"باب تحريم القتل ومن عليه القصاص"
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]. ورُوي عَنْ
[ ٧ / ٣ ]
عثمان بن عفان - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يحل قتل امريء مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: كُفرٍ بعد إيمانٍ، أو زنًا بعد إحصانٍ، أو قتل نفسٍ بغير نفسٍ".
قتل الآدمي بغير جنايةٍ تبيح دمه-: حرام؛ وهو من أعظم الكبائر بعد الشرك بالله تعالى.
" [و] رُوي عن عبد الله بن مسعودٍ؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله: أي الذنب أكبر عندَ
[ ٧ / ٤ ]
الله؟: قال: أن تدعو لله ندًا، وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن تطعمه معك، قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تُزاني حليلة جارك".
فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ثم القتل إذا كان عمدًا يتعلق به القصاص عند وجود تكافؤ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
وعن ابن عباس - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "من قُتل عمدًا فهو قودٌ، ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ".
وشرائط التكافؤ اثنان: الإسلام والحرية، فإذا استوى القتل والمقتول في الإسلام والحرية، ولم يكن بينهما شبهة الأبوة، وكان القتل عمدًا محضًا - وجب القصاص، فإن اختلفا في الكفاءة قُتل المفضول بالفاضل، ولا يقتل الفاضل بالمفضول.
بيانه: يُقتلُ المسلمُ بالمسلمِ، والذمي بالذمي والمعاهد بالمعاهد [وإن اختلف دينهما، ويقتل المعاهدُ بالذميِّ، والذميُّ بالمعاهدِ]، ولا يقتلُ المسلمُ بالذميِّ ولا بالمعاهدِ؛ لما رُوي عن علي - ﵇ - أن النبي - ﷺ - قال:"لا يُقتل مؤمنٌ بكافرٍ".
[ ٧ / ٥ ]
وهذا قولُ أكثر أهلِ العلم، وذهب الشعبي والنخعي إلى انه يقتلُ المسلمُ بالذمي والمعاهد.
[ ٧ / ٦ ]
وعند أبي حنيفة:
يقتلُ [المسلمُ] بالذميِّ، ولا يقتلُ بالمعاهدِ.
فنقول بعد الخبر: المقتولُ منقوصٌ بنقص الكفرِ؛ فلا يجب القصاصُ بقتله على المسلم كالمعاهد، ويقتل الذميُّ والمعاهدُ بالمسلمِ، ولا قصاص على الحربي بقتل المسلمِ؛ لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام.
ولو قتل ذمي ذميًا، ثم أسلم القاتلُ يُستوفي منه القصاصُ؛ لأنه كان مكافئًا [له] حالة القتل، ويراعى في العقوبات حالة الجنايات؛ كالعبد إذا زنى، أو قذف، ثم عتق - يُقام عليه حدُّ العبيد، ويستوفي الإمام القصاص عن المسلم بطلب وارث المقتول الكافر، ولا يفوضه إلى الوارث الكافر؛ لأنه لا يجوز تسليط الكافر على المسلم بالقتل والعقوبة، إلا أن يُسلم الوارثُ فيفوضه إليه.
ولو جرح [ذميُّ] ذميَّا، أو مستأمنًا، فأسلم الجارحُ، ثم مات المجروح بالسراية، فإن كان قد قطع طرفًا في حال الكفر يثبت القصاص في ذلك الطرف.
وهل يثبت القصاص في النفسِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: وهو قولُ الأكثرين- يثبت؛ لوجود التكافؤ في حالة وجود السبب وهو الجرحُ؛ كما لو جُن الجارحُ، ثم مات المجروحُ - يجب القودُ.
والثاني: وهو القياسُ: لا يثبت القودُ، لعدم التكافؤ في أحد الطرفين؛ كما لو جرح مسلمٌ مسلمًا، فارتد المجروح ومات - لا يجب القصاص في النفس، وكما لو جرح مسلمٌ ذميًاّ، ثم أسلم المجروح، ومات بالسراية - لا يجب القودُ؛ لعدم التكافؤ في حالة الجرح. ومن قال بالأول أجاب: أن فيما أوردتم تغيَّر حالُ المجني عليه، وما هنا تغير حالُ الجاني، فإن قلا يجب القصاص، فإن كان الجرح خطأ - فالدية كلها على عاقلة الذميين.
[ ٧ / ١٥ ]
وإن قلنا: لا يجبُ فضمانُ الجراحة على عاقلته الذميين، والباقي إلى تمام الدية في ماله.
ولو جرح مسلمٌ ذميًا، ثم ارتد الجارح، ثم مات المجروح- لا قود؛ لعدم التكافؤ في حالة الجناية، كما لو قلته، ثم ارتدَّ، ولو قتل ذميٌّ مسلمًا، ثم أسلمَ - لا يسقط عنه القصاص، بخلاف ما لو قتل حربيُّ مسلمًا، ثم أسلم - لا يُقتلُ به؛ لأنه لم يكن ملتزمًا أحكام الإسلام حالة القتل؛ فلم يجب عليه القصاص.
ولو قتل مرتدٌ ذميًّا، ففيه قولان:
أحدهما: وهو الأصح: [أنه] يجب القصاص؛ لأنهما كافران كالذميين؛ بل [المرتد] أسوأ حالًا من الذمي؛ فإنه لا يقر على دينه، ولا تحل ذبيحته؛ فأولى أن يُقتل بالذميِّ.
والثاني: لا يُقتل به؛ لأن حكم الإسلام باقٍ في المرتد؛ بدليل أنه يجب عليه قضاء الصلوات، ويحرم استرقاقه.
ولو قتل ذميٌّ مرتدًا: اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: فيه قولان: بناء على المسألة الأولى: إن قلنا: يُقتل به المرتدُّ؛ لأنه أسوأ حالا ًمنه - فلا يقتل به الذميُّ؛ لأنه خيرٌ من المرتدُ. وإن قلنا: لا يقتل به المرتد؛ لبقاء حكم الإسلام فيه؛ فيقتل الذميُّ بالمرتدِّ.
ومن أصحابنا من قال، وهو الأصح: لا يقتل به؛ لأن المرتد مباحُ الدم، فلا يضمن دمُه بالقصاصِ؛ كما لا يضمن بالدية.
وقيل: إذا قلنا: يجب القصاص، فعند العفو تجب الدية، وكذلك إذا كان القتلُ خطأ؛ لأنه مباحُ الدم [للمسلمين] لا للكفار. فعلى هذا يجب أقل الديات، وهو دية مجوسيٍّ؛ لأنه لا دين له.
فإن قلنا: يقتلُ المرتدُّ بالذميِّ، فهو كالذمي يقتلُ ذميًّا، حتى لو جرح مرتدٌّ ذميًّا، ثم أسلم الجارح، ثم مات المجروح، ثم مات المجروح بالسراية - هل يقتلُ به؟: فيه وجهان:
ولو قتل مرتدٌ مرتدًّا، ففي وجوب القود وجهان.
وكذلك الزاني المحصن إذا قتل مثله، وكذلك المرتدُّ إذا قتل زانيًا محصنًا، ولو قتلَ
[ ٧ / ١٦ ]
الزاني المحصن مرتدًّا؛ فإن كان الزاني مسلمًا فلا قود عليه، وإن كان ذميًّا، فوجهان:
قال الشيخ الإمام -﵀-: الأصح عندي.
"أن لا قود على من قتل مرتدًّا، أو زانيًا مُحصنًا؛ لأن دمَهُ مباحٌ؛ فلا يضمن بقصاصِ، ولا دية".
فصل في شرط التكافؤ في القتل
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
لا يقتل الحرُّ بالعبد، سواء كان قتل عبد نفسهِ، أو عبد غيره، وكذلك لا يُقتل الحرُّ بالمكاتب، ولا بالمدبر، ولا بأم الولد، ولا بمن بعضه حرُّ، وبعضه رقيقٌ، ويقتلُ هؤلاء بالحر، سواء قتل سيده، أو أجنبيًا.
وقال الشعبي، والنخعي: يُقتل الحر بالعبد على الإطلاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري: يُقتل بعبدِ الغيرِ، ولا يُقتل بعبدِ نفسهِ.
فنقول: اتفقنا على أنه لا نقطعُ طرفَ الحر بطرف العبد؛ فلأن لا يقتل به أولى؛ لأن حرمةَ النفس أعظمُ من حرمة الطرف.
ويُقتل المكاتبُ، والمدبر، وأم الولد بالعبد القن؛ كما يقتل بعضهم ببعضهم، ولا يُقتل من بعضه حر بأحدٍ من هؤلاء؛ لما فيه من فضل الحرية.
ولو قتل من بعضه [حر وبعضه] رقيق [شخصًا بعضه حرٌّ وبعضه رقيق] لا يقتل به، سواء كان الرق في القاتل أقلَّ، أو أكثر، أو استويا؛ لأنه قتله بجميع بدنه، لا أنه قتل بنصفه الحر نصفه الحر وبنصفه المملوك نصفه المملوك.
ففي الاستيفاء لا تتقابل الحرية بالحرية، والرق بالرق، بل تتوزع، فيصير بعض الحرية مستوفي بمقابلة الرق؛ بدليل أن من نصفه حر ونصفه رقيق إذا قتل شخصًا في مثل حاله خطأ - يجب بقتله نصف الدية، ونصف القيمة، ولا يقال: يتعلق نصف القيمة برقبة القاتل، ونصفُ
[ ٧ / ١٧ ]
الدية في ماله، بل ربع الدية يتعلق برقبته، والربعُ بماله، والقمةُ كذلك.
وقيل: "إن كان الرق في القاتل أكثر، أو استويا- يجب القود"؛ وليس بصحيح.
ولو قتل عبدٌ عبدًا، ثم عتق القاتلُ - يستوفي منه القود ولو جرح عبدٌ عبدًا، فعتق الجارحُ، ثم مات المجروح بالسراية - فهل يُقتل به؟
فيه وجهان؛ كما ذكرنا في المسلم مع الذمي:
أحدهما: وهو قول الأكثرين: يُقتل به.
والثاني، وهو القياسُ: لا يقتل؛ لعدم التكافؤ في حالة زهوق الروح؛ كما لو جرح حرٌّ عبدًا، ثم عتق المجروح؛ فمات بالسراية - لم يجب القود؛ لعدم التكافؤ حالة الجرح، وإن كان قد قطع طرفًا في حال الرق ثبت القصاص في ذلك الطرف؛ كما ذكرنا في المسلم مع الذمي.
ولو قتل عبدٌ مسلمٌ عبدًا مسلمًا لذمي يجب القود، ويستوفيه الإمام بطلب الذميِّ، ولا يجعل استيفاؤه إلى الذميِّ؛ لأنه كافرٌ لا يجوز تسليطه على المسلم بالقتل، ويجب بقتل العبد قيمته بالغةً ما بلغت، وإن زادت على دية حرِّ؛ وعند أبي حنيفة - ﵀-: لا يبلغُ بقيمة عبدٍ دية حرِّ. بل إن كانت قيمته مثل دية حر ينقص عن عشرة آلاف درهم عشره، وإن كانت جارية، فينقص في خمسة آلاف عشره، فنقول: ما يُضمن في الغصب بكمال القيمة يُضمن في القتل بكمالها كالبهيمة.
فصلٌ
رُوي عن ابن عباس - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ-؛ [أنه] قال: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يُقاد بالولد الوالد" لا يجب القصاص على الوالد بقتل ولده لحرمته؛ كما لايحد بقذفه وكذلك لا تُقتل الأم بالولد، ولا أحد من الجدات والأجداد، وإن علا - بالنافلة، ولا يحد بقذفه، سواء كانوا من قبل الأب، أو من قبل الأم.
[ ٧ / ١٨ ]
ويُقتلُ الولدُ بالوالدِ ويُحدُّ بقذفه، وكذلك يقتلُ الأخُ بالأخ، وابن الأخ بالعم والعمة، وابن الأخت بالخال والخالة، وهما به؛ كما يجب عليهم حد القذف؛ لأنهم ليس لهم من الحرمة ما للوالدين.
ولو قتل الأب الرقيقُ عبد ابنه - لا قصاص عليه؛ لأنه لو ثبت لثبت للابن، ولو قتل الابن الرقيق عبد الأب - فللأب أن يقتص منه، ولا يقتل الأب الرقيقُ بالابن الحُرِّ؛ لفضيلة أبوته، ولا الابن الحر بالأب الرقيق، لفضيلة [حريته]، ولا الأب الذمي بالابن المسلم؛ لفضيلة أبوته، ولا الابن المسلم بالأب الذميِّ؛ لفضيلة إسلامه، ولا العبد المسلم بالحر الذمي؛ لفضيلة إسلامه، ولا الحر الذمي بالعبد المسلم؛ لفضيلة حريته.
لا يُقابل بعض أسباب الكفاءة بالبعض.
[ ٧ / ٢٠ ]
ولو قتل المكاتب أباه، وهو في ملكه، يكاتب عليه -: فيه وجهان:
أحدهما: لا قصاص؛ لأن المولى لا يُقتل بعبده.
والثاني: يقتص منه؛ لأن الأب ثبت له حق الحرمة؛ ما ثبت للمكاتب؛ ولذلك لا يجوز بيعه، فصار كالحر يقتل [أباه].
ولو ادعى رجلان نسب مجهولٍ، فقبل الإلحاق بأحدهما؛ قتلاه، او قتله أحدهما - لا قصاص عليه؛ لأن كل واحد منهما عرضِ أن يكون أبًا]، ولو رجعا عن الدعوى لا يُقبلُ رجعوهما؛ لما فيه من تضييع النسب، ولا يجب القصاص، فلو رجع أحدهما يلحق بالثاني، وعلى الراجع القود، وعلى الآخر نصف الدية إن كانا قتلاه.
وإن كان مولودًا على فراش رجلين بأن نكحت امرأة في عدة زوجها، فأتت بولدٍ لمدة يمكن أن يكون منهما؛ [فقتلاه] أو أحدهما قبل أن يلحق بواحدٍ - لا قصاص عليهما، سواء ادعياه، أو أنكراه.
ولو نفاه أحدهما، هل يلحق بالثاني؟ أم يرى القائف؟ قوفان:
أحدهما: يلحق بالثاني، وعلى النافي القود؛ كما في مجهول النسب إذا رجع أحدهما.
الثاني: وهو المذهبُ لا ينتفي عنه، ولا يجب القود، بخلاف مجهول النسب؛ لأن النسب ثم ثبت بالدعوة، وبطلت الدعوة بالرجوع؛ وههنا يثبت بالفراش.
ولا يزول ذلك بإنكار الوالد، ولو ألحقه القائف بأحدهما بعدما قتلاه - قُتلَ به الآخرُ.
ولو ألحقه القائف بأحدهما، أو انتسب المولود إلى أحدهما، ثم قتله الملحق به - لا قصاص عليه، ولو أقام الآخر بينة بعده ألحق به، وقتل القاتل.
وإذا ألحقه القائف بعد القتل بغير القاتل، أو بأحدهما - لا يُقتل الآخرُ؛ لأنه حكم ثبت بعد القتل.
ولو قتل إنسانًا، ووارثه ولدُ القاتلِ - لا يجب القود؛ مثل: إن قتل زوجته، ولها منه ولدٌ أو قتل زوجة ابنه، أو أم الولد قتلت سيدها، وولدها منه حيٌّ - لا قود؛ لأنه لو ثبت، لثبت
[ ٧ / ٢١ ]
[للولد على الوالد، وكذلك لو قتل أمه أو أباه، وله ولد، فلا قود، لأنه لوثبت، ثبت] لولده.
وكذلك لو صار بعض القصاص بعد وجوبه ميراثًا لبعض أولاده - يسقط؛ مثل: إن قتل أبا زوجته ثبت القصاص عليه لزوجته؛ فماتت الزوجة، ولها منه ولد - انتقل حقها على الولد؛ فسقط عن الأب.
وكذلك من ورث بعض قصاص وجب عليه، يسقط كله؛ مثل: إن قتل أباه، وله أخ - ثبت القصاص لأخيه عليه، فإذا مات الأخ، والقاتل وارثه؛ يسقط عنه القصاص.
وعلى هذا: أخوان لأبٍ، وأم، قتل أحدهما الأب، والآخر الأم:
ننظر: إن لم تكن الأمُّ في نكاح الأب - ثبت القودُ لكل واحدٍ منهما على الآخر؛ فالثاني يقتل الأول، ثم ولد الأول يقتل الثاني.
وإن كانت الأم في نكاح الأب حين قتلاهما.
ينظر: إن قتلاهما معًا، والاعتبار في وقوعهما معًا بزهوق الروح لا بالجرح - يجب القود عليهما؛ لأنهما إذا ماتا معًا لم يرث أحدهما الآخر؛ فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قتل الآخر، ثم ولد المقتول يقتل الثاني، وإن قتلا على الترتيب، فلا قود على من سبق قتله.
بيانه: قتل أحدهما الأب، ثم الثاني قتل الأم - سقط القود عن قاتل الأب؛ لأنه لما قتل الأب، ثبت القصاص لأخيه ولأمه، فإذا قتل الآخر الأم ورث قاتل الأبِ القصاص الذي ثبت للأم عليه؛ فسقط.
ولو شهد الابنُ على الأب بالقتل - يقتل؛ لكن رد الشهادة للتهمة، ولا تهمة في شهادته.
ويُقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، ولا يجب شيءٌ من الدية بعد القتل، وتُقتل الخنثى بهما، وهما بالخنثى، ويقتلُ العالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والشيخ بالشاب، ويقتل البالغ بالصبي، والعاقل بالمجنون.
ولو قتل صبي أو مجنونٌ إنسانًا - لا قصاص عليه؛ لأن القتل عنه مرفوعٌ؛ كالنائم
[ ٧ / ٢٢ ]
تقلب على إنسانٍ، فيقتله - لا قود عليه.
أما السكران إذا قتل إنسانًا فهو كالعاقل؛ يجب عليه القود على الصحيح من المذهب.
ولو قتل رجلًا، أو أقرَّ على نفسه بالقتل، أو شهد عليه الشهود بفعل القتل، أو بالإقرار، فادعى القاتلُ: أني كنت يوم القتل صغيرًا، وقال الولي: كنت بالغًا - فالقولُ قولُ القاتل مع يمينه؛ لأن أحدًا لا يخلو عن الصغر، فالأصل بقاؤه.
ولو قال: كنت مجنونًا يوم القتل، نظر: إن عُرفَ به جنون سابقٌ، وإن كان مرة واحدة - قُبِلَ قوله مع يمينه، وإن لم يعرف فالقول قول الولي مع يمينه، يحلفُ أنه كان عاقلًا، ويستحق القود.
ولو أقام الولي بينةً؛ أنه قتله عاقلًا، وأقام القاتل بينة أنه قتله مجنونًا - سقطتا، وحلف القاتل.
فصلٌ
قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥].
وهذا إخبار ٌ عن حكم التوراة، وقد ثبت ذلك من شرعنا. رُوي عن أنس بن مالك؛ أن الربيع بنت النضر بن أنس - وهي عمةُ أنس بن مالِك - ﵁ - كسرت ثنية جاريةٍ منَ الأنصار، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "كتاب الله القصاصُ؛ فرضي القوم وقبلوا الأرش".
[ ٧ / ٢٣ ]
والقصاص يجري في الأطراف على حسب ما يجري في النفوس؛ لأن القصاص ثبت في النفوس؛ لصيانة النفوس عن الإهلاك؛ فثبت في الأطراف أيضًا؛ لصيانة الأطراف، فكل من يُقتل بشخصٍ يُقطعُ طرفه بطرفه عند سلامةِ المقطوع، ومن لا يقتل به لا يقطع طرفه بطرفه، حتى يقطع طرفُ الرجل بطرف المرأة، وطرفُ المرأة بطرف الرجلِ، ويقطع طرفُ الذمي بطرف المسلم، وطرفُ العبد بطرف الحرِّ، وطرف الولد بالوالد.
ولا يقطع طرف المسلم [بطرف] الذمي، ولا طرف الحرِّ بطرف العبدِ، ولا الوالد بالولد، ويقطع طرفُ العبد بطرف العبد، وإن اختلفت قيمتُهُما.
[ ٧ / ٢٤ ]
وعند أبي حنيفة: لا يجري القصاصُ في الطرف الأيمن حرين، أو حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى، ولا بين الحر والعبد؛ لتفاوت بدنهما، كذلك لا يجري بين العبدين؛ لأنهما قد يختلفان في القيمة.
فنقول: كل شخصين يجري القصاص بينهما في النفس، فيجري في الطرف عند سلامته كالحرين. أما إذا قطع يدًا، شلاءَ أو ناقصة بإصبعٍ - فلا تُقطع بها اليد الصحيحة بخلاف الرجل الصحيح السوي؛ يُقتل بالمريض والزمن، وبالناقص الأطراف؛ لأن القصاص في النفس يجري في الروح، والزمانة لا تحل الروح، والطرف يحله الشلل، والشللُ منه كالموتِ، ولا يُقتل الحي بحز رقبة الميت.
فصل في قتل الجماعة
"رُوي أن عمر - ﵁ - قتل خمسة أو سبعةً برجلٍ قتلوه غيلةً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا".
إذا قتل جماعةٌ واحدًا يُقتلون به عند أكثر أهل العلم، لأن القصاص شُرعَ لصيانة الدماء عن الإراقة، فلو منعناه عند الاشتراك استعان كل من أراد إهلاك عدوه بغيره في قتله؛ لإسقاط القصاص؛ فكان ذريعة لإراقة الدماء، وسواء قتلوه بمحددٍ، أو ضربوه بمُثقلٍ كبيرٍ، أو هدموا عليه بناءً، أو رموه من شاهقٍ، أو ألقوه في ماءٍ، أو نارٍ.
[ ٧ / ٢٥ ]
وإذا جرحوه فلا فرق بين أن يكون راحةُ بعضهم لها أرش مقدر دون بعضٍ، وسواء تفرقت جراحاتهم، أو اجتمعت بعد أن يكون الكل قبل الاندمال.
وإن جرح واحد جراحة واحدة، والآخر عشر جراحات فأكثر فالكل سواءٌ في القصاص، وعند العفو لا تجب إلا دية واحدة، وتوزع الدية على عدد رءوسهم لا على عدد جراحاتهم؛ لأنه قد تكون نكاية جراحة واحدة في الباطن أكثر من نكاية جراحاتٍ كثيرة، فلو أراد الوليُّ أن يقتل بعضهم، ويأخذ من الباقين ما يخصهم من الدية يجوز.
وقال الزهري، وابن سيرين: إذا قتل جماعةٌ واحدًا لا يقتلون به، بل يختار الولي منهم واحدًا فيقتله، ويأخذ من الباقين حصتهم من الدية، ويروي ذلك عن معاذ بن جبل.
وقال ربيعة وداود: إذا قتل الجماعة واحدًا - لا يجب القود، وإنما تقتل الجماعة بالواحد بشرائط:
أحدها: أن تكون جناية كل واحد منهم مما يقصد بها القتل، فإن خدش واحدٌ منهم خدشة، وجرح الآخرون فالقصاص على الجارحين دون الذي خدش.
الثاني: أن يكون الكل عامدين، فإن أخطأ بعضهم؛ فلا قود عليهم في النفس.
الثالث: ألا يكون البعض موجبًا، حتى لو جرحه جماعة، ثم جاء آخر فحز رقبته - فالقود في النفس على من حز الرقبة؛ لأن حز الرقبة يقطع سراية الجراحات، وعلى الجارحين أروش جراحاتهم، أو القصاص في الطرف على من قطع منهم طرفًا.
الرابع: أن يكون الكل قبل الاندمال، حتى لو جرحه رجلٌ، ثم بعد الاندمال جاء آخر فجرحه فمات - يجب القود في النفس على الآخر، أو كمال الدية، وعلى الأول أرش جراحته.
فلو ادعى الأول اندمال جراحته، وأنكر الولي - فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولو صدقه الولي، وأنكر الجارح الثاني - فالقصاص في النفس ساقطٌ عن الأول بتصديق الولي، ولم يكن له على الآخر إن عفا عن القود إلا نصف الدية، ولا يُقبل قوله على الثاني إلا ببينة تقومُ على الاندمال؛ حينئذٍ يأخذ منه كمال الدية.
[ ٧ / ٢٦ ]
ولو ضرب جماعةٌ واحدًا سوطًا أو عصًا خفيفةً، فقتلوه نُظر: ن ضرب كل واحد منهم قدرًا لو حصل به القتل منفردًا تعلق به القصاص - وجب عليهم القود، وعند العفو عليهم مال الدية، ثم إن تفاوتوا في عدد الضربات تُوزع الدية على عدد رءوسهم، أو على عدد الضربات؛ لأن الضرب يلاقي الظاهر، فلا يقع بين الضربات كثير تفاوتٍ، والجرح يُلاقي الباطن، ويكثر التفاوتُ بين الجراحات في نكاية الباطن.
وإن كان ضربُ بعضهم بحيث لو حصل به القتلُ منفردًا لم يتعلق به القود - نظر: إن تواطؤوا على الضرب - وجب عليهم القصاص، وإن ضرب واحدٌ ضربةً، والآخر مائة، حتى لو تواطأ مائة نفرٍ على قتل رجلٍ، وضرب كل واحد منهم سوطًا واحدًا؛ فمات - وجب عليهم [القود] ن بخلاف الجُرح لا يشترطُ فيه التواطؤ؛ لأن نفس الجُرح قصدٌ إلى إزهاق الروح.
والضرب بالسوط الخفيف لا يكون قصدًا إلى الإهلاك حتى ينضم إليه التوالي من الواحد، والتواطؤ من الجماعة؛ فيتكامل به القصد.
ولو ضرب رجلٌ سوطين أو ثلاثة، ثم جاء آخر، وضرب خمسين سوطًا قبل سكون وجع الأول، من غير تواطؤ؛ فمات - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن ضرب الأول شبه عمدٍ، والثاني شريكه، ولا قود على من شارك من لم يكن فعله عمدًا محضًا، بل على الأول نصف الدية مغلقةً على عاقلته، وعلى الثاني نصفها مغلظةً في ماله.
ولو ضرب واحدٌ أولًا خمسين، ثم ضرب الثاني سوطين أو ثلاثًا - قبل سكون وجع الأول؛ فمات - نظر: إن كان الثاني عالمًا بضرب الأول - عليهما القود؛ لأن قصده إلى القتل قد تم بالضرب على الوجع، كما لو ضرب مريضًا سوطًا أو سوطين، فمات - وجب القود، وإن كان جاهلًا بضرب الأول - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن الثاني لم يتم قصده، والأول شريكه، بل نصف الدية في مالالأول، والنصف على عاقلة الثاني مغلظة، بخلاف ما لو ضرب مريضًا سوطًا أو سوطين، وهو جاهل بمرضه؛ فمات وجب القود؛ لأنا لم نجد هناك من يُحيلُ الضرب عليه سوى الضارب.
ولو قطع جماعةٌ يد واحدٍ، أو طرفًا من أطرافه - تُقطعُ أطرافهم بطرفه، إذا وُجد فعلُ كل واحد منهم في إبانة جميع الطرف؛ بأن وضعوا السكين على يده، فتحاملوا عليه، أو جزوا دفعةً واحدة فأبانوا الطرف.
[ ٧ / ٢٧ ]
وعند أبي حنيفة - ﵀: لا تقطع الأطرافُ بطرفٍ واحد. [قلنا] لما جاز استيفاء النفوس بنفسٍ واحدة - مع عظم حُرمتها، فاستيفاءُ الأطراف بطرفٍ واحدٍ أولى؛ لأن القاص في الموضعين ثبت لصيانته عن الإتلاف، فمنعه عند الاشتراك طريق يتطرق بها إلى الإتلاف، فلا يصارُ إليه كما في النفس.
وهذا بخلاف ما لو سرق رجلان نصابًا واحدًا - لا يجب عليهما القطعُ؛ لأن قطع السرقة [حق] الله تعالى؛ فيجري فيه من التخفيف والمسامحة ما لا يجري في حقوق العباد؛ ألا ترى أنه لو سرق نصف نصابٍ، ثم بعد عاد فكمل نصابًا واحدًا - يقطع، فلما لم يكمل فعله بفعله-: لم يكمل بفعل غيره.
وفي القصاص لو قطع، ثم بعد أيام عاد وأبان الباقي - تٌقطع يده، فكذلك عند الاشتراك.
أما إذا تميز فعلُ كل واحد من القاطعين؛ بأن قطع هذا من جانب، وذاك من جانب حتى التقى السكينان، أو قطع أحدهما بعضه، ثم جاء الثاني وأبان، أو وضعا السكين عليه فجرا جزء المنشار - فلا قود عليهما، بل على كل واحد منهما حكومةٌ بقدر جنايته، تبلغ مجموع الحكومتين نصف الدية.
وحكى صاحب "التقريب" قولًا انه يقتص من كل واحد منهما بقدر ما قطع، إن أمكن الوقوف عليه.
ولو قتل عشرة عبد عبدًا عمدًا - لسيد المقتول - قتلهم جميعًا، ولو عفا عن واحد تعلق عُشرُ قيمة المقتول برقبته، ولو قتل الباقين.
فأما إذا قتل واحدٌ جماعةً - يُقتل القاتلُ بواحدٍ منهم، وللباقين الدية. في تركته، فإن لم تكن له تركة، فهي في ذمته يلقى الله - ﷿ - بهم.
ثم إن قتلهم على الترتيب قُتِلَ بالأول. فلو عفا وليُّ الأول قتل بالثاني، فإن كان وليُّ الأول غائبًا، أو كان صبيًا، أو مجنونًا - يُحبس القاتل على حضور الغائب، وبلوغ الصبي، وإفاقة المجنون، فلو بادر وليُّ الثاني، فقتله قبل عفو الأول، وقبل حضور الغائب، وبلوغ الصبي- كان مسيئًا، ولا ضمان عليه؛ لأن الحق كان ثابتًا له، فقد استوفى حقه، وللأول الدية.
[ ٧ / ٢٨ ]
وإن قتلهم معًا، أو أشكل السابق - يُقرع بين الأولياء، قُتل به الجاني، فلو بادر غير مَنْ خرجت له القرعة.
فمن خرجت له القرعة، فقتله، فقد استوفى حقه، وللباقين الدية في التركة.
ولو خرجت القرعة لواحد، فعفا عن حقه - أعيدت القرعة للباقين، ولو قتله الأولياء معًا [مثل أنْ] كانوا ثلاثة فقتلوه - فقد استوفى كل واحدٍ ثلث حقهِ، ويأخذ من التركة ثلثي الدية.
وكذلك لو قطع رجلٌ أيدي جماعةٍ، فإن قطع على الترتيب قُطع بالأولِ، وللباقين الديةُ في ماله، وإن قطع معًا، أقرع بينهم، فمن خرجت قرعته قطع به، وللباقين الدية.
وعند أبي حنيفة: - ﵀ - يقتل الواحدُ بالجماعة، ولا يجب شيءٌ من الدية ولو قطع رجلٌ يدي رجلين - قال: يقطع يده بهما، ولكل واحدٍ منهما ربعُ دية النفس، فنحن نقيسُ الطرف على النفس في أنه لا يُجمع في حق شخصٍ واحدٍ من القصاص والدية، ونقيس النفس على الطرف في أنه لا يجعلُ استيفاء المحلِّ الواحد إيفاءً لحقيهما على الكمال.
ولو قتلَ جماعةُ جماعةً يُقرعُ بين أولياء المقتولين، فمن خرجت له القرعة - قتل جميع القائلين به، وللباقين الدية في تركتهم.
ولو قتل عبدٌ جماعة، يُقتل بالأول، ولا شيء للباقين، فلو بادر الثاني، وقتله لا شيء عليه، فلو عفا الأولُ على المال تعلق حقه برقبته، وللثاني أن يقتله، وإن بطل حق الأول.
وإن قتل العبد جماعةً معًا -أقرع بينهم كما في الحر، فمن خرجت قرعته قتل به، ولا شيء للباقين، وقيل: يقتل العبدُ بهم جميعًا؛ لأنه لا محل لحقوقهم سوى رقبته، وإن كانت الجناياتُ موجبة للمال، أو عُفيَ عن القصاص على مال - تُباع رقبتُه، وتقسم قيمته بينهم على قدر جناياتهم، سواء كانت الجنايات على الترتيب، أو معًا، والله أعلم.
[ ٧ / ٢٩ ]
بابٌ صفةُ قتلِ العمد
"رُوي عن أنس؛ أن يهوديًا رض رأس جاريةٍ بين حجرين، فأمر [به] النبي - ﷺ - فرض رأسه بالحجارة".
[ ٧ / ٣٠ ]
القتل على ثلاثة أنواعِ: عمدٍ محضٍ، وشبه عمدٍ، وخطأٍ محضٍ:
فالعمدُ المحضُ هو: أن يمد ضربه بما يموتُ منه غالبًان فمات به يجب به القود، وإذا عفا فديةٌ مغلظة في ماله حالةٌ.
وشبه العمد: أن يعمد ضربه بما لا يموت منه غالبًا، فمات لا يجب به القود؛ لأنه يشبه الخطأ من حيث إنه لا يقصد بمثل هذا الضرب، فيصير شبهة في سقوط القود، وتجب دية مغلظةٌ على العاقلة مؤجلة.
والخطأ المحض، وهو أن يحصل القتلُ بسببٍ من جهته، من غير قصدٍ إليه؛ مثلُ: إن رمى إلى صيد فأصاب إنسانًا، أو إلى إنسانٍ، فأصاب غيره، أو حفر بئر عدوان، فتردى فيها إنسانٌ، ومات - فلا قود عليه، وتجب ديةٌ مخففةٌ على العاقلة مؤجلة؛ خُرج منه أنه لو جرحه بمحددٍ من حديدٍ، أوخشبٍ، أو قصبٍ، أو حجرٍ، أو زُجاجٍ، أو غرزَ فيه مسحلةً؛ فمات في الحالِ، أو مات بعده بسراية ذلك الجُرح - يجب به القود.
وكذلك لو ضربه بمُقلٍ كبيرٍ، أو هدم عليه جدارًا، أو رماه من شاهق، أو أوطأ عليه دابةً، أو خنقه، أو أمسك فمه حتى مات، أو دق صدره، أو عصر خصيتيه، أو دفنه حيًّا؛ فمات - يجب القودُ؛ وهو: قول أكثر أهلِ العلم.
[ ٧ / ٣١ ]
وقال طاوسٌ، والشعبي والنخعي: لا يجب القود، إلا أن يجرحه بمحددٍ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن عنده التحريق بالنار يوجب القود، وعندهم لا يوجبه، وحديث أنس حجةٌ عليهم؛ ولأنه قتلٌ حصل عمدًا بما يقصد به القتلُ غالبًا؛ فيوجب القود، كما لو قتله بمحددٍ، ولو غرز فيه إبرةً؛ فمات - نظر؛ إن غرز في مقتله من عين، أو قُرطِ أذنٍ، أو حلقٍ، أو خاصرةٍ، أو إحليلٍ - يجب القود، وإن غرز في غير مقتلٍ؛ كالفخذ والآلية، ونحوهما - فوجهان:
[أحدهما]: قال ابن سريج: لا يجب القود، بل هو شبه عمدٍ؛ لأن الغالب منه السلامة؛ كما لو ضربه بسوط خفيف؛ فمات:
وقال أبو إسحاق: يجب القود؛ وبه قال أبو حنيفة - ﵀-؛ لأنها تمورُ في الباطن كالمسلة.
أما إذا غرزها في موضع لا يتألمُ به؛ مثل جلدة العقب - فلا يب به شيءٌ، ولو ضربه بعصا خفيفةٍ، أو سوطٍ، أو رماه بحجرٍ صغير، نظر؛ إن: والى عليه حتى مات - وجب القودُ.
وإن ضرب سوطًا، أو سوطين - نظر: إن كان المضروبُ صغيرًا، أو مريضًا، يموتُ منه غالبًا، أو كان قويًا صحيحًا، ولكن ضُربَ [على] مقتله كالأنثيين ونحوهما، أو كان في شدةِ حرٍّ، أو بردٍ، يحصل به القتلُ في ذلك الزمان غالبًا - يجب القودُ وإن لم يكن شيءٌ من ذلك - فهو شبه عمدٍ؛ يجب به الدية.
أما إذا ضربه بما لا يحصل به؛ الموتُ أصلًا من قلمٍ، أو نحوه - فلا [يجب به] شيءٌ؛ لانا نعلمُ يقينًا أنه لم يمت منه، ولو خنقهُ، ثم تركه وهو حيٌّ إلا أن الخنق قد أثر فيه، [بحيث] نعلم أنه لا يعيشُ، أو كانت الحياةُ فيه مستقرةً، ولكن لم يزل متألمًا ضمنًا حتى
[ ٧ / ٣٢ ]
مات - وجب القودُ.
ولو أمسك حلقه، أو فمه إمساكًا لا يموت منه غالبًا؛ فمات [فهو شبه عمدٍ.
ولو حبسه في بيتٍ؛ فمات] جوعًا، أو عطشًا - نُظر: إن لم يمنعه الطعام والشراب، غير أنه لم يأكل خوفًا، أو أمكنه الشراب فلم يفعل - لا ضمان على الحابس.
وإن منعه الطعام والشراب، ولم يمكنه السؤال - نظر: إن مات ي مُدةٍ يموتُ مثله فيها غالبًا من الجوع أو العطش - يجب القود.
وإن كان لا يموتُ مثله فيها غالبًا - نظر: إن لم يكن به جوعٌ وعطشٌ سابقٌ - فهو شبه عمدٍن ويختلف ذلك باختلاف حال المحبوس في القوة، والضعف، واختلاف الأزمنة.
إن كان به جُوع أو عطشٌ سابقٌ: اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال:
إن كان الحابس عالمًا بجوعه السابق - يجبُ القودُ.
وإن كان جاهلًا فقولان:
أحدهما: يجبُ القودُ؛ كما لو ضرب مريضًا بسوطٍ خفيفٍ، فمات، وهو جاهلٌ بمرضه - يجب القود.
والثاني: لا يجب؛ كما لو دفع رجلًا يمشي، فسقط على سكين وراءه، فمات، وهو به جاهلٌ - لايجب القود.
ومن أصحابنا من قال:
إن كان جاهلًا لا يجب القودُ، وإن كان عالمًا: ففيه قولان فإن قلنا: يجبُ القودُ عند العلم، فإذا عفا على الدية، يجب كمال الدية المغلظة في ماله.
وعند الجهل إن لم نوجب القود، فكمالها مغلظة على عاقلته.
وإن قلنا: لا يجب [القود] عند العلم - وهوا لأصح عندي - فيجب نصف الدية مغلة في ماله، وعند الجهل نصفها مغلظة على عاقلته، وليس كضرب المريض بالسوط الخفيف، حيث أوجبنا به القود، أو كمال الدية؛ لأن المرض ليس من جنس الضرب، والجُوعِ.
[ ٧ / ٣٣ ]
الثاني: [ما] هنا من جنسِ الأول؛ فكان زُهوقُ الروح بسببٍ واحدٍ بعضه لم يكن من صنعه.
قال - ﵀: نظيره لو ضرب جائعًا سوطًا مات به؛ لضعف جوعه - وجب القود.
ولو منعه الشراب، ولم يمنعه الطعام، غير أنه لم يأكل خوف العطش؛ فمات جوعًا:
قال - ﵀: لا شيء عليه؛ لأنه مات من فعل نفسه، ولو حبسه في بيتٍ فانهدم عليه البيتُ، أو لسعته حيةٌ - لا ضمان عليه.
ولو أخذ زاده في مفازة، فمات جُوعًا، أوعطشًا - لا يجب عليه ضمانُ النفسِ؛ لأنه لم يُحدث فيه فعلًا.
وكذلك لو أخذ ثيابه، فمات بردًا.
وكان [شيخي - ﵀] يقول: إذا عراه وحبسه في موضع، حتى مات بردًا- يجب القود؛ كما لو حبسه عن الطعام فمات جُوعًا.
ولو غرقه في ماء حتى مات، أو تركه بعدما غرقه، وفيه حياةٌ، فمات بسببه - يجبُ القودُ.
ولو ألقاه في ماءٍ، فمات - نظر: إن كان صغيرًا، أو زمنًا، أو شد أطرافه حتى لا يمكنه الخروج - وجب القودُ.
وإن كان كبيرًا سويًا، ولم يشده - نظر: إن كان ماءً لا ينجو منه بالسياحة -يجب [عليه] القودُ.
وإن كان ماءً قليلًا، لا يحتاج فيه إلى السباحة، فلا قود، ولا دية؛ لأنه أهلك نفسه، وإن كان يحتاج إلى السباحة، وينجو - نظر: إن كان لا يُحسن السباحة - يجبُ القودُ.
وإن كان يُحسنها، غير أنه حبسه موجٌ، أو ريحٌ - فلا قود، وهو شبه عمدٍ تجب به ديةٌ مغلظةٌ على العاقلة، وإن لم يحبسه شيءٌ، ولكنه لم يسبح فمات - فلا قود. وفي الدية قولان:
[ ٧ / ٣٤ ]
أصحهما: [لا يجبُ]؛ كما لو حبسه، ولم يمنعه الطعام، غير أنه لم ياكل حتى مات.
والثاني: يجب، وهو شبهُ عمدٍ؛ لأن نفس الإلقاء في الماء جنايةٌ، والسباحةُ سببُ الخلاص، بخلاف الحبس؛ فإنه ليس بجناية قاتلة حتى ينضم إليه غيره، وهو الجوع، وهذا بخلاف ما لو جرحه رجلٌ، وأمكنه المداواةُ؛ فلم يفعل حتى مات - يجب القود على الجارح؛ لأنه لا تتحقق النجاة بالمداواة، وههنا تتحقق النجاة بالسباحة، فإذا لم يفعل، فقد أهلك نفسه.
ولو شد يديه ورجليه، وطرحه في ساحلٍ، فزاد الماءُ؛ فهلك - نظر: إن كانت الزيادة معلومةَ الوجود كالمد بالبصرة - يجب القودُ. وإن كان قد يزيدُ، وقد لا يزيدُ - فهو عمدُ خطأٍ.
وإن كان في موضعٍ لا يزيدُ فيه الماء، فأدركه سيلٌ فزاد؛ فهو خطأٌ محضٌ.
وإن ألقاه في ماء فالتقمه الحوتُ - نظر: إن كان غير مخوفٍ ينجو منه بالسباحة - فلا قود، وتجب ديةٌ مغلظةٌ على عاقلته.
وإن كان الماء مخوفًا لا ينجو منه بالسباحة - ففيه قولان:
أحدهما: نص عليه؛ أنه يجب القودُ؛ لأنه ألقاه في المهلكةِ حتى هلك.
والثاني: لا يجب؛ خرجه الربيعُ؛ لأن الهلاك كان بفعلِ غيره؛ كما لو رماه من شاهقٍ، فقبل أن يُصيب الأرض - قده رجل بنصفين -: كان القصاصُ على القادِّ، ولو افترسه سبعٌ قبل أن يصيب الأرض - لا ضمان على أحدٍ.
والأول [أصحُّ]؛ لأن الجناية قد تحققت من المُلقي بالطرح في مثل هذا الماء، وفي الرمي من الشاهق [الجناية] إنما تتحقق بإصابة الأرض ولم يوجد؛ بدليل أنه لا تجب الدية على الملقي من الشاهق، إنما تجب على القادِّ، وههنا: تجب على الملقي في الماء.
وقيل في الطرح في الماء المخوفِ: لو التقمه الحوتُ قبل أن يصيب الماء - لا شيء على الملقين والصحيح أنه لا فرق بين الحالتين، وقيل فيما لو ألقاه من الشاهق؟
فقبل أن يصيب الأرض - قده إنسان بنصفين: أن الضمان على الملقي دون القادِّ؛ ذكره أبو حامد، وليس بصحيح.
أما إذا رفع الحوت رأسه فألقمه الحوت - يجب القود؛ لا يختلف القولُ فيه.
[ ٧ / ٣٥ ]
ولو طرحهُ في نارٍ، ولم يمكنه الخروج منها؛ فمات، أو أخرجه بعدما أصابه منها، ولم يزل متألمًا به حتى مات [يجب القود، وإن أمكنه الخروج، فلم يخرج حتى مات] أو كان يقول: إني أتمكن من الخروج، ولكن لا أفعل؛ فمات - فلا قود.
وفي الدية قولان:
أصحهما: لا يجب؛ لأنه قتل نفسه.
والثاني: [يجب] على عاقلته؛ كما ذرنا في الماء.
فإن قلنا: لا تجب الديةُ - يجب عليه أرش ما نقصه حر النار إن أمكنه الخروج، لأن ذلك القدر حصل بفعله.
فلو اختلفا، فقال المُلقي: أمكنه الخروج، وقال الولي: لم يمكنه -فوجهان:
أحدهما: القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الجناية من الملقي حقيقةٌ.
الثاني: القول قول الملقي مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولو أوجره سُمًّا قاتلًا، أو دواءً فيه سم قاتل؛ فمات - يجب القود، وإن كان سمًّا لا يُقتل غالبًا، وقد يُقتل، فمات به - فهو شبهُ عمدٍ تجبُ به الدية على العاقلة، إلا أن يكون المسقي ضعيفًا، أو سقيمًا بموت منه غالبًا - فيجب به القود.
ولو اختلفا، فقال الولي: كان قاتلًا، وقال الساقي: لم يكن - فالقول قولُ الساقي مع يمينه، ثم هو شبه عمد، إلا أن يقيم الولي بينةً يشهدون أن مثله يقتل، أو تقارَّا على سمٍّ أنه كان منه، ثم شهد عدلان من أهل المعرفة [به أن مثله] يقتلُ؛ فيجب القود.
ولو أوجره سمًّا، فقتلهُ، ثم قال: لم أعلمه قاتلًا - فقولان
أحدهما: يجب القود؛ كما لو جرحهُ فمات، وقال: لم أعلم أنه يموتُ منه.
والثاني: لا قود عليه، بل تجب الدية؛ لأنه مما يخفى.
ولو ألقمه طعامًا فيه سمٌّ قاتلٌ، فتناوله، وهو جاهلٌ، أو أضافه، فوضعه بين يديه،
[ ٧ / ٣٦ ]
فأكل، أو جعله في دنٍّ ماء على الطريق، فشرب منه إنسانٌ؛ فمات ففي القود قولان:
أصحهما: يجب؛ كما يجب على المكرهِ.
والثاني: لا شيء عليه: لا قود، ولا دية؛ لأنه تناول باختياره.
وكذلك لو قال:"كُل"، وفيه شيء من السُّمِّ، ولكن لا يضرن فأكل؛ أما إذا وضعه بين يدي صبي لا يعقل، أو مجنونٍ، فتناول؛ فمات - يجب القودُ؛ كما لو قال لصبي: اقتل نفسك؛ فقتل - يجب القود على الآمر.
ولو جعل السم في طعام غيره، فأكله صاحب الطعام جاهلًا فمات - فقد قيل: هو كما لو أضافه؛ فوضع بين يديه وقيل لا قود ولا دية على الفاعل؛ لأنه لم يُغره، إنما أتلف طعامه بإدخال السم فيه، فيغرم قيمةَ الطعام، ولو وجعل السم في طعام نفسه، فدخل رجلٌ داره بدون إذنه [فأكله]، فمات فلا شيء عليه؛ لأنه لا صُنع له في إهلاكه.
ولو أنهشه حيةً، أو عقربًا، أو أخذ ذنبها فقربها منه: ضغطها، أو لم يضغطها؛ فلدغته، فمات - يضمن ثم ينظر: عن كانت مما تقتل [غالبًا] مثل أفاعي مكة، وعقارب نصيبين يجب القودُ.
وإن كان لا يقتل غالبًا فقولان:
أصحهما: يشبه عمدٍ، وفيه قول آخر: يجب به القود؛ لأنها تجرح، والجراحة، وإن صغرت: إذا حصل منها الهلاك - يجب به القود؛ وكذلك لو أخذ سبعًا مما يُقتل به غالبًا فأنهشه، أو جعله معه في وعاءٍ فقتله - يجب القود.
ولو حبسه في بئرٍ، أو في بيتٍ فيه حياتٌ، وعقارب؛ ربطه، أو لم يربطه، فلسعته حيةٌ، أو عقربٌ؛ فمات - لا يجب الضمان، سواء كان الموضع ضيقًا، أو واسعًا؛ لأن الحية، والعقرب تهرب منه الآدمي فهو لم يُلجئها إلى قتله، إنما قتلته باختيارها؛ كما لو أمسك إنسانًا حتى قتله آخر - لم يجب القصاص على الممسك؛ بل يجب على القاتل، وكذلك لو ألقى
[ ٧ / ٣٧ ]
عليه حيةٌ، أو ألقاه عليها؛ شده، أو لم يشده، فقتله - لا ضمان عليه، سواء كان في مضيقٍ أو في صحراء.
فأما إذا حبسه في موضع فقتله - نظر: إن كان في موضعٍ ضيقٍ من بئر، أو بيتٍ صغيرٍ - يجب القودُ؛ لان السبع يقصد الآدمي إذا اجتمع معه في مضيقٍ؛ فكان هو مُلجئًا للسبع إلى قتله، بخلافِ الحية والعقرب.
وإن كان في موضع واسع، أو ألقى [عليه] سَبُعًا في صحراء، أو أغرى عليه كلبًا، أو شدهُ فطرحهُ في مسبعةٍ، أو بين يدي سبُعٍ، فقتله - فلا ضمان عليه؛ لأن السبع يهرب من الإنسان إذا وجد سعةً؛ فلم يُلجئه إلى قتله، سواءٌ كان المطروحُ صغيرًا، أو كبيرًا.
وقال أبو حنيفة: إذا حمل صبيًا إلى مسبعة، فأكله سبعٌ - يجب الضمانُ، فكل موضعٍ أوجبنا القود بقتل السبع:
فلو جرحه جراحةً خفيفةً، لا يموت منها غالبًا؛ فمات - فهو شبهُ عمدٍ، وكان شيخي [القاضي] ﵀ يقول: إذا أغرى عليه سبُعًا عقورًا في صحراء، لا يمكنه الهرب منه، فقتله - يجب القودُ؛ لأن فعله مضافٌ غليه؛ بدليل حل الصيد.
ولو سلم صبيًا إلى سابح ليعلمه السباحة، فغرق - ضمن ديته؛ لأنه سلم إله ليحتاط في حفظه، وهو شبه عمد؛ كما لو ضرب المعلم [الصبي] للتأديب فهلك - ضمن.
ولو سلم البالغ نفسه إليه؛ ليعلمه السباحة، فغرق - لم يضمن؛ لأنه في يد نفسه، فعليه أن يحتاط لنفسه.
ولو تلوط بصبي فمات، أو أكره امرأة بكرًا فافتضها فماتت - يجب القود.
ولو قتل رجلًا بسحرٍ يقتل غالبًا - يجب القودُ، ولا يمكن إثباتُ القتل بالسحر إلا بإقرار الساحر، حتى لو شهد الشهود أنه قتله بالسحر - لا يُقتل ما لم يشهدوا على إقراره، فإن قال الساحر: سحرته، وسحري يقتل غالبًا - يجب القودُ، وإن قال: سحرته، وسحري قد يقتل، وقد لا يقتل- والغالب انه لا يقتل - فهو شبهُ عمدٍ؛ تجب الدية مغلة في ماله؛ لأنه [قد] ثبت بإقراره، إلا أن تصدقه العاقلة؛ فتكون عليهم.
وإن قال: سحري يقتل [يقينا]، ولكني سحرت باسم غيره، فوافق اسمه - فهو خطأ؛
[ ٧ / ٣٨ ]
تجب الدية مخففة في ماله، إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم.
وإن قال: قصدت المصلحة - فهو شبه عمدٍ، وقيل: خطأ، وإن قال: مرضَ من سحري، ولم يمت منه- فهو موضع القسامة، [يحلف المدعي].
ولو صاح برجل غافل، أو مُراهقٍ على طرفِ سطحٍ أو بئرٍ، أو شجرٍ، فسقط، ومات، أو زال عقله - لا ضمان عليه، سواءٌ واجهه به، أو جاء من ورائه على غفلةٍ منه؛ لان الغالب أنه يتماسك.
وقال ابن أبي هريرة: إن صاح به من ورائه على غفلةٍ صيحة شديدةً - تبج الدية على عاقلته مغلة.
والأول أصح.
أما إذا صاح بصبي صغير، أو مجنون، أو امرأة ضعيفةٍ أو من ضعف عقله على طرف سطح، أو على وجه الأرض، فسقط فمات، أو كان صبيًا؛ فزال عقله - تجب الدية، سواءٌ واجهه به، أو صاحب [به] من ورائه، وكذلك لو لم يقصده بالصياح، بل صاح على صيد؛ أو لا على شيء، فهلك به صبيٌّ أو مجنونٌ، وسواءٌ صاح في ملكه، أو [في] غير ملكه، ثم إن قصده بالصياح، فالدية مغلةٌ على العاقلة، وإلا فمخففة.
وكذلك: لو صاح بنائمٍ، فمات، أو زال عقلُه.
وقال صاحب "التلخيص": إن صاح إلى صيد، فمات به صبي، أو مجنون: إن [كان الصائح محرمًا، أو] كان في حرمٍ - تجب الدية على عاقلته؛ لأنه متعدٍّ، وإن لم يكن في حرم ولا إحرامٍ - لا يضمن.
وعلى هذا القياس: لو صاح في ملكه، فهل به صبيُّ، أو مجنونٌ - لا يضمن، والمذهبُ: أنه يضمن، سواء كان في الإحرام، أو في ملكه، أو لم يكن؛ لأن ما كان جناية، فلا يختلف بالملك وغيره.
كما لو رمى في ملكه، فأصاب إنسانًا - ضمن.
[وكذلك: إذا شهر سيفه على صبي، أو امرأةٍ، أو هدده؛ فمات، أو زال عقله، أو على مجنونٍ؛ فمات - تجب الدية على عاقلته، وإن كان على عاقلٍ بالغٍ - لم يضمن].
[ ٧ / ٣٩ ]
وكذلك لو ذُكرتِ امرأةٌ بسوءٍ عند الإمام؛ فبعث إليها فاستدعاها، فألقت جنينها - يجب الضمان على عاقلةِ الإمام.
رُوي أنعمر أرسل إلى امرأةٍ، فأجهضت ذا بطنها؛ فضمنه عمر - ﵁ - أما الأم إذا ماتت به - لا يجب ضمانها؛ لأن العادة لم تجر أنها تموتُ بمثله.
ولو ذُكر رجلٌ بسوء، فاستدعاه، فمات - لم يضمن؛ لأن الغالب أن الرجل لا يموت منه.
ولو أرسل إليها رجلٌ على لسان الإمام، ففزعت، فألقت الجنين، فالضمان على عاقلة المرسل.
ولو طلب رجلًا بالسيف، فهرب، فألقى نفسه من سطح أو في بئر، فمات - لا ضمان على الطالبِ؛ لأن المطلوب هو الذي قتل نفسه، وإن سقط فيه - نُظر: إن كانت البئر مكشوفة، والمطلوبُ بصيرًا، وكان نهارًا - لا يضمن.
وإن كانت البئر مغطاةً، أو كانت مكشوفة، والمطلوبُ أعمى، أو كان ليلًا، فسقط من السطحِ، أو في البئر، أو في ماء؛ فمات - فهو شبه عمدٍ؛ تجب الدية على عاقلة الطالب؛ إلا أن يكون الأعمى عالمًا؛ فهو كالبصير.
ولو كان المطلوب صبيًا، أو مجنونًا، هل يضمن؟
فيه وجهان؛ بناءً على أن عمده عمدٌ، أم خطأٌ؟ إن قلنا: عمد، لم يضمن، وإن قلنا: خطأ، ضمن.
ولو انخسف به السطح - لم يضمن، بصيرًا، كان أو أعمى؛ بخلاف ما لو كانت البئرُ مغطاة، فسقط فيها - ضمن بكل حال؛ لأن الطالب ألجأه إلى وطء البئر؛ بخلاف السطح، ولو عرض له في طلبه سبعٍ، فأكله - لم يضمن؛ لأن القاتل غيره؛ إلا أن يُلجئه الطالب إلى موضع السبعٍ؛ فيضمن، ولو حفر بئرًا على طريق أعمى، فتردى فيها - وجبت الدية على عاقلته، وقيل: يجب القود، ولا يصح.
[ ٧ / ٤٠ ]
فصل
إذا قطع مريء رجلٍ وحلقومه، أو قطع حشوته، وأبانها، من جوفه أو جرحه جراحةً لا يبلغ أحدٌ إلى مثلها، فيعيش إلا عيش المذبوح، ثم جاء آخر، وحز رقبته - فالأول قاتل، وعليه القصاص في النفس، أو كمال الدية، ولا شيء على الثاني إلا التعزير؛ كما لو حز رقبة ميتٍ، بخلاف ما لو قتل مريضًا صار إلى أدنى الرمقِ - يجب عليه القودُ؛ لأن المريض قد يبرأ، ومن صار بالجرح إلى حالة المذبوح لا يعيش، وتلك الحالة حالة اليأس التي لا يصح فيها شيءٌ من تصرفاته ولا وصيته، وصار ماله لوارثه.
ولو مات له قريبٌ فيها لايرثه، ولا يصح فيها إسلام الكافر، [ولو] جرت فيها كلمةُ الكفر على لسان مسلم لا يحكم بردته، ولو صار مسلمٌ بالجرح إلى هذه الحالة، فأسلم فيها ابنه الكافر - لا يرثه.
فأما إذا قطع حشوته، ولم يُبنها من جوفه، أو قطع من المريء والحلقوم [أحدهما] ثم حز آخر رقبته يجب القصاص في النفس على الثاني، وعلى الأول أرش جراحته، أو القصاص في العضو الذي قطعه؛ لأنه لم يصر بجرح الأول إلى حالة المذبوح، وإن كان يتحقق أنه يموتُ منه بعد يوم أو يومين، حتى يصح في تلك الحالة تصرفه، ووصيته وإسلامُ الكافر؛ فإن عمر﵁ - أوصى بوصايا في مثل هذه الحالة، فنقضت الصحابة وصاياه من بعده.
وكذلك لو أوجره سمًّا مجهزًا؛ فقبل زُهوقِ الروح حز آخر رقبته - فالقاتل هو الأول، وإن لم يكن مجهزًا، فالقاتل هو الثاني، وإن لم يعرف أنه هو صار إلى حالِ المذبوح بجرحِ الأول - سُئلَ أهلٌ العلم، فإن قالوا صار إليها، فالقاتلُ هو الأولُ، وإلا فالثاني.
ولو قطع يد إنسان إلى الكوع، ثم جاء آخرُ وقطع ساعده من المرفق - نُظر: إن وقف؛ فعلى الأول القصاص في اليد، أو نصف الدية وعلى الثاني: الحكومة، ولا قصاص إلا أن يكون له ساعدٌ بلا كفٌ فيقطع.
وإن سرت الجناية إلى النفس - نظر: إن قطع الثاني بعد اندمال الأول - فعلى الأولِ القصاصُ في اليد، أو نصف الدية، وعلى الثاني القصاص في النفس أو كمال الدية، وإن قطع
[ ٧ / ٤١ ]
الثاني قبل اندمال الأول - فعليهما القود في النفس.
وعند أبي حنيفة: يقتلُ الثاني دون الأول؛ لأن القطع الثاني أعدم محل القطع الأول، فانقطعت سرايته؛ كما لو حز الثاني رقبته.
قلنا: إن انقطع محلهُ لم ينقطع أثره؛ لأن ألم القطع الأول قد انتشر في أعضائه، وانضم إليه ألمُ القطع الثاني، فتعاونا على إزهاق الروح، فهو كما لو أجاف إنسانًا، ثم جاء آخر ووسع تلك الجائفة، فمات - يجب عليهما القود في النفس، وليس كما لو حز رقبته، لأنه يعدم ألم الأول وأثره.
فصل في اجتماع الجراحات نم شخصٍ واحدٍ
إذا جرح رجلًا جراحاتٍ مثل: إن قطع يديه، [ورجليه]، وجب ذكره، وأنثييه عمدًا - نظر: إن وقفت هذه الجراحات - فللمجني عليه أن يقتص عنها.
وإن عفا فله أربع دياتٍ، ولو أراد أن يقتص عن بعضها، أو يأخذ ديةَ بعضها - فله ذلك.
وإن لم تكن للجراحات أروشٌ مقدرةً، فوقفت ففيها حكومات، وإن سرت الجراحات إلى النفس - فالوليُّ: إن شاء، قطع أطراف الجانين فإن لم يسر، حز رقبته، وإن شاء ترك قطع الأطراف وحز رقبته، ولا شيء له من الدية، وإن عفا فلا يجب له إلا [دية] النفس؛ لأن الأطراف تابعةٌ للنفس؛ إذ لا بقاء لها بعد فوات النفس، فإذا صارت الجراحة نفسًا، ووجب بدلها - سقط بدلُ الطرف.
ولو قطع أطرافه قصاصًا، ثم عفا عن النفس على الدية - سقط القود عن النفس، ولا دية له؛ لأنه لم يكن له إلا دية واحدة وقد استوفى ما يقابله [كمال الدية؛ حتى لو كان الجاني قطع يديه ورجليه؛ فمات منه، وقطع الولي يدي الجاني، وعفا عن الباقي؛ على الدية - لا دية له؛ لأنه قد استوفى ما يقابله] ديةٌ كاملةٌ.
وإن عفا على غير جنس الدية، هل تجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب؛ ما لا تجب الدية.
[ ٧ / ٤٢ ]
والثاني: تجب؛ لأنه عوض آخر يأخذه في مقابلة ما يدع من القصاص.
ولو قطع إحدى يديه، وعفا عن الباقي على الدية- لا يجب إلا نصف الدية، لأنه قد استوفى ما يقابله نصف الدية.
ولو قطع أطراف رجلٍ، ثم عاد فحز رقبته -نظر: إن حز رقبته بعد اندمال الأطراف - فعليه ديات الأطراف ودية النفس.
فلو قطع الأطراف؛ فله أن يعفو عن النفس، ويأخذ ديتها.
ولو عفا عن النفس، وأراد أخذ ديات الأطراف - له ذلك؛ لأنها قد استقرت بالاندمال، فلا تدخل في بدل النفس.
ولو عاد الجاني، وحز الرقبة قبل اندمال الأطراف- فللولي أن يقطع أطرافه، ويحز رقبته.
فلو عفا لاتجب إلا دية النفس، لأنها وجبت قبل أن يستقر بدل الأطراف، فيدخل فيها بدلُ الأطراف؛ كما لو سرت الجراحات إلى النفس، فإن حز الرقبة لا يجب بدل الطرف، ولو قطع الأطراف، وعفا عن النفس على الدية - لا دية له.
وقال ابن سُريج: إذا قطع أطرافه، ثم حز رقبته قبل الاندمال - لا يدخل بدل الأطراف في بدل النفس؛ كما لو حز الرقبة بعد اندمال الأطراف، حتى لو قطع الأطراف - له أخذ دية النفس.
ولو عفا عن الكل - عليه ديات الأطراف، أو مع دية النفس، والأول المذهبُ؛ حتى لو قطع الولي إحدى يدي الجاني، ثم عفا - فهو موقوفٌ.
فإن سرت يد الجاني إلى النفسِ - لا شيء للولي، وإن وقف، فله نصف الدية.
هذا إذا اتفق قطعُ الأطرافِ وحر الرقبة في العمدية والخطإ.
فإن اختلفا فهل يدخل بدلُ الطرفِ في النفس
فيه وجهان:
أحدهما: يدخل؛ كما إذا كانا عمدين، أو خطأين.
والثاني: لا يدخل؛ لأن التداخل من قضية الاتفاق لا من قضية الاختلاف، ولأن من
[ ٧ / ٤٣ ]
يستحق عليه الدية في العمد غير من يستحق عليه الدية في الخطإ.
بيانه: إذا قطع يد رجل خطأ، ثم حز رقبته عمدًا قبل الاندمال فللولي أن يقتله قصاصًا، وليس له قطع يده، فإذا قتله قصاصًا؛ فإن قلنا: [الحكم للنفس - لا شيء له من الدية].
وإن قلنا: لا يدخلُ بدل الطرف فيه يأخذ نصف الدية لليد من العاقلة، ولو عفا عن النفس:
فإن قلنا: الحكم للنفس فلا يجب إلا ديةٌ مغلظةٌ في ماله [للنفس].
وإن قلنا: لا يسقط بدل الطرف - فتجب ديةٌ مغلظةٌ في ماله للنفس، ونصف دية مخففة على العاقلة لليد.
وعلى عكسه: لو قطع يده عمدًا، ثم حز رقبته قبل الاندمال خطأ - يجوز للولي قطع يده.
ثم إن قلنا: الحكمُ للنفس [يأخذ نصف الدية مخففة من عاقلته.
وإن قلنا: لا يدخل - فيأخذ منهم مال دية النفس، وإن عفا عن قطع اليد.
فإن قلنا: الحكم للنفس]- فلا يجب إلا ديةٌ مخففةٌ على العاقلة للنفس.
وإن قلنا: لا يدخل - فتجب دية النفس على العاقلة مخففة، ونصف دية مغلظة في ماله لليد.
أما إذا قطع أطراف إنسانٍ، ثم جاء آخر، وحز رقبته، سواء حز بعد اندمال الأطراف، أو قبله - فعلى الأول ديات الأطراف، وعلى الثاني ديةُ النفس؛ لأن فعله يثني على فعل نفسه، لا على فعل غيره.
كما لو هتك الحرز، وأخرج المال في دفعات حتى بلغ نصابا ً- قطع، وإن أخرج بعض النصاب غيره - لم يقطع، وهذا بخلاف ما لو جاء الثاني فجرحه قبل الاندمال الأول، ولم يحز رقبته، فمات من الكل - لا تجب إلا ديةٌ واحدةٌ عليهما نصفان؛ لأن جرح الثاني غير موحٍ؛ فالقتل حصلمنهما، وحز الرقبة موحٍ؛ فلا صُنع للآخر في القتل.
[ ٧ / ٤٤ ]
فصل في حصول القتل بجنايات مختلفةٍ
قد ذكرنا أنه إذا جرح إنسانًا جراحةً، أو قطع منه طرفًا، ثم جاء هو أو غيره، فجرحه جراحة موحيةً بأن حز رقبته عمدًا - ثبت القصاص في النفس على من حز الرقبة، سواء كانت الجراحةُ الأولى، وقطع الطرف عمدًا، أو خطأ.
وإن لم تكن واحدةٌ منهما موحيةً - نظر: إن كانت كلُّ واحدة منهام: لو انفردت بزهوق الروح موحية للقود في النفس- فالاجتماع لا يمنع القصاص، سواءٌ كانتا من شخص واحد، أو من شخصين.
وإن كانت إحداهما غير مضمونةٍ بالقود:
فإن كانتا من شخص واحد- لا يثبت القود في النفس؛ مثل: إن قطع إحدى يدي رجلٍ عمدًا، ثم قطع الأخرى خطأ، فمات منهما - لا يثبت القود في النفس، ويثبت في الطرف الذي [قطعه] عمدًا، وعلى عاقلته نصف ديةٍ مخففة.
وإن عفا عن قطع الطرف - فنصف الدية مغلة في ماله، ونصفها مخففة على عاقلته.
ولو قطع مسلمٌ يد ذمي، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى، [أو قطع حر يد عبدٍ، فعتق، ثم قطع يده الأخرى]، ومات من رايتهما - لا يجب القود في النفس، ويجب في الطرف الذي قُطع بعد الإسلام والحرية، وإن عفا فتجب دية حر [مسلم] في ماله، وإن اقتص من الطرف - فنصف الدية.
ولو قطع ذمي يد ذمي، فأسلم الجارحُ، ثم قطع يده الأخرى، ومات منهما - فلا قود في النفس، ويثبت في الطرف الأول، [وإذا] عفا فدية ذمي في ماله، وكذلك لو قطع - فقيمته.
ولو قطع مسلمٌ يد حربي أو [يد] مرتدٍّ، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى، ومات منهما، أو قطع يد إنسانٍ قصاصًا، أو سرقه، ثم قطع يده الأخرى ظلمًا، أو قطع يد قاصده ثم بعدما ولى قطع يده الأخرى، أو العادل قطع يد الباغي في القتال، ثم بعد التوبة قطع يده الأخرىن أو قطع السيد يد عبده، ثم أعتقه، وقطع يده الأخرى أو حربي قطع يد مسلم، ثم أسلم القاطع،
[ ٧ / ٤٥ ]
فقطع يده الأخرى، ومات منهما [جميعًا]- لا يثبت القود في النفس في [هذا الموضع]، وثبت في الطرف الذي قطعه، وعند العفو: تجب نصف الدية مغلظةً في ماله.
وإن كانت الجنايتان من شخصين، فمات منهما، وإحداهما غيرُ مضمونةٍ بالقود - نُظر: إن كانت إحداهما عمدًا، والأخرى خطأ - فلا قود على واحد منهما في النفس، وعلى العامد القصاص في الطرف الذي قطعه، وعند العفو: تجب نصف الدية مغلظة في مال العامد، ونصفها مخففة على عاقلة الجاني الخاطئ.
وكذلك إذا كانت إحدى الجنايتين عمدًا، والأخرى شبه عمدٍ؛ لأن النصف الذي يجب على العاقلة مغلظة.
وإن كانت الجنايتان عمدين: محضين، وإحداهما لا توجب القود؛ مثل: إن شارك الأب أجنبيًّا في قتل الابن - فلا قود على الأب، بل عليه نصف الدية مغلظةً في ماله، ويجب على الأجنبي القودُ في النفس.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: لا قود على شريك الأب؛ كما لا يجب على شريك الخاطيء.
دليلنا: نقول: جرحُ الروح بجنايتين عمدين مضمونتين؛ فامتناع وجوب القصاص على أحد الشريكين - لا يمنع وجوبه على الآخر، كما لو رمى راميان سهمين إلى إنسان، فمات أحدُ الراميين قبل الإصابة، ثم [أصابه] السهم - يجب القصاص على الثاني؛ يؤيده: أنه لو عفا عن أحد القاتلين لا يسقط القود عن الثاني؛ كذلك ههنا.
و[قد] قال بعضُ أصحابنا: القصاص ههنا وجب على الأب، ثم سقط بعفو الشرع؛ فلا يسقط عن شريكه، وليس كشري الخاطيء؛ لأن الروح هناك لم تخرج بجناية عمدٍ محضٍ، والخطأ شبهة في فعل الخاطيء؛ بدليل أنه يوصف به الفعل، فيقال: فعلٌ خطأٌ، والفعلان مجتمعان في محلٍّ واحدٍ؛ فصار فعلُ الخاطيء شبهة في حق العامد، وشبهة الأبوة ليست في الفعل، بل في ذات الأب، وذاته متميزة عن ذات الشريك، فلا تورثُ شبهة في حق الأجنبي.
[ ٧ / ٤٦ ]
وعلى هذا: لو شارك حرٌّ عبدًا في قتل عبدٍ، أو مسلمٌ ذميًّا في قتل ذميٍّ - لا قود على الحر، والمسلم؛ ويجب على العبد والذميِّ.
وكذلك لو جرح مسلمٌ ذميًّا، فأسلم المجروحُ، ثم جرحه آخر، أو جرح حر عبدًا، فعتق، ثم جرحه آخر حرٌّ، أو عبدٌ، ومات منهما - يجب القودُ على الثاني دون الأول.
أما إذا جرح ذمي ذميًّا، فأسلم المجروح، ثم جرحه مسلمٌ.
أو جرح عبدٌ عبدًا، فعتق المجروحُ، ثم جرحه حر، ومات منهما - يجب القود عليهما؛ لأن كل واحدٍ من الجرحين عمدٌ موجبٌ للقود.
ولو شارك بالغٌ صبيًّا في قتل إنسانٍ، أو شارك عاقلٌ مجنونًا - نُظر: إن كان الصبي لا يعقل عقل مثله، والمجنون لم يكن له تمييزٌ، فلا قود على واحدٍ منهما في النفس؛ كما لو شارك عامدٌ مخطئًا، وإن كان الصبيُّ يعقلُ عقلَ مثله، والمجنون له تمييزٌ - فلا قود على الصبي والمجنون، وهل يجب على شريكهما؟ فعلى قولين؛ بناءً على أن عمد الصبي عمدٌ أو خطأ؟ وفيه قولان:
إن قلنا: عمده خطأ، فلا قود على شريكه؛ كشري الخاطيء.
وإن قلنا: عمده عمدٌ - يجب، وهو الأصح؛ كشريك الأب، فأما إذا كانت إحدى الجنايتين مضمونة دون الأخرى؛ مثل: إن جرح حربي مسلمًا، ثم جرحه مسلمٌ، ومات منهما، أو جرح قاصده، [فثاب]، فجرحه آخر، أو قطعت يد إنسان سرقةً، أو قصاصًا، ثم جرحه آخر، ومات منهما، هل يجب القود على الثاني في النفس؟ قولان:
أحدهما: يجب؛ لأن الروح خرج بجنايتين عمدين؛ كشريك الأب.
والثاني: لا يجب؛ بل عليه نصف الدية؛ بخلاف شريك الأب؛ لأن فعل الأب مضمون بالدية، [وفعل الحربي، وقطع السرقة، والقصاص غير مضمونٍ]. فأثر في حق الشريك، بل هو أخف حالًا من شريك الخاطيء؛ لأن فعل الخاطيء - مضمون [بالدية]، ثم أثر في حق الشريك، وههنا: فعلُ الأول غير مضمون، فأولى أن يؤثر.
وكذلك: لو جرح مسلمٌ مرتدًا، أو حربيًّا، ثم أسلم المجروح، فجرحه آخر.
[ ٧ / ٤٧ ]
أو جرح ذميٌّ حربيًّا، ثم عقد المجروح الذمة، فجرحه ذميٌّ آخر؛ فمات منهما - لا شيء على الأول.
وهل يجب القود على الثاني في النفس، أو لا يجب إلا نصف الدية؟ فيه قولان:
وكذلك: لو جرح رجلٌ عبده، ثم جرحه عبدٌ آخر في حال رقه، أو بعد عتقه جرحه حرٌ، أو عبدٌ، ومات منهما - لا ضمان على المولى، وهل يجب على الآخر القود في النفس؟ فيه قولان:
وكذلك: لو جرح نفسه، وجرحه آخر، أو لدغته عقربٌ أو حيةٌ، أو جرحه سبعٌ، وجرحه آدميٌّ؛ فمات منهما.
فهل يجب القود في النفس على من شاركه في قتل نفسه، وعلى شريكه [السبع]- فيه قولان.
وقيل: يجب القود على شريك السيد؛ لأن فعل السيد مضمونٌ بالكفارة، إن لم يكن مضمونًا بالدية - فهو كشري الأب؛ وكذلك من شاركه في قتل نفسه إذا أوجبنا الكفارة على من قتل نفسه، والأول أصح.
وقيل: شريك السبع شريك الخاطيء - لا قود عليه؛ لأن [فعل] السبع لا يوصف بالعمد؛ لأن العامد من له رويةٌ قبل الفعل، وفكرة بعد الفعل، ولا يكون هذا في السباع.
فإن أوجبنا القود على شريك السبع، فلا فرق بين أن يقصده السبع بالجرح، أو لا يقصده، إذا كان جرحه مما يموتُ منه الرجل غالبًا، فإن كان جرحه مما لا يموت منه والرجل غالبًا - فلا قود على شريكه في النفس.
ولو جرحه كلبان وآدميٌّ، أو جرحه سبع وحيةٌ وآدميٌّ؛ فمات، فكم يجب على الآدمي من الدية؟ [فيه] وجهان
أحدهما: النصفُ؛ كما لو جرحه سبعٌ واحدٌ جرحين وآدمي.
والثاني: وهو الأصح: عليه ثلث الدية؛ كما لو جرحه ثلاثة نفرٍ.
ولو رمى رجلانِ سهمين إلى مسلمٍ في صف الكفار، علم أحدهما أنه مسلم، ولم يعلم
[ ٧ / ٤٨ ]
الآخر أن في الصف مسلمًا، فأصاباه فمات - هل يجبُ القودُ على العالم منهما؟
حكمه حكم شريك السيد؛ لأن فعل الجاهل مضمونٌ بالكفارة، ولو جرحه رجلٌ، فداوى المجروحُ جرحه بالسمِّ؛ بأن وضعه عليه، أو شربه للتداوي؛ فمات - نظر: إن كان السمُ مجهزًا للقتل - فلا قود على الجارح في النفس، بل عليه ضمان الجرح، أو القصاص في الطرف الذي قطعه، كما لو حز المجروح رقبةَ نفسهِ.
وإن لم يكن السم مجهزًا - نظر: إن كان مما لا يتقل غالبًا - فلا قود على الجارح في النفس؛ كشريك الخاطئ، بل عليه نصف الدية، أو القصاص في الطرف.
وإن كان مما يقتلُ غالبًا - نظر: إن جهل المجروحُ أنه قاتل - فكذلكك.
وإن علمه قاتلًا - نص على أنه لا قود على الجارح في النفس قيل: هو ما لو جرح نفسه، وجرحه غيره، وقيل لا قود عليه قولًا واحدًا؛ لان المداوي قصد الإصلاح؛ فشريكه كشري الخاطيء، عليه نصف الدية.
ولو خاط المجروح جرحه [فمات] نظر: إن خاط في لحم ميتٍ، فعلى الجارح القودُ في النفس، أو كمال الدية، كذلك: لو داواه بما لا يضر، أكواه بما قال أهل البصر: إنه لا يضر من تكميد بصوفة ونحوه، وإن خاط في لحم حيٍّ - نظر:
إن قصد الخياطة في لحم ميتٍ، أو في جلدٍ، فوقع في لحم [حي]، فلا قود على الجارح في النفس؛ كشريك الخاطيء، بل عليه نصفُ الدية، أو القصاص في الطرف الذي قطعه.
وإن قصد الخياطة في لحم حيٍّ للمصلحة، فكالتداوي بالسم الذي يقتل غالبًا.
ولو خاط أجنبيُّ جرح المجروح، أو داواه بسم غير موحٍ - نظر: إن فعل بأمره. فهو كما لو خاط بنفسه، ولا شيء على الخياط، وإن فعله بغير أمره - فهما قاتلان؛ عليهما القودُ في النفس.
وإن أخطأ في الجلد إلى اللحم - فهما شريكان في القتل؛ أحدهما عامدٌ، والآخرُ مخطيءٌ.
[ ٧ / ٤٩ ]
وإن فعله الإمامُ - نظر؛ إن كان المجروحُ عاقلًا بالغًا - فالإمامُ كالأجنبي.
وإن [كان] صبيًّا، أو مجنونًا - فهو كما لو كان سلعةً فقطعها الإمام، وجرحه آخر؛ فمات منهما - ففيه قولان:
أحدهما: يجبُ عليهما القودُ.
والثاني: لا قود على الإمام بقطع السلعة، بل عليه الديةُ؛ فعلى هذا: لا قود على شريكه؛ لأنه شاركه في فعل عُدَّ خطأ.
ولو قطع إصبع إنسانٍ فتآكلت، فقطع المجنيُّ عليه فه، خوفًا من السراية - نظر: إن لم تتآكل إلا رأس الجراحة - فليس على الجاني إلا القصاص في الإصبع، وأرشها إن وقف.
فإن سرى إلى النفس [ومات] فعلى الجاني نصف الدية، وهل عليه القصاص في الإصبع، ودية أربع أصابع.
وإن سرى إلى النفس؛ فإن كان المجني عليه قطع في لحم ميته، فعلى الجاني القصاص في النفس، أو ديةٌ كاملة.
وإن قطع في لحم [حي]- فهو كخياطة الجُرح.
ولو جرح عضوًا لإنسان، فداواه المجروحُ، فتآكل العضو، فسقط - نظر: إن داواه بما زعم أهل العلم أنه لا يأكل - فعلى الجاني ضمان العضو، وإن داوى بما تأكل - فليس على الجاني إلا أرش الجراحة.
فلو قال الجاني: داويته بما يأكل - فالقول قول المجني عليه مع يمينه، لأن الجناية متحققة، والأصل عدم سبب آخر.
[ ٧ / ٥٠ ]
قال الشيخ﵀ -: ويحتمل أن يقال: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءةُ ذمته عن سوى أرش الجراحة، ونيره: لو قطع يد إنسان، فمات، فقال الجاني: قتل نفسه؛ فليس عليَّ إلا نصفُ الدية، وقال الولي، بل مات بسراية قطعك -[ففيه] وجهان:
أصحهما: القول قول الوليِّ مع يمينه؛ لأن الجناية منه [حقيقة].
والثاني: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
فصل في تغير أحوال المجني [عليه]
من الجناية والسراية
كل جناية لا يكون ابتداؤها مضمونًا في حق الآدمي - فلا يجب الضمانُ بتغير الحال في الانتهاء، وإن كان ابتداؤها مضمونًا - فالاعتبار في قدر الضمان بالانتهاء.
وإن تغير الحال إلى الهدر فلا يجب إلا ضمان الجراحة، أما في القصاص في النفس، وفي تحمل العقل يعتبر الطرفان والواسطةُ؛ لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهة، ويحمل العقل مؤاخذة غير الجاني للتناصر، فإن لم يكن من أحد الطرفين من أهله - لا يحمل:
بيانه: لو جرح مرتدًا، أو حربيًا، فأسلم، ثم مات بالسراية - فلا قود عليه، ولا دية، ولا كفارة.
كما لو جرح حربيٌّ مسلمًا، ثم أسلم، أو عقد الذمة، ثم مات المجروحُ بالسراية - لا شيء عليه، وكذلك لو جرح قاصده في الدفع، ثم تاب، فمات، أو جرح قاتل أبيه، ثم عفا، أو قطع يد إنسان سرقةً، أو قصاصًا، فمات بالسراية - لا [شيء عليه، وكذلك: لو جرح عبد نفسه، ثم أعتقه، فمات بالسراية - لا] قود عليه، ولا دية أما إذا جرح عبد غيره، فعتق، ومات بالسراية، أو جرح ذميًّا، فأسلم، ومات بالسراية وجب عليه دية حر مسلم؛ لأن ابتداء الجناية كان مضمونًا؛ فيعتبر الانتهاء في قدر الضمان، وهو في الانتهاء حرٌّ مسلمٌ، ولا يجب القود إن كان جارح العبد حرًّا، وجارح الذمي مسلمًا، وعند أبي حنيفة - ﵀ -[عليه] العتق بقطع السراية حتى لو قطع يد عبد، فعتق، ثم سرى - لا يجب إلا دية اليد:
[ ٧ / ٥١ ]
فنقول: الجناية إذا كانت مضمونةً، لم يجز أن تكون سرايتها غير مضمونةٍ بتبدل المستحق، كما لو جنى على ذمي، فأسلم، ثم مات- تجب ديةٌ كاملةٌ، وإن كان مستحق ماله بعد الإسلام غير مستحقة لو مات كافرًا، ولو قطع إصبع نصرانيٍّ، فأسلم، ثم سرى إلى الكفِّ، ووقف - فعلى الجاني عُشرُ دية ذميٍّ للإصبع، وأربعةُ أخماسِ دية يد مسلمٍ، وكذلك لو قطع إصبع عبد، فعتق ثم سرى إلى الكف، فعليه عُشرُ قيمته للسيد، وأربعة أخماس دية حُرٍّ للمعتق، ولو قطع ذميٌّ يد ذميٍّ، فاقتص من القاطع، ثم أسلم المجني عليه، ومات بالسراية، أو قطع ذمي يد مسلم، فاقتص، ثم مات المسلم بالسراية فلوليه أن يقتص من الجاني، فلو عفا فعلى الجاني خمسةُ أسداسٍ ديةٍ مسلمٍ، ويسقط سُدسها، وهي دية يد ذمي.
فمنه وجه آخر: أنه يجب نصف الدية؛ لأن يد الذمي إذا استوت بيد المسلم - لا يجب شيء آخر، ولو قطع ذمي يدي مسلمٍ، واقتص، ثم مات المسلم بالسراية- فللولي قتله، وإذا عفا على الدية - فعلى الوجه الأول: يأخذ ثلثي الدية؛ لأنه أخذ ما يقابله ثلث دية المسلم، وعلى الوجه الآخر: لا شيء له؛ لأنه إذا رضي أن يأخذ نفس [الذمي بنفس] المسلم - لا يكون له دية، وكذلك: لو قطعت امرأة يد رجل، واقتص، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، ووقفت يد الجاني - فللولي قطعها، فلو عُفي على الدية، يجب ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه يستوفي يدًا بدلها ربُعُ نفس الرجل.
وقيل: يجب نصف الدية، لأن يدها تقابل يد الرجل عند القطع.
والأول أصح؛ لأن يدها إنما تقابل يده، إذا وقفت الجناية، فأُقيدت بها، فذا صارت الحادثة نفسًا فاستيفاء يدها كاستيفاء ربع الدية، ولو قطعت يدي رجلٍ، فاقتص، ثم مات المجني عليه بالسراية، وعفا الوليُّ عن النفس على الدية - يجب نصف الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني: لا يجب شيء.
وعلى هذا: لو قطع عبدٌ يد حرٍّ، فاقتص، ثم مات المجني عليه بالسراية، ثم عتق العبد، ووقفت يده، وعفا الولي عن القصاص في النفس - ماذا يجب عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط من دية الحر بقدر نصف قيمة العبد، وعلى السيد أقل الأمرين من باقي
[ ٧ / ٥٢ ]
الدية، أو كمال قيمة العبد؛ لأنه بالعتق صار مختارًا للفداء.
والوجه الثاني: تسقط نصف الدية، وعلى السيد أقل الأمرين من نصف دية الحر، أو كمال قيمة [العبد] ولو تغير حال المجني عليه من الضمان إلى الهدر، فمات - لا يجب إلا ضمان الجراحة؛ مثل: إن جرح مسلمًا، فارتد المجروح، ثم مات بالسراية، أو جرح ذميًا، فنقض العهد، ثم مات بالسراية - فلا قود في النفس، ولا دية، ولا كفارة، ولأن الكفارة لإتلاف النفس، والنفس غير مضمونةٍ، ويجب ضمان الجرح، ويكون فيئًا.
وإن كان قد قطع طرفًا في حال الإسلام، فارتد المجروح، فإن عاش له طلب القود في حال الردة، وإن كان موجبًا للمال؛ فإن قلنا: ملكه باق - أخذ الدية، وإن قلنا: ملكه زائلٌ، فلا يأخذ، بل يوقف، فإن عاد إلى الإسلام - أخذ، وإلا أخذه السلطان.
وإن مات في الردة، فهل لوارثه أن يقتص عن طرف الجاني؟
نص الشافعي - ﵁ - على أن لوليه أن يقتص.
قيل: أراد بالولي السلطان؛ لأن المرتد لا يورث منه؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال، يأخذ السلطان لا الوارث؛ وهذا على قولنا: إن من قُتِلَ، ولا وارث له - يجوز للسلطان أن يستوفي القصاص، وفيه قولان
فإن قلنا: هناك: لا يستوفي السلطان [القصاص]- فلا قصاص ههنا.
ومن أصحابنا من قال: أراد بالوليِّ القريب، وهو الأصح؛ وعليه الأكثرون؛ فكل من كان وارثًا [له] قبل الردة، فله أن يستوفي، فإن كان القريب صغيرًا، أو مجنونًا - توقف حتى يبلغ، أو يفيق؛ فيستوفي، وإنما أثبتنا للقريب أن يقتص من طرفه؛ لأن القصاص لدرك الغيظ، والتشفي؛ فثبت ذلك للقريب الوارث، وإن كان لا يرث المال، فإذا عفا - أخذ الإمام المال كما لو قُتِلَ رجلٌ، وعليه دينٌ- ثبت القصاص للوارث، فإذا عفا - كانت الدية للغرماء، ولو قطع أطراف مُسلمٍ، فارتد، ثم مات بالسراية - فماذا يلزمه؟ فيه وجهان:
[ ٧ / ٥٣ ]
أصحهما: يجب الأقل من دية الأطراف، أو دية النفس؛ لأن دية الأطراف: إن كانت أقل فالسراية كانت في الردة؛ فلا تكون مضمونة، وإن كانت دية النفس أقل فهو [كما] لو مات مسلمًا لا يجب أكثرُ منها، فإذا مات في الردة أولى ألا يزاد عليها.
والوجه الثاني، وإليه ذهب الإصطخري: تجب عليه دياتُ الأطراف؛ فالردة تقطع حكم السراية كالاندمال؛ لأن الطرف إنما يتبع النفس إذا وجب ضمان النفس بتلك الجناية، وههنا: لا يجب ضمان النفس؛ بدليل أنه لو كان أرش الطرف أقل بأنه أوضحه، أو قطع إحدى يديه، وارتد فمات لا يزاد على أرش الطرف؛ وعلى هذا: لو قطع يد نصراني فتمجس، ثم مات بالسراية فإن قلنا: النصراني إذا تمجس يُقرُّ على المجوسية [فعلى الجاني دية مجوسي؛ اعتبارًا بحال الاستمرار، وإن قلنا: لا يُقر على المجوسية]، فهو المسلم يرتد؛ فعلى قول الإصطخري عليه دية طرف نصراني، وعلى الوجه الأول: عليه الأقل من دية طرفه، أو دية نفسه.
ولو جرح مسلمًا، فارتد المجروح، ثم أسلم، ثم مات بالسراية- تجب الديةُ، والكفارة، ونص على أنه لا يجب القود في النفس، وقال فيها لو جرح ذميٌّ ذميًّا، أومستأمنًا، فنقض المجروح العهد، ثم عاد إلى العهد، فمات بالسراية، فهل يجب القود في النفس على الجاني؟
فيه قولان، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين.
أحدهما: يجب القود، لأن دمه كان مضمونًا بالقصاص من حالتي الجرح، والموت.
والثاني: لا يجب؛ لأنه تخلل بينهما حالة الهدر، فيصير شبهة في سقوط القصاص.
ومنهم من قال، وهو الأصح: إن طال زمانُ الهدر بحيث حصل فيه شيءٌ من السراية، لا يجب القود، وإن قصر بحيث لم يحصل فيه شيءٌ من السراية - فعلى قولين:
فإن قلنا: يجب القود- فعند العفو يجبُ كمالُ الدية.
وإن قلنا: لا يجب القود. فإن قصر زمان الردة؛ بحيث لم يوجد منه سراية - يجب
[ ٧ / ٥٤ ]
كمالها، وإن طال - ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب كمالها؛ لأن الجرح والموت - في حال الضمان.
والثاني: وهو قول ابن سريج: يجب ثلثاها؛ لأن له حالتي ضمان وحالة هدرٍ.
والثالث: وهو الأصح: يجب نصفها، ونجعل حالتي الضمان كحالة واحدة.
ولو جرح مرتدًا، فأسلم، ثم عاد، فجرحه، ومات منهما - يجب عليه نصف الدية، كما لو كان الجارح اثنين جرحه أحدهما في حال الردة، والآخر بعد الإسلام، وتاب فجرحه ثانيًا - يجب على الثاني نصفُ الدية، فلو جرح مرتدًا، فأسلم فجرحه ثانيًا، ثم ارتدَّ، فجرحه ثالثًا، ثم أسلم، ومات بالسراية - كم يجب عليه من الدية؟ فيه وجهان:
أحدهما: ثلثها؛ لأنه مات بثلاثِ جراحاتٍ: اثنتان في حالة الهدر، واحدة في حالة الضمان،- يجب على الجارح في حالة الضمان ثلثها.
والثاني: يجب عليه نصف الدية، يجمع بين حالتي الهدر، كما لو كان الجارح اثنين، جرح أحدهما في حالة الهدر جرحين، والآخر من حالة الضمان جرحًا واحدًا - يجب على الجارح في حالة الضمان نصفُ الدية، ولو جرح مرتدًا، فأسلم، ثم جاء رجلان، وجرحاه، فمات من الكل - يجب على الجارحين في الإسلام ثلثا. الدية، على كل واحدٍ ثلثها؛ لأنه مات بجناية ثلاثة: واحدة منها هدرٌ، ولو عاد الجارح في الردة مع رجل آخر، فرحاه بعد الإسلام، فمات - فعلى الأول ربعُ الدية، وعلى الثاني نصفها؛ لأن الأول حالتين حالة ضمانٍ، وحالة هدرٍ، والدية توزع على عدد رؤوس الجناة، وإن كانت جناية البعض أكثر [من البعض]، ثم ما يخص كل واحد منهم، يوزع على أحواله من الضمان، والهدر، والعمد، والخطإ، [وما يقابل حالة الهدر - لا يجب] فما يقابل حالة الضمان - يجب، وما يقابل العمد يكون مغلظًا في حالة؛ [وما يقابل الخطأ - يكون على العاقلة] حتى لو عاد الجارح في الردة مع رجلين آخرين، وجرحوه بعد الإسلام، فمات من الكل، يجب على كل واحدٍ من الجارحين في الإسلام ثلث الدية، وعلى الأول سدسها، والسدس هدرٌن ولو جرح مرتدًا، فأسلم، فجرحه ثانيًا، ثم ارتد فجرحه ثالثًا، ثم أسلم، فجاء آخر، وجرحه، ومات من
[ ٧ / ٥٥ ]
الكل، فعلى الآخر نصف الدية.
وماذا يجب على الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: سدس الدية؛ لأن له حالتي هدرٍ وحالة ضمان.
والثاني: ربعها جمعًا بين حالتي الهدر.
ولو جرح رجلًا خطأ، ثم جاء مع آخر، وجرحاه عمدًا، ومات من الكل - فعلى الثاني نصف الدية مغلظة في ماله [، وعلى الأول نصفها: النصف منه، وهو من الربع حقه مغلة في ماله].
فصل في تبدُّل الحالتين بين الرمي والإصابة
إذا رمى سهمًا إلى إنسان، فتغير حال المرمي إليه، ثم أصابه - فلا يجب القصاص حتى يكون ممن يجب القصاص بقتله من حالة الرمي إلى الإصابة، فنعتبر في القصاص الطرفين، والواسطة؛ كما في سراية الجراحة، وكذلك في تغير حال الرامي، وكذلك في تحريم الأكل، ووجوب جزاء العبيد يعتبر الطرفان والواسطة؛ حتى لو رمى إلى صيدٍ، وكان الرامي من أحد طرفي الرمي، أو في الواسطة، مرتدًّا، أو مجوسيًا - لا يحل الصيد، ولو كان في أحد الطرفين محرمًا - يجب الجزاء، أما الضمان: فإن كان المرميُّ إليه مضمونَ الدم من حالتي الرمي والإصابة، فالاعتبار في قدر الضمان بحالة الإصابة مثل إن أرسل على ذمي، فأسلم، ثم أصابه، أو إلى عبد، فعتق، ثم أصابه - يجب عليه دية حر مسلم، ولا قود إذا كان الرامي حرًا مسلمًا، وكذلك لو تبدل حال الرامي بأن رمى عبدٌ إلى عبدٍ، فعتق الرامي، ثم أصابه، أو رمي ذميٌّ إلى ذميٍّ، فأسلم الرامي، ثم أصابه - لا يجب القود؛ لأنه لم يكن مما يقاد به في حالة الإصابة، وإن كان مضمون الدم حالة الرمي دون حالة الإصابة - فلا ضمان؛ مثل: إن رمى إلى مسلم، فارتد، ثم أصابه، أو إلى ذميٍّ، فنقض العهد، ثم أصابه - فلا شيء على الرامي، وكذلك في تبدل حال الرامي بأن رمي ذميٌّ إلى إنسان، فنقض العهد، ثم أصابه لا شيء عليه، وإن كان مضمون الدم حالة الإصابة دون حالة الرمي، مثل: إن رمي إلى مرتد، أو إلى حربي، فأسلم، ثم أصابه، فقد قيل: لا شيء عليه؛ كمالو جرح مرتدًا، أو حربيًا، فأسلم، ثم مات بالسراية - لا يجب عليه شيء.
[ ٧ / ٥٦ ]
والصحيح من المذهب: أنه تجبُ الدية بخلاف الجرح؛ لأن ثم تحققت الجناية في حالة الهدرن فلم يجب ضمان سرايتها، وههنا: تحققت الجناية بالإصابة، والإصابة كانت في حالة الضمان، وقيل: إذا رمى إلى حربيٌّن فأسلم، ثم أصابه لا يجب الضمان، وفي المرتدِّ يسلم - يجب؛ لأن قتل الحربي مباحٌ لكل أحد، وقتل المرتد إلى الإمام، حتى لو كان الرامي إلى المرتد هو الإمام، فأصابه بعد الإسلام - لا شيء عليه؛ وكذلك لو رمى إلى عبدِ نفسه، فعتق، ثم أصابه، أو إلى قاتل أبيه الذي له عليه القصاص، فعفا ثم أصابه - لا قود عليه، وفي الدية وهان أصحهما: يجب قال الشيخ ﵀: وكذلك لو تبدل حال الرامي بأن رمي حربي إلى مسلم، فأسلم الرامي، فأصابه - فلا قود، وتجب الدية؛ على أصح الوجهين.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: الاعتبار بحالة الرمي حتى لو رمى إلى عبد، فعتق، ثم أصابه - تجب القيمة، ولو رمى إلى مسلم، فارتد، ثم أصابه - تجب الدية، ولو رمى إلى مرتد، فأسلم، ثم أصابه، أو إلى عبد نفسه، فأعتقه، ثم أصابه - لا ضمان عليه، فنقول: أجمعنا على أنه لو رمى إلى عبدٍ صحيح، فشلت يده، ثم أصابه - تجب قيمته بحالة الإصابة، وكذلك إذا عتق وجب أن يعتبر حالة الإصابة.
فصل في تبدل العاقلة في قتل بين الجناية والسراية
إذا تبدل حالُ الرامي بين الرمي والإصابة في الخطأِ، فلا يحملُ الدية إلا من كان من أهل التحمل عنه من وقت الرمي على وقت الإصابة؛ حتى لو رمى إلى صيد، فأصاب إنسانًا، وكان الرامي مرتدًا في أحد الطرفين، مسلمًا من الآخر، أو كان مسلمًا من الطرفين، مرتدًا في الواسطة - تجب الدية في ماله؛ لأنه لم يكن ممن له عاقلةٌ في بعضها.
وكذلك لو رمى ذمي على صيد، فنقض العهد، ثم عاد إلى العهد، ثم أصاب إنسانًا، أو رمى حربيٌّ، فأسلم، ثم أصاب إنسانًا، وقلنا: تجب الدية - تكون الدية في ماله؛ لأن الحربي لا عاقلة له، وهو كان في بعضها حربيًا.
ولو رمى ذميٌّ إلى صيد، فأسلم، ثم أصاب إنسانًا، فالدية في ماله لا توجب على [عاقلته] الذميين؛ لأنه كان مسلمًا حالة الإصابة، ولا على عاقلته المسلمين؛ لأن كان ذميًّا حالة الرمين ولو رمى نصرانيُّ [إلى صيدٍ] ن ثم تهود، أو تمجس، ثم أصاب السهمُ
[ ٧ / ٥٧ ]
إنسانًا: قال الشيخ ﵀: فإن قلنا: يُقر على دينه - تجب الدية على عاقلته من أهل أي دينٍ كان؛ لأن الكفر كله ملةٌ واحدةٌ.
وإن قلنا: لا يقر، فيكون في ماله كالمسلم يرتدُّ.
ولو رمى عبد إلى صيد، فعتق، ثم أصاب إنسانًا - فالدية في ماله لا تجب على السيد؛ لأنه كان حرًا حالة الإصابة، ولا على عاقلته؛ لأنه كان عبدًا حالة الرمي، حتى لو تزوج عبدٌ معتقةً، فأولدها ولدًا، ثم رمى ذلك الولدُ على صيدٍ، فعتق [أبوه]، ثم أصاب السهم إنسانًا - تجب الدية في ماله؛ لأن الولاء لا ينجرُّ بعتق الأب من موالي الأم إلى موالي الأب، ولا يمكن إيجابُ الدية على موالي الأب، ولا على موالي الأم؛ لاختلاف حالتي الرمي، والإصابة.
وعلى هذا: لو أن عبدًا حفر بئر عدوان، ثم عتق، ثم تردى فيها إنسانٌ، ومات - تجبُ الدية في ماله.
وكذلك: لو نكح عبدٌ منكحة معتقة، فأتت بولد، ثم ذلك الولد حفر بئر عدوانٍ، أو نصب شبكة، أو أشرع جناحًا، أو ميزابًا في الطريق، فمات به إنسانٌ - تجب الدية على موالي الأم.
فلو عتق الأب بعد وجود هذه الأسباب قبل الوقوع، ثم وقع، فالدية تكون في ماله.
ولو جرح ذميٌّ إنسانًا خطأ، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح من السراية - يجب أرش الجراحة على عاقلته الذميين؛ لأنه قد تحقق ذلك القدر، وهم عاقلته، والباقي يكون في ماله؛ لأنه وجب بسراية حصلت بعد الإسلام، عن جناية كانت في الكفر، ولا يمكن إيجابه على واحدة من العاقلتين إلا أن يزيد أرش الجراحة على دية النفس؛ فلا يجب إلا دية النفس، ويكون الكل على عاقلته الذميين.
ولو قطع ذميٌّ يد إنسان خطأ، ثم أسلم، ثم سرى إلى النفس - تجب نصف الدية على عاقلته الذميين، ونصفها من ماله.
وفيه وجه آخر أنه إذا رح ذميٌّ إنسانًا، أو قطع يده خطأ، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح: أنه تجب جميع الدية على عاقلته الذميين.
[ ٧ / ٥٨ ]
والأول أصح؛ لأن الجناية وجدت منه في حال كونه ذميًّا.
قال الشيخ ﵀: ويمن بناءُ هذا على ما ذكرنا، وهو أنه إذا جرح ذميٌّ ذميًّا، ثم أسلم الجارح، ثم مات المجروح بالسراية - هل يجب القصاص في النفس؟ فيه وجهان:
إن قلنا: يجب القصاص باعتبار حالة الجُرح، فههنا: يجب جميع الدية على عاقلته الذميين.
وإن قلنا: لا يجب القود في النفس - فلا يجب عليهم كمالُ الدية كما ذكرنا؛ وعلى هذا: لو قطع عبدٌ يد إنسانٍ خطأ، فأعتقه المولى، ثم سرى إلى النفس - فالضمانُ كان متعلقًا برقبته؛ فصار المولى بإعتاقه مختارًا بالفداء يفدي بأقل الأمرين من نصف الدية، أو كمالِ قيمة العبد، ونصف الدية في مال الجاني؛ لأنه سرايةٌ بعد العتق بجنايةٍ كانت في الرق.
قال الشيخ - ﵀ - على قياس الوجه الآخر: يفدي السيد بالأقل من كمال قيمة العبد، أو كمال دية المقتول؛ لأن الجناية وُجدت في حال الرق. [والأول المذهب].
ولو قطع ذمي يد إنسانٍ خطأً، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى فمات منهما، أو عاش - تجبُ نصفُ الدية على عاقلته الذميين، والنصف على عاقلته المسلمين، وكذلك لو قطع ذمي إصبع إنسان، فسرى إلى الكفِّ، ثم أسلمَ، فقطع يده الأخرى، ومات منهما.
أما إذا قطع ذميٌّ إصبع إنسانٍ خطأًن فأسلم القاطع، ثم سرى إلى الكف، ثم قطع بعد الإسلام يده الأخرى، ومات منهما تجب عُشر الدية على عاقلته الذميين، وأربعةُ أعشارها من ماله؛ لأنها وجبت بسرايةٍ بعد الإسلام عن جناية كانت من الكفر، وتجب نصف الدية على عاقلته المسلمين.
وكذلك: لو قطع ذميٌّ إصبع إنسانٍ خطأ، ثم أسلم، فقطع إصبعًا أخرى، فمات منهما يجب نصف الدية على عاقلته المسلمين؛ لوجود إحدى الجنايتين في الإسلام، وعشرها على عاقلته الذميين، وأربعةُ أعشارها في ماله.
وكذلك: لو قطع عبدٌ يد إنسان، أو قطع إصبعه، فسرى على الكفِّ، ثم عتق، فقطع يده الأخرى، فمات - فنصف الدية تعلق برقبته، ونصفها على عاقلة الجاني.
ولو قطع العبد إصبع إنسان خطأً، فعتق، ثم سرى إلى الكف، ثم قطع يده الأخرى، ومات - فعشر الدية تعلق برقبته، صار السيد بإعتاقه مختارًا للفداء، يفدي بالأقل من عشر الدية
[ ٧ / ٥٩ ]
أو كمال قيمة العبد، وأربعةُ أعشارِ الدية في مال الجاني، والنصف على عاقلة الجاني.
ولو قطع مرتدٌّ يد إنسانٍ خطأ، أو قطع إصبعه، فسرى إلى الكف في الردة، أو بعد الإسلام، ثم بعد ما أسلم، قطع يده الأخرى - تجب نصفُ الدية من ماله؛ لأنه لا عاقلة للمرتد، ونصفها على عاقلته المسلمين.
ولو جرح مسلمٌ إنسانًا خطأً، فارتد الجارح، ثم أسلم، ثم مات المجروحُ - نظر: إن قصر زمانُ الردة بحيث لم يوجد فيه سرايةٌ - فجميع الدية على عاقلته، [وإن طال بحيث وجد فيه سرايةٌ - فقولان:
أحدهما: تجب كلها على عاقلته]؛ لأن الجناية، وخروج الروح كان في الإسلام.
والثاني: تجب نصف الدية في ماله، والنصف على عاقلته؛ لوجود بعض السراية في حال الردة.
قال الشيخ ﵀: ويخرج وجهٌ آخر: أن الثلثين على العاقلة كما ذكرنا في المجروح إذا ارتد، ثم أسلم، فمات - كم تجب من الدية؟
فصلٌ [في دية العبد إذا عتق تكون للمولى بعد موته]
إذا قطع يدي عبدٍ، فعتق، ثم مات بعد الاندمال - يجب على الجاني كمالُ قيمته - وإن زادت على ديات - وتكون للمولى؛ سواء كان الاندمال قبل العتق، أو بعده؛ لأن الراحة إذا اندملت، واستقر حكمها.
ولو عتق، ولو يندمل الجُرحُ، وسرى إلى النفس - يجب على الجاني كمالُ الدية؛ قلت قيمة العبد أو كثرت؛ اعتبارًا بالمال حتى لو كانت قيمة العبد ألفين، فعتق ومات بالسراية - لا تجب إلا دية حرٍّ، ثم ماذا يكو للسيد من تلك الدية؟
نظر: إن كانت الدية قدر قيمة العبد، أو أقل؛ فيكون الكل للسيد؛ لأن هذا القدر قد وجب بالجناية، والجناية كانت على ملكه، وإن كانت الدية أكثر من قيمة العبد فتقدر قيمة العبد تكون للسيد، والباقي للورثة؛ لأن تلك الزيادة بسبب سراية حصلت بعد الحرية، فيكون موروثه، وحق السيد يؤدي من إبل الدية، وليس للوارث أن يأخذ الدية، يدفع حق السيد من غيرها؛ لأن حقه تعين فيها.
[ ٧ / ٦٠ ]
وعند المُزني: إذا كانت قيمة العبد أكثر من الدية - يجب على الجاني كمالُ القيمة، ويكونُ للسيد، وهذا لا يصح؛ لأن ضمان الجناية يعتبر بحالةِ الاستقرار، وهو كان حُرًّا حالة الاستقرار، فلا يجبُ إلا بدلُ الحر؛ بدليل أن قيمته لو كانت أقل من الدية، فيجبُ كمال الدية، إذا مات بعد الحرية.
ولو قطع إحدى يدي عبد، أو فقأ إحدى عينيه، فعتق، ثم مات بالسراية - يجب على الجاني كمالُ الدية، وفيما للسيد منها قولان:
أصحهما: له الأقلُّ: من نصف [قيمة عبد]، أو تمام الدية؛ لأن نصف القيمة إن كان أقل - فهو لم يُتلف على السيد إلا ذلك القدر، وإن كانت الدية أقل - فلم تجب بالجناية غيرها.
والثاني: للسيد الأقل من تمام القيمة، أو تمام الدية؛ لأن السراية حصلت بجناية مضمونةٍ للسيد، فعلى القول الأول: للسيد الأقل من أرش الجناية؛ لو وقفت، أو ما يجب بسرايتها بعد الحرية.
وعلى القول الثاني: له الأقل مما يجب بسراية تلك الجناية بعد الحرية، أو ما يناسبها من القيمة، حتى لو قطع إصبع عبدٍ، فعتق ثم سرى - يجب عليه كمالُ الدية.
وللسيد؛ على القول الأول، وهو الأصح: الأقل من عشر قيمته، أو كمالِ الدية.
وعلى القول الثاني: له الأقل من كمال الدية، أو كمال القيمة.
ولو قطع حُر يد عبدٍ، فعتق، ثم قطع يده الأخرى، فمات منهما - له أن يقتص من الطرف الثاني.
وإذا عفا يجب كمال الدية، وللسيد منها الأقل من نصف القيمة، أو نصف الدية على القولين جميعًا؛ لأنه لم يجب بجناية الرق وسرايتها- إلا نصف الضمان، والباقي للوارث.
فلو اقتص الوارث من الطرف الثاني - فقد استوفى ما يقابله نصفا لدية، وبقي النصف، فإن كان قدر نصف القيمة، أو أقل - أخذه السيد، وإن كان أكثر - فقدر نصف القيمة للسيد، والباقي للوارث.
وكذلك: لو قطع يد عبد، فعتق، ثم جاء آخر، فقطع يده الأخرى، ومات منهما - تجب عليهما الدية، على كل واحد نصفها، وللسيد الأقل من صنف الدية، أو نصف القيمة، ويكون حقه فيما يجب على الأول؛ لأنه الذي جنى على ملكه، ولا حق له فيما يجب على الثاني؛ لأنه لم يجن على ملكه، فلو اقتص الوارث من طرف الثاني بقي على الأول نصف الدية،
[ ٧ / ٦١ ]
فيأخذه للسيد إن كان قدر نصف القيمة، أو أقل، فإن كان أكثر - فالفضل للوارث.
ولو قطع إصبع عبدٍ، فعتق، ثم جاء آخر، وقطع يده، ومات منهما - فعليهما الدية، وللسيد في القول الأول الأقل من عشر قيمته، أو نصف ديته.
وعلى القول الثاني: له الأقل من نصف قيمته، أو نصف ديته.
ولو قطع يد عبدٍ، فعتق، ثم جاء رجلان، فجرحاه، أو قطع أحدهما يده الأخرى، والآخر رجله، ومات من الكل - فتجب عليهم الدية أثلاثًا، وللسيد من الثلث الذي يؤخذ من الأول الأقل من نصف قيمته، أو ثلث ديته.
وعلى القول الثاني [له] الأقل من ثلث الدية، أو ثلث القيمة.
ولو جاء الجاني الأول مع رجلين آخرين، فقطع كل واحد عضوًا، ومات من الكل فعليهم الدية أثلاثًا، وللسيد على القول الأول من نصف قيمته، أو سدس ديته؛ لأنهم ثلاثة توزع الدية على عدد رءوسهم، فيخص الجاني في الرق ثلث الدية، وهو جنى جنايتين إحداهما في حال الرق، فيخص تلك الجناية السدس.
وعلى القول الآخر: الأقل من سدس ديته، أو سدس قيمته.
ولو قطع يدي عبدٍ، فعتق، ثم جاء رجلان، وجرحاه، فمات من الكل - فعليهم الدية.
ثم على القول الأول؛ للسيد الأقل من كمال قيمته، أو ثلث ديته.
وعلى الثاني: له الأقل من ثلث الدية، أو ثلث القيمة.
وكذلك: لو قطع الأول يديه، ورجليه في الرق؛ لأنه الأطراف إذا صارت نفسًا - لا تضمن [بأكثر من القيمة.
ولو أوضح رأس عبد، فعتق، ثم جاء تسعة] نفر، فجرحوه، ومات من الكل - فعليهم الدية أعشارًا.
وللسيد على القول الأول: الأقل من [نصف] عشر قيمته عبدًا، أو عشر ديته حرًا.
وعلى القول الثاني: له الأقل من عشر ديته، أو عشر قيمته.
ولو جاء الجاني الأول مع تسعة نفر بعد الحرية وجرحوه، فمات عليهم الدية أعشارًا،
[ ٧ / ٦٢ ]
وللسيد الأقل من نصف عشر قيمته، أو نصف عشر ديته على القولين جميعًا.
وإن كان جرح الثاني موجبًا؛ مثل: إن قطع يد عبد، فعتق، ثم جاء آخر، وحز رقبته - فعلى الأول: نصف القيمة للسيد، وعلى الثاني: القصاص في النفس، أو كمال الدية للوارث؛ لأن حز الرقبة يقطع السارية؛ كما لو جز الرقبة بعد اندمال قطع اليد.
ولو قطع حُر يد عبدٍ، فعتق، ثم جاء آخر، فقطع يده الأخرى - ثم قيل: لا يخلو: إما إن قتله الأول، أو الثاني، أو ثالثٌ غيرهما.
وإن قتله الأول- فقد استقر جناية الثاني، سواءٌ كانت قد اندملت، أو لم تندمل؛ لأن القتل يقطع السراية، فعليه القصاص في الطرف الذي قطعه، أو ديته.
وأما الأول، فإن كان قتله بعد اندمال جرحه - فعليه القصاص في النفس، أو كمالُ دية النفس، ونصف القيمة للسيد؛ بسبب قطع اليد، وإن قتله قبل اندمال جرحه- فالمذهب: أنه يدخل بدل الطرف من بدل النفس، وللولي أن يقتص عن النفس، ويسقط حق السيد، وإن عفا - يجبُ عليه كمال دية النفس، وللسيد الأقل من نصف القيمة، أو نصف الدية.
وعلى قول ابن سريج بدل الطرف لا يدخل من بدل النفس؛ فللوارث القصاص في النفس، أو كمال الدية، وللسيد نصف القيمة، كما لو قتله بعد اندمال الطرف، فأما إذا قتله الثاني - فقد استقر جرح الأول؛ سواءٌ كان قبل الاندمال، أو بعده، وعليه نصف القيمة للسيد.
وأما الثاني: فهو رجلٌ قطع طرف حر، ثم قتله، وقد سبق الكلام فيه.
وإن قتله ثالث غيرهما - فقد استقر حكم القطعين الأولين - فعلى الأول: نصف القيمة للسيد، ولا قصاص عليه، وعلى الثاني: القصاص من الطرف، أو نصف الدية، ويكون للوارث، وعلى القاتل: القود، أو كمال الدية.
ولو جنى جانيان في حال الرق، واحدٌ بعد الحرية، ومات من الكل - فعليهم الدية أثلاثًا، وللسيد منها الأقل من أرش جنايتهما، وهو مال ينقص من القيمة، أو ثلثًا الدية على القول الأول.
وعلى القول الثاني: له الأقل من ثلثي الدية، أو ثلثي القيمة، حتى لو قطع ثلاثةٌ في حال الرق، كل واحد طرفًا منه، ثم عتق، فقطع آخر الطرف الرابع، ومات - فعليهم الدية أرباعًا.
ثم على القول الأول: للسيد الأقل من كمال قيمته، أو ثلاثة أرباع ديته.
وعلى القول الثاني: له الأقل من ثلاثة أرباع ديته، أو ثلاثة أرباع قيمته.
[ ٧ / ٦٣ ]
ولو جنى خمسةٌ في الرق، وخمسةٌ في الحرية، ومات من الكل - فعليهم الدية أعشارًا، ثم إن كان أرش جنايات الخمسة في حال الرق مثل نصف الدية - فلا يختلف القول عن للسيد الأقل من نصف قيمته، أو نصف ديته.
وإن كان أرش جناياتهم أقل من نصف الدية، أو أكثر - فعلى القول الأول: للسيد الأقل من أرش جناياتهم أو نصف الدية.
وعلى القول الثاني: له الأقل من نصف الدية، أو نصف القيمة.
ولو جرح ذميٌّ ذميًّا، فنقض المجروح العهد، فاسترق، ثم مات بالسراية، فلا يجب القود في النفس؛ لحالة الهدر المتخللة بين طرفي الجراحة والموت، ويجب القصاص في الطرف، ولو أراد الأرش، فماذا يجب على الجاني؟ فيه قولان:
أحدهما: أقل الأمرين من أرش جنايته حرًا، أو كمال قيمته رقيقًا، ويكون للسيد؛ لأنه بدل روحه، وكان مملوكًا [له].
والثاني: قال الشيخ ﵀، وهو الأصح: يجب عليه قيمته عبدًا، بالغة ما بلغت؛ لأن الاعتبار في قدر الجناية بالمال، إذا كانت مضمونة.
فعلى هذا: إن كانت القيمة والأرش سواء، أو كانت القيمة أقل فالكل للوارث، وإن كانت القيمة أكثر - فيقدر الأرش للوارث، والباقي للسيد.
فصل في الإكراه
قد ذكرنا حد الإكراه في "كتب الطلاق"، فلو أن رجلًا أكره إنسانًا على قتل آخر، فقتله - يجب القود على المكره، وفي المكره قولان
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن -: لا قود عليه؛ لأنه قتله للدفع عن نفسه؛ كما لو صال عليه رجلٌ، فقتله في الدفع فلا قود عليه.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال زُفرُ: يجب عليه القود؛ لأنه قتله لمًا؛ لاستبقاء نفسه؛ كالمضطر إلى الطعام، إذا قتل إنسانًا، فأكله -يجب عليه القود؛ والدليلُ عليه أنه يأثم إثم القتل؛ كالمختار، وليس كالصائل؛ لأنه جانٍ بالصيال؛ بدليل أن قاتله لا يأثم إثم القتل، وههنا: لا جناية من المقصود قتله، فيجب القصاص على قاتله.
[ ٧ / ٦٤ ]
وقال أبو يوسف: لا قود على المكره، ويجب على المكره.
فإن قلنا: يجب القود على المكره؛ فإذا عفا تجب الدية عليهما نصفان [وهو الأصح] فلو أراد الولي أن يقتص من أحدهما، ويأخذ نصف الدية من الآخر له ذلك.
وإن قلنا: لا قودَ على المُكره ففي وجوب الدية عليه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح عندي: لا دية عليه كما لا قود عليه؛ لأنه كالآلة.
والثاني: يجبُ عليه نصف الدية؛ لأن الدية لا تسقط بالشبهة، والقصاص يسقط بها، والإكراه شبهة.
فإن قلنا: تجب الدية عليه - تجب الكفارة، ويتعلق به حرمان الميراث.
وإن قلنا: لا دية عليه - ففي وجوب الكفارة وجهان:
أصحهما: وجوبها: فإن أوجبنا الكفارة عليه - تعلق به حرمان الميراث، وإلا فوجهان.
ولا فرق بين أن يكون المكرِهُ سلطانًا، أو وليًا، أو متغلبًا، يخوفه بعقوبةٍ لا طاقة له بها، ويمكنه تحقيقُ ما توعده به.
فإن كان: يخوفه بما لا يمكنه تحقيقه وأمكنه الخلاص منه بالسلطان - فلا يكون تخويفه إكراهًا، ويجب القود على الفاعل دون المخوف؛ كما لو أمره واحد من الرعية بقتل إنسان، فقتل - يجب القود على القاتل دون الآمر.
وعند أبي حنيفة: الإكراه لا يكون إلا من السلطان، ولو أكره عبدٌ حرًا على قتل عبدٍ، أو أكره ذمي مسلمًا على قتل ذمي فقتله - يجب القود على المكره، ولا يجب على المكره.
ولو أكره حرٌّ عبدًا على قتل عبدٍ، أو أكره مسلمٌ ذميًا على قتل ذمي - لا قود على المكرهِ، وفي المكره قولان: إما الدية؛ إن قلنا: لا شيء على المكره، وكلها من مال المكره.
وإن قلنا: تجب الدية على المُكرَهِ - فنصفها في مال المكره، ونصفها في رقبة العبد؛ إن كان المكره عبدًا.
ولو أكره الأبُ أجنبيًا على قتل ولده لا قود على المكره، وفي المكره قولان، وإن كان المكره أبًا، والمكره أجنبيًا - يجب القود على المكره، ولا يجب على المُكره.
[ ٧ / ٦٥ ]
ولو أكره بالغٌ مراهقًا على قتل إنسانٍ - لا قود على المكره.
وهل يجب على المكره أم لا؟
إن قلنا: عمد الصبي خطأ - لا يجب؛ كشري الخاطيء، وإن قلنا: عمده عمدٌ - يجب.
أما الديةُ: إن قلنا: لا شيء على المكره فجميع الدية في مال المكره مغلظة، وإن قلنا: تجبُ الديةُ على المكره، فنصفها في مال البالغ مغلظة، ونصفها في مال المراهق مغلظةً، إن قلنا: عمدُهُ عمدٌ، وإن قلنا: خطأ - فعلى عاقلته مخففة.
قال الشيخ ﵀: وعندي إذا جعلنا عمد الصبي خطأ: إنها لا يجب القود على المكره على قولنا: عن المكره البالغ تجب عليه الدية.
فإن قلنا: لا دية عليه كما لا قود - فهو كالآلة يجب القود على المكرهِ بكلِّ حالٍ.
ولو أكره مراهقٌ بالغًا على القتل - لا قود على المكره، [أما المكره].
فإن قلنا: عمد الصبي خطأٌ - لا قود عليه؛ كشري الخاطيء.
وإن قلنا: عمده عمد - فقولان.
ولو أكرَهَ رجلًا على إتلاف مال آخر، ففعل - يجب الضمان على المكره وهل يكونُ المكُرَهُ طريقًا في وجوب الضمان عليه فيه وجهان:
وكذلك: لو أكره مُحرِمًا على قتل صيدٍ، فقتله - يجب الجزاء على المكرِهِ، وهل يكون المكرَهُ طريقًا - فعلى وجهين؛ بخلاف الإكراه على القتل؛ حيث جعلنا الدية عليهما نصفين في طريق؛ لأن ثَمَّ القتل غيرُ مباحٍ للمكرَهِ، وإن خاف هلاكَ نفسه، فجُعل مع المُكرِهِ كالشريكين.
وفي إتلاف المال، وقتلِ الصيد: يباح للمكره فعله لدفع القتل عن نفسه، فلم يستقر عليه الضمان.
ولو أكرهه على قتل آخر - جاز للمقصود قتله- دفع المكرَهِ والمكرِهِ جميعًا، ولا شيء عليه إذا قتلهما في الدفع؛ وللمكرهِ أيضًا دفعُ المكرهِ، ولا شيء عليه إذا أتى الدفع على نفسه ولو أكرهه على إتلاف مال إنسانٍ - لم يكن لصاحب المال دفعُ المكرَهِ؛ لأنه يباحُ له صيانةُ روحِهِ بمال الغير؛ كالمضطر إلى المجاعة يُباحُ له تناول مال الغير، وكان لصاحب المال، والمكرَهِ جميعًا دفعُ المكرِهِ، ولا شيء عليهما إذا أتى الدفعُ على نفسه.
ولو أكره رجلًا على أن يرمي على صيد، فرمى، فأصاب إنسانًا، وقتلهُ، إن قلنا: لا دية على المُكرَهِ - فجميعُ الديةِ على عاقلة المُكرِهِ، وإن قلنا: تجبُ الدية على المُكرَهِ - فيجبُ
[ ٧ / ٦٦ ]
نصف الدية على عاقلة المكرَهِ، ونصفها على عاقلة المكرِهِ.
ولو أكرهه أن يرمي إلى سترٍ، ووراءهُ إنسانٌ يعرفه المكرِهُ دون المُكرَهِ، أو أكرههُ على أن يقطع حزمة وتحتها إنسان يعلمه المكرِهُ دون المكرَهِ - تجب نصفُ الديةِ في مال المُكرِهِ، ونصفها على عاقلة المكرَهِ.
قال الشيخ - ﵀-: هذا صحيحٌ على قولنا: إن المُكرَهَ مؤاخذٌ بالضمان.
فأما إذا قلنا: لا ضمان على المُكرَهِ فيجب له على المكرِهِ.
قال الشيخُ: وينبغي أن يقال: ههنا يجب القود على المُكرِهِ، أو كمالُ الدية، ولا شيء على المُكْرَهِ؛ لأنه جاهلٌ يظنُ أن ذلك الفعل مباحٌ له؛ فكان كالآلة؛ فصار كما لو أمر صبيًا لا يعقل، أو عبدًا أعجميًا يقتل إنسانًا يجب القود على الآمر، ولا شيء على الفاعل، وكالسلطان إذا أمر بقتل إنسانٍ ظلمًا، والجلادُ يظن أنه يقتله بحق - لا شيء على الجلاد، والضمانُ على الإمام.
ولو أكره زيدٌ عمرًا على أن يُكرهَ خالدًا على قتل بكرٍ؛ ففعل - يجب القود على زيدٍ، وفي المكرهين قولان.
ولو أكرهه؛ فقال: إن قتلت نفسكن وإلا قتلتُك، أو أكرهه على شُرب سُمِّ قاتلٍ، ففعل - هل يجب القودُ على المكرهِ؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب للإكراه.
والثاني: لا؛ لأنه باشر قتل نفسه.
فإن لم نوجب القود - فلا دية عليه، وإن أوجبنا القود، فإذا عفا:
قال الشيخ - ﵀-: عليه كل الدية؛ إن قلنا: لا ضمان على المُكرهِ فإن أوجبنا الضمان على المُكرَهِ - فعليه نصفُ الدية.
ولو أكرهه على أن يرقى شجرةً، أو صعودًا، أو ينزل، فزلقت رجلُهُ واندفَّت عنقه - فهو عمدُ خطإٍ؛ يجب الدية على عاقلة المكرِهِ.
فإن أمر بغير إكراهٍ فلا ضمنا على أحدٍ.
وإن أمره السلطانُ: فإن قلنا: أمره يكون إكراهًا - فالضمان على عاقلته، إن أمره لخاصٍّ نفسهِ.
[ ٧ / ٦٧ ]
وإن كان يتعلق بمصلحة المسلمين - فيكونُ الضمان على عاقلتِه أم في بيت المال؟ فقولان:
ولو أكره رجلًا على نقب جدار إنسان، وأخذ المال من حرزه ففعل - لا قطع على واحد منهما؛ لأن المُكرِهَ لم يباشر، والمُكْرَهَ ملجأٌ إليه؛ كما لو أكرهه على قذفِ إنسانٍ، فقذف لا حد على واحدٍ منهما، ثم إن دفع المال إلى المُكْرِهِ، فالضمانُ على المُكْرِهِ، وهل يكون المكره طريقًا؟ فيه وجهان، وإن لم يدفع - فلا ضمان على المكره، أما المكره إذا تمكن من الرد إلى المالك، فلم يفعل - ضمن، وإلا فلا.
ولو أمر السلطان، أو خليفته رجلًا بقتل إنسانٍ ظلمًا، فقتله؛ سواءٌ أمر جلاده، أو غيره - نظر: إن كان المأمور يظن أنه يقتله بحق لا شيء [على المأمور]؛ لأن طاعة الإمام واجبةٌ عليه فيما لا يعلمه معصية، ويجب القود على الآمر، أو كمالُ الدية، والكفارة.
وكذلك إمام أهل البغي، إذا أمر بقتل يظنه حقًا؛ لأن حكمه نافذ؛ بخلاف ما لو أمره بعض الرعية بقتل إنسان ظلمًا، أو متغلب بلصوصية لا يخاف من مخالفة آمره، فقتله - يجب القود، أو الدية على المأمور، سواءٌ كان يعلم أنه يقتله بغير حق، أو يظن أنه يقتله بحق؛ لأنه لا تلزمه طاعته، وليس الظاهر من أمره أنه يأمره بحق.
فأما إذا كان المأمور عالمًا بأن السلطان يقتله ظلمًا، فقتله بأمره:
فأمر السلطان: هل يكون إكراهًا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يكون إكراهًا ما لم يخوفه كأمر غيره؛ فعلى هذا:
يجب القود أو الدية على المأمور، ولا شيء على الآمر.
والثاني: أمره إكراه؛ لأنه يخاف من مخالفة أمره؛ ما يخاف من المكره؛ فعلى هذا: يجب القود على الآمر، وفي المأمور قولان:
أما الزعيم الذي لا يخاف من مخالفة أمره - فلا يكون أمره إكراها.
ولو أمر رجل صبيًا، أو مجنونًا بقتل إنسان؛ فقتله - نُظر: إن كان الصبي يعقل، والمجنونُ يميز - فلا شيء على الآمر إلا الإثمُ، وتجب الدية على المأمور في ماله مغلظة إن قلنا: عمدُه عمدٌ، وإن قلنا: عمده خطأٌ، فعلى عاقلته مخففة.
وإن كان الصبي لا يعقل، والمجنون لا يميز فيجب القود على الآمر، أو كمال الدية؛ سواءٌ كان وليًا للمأمور، أو أجنبيًا حتى لو قال لصبي لا يعقل: ضع السكين في بطنك، ففعل
[ ٧ / ٦٨ ]
- يجب القود على الآمر، أو كمالُ الدية، ولو أمر صبيًا لا يعقل بأن ينزل بئرًا، أو يصعد شجرةً، ففعل، فسقط، فهلك - تضمن عاقلته الدية.
ولو أمر عبده بقتل إنسان، فقتل - نُظر: إن كان العبدُ عاقلًا لا يرى طاعةَ سيده فرضًا في جميع ما يأمره به - فلا شيء على المولى إلا الإثم، ويجب القود على العبد.
وإن كان بالغًا، فإن عُفي عن القود، أو كان مراهقًا - فلا قود، والضمانُ يتعلق برقبة - العبد، دون سائر أموال السيد، وكذلك لو أمره بإتلاف مال إنسان.
وإن كان العبد صبيًا لا يعقل، أو أعجميًا يرى طاعة سيده فرضًا فيما يأمره به - فهو كالآلة؛ يجب القود [على السيد]، وإذا عُفي - فالضمان يتعلق بجميع أمواله؛ وهذا بخلافِ ما لو أمر عبده الأعجمي بسرقة مال، فسرق -لا قطع على المولى؛ لأن قطع السرقة - يجب بالمباشرة، ولا يب بالتسببن وهذا تسببن والقود قد يجببالتسبب، ولا قطع أيضًا على العبد؛ لأنه كالآلة.
ولو أمر عبد غيرهِ بقتلِ، أو إتلاف مالٍ، ففعل - فهكذا إن كان العبدُ عاقلًا لا يرى طاعة [غير] سيده فرضًا فعليه القود، والضمان متعلق برقبته، ولا شيء [على الآمر].
وإن كان صغيرًا لا يعقلُ، أو أعجميًا يرى طاعة كل من يأمره به بشيء فرضًا فهو كالآلة، فالقود والضمان على الآمر وهل للضمان تعلق برقبة العبد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه كالآلة كالصبي الحر؛ لا يتعلق الضمان.
والثاني: يتعلق برقبته؛ فيباع فيه، ثم السيد يرجع على الآمر بقيمته، وإن لم تفِ قيمته بالأرش - فالفضل على الآمر.
ولو أمسك رجلًا حتى قتله آخر - فالقود والضمان على القاتل، ولا شيء على الممسك، سواءٌ أمسكه للقتل، أو لا للقتل، غير أنه إن أمسكه للقتل يأثم، [وإن أمسكه لا للقتل لا يأثم]، فهو كما لو أمسك امرأة حتى زنى بها آخرُ - فالحد على الزاني دون المسك، وإن كان أمس عبدًا حتى قتله آخر - فالممسك الغاصب؛ عليه الضمان، والقود على القاتل.
وقال مالك - ﵀-: إن أمسكه للقتل - فهما شريكان؛ فعليهما القود.
[ ٧ / ٦٩ ]
وقال ربيعةً: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت.
ولو قدم صبيًا إلى هدف، فأصابه سهم، فمات - تجب الدية على من قدمه؛ لأن الرامي كالحافر، ومن قدمه كالملقي فيها؛ فيكونُ الضمان على الملقي لا على الحافر.
ولو عرض كفه، فوضعه على الهدف بين يدي سهم فرماه الرامي - هل يضمن؟ [ذكر ابن سريج وجهين].
وإذا قال رجل لآخر: اقتلني، فقتله - لا يجب القود على ظاهر المذهب.
وقيل في وجوب القود قولان:
أحدهما: لا يجب؛ للإذن من صاحب الحق.
والثاني: يجبُ؛ لأن القتل لا يستباح بالإذن؛ كالحرة إذا طاوعت بالزنا يجب الحد.
والأول المذهب؛ لأن القصاص حقه، والحد حق الله تعالى؛ فلا يسقط بإذنه.
أما الدية - فهل تجب؟ فيه قولان: بناء على أن الدية تجب للمقتول، ثم تنتقل للوارث، أم تجب للوارث ابتداء؟ فيه قولان:
إن قلنا: تجبُ للمقتول، وهو الأصح؛ بدليل أنه تنفذ بها ديونه ووصاياه؛ لا تجب.
وإن قلنا: تجب للوارث ابتداءً فلا تسقط [إلا] بإذنه.
ولو قال لآخر: اقطع يدي، فقطع- نُظر: إن سرى إلى النفس - فهو كما لو قال: اقتلني، فقتله، وإن وقف - فلا يجب القود ولا الدية؛ لأن ذلك حقه، ورضي بإسقاطه.
وعند أبي حنيفة - ﵀- إذا قال: اقتلني، فقتله - تجب الدية، وإن قال: اقطع يدي، فقطع- فلا دية.
ولو قال عبدٌ لآخر: اقتلني، أو اقطع يدي، ففعل - يجب الضمان؛ لأن الحق فيه للمولى؛ فلا يسقط بإسقاطه.
فإن كان القاتل، أو القاطع عبدًا - هل يجب القود؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما يجب ضمان المال؛ لأنه حق السيد.
والثاني: لا يجب؛ لأنه يسقط بالشبهة، وقول العبد فيه مقبولٌ إذا - أقر به على نفسه.
ولو أكرهه؛ فقال: إن قتلتني، وألا قتلتُك، فقتله - لا قود عليه؛ لأن الإكراه أبلغُ من
[ ٧ / ٧٠ ]
الإذن، وبمجرد الإذن - يسقط القود، وهل تجب الدية أم لا؟
قال الشيخ - ﵀ - إذا قلنا: إنه إذا أذن له في قتله، فقتله - لا دية عليه-: ههنا لا تجب.
وإن قلنا: ثم تجب الدية - فههنا: على وجهين؛ بناء على أن المُكره هل عليه الدية؟ فيه قولان:
إن قلنا: تجب ههنا نصف الدية على القاتل، ولو قال: إن قتلت عبدي، وإلا قتلتك، أو إن قطعت يدي ولا لأقطعن يدك، أو لأقتلنك، ففعل - لا يجب الضمان على المكره؛ لأنه لو أذن له في غير إكراه - لا يجب.
ولو قال لآخر: اقذفني، فقذفه، فقد قيل: لا حد عليه؛ لان الحق له، كما لو قطع يده بإذنه - لا قود عليه، والصحيح أنه يجب الحد؛ بخلاف القطع؛ لأنه قد يستعين بالغير في القطع، فإذا قطع يده بإذنه - فكأنه استعان به في قتل نفسه، ولا يستعان بالغير في القذف [فإذا قطع يده فان القذف] فكأن القاذف مبتدئًا.
فصل [في إتلاف الطرف عمدًا أو خطأ أو شبه عمد]
يتصور في إتلاف الطرف العمد المحض، والخطأُ المحض، وبه العمد، كما في إتلاف النفس.
فالعمد والخطأ لا يشتبه.
أما شبه العمد مثلُ: إن ضرب رأسه بإصبعه، أو بعصا صغيرةٍ لا تشج غالبًا، فأوضحه - فهو شبه عمد؛ لا يجب به القود، ويجب أرش موضحة مغلظة على العاقلة.
أما إذا فقأ عينه بإصبعه - يجب القود؛ لأن الإصبع في فقء العين - يعمل عمل السلاح في غيرها، فيفقأ عينه قصاصًا.
وقد تكون [العصا] الصغيرة عمدًا محضًا في الشجاج، وتكون [في النفس] شبهُ
[ ٧ / ٧١ ]
عمدٍ بأن يكون مما يشج غالبًا، ولا يقتل غالبًا.
فصل في القصاص في الخنثى المشكل
الخنثى المشكلُ: إذا قطع ذكر رجلٍ وانثينه - يوقف:
فإن كان الخنثى ذكرًا - يقتص منه، ون بان أنثى - فعليه ديتان، ولا قصاص؛ لأنه لا تقطع الزائدة بالأصلية، وكذلك إذا قطع الخنثى المشكل شُفري امرأةٍ - فلا تقتص حتى تتبين، فإن بان أنثى فتقتص؛ وألا فتؤخذ دية الشفرين، ولو لم يعفُ، وطلب شيئًا من المال - لا يعطى؛ لأنه قد تبين موافقًا للمجني عليه؛ فلا يكون له مال مع القصاص.
ولو قطع واضحٌ ذكر خنثى وأنثييه وشفريه - فلا قصاص قبل تبيُّن الحال؛ فإن عفا المجنيُّ عليه على المال يعطى أقل ما يتيقن، وهو دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين.
ثم إن بان الخنثى امرأة - فقد أخذت حقها، وإن بان رجلًا - تكمل دية الذكر، والأنثيين؛ وتُرد دية الشفرين إلى الحكومة.
ولو لم يعفُ، ووقف؛ حتى يتبين أمر الخنثى، فإن بان الخنثى ذكرًا - يُنظر: إن كان الجاني ذكرًا - يُقطعُ ذكره وأنثياه قصاصًا ويؤخذ منه حكومةُ الشفرين.
وإن كان الجاني أنثى - فلا قود، وعليه ديتان للذكر والأنثيين، وحكومةُ الشفرين.
وإن بان الخنثى أنثى نُظر
إن كان الجاني أنثى - يُقطع شفرها بشفر الخنثى قصاصًا، ويؤخذ منها حكومتان للذكر والأنثيين.
وإن كان الجاني ذكرًا - فلا قصاص، وعليه دية شفرين، وحكومتان للذكر، والأنثيين.
ولو لم يعفُ، وقال: أعطوني شيئًا حتى يتبين أمرُ الخنثى - هل يُعطى؟ فيه وجهان:
أحدهما: قاله ابن أبي هريرة: لا يُعطى؛ لأن القود باقٍ، ولا يُعطى المالُ مع بقاء القود.
والثاني: وهو الأصح: يُعطى أقل ما ستحق مع القود، فإن كان الجاني ذكرًا - يعطى حكومة الشفرين، لأنه لا قصاص فيهما، وإن كان أنثى - فحكومة الذكر، والأنثيين، ولا يكون جمعًا بين المال والقود في عضو واحدٍ؛ لأن القود في عضو، والمال في غيره؛ بخلاف المسألة الأولى إذا اكن المجني عليه واضحًا والجاني خنثى لا يعطى شيئًا ما لم يعف؛
[ ٧ / ٧٢ ]
لاحتمال أن يكون الخنثى موافقًا للمني عليه؛ فيثبت القصاصُ في جميع ما قطعه.
وإن كانا مُشكلين، فقطع أحدهما ذكر الآخر، وأنثييه، وشفريه -فلا قصاص ما لم يتبين حالهما، فن بانا ذكرين، أو أنثيين - يقطع الأصلي بالأصل، والزائد بالزائد، غير أن الزائد إنما يقطع بالزائد إذا استويا في الصغر، والكبر، أو كان من الجاني أصغر.
فإن كان [مِنَ] الجاني أكبر - فلا يقتص، بل تؤخذ الحكومة، ويقطع الأصلي بالأصلي.
وإن اختلفا في الصغر، والكبر، وإذا عفا فيأخذ الأقل، وهو دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين.
ولو لم يعفُ، وقال: أعطوني شيئًا حتى يتبين أمر الخنثى- لا يُعطى؛ لاحتمال أن يتبينا موافقين؛ فيثبت القصاص في جميع ما قطع، والله أعلم.
باب الخيار في القصاص
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
"ورُوي عن أبي شُريح [الكعبي]؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: ثم أنتم يا خُزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هُذيل، وأنا والله - عاقله، فمن قتل بعده قتيلًا - فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
إذا قتل من يكافئه عمدًا، أو قطع طرفه - فموجب العمد ماذا؟ فيه قولان:
أصحهما: القود، وبه قال أبو حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] وعن ابن عباس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قتل عمدًا،
[ ٧ / ٧٣ ]
فهو قودٌ".
والثاني: [موجبه] القود، أو الدية؛ يختار الولي أيهما شاء؛ لقوله - ﷺ -: "فأهله بين خيرتين".
وعلى القولين جميعًا: لو مات الجاني، أو سقط طرفه في قطع الطرف: تؤخذ الدية من ماله، وعلى القولين جميعًا: لو عُفي عن القود مجانًا لا تجب الدية، ولو عُفي على الدية - تثبت الدية، أما إذا عُفي مطلقًا.
فإن قلنا: موجبه أحد الأمرين - تتعين الدية.
وإن قلنا: موجبه القود: فمطلق العفو - هل يجب الدية؟ اختلفوا فيه:
منهم من قال- وهو المذهب-: لا يوجب الدية.
وقال أبو إسحاق: فيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني - يوجب الدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ١٧٨] أمر بعد العفو بالاتباع بالمعروف؛ دل أن المال ثابتٌ بالعفو.
والثاني: وهو الأصح-: لا يُوجب؛ لان القتل لم يوجبه، والعفو للإسقاط؛ فلا يجب به المال، والآية محمولةٌ على ما لو عفا على المال وكذلك قوله في الحديث: "فأهله بين خيرتين" محمول على ما إذا اختار المال بالعفو عليه.
وعند أبي حنيفة: لا تثبت الدية، وإن عفا عليها إلا برضا الجاني، حتى لو مات القاتل، أو كان القصاص في الطرف، فقطع طرفه ظلمًا - لا دية للمجني عليه، والآية حجة عليه؛ حيث أثبت الاتباع بعد العفو، ولم يشترط رضا الجاني، والحديث حجة [عليه]؛ من حيث إنه ﵇ - جعل الخيار إلى الولي في اختيار الدية، أو القود؛ إذا ثبت أنه إذا عفا عن أحدهما تعين الآخر على قولنا: إن موجبه أحد الأمرين: فلو اختار أحدهما - نظر: إن اختار الدية - سقط القصاص، وثبت المال، ولا رجوع له إلى القصاص.
وإن قال: اخترت القصاص - فهل له أن يرجع إلى الدية؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه تركها باختيار القصاص، كما لواختار الدية يسقط القصاص.
[ ٧ / ٧٤ ]
والثاني: له ذلك؛ لأن القصاص أغلظ؛ فله الرجوع إلى الأدنى "التفريع على القولين":
إن قلنا: موجب العمد هو القود، فلو عفا عن الدية قبل أن يعفو عن القصاص لا يصح؛ لأنه عفوٌ قبل الوجوب حتى لو عفا بعده عن القود على الدية، تجب الدية، ولو عفا عن القود على غير جنس الدية، أو صالح على ثوب، أو دارٍ معينة، أو على مال في ذمته، وقتله الجاني -جاز، ووجب؛ سواء كان المال والمصالح عيه أقل من الدية، أو أكثر، وسقط القود، وإن لم يقتل الجاني - لا يثبت المالُ وهل يسقطُ [القود] فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه رضي بسقوطه؛ حيث أقدم على العفو والصلح.
والثاني: وهو الأصح-: لا يسقط؛ لأنه جعله بمقابلة مال، فإذا لم يثبت المالُ - لا يسقط القود.
قال الشيخ - ﵀-: فإن قلنا: يسقط القود - فهل تثبت الدية؟
فهو كما لو عفا مطلقًا؛ لأن سقوط القود - ههنا - لرضاه بسقوطه بقوله: "عفوت"، لا لاعتبار المال؛ فإن من اعتبر المال لا يحكم بسقوطه؛ هو الوجه الآخر، ولو عفا عن القود على جنس الدية على أكثر منها:
فإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - جاز، وثبت ما سماه إذا قبله الجاني.
وإن قلنا: مطلقه يوجب المال - ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لو صالح عن ألفٍ على ألفين - لا يجوز.
والثاني: وهو الأصح-: جاز ولزم إذا قبله الجاني؛ لأن المال غير ثابتٍ بأصل القتل، إنما يثبت باختياره.
وإن قلنا: لا يصح - ففي سقوط القود وجهان.
وإن قلنا: موجب العمدِ أحد الأمرين، فعفا عن الدية قبل أن يعفو عن القود [جاز، وسقطت الدية وتعين القود، فلو عفا بعده عن القود] مطلقًا - لا يجب المال، وإن عفا على مال:
قال الشيخ - ﵁ - إن عفا على الدية - لا يجوز؛ لأنه أسقطها.
وإن عفا على مالٍ آخر؛ سواءٌ كان من جنس الدية، أو من غير جنسها، أقل منها، أو أكثر، فقبل الجاني - ففيه وجهان:
[ ٧ / ٧٥ ]
أحدهما: لا يثبت المال؛ لأنه عفا عن المال مرةً.
والثاني: يثبت؛ لأنه عفا عما أثبته الشرع، وهذا مالٌ آخر بصالح عن القود عليه، فيجوزُ، وإن عفا، أو صالح عن القود على شيء قبل أن يعفو عن الدية - نظر: إن عفا على غير جنس الدية - جاز سواء كانت قيمته أقل من قدر الدية، أو أكثر، وإن عفا على جنس الدية على أكثر لا يجوز، كما لو صالح عن ألفٍ على ألفين.
فصل
رُوي عن الضحاك بن سفيان قال: كتب إليَّ رسول الله - ﷺ - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها".
الدية يرثها المجني عليه جميع ورثته، وكذلك القود.
وقال ابن أبي ليلى: لا يرثها [إلا] الزوج والزوجة.
وعندما مالك: لا يرث القود إلا رجال العصبة من أهل النسب.
وإذا قُتل رجلٌ، ولا وارث له - هل للسلطان أن يقتص؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ كالوارث.
والثاني: لا، بل يأخذ الدية؛ لأنه حقٌ لعامة المسلمين، وفيهم صغار، فينظرهم في المال، ولا يجوز أن يعفو على غير مال؛ لأنه لا نظر للمسلمين فيه.
وإن كان له من يرث بعض القصاص؛ كالبنت، والأخت - يستوفيه مع السلطان؛ على قولنا: إن السلطان يستوفي إن لم يكن له وارثٌ، وألا فلا يستوفي، بل تؤخذ الدية.
وإذا قُتل رجلٌ، وله وارثان، أحدهما صبي أو مجنون - لا يجوز للعاقل البالغ استيفاءُ
[ ٧ / ٧٦ ]
القصاص، بل يحبس القاتل حتى يبلغ الصبي، أو يفيق المجنون.
وقال أبو حنيفة: يثبت للبالغ العاقل الاستيفاء.
فتقول: الحق ثابتٌ للصبي - فلا يجوز التفويت عليه؛ كما لو ثبت لحاضر وغائب- لا يجوز للحاضر الاستيفاء دون الغاب.
وإذا ثبت القصاص لصبي، أو مجنون - لا يجوز لوليه الاستيفاء، طرفًا كان أو نعسًا، بل يحبس القاتل حتى بلغ الصبي، أو يفيق المجنون فيعفو، أو يقتُل.
ولو أعطى القاتلُ كفيلًا ليخلي سبيله - لا يجوز تخليته؛ لأنه ربما يهرب، فيضيع حق المولى عليه؛ فإن مات الصبي، أو المجنون - قام وارثه مقامه.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: يجوز للأب والجد استيفاؤه، طرفًا كان أو نفسًا، ولا يجوز للقيم، ويجوز للوصي استيفاء الطرف دون النفس.
فنقول: من لا يملك العفو عن قصاص - يثبت للصغير لا يملك استيفاؤه كالقيم.
وهل يجوز للقيم أن يعفو على المال؟
نظر: إن كان للصبي مالٌ، أو له من ينفق عليه - لم يكن له أن يعفو؛ لأنه يفوت القصاص عليه من غير حاجة، وإن لم يكن له مالٌ، ولا من ينفق عليه - فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لحاجته إلى المال.
والثاني: وهو المنصوص -: لا يجوز؛ لأن نفقته في بيت المال؛ فلا حاجة به إلى العفو عن القصاص، ولو وثب الصبي، أو المجنون على قاتل مورثه، فقتله، أو على من قطع يده، فقطعهما - ففيه وجهان:
أحدهما: صار مستوفيًا لحقه كما لو كانت له وديعةٌ عند رجلٍ فتلفها.
والثاني: وهو الأصح-: لا يصير مستوفيًاح لأنه ليس من أهل استيفاء الحقوق؛ بخلاف الوديعة، فإنها لو تلفت من غير فعل أحدٍ - يبرأ منها المودع، وههنا: لو مات الجاني - لا يبرأ.
فإن قلنا: لا يصيرُ مستوفيًا - فتجب الدية على الصبي والمجنون.
ولو كان القصاص على مجنونٍ، فاستوفاه المستحق العاقل - وقع موقعه؛ كما لو باع سلعةً من رجل، ثم جن المشتري، فقبض البائع منه - يصح، وإن قبض من مجنون.
أما إذا قال الجاني للمجني عليه المجنون: اقطع يدي قصاصًا، فقطع لا يصح؛ كما لو
[ ٧ / ٧٧ ]
سلطه على إتلاف ماله، وحقه من الدية باقٍ؛ لفوات محل القصاص، وإذا ثبت القصاص لجماعة من الورثة فعفا واحد منهم - يسقط القود.
وقال بعض أهل المدينة: لا يسقط القود بعفو بعضهم؛ والدليل عليه: ما رُوي عن زيد بن وهبٍ؛ أن عمر - ﵁ - أتى برجلٍ، قتل رجلًا، فجاء ورثة المقتول؛ ليقتلوه، فقالت أخت المقتول - وهي امرأة القاتل-: قد عفوت عن حقي، فقال عمر - ﵁ -: عتق من القتل، ولأن القصاص لا يتجزأ؛ فعلينا جانبُ السقوط تغليبًا لحقن الدم، وللباقين حصتهم في الدية.
فأما العافي إن عفا مجانًا - لا دية له، وإن عفا على المال - تثبت، وإن عفا مطلقًا، إن قلنا: مطلق العفو يوجب الدية - تجب له الدية وإلا فلا.
وإن كان العافي سفيهًا، أو مفلسًا قد حُجر عليه - فعفوهما عن القصاص صحيحٌ، ولا يصح عن المال، وإن عفا مطلقًا - فكغير السفيه؛ إن قلنا: مطلق العفو يوجب المال - يجب المالُ، وإلا فلا.
وإن عفا مجانًا: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين - تجب الدية؛ لأن عفوهما عن المال لايصح.
وإن قلنا: موجبه القود.
إن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - لا تجب الدية.
وإن قلنا يوجب المال - ففيه وجهان.
أحدهما: تجب الدية؛ لأن عفوهما عن المال لا يصح.
والثاني: وهو الأصح-: لا تجبُ؛ لأن القتل لم يوجب المال؛ إنما ثبت باختياره، واختياره بمنزلة اكتساب المال، ولا يلزمه الاكتساب، فكل موضعٍ قلنا: لا يسقط الدية بعفو السفيه:
فإن كان العافي مريضًا، فيعتبر عفوه من الثلث، وإن كان المعفو عنه وارثًا، فلا يصح كالوصية للوارث، وإن كان مكاتبًا - فعفوه كتبرعه لا ينفذ بغير إذن المولى، وبإذنه؟ فيه قولان، أما عفوهم عن القصاص - صحيحٌ؛ سواء كان المعفو عنه وارثًا، أو أجنبيًا، والله أعلم.
[ ٧ / ٧٨ ]
باب القصاص بالسيف
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] من ثبت له القصاص على آخر - لم يكن له أن يستوفي دون إذن الإمام، فإن فعل - عُزر، ولا شيء عليه؛ لأنه استوفى حقه طرفًا كان أو نفسًا.
فإذا رفع إلى الإمام - نظر: إن: كان القصاص نفسًا؛ فإن رآه أهلا للاستيفاء - خلي بينه، وبين القاتل، ويستحب أن يأمر عدلين يحضرانه، حتى لا ينكره بعد الاستيفاء، وينظر إلى سيفه حتى يكون صارمًا ولا يكون كالًا يزداد به تعذيبه.
"رُوي عن شداد بن أوس عن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
وهل يمنعه من القتل بالسيف المسموم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ليس فيه زيادة عقوبة.
والثاني: وهو الأصح-: يمنعه؛ لأنه يفسد بدنه، وربما لا يمكن غسله، فإن استوفى بمسمومٍ، أو كال عُزر، ولا شيء عليه؛ لأنه استوفى حقه، وإن لم يره الإمام أهلًا للاستيفاء
[ ٧ / ٧٩ ]
- أمره بتفويضه إلى غيره، وإن كان القصاص طرفًا لا يفوضه الإمام إلى المجني عليهن بل يأمر جلاده باستيفائه؛ لأنه أهدى إليه كحد القذف لا يفوضه إلى المقذوف، وكذلك التعزير؛ لأنه لا يؤمن أن يفعل به ما يؤدي إلى الهلاك لقلة هدايته، ولا يؤمن أن يحيف فيه؛ للتشقي؛ بخلاف النفس؛ لأن إفادة الجملة تقع مستحقة.
وقيل: يجوز تفويض قطع الطرف إلى المجني عليه؛ كما يجوز تفويض القتل إلى الولي، ويمنعه من القطع بالمسموم، فإن قطع بمسموم، ومات - فلا قود، وتجب نصف الدية؛ لأنه مات بفعل مستحق، وغير مستحق، وهل تحمله العاقلة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تحمله، لأنه ليس بعمد محضٍ.
والثاني: لا تحمله؛ لأنه قصد قتلًا بغير حق، ويضبط؛ حتى لا يضطرب، فإن اضطرب، فزاد على الواجب - لا شيء على المقتص، وإذا فوض القتل إلى الولي، فضرب على غير عنقه، وادعى أنه أخطأ - نظر: إن ضرب على موضع لا يقع الخطأ بمثله: من رجل، أو وسط- عُزر، ولا يمنع من القتل.
وإن ضرب على موضع يقع الخطأُ بمثله: من رأس، أو كتفٍ - حلف أنه أخطأ، ولم يعزر، ويؤمر بالتفويض إلى غيره؛ لأنه ظهر به قلة هدايته، ولا يؤمن وقوع مثله في الضربة الثانية، ولو استوفى المقذوف حد القذف بنفسه، سواءٌ أذن له القاذف أو لم يأذن - هل يُحسب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كقطع القصاص.
والثاني: لا يحسب؛ لأنه ليس على موضع معلومٍ.
فإن قلنا: يحسب عزر؛ لافتياته على الإمام.
وإن قلنا: لايحسب - تُرك حتى يبرأ، ثم يعاد عليه الحد، فلو مات المحدود فيه.
[ ٧ / ٨٠ ]
فإن قلنا: يُحسب - فلا ضمان على المقذوف، وإن قلنا: لا يحسب - يجب القود على المقذوف، إن جلده بغير إذنه، وإن جلده بإذنه - فلا قود، وفي الدية قولان؛ كما لو قتله بإذنه.
فصل
يجوز التوكيل بإثبات القصاص، وحد القذف، وهل يجوز [التوكيل] باستيفاءها [حد] واحدٍ منهما؟ - نُظر:
إن كان بحضرة الموكل يستوفي - يجوز.
وإن كان بغيبته - فيه قولان:
أصحهما: يجوز؛ كالإمام ينيب من يستوفيه، وكالتوكيل في استيفاء الدية؛ يجوز.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يعفو في الغيبة، فيستوفيه الوكيل بعد عفوه، ولا يشعره، ولا يمكن تداركه؛ بخلاف المال يجوز التوكيل في استيفائه، وإن كان يسقط بالإبراء؛ لأنه إذا اخذ بعد الإبراء - يمكن تداركه باسترداده، أو استرداد عوضه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز قولًا واحدًا؛ كما لو ثبت عليه القصاص بالشهود - جاز الاستيفاء بغيبة الشهود، وإن احتمل رجوعهم.
وحيث قال الشافعي: - ﵁- "لا يستوفي إلا بحضرته" استحبابًا، ثم سواء قلنا: يجوز، أو لا يجوز: فإذا استوفى الوكيل - كان مستوفيًا حقه؛ لأنه استوفاه بإذنه؛ من وكل ببيع سلعة وكالةً فاسدةً، فباع الوكيلُ - يصح البيع، وإن جوزنا فتنحي به الوكيل، فعفا الموكلن وقتله الوكيل- نظر:
إن كان عالمًا بعفوه - عليه القود، وإن كان جاهلًا - فلا قود عليه، وهل تجب الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تجب؛ لأن القتل كان مباحاُ له في الظاهر.
والثاني: وهو الأصح، اختيار المزني - يجب؛ لأنه ظهر أنه قتله وهو محرم القتل.
فإن قلنا: تجب الدية، فهي مغلظة، وهل هي في ماله، أو على عاقلته؟ فيه وجهان:
أصحهما: قاله أبو إسحاق: في ماله؛ لأنه عمد القتل الحرام.
والثاني: قاله ابن أبي هريرة -: على العاقلة؛ لأنه خطأ في الحقيقة، فلو أوجبنا الدية
[ ٧ / ٨١ ]
- تجب الكفارة، وإلا فوجهان.
وكذلك: لو عزله الموكل، فقتله الوكيلُ بعد العزل، ولم يعلم: فإن أوجبنا الدية على الوكيل- فهي لورثة المقتول، ثم الموكل: إن كان عفا مجانًا، أو عفا مطلقًا، وقلنا: مطلق العفو لايوجب [المال - لا شيء له، وإن عفا على المال، أو مطلقًا، وقلنا: مطلقه يوجب المال]- فتثبت له الدية في تركة من قتله الوكيل؛ لأن القتل لم يقع قصاصًا، وإذا غرم الوكيلُ، أو عاقلته الدية - لا رجوع لهم على الموكل؛ لأن العفو لم يكن غرورًا من جهته، بل - هو مُحسنٌ فيه، وإن لم توجب الدية على الوكيل - فلا دية للموكل؛ لأن القتل وقع قصاصًا، ولم يصح عفوه؛ لأنه عفا في وقت لا يقدر الوكيل على التلافي، كما لو عفا بعد رمي السهم على الجاني - لا يصح عفوه، فإن قلنا: تجب الدية، فادعى الموكل العفو، وأنكر الوكيل - فالقول قول الوكيل مع يمينه، فإن صدقه في العفو، وادعى أنه لم يعلم - للوارث تحليفه، [فإن لكل - حلف الوارث]، وعلى الوكيل القود.
فصل
رُوي عن عبد الله بن بريدة [عن أبيه] قال: جاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله، غني قد زنيت، فطهرني، والله إني لحُبلى، قال: فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت، أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي، فارضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته، أتته بالصبي، في يده كسرةُ خبزٍ، فقالت: هذا - يا نبي الله - قد فطمته، فدفع الصبي إلى رجلٍ من المسلمين، وأمر الناس؛ فرجموها".
المرأة الحاملُ: إذا وجبت عليها عقوبةٌ - فلا تقام عليها ما لم تضع، سواءٌ كانت العقوبة، نفسًا أو طرفًا، أو جلدًا، حقًا لله، أو للعباد؛ لما فيه من إهلاك البريء، وهو الجنينُ؛ بسبب المجرم، وسواءٌ حصل الولد بعد وجوب العقوبة، أو قبله: من زنا، أو من حلالٍ، حتى أن المرتدة إذا حبلت بالزنا بعد الردة لا تقتل ما لم تضع، وبعد الوضع - لا تُقام عليها العقوبة حتى تُرضع الولد اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش بدونه، وبعده: إن لم يكن ثم مرضعةٌ - لا يقام حتى ترضع الولد حولين، وتفطمه، وإن كانت ثم مرضعةٌ - نظر:
إن كانت العقوبة حق الله تعالى؛ كقتل الردة، والزنا، فلا يقام حتى تفطم الولد؛
[ ٧ / ٨٢ ]
[وتكفله] بدليل قصة الغامدية.
وإن كانت من حقوق العباد - يجوز إقامتها بعد إرضاع اللبإ، ثم إن لم ترغب المرضعة في إرضاعه - أجبرها الحاكم عليه، وأعطاها الأجرة.
وقولُ الشافعي - ﵁ - فإن لم يكن لولدها مرضعٌ - فأحب لو تركت بطيب نفس الولي، فإن لم يفعل- قُتلت.
أراد إذ لم يكن [له موضعٌ راتبةٌ بأن] يوجد في البلد مراضعُ غير رواتب، أو بهيمةٌ ترضع بلبنها.
ويستحب ألا يقتل، حتى يوجد؛ لأن اختلاف الألبان، والتربية بلبن البهيمة يُفسد طبعهن فإن لم يصبر الولي - قتلت؛ لأن الولد يعيش بالألبان المختلفة، وبلبن البهيمة.
ولو ادعت المرأة أنها حاملٌ - فقد قال الشافعي - ﵁- تحبس حتى يتبين أمرها قال الإصطخري: لا يؤخر القتل، ولا تحبس لمجرد قولها؛ حتى يشهد أربع نسوة على الحمل، والأكثرون من أصحابنا على أن يؤخر القتل؛ بمجرد قولها، وتحبس؛ لأن الحمل، وما يدل عليه من انقطاع الحيض، وغيره، يتعذر إقامة البينة عليه، فقُبِلَ فيه قولها، فلو أقام العقوبة على الحامل: فإن ماتت الأم - لا يجب ضمانها؛ لأنها ماتت في حد عقوبة وجبت عليها، أما الجنين إن لم تلقه - لا يجب به شيء، وإن ألقت الجنين - يجب ضمان الجنين إن خرج ميتًا، فالغُرة - ون خرج حيًا، فمات من ألمه - فالدية، وعلى من تجب- نظر:
إن كان الولي القاتل، والإمام جميعًا عالمين بأنها حامل، أو كانا جاهلين بالحال، أو كان الإمام عالمًا والولي جاهلًا - فالضمان على الإمام، ثم يجب على عاقلته، أم في بيت المال؟ - نظر:
إن كان الإمام عالمًا فعلى عاقلته، والكفارة في ماله؛ لأن العمد المحض، وشبه العمد من الإمام - كهو من غيره، والعمد المحض في إتلاف الجنين - لا يُتصور، وإن كان الإمام جاهلًا بالحالِ - ففيه قولان:
[ ٧ / ٨٣ ]
أصحهما: يجب على عاقلته كخطأ غيره يكون على عاقلته، والكفارة في ماله، وكما لو رمى إلى صيد، فأخطأ، وأصاب إنسان - تجب الدية على عاقلته.
والثاني: تجب في بيت المال؛ لأن خطأ الإمام يكثر في الحكم، فلو أوجبناه على العاقلة أدى إلى الإجحاف بهم؛ فعلى هذا: تجب الكفارة في ماله أم في بيت المال؟ - فيه وجهان:
أحدهما: في بيت المال؛ الضمان.
[والثاني]: في ماله؛ لأن الكفارة لا يجري فيها التحمل؛ بدليل أن العاقلة لا تحملها.
وإن كان الإمام جاهلًا، والولي عالمًا - فالضمانُ على عاقلة الوليِّ، والكفارة في ماله، ولا شيء على الإمام.
وعند المُزني - وبه قال بعض أصحابنا، وهو الأقيس -: إذا كانا عالمين، أو جاهلين - فالضمان على الولي؛ لأنه المباشر، كما لو حم له الحاكم بألف، فأخذ ألفين - كان الضمان على الآخذ.
قلنا: لأن - ثم - لم يسلطه الإمام على أخذ الزيادة، وههنا: سلطه على الأخذ.
ومن أصحابنا من قال فيما إذا كانا عالمين، أو جاهلين، إن كان القاتل جلاد الإمام، فالضمان على الإمام، وإن كان القاتل هو الولي - فالضمان على عاقلته، أم الإثم - فعلى العالم منهما دون الجاهل، وقد ذكرنا أن ضمان الأم لا يجب إذا ماتت، وإنما لا يجب إذا ماتت من ألم الضرب، فن ماتت من ألم الولادة تجب ديتها، وإن ماتت منهما - يجب نصف ديتها، ويكون على عاقلة الإمام أم في بيت المال؟ فيه قولان:
والجاني إذا التجأ إلى الحرم تستوفي العقوبة منه في الحرم، نفسًا كان أو طرفًا.
وعند أبي حنيفة: إن كانت العقوبة نفسًا - لاتستوفي في الحرم، بل لا يكلم، ولا يُطعم حتى يضجر، فيخرج؛ حينئذٍ: تستوفي، إلا أن يُقتل في الحرم، فيقتص منه، ووافقنا في الطرف أنه يستوفي فيه في الحرم، سواءٌ كانت الجناية في الحرمِ؛ فالتجأ غليه، فقيس عليه.
فصل
إذا قتل رجلًا، وارتد القاتلُ - يُقتل قصاصًا، أو يسقط قتل الردة، سواءٌ تقدمت الردة على القتل، او تأخرت؛ لأن القتل قصاصًا حق للآدمي، ومبناه على التشديد، وقتل الردة حق
[ ٧ / ٨٤ ]
الله تعالى، [ومبنى حقوق] الله تعالى على المساهلة، وكذلك: لو اجتمع في يمينه قطع القصاص، وقطع السرقة يقطع يمينه قصاصًا. ويسقط قطع السرقة، سواءٌ تقدمت السرقة أوتأخرت، حتى لو قطع إصبع إنسان من يمينه، ثم سرق - تقطع إصبعه قصاصًا، ثم تقطع كفه عن السرقة.
ولو قطع يد رجلٍ، وقتل آخر - تقطع يده [أولًا]، ثم يقتل؛ سواء تقدم القتل أو القطع؛ لأن الجمع بين استيفاء الحقين ممكن وكذلك: لو اجتمع عليه قطع السرقة، وقتل القصاص تقطع يده للسرقة، ثم يقتل؛ سواءٌ تقدمت السرقة أو تأخرت، ولو قطع يمين رجلٍ، وقطع إصبعًا من يمين آخر - تقدم الأسبق، فإن قطع اليمين أولًا، تقطع يمينه، وللآخر دية الإصبع وإن قطع الإصبع أولًا - يقطع إصبعه، ثم للمقطوع يده - أن يقطع يده الناقصة، ويأخذ دية الإصبع؛ بخلاف ما لو قطع يد إنسان، وقتل آخر، يقدم القطع، ثم يقتل، ولا يجب؛ لنقصان اليد، وكذلك قلنا: تُقتل النفسُ الكاملة الأطراف شيء؛ لأن بدل النفس لا ينتقص بنقصان اليد، وبدل الطرف ينتقص بنقصان الإصبع، بالناقصة، [ولا تقطع اليد الكاملة باليد الناقصة] ولو قطع يد إنسان فاقتص منه، ثم مات المجني عليه بالسراية - فالولي بالخيار؛ إن شاء - حز رقبة الجاني، وإن شاء عفا، وأخذ نصف الدية، وإن مات الجاني بلا سبب، أو قُتل ظلمًا، أو قصاصًا عن قتل أخر - أخذ نصف الدية من تركته.
ولو قطع يدي إنسانٍ، فاقتص منه، ثم مات المجني عليه بالسراية - للولي حر رقبة الجاني، ولو عفا - لا دية له؛ لأنه ليس له إلا دية واحدة، وقد استوفى ما تقابله ديةٌ كاملةٌ، وهو اليدان.
ولو قطع يد إنسان، فاقتص منه، ثم مات المقتص منه بالسراية - لا شيء على المقتص، وقال أبو حنيفة: [عليه] كمال دية المقتص منه وقال أبو يوسف: يجب نصفها، فنقول: قطع القصاص قطعٌ مستحق مقدر؛ فسرايته لا (تكون مضمونة)؛ كقطع السرقة؛ فإن السارق: لو قُطعت يده، فمات منه - لا يجب به شيء، ولو قطع يد إنسان فاقتص منه، ثم ماتا جميعًا بالسراية- نظر: إن مات المجني: عليه أولًا ثم مات الجاني، أو ماتا معًا صارت النفس بالنفس قصاصًا؛ لأن القصاص يجب في النفس بالسراية، فتصيرُ السراية بالسراية قصاصًا، وإن
[ ٧ / ٨٥ ]
مات الجاني أولًا، ثم مات المجني عليه - ففيه وجهان:
أحدهما: لا شيء لأحدهما على الآخر، وصارت السراية باسراية قصاصًا، [وإن مات الجاني].
والثاني: - وهو الأصح-: لا تصير السراية بالسراية - قصاصًا؛ لأن القصاص لا يسبق الجناية، بل يرجع على المجني عليه بنصف الدية في تركة الجاني.
وإن قطع يد إنسان، ثم المجني عليه حز رقبة الجاني - نظر: إن مات المقطوع يده بالسراية - صار قصاصًا، وإن اندمل قطعه - قُتل قصاصًا، وعلى الجاني المقتول نصف الدية ليد المقطوع يده.
ولو قطع [رجل] يد رجلٍ، فعفا على نصف الدية، ثم سرى - صارت الجراحة نفسًا، فيجب على القاطع دية النفس وتدخل فيها دية اليد، ولا قود عليه؛ لأنه عفا عن بعض القصاص؛ فسقط كله، ولو عاد الجاني، فحز رقبة المقطوع يده بعدما عفا هو عن يده - نظر: إن حز رقبته بعد اندمال اليد - يجب عليه القصاص في النفس مع دية، وإن عفا - فدية ونصف، وإن حز رقبته قبل اندمال اليد- ماذا يجب عليه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وهو المذهب: عليه القود في النفس، ولا تجب دية اليد، وإن عفا الولي عن القود - فدية النفس، كما لو لم يعفُ عن القطع.
والوجه الثاني: قاله الإصطخري -: عليه القودُ في النفس ودية اليد، وإن عفا، فديةٌ ونصفٌ؛ كما لو حز رقبته بعد الاندمال.
والثالث: وهو الأضعف-: لا يجب القود في النفس؛ لأنه عفا عن بعضه، وعليه ديةُ النفس، ولاتفرد دية اليد؛ ما لو سرى القطع بعد العفو؛ لأن حز الرقبة قبل الاندمال بمنزلة اسرايةن ولو قتل رجلًا يس لولي الدم قطع يد القاتل؛ فلو قطع يده، ثم عفا عن النفس على غير مال - نظر:
إن سرى القطع إلى النفس، فالعفو لغو، وإن وقف - صح العفو، ولا شيء عليه لقطع اليد.
وعند أبي حنيفة - ﵀ - تجب نصف الدية؛ لقطع اليد:
[ ٧ / ٨٦ ]
فنقول: قطعٌ؛ لو سرى - لم يكن مضمونًان فإذا وقف - لا يكون مضمونًا كقطع يد المرتد والسارق.
فصل
إذا قتل رجلٌن وله وارثان اثنان، أو أخوان - ليس لأحدهما قتلُ قاتله دون الآخر.
وقال بعض أهل المدينة: يجوز لكل واحدٍ منهما قتله، حتى لو عفا أحدهما- فللآخر قتله.
قلنا: الحق ثبت لهما؛ فلا ينفرد أحدهما بالاستيفاء كالدية لا ينفرد أحدهم باستيفاء كلها، فلو بادر أحدهما، وقتله دون صاحبه، لا يخلو: إما إن قتل قبل عفو الآخر. أو بعده، فإن قتل قبل عفوه - نظر: إن كان عالمًا بتحريمه.
فهل عليه القود؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة-: لا قود عليه، وفيه معنيان.
أحدهما: لاختلاف العلماء فيه؛ فإن منهم من يجوز له الاستيفاء دون الآخر.
والمعنى الثاني: لأن له فيه شركاء؛ فيصيرُ شبهةً في سقوط العقوبة، كما لو وطيء جارية مشتركة بينه وبين غيره؛ لا يجب عليه الحد.
يجب القود؛ لأنه اقتص أكثر من حقه، كما لو ثبت له القصاص في طرف رجلٍ، فقتله.
والثاني: يجب عليه القود.
فإن قلنا: يجب القود: فإن استوفى ولي قاتل الأب القود من الابن القاتل -فالابن الذي لم يقتل مع وارث الابن القاتل - يرجعان بتمام الدية في تركة قاتل الأب، وإن عفا ولي قاتل الأب عن الابن القاتل - نظر: إن عفا مجانًا، أو مطلقًا، وقلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - فالابنان يرجعان بالدية في تركة قاتل الأب، وإن عفا على الدية، أو عفا مطلقًا، وقلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - فالابنان يرجعان بالدية في تركة قاتل الأب، وإن عفا على الدية، أو عفا مطلقًا، وقلنا: مُطلق العفو يوجب الدية - فالابنُ الذي لم يقتل -يرجع في تركة قاتل الأب بنصف الدية، ووارث قاتل الأب يرجع بنصف الدية على الابن القاتل، والنصف بالنصف يصيرُ قصاصًا. فإن قلنا بالقول الأصح؛ أن لا قود على الابن القاتل - فالابن الذي لم يقتل - فمن يأخذ
[ ٧ / ٨٧ ]
نصيبه من الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: يأخذه من الابن القاتل، لأنه استوفى حقه مع حق نفسه ما لو أودع عند إنسانٍ وديعةً، ومات عن اثنين، فأتلفها أحدهما، رجع الآخر بقيمة حصته على أخيه المتلف، لا على المودع، والنصف الذي وجب القاتل - صار قصاصًا بالنصف الذي وجب عليه.
والقول الثاني: وهو الأصح واختاره المزني-: أن الابن الذي لم يقتل - يرجع بنصيبه من الدية في تركة قاتل الأب؛ كما لو قتله أجنبيٌّ لا يكون حقه على الأجنبي، بل يكون في تركة قاتل الأب؛ بخلاف الوديعة؛ لأنها لم تكن مضمونة على المودع؛ بدليل أنها لو تلفت في يده - لم يلزمه ضمانُها، ولو أتلفها أجنبي - كان الضمان على المتلف، وههنا: نفس قاتل الأب مضمونةٌ؛ بدليل أنه لو مات أو قتله أجنبي - كانت الدية للاثنين في تركته.
فإن قلنا: يرجع الابن الذي لم يقتل على الابن القاتل، فلو أنه أبرأ وارث قاتل الأب عن حقه -لم يصح الإبراء؛ لأنه لا شيء له عليه، ولو أبرأ الابن القاتل - يبرأ، ولو عفا وليُّ قاتل الأب الابن القاتل عن الدية - لا يسقط حق الابن الذي لم يقتل، وهل يصح عفوه عن نصف الدية الذي ثبت له على الابن القاتل؟ يبنى على أن التقاص في الديتين - هل يقع بنفس الوجوب؟ [وفيه قولان:
إن قلنا: يقع بنفس الوجوب]- فالعفو لغوٌ؛ لأنه ثبت لكل واحدٍ على الآخر نصف الدية، وقد تقاصا.
وإن قلنا: لا يقع التقاص بنفس الوجوب حتى يتراضيا، فعفو الولي عن نصف الدية الذي ثبت له على الابن القاتل - صحيحٌ، وللابن القاتل نصف الدية في تركة قاتل الأب، وإن قلنا: بالقول الأصح؛ إن الابن الذي لم يقتل - يرجع بنصيبه من الدية في تركة قاتل الأب-: فقد ثبت لولي قاتل الأب على الابن القاتل ديةٌ تامةن وثبت له في تركة قاتل الأب نصف الدية، فالنصف بالنصف: يتقاصان، ويرجع وليُّ قاتل الأب عليه بنصف الدية، فلو أبرأ الابن الذي لم يقتل أخاه - لا يصح الإبراء؛ لأنه لا شيء له عليه، ولو أبرأ وارث قاتل الأب - يبرأ، ولو عفا وارثُ قاتل الأب عن الدية: إن قلنا: يقع التقاص بنفس الوجوب صح عفوه عن نصف
[ ٧ / ٨٨ ]
الدية، والنصف بالنصف صار قصاصًا قبل عفوه، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وإن قلنا: لا يقع التقاص بنفس الوجوب- صح عفو وارث قاتل الأب عن جميع الدية، ويرجع الابن القاتل بنصف الدية في تركة قاتل الأب؛ هذا إذا قتله أحد الاثنين عالمًا بالتحريم، فإن قتله جاهلًا بالتحريم، فلا قصاص عليه، وتجب الدية، ثم تجب في مال الابن القاتل أم على عاقلته؟ فيه قولان:
أحدهما: في ماله؛ لأنه قصد القتل.
والثاني: على عاقلته؛ لأنه كان جاهلًا بالتحريم؛ فأشبه الخاطيء فإن قلنا: تجبُ على عاقلته - فالابنان يأخذان الدية من تركة قاتل الأب في الحال، ووارث قاتل الأب يأخذ ديته من عاقلة الابن القاتل إلى ثلاث سنين.
وإن قلنا: تجبُ من مال الابن القاتل؛ فتكون حالة، والابن الذي لم يقتل عمن يأخذ حصته: من الدية من الابن القاتل، أو من تركة قاتل الأب؟ فعلى ما ذكرنا من القولين: هذا إذا قتله أحد الوليين قبل عفو الآخر.
فإن قلنا: بعد عفو الآخر - نظر: إن كان عالمًا بعفوه - هل يجب عليه القود؟ نُظر: إن كان بعدما حكم الحاكمُ بسقوط القود - يجب القود؛ لأنه لم يبق [له] شبهةٌ فيه، وإن كان قبل حُكم الحاكم - يرتبُ على ما لو قتله قبل العفو، إن قلنا: ثم يجب القود، - فههنا: أولى، وإلا فعلى وجهين بناءً على المعنيين في سقوط القود قبل العفو، إن قلنا: المعنى هناك اختلافُ العلماء - فههنا: لا يجب القود؛ لبقاء الاختلاف، وإن قلنا: الشبهة الشركة، فههنا: يجب القود، وهو المذهب؛ [قلنا] فلو قلنا: يجب، فإن كان جاهلًا بالعفو - هل يجب؟ فيه قولان: بناءً على ما لو قتل شخصًا عرفه مرتدًا، ثم بان أنه قد أسلم، ففي وجوب القود قولان، ولو وجب القصاص على رجل، فقتله أجنبي - يجب عليه القصاص لورثته، لا لمن له القصاص؛ لأنه لدرك الغيظ، والغيظُ للورثة، وحق من له القصاص في تركته، ولو عفا وارثه عن القصاص على الدية - فالدية للوارث، على اصحيح من المذهب؛ القصاص، وحق من له القصاص في تركته.
[ ٧ / ٨٩ ]
وفيه وجه آخر: [أن الدية] لمن له القصاص؛ كما لو قُتلَ المرهونُ كانت القيمة مرهونة.
فصلٌ
إذا ثبت قصاص واحدٌ لجماعةٍ؛ بأن قُتل رجلٌ، وله جماعةٌ من الورثة، وتنازعوا في الاستيفاء - يقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة - يستوفيه بإذن الباقين، ولا يجوز دون إذنهم، حتى لو قالوا يؤخر لهم ذلك، بخلاف التزويج إذا أقرع بين الأولياء - يجوز لمن خرجت له القرعة أن يزوج دون إذن الباقين، لأن مبنى النكاح على اللزوم، بدليل أن الولاة لو امتنعوا من التزويج يزوجها القاضي، ومبني القصاص على السقوط؛ بدليل أنهم لو تروه - لا يستوفيه غيرهم، وهل يدخل في القرعة من لا يحسن القتل؛ كالشيوخ والنسوان - فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن المقصود منه القتل، وهم لا يحسنونه.
والثاني- وهو الأصح-: يدخل في القرعة؛ [لأن له حقًا في القصاص.
فإن خرجت له القرعة - فوض إلى من يُحسن القتل.
وإن قلنا: لايدخل: فلو خرجت القرعة لقادر، فعجز - تعاد القرعة]. بين الباقين، وعلى الوجه الآخر: لا تعاد القرعة، بل يفوض العاجز إلى من يستوفي.
وإذا نصب الإمام رجلًا لاستيفاء القصاص والحدود، [ولم يتطوع] به - يرزقه من خُمس المصالح: فإن لم يكن له خمسٌ، أو كان، ولكن يحتاج إليه لما هو أهم؛ فيكون أجرته على الجاني [لأنه فوته] حقًا يستوفي منه؛ كما أن أجرة الدلال والكيال تكونُ على من يلزمه الإيفاء.
وعند أبي حنيفة: يكون على المقتص: فإن كان الجاني معسرًا يستدان عليه وقيل: ستدان على بيت المال في حدود الله تعالى؛ فإن قال الجاني: أنا أقتص من نفسي، ولا أعطي الأجرة - لم يكن له ذلك لأن من لزمه إيفاء حق لغيره - لا يستوفيه بنفسه؛ كالبائع لا يقتص للمشتري من نفسه، فلو قطع يد نفسه قصاصًا بإذن المستحقِّ، أو قتل نفسه بإذن الولي - هل
[ ٧ / ٩٠ ]
يسقط حق المستحق؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو أقام جلد الزنا على نفسه بإذن الإمام، أو حد القذف بإذن المقذوف - لا يسقط الحد عنه [و] كما لو قبض المبيع من نفسه بإذن المشتري لا يحصل القبض.
والثاني: يسقط؛ لأن المقصود من القصاص إفاتة المحل بإذن المستحق، وقد وجدوا المقصود من قبض المبيع إزالة يد البائع، ولم توجد.
قال شيخنا الإمام - ﵀ - ولو قطع السارق يد نفسه بإذن الإمام - سقط وإذا قال: أنا أقطع من نفسي - هل يمكنه الإمام؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ كالقصاص.
والثاني: بلى؛ لأن المقصود منه التنكيل بتنقيص البطش، ويحصل ذلك بفعله؛ بخلاف القصاص؛ لأنه للتشقي، ولا يحصل بفعله. أهـ.
باب القصاص بغير السيف
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤]، وروي عن رسول الله ﷺ [قال]-: "من حرق، حرقناه؛ ومن غرق غرقناه".
القتلُ نوعان موحٍ وغير موحٍ، فالموحي مثلُ أن يضربه بسيفٍ أو بمحددٍ [فيجهز قتله-[يُقتل] بمثله، ولك لو ضربه بمثقل، أو خنقه، أو غرقه في ماء، أو ألقاه في نار، أو رماه من شاهق، أو حبسه بلا طعام حتى مات - يجوز الاستيفاء بمثله، والأولى: أن يقتله بالسيف، وعند أبي حنيفة: لا يستوفيه إلا بالسيف، ويتحقق الخلافُ معه [في التحريق]؛ لأنه لا يوجب القود في القتل بغير المحدد إلا في التحريق؛ والدليل عليه: ما رُوينا عن أنسٍ؛ أن يهوديًا رضخ رأس جاريةٍ بالحجارة، فأمر النبي - ﷺ - فرضخ رأسه
[ ٧ / ٩١ ]
بالحجارة، وهذا مُطرد إلا في ثلاث مواضع:
أحدها: إذا قتله بسحرٍ - يُقتل بالسيف؛ لأنه لا يمكن أن يقتله بمثله؛ لأنه محرمٌ في نفسه.
الثاني: إذا تلوط بصبي، فمات.
الثالث: إذا أوجره خمرًا، فمات - يستوفي بالسيف؛ لأنه فعل كبيرة لا يباح ارتكابها.
وقال أبو إسحاق في اللواط: يدخل فيه خشبة مثل آلته، وفي الخمر يوجر شيئًا من خل أو ماء؛ حتى يموت.
قال ﵀: ولو أوجره ماءً نجسًا، فقتله - يوجر ماءً طاهرًا، ولو قتله بسكينٍ كالٍّ - هل يقتل بمثله؟ [فيه] وجهان.
وكل موضع أثبتنا القصاص بطريقة: فإن كان ألقاه في ماء أو نار يلقى في نار مثلها، أو ماء مثله، ويترك قدر ما [تركه] [فيه] وإن حبسه [بلا طعام]- حبس بقدره، وإن ألقاه من شاهق - يلقى من مثله في مهواة وصلابة الأرض، أو ضربه بمثقلٍ - يُضرب بمثله، أو ضربه عددًا من السياط - يضرب مثلها، فإن لم يمت - ففيه قولان:
أحدهما تُجز رقبته؛ لأنه فعل به مثل فعله، وبقي إزهاق الروح؛ فيكون بالسيف.
والثاني: [يُحرق بالنار] حتى يموتن ويوالي عليه بمثل فعله؛ حتى يموت؛ كما لو حز رقبته بضربةٍ، ولم يحصل ذلك من الولي بضربةٍ واحدةٍ - يزيد عليه حتى يقتله.
أما غير الموحي من [القتل؛ مثلُ] أن يجرحه، فيموت بسرايته - نظر:
إن كانت تلك الجراحةُ: لو وقفت - يجب فيها القصاص؛ مثل: أن أوضحه أو قطع يده، أو عضوًا منه، فمات - فله أن ستوفي بذلك الطريق، وإن شاء - حز رقبته، وإن شاء أوضحه، أو قطع يده، ثم حز رقبته في الحال أو أمهله بعد القطع، فإن لم يمت بحز رقبته.
[ ٧ / ٩٢ ]
وعند أبي حنيفة: ليس له قطع يده، بل تحز رقبته.
وبالاتفاق: لو قطع يد إنسانٍ، ثم حز رقبته - فللولي أن يقطع يده، ثم يجز رقبته.
وعند أبي يوسف ومحمد؛ ليس له قطع يده، بل يجز رقبته؛ كما في السراية.
وإن كانت تلك الجراحةُ: لو وقفت - لا قصاص [عليها]؛ مثل: أن أخافه أو هشمه؛ فمات، أو قطع يده من نصف الساعد؛ فهلك [فيه- فهل] له أن يستوفي بذلك الطريق؟ فيه قولان:
أصحهما: لا، بل يجز رقبته؛ كما لو وقفت تلك الجراحة - لم يكن له أن يقتص منها.
والثاني: له ذلك؛ لأن إفاتة النفس ثابتةٌ له؛ فله إفاتتها بالطريق الذي فعله الجاني؛ كما لو حرقه بالنار فله تحريقه؛ بخلاف ما لو وقفت الجنايةُ؛ لأن - ثم- إفاتة النفس غير جائزةٍ، والجرح إذا لم يكن له مفصلق - لايؤمن فيه من الهلاك؛ وكل: لو قطع يدًا شلاء؛ فمات منه، ويد القاطع صحيحةٌ، أو قطع ساعدًا لا كف عليه؛ فمات، ويد القاطع صحيحةٌ فهل له استيفاء القصاص بطريق قطع اليد والساعد، أم يجز رقبته؟
فعلى هذين القولين: فإن قلنا: له أن يستوفي بطريق الجائفة: فإن أجافه، فلم يمت ليس له أن يوالي عليه بالجوائف، بل يجز رقبته.
وخُرج قول آخر من الإلقاء في النار، والرمي من الشاهق إلى ههنا له أن يوالي عليه بالجوائف حتى يموت ولا يصح هذا التخريج؛ لأن الجائفة الثانية جنايةٌ أخرى لم يفعلها الجاني كما لو قطع يده، فمات، فقطع الولي يده، ولم يمت - لم يكن له أن يقطع يده الأخرى ورجله.
[ ٧ / ٩٣ ]
وخُرج قولٌ من الجائفة على التحريق والتغريق والرمي من الشاهق: أنه لا يستوفي بذلك الطريق، بل يحز رقبته.
والصحيح: الفرق بينهما؛ لأن الإلقاء في النار، ومن الشاهق موج؛ فلا يطول عليه التعذيب؛ ما لو لم يحصل حز الرقبة بضربة واحدة - يُزاد:
وأما الجائفة - فغير موجبة؛ فربما لا يموت منها، ويدع الولي قتله؛ فيكون قد عذبه بما لا قصاص في مثله:
فإن قلنا: له أن يستوفي بطريق الجائفة: فلو قال: أنا أجيفه؛ فإن لم يمتن أعفوا عنه، [أو قال: أرميه من الشاهق؛ فإن لم يمت، أعفو عنه]- لم يكن له ذلك.
ولو أجافه، ثم عفا، وترك [قتله]، وقال: لم أرد قتله عُزرُ عليه، ولم يجبر على قتله.
فإن سرى بان أن العفو باطلٌ، ولو جنى على طرفه جناية يستوفي بطريقة إن أمكن كما في النفس: [فإن فقأ عينه] بإصبعه - يقتص بالإصبع، فإن استوفاه بحديدةٌ - جاز، ولو جنى على رأسه جناية، هب ضوء عينه - يُنظر: إن كانت تلك الجناية مما يجب بها القصاص؛ كالموضحة - يفعل به مثل فعله، فإن ذهب ضوء عينه - فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب- يعالج بما يزيل ضوء البصر، وإن كانت تلك الجناية مما لا يجب بها القصاص؛ كالهاشمة -[لا تهشم رأسه، بل يؤخذ أرش الهاشمة]، ويعالج بما يزيل ضوء البصر: من كافور يُجعل في عينه أو يُكحل بدواءِ، أو يقرب من عينه حديدةٌ محماةٌ؛ حتى يذهب [ضوء] بصره، ولا تخرج حدقته: فإن لم يمكن إلا بخروج الحدقةِ - لا يقتص، بل يصارُ إلى
[ ٧ / ٩٤ ]
الدية؛ كما لو ضرب يده، فشلت -لا يقتص؛ بل تؤخذ الدية، ولو لطمه، فذهب ضوء عينه - فقد قيل: يلطم؛ فإن ذهب ضوء عينه - وإلا يعالج بما ذكرنا، وقيل - وهو الأصح-: لا يلطم؛ بل يعالج بما ذكرنا؛ كما في الهاشمة؛ لأنه لا يمكن اعتبارُ المماثلة في اللطم؛ وكذلك لا يقتص منه عند الانفراد.
ولو أوضح رأسه بالسيف - لا يقتص بالسيف؛ لأنه لا يؤمن منه الهاشمة، بل يستوفي بحديدةٍ خفيفةٍ حادة.
باب القصاص في الشجاج والجراح
قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
والقصاص يجري فيما دون النفس من الجراح وقطع الأطراف؛ كما يجري في النفوس غير أنهما يفترقان في شيئين:
أحدهما: أن محل القطع لا يراعى في النفس؛ حتى لو قطع طرف إنسان [فمات للولي] أن يحز رقبتهن وفي الطرف يراعى المحل.
الثاني: أن القصاص يجب في النفس بالسراية، ولا يجب في الطرف؛ لأن القصاص في النفس يجري في الروح، والروح ليس في محل معلوم يمكن قصد إتلافه مشاهدة؛ فيكون إتلافه [بالجناية عند] الأطراف، وأما الطرف يمكن إتلافه بالجناية عليه قصدًا، فإذا تلف بطريق السراية - لا يجب القصاص؛ لأنه لم يقصد إتلافه، إلا البصر: فإنه إذا ضرب على رأسه فذهب [ضوء] بصره - يجب القصاص؛ لأن البصر حاسة لطيفةٌ يقصد إفاتتها بالجناية على غير محلها.
ثم الجناية على ما دون النفس نوعان:
جرح يُشق وطرفٌ يقطع، فكل جرح ينتهي إلى عظم يجري فيه القصاص، وما لا ينتهي إلى عظم - لا قصاص فيه، وكذلك كسر العظم، لا قصاص فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاةُ المماثلة فيها.
أما الأطراف - فقطعها يجري فيها القصاص عند السلامة
[ ٧ / ٩٥ ]
وتفصيله: أن الشجاج في الرأس والوجه عشرةٌ.
الحارصة، وهي: التي تحرص الجلد، وتخدشه.
والدامية وهي: التي تشق الجلد وتدمي.
والباضعة، وهي: التي تبضع اللحم وتقطعه.
والمتلاحمة، وهي: التي تغور في اللحم.
والسمحاق، وتسمى الملطاة، وهي: التي تصل إلى جلدة رقيقةٍ بين اللحم والعظم سميت سمحاقًا [به]؛ لرقة تلك الجلدة، ويقال لكل شيء رقيقٍ: سمحاقٌ.
والموضحة، وهي: التي توضح العظم وتظهره.
والهاشمة، وهي: التي تهشم العظم، وتكسره.
والمنقلة، وهي: التي تنقل العظم من موضع إلى موضع، أو يحتاج إلى النقل لتلتئم.
والمأمومة، وتسمى الأمة وهي: التي تبلغ خريطة الدماغ، وتسمى تلك الخريطة أم الرأس.
والدامغةُ: هي: التي تخرق الخريطة، وتصل إلى الدماغ، فلا تتصور الحياة بعدها، ولا قصاص في شيء من هذه الشجاج إلا في الموضحة، وما دون الموضحة من الشجاج ليس لها أرش مقدر، إنما يجب فيها الحكومة، فإن كان تحت هذه الجراحة على رأس المشجوج موضحةٌ، يُعرف بها قدر عمق هذه الشجة من الموضحة؛ نصفٌ أو ثلثٌ - يجب بقدره من أرش الموضحة، وإن لم يعرف، فيوجب بقدر ما يتيقن.
وفيه قول آخر - وهو ظاهر نقل المزني-: أنه يجب القصاص فيما دون الموضحة، إذا عُرف بأن يكون على رأس كل واحد موضحةٌ تشج [من جنبها] شجة عمقها قدر نصف عمق الموضحة، أو ثلثه، فيشج من رأس الجاني بقدر نصف موضحة الجاني أو ثلثه، ولا ينظر إلى أن يكون غلظ جلد أحدهما ولحمه أكثر من الآخر.
والأول المذهب أن لا قصاص، وهو رواية الربيع.
وفي الموضحة: القصاص أو خمسٌ من الإبل.
[ ٧ / ٩٦ ]
وفي الهاشمة عشرٌ من الإبل، فإن كان قد أوضح وهشم - فله أن يقتص من الموضحة، ويأخذ ما بين الموضحة والهاشمة من الدية وهو خمسٌ من الإبل.
وعند أبي حنيفة: ليس له ذلك؛ بل له الأرش وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، فإذا أراد أن يوضح ويأخذ عشرًا من الإبل - يجوز.
وفي المأمومة: ثلث الدية، وله أن يوضح، ويأخذ ما بين الموضحة والمأمومة، هو ثمانية وعشرون من الإبل؛ وثلث.
وفي الدامغة: القصاص في النفس، أو كمال الدية، وإذا شجه، فشك؛ هل أوضح أم لا؟ يُقرع بالمرود؛ حتى يعرف، ولا يقتص بالشك؛ حتى يقر الجاني أو يشهد شاهدان.
وإذا أراد الاقتصاص عن الموضحة يذرع موضحة المشجوج بمقياس، ويحلق ذلك الموضح من رأس الشاجِّ، ثم يخيط عليه، خيطًا أسود أو أحمر بقدره، فإن لم يحلق - فقد أساء، ثم يضبط الشاج [كما يضبط الصبي عن الختان] حتى لا يضطرب؛ فتزداد الموضحة، ويوضح رأسه بحديدة حادة، ولا ينظر إلى أن يكون علظ جلدٍ أحدهما ولحمه أكثر [من الآخر]؛ يقطع اليد السمينة بالهزيلة، فلو زاد في الإيضاح باضطراب الجاني - لا شيء على المقتص وإن لم يكن باضطرابه [ينظر: فإن] تعمد يقتص منه، ولا يقتص إلا بعد اندمال الموضحة الأولى، وإن أخطأ، فعليه دية موضحةٍ كاملةٍ، ولو اختلف فقال المقتص: أخطأت، وقال المقتص منه: تعمدت فالقول قول المقتص مع يمينه؛ لأنه أعرف بنيته، وإن قال المقتص: حصلت الزيادة باضطراب، وأنكر المقتص منه - فوجهان:
أحدهما: القول قول المقتص مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
والثاني: القول قولُ المقتص منه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الاضطراب.
ولو أوضح موضعًا من رأسه ليس له أن يقتص من موضع آخر، بل يستوفي قدرها من موضعها، فإن كان قدرها قد يزيد على مثل موضعها من رأس الشاج؛ لصغر رأسه - يستوفي بقدرها، وإن جاوز الموضع الذي نتجه مثل إن أوضح هامته، وهامةٌ الشاج أصغر - فيكمل من
[ ٧ / ٩٧ ]
الشاج قدر هامة المشجوج، ولا ينزل إلى الوجه والقفا؛ لأن ليس برأس.
وإن أوضح جميع رأس إنسان واختلف الرأسان - نظر: إذا كان رأس الشاج، أكبر - فليس له أن يوضح جميع رأسه، بل يقدر ما أوضح مساحةً في أي موضع شاء من رأس الشاجِّ، فإن أراد أن يستوفي بعض حقه من مقدم رأسه. والبعض من مؤخره - هل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه يستوفي موضحتين؛ فكان موضحةً واحدة.
والثاني: يجوز؛ لأن جميع رأسه محل جنايته، وإن كان رأس الشاج أصغر، فله أن يوضح جميع رأسه، ولا ينزل عن حد الرأس إلى الجبهة والقفا، ثم يوزع أرش الموضحة على جميعها؛ فبقدر ما بقي - يأخذ؛ بخلاف ما لو أوضح رأسه قدر أنملتين، فاستوفى قدر أنملةٍ، وأراد: أن يأخذ الأرش للباقي - ليس له ذلك؛ لأن - ثمة - محل القصاص باقٍ أمكنه استيفاءُ الكل، وقد استوفى ما يقابله تمام أرش الموضحة، فلم يكن له أخذ شيء آخر، بخلاف ما لو أوضح رأسه في موضعين - له أن يقتص من أحدهما، ويأخذ دية موضحةٍ كاملةٍ عن الأخرى؛ لأنهما جنايتان منفصلتان؛ ما لو قطع أصبعين - له أن يقتص عن أحدهما، ويأخذ دية الأخرى.
وعند أبي حنيفة - ﵀ - إذا كان رأس الشاج أصغر - فالمشجوج بالخيار: بين أن يقتص؛ ولا شيء له من الدية - وبين أن يترك القصاص؛ ويأخذ الدية؛ كما لو كان يدُ القاطع أصغر - لا شيء له إذا اقتص.
قلنا: بينهما فرقٌ؛ من حيث عن في اليد يُراعى [الاسم وفي الموضحة: تعتبر المساحةُ؛ بدليل أن يد القاطع: لو كانت أكبر يقتص منه، وإن كان رأس الشاج أكبر - لا يوضح جميع رأسه [هـ] وتتصور في الجبهة الجراحات العشرُ التي ذكرنا [ها مع] الرأس.
فلو أوضح جميع جبهته، وجبهة الشاج أضيق - يوضح جميع جبهته، ولا يرتقي على هامته، بل يأخذ الأرش بالباقي؛ كما لو أوضح برأسه، ورأشُ الشاج أصغرُ - لا ينزل إلى الجبهة.
[ ٧ / ٩٨ ]
ويتصور في الوجنة واللحي الأسفلِ - ما دون المأمومة من الجرحات؛ فإذا أوضح وجنته أو لحييه، أو ضرب من لهاته من باطن فمه؛ أعلى أو أسفل، أو موضع العظم من أنفه؛ فأوصل إلى العظم - يجب فيه القصاص أو خمسٌ من الإبل.
ولو هشم أو نقل - يجب أرشهما، أما ما عدا الرأس والوجه: إذا جرحه، فأوصله إلى العظم؛ بأن ضرب على صدره أو عنقه أو ساقه وساعده؛ فأوصله إلى العظم - تجب فيه الحكومةُ، وهل يجب القصاص؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ كما لا يجب له بدلٌ مقدر: بخلاف الرأس والوجه؛ فإنهما محل الجمال ومجمع المحاسن؛ فالشين والقبح فيهما يكون أكثر، والخطر أعظم.
والثاني: وهو الأصح-: يجبُ القصاص؛ لأنه ينتهي إلى عظم؛ فيمكن الاقتصاص منه.
ولو لم يكن له بدل مقدر؛ كالإصبع الزائدة، واليد الشلاء، والعين القائمة - يجب فيها القصاصُ.
وإن لم يكن لها أرشٌ مقدر: فإن قلنا: يجب القصاص-: فإن كانت الجناية على الساعد، وزاد] قدرهُ على ساعد الجاني؛ لصغر ساعد الجاني - فليس له أن ينزل إلى الكف، ولا أن يصعد إلى العضد.
وإن كان على الساق - فلا ينزل إلى القدم، ولا يصعد إلى الفخذ؛ ما ذكرنا في موضحة الرأس.
فصل في قطع الأطراف
قال الله تعالى: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية: كل طرف له مفصلٌ معلومٌ - ثبت فيه القصاص.
فإن فقأ عينه - يقتص منه، وإن ضرب على رأسه؛ فذهب ضوء بصره - يقتص إن أمكن
[ ٧ / ٩٩ ]
الاقتصاص من غير جرح الحدقة، ولا تؤخذ العين الصحيحة بالعين القائمة [وإن رضي به الجاني؛ لأنه يستوفي أكثر من حقه، وتؤخذ العين القائمة بالعين] [القائمة والصحيحة] بالصحيحة إذا رضي به المجنيُّ عليه [لأنه يقتص] عن حقه.
ويقطع جفن العين بالجفن، ولا يؤخذ الأعلى بالأسفل، ولا الأسفلُ بالأعلى؛ كما لا تقطع اليمنى بالشمال، ويقطع جفن البصير بجفن الأعمى؛ لأن البصر لا يحل الجفن؛ فليس في الجفن نقصٌ.
ولو قطع مارن أنفه - ففيه القود أو كمال الدية.
ولو قطع بعض أنفه من المنجز - يقتص منه بذلك القدر، أو يؤخذ بقدره من الدية.
ولو قطع الحاجز من المنخرين - ففيه القصاص [أو الحكومة.
ولو قطع أنفه مع القصبة - فله القصاص] من المارن، أو كمال الدية، وتفرد القصبة بالحكومة، لأنها ليست من جنس المارن، ولا قصاص فيها؛ لأنه ليس لها مفصلٌ ينتهي إليه، وتقطع الأنف الأقنى بالأنف الأفطس، وأنفُ الصحيح بأنفِ الأخشم؛ لأن الشم لا يحل حِرْمَ الأنف؛ فليس من الأنف نقصٌ؛ بخلاف ما لو قلع حدقة أعمى - لا يقتص به البصير، ولا يقطع لسان الناطق بلسان الأخرس؛ لأن البصر يحل ذات الحدقة، والنطق يحل حرم اللسان؛ فالأعمى والأخرس ناقصُ العضو؛ [فلا يقطع] به الكاملُ، وتقطعُ أنفُ
[ ٧ / ١٠٠ ]
الصحيح بأنف الأجذم؛ إذا كانت في حالة الاحمرار، فإذا كان الجذام أثر في أنفه حتى اسودت - فلا قصاص لأنها دخلت في حد البلى، وفيها الحكومةُ.
وتقطع الأذن بالأذن، وإن قطع بعض أذنه - يقتص منه، [بذلك] القدر، أو يؤخذ بقدره من الدية، ويعتبر التقدير بالجريمة بالنصف والثلث، لا بالمساحة، حتى لو قطع نصف أذنه - تقطع نصفه؛ سواء كان أكبر أو أصغر؛ كما يقطع كله بكله.
وإنما لم نعتبر المساحة؛ لأنه قد يكون أذن الجاني أصغر، فتؤدي إلى قطع جميع أذنه ببعض أذن المجني عليه؛ وكذلك في الأنف واللسان والشفة، وتقطع أذن السميع بأذن الأصم؛ لما ذكرنا أن السمع لا يحل جرم الأذن.
وتقطع الأذن الصحيحة بالمثقوبة، والمثقوبة بالصحيحة؛ لأن الثقب فيها ليس بنقص، بل هو للزينة.
فإن كانت مخرومة - لا تقطع بها الصحيحة، بل تقطع من الصحيحة بقدر ما صح من المخرومة، أو يأخذ بقدره من الدية، وتقطع المخرومة بالصحيحة، ويأخذ من الدية بقدر ما سقط منها، وكذلك في الأنف، ولو قطع أذن إنسانٍ، ثم المجني عليه ألصقها بالدم الحار، فالتصقت - لا يسقط القصاص عن الجاني ولا الدية، ويقطع ما ألصقه المجني عليه؛ لحق الله تعالى؛ لأنها ميتةٌ لا تصح الصلاة معها، وكل لو أن المجني عليه [اقتص من الجاني، ثم الجاني ألصقه - لم يكن للمجني عليه قطعه] بل هو مستحق القطع شرعًا؛ وذلك إلى السلطان.
ولو قطع بعض أذنه، ولم يُبنه - فله أن يقتص منه لذلك القدر، أو يأخذ بقدره من الدية، ولو ألصقه المجني عليه - لم يقطع، وإن بقي متعلقًا بجلدة؛ لأنه لم يصر ميتةً بالإبانة، وتسقط الدية والقصاص عن الجاني بالإلصاق، وعليه حكومةٌ كالإقصاء؛ إذا اندمل - تسقط الدية، وإذا جاء آخر، وقطعها بعد أن التصقت - فعليه القصاص أو كمال الدية:
فقيل: لا يسقط القصاص والدية عن الأول بالإلصاق؛ كالموضحة إذا اتصلت واندملت - لا يسقط القصاص والأرش عن الجاني ولو [جاء] آخر فأوضعها ثانيًا - فعلى
[ ٧ / ١٠١ ]
الثاني القصاص وأرش الموضحة.
ولو قطع أذنه، (فأبانها) فقطع المجني عليه بعض أن الجاني، وألصقه [الجاني] فالتصق - فللمجني عليه أن يعود فيقطعه؛ لأنه [استحق إبانته]، ولم يوجد ذلك، وتقطع الشفة بالشفة، وهو ما يستر اللثة من أعلى وأسفل مستديرًا بالفم؛ سواء استويا في الغلظ والدقة أو اختلفا.
ولو قطع بعضه -يقطع بقدره، ولا يقع الأعلى بالأسفل، ولا الأسفلُ بالأعلى.
وكذلك يقطعُ اللسان باللسان، ولو قطع بعض لسانه - يقطع بقدره، ولا يقطع لسان الناطق بالأخرس؛ وإن رضي به الجاني، ويقطع لسان الأخرس بالناطق إذا رضي به المجني عليه، ويقطع لسان البالغ الناطق بلسان الرضيع، إذا كان يحرك لسانه عند بكاء أو غيره، فإذا كان لا يحركه - فلا يقطع.
وإذا كان يحركه؛ لكنه لا يتكلم، وقد بلغ [أو إن] الكلام - لم يقطع به الناطقُ، وفيه الحكومةُ، وبلوغ أوان الكلام يختلفُ.
وعند أبي حنيفة: لا يقطع لسان المتكلم بالرضيع.
ولو قلع سنة - يقتص منه، ولو كسره - فلا يقتص منه؛ لأنه لا يمكن حفظ المماثلة فيه، ويجب بقدر ما كسر من دية السن، ولا تؤخذ السن الصحيحة بالمكسورة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة، ويؤخذ بقدرِ ما انكسر من الدية فإن قلع سن مثغور - يقلع سنهُ في الحال، وإن قلع سن غير مثغورٍ - فلا يؤخذ القصاص، ولا الدية في الحال؛ لأن الغالب أنها تثبت؛ بخلاف المثغور.
ثم إن نبت، ولم يبق أثرٌ - فلا شيء على الجاني، وقيل: تجب حكومةٌ باعتبار حالة الألم.
وإن نبت سوداءُ أو خضراءُ أو عوجاء أو خارجةٌ عن سمت الإنسان، أو بقي بعد النبات
[ ٧ / ١٠٢ ]
أثرٌ أو شينٌ - فعليه الحكومة وإن نبتت أطول، أو معها سنٌّ شاغيةٌ - قال بعض أصحابنا: لا يجب عليه شيءٌ، وإن حصل بها شينٌ؛ لأن الزيادة لا تكون من الجناية، وقيل: إذا نبت أطول - ففيه حكومةٌ المشين الحاصل بالطول؛ كما في الشين الحاصل بالنقص.
قال الشيخ - ﵁-: وكذلك إذا نبتت معها سن شاغية.
وإن نبتت أقصر - فعليه بقدر النقصان من دية السن، وإن بلغ أوان النبات، فلم تنبت - يرى أهل البصر: فإن قالوا نبتت إلى مدة كذا - ينتظر إلى تلك المدة، وإن قالوا: لا تنبت - ففيه القصاص أو كمال دية السن غير أن القصاص لا يستوفي؛ حتى يبلغ، فإن مات قبل البلوغ - فلوارثه أن يقتص، وإن مات الصبي قبل بلوغه أوان النبات - فلا يجب [القصاص؛ لأنه يسقط بالشبهة، [فلا يجب] مع الشك، وهل تجب الدية؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجب؛ لتحقق الجناية، ووقوع اليأس من نباتها.
والثاني: -[وهو الأصح]-: لا يجب؛ لأن الغالب نباتُها لو عاش، فم يتحقق الإتلافُ؛ كما لو نتف شعره، فمات قبل أن ينبت.
فأما إذا قلع سن مثغورٍ، فنبت - هل يسقط القصاص عن الجاني؟ فيه قولان:
أحدهما:- وبه قال أبو حنيفة-: يسقط القصاص والدية؛ كسن غير المثغور؛ إذا نبتت - فلا يجب إلا الحكومة إن بقي له أثر؛ لأن العادة لم تجر بنبات سن المثغور، فإذا ثبتت فهي نعمة، أفادها الله تعالى، فلا يسقط.
والثاني: وهو اختيار المزني - لا يسقط به حقه عن الجاني؛ كما لو قطع لسانه؛ فنبتت؛ فإذا نبت - فهي نعمة أفاده الله تعالى؛ فلا يسقط به حقه عن الجاني؛ كما لو قطع لسانه، فنبت - لا يسقط حقه في القصاص، والدية؛ [لأن نباته بعيدٌ في العادة] وقيل: في نبات اللسان - أيضًا - قولان:
[ ٧ / ١٠٣ ]
والمذهب الفرق، وهو: أن - في اللسان - لا يسقط القصاص، والدية؛ لأن نباته بعيدٌ في العادة.
فإذا اتفق - فهو نعمةٌ وكراهةٌ أكرمه الله تعالى بها، ولا يسقط حقه عن القصاص فإن قلنا: لا يسقط - يقتص في الحال، أو تؤخذ الدية، وإن قلنا: تسقط الدية بنبات السن - فيرجع إلى أهل البصر؛ فإن قالوا: لا يرجى نباته - يقتص في الحال، وإن قالوا: يُرجى نباته إلى وقت كذا - ينظر إلى تلك المدة: فإن مضت، ولم ينبت - يقتص، وإن مات قبل انقضاء تلك المدة - لا يقتص، وهل تجب الدية؟ فيه وجهان:
وإن نبتت سن المجني عليه بعد استيفاء القصاص أو الدية - لم يكن للجاني قلعها، وهل تجب على المجني عليه [رد] الدية؟ فعلى القولين:
[وإن نبتت] سن المجني عليه، فقلعها الجاني ثانيًا:
إن قلنا: حقه لا يسقط بالنبات - فعلى الجاني ديتان أو قصاص ودية، وإن قلنا: يسقط - فلا يجب إلا دية واحدة، وإن كان قد استوفى قصاصًا عن الأول [أو دية] فقد استوفى حقه، أما إذا نبت سن الجاني بعدما اقتص منه - فعلى القولين: إن قلنا: نعمةٌ أفاده الله تعالى - فلاشيء للمجني عليه؛ لأنه قد استوفى حقه.
وعلى القول الآخر يأخذ منه الدية، وهل له قلع سنِّهِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه قد اقتص حرةً؛ فلا تثنى العقوبة عليه.
والثاني: له قلعها، وإن نبتت مرارًا؛ لأن الجاني أعدم سنةُ؛ فله القلع ثانيا وثالثًا حتى يعدم سنه.
وإن نبتت سنهما جميعًا - فلا شيء لأحدهما على الآخر على القولين جميعًا.
ولو قلع سن رجلٍ، ولا سن للجاني في محلها - يجب عليه دية سنٍّ.
فلو نبت بعده سنة -لا قصاص لأنها لم تكن موجودة يوم الجناية؛ بخلاف الحامل إذا
[ ٧ / ١٠٤ ]
وجب عليها القصاص - لا يستوفي في الحال، فذا وضعت - يستوفي؛ لأنها كانت موجودة يوم الجناية، والله أعلم.
صل
وتقطع اليد باليد، والرجل بالرجل، والإصبع بالإصبع، والأنملة بالأنملة؛ إذا قطعها من مفاصلها؛ سواء استوى الطرفان في الصغر والكبر، والطول والقصر، أو اختلف.
كما لا تعتبر هذه المعاني في النفوس؛ لأنه لو اعتبر هذه المعاني - لم يتصور ثبوت القصاص؛ لأنه قل ما تتفق استواء النفوس والأطراف في هذه المعان.
فإن قطع اليد من الكوع، أو من المرفق، أو قطع الرجل من الكعب، أو من الركبة- يقطع [من] ذلك الموضع.
ولو قطع اليد من المنكب، أو الرجل من الفخذ: فإن أمكن أن يقتص من غير جائفة - يقتص منه، وإن خيف من الجائفة - لا يقتص من ذلك الموضع، بل يقتص من مفصل [دونه]، وتؤخذ الحكومة للباقي.
ولو قطع بعض يده من الكوع - فلا قصاص على ظاهر المذهب؛ لأنها ليست جنسًا واحدًا؛ فلا يمكن اعتبار المماثلة فيه؛ بخلاف الأنف والأذن.
ولو قطعها، وبقيت متدلية بجلده - يجب القصاص أو كمال الدية، ولو قطع يده من الكوع - فله أن يقتص؛ فإن عفا - فعليه ديةٌ [يدٍ]، ويدخل في حكومة الكف.
وكذلك: لو قطع رجله من الكعب - فعفا عليه دية رجل، ويدخل فيها حكومة القدم.
فلو قال المجني عليه: أنا أقطع أصابعه - لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه قطع محل جنايته، فإن فعل - عذرِّ؛ كما لو حز رقبة إنسانٍ - لم يكن للولي قطع طرفه، فإن فعل - عُزر فإذا التقط أصابعه - لا حكومة له في الكف، وهل له أن يعود؛ [فيقطع كفه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ كما في النفس: لو قطع يده - له أن يعود] فيحز رقبته، وكذلك كل مفصلٍ قطعه وأمكنه استيفاء القصاص من ذلك المفصل - لم يكن له أن يقطع من مفصلٍ دونه
[ ٧ / ١٠٥ ]
مثل إن قطع يده من المرفق فيقتص منها، فإن عفا يأخذ دية يدٍ، وحكومة [للساعد ولا تدخل حكومة] الساعد في دية الأصابع؛ بخلاف حومة الكفِّ - تدخل في دية الأصابع؛ لأن الكف مثبت الأصابع.
وكذلك: لو قطع رجله من الركبة، فعفا - يأخذ دية رجلٍ، وحكومة للساقٍ.
ولو أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ [حكومة الساعد، أو في الرجل؛ أراد أن يقطع من الكعب، ويأخذ] حكومة الساق لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه استيفاء جميع حقه في محل جنايته.
فإن قطع يده من الكوع - فلا حكومة.
(قال ﵀: عندي: تثبت له حكومة الساعد؛ لأن الساعد - يُفرد بالحكومة عند أخذ دية اليد؛ فعند قطع اليد أولى، وهل له أن يعود، فيقطع مرفقه؟ فعلى الوجهين.
وعلى الوجهين: إذا لم تقطع، [له عندي] حكومة الساعد [ولو قطع يده من نصف الساعد - لم يكن له قطعه من ذلك الموضع؛ لأنه لا مفصل له؛ فلا يمكن اعتبار المماثلة فيه.
ولو قطع يده من الكوع، [وأخذ] حكومة لنصف الساعد.
وإن عفا - يأخذ دية يد وحكومة.
قال الشيخ: ولو قطع أصابعه، وترك قطع الكوع - لم يكن له أن يعود، فيقطع من الكوع؛ لأنه لا يمكنه وضع السكين على محل جنايته، وأثبتنا له قطع ما دونه، وقد قطع.
قال الشيخ: ولا يجب حكومةُ الكفِّ؛ لأن حكومتها تدخل في بدل الأصابع، وقد استوفى الأصابع، وله حكومة نصف الساعد].
قال الشيخ - ﵀-: وجملةُ هذا التفصيل: أنه إذا قطع يده من الكوع - لم يكن له التقاط أصابعه، فلو فعل - عُزر، ولو أراد أن يعود، فيقطع كفه - يجوز، فلو ترك - فلا حكومة له للكفِّ؛ لأنه ليس له إلا دية الأصابع، وقد استوفاها؛ كما لو قتل رجلًا - لم يكن للوي قطع يده، فلو قطع يديه عُزر، وله أن يعود، فيحز رقبته، ولو عفا عن حز الرقبة
[ ٧ / ١٠٦ ]
- لا دية لهم؛ لأنه قد استوفى بقطع اليدين ما تقابله الدية [ولو قطع يده من نصف الساعد - عليه دية وحكومة الساعد] ولو قطع يده من الكُوعِ، ويأخذ حكومة الساعد.
ولو التقط أصابعه - لم يكن له أن يعود، فيقطع كوعه؛ بخلاف ما لو قطع من المرفق، ولا حكومة [له] للكفِّ، وله حكومةُ نصف الساعد.
ولو قطع يده من المرفق - فعليه دية يدٍ وحكومة، وإذا أراد القصاص - قطع مرفقه، ولم يكن له قطع كوعه، فإن قطع كوعه - عُزر، وله أن يعود، فيقطع مرفقه، وإن لم يقطع مرفقه - فله حكومة المرفق؛ لأنه يفرد مع الدية؛ فمع القصاص أولى.
ولو قطع يده من نصف العضد - فعليه دية يدٍ وحكومتان.
وإن أراد القصاص قطع يده من المرفق، فلو قطع من الكوع - له ذلك؛ لأن الكل مفصل دخل في الجناية، ويأخذ حكومة الساعد والعضد، ولا يجوز أن يعود، فيقطع مرفقه؛ لأنه ليس محل جنايته. [ولو قطع يده من نصف الساعد - لم يكن له قطعه من ذلك الموضع؛ لأنه لا مفصل له؛ فلا يمكن اعتبار المماثلة فيه.
ولو قطع يده من الكوع، فيأخذ حكومة] لنصف الساعد، وإن عفا - يأخذ دية يدٍ وحكومة. قال الشيخ - ﵀ -[ولو قطع أصابعه، وترك قطع الكوع - لم يكن له أن يعود، فيقطع من الكوع؛ لأنه لا يمكنه وضع السكين على محل جنايته، وأثبتنا له قطع ما دونه، وقد قطع.
قال الشيخ ﵀: ولا يجب له حكومة للكف؛ لأن حكومتها تدخلُ في بدل الأصابع، وقد استوفى الأصابع؛ فله حومة نصف الساعد].
ولو قطع يده من نصف العضد - فله أن يقتص من المرفق، ويأخذ حكومة الباقي، وإن عفا أخذ دية يدٍ وحكومتين: حكومة الذراع وحكومة لنصف العضُدِ.
فلو قال: أنا أقتص من الكوع، وآخذُ حكومةَ الساعد - فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يستوفي من موضعٍ أقرب إلى محل الجناية وهو المرفقُ؛ كما لو قطع يده من المرفق - لم يكن له أن يقطع كوعه.
[ ٧ / ١٠٧ ]
والثاني: وهو الأصح -: يجوز- لأن جميعه مفصلٌ واحدٌ في [محل] الجناية؛ فهو يترك بعض حقه؛ بخلاف ما لو قطع يده من المرفقين لأن هناك يمكنه أن يستوفي جميع حقه في محل جنايته، وههنا: لا يمكنه، فإن قلنا: لا يجوز - فله قطع كوعه.
قال [الشيخ] ﵀: فلو فعل، ثم أراد أن يعود، فيقطع مرفقه - لم يكن له ذلك؛ بخلاف ما لو قطع يده من المرفق، فاستوفى من الكوع، ثم أراد قطع مرفقه- جاز على أصح الوجهين؛ لأن - ثَمَّ - أمكنه وضع السكين على محل جنايته، وههنا: لا يمكنه وضع السكين على محل جنايته، وجوزنا له قطع ما دونه للضرورة، وقد قطع] ما دونه؛ فلا قطع له بعده، ولا حكومة للساعد. وتجب حكومةُ نصف العضد.
[قال ﵀]: وعندي تجب حكومة الساعد أيضًا: كما ذكرتُ في قطع المرفق؛ لأن حكومة الساعد، إذا لم تدخل في دية ما دونه - فأولى أن ألا تدخل في قطع ما دونه، ولو قطع يده من نصف الكف - لم يكن له أن يقتص من ذلك الموضع؛ لأنه لا مفصل له، وله أن يقطع أصابعه، فإن عفا - أخذ دية الأصابع، وتدخل فيها حكومةُ نصف الكف، وإن قطع أصابعه - هل له أن يأخذ حكومة نصف الكفِّ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو أخذ الدية - لا حكومة له.
والثاني: [- وهو الأصح-] له ذلك؛ بخلاف الدية - لأنه أخذ الدية استيفاءٌ حكمي؛ فيمكن أن يجعل في مقابلة الكل، [والقصاص استيفاءٌ حسيّق؛ فلا يمكن أن يجعل في مقابلة الكف] ونصف الكف باقٍ، ولو قطع يدًا شلاء، ويد القاطع صحيحةٌ - لا تقطع يده الصحيحة بها، وإن رضي به: فلو قطع المجني عليه يده - يجب عليه نصف الدية، وعلى الجاني الحكومة.
ولو سرى يد الجاني إلى النفس - يجب عليه القصاص؛ لأنه قطع ما لم يكن له قطعه.
ولو قال [الجاني]: اقطع يدي [مطلقًا، ففعل - فقد استوفى حقه، ولا شيء عليه.
[ ٧ / ١٠٨ ]
ولو قال: أقطع يدي] عوضًا عن يدك، أو قصاصًا، ففعل - يجبُ عليه نصف الدية؛ لأنه لم يبذل يده مجانًا، وعلى الجاني حكومةُ اليد الشلاء.
وإذا سرى يدُ الجاني إلى النفس - فلا قصاص على المجني عليه؛ لأنه قطع بإذن الجاني.
ولو شلت يدُ القاطع بعدما قطع يدًا شلاء - نقتص منه.
وكذلك: لو قطع يدًا ناقصة بإصبع، ويدُ القاطع صحيحةٌ، ثم سقطت تلك الإصبع من يد القاطع - للمجني عليه قطع يده.
قال الشيخ ﵀: بخلاف ما لو قطع حر ذمي يد عبدٍ، ثم نقض العهد، فاسترق - لا تقطع؛ لكونه حرًا حالة القطع.
قال الشيخ ﵀: الفرق: أن امتناع القصاص - هناك- لعدم التكافؤ، وفي اعتبار التكافؤ: تعتبر حالة الجناية؛ بدليل أنهما لو كانا متكافئين حالة الجناية بأن كانا عبدين أو ذميين، ثم عتق الجاني، أو أسلم الجاني - يقتص منه، وههنا: امتناع القصاص لزيادة محسوسة في يد القاطع؛ فإذا زالت - قطعت؛ [اعتبارًا بحالة] الاستيفاء؛ ألا ترى أن الأشل: إذا قطع يدًا شلاء، ثم صحت يد القاطع - لا يقتص لحدوث الزيادة فيه، وإن كانتا متساويتين] حالة القطع، وكذلك: لو قطع يدًا لا أظافير عليها - لا تقطع يدُ القاطع الصحيحة.
فإن سقطت أظافيره قُطعت، ولو لم يكن لواحدٍ منهما أظافير حالة القطع - يقتص منه.
فلو ثبت للقاطع أظافير قبل أن يقتص منه - لا يقتص لحدوث الزيادة، ولو قطع يدًا صحيحة، ويدُ القاطع شلاءُ - نظر:
إن قال أهل البصر: إن قطعت يده [الشلاء - لا ينسد فم العروق ولا يرقأ الدم - فليس للمجني عليه قطع يده]، بل يأخذ الدية، وإن قالوا: يرقأ الدم - فالمجني عليه بالخيار؛ إن شاء - قطع يده، ولا شيء له سواه، وإن شاء- أخذ الدية.
[ ٧ / ١٠٩ ]
وإن كانت اليدان شلاوين - نظر: إن كان الشلل في المقطوع أكثر - فلا قصاص، وإن استويا، أو كان الشلل في يد القاطع أكثر - فله أن يقتص إذا قال أهل البصر: يرقأ الدم، ولو قطع يدًا ناقصة بإصبع- لم يكن له قطع يده الصحيحة، وله أن يقطع أربعة من أصابعه، أو يأخذ ديتها، فإن عفا، وأخذ دية الأصابع الأربع فحومةُ منابتها تتبعها، وهل تجب حكومة خُمسِ الكف؟ فيه وجهان:
أصحهما: تجب؛ لأنه لم تجب دية إصبعها؛ حتى تسقط [حكومة المنبت.
والثاني: لا تجب؛ لأن الكف تبعٌ لكل إصبع من الأصابع الخمس، [فكما تسقط] حكومتها تبعًا للأصابع كلها تسقط] تبعًا لإصبع واحدةٍ.
وإن قطع أصابعه الأربع - له أخذُ حكومة خُمس الكفِّ، وهل له حكومةُ الأربعة الأخماس؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو أخذ دية الأصابع - لا تجب [حكومة] منابتها.
والثاني: وهو الأصج-: له ذلك؛ لأن الحكومة من جنس الدية؛ فتدخل فيها، وليست من جنس القصاص.
وإن كان في يد المجني عليه إصبعٌ شلاء، ويدُ القاطع صحيحةٌ - لم يكن له قطع يده، وله أن يقطع أربعةً من أصابعه، ويأخذ حكومة الإصبع الشلاء مع حكومة منبتها؛ لأن الحكومة ناقصة لا تستتبع الناقص، وقيل: تدخل [حكومة] المنبت في حكومة الإصبع الشلاء؛ كما تدخل في ديتها، وهل تجب حكومة أربعة أخماس الكف - فعلى [الوجهين]: أصحهما: تجب.
وإذا عفا على المال - أخذ دية أربع أصابع، ولا تجب حكومة منابتها، وأخذ حكومة الإصبع الشلاء؛ وهل يجب حكومة منبتها؟ فعلى الوجهين:
فلو كانت يدُ المقطوع ناقصة بإصبع، أو فيها إصبعٌ شلاءُ، فقطع المجني عليه يد القاطع الصحيحة؛ فمات منه يجب عليه القصاص في النفس؛ كما ذكرنا فيما لو قطع الصحيحة بالشلاء.
[ ٧ / ١١٠ ]
فأما إذا قطع يدًا صحيحة، ويدُ القاطع ناقصةٌ بإصبع له - قطع يده، ويأخذ دية الإصبع، وإن كانت في يد القاطع إصبعٌ شلاء - فللمجني عليه قطع يده، ولا شيء له سواه.
وعند أبي حنيفة - ﵀-: إذا اختار القصاص -لا شيء له معه في الصورتين جميعًا.
قلنا: بينهما فرقق من حيث إن نقصان الشلل نقصانٌ وصفٍ، ونقصان الإصبع [نقصان] جزء، والدية تتوزع على الأجزاء لا على الأوصاف؛ كما لو أتلف على إنسان صاعيْ حنطةٍ، وللمتلف صاعٌ واحدٌ. أخذه المتلف عليه مع بدل الصاع الآخر.
ولو أتلف عليه صاعًا جيدًا، وعنده صاعٌ رديء، ورضي به المتلف عليه - أخذه، ولا شيء له في مقابلة نقصان الوصف، ولو قطع كفًا - لا إصبع عليها، فلا قصاص؛ إلا أن يكون للقاطع مثلها؛ فيقتص بل عليه الحكومة، ويجوز أن تزاد حكومة الكف على أرش أنملتين.
ولا تبلغُ دية الأصابع الخمس، وهل يجوز أن تبلغ دية إصبعٍ، أو يزادُ عليها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الكف تبعٌ لكل إصبع.
والثاني: يجوز- وهو الأصح - لأنها تبع لجميع الأصابع؛ لأنها منبتُ جميعها، وإن كان المقطوع أصابع شلاواتٍ، وكفه حيةٌ - عليه حكوماتٌ، ويجوز أن [يزاد حكومة] الكف على حكومات الأصابع؛ لأن الحي لا يتبع الميت، وتقطع اليد البيضاء بالسوداء، والسليمة بالبرصاء، ويد الصانع بيد الأخرق [وتقطع الصحيحة بين الأخرق] ولا تقطع [الصحيحة الأظافير] بيدٍ لا أظافير عليها، بل فيها ديةٌ ناقصةق بشيء، وتقطع التي لا أظافير عليها بالصحيحة، وإن كانت أظافيره خُضرًا أو سُودًا [يقتص بها البيض، إن] لم يكن ذلك
[ ٧ / ١١١ ]
لعيبٍ أو شللٍ، وتقطع يدُ غير الأعسم بيد الأعسم، ورجلُ غير العرج برجلِ الأعرج، وفيها كمالُ الدية؛ لأن العسم والعرج ليس في الكف والعدم، إنما هو [تشنج أو تكسُّ] في المرفق والركبة.
فإن كانت أصابع إحدى يديه وكفها أقصر من الأخرى، فقطع القصرى لا قصاص فيها؛ لأنها ناقصةٌ، وفيها دية ناقصة بحكومة، ولا تقطع اليد اليمنى ولا الرجل اليمنى، باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، وكذلك: في الأذن والعين؛ كما لا تُقطع في الأصابع السبابة بالوسطى، ولا إصبعُ بأخرى، وكما لو وجب القصاص على رجلٍ - لا يُقتل مكانه آخر.
فصلٌ
إذا قطع يد إنسانٍ، وللمقطوع ست أصابع - تُقطع يده، وتؤخذ حكومةٌ للإصبع الزائدة؛ سواء كانت الإصبع الزائدة متميزة، أو كانت الزيادة متفرقة في الكلُ.
وإن كان لكل واحدٍ إصبع زائدة - يقتص منه، إذا استوت الزائدتان في المحل والحلقة.
وإن كان للقاطع ست أصابع دون المقطوع - لم يكن له [قطع] كفه بل ينظر: إن كانت الإصبع الزائدة زائلة عن سنن الأصابع الأصلية - فله أن يقطع أصابعه الخمس، وهل يأخذ حكومة الكف؟ فيه وجهان؛ أصحهما: يأخذ.
وإن كانت الإصبع الزائدة وبجنب إصبع، لو قُطعت التي بجنبها، سقطت الزائدة - لم تُقطع التي بجنبها، بل تقطع أربع من أصابعه، ويأخذ دية إصبع، ويدخل فيها حكومة منبتها.
وإن كانت الزائدة على سنن الأصابع - نظر: إن علمت (الزائدة - فله) قطع الأصليات؛ كما ذكرنا، وإن لم تعلم الزائدة -لم يكن له قطع شيء منها، بل يأخذ الدية؛ لأنه لا يدري أن التي يقطعها كلها أصلياتٌ أم الزائدة [فيها]- فلو بادر وقطع خمسًا منها - عُزر، ولا شيء عليه؛ لأنه يحتمل أنه قطع الأصليات.
ولو قطع الكل- عليه رد حكومة الزائدة.
[ ٧ / ١١٢ ]
وإن قال أهل البصر كلها أصلياتٌ [تفرقت ستًا]- فله قطع خمسٍ منها، ويأخذ سدس دية يد الأشل، وليس له قطع الكل، لأنها زائدة في العدد.
قال الشيخ ﵀: ولو قطع الكل - عزر، ولا شيء، عليه.
لو قال أهل البصر: لا ندري أن الكل أصلياتٌ تفرقت ستًا، أواحدة منها بعينها زائدة - لم يكن له قطع شيء منها، فلو قطع - عُزر، ولا شيء له، ولا عليه؛ [لأنه إن] قطع الكل - يحتمل أن لكل أصلياتٌ، ولا شيء عيه، وإن قطع خمسًا منها- يحتمل أن الباقية زائدةٌ، وقد قطع الأصليات.
ولو قطع من له ست أصابع، - وقال أهل البصر: كلها أصلياتٌ تفرقت ستًا - إصبعًا ممن له خمس أصابع-: تُقطع إصبع من أصابعه، ويؤخذ منه ما بين سدس دية يد وخمسها، وهو بعيرٌ وثلثًا بعيرٍ.
فلو قطع من له خمس أصابع إصبعًا من الست - فلا قصاص، ويأخذ منه سدس دية يدٍ، وتقطع الزائدة بالأصلية؛ إذا كانت في محلها بأن قطع من له أربع أصابع أصلية وإصبعٌ زائدةٌ -كف من له خمس أصابع أصلية- فللمجني عليه أن يقطع كفه؛ لأنه دون حقه، ولا شيء له لنقصان الأصابع الزائدة؛ لأنها في محل الأصلية، غير أنها ناقصة، وقد رضي بها؛ كما لو رضي بالشلاء عن الصحيحة.
ولو قطع إصبعًا لها أربع أنامل وقال أهل البصر: لم يخرج عن أصل الخلقة، وكلها أصلياتٌ، وللقاطع ثلاث أنامل - يقطع إصبع القاطع، ولو قطع أنملة منها - لا تقطع أنملته، وعليه ربع دية إصبع، وهو بعيران ونصفٌ، ولو قطع أنملتين منها - له أن يقطع أنملة من أنامله، ويأخذ ما بين نصف دية إصبع وثلثها، وهو سدس دية إصبع: [بعيرٌ وثلثان.
ولو قطع ثلاث أنامل منها - له قطع أنملتين منه، ويأخذ ما بين ثلاثة أرباع دية إصبع، وثلثيها، وهو نصف سدس دية إصبع:] خمسةٌ أسداس بعيرٍ، ولو قطع من له أربعةُ أنامل هكذا أنملةً [فمن له ثلاث أنامل - يقطع أنملة] من أنامله، ويؤخذ ما بين ربع دية إصبع وثلثها، وهو خمسةُ أسداس بعيرٍ.
[ ٧ / ١١٣ ]
ولو قطع أنملتين - تقطع منه أنملتان، ويؤخذ ما بين نصف دية إصبع [وثلثها] وهو بعيرٌ وثلثا بعيرٍ.
ولو قطع إصبع من له ثلاث أنامل - هل تقطع إصبعه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا تقطع؛ لأنها زائدةٌ في عدد الأنامل؛ كما لو كان لقاطع اليد ست أصابع، كلها أصليات، لا تقطع يده بيد من له خمس أصابع، بل تقطع بثلاث أنامل منها، ويؤخذ ما بين ثلاثة أرباع دية إصبع وبين جميعها، وهو بعيران ونصفٌ قال [الشيد] ﵀: فعلى هذا: لو بادر، وقطع إصبعه عُزر، ولا شيء عليه من الدية.
والثاني: له قطع إصبعه؛ بخلاف اليد التي لها ست أصابع؛ لأن تلك الزيادة ظاهرة في منفصلات؛ كاليدين.
ولو كان لإصبعه أربع] أنامل خارجة عن أصل الخلقة - فالعليا منها زائدة، فلو قطع رجلٌ تلك الإصبع - تقطع إصبعه، ويؤخذ منه حكومةٌ، ولو قطع أنملة منها - فلا قود عليه، وعليه حكومةٌ.
ولو قطع أنملتين - قطعت أنملة منه، وتؤخذ حكومةٌ، ولو قطع ثلاث أنامل - تقطع منه أنملتان، وتؤخذ حكومةٌ للزائدة.
ولو قطع من له أربع أنامل هكذا - إصبع إنسانٍ -: لا تقطع إصبعه؛ لأنها زائدة، بل عليه الدية.
ولو قطع أنملة إنسان، ولها طرفان - تقطع أنملة القاطع، ويؤخذ منه حكومةٌ، فإن كان للقاطع مثلها - قطعت، ولا حكومة عليه، وإن كان لأنملة القاطع طرفان: فإن عُرفت الأصلية منها، وأمكن قطعها - قطعت، وإلا فلا قصاص عليه، وعليه ثلث دية إصبع.
وإذا قطع الأنملة العليا من إصبع إنسان، وقطع الأنملة الوسطى من تلك الإصبع من الآخر - فلصاحب العليا القصاص أولًا، وإن كان قطع الوسطى سابقًا؛ لأن صاحب
[ ٧ / ١١٤ ]
الوسطى لا يمكنه استيفاء حقه، مع بقاء الأنملة العليا، ثم بعدما قطع صاحب العليا أنملته - يقطع صاحب الوسطى وُسطاه، فلو عفا صاحب العليا -فلا قصاص لصاحب الوسطى؛ ما دامت العليا باقية، فإن سقطت العليا - له قطع الوسطى، فلو جاء صاحب الوسطى أولًا، وقال لا أعفو، ولكن أعطوني شيئًا على تأخير حقي [لا يُعطى]، لأن القود باقٍ؛ فلا يعطى المال مع بقاء القود.
وكذلك: الحامل إذا وجب عليها القصاص، فقال الولي: أعطوني شيئًا إلى أن تضع [الحامل]، فاقتص - لا يعطى، وقيل: يعطى الدية، ثم هل يسقط القصاص أم إذا زالت العليا أو وضعت الحمل - له أن يرد الدية، ويستوفي القصاص؟ فيه وجهان:
ولو قطع النملة العليا من إصبع، وقطع العليا والوسطى من تلك الإصبع من آخر - نظر:
إن سبق قطعُ العليا - فلصاحبها القصاص، ثم صاحب الأنملتين، إن شاء قطع الوسطى، وأخذ دية العليا، وإن شاء عفا، وأخذ دية الأنملتين؛ فلو بادر صاحب الأنملتين، وقطعهما - فقد استوفى حقه، ويأخذ صاحب العليا دية أنملته من الجاني، وإن سبق قطع الأنملتين - فلصاحبها قطع الأنملتين، ويأخذ صاحب العليا دية أنملته، ولو خلقت له يدان: إما كفان على ذراع واحدٍ، أو ذراعان وكفان على عضدٍ واحدٍ، أو عضُدان وذراعان وكفان على منكب واحدٍ، أو خُلقت له رجلان: إما قدمان على ساقٍ واحد، أو ساقان وقدمان على ركبة واحدة - ينظر.
إن كان يبطش بإحدى اليدين، ويمشي بإحدى الرجلين - فهي أصلية؛ يجب فيها القصاص أو الدية، وفي الأخرى: الحكومةُ، وإن كانت الباطشة منحرفةً عن سنن الذراع، وغير الباطشة على مستوى الذراع؛ لأن اليد خلقت للبطش - فهو أدل على كونها أصلية [من كونها] على مستوى الذراع، فإن كانتا باطشتين، وإحداهما أكثر بطشًا - فهي الأصلية، وإن كانت منحرفةً عن مستوى الذراع.
وإن استوت في البطش، وإحداهما على مستوى الذراع -: فهي الأصلية؛ ففيها القصاص
[ ٧ / ١١٥ ]
أو كمال الدية لليد، وفي الأخرى: الحكومةُ، وإن استويا فيه، وإحداهما ثابتة الأصابع، والأخرى ناقصة الأصابع- فالتي هي تامة الأصابع - أصليةٌ؛ ففيها القصاص أو كمالُ دية اليد، وفي الأخرى الحكومة.
وإن استويا في تمام الأصابع إلا أن في إحداهما إصبعًا زائدةً - لا يقع به الترجيح؛ لأن الإصبع الزائدة قد تكون في الأصلية، فإن استويا في الدلائل - فهما كيدٍ واحدةٍ، وإن قطعهما قاطعٌ - يجب عليه القود أو كمال دية يدٍ وحكومةٌ للزائدة، وإن قطع أحداهما - فلا قصاص، وفيها نصف دية يدٍ، وزيادة حكومةٍ.
وإن قطع إصبعًا من أحدهما - فعليه نصف دية إصبعٍ وزيادة حكومةٍ؛ لأنها نصفُ إصبع زائدةٍ.
وإن قطع أنملة إصبع من أحدهما - فعليه نصف دية [إصبعٍ] وزيادة حكومةٍ.
فلو قطع من له يدان هكذا يد آخر - لم تُقطع [به] يداه لوجود الزيادة قال الشيخ ﵀: [و] لا تقطع [أحداهما]؛ لأنا لا نعلم الأصلية، وقيل: تقطع [أحداهما]، ويؤخذ نصف دية يد الأشل، فلو كانت أحداهما باطشةً، فقطعها قاطعٌ، واستوفينا القصاص أو الدية، ثم صارت الأخرى باطشةً، أو كانت ناقصة البطش؛ فصارت تامة البطش، [فقطعها] قاطعٌ - يجب فيها القصاص أو كمال دية اليد، ولا يجب رد شيءٍ من الدية إلى الأول؛ بخلاف السن ينبت؛ لأن نبات السن - هنا - في محل القلع.
ولو قطع من له يدان باطشتان أو رجلان ماشيتان - يد رجلٍ أو رجله - لم يكن له قطع يديه؛ لأنه يستوفي أكثر من حقه، وله قطع إحدى يديه، ويأخذ نصف دية يد الأشل؛ فإن بادر، وقطعها - عُزر، وعليه حكومة للزيادة، ولو قلع سنًا زائدةً أو قطع إصبعًا زائدةً، وللجاني مثلها في محلها - يقتص منه، وإن اخُتلف في المحل - فلا يقتصن بل تؤخذ الحكومة، وهل تعتبر المساواة في الصغر والكبر؟ فيه وجهان:
[ ٧ / ١١٦ ]
أحدهما: قاله صاحب التقريب-: لا تعتبر، كما في الأصلية.
والثاني: تعتبر؛ قاله أبو إسحاق؛ لأنه ليس لها اسمٌ مخصوصٌ حتى يعتبر الاتفاق في الاسم؛ بدليل أنهما لا يستويان في الحكومة، فعلى هذان كان سن الجاني أطول أو أعرض، أو [إصبعه] أطول أو أغلظ - لا يقتص، وإن كان من الجاني أصغر - يقتص، وتؤخذ حكومةٌ بقدر النقصان، ويقطع الذكر بالذكر، ويُقطع ذكر الفحل الشاب بذكر الشيخ، والخصي والصبي والعنين، لأن العُنة ليست لنقصٍ في العضو؛ سواء كان ينتشر ذكرُ المجني عليه ولا ينتشر؛ إلا أن يكون به شللٌ، فإن كان منقبضًا لا ينبسط أو منبسطًا لا ينقبض - فلا قود فيه إلا إن يكون القاطع مثله، وفيه الحكومة.
وعند أبي حنيفة: لا يقطع ذكرُ الفحل بذكر العنين والخصين وبالاتفاق: يقطع أنثى الفحل بأنثى المجبوب، ويُقطع ذكر الأقلف بذكر المختون؛ لأن الجلدة الزائدة في ذكر الأقلف مستحقة القطع.
ولو قطع بعض ذكره - يُقطع منه بذلك القدر باعتبار الجريمة؛ كما ذكرنا في الأنف والأذن.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يقطع بعضه ببعض، وكذلك نقول في اللسان والشفة والأذن والأنف.
والمذهب الأول؛ لأنه يمكن اعتبار المماثلة فيه، وكمال الدية في الذكر يجب لقطع الحشفة، وفي قطع الباقي الحكومة، ولو قطع رجلٌ جميع ذكره فيدخل حكومة الأسفل في دية الحشفة.
ولو قطع نصف حشفته - عليه نصف الدية.
ولو شق ذكره - ففيه الحكومةُ؛ فإن أول إلى مجرى البول - فعليه حكومةٌ زائدةٌ، ولا تجب دية الجائفة، فإن أوصل إلى المثانة - فديةُ الجائفة تجب.
قال الشيخ ﵀: وحكومةٌ لشق الذكر، ولو قطع أنثييه أو لهما يقتص منه، فإن عفا ففيهما كمال الدية، ولو قطع أو سل إحدى أنثييه، وقال أهل البصر يمكن أن يقتص من غير إتلاف الأخرى - يقتص منه، وإن لم يمكن - فلا يقتص، وتجب نصف الدية.
ولو دق خصيتيه - يقتص بمثله، إن أمكن، وألا فتؤخذ الدية.
[ ٧ / ١١٧ ]
ولو قطع ذكره وأنثييه - فله القصاص فيهما؛ سواءٌ قطعهما معًا [قطع] أو أحدهما قبل الآخر.
وإذا عفا - ففيهما ديتان.
وقال أبو حنيفة: إن قطعهما معًا، أو قطع الذكر أولًا - ففيهما القود أو ديتان، وإن قطع الأنثيين أولًا، ثم الذكر - له القود في الأنثيين دون الذكر، وعليه دية الأنثيين، وحكومة للذكر، وتقطع الأليتان بالأليتين، وهما: ما أشرف على الظهر الناتئان إلى استواء الفخذين؛ لأن فيهما منفعة تامة، فإن الصبر على الجلوس - لا يمكن إلا بهما، وعند العفو: يجب فيهما كمالُ الدية، ولا يشترط الإيصال إلى العظم، وفي إحداهما القصاص أو نصف الدية، ويقتص البعض بالبعض، أو تؤخذُ بقدره من الدية؛ سواءٌ استويا في السمن والهُزال، أو اختلفا، وفي شفري المرأة - القصاصُ أو كمالُ ديتهما، وهو أن يُرفع اللحمُ المشرفُ المحيطُ بالفرج من الجانبين؛ سواءٌ استويا في السمن والهُزال، أو اختلفا، وفي إحداهما - القصاصُ أو نصفُ الدية، ويقطع البعضُ بالبعضِ، أو يأخذ بقدره من الدية.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب القصاص في الأليتين، ولا في الشرفين؛ لأنهما لا مفصل لهما ينتهي إليه.
والأول المذهب، والمنصوص؛ لأن لهما حدًا ينتهي إليه والله أعلم.
فصلٌ
لا يجب القصاصُ في الطرف بالسراية؛ حتى لو قطع أصبع إنسان، فسرى] إلى الكفِّ - لم يكن له قطعُ كفه، ولا قطعُ إصبعه، ويأخذ أربعة أخماس دية [يدٍ] مغلظة من ماله؛ لأن وجوبها بسراية جنايةٍ موجبةٍ للقود، ولا تجب حكومة منابت الأصابع الأربع التي أخذ ديتها، وهل تجب حكومة فنتب الإصبع التي قطعها؟ فعلى الوجهين:
وعند أبي حنيفة: لا قصاص له في الإصبع.
[ ٧ / ١١٨ ]
فنقول: هذا قطعٌ لو وقف - وجب به القود، [فإذا سرى - لا] يسقط؛ كما لو قطع يد امرأة حاملٍ - لا سقط القطع عنه بإلقاء الجنين، فإذا قطع إصبع الجاني قصاصًا، فسرى إلى الكفِّ - نص على أن السراية لا تصيرُ قصاصًا بالسراية؛ حتى يجب على المقتص منه أربعةٌ أخماسِ ديةِ [يدٍ] ونص فيما لو شجة موضحةً، فذهب ضوءُ عينه وشعرُ رأسه - توضح رأسُ الجاني، فإن ذهب ضوء عينه، وشعرُ رأسه - صار قصاصًا، وإلا فعلى الجاني ديةُ البصر وحكومةُ الشعر؛ فهذا النص يدل على أن السراية بالسراية - لا تصير قصاصًا في الطرف:
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: تصير السرايةُ بالسراية قصاصًا؛ كما في النفس: [فإنه إذا قطع يد إنسانٍ؛ فسرى إلى النفس؛ فقطع الولي يد الجاني؛ فسرى إلى النفس] يصير قصاصًا.
والثاني: لايصيرُ قصاصًا؛ بخلاف النفس، لأن القصاص يجبُ في النفس بالسراية؛ فتصير السراية بالسراية قصاصًا، [وفي الطرف: لا يجب القصاص بالسراية، ولا تصير السراية بالسراية قصاصًا [وفي الطرف: يجب القصاص بالسراية]] ومنه من فرق على ظاهر النص، وهو المذهب، وقال: إذا سرى إصبع الجاني إلى الكف - لا تصيرُ قصاصًا.
وفي الموضحة: إذا ذهب بصرُ الجاني - يصير البصر بالبصر قصاصًا؛ لأن البصر إذا ذهب بالموضحة - يجب فيه القصاصُ؛ فصار مستوفيًا.
وقال الشافعي - ﵁-: اقتص من الموضحة؛ بأن ذهبت عيناه، ولم ينبت شعره، فقد استوفى حقه، أراد به شعر موضع الموضحة، أما إذا ذهب شعر [ما حوالي] الموضحة من المجني عليه - يجب على الجاني حكومته، وإن ذهب من الجاني ذلك في الاقتصاص؛ كما في السراية إلى الكف.
فصلٌ
إذا قطع طرف إنسانٍ - نص على أنه يجوز أن يقتص في الحال، ونص على أنه لا يأخذ الأرش قبل الاندمال:
[ ٧ / ١١٩ ]
اختلف أصحابنا فيه؛ فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين:
أحدهما: له استيفاؤهما في الحال؛ لوجود الجناية.
والثاني: لا يستوفي حتى تندمل؛ لأن الدية ربما تنقص بالسراية، والقود ربما يزيد.
والمذهب: الفرق، وهو أن له استيفاء القصاص في الحال؛ لأن قطع [ذلك] الطرف ثابت للمجني عليه، وإن سرت الجراحة أو شاركه في القتل غيره، وأما الدية - فلا تؤخذ؛ لأنا لو أخذنا منه ديتين بقطع يديه ورجليه - فربما يسري فيعود إلى دية واحدةٍ، [ولو أخذنا ديةً واحدةً بقطع يديه] فربما شاركه في الجرح [جماعة] فيموت من الكل؛ فنعود إلى أقل مما أخذنا منه.
فصلٌ في الاختلاف
إذا قطع طرفًا من إنسان، ثم اختلفا في سلامته - نظر:
إن كان من الأعضاء الظاهرة؛ كاليد والرجل واللسان والبصر. فن قال الجاني: كانت اليدُ أو الرجل شلاء، أو [كان] اللسان أخرس، والحدقة عمياء، وادعى المجني عليه سلامته - نظر:
إن أنكر الجاني أصل السلامة، وقال: خلقت كذلك - فالقول قوله مع يمينه؛ لأن المجني عليه يمكنه إثباته السلامة بالبينة.
ولو اتفقا على أنه خلق سيمًا، وادعى الجاني حدوث النقص - فعلى قولين:
أحدهما: القول قول الجاني مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته.
والثاني: قول المجني عليه، مع يمينه، وهوا لأصح؛ لأن الأصل بقاء سلامته.
وقال في "كتاب الديات": على المجني عليه البنية، قيل: هو جواب على قولنا: إن القول قول الجاني، وقيل: على القولين: يسمع بينة المجني عليه؛ كالمودع إذا ادعى تلف
[ ٧ / ١٢٠ ]
الوديعة - يقبل قوله وتُسمع بينته، وإن كان من الأعضاء الباطنة؛ كالذكر والأنثيين - ففيه قولان:
أصحهما: أن القول قول المجني عليه مع يمينه؛ سواءٌ أنكر أصل السلامة أو ادعى حدوث الشلل بعد السلامة؛ لأنها تكون مستورة يتعذر إثبات سلامتها بالبينة.
وعلى هذا: لو هدم بيتًا على قوم، ثم ادعى أنهم كانوا موتى، وقال الأولياء: بل كانوا أحياء، أو قَدَّ ملفوفًا بثوب، ثم ادعى أنه كان ميتًا، فقال الولي: بل كان حيًا، أو قتل شخصًا ثم ادعى أنه كان عبدًا - فليس عليَّ إلا القيمةُ، وقال الولي: بل كان حرًا - فالقول قول من يكون؟ فيه قولان:
فإن قال: القول قول الولي: فإذا حلف - تثبت له الدية، ولا يجب القود؛ لأنه يسقط بالشبهة.
وكل موضع جعلنا القول قول الجاني - فتسمع بينةُ الولي، ويسمح للشهود - أن يشهدوا على أنه كان حيًا إذا كانوا [رأوه تلفف بالثوب]، أو رأوا الجماعة دخلوا البيت، وإن لم يعرفوا حياتهم حالة القد والهدم.
ولو شهدوا هكذا؛ أنا رأيناه تلفف بالثوب، أو دخل البيت حيًا - لا يحكم به، ولكن هذه الرؤية تثبت لهم إطلاق الشهادة على حياتهم حالة القد والهدم.
وكذلك: لو شهدوا على سلامة العين - يسمح لهم أن يشهدوا؛ لأنه كان بصيرًا؛ إذا كانوا رأوه يتبع بصره شيئًا، [ويتوفاه زمانًا طويلًا] ولو رأوه يتبع بصره شيئًا زمانًا يسيرًا - لم يكن لهم أن يشهدوا على بصارته؛ لأنه قد يتفق ذلك من الأعمى.
وكذلك: المعرفةُ بانبساط اليد والذكر وانقباضهما، هذا: كما أن من رأى ضيعةً في يد إنسان مدة طويلة يتصرف فيها تصرف الملاك من غير منازع - جاز له أن يشهد له بالملك مطلقًا، ولو قطع يدي إنسان ورجليه، فمات قبل الاندمال؛ فاختلفا؛ فقال الجاني: مات بالسراية، أو أنا قتلته فليس عليَّ إلا ديةٌ واحدةٌ، وقال الولي: بل قتله آخر، أو قتل نفسه، أو
[ ٧ / ١٢١ ]
تردى من جبل، فعليك ديتان - فالقول قولُ الولي مع يمينه؛ لأن الأصل وجوبُ الديتين عليه.
ولو اختلفا في الاندمال، فقال الجاني: مات قبل الاندمال بالسراية، وقال الولي: بل بعد الاندمال: فإن كان الزمانُ لا يحتمل الاندمال - فالقول قول الجاني بلا يمين، وإن كان يحتملُ - فالقول قولُ الولي مع يمينه.
[ولو اختلفا في مضي مدة الاندمال - فالقول قول الجاني مع يمينه] لأن الأصل عدم مضي المدة، ولو اتفق على أن الجاني قتله، فقال: قتلته قبل الاندمال - فليس عليَّ إلا ديةٌ واحدةٌ، وقال الولي: بعد الاندمال - فعليك ثلاث ديات، والزمان يحتمل الاندمال - ففي الديتين: القول قول الولي مع يمينه، وفي [القول] الثالث: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته عنها.
وكذلك: لو أوضح رأسه موضحتين، وارتفع الحاجزُ بينهما قبل الاندمال، فاختلفا، فقال الجاني: ارتفع الحاجز بالسراية، أو أنا دفعته - فليس عليَّ إلا الأرش موضحةً واحدةً، [وقال] المجني عليه: بل دفعه آخر؛ فعليك ديتان - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل وجوب الديتين عليه، ولو اتفقا على دفع الجاني الحاجز بينهما، واختلفا: فقال الجاني: رفعت قبل الاندمال؛ فليس عليَّ غلا أرش موضحةٍ واحدةٍ، وقال المجني عليه: بل بعد الاندمال؛ فعليك أرش ثلاث موضحات، والزمان يحتمل الاندمال - ففي أرش الموضحتين القول قول المجني عليه، وفي الثالث القول قول الجاني مع يمينه.
ولو قال الجاني: أوضحت موضحةً واحدةً، وقال المجني عليه: بل موضحتين، وأنا رفعتُ الحاجز - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ولو قطع إحدى يديه، أو جرحه؛ فمات قبل الاندمال؛ فاختلفا: فقال الجاني: قتل نفسه أو قتله آخر أو شرب سُمًا موحيًا - فليس عليَّ إلا نصف الدية أو أرش الجراحة، وقال الولي: بل مات بسراية جنايتك؛ فعليك ديةٌ كاملةٌ - ففيه وجهان:
أصحهما: القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم سببٍ آخر.
ولو اختلفا في الاندمال، فقال الوليٌّ، [مات] قبل الاندمال [بسراية جنايتك، وقال
[ ٧ / ١٢٢ ]
الجاني: بل بعد الاندمال، والزمان يحتمل الاندمال]- فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الظاهر معه، والأصل براءة ذمته.
ولو اختلفا في مضي مدة الاندمال - فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم مضيه.
ولو عاد الجاني، فقتله، واختلفا: فقال الجاني: [كان] قبل الاندمال؛ فعلى ديةٌ واحدةٌ، وقال الولي [بل] بعده؛ فعليك ديةٌ ونصفٌ - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
فصلٌ
إذا وجب القصاص على رجلٍ في يمينه، فقال من له الحق: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها - ففيه [ثلاثة] أحوال للمقتص منه، يترتب على كل حالةٍ منها أحوالٌ للمقتص.
إحدى أحوال المقتص منه: أن يقول: علمتُ أن اليسار لا تقوم مقام اليمين؛ فبدلتها عمدًا - فلا قصاص، ولا دية على المقتص في اليسار؛ لأن الباذل بذلها مجانًا، ثم يُنظر في المقتص فإن قال: علمت أنها يسارٌ، وأنها لا تقوم مقام اليمين، فقطعتها عمدًا - فعليه التعزير، وإن قال: كنت جاهلًا، ولم أرد أنها يساره، أو قطعت لا على بصرة فلا تعزير.
وفي الحالتين: قصاصه من اليمين باقٍ، وإن قال المقتص: علمت أنها يساره، ولكن ظننت أنها يمين- يسأل المقتص: فإن قال: كنتُ عالمًا أنها يساره، وأنها لا تقوم مقام اليمين فقطعتها عمدًا - يجب عليه القصاص في اليسار، وقصاصه باقٍ في يمين المقتص منه.
[ ٧ / ١٢٣ ]
ولو قال: ظننت أنه بذل اليسار مجانًا - قال الشيخ ﵀: بهذا لا يسقط القصاص عنه؛ كمن قتل إنسانًا، ثم قال: ظننت أنه أذن لي، ولو قال: ظننت أنها يمينه، أو قال: دُهشت - فلا قصاص عليه؛ بل عليه نصف الدية لليسار، وقصاصه باقٍ من يمين المقتص منه.
ولو قال المقتص: علمتُ أنها يساره، وظننت أنها تقع موقع اليمين - لا قصاص عليه في اليسار، ويسقط قصاصه عن يمينه، وعلى كل واحد منهما لصاحبه نصف الدية.
الحالة الثالثة من أحوال المقتص منه: أن يقول: علمت أنها اليسار، وظننت أن اليسار تقوم مقام اليمين - يسأل المقتص: فإن قال: علمت ظنه، وعمدت قطع يساره - فهل عليه القصاص في اليسار؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجب؛ لأن المقتص منه بذلها؛ بل عليه نصف الدية؛ لأنه لم يبذلها مجانًا.
والثاني: يجب لها القصاص؛ لأنه قطعها عمدًا.
وعلى الوجهين: قصاصه في يمينه باقٍ.
ولو قال: ظننت أنها يمينه - فلا قصاص عليه في اليسار؛ بل عليه نصف الدية، وقصاصه باقٍ في [يمين المقتص منه] ولو قال: علمت أنها يساره، وظننت أن اليسار تقع موقع اليمين - لا قصاص عليه، ويسقط قصاصه عن يمين المقتص منه، ولكل واحدٍ على الآخر نصف الدية؛ كما في الحالة الثانية، وفي الحالتين الأخريين؛ إذا قال المقتص: ظننت أنه يمينه - وجه آخر؛ أنه يجب عليه القصاص في اليسار؛ كما لو قتل شخصًا، ثم قال: [ظننت أنه قاتل أبي]؛ فلم يكن يجب عليه القود.
ولو اختلفا، فقال المقتص: أبحتُ يسارك، فبذلتها مجانًا، وقال المقتص منه: لم أبح، بل أخرجت لتقطع مكان اليمنى - فالقول قول المقتص منه مع يمينه، وعلى المقتص الدية.
ولو كان المقتص منه مجنونًا، فأخرج يساره - فهو كما لو كان مدهوشًا.
أما في السرقة: إذا قال الجلاد: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها - قيل: هو كالقصاص، والمذهب: أنه يسقط عنه قطع اليمين في الأحوال كلها؛ لأن قطع اليسار له مدخل في السرقة؛ إذا كان [فقد اليمين]؛ وذلك لأن المقصود من قطع السرقة: التنكيل
[ ٧ / ١٢٤ ]
بتنقيص البطش، وقد حصل بقطع اليسار؛ بخلاف القصاص؛ فإن المساواة فيه شرطٌ، وكان شيخي ﵀ يقول: هذا صحيحٌ في الحالتين الأخريين، أما الحالة الأولى؛ إذا بذل السارق يساره عمدًا، فقطعت - وجب ألا يسقط عنه قطع اليمين؛ كما لو وجب عليه قطع اليمين في السرقة [فقطعت] يساره، أو قطع يسارُ نفسه، أو قطع رجلُ يساره ظلمًا - لا يسقط عنه قطع اليمين.
وكذلك: لو قطع بعد السرقة يسار إنسان - تقطع يساره قصاصًا، ولا يسقط عنه قطع اليمين بسبب السرقة، فكل موضع قلنا: القصاص باقٍ في يمين المقتص منه - لا تقطع يمينه ما لم يبرأ يساره؛ حتى لا يتعاون القطعان على زهوق الروح؛ كما لو قطع يمين رجلٍ ويسارَ آخر معًا، أو على الترتيب، فاقتص لأحدهما - لا يقتص للثاني، ما لم يندمل الأول؛ بخلاف ما لو قطع يمين رجلٍ ويساره دفعةً واحدةً - له قطعها منه دفعةً واحدةً.
ولو وجب له القصاص في اليمين، فصالحه على قطع اليسار - لم يصح الصلح؛ لأن الدماء لا تستباح بالعوض.
وإذا قطع يساره - لا قصاص عليه؛ لأن صاحبها بذلها، وهل يسقط القصاص عن اليمين بهذا الصلح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط؛ لأن عدوله إلى العوض رضًا منه بسقوط القصاص.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه لم يسلم له البدل؛ فلا يسقط حقه عن البدل.
فإن قلنا: يسقط [حقه عن البدل]- فله دية اليمين، وعليه دية اليسار - فيتقاصان.
وإن قلنا: لا يسقط - فله القصاص في اليمين، وعليه دية اليسار؛ لأن الباذل لم يبذله مجانًا، والله أعلم.
باب عفو المجني عليه
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]: من وجب له حق على آخر - فالعفو عنه مندوبٌ إليه مستحبٌّ؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]: ومن ثبت له القصاص في نفس أو طرف، فعفا عنه - يسقطُ.
[ ٧ / ١٢٥ ]
ولو ثبت قصاص واحد لجماعة، فعفا واحد منهم - يسقط كله، لأنه لا يتجزأ، ولو ثبت له القصاص في النفس، فعفا عن عضو من أعضاء الجاني أو عن شعره يسقط كله؛ كما لو طلق بعض امرأته - تطلق كلها، ولو قطع يد إنسان، ثم حز رقبته قبل الاندمال: فإذا عفا الولي عن قطع الطرف - لا يسقط حر الرقبة، ولو عفا عن النفس - له قطع طرفه؛ لأنهما جنايتان؛ فالعفو عن إحداهما [لا يسقط] الأخرى.
ولو قطع يد إنسان، فسرى إلى النفس، ثم عفا الولي عن النفس - لم يكن له قطع الطرف؛ لأن القطع الساري قتلٌ، وقد عفا عن القتل.
ولو عفا عن قطع الطرف - هل له حز الرقبة؟: فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ كما لو قطع يده، ثم حز رقبته، فكأنه عفا عن الإيلام بقطع الطرف.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن الجرح الساري على النفس قتلٌ، وقد عفا عن بعض القتل.
ولو جنى على رجل جناية، فعفا المجني عليه عن القصاص، ثم سرت الجناية إلى النفس - نظر:
إن كانت الجناية مما يجب فيها القصاص، مثل قطع اليد والرجل - فلا يجب القصاص في النفس؛ لأنه عفا عن بعضه.
وإن كانت الجناية مما لا [قصاص فيها] كالجائفة ونحوها - يجب القصاص في النفس؛ لأنه عفا عن القصاص فيما لا قصاص فيه؛ فلم يعمل عفوه، ولو قطع رجلٌ إصبع إنسان، فعفا المجنيُّ عليه عن القود والعقل قبل الاندمال - فلا شيء على الجاني وإن وقعت الجنايةُ.
وإن سرى بالقطع نظر: إن سرى إلى الكف يجب على الجاني أربعةُ أخماس دية يدٍ، وديةُ الإصبع سقطت بالعفو، وإن سرى إلى النفس - فلا قصاص في النفس؛ لأنه عفا عن الإصبع؛ فيصير شبهةً في سقوط القود عن النفس [وتجب دية النفس]، وهل تحط دية الإصبع - فعلى قولين؛ إن قلنا: الوصيةُ للقاتل، تصح: تحط إن خرج من الثلث- فعليه
[ ٧ / ١٢٦ ]
تسعة أعشار دية النفس، وإن قلنا: لا تصح - فلا تحط، ويجب عليه دية النفس كاملة؛ وكذلك: لو عفا المجني عليه عن قطع الإصبع، وعن سرايته قودًا وعقلًا.
فإن سرى إلى الكف - يجبُ عليه أربعةُ أخماس دية يدٍ، وإن سرى إلى النفس - فهل تسقط دية الإصبع-: فعلى قولي جواز الوصية للقاتل، ولا تسقط تسعة أعشار دية النفس؛ لأنه عفا عنها قبل الوجوب، والعفو عما لا يجب - لا يصح، هذا إذا عفا بلفظ العفو أو بلفظ الإبراء، أما إذا قال بلفظ الوصية: أوصيتُ لك بضمان هذه الجناية، وما يحدث منها براءٌ عن ضمان السراية على قولنا: إن الوصية للقاتل تصح؛ إذا خرج من الثلث، لأن الوصية تكونُ بعد الموت، وذلك يقبل من الغرر ما لا يقبله العفو والإبراء في الحياة؛ ألا ترى أنها تصح بالمعدوم وللمعدوم، وقيل: إن قال بلفظ الإبراء والعفو-: فهو - أيضًا - وصيةٌ، بدليل أنه يعتبر من الثلث؛ فيبرأ عن ضمان السراية، إذا خرج عن الثلث، على قول جواز الوصية للقاتل، والأول أصح؛ وكل موضع جوزنا العفو عن الدية عند السراية إلى النفس - فيكون معتبرًا من الثلث، فإن خرج كله من الثلث- سقط كله؛ وإلا فبقدر ما خرج من الثلث.
[إذا تقابل رجلان، فقتل كل واحد منهما صاحبه - قال ﵀: يجب على كل واحد منهما ديةٌ صاحبه؛ فيتقاصان، وإن مات أحدهما - والآخر حيٌّ، وبه جرحات - فلورثة القتيل القودُ، وفي تركة القتيل أروشُ جراحات الحي، فإن عفوا عن القتل: فإن كانت أروش الجرحات لاتزيد على الدية - تقاصا، وإن كانت الدية أكثر - أخذت الزيادة من مال الحي، وإن زادت أروش الجراحات - أخذت الزيادة من تركة القتيل، وإن تجارحا، وقال كل واحد: إن صاحبي كان قاصدًا، وأنا كنت دافعًا - حلف كل واحد منهما؛ أنه ما قصد صاحبه؛ فإذا حلف - وجب على كل واحدٍ منهما أنه ما قصد صاحبه، فإذا حلف - وجب على كل واحد منهما ضمان جرحه؛ لأن الجرح موجودٌ، ولم يثبت كونه دافعًا].
ولو جنى عبد على حرَّ خطأ أو جناية موجبة للمال، فعفا المجني عليه عن أرش الجراحة، ثم مات بالسراية، أو كان العفو في مرض آخر، مات منه - فهل يصح العفو؟ هذا يبنى على أن أرش جناية العبد يتعلق برقبة العبد أم يتعلق بذمته، ورقبته مرتهنةٌ؛ حتى يتبع بالفضل، إذا عتق فيه قولان:
[ ٧ / ١٢٧ ]
أصحهما: يتعلق برقبته - فعلى هذا يصح العفو من الثلث؛ لأنه وصيةٌ لغير القاتل، وهو السيد.
وإن قلنا: يتعلق بذمته - فيبنى على الوصية للقاتل إن قلنا: تصح - صح العفو من الثلث؛ وإلا - فلا يصح.
هذا إذا عفا مطلقًا أمَّا إذا أضاف العفو نظر:
إن أضاف إلى السيد، فقال: عفوت عنك؛ إن قلنا: يتعلق الأرش بالرقبة - صح العفو، وإن قلنا: بذمة العبد - فلا يصح؛ لأنه عفا عن غير من وجب عليه، وإن قال للعبد: عفوت عنك: فإن قلنا: يتعلق برقبته - لا يصح العفو، وإن قلنا: بذمته - فعلى قولي الوصية للقاتل.
ولو جنى حُرٌّ على حرِّ خطأ، فعفا المجني عليه، ثم مات بالسراية - صح العفو من الثلث؛ لأن الدية على العاقلة؛ فهو عفوٌ عن غير القاتل؛ سواءٌ قلنا: تجب الدية على العاقلة ابتداء، أو تجب على القاتل، ثم تنتقل؛ لأنها كما وجبت - انتقلت.
ولو أضاف العفو - نظر: إن عفا عن العاقلة، أو أطلق ونوى العاقلة - صح العفو.
وإن عفا عن الجاني - لم يصح؛ لأنه عفو عن غير من عليه؛ لأن الوجوب لم يلاقه وإن لاقاه - فقد انتقل في الحال.
هذا إذا ثبتت الجناية بالبينة، فإن ثبتت بإقرار الجاني، ولم تصدقه العاقلة - فالأرش يجب في ماله، إذا عفا المجني عليه - فهو وصيةٌ للقاتل، وفيه قولان:
أما إذا عفا وارثه بعد موته عن جميع الدية مطلقًا، أو عن العاقلة - صح؛ لأنه عفوٌ لا من جهة المجني عليه.
وإن عفا عن الجاني - لا يصح؛ لأنه عفو عن غير من عليه؛ إلا أن يكون ثبت بإقراره؛ فيصح؛ لأن الدية عليه لا على العاقلة.
ولو جنى ذمي على إنسان خطأ، وعاقلته أهل حربٍ - فالدية من ماله؛ فلو عفا المجني عليه - فهو وصيته للقاتل؛ ففي صحته قولان.
إذا تقاتل رجلان؛ فقتل كل واحد منهما صاحبه - قال الشيخ: تجبُ على كل واحد منهما
[ ٧ / ١٢٨ ]
دية صاحبه؛ فيتقاصان، وإن مات أحدهما، والآخر حيٌّ وبه جراحات - فلورثة القتيل القود، وفي تركة القتيل أروش جراحات الحرِّ.
وإن عفوا عن القتل: فإن كانت أروش الجراحات لاتزيد على الدية، تقاصا، فإن كانت الدية أكثر- أخذت الزيادة من مال الحر وإن زادت أروش الجراحات - أخذت الزيادة من تركة القتيل.
وإن تجارحا، وقال كل واحد: إن صاحبي كان قاصدًا، وأنا كنتُ دافعًا - حلف كلُّ واحد منهما؛ أنه ما قصد صاحبه: فإذا حلف - وجب على كل واحد منهما ضمان جرحه؛ لأن الجرح موجودٌ، ولم يثبت كونه دافعًا.
فصلٌ
إذا جنى حرٌّ على حرٍّ جنايةً موجبة للقود، فصالح عن القود على عين [أو] ثوبٍ أو عبدٍ - جاز، وإن لم تكن الدية معلومة.
ثم إذا تلفت تلك العين قبل القبض، أو خرجت مستحقة، أو جد بها عيبًا، فردها - فلا رجوع له في القصاص؛ لأنه سقط بالصلح، وبماذا يرجع؟ فيه قولان: كالصداق إذا تلف قبل التسليم: إن قلنا: ضمانه في يد المعطي ضمانُ -: عقدٍ؛ وهو الأصح - يرجع بأرش الجناية وإن قلنا: ضمان يد - فيرجع بقيمة العين؛ إن كانت متقومة، وبمثلها إن كانت مثلية.
وإن كانت الجناية موجبة للمال، فصالح عن الدية على عين، أو اشترى منه بها شيئًا: إما من العاقلة إن كانت خطأ أو من الجاني إن كانت عمدًا، فعفا - نظر:
إن جهلا أو أحدهما عدد الإبل وأسنانها - لا يصح الصلح [وإن علم عددها وأسنانها - ففيه قولان:
أحدهما: لا يصح]؛ لأنها مجهولة الأوصاف؛ كما لو أسلم في شيء، ولم [يذكر الأوصاف] لا يصح.
والثاني: يصح؛ لأن أسنانها معلومةٌ؛ كما لو اشترى عينًا، ولم يعرف صفاتها - يصح.
[ ٧ / ١٢٩ ]
فإن قلنا: يصحُّ: فلو تلفت تلك العين قبل القبض، أو خرجت مستحقة عنه، أو وجد بها عيبًا، وردها - يرجع بأرش الجناية قولًا واحدًا؛ بخلاف ما لو صالح عن القود حيث قلنا: يرجع في قولٍ بقيمة العين؛ لأن - هناك - لا يمكنه الرجوعُ بما صالح، وهو القود، وههنا: يمكنه؛ فهو كالمبيع إذا رد بالعيب - يرجع بالثمن.
وإن كانت الجانية امرأة، فتزوجها المجنيُّ عليه على القصاص، أو كانت قتلت رجلًا، فتزوجها وارثه على القصاص الثابت له - جاز، وسقط القصاص؛ لأن ما جاز الصلح عنه جاز أن يجعل صداقًا.
فإن طلقها قبل الدخول- فماذا يرجع عليها؟ فيه قولان:
أصحهما: بنصف أرش الجناية.
والثاني: بنصف مهر المثل إذا كانت الجناية موجبة للمال، فتزوجها على الأرش - صح النكاح، ثم إن كان الأرش مجهولًا عند أحدهما؛ فيجبُ لها مهرُ المثل.
وإن كان معلومًا عندهما - فعلى قولي جواز الاعتياض عن إبلِ الدية؛ إن جوزنا - صح، وإلا - فيجبُ لها مهر المثل.
فحيث جوزنا الصلح: فإن كان الصلح عن الدية - فيجوزُ بلفظ"البيع" [و"الصلح" جميعًا، وإن كان الصلح عن القود - يجوز بلفظ "الصلح" ولا يجوز بلف "البيع"؛] لأنه إسقاط حق على عوض؛ كما لو صالح أهل الحرب على مال - جاز بلفظ الصلح"، ولا يجوز بلفظ "البيع".
ولو جنى عبدٌ على حر جناية موجبة للقود، فصالح المجني عليه عن القود على عين - جاز؛ كما ذكرنا في جناية الحر على الحر.
فإذا تلفت العين قبل القبض، أو استحقت، أوردها بعيب- فالقصاص ساقط، وبماذا يرجع: بقيمة العين، أو بأرش الجناية - فعلى القولين، ويكون على السيد؛ لأنه صار مختارًا للفداء: فإن قلنا بأرش الجناية [فعلى القولين، ويكون على السيد]- فض القديم: عليه أرش الجناية، وفي الجديد: الأقل من قيمة العبد أو أرش الجناية.
[ ٧ / ١٣٠ ]
ولو صالح على رقبة العبد الجاني - جاز.
فإن رده بعيبٍ - فالقصاص ساقطٌ، والأرشُ على رقبة العبد، ولا يصير السيد مختارًا للفداء؛ لأنه لم يقصد إبقاءه لنفسه؛ كما لو بيع العبدُ في الجناية لأجنبي. ورد بالعيب - كان الأرش على رقبته.
وقال الشيخ ﵀: فإن مات العبد بعد الرد، أو مات بعد الصلح قبل التسليم - بطل الصلح، وسقط حق المجني عليه؛ لأن السيد لم يصر بهذا الصلح مختارًا للفداء.
وإن كانت الجنايةُ موجبةً للمال، أو عفا على مال، فصالح عن الإبل على مال - هل يصح؟ فعلى ما ذكرنا من القولين.
فإن قلنا: يصح الصلح: فإذا رد المال المصالح عليه بعيب، أو خرج مستحقًا، أو هلك قبل القبض - يرجع بالأرش قولًا واحدًا؛ لأن الصلح وقع عن المال، ويكون السيد مختارًا للفداء، ثم يفدى بمال الأرش أوالأقل؟ قولان:
وإن كانت الجناية موجبة للقصاص، فاشترى المجني عليه العبد بأرش الجناية - يسقط القصاص؛ لأن عدوله إلى الشراء بالأرش - اختيارٌ للمال، وهل يصح الشراء؟ فهو كما لو صالح عن الإبل عن جهل أحدهما عدد الإبل، أو سنها - لم يصح؛ وإن علما ذلك- فعلى قولين.
أما إذا اشترى المجني عليه العبد الجاني بمالٍ آخر - جاز، ولا يسقط القود.
ولو جنى عبدٌ على عبدٍ جنايةً موجبة للقود، فصالح مولى المجني عليه مولى الجاني عن القود على عين - جاز كما في جناية الحر [على الحر]؛ إذا ردها بعيب أو استحقت؛ بماذا يرجع؟ فعلى القولين وكان السيد مختارًا له؛ فإن قلنا: يرجع بالأرش - فيفدى السيد بالأقل من قيمة العبد الجاني أو أرش الجناية في الجديد، وفي القديم: بقيمة العبد الجاني ما بلغتْ.
وإذا صالح عن القود على رقبة الحاني - جاز، وسقط القود، فإذا وجد به عيبًا، ورده
[ ٧ / ١٣١ ]
- كان الأرش في رقبة العبد، ولا يكون السيد مختارًا.
إن كانت الجناية موجبة للمال، فصالحه على مال - جاز إذا كان الأرش معلومًا قولًا واحدًا؛ لأن الواجب فيها الدراهم أو الدنانير باعتبار السوق؛ كما لو جنى حرٌّ على عبدٍ، فصالحه سيده على مال بعد أن كان الأرش معلومًا - جاز، ثم إذا رده بعيب، أو تلف قبل القبض -رجع بالأرش ويكون السيد مختارًا.
ولو صالح على رقبة العبد الجاني - جاز، فإذا رده بعيب - كان الأرش في رقبة العبد كما كان، ولا يكون السيد مختارًا، والله أعلم.
[ ٧ / ١٣٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم