌ [فيما لو غصب شيئًا فخلطه]
ولو غصب شيئًا، فخلطه بما لا يتميز فيه من جنسه؛ مثل: إن غصب زيتًا فخلطه بجنسه، أو حنطة فخلطها بحنطة أخرى- نُظر: إن خلطه بمثله أو بأجود منه، فإن أعطى الغاصب مكيلته منه: يجبر على القبول، وإن أعطى من موضع آخر- هل يجبر على قبوله؟ فيه قولان:
أصحهما: يجبر؛ لأن ماله صار مستهلكًا بالخلط، والخيار فيه إلى الغاصب.
والثاني: لا يجبر؛ لأن عين ماله قائم، بل يكون شريكًا فيه؛ فعلى هذا: إن كان يخلطه بمثله: أخذ منه مكيلة زيته، وإن خلطه بأجود: يكون شريكًا فيه بقدر حقه؛ مثل: إن كانت قيمة مكيلته درهمًا، أو قيمة مكيلة الغاصب درهمين، فيباع ويقسم الثمن بينهما أثلاثًا: الثلث للمغصوب منه، والثلثان للغاصب، وإن أراد القسمة؛ ليأخذ المالك ثلثه: فالمذهب أنه لا يجوز؛ لأن القسمة بيع، ولا يجوز قسمة مال الربا متفاوتًا مع استواء الحقين في القدر.
وقال في رواية البويطي: يجوز، وهذا يخرَّج على قولنا: إن القسمة إفراز حق؛ فإن جوزنا إنما نُجوز بالتراضي.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وإن خلط بأردأ؛ مثل: إن كانت قيمة المغصوب درهمين، فخلط بمكيلة زيت، قيمته درهم.
فإن قلنا: ماله مستهلك بالخلط: يجب على الغاصب مثل زيته من غيره، ويجبر المالك على قبوله، وإن قلنا: غير مستهلك: يكون شريكًا فيه؛ فيباع ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمة ملكيهما.
ولو أخذ المالك مكيلة زيته منه: هل له أن يأخذ أرش النقصان أم لا؟ إن قلنا: ماله مستهلك: ليس له ذلك؛ لأنه رضي بالأردأ؛ كما لو أعطى صاعًا رديئًا من موضع آخر، ورضي به، وإن قلنا: ماله قائم: فله أن يأخذ أرش النقصان.
ولو غصب دقيقًا، فخلطه بدقيق له.
قال ابن سُريج: الدقيق مثلي؛ لأن تفاوته في النعومة والخشونة: ليس بأكثر من تفاوت الحنطة في صغر الحب وكبره؛ فعلى هذا: حكمه حكم الحنطة يخلطها بحنطة أخرى، والصحيح: أن الدقيق متقوم؛ لأنه لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ فعلى هذا: فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه قيمته؛ لأنه صار بالخلط مستهلكًا.
والثاني: يكون الدقيق مشتركًا بينهما؛ فيباع ويقسم الثمن بينهما؛ كما ذكرنا فيما لو خلط الزيت بالزيت.
أما إذا خلط المغصوب بغير جنس حقه- نُظر: إن أمكن التمييز بينهما؛ مثل: إن خلط الحنطة بالشعير، أو بالدرة: يجبر على أن يميز، ويرد المغصوب؛ وكذلك: لو غصب حنطة بيضاء، فخلطها بحنطة سمراء: يجب عليه التمييز، وإن شق عليه، وإن لم يمكن التمييز؛ مثل: إن غصب زيتًا، فخلطه ببانٍ أو دقيق حنطة فخلطه بدقيق شعير: فماله مستهلك؛ يجب عليه؛ مثل: زيته وقيمة دقيقه.
ولو غصب زيتًا فنجَّسه: يجب عليه رد مثله، والمالك أولى بالاستصباح به؛ كمن غصب شاة، فماتت في يده غرم قيمتها، والمالك أولى بدبغ جلدها.
ولو صُب في الزيت ما أمكن التمييز: عليه أن يميز، ويغرم ما يدخله من النقص، وإن لم يكن: فهو كما لو خلطه ببانٍ.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
فصل فيما لو أحدث صنعة بالمغصوب
إذا غصب زيتًا، فأغلاه- نُظر: إن لم ينتقص قيمته، ولا عينه: رده، ولا شيء عليه، فإن زادت قيمته: فلا شيء له، وإن انتقصت عينه دون قيمته: رده، ويُغرم مثل ما انتقص من عينه، وإن زادت قيمة الباقي: لا يُجبر بزيادة القيمة نقصان العين، وإن انتقصت قيمته دون عينه: رده مع أرش النقصان؛ فإن انتقصت العين- نُظر: إن استويا بأن كانت قيمته أربعة دراهم، فذهب بالإغلاء نصفه، وقيمة الباقي درهمان- يرده، ويغرم مثل ما انتقص من العين، وإن كان نقصان القيمة أكثر بأن ذهب نصفه، وعادت قيمة الباقي إلى درهم: يجب عليه مثل نصفه، وارش نقصان الباقي، وهو درهم، وإن كان نقصان العين أكثر، بأن ذهب نصفه، وكانت قيمة الباقي ثلاث دراهم: يجب عليه مثل نصفه.
ولو غصب عصيرًا، وأغلاه، وانتقصت عينه دون قيمته، أو صار خلًا، فانتقصت عينه دون قيمته: عليه رده، وهل يلزمه نقصان العين؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه مثل ما انتقص من عينه؛ كما في الزيت.
والثاني- وهو قول ابن سريج-: لا يلزمه نقصان العين؛ بخلاف الزيت؛ لأن الذاهب من الزيت زيت، وهو متقوم، والذاهب من العصير ماء ورطوبة، لا قيمة له، وحلاوته باقية.
فصلٌ
ولو غصب لوحًا أو آجُرًّا، وبنى عليه: لا يملكه الغاصب؛ فعليه إخراجه من البناء، ورده إلى المالك.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يملكه، ويرد قيمته.
قلنا: بنى ملكه على ملك الغير بجهة العدوان؛ فلا يزول ملك المالك عنه؛ كما لو غصب أرضًا، وبنى فيها: لا يملكها.
ولو غصب لوحًا، فأدخله في سفينة: ينزع ويرد، فإن كانت السفينة في لُجة البحر- نُظر: إن كان اللوح في أعلاها بحيث لو نزع لا يدخلها الماء: نُزع، ويُرد، وإن كان في أسفلها، ويخاف من نزعه الغرق- نُظر: إن كان فيها حيوان محترم آدمي، أو حيوان آخر، أو
[ ٤ / ٣٢٩ ]
الغاصب نفسه: لا ينزع حتى يصل إلى الشط، بل يأخذ القيمة للحيلولة، وإذا بلغ الشط رد القيمة، وأخذ اللوح.
وإن لم يكن فيها حيوان، فإن كان فيها مال من لم يعلم أن فيها لوحًا مغصوبًا: لا ينزع، وإن لم يكن فيها إلا مال الغاصب، أو مال من علم أن فيها لوحًا مغصوبًا، فوضع فيها ماله مع علمه: فهل ينزع؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينزع، وإن غرقت أموالهم؛ كما يهدم البناء، ويرد اللوح والآجُر إلى المالك.
والثاني: لا ينزع؛ لأن له نهاية يصير إليها، فيرد اللوح من غير إتلاف، وهو إتيان الشط؛ بخلاف ما لو أدخل اللوح في البناء؛ فيأخذ في الحال قيمته، فإذا أتى الشط: ردها، وأخذ اللوح.
ولو غصب خيطًا، فخاط به ثوبًا: يجب عليه نزعه، ورده، فإن دخله نقص: غرم الأرش، وإن بلي: فهو مستهلك يسقط رده، وعليه قيمته؛ وكذلك: اللوح في البناء، فإن خاط به جُرح حيوان- نُظر: إن لم يكن الحيوان محترمًا؛ كالمرتد والحربي، أو خاط به جُرح كلب عقور أو خنزير: ينزع، ويرد.
وإن كان محترمًا- نُظر: إن كان آدميًا: يستوي فيه الغاصب وغيره، أو حيوانًا لا يؤكل لحمه- ينظر: إن كان بعد نبات اللحم، أو كان يخاف من نزعه الهلاك أو زيادة العلة: لا ينزع، بل يغرم قيمته؛ للحيلولة- وإن كان حيوانًا مأكول اللحم؛ فإن كان لغير الغاصب لا ينزع، وإن كان للغاصب- فيه قولان:
أحدهما: يُذبح الحيوان، ويُرد الخيط؛ لأن ذبحه مباح.
والثاني: لا يُذبح، بل يُغرم القيمة للحيلولة؛ لأن النبيﷺ-: "نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله"، فحيث قلنا: لا ينزع، ويغرم القيمة: فإذا مات، هل ينزع؟ نظر: إن كان الحيوان بهيمة: ينزع، ويرد، وإن كان آدميًا- فيه وجهان:
أحدهما: ينزع؛ كغير الآدمي.
والثاني: لا ينزع لحرمته.
أما إذا أكله سبع، وبقي الخيط: يرده ويسترد القيمة، وهل يجوز ابتداء غصب الخيط لخياطة جُرح حيوان محترم؟ نظر: إن كان يجد خيطًا حلالًا: لا يجوز، وإن كان لا
[ ٤ / ٣٣٠ ]
يجد: فإن كان الحيوان غير مأكول: يجوز، وإن كان مأكولًا: فعلى وجهين؛ بناءً على القولين في النزع.
فصلٌ
إذا فتح قفصًا عن طائر، فطار، أو حل رباط دابة، أو فتح باب إصطبل، فذهبت- نُظر: إن طار أو ذهب عقيب الفتح: يجب عليه الضمان؛ لأن الطيران والذهاب، إذا اتصل بالفتح: صار كأنه نفره، ولو نفره: يلزمه الضمان؛ كذلك هذا.
وإن وقف بعد الفتح، ثم طار: هل يلزمه الضمان؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو قوله الجديد-: لا يلزمه الضمان؛ لأنه طار باختياره، وللطائر والبهيمة اختيار وقصد، ألا تراهما يقصدان أكل ما ينفعهما، ويتوقيان ما يضرهما؛ فقد وجد من فاتح القفص سبب، ومن الطائر مباشرة، واختيار؛ فكان الحكم مُحالًا على المباشرة.
وفي القديم: يضمن؛ لأنه لو لم يفتح القفص: لم يمكنه الخروج.
وقيل: القولان فيما إذا طار عقيب الفتح.
أما إذا وقف بعد الفتح قليلًا، ثم طار: فلا ضمان قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يضمن في الحالين.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: يضمن في الحالين.
ولو حل: القيد عن رجل عبدٍ، فأبق: نُظر: عن كان العبد مجنونًا، أو كان آبقًا: فكالطائر إن ذهب في الحال: يضمن، وإن ذهب بعده: فقولان، وإن كان عاقلًا غير آبق: فلا يضمن بحال؛ لأن له اختيارًا صحيحًا.
ولو وقع طائر لغيره على طرف جداره، فنفره، أو رماه بحجر، فطار: لا يضمن؛ لأن رميه لم يكن سببًا لتنفيره؛ فإن كان ممتنعًا تراجع من قتل.
أما إذا رماه في الهواء، فقتله: ضمن؛ سواء كان في هواء داره، أو في غير داره؛ لأنه لا يملك منع الطائر من هواء داره.
ولو فتح زقًا فيه مائع، فسال ما فيه: يضمن سواء كان ملقى على الأرض، أو كان منتصبًا سال منه قليلًا قليلًا حتى ابتل أسفله، فسقط، وإن كان منتصبًا لا يسيل منه شيء،
[ ٤ / ٣٣١ ]
فسقط بتحريك أو ريح: لم يضمن، وإن كان ما فيه جامدًا، فشرقت عليه الشمس، فذاب، وخرج: هل يضمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يخرج بفعله؛ كما لو كان منتصبًا، فهب ريح، فسقط.
والثاني: يضمن؛ لأن الشمس لا تخرجه، بل تذيبه، والخروج كان بسبب فعله.
ولو حل زقًا فيه جامد، فأوقد رجل، آخر بقربه نارًا، فذهب، أو كان الزق محلولًا، فأوقد رجل بقربه نارًا، فذاب، وخرج: هل يضمن موقد النار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن هو ولا من حله؛ لأن الذي حل لم يوجد منه فعل موجب الضمان، وموقد النار لم يباشر.
والثاني: يضمن موقد النار؛ لأنه بإدناء النار منه مباشر، وكذلك: لو حله موقد النار، ثم أوقد بقربه نارًا، فذاب: هل يضمن؟ فيه وجهان.
ولو فتح زقًا منتصبًا، فيه ذائب، فاندفق بعض ما فيه، ثم جاء آخر ونكسه حتى خرج باقيه: يجب ضمان ما خرج بعد التنكيس على الثاني.
ولو حل رباط سفينة، فغرقت- نظر: إن غرقت في الحال: ضمن؛ لأنها تلفت بفعله، وإن غرقت بعد ساعة- نُظر: إن كان بسبب حادث؛ كريح هبت: لم يضمن، وإن غرقت من غير سبب: فعلى وجهين.
فصلٌ في الاختلاف
إذا اختلف الغاصب والمالك في تلف المغصوب، فقال الغاصب: قد تلف، وقال المالك: بل هو باق: فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يتعذر إقامة البينة عليه، فإذا هلك المغصوب في يد الغاصب، ثم اختلفا في قيمته، فقال المالك: قيمته عشرة، وقال الغاصب: بل خمسة: فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه غارم، والأصل براءة ذمته.
قال الشافعي﵁-: ولا أقومه على الصفة، يعني: لو شهد الشهود أنها كانت توصف كذا: فالقول قول الغاصب، ولا يقومه على الصفة؛ لأنه قد يكون بتلك الصفة: لا يستملح.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
فلو شهد شاهدان؛ كانت قيمته ألفًا، وادعى المالك أكثر: فالقول قول الغاصب في الزيادة، ولو قال المالك: لا أدري كم كانت قيمته: لا تسمع دعواه حتى يبين؛ فإن بين، فقال الغاصب: كان أنقص منه، ولا أدري كم كان: لا يقبل حتى يبين، وإن بين حلف عليه.
ولو شهد شاهدان: أن قيمتهما أكثر من خمسة، ولم يبينا: قال الشيخ القفال: يُقبل،
[ ٤ / ٣٣٣ ]
ولو قال: غصبت مني دارًا بالكوفة، فقال: بل غصبت بالمدينة- نظر:
إن صدقه المدعي في دار المدينة: ثبت ذلك؛ فالقول قول المدعى عليه في نفي دار الكوفة، وإن أنكر المدعي دارًا بالمدينة: ارتد برده، وهو مدع دار الكوفة؛ فالقول قول المنكر مع يمينه.
ولو باع رجل عبدًا من رجل، ثم جاء رجل يدعي أنه ملكي غصبه مني البائع: فله أن يدعي على المشتري عينه، وهل له أن يدعي على البائع قيمته؟ قد قيل: فيه قولان؛ كما لو قال: هذه العين لفلان، لا بل لفلان: يسلم على الأول، وهل للثاني أن يدعي عليه القيمة؟ فيه قولان، والمذهب- ههنا-: أن المدعي يدعي القيمة على البائع قولًا واحدًا؛ لأنه يدعي أنه تصرف في ملكه بالبيع، فإذا ادعى على البائع القيمة، فإن صدقه دفع القيمة إليه، ولا يُقبل قوله في إبطال حق المشتري.
ثم المدعي إذا ادعى العبد على المشتري، وصدقه المشتري: رد العبد إليه، واسترد الثمن من البائع، ورد المدعي القيمة إلى البائع، وإن كذبه المشتري: حلف، وبقي العبد له: فلو عاد العبد يومًا إلى البائع؛ بأن رُد إليه بعيب، أو بسبب آخر: دفعه إلى المدعي، واسترد القيمة، وإن كذبه البائع: حلف، ثم المدعي يدعي العبد على المشتري.
ولو ادعى المدعي أولًا على المشتري العبد: فإن صدقه: دفع إليه، ولا رجوع له على البائع بالثمن؛ لأنه أبطل حقه بالإقرار.
وإن كذبه المشتري: فإن أقام المدعي بينة: أخذ العبد، ورجع المشتري بالثمن على البائع، وإن لم تقم بينة: حلف المشتري، وبقي العبد له، ثم المدعي يدعي القيمة على البائع.
ولو نكل المشتري عن اليمين: حلف المدعي، وأخذ العبد، ولا دعوى له على البائع، ولا رجوع للمشتري على البائع بالثمن؛ لأنه أبطل حقه بالنكول، ولو صدقاه جميعًا: أخذ المدعي العبد، ورجع المشتري بالثمن على البائع، فإن كان المشتري قد أعتق العبد، ثم صدقاه: لا يبطل العتق بتصديقهما؛ لأنه حق الله ﷿، وإن صدقهم العبد على ذلك: فللمدعي قيمته، ثم إن كانت قيمته في يدهما سواء، أو كانت في يد المشتري أكثر: غرم المدعي أيهما شاء، وقرار الضمان على المشتري، وإن كانت قيمته في يد البائع أكثر: فيرجع بالزيادة على البائع، دون المشتري، وبالأصل: يغرم أيهما شاء، والقرار على المشتري.
ولو كاتبه المشتري، ثم تصادقا؛ أنه للمدعي: يفسخ الكتابة؛ لأنه يقبل الفسخ، والعتق لا يقبل الفسخ؛ فهو كالاستيلاد لا يرد بتصادقهما، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٣٤ ]