روي عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى رسول اللهﷺ- فسأله عن اللقطة؟ فقال: "اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة؛ فإن جاء صاحبها؛ وإلا فشأنك بها"، قال:
[ ٤ / ٥٤٥ ]
فضالة الغنم؟ قال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، قال: فضالة الإبل؟ قال: "ما لك ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها".
اللقطة: اسم للمال الذي يوجد ضائعًا، فيلتقط.
إذا وجد أمين لقطة في غير الحرم: من نقد، أو متاع: يجوز له أن يأخذها، ويعرفها سنة، فإن جاء صاحبها؛ وإلا يتملكها، فإن أخذها بنية الاختزال: كان ضامنًا، ولم يكن له أن يتملكها، وإن عرفها سنين؛ كالغاصب: لا يملك المغصوب، وهل يبرأ بالدفع إلى الحاكم؟ فيه وجهان؛ كالمغصوب، وإن أخذها؛ ليحفظها للمالك: جاز، وهل يلزمه التعريف؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأن التعريف للتملك، وهو لا يريد تملكها.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
والثاني: وهو الأصح: يجب تعريفها؛ لأنه إذا لم يعرف: لا يهتدي إليه المالك؛ فيضيع ملكه.
ولو دفعها إلى الحاكم: يجب قبولها؛ بخلاف الوديعة: لا يجب على الحاكم قبولها من وجه؛ لأنه التزم حفظها وائتمنه المالك؛ فلا يجوز له دفعها إلى غيره لغير ضرورة، ولو دفعها إلى غير الحاكم: جاز، وإن دفع بغير أمره: ضمن، فإن قلنا: لا يجب التعريف: فيكون أمانة في يده؛ لا يضمن إذا تلف عنده، ثم إذا بدا له أن يتملك: يعرفها سنة من وقت ما بدا له ذلك، وإن قلنا: يلزمه التعرف بكل حال: فيصير ضامنًا بترك التعريف، حتى لو ابتدأ التعريف بعد التأخير، فهلك في السنة: يجب عليه الضمان.
وابتداء السنة يكون من وقت التعريف، لا من وقت الأخذ، وإذا أخذ بنية التعريف، ثم غير النية إلى الاختزال: لا يدخل في ضمانه، ما لم ينقلها عن موضعها على هذه النية، فإن نقلها: كان ضامنًا، وهل يملكه بعد التعريف؟ فيه وجهان: أصحهما: يملك.
ومن وجد لقطة: هل يجب عليه أخذها؟
نص- ههنا- فقال: لا أحب تركها.
وقال في موضع آخر: لا يحل تركها، إذا كان أمينًا.
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من جعل على قولين:
أحدهما: لا يجب أخذها؛ لأنه أمانة؛ فلا يجب أن يأخذها؛ كما لو دفع رجل إليه وديعة: لا يجب عليه قبولها.
والثاني: يجب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
ولا يجوز للولي ترك حفظ المال، ولأن للمال حرمة، كما لمالكه؛ فلا يجوز تركه بمضيعة؛ كما لا يجوز ترك مالكه.
ومن أصحابنا من قال- وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق: إن كان على ممر الفسقة وأهل الخيانة: يجب أخذها؛ وإلا فلا يجب؛ لأن غيره يقوم مقامه في الحفظ.
فإن قلنا: لا يجب الأخذ: هل يستحب الأخذ؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٥٤٧ ]
وإن قلنا: يجب الأخذ، فلم يأخذ: يعصي بتركه، ولكن لا يجب عليه الضمان؛ كما يجب على صاحب الطعام إطعام المضطر؛ فإن لم يطعمه حتى مات عصى الله تعالى، ولا ضمان عليه، هذا إذا كان الملتقط أمينًا؛ فإن لم يكن أمينًا- فالأولى: ألا يأخذها؛ لأنه ربما تدعوه نفسه إلى استباحتها وكتمانها.
وإذا أخذ اللقطة: يعرف عفاصها، وهو: الوعاء الذي فيه [النفقة] من جلدة وغيرها، ووكاءها، وهو: الخيط الذي شد به، وجنسها، وهو: أنه ذهب أو فضة، وقدرها: من الوزن، والعدد، وصفتها، ومعرفة هذه الأشياء لئلا يختلط بماله، وليعرف صدق من يدعيه، وهل يجب الإشهاد عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه أمانة عنده؛ كالوديعة.
والثاني: يجب؛ كما روي عن عياض بن حمار؛ أن النبيﷺ- قال: "من التقط لقطة: فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب لأن مالكها غير ظاهر؛ فربما يموت الملتقط، فيتملكها وارثه، ويضيع حق المالك؛ بخلاف الوديعة؛ فإن مالكها ظاهر يدعيها.
فإن قلنا: يشهد: فعلى ماذا يشهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشهد على صنعتها.
والثاني: وهو الأصح: يشهد على أصلها، ويكون على جنسها دون صنعتها، حتى لا يأخذها الشاهد، فيدعيها لنفسه.
ويجب أن يعرفها سنة بالنهار في الأسواق ومجامع الناس وأبواب المساجد في أوقات الصلوات؛ لاجتماع الناس.
ولا يعرف في المسجد؛ لما روي عن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول اللهﷺ-: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن
[ ٤ / ٥٤٨ ]
المساجد لم تبن لهذا" ويكون أكثر تعريفه حيث وجده وحواليه؛ لأن صاحبه يطلبه حيث ضاع منه، ولا يحسب التعريف بالليالي؛ لأنها وقت تفرق الناس، ولا يجب المداومة على التعريف أناء الليل والنهار؛ بل على العادة في الأسبوع الأول في كل يوم مرتين طرفي النهار، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرة، وهل يشترط الموالاة في التعريف، أو يجوز متفرقًا؛ مثل: أن عرف اثني عشر شهرًا في اثني عشر سنة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز متفرقًا؛ [كمن نذر صوم سنة: يجوز أن يصومها متفرقًا.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه إذا فرق وامتدت المدة: لا يظهر أثره، فعلى هذا: إذا] قطع: يجب أن يستأنف تعريف سنة.
ويقول في التعريف: من ضاع له شيء.
ولا بأس من ذكر جنسه، فيقول: من ضلت له دراهم أو دنانير، ولا يذكر وصفها حتى لا يضبطها رجل، فيدعيها كذبًا: فإن ذكر وصفها وقدرها في التعريف: هل يضمن؟ فيه وجهان:
أحدمها: لا يضمن؛ لأنه لا يجب عليه الدفع إلى من يدعيه بمجرد الوصف.
والثاني: يضمن؛ لأنه لا يؤمن من أن يدعيه رجل بتلك الصفة، فيدفعه إلى من يلزمه الدفع إليه.
ثم إن لم يتبرع الملتقط بالتعريف: فعلى من تجب الأجرة؟ نظر: إن أخذها ليحفظها للمالك: فعلى المالك، وإن أخذها للتملك بعد التعريف: فإذا مضت المدة وتملك: فعلى الملتقط، وإن ظهر المالك قبل التملك: ففيه وجهان:
أحدهما: على الملتقط؛ لأنه قصد بالتعريف التملك؛ فكان تعريفه لنفسه.
والثاني: على المالك؛ لأنه بان أن التعريف وقع له، وإن كانت اللقطة شيئًا يسيرًا: هل يجب تعريفها نظر: إن كان شيئًا لا يطلب كالتمرة واللقمة: فلا يعرفه؛ لما روي عن أنس﵁- قال: مر النبي﵇- على تمرة في الطريق، فقال: "لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة: لأكلتها".
وإن كانت مما يطلب؛ لكنه قليل: فيه وجهان:
[ ٤ / ٥٤٩ ]
أحدهما: يجب تعريفه سنة، لظاهر الخبر.
والثاني: يكتفى فيه تعريف ثلاثة أيام.
واختلفوا في القليل: قيل: ما دون نصاب السرقة قليل؛ لأنه تافه؛ قالت عائشة﵂-: "كانت الأيدي لا تقطع في الشيء التافه".
وقيل: ما دون الدرهم قليل؛ لأن العامة يعدون ما دون الدرهم قليلًا، ويكون للدرهم عندهم فطر.
وقيل: الدينار قليل، فإن زاد: يعرفه سنة؛ لما روي عن علي كرم الله وجهه- أنه وجد دينارًا، فعرفه ثلاثًا، فقال النبي ﵇- كله".
وروي أنه وجد دينارًا، فسأل النبي ﵇- فقال: هذا رزق الله، فاشترى به دقيقًا ولحمًا"، فأكل منه رسول اللهﷺ- وعلي وفاطمة﵄- ثم جاء صاحب الدينار ينشد الدينار، فقال النبي﵇- "يا علي، أد الدينار".
وإذا عرف اللقطة سنة، ولم يجد صاحبها: تملكها الملتقط، فقيرًا كان أو غنيًا.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه؛ إن كان غنيًا: لا يحل له الصدقة، فلا يجوز أن يتملك اللقطة؛ بل إن شاء حفظها للمالك، وإن شاء تصدق بها، وإن كان فقيرًا: فإن شاء حفظها للمالك، وإن شاء: تصدق بها على نفسه أو على غيره: فإذا تصدق، ثم حضر المالك: فإن أجاز الصدقة؛ وإلا فالثواب للملتقط، وعليه الغرم للمالك، والحديث حجة عليه؛ لأن النبيﷺ- قال: "فشأنك بها"، ولم يفصل بين الفقير والغني.
[ ٤ / ٥٥٠ ]
وعن أبي بن كعب: أنه وجد صرة فيها مائة دينار، فأمره النبي ﷺ- أن يستمتع بها بعد التعريف، وكان أبي من المياسير، ثم بعد التعريف، بماذا يحصل له الملك؟ فيه وجهان:
أحدهما: بعد التعريف: تصير ملكًا له؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما نجد في السبيل العامر من اللقطة؟ قال: "عرفها حولًا"، فإن جاء صاحبها؛ وإلا فهي لك". قال: يا رسول الله، ما نجد في الخراب العادي؟ قال: "فيه وفي الركاز الخمس".
فقوله: "هي لك": دليل على أنهي ملك بمجرد التعريف، ولأنه كسب مالًا؛ فلا يشترط في تملكه اختيار التملك؛ كالصيد.
والثاني: وهو الأصح؛ لا يملك إلا باختيار التملك؛ لما روينا في حديث زيد بن خالد: "فإن جاء صاحبها؛ وإلا فشأنك بها"؛ فجعل ذلك إلى اختياره، ولأنه تملك ببدل، فأشبه البيع؛ فعلى هذا: [هل] يشترط أن يذكر بلسانه أم يملكه بمجرد النية؟ فيه وجهان:
أصحهما: يشترط أن يتلفظ به؛ كالتملك بالبيع.
وقيل: لا يملك ما لم يتصرف بعد الاختيار؛ تخريجًا من القراض، وليس بصحيح.
فإن جاء مالكها قبل مضي السنة، والعين قائمة: يجب عليه ردها مع الزوائد المتصلة والمنفصلة.
وإن كانت العين تالفة: لا يجب عليه ضمانها؛ لأنها أمانة في يده قبل التملك.
وإن جاء بعد مضي السنة والتعريف.
فإن قلنا: لا يملك بالتعريف، ولم يكن قد اختار التملك: فعليه ردها بالزيادة المتصلة والمنفصلة؛ كما قبل الحول، وإن كان هالكًا: لا شيء عليه.
وإن قلنا: يملك بالتعريف، أو قلنا: يملك باختيار التملك، وقد اختاره: فقد دخل في ضمانه، فإذا جاء المالك: لا يجب عليه رد عينه، إن كانت قائمة؛ لأنها ملكه، بل إن شاء رد
[ ٤ / ٥٥١ ]
عينها، وإن شاء رد المثل إن كان مثليًا أو القيمة إن كان متقومًا؛ كما لو كانت تالفة: رد المثل أو القيمة، فإن كان الملتقط مفلسًا: كان صاحبها أحق بها من سائر الغرماء، وإن كانت العين قائمة، فردها: يردها بالزوائد المتصلة، ولا يجب رد الزيادات المنفصلة التي حصلت بعد التملك، وإن كانت قد تعينت في يده بعد التملك، فعليه قيمته صحيحًا؛ إن كان متقومًا، أو مثله صحيحًا؛ إن كان مثليًا.
وإن رضي المالك بعين ماله: لم يكن له أن يطالبه بأرش النقصان، وإن جاء بعد اختيار التملك، وقلنا بالوجه البعيد: إنه لا يملك بالاختيار، ما لم يتصرف: صار مضمونًا عليه بالاختيار؛ كالعرض.
ولو وجد رجلان لقطة: يعرفانها ويملكانها؛ فلو رآها أحدهما، وقال: ثم لقطة، وأخذها الآخر: فالآخذ أولى بها.
ولو ضاعت من يد الآخر، فوجدها الآخر: فالأول أولى بها.
ولو وجد لقطة في حرم مكة: لا يجوز أخذها إلا للحفظ على المالك، فأما أن يعرف ليتملك: فلا؛ على أظهر قولي الشافعي﵁- وجماعة من أهل العلم؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن رسول اللهﷺ- قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها".
[ ٤ / ٥٥٢ ]
وفي رواية أبي هريرة: "ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد"، أي: إلا من يداوم على تعريفها، وهذه فضيلة خص بها الحرم؛ كما خص بتحريم الصيد فيه- وقطع الشجر؛ وهذا لأن مكة ينتابها الناس من الآفاق، وربما يكون ذلك الآفاقي يعود أو يبعث في طلبه.
وفيه قول آخر: أنها تملك بعد التعريف سنة، كلقطة سائر البقاع.
والمراد من الحديث: أنها لا تحل قبل مضي السنة؛ حتى لا يظن ظان أنه إذا نادى عليها وقت الموسم، فلم يظهر مالكها: جاز له تملكها.
ولو وجد لقطة في دار الحرب- نظر: إن كان فيها مسلمون: يعرفها؛ كما لو وجد في دار الإسلام، وإن لم يكن فيها مسلم، فتكون غنيمة، فالخمس لأهل الخمس، والباقي له بلا تعريف؛ كما لو أخذ مال حربي.
فصلٌ
روي عن أبي بن كعب قال: "وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبيﷺ- فقال: "عرفها حولًا؛ فإن جاء صاحبها، فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه".
[ ٤ / ٥٥٣ ]
إذا جاء رجل يدعي اللقطة أنها له: فإن لم يصفها: لا تسلم إليه، فإن وصفها: فإن لم يقع في قلبه صدقه: لا يجوز الدفع إليه إلا ببينة يقيمها، وإن وقع في قلبه صدقه: يجوز أن يدفع إليه، ولكن لا يجب إلا ببينة؛ لأنه لا يأمن أن يدعيها غيره ويقيم البينة، فيلزمه الضمان.
وعند أحمد وبعض أهل الحديث- رحمة الله عليهم-: يجب أن يدفع إليه بالوصف.
فلو ادعى المدعي على الملتقط أنك تعلم أنها ملكي أو ادعى مطلقًا: أنها ملكي مع إقراره باللقطة: يحلف على أنه لا يعلم ذلك.
ولو قال: يلزمك تسلميها إلي يحلف على البت: أنه لا يلزمه تسليمها غليه؛ سواء وقع في قلبه صدقه أو لم يقع؛ لأنه قد يسمع الصفة من غيره، فيدعيه على تلك الصفة، فلو وصفها المدعي، ودفعها الملتقط إليه بلا بينة، ثم جاء غيره، وأقام بينة على أنها له: دفعت إليه، إن كانت قائمة، وإن كانت مالكة: فالمدعي بالخيار، إن شاء ضمن الملتقط قيمته، وإن شاء ضمن الآخذ، فإن ضمن الآخذ: لا رجوع له على الملتقط؛ لأن الآخذ يزعم أنه مظلوم بأخذ الغرم منه؛ فلا يرجع بالظلم على غير من ظلمه، وإن ضمن الملتقط: فهل له الرجوع على الآخذ؟ - نُظر.
إن أقر للآخذ بالملك حين دفع إليه؛ بأن قال: هي لك: فلا يرجع عليه؛ لأنه أقر أنه أخذ مال نفسه، وأن الذي أقام البينة ظلمه بأخذ القيمة منه، وإن لم يقر له، بل قال: وقع في قلبي، او غلب على ظني أنها لك، أو دفع إليه، ولم يقل شيئًا: فله الرجوع على الآخذ.
فصل في حكم الضالة
روي عن زيد بن خالد الجهني: أن النبيﷺ- قال في ضالة الغنم: "هي لك أو لأخيك أو للئذب"، وقال في ضالة الإبل: "ما لك ولها؛ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل
[ ٤ / ٥٥٤ ]
الشجر حتى يلقاها ربها".
إذا وجد ضالة، وهي: الحيوان- لا يخلو: إما إن كان الحيوان حيوانًا يمتنع من صغار السباع أو لا يمتنع: فإن كان حيوان يمتنع من صغار السباع: إما بقوته كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير أو بسرعة عدوه كالظبي والأرنب، أو بطيرانه؛ كالحمام والدراج ونحوها- نُظر: إن وجدها في مفازة أو برية- لا يجوز لأحد أخذها للتملك؛ لما روينا عن النبيﷺ- قال [في ضالة الإبل] ما لك ولها؛ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها"؛ وروي أن النبيﷺ- قال: "ضالة المسلم حرق النار" وهل يجوز أخذها للحفظ، حتى يظهر مالكها؟ - نُظر؛ إن كان الواجد هو السلطان- يجوز لأن له ولاية حفظ أموال الناس، وهو محل طلب الضوال؛ روي أن عمر﵁- كان له حظيرة يحفظ فيها الضوال.
ثم إن كان له حمى: تركها في الحمى، ويشهد عليها، ويسمها بسمة الضوال، وإن
[ ٤ / ٥٥٥ ]
نتجت: يسم نتاجها، حتى لا يختلط بغيرها، وإن لم يكن له حمى؛ فإن كان يطمع في مجيء صاحبها؛ بأن عرف أنها من نعم بني فلان: حفظها اليومين والثلاثة، وإن لم يعرف، أو عرف ولم يأت صاحبها: باعها وحفظ ثمنها؛ لأن في إمساكها والإنفاق عليها إضرارًا بصاحبها.
وإن كان الواجد من الرعية: لا يجوز له أخذها للتملك، وهل يجوز له أخذها للحفظ على المالك؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، وإذا أخذ: لا يكون ضامنًا؛ كالإمام.
والثاني: وهو الأصح: لا يجوز؛ لأن النظر في مال الغير ليس إليه.
فعلى هذا: إن أخذها للحفظ على المالك، أو أخذها للتملك: كان ضامنًا؛ كالغاصب، ولا يبرأ عن الضمان إلا بردها إلى مكانها كمن أخذ لقطة، ثم رمى بها: ضمنها، وهل يبرأ عن الضمان بالدفع إلى السلطان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن مالكها قد يكون رشيدًا لا ولاية عليه للسلطان.
والثاني: وهو الأصح: يبرأ؛ لأن للسلطان ولاية على الغائب في حفظ ما يخاف عليه من ماله؛ كما يجوز له أخذها ابتداءً للحفظ على المالك.
أما إذا وجد منها شيئًا في العمران من بلد أو قرية أو قريب منها؛ كالحوائط بقرب البلد: ففيه وجهان:
أحدهما: حكمه حكم ما لو وجدها في المفازة: لا يجوز أخذها للتملك؛ لأن النبي ﷺ- يفصل بين الصحراء والعمران.
والثاني: وهو الأصح: أنها لُقطة- كالحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع؛ فله أن يأخذها للتعريف والتملك؛ لأن العادة لم تجر بإرسال هذه الدواب في العمران من غير حافظ، فالظاهر: أن صاحبها أضلها، وجرت العادة [بإرسال هذه الدواب] في الصحراء بلا حافظ؛ فكانت الصحراء مخالفًا فيها للعمران.
وكذلك: إذا كان أيام نهب وغارة: جاز أخذها، وإن كان في الصحراء.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
أما إذا كان حيوانًا لا يمتنع من صغار السباع؛ كالشاة والعجل والفصيل والكسير: فيجوز له أخذها؛ سواء وجدها في المفازة أو في العمران؛ لقولهﷺ-: "هي لك أو لأخيك أو للذئب يريد: أنها طعمة لكل أحد، فإن أخذتها أنت؛ وإلا أخذها غيرك، أو أكلها الذئب، ثم إن وجدها في المفازة: فهو بالخيار بين أن يمسكها ويعرفها حولًا؛ ثم يملكها، وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها، ويعرفها حولًا، وإنما يعرف الحيوان لا الثمن، ثم بعد الحول: يتملك الثمن، وبين أن يذبحها إن كان مأكولًا.
ويغرم قيمتها، ولو باع جزءًا منها، فأنفق على نقلها إلى البلد للتعريف: جاز، وإن وجدها في العمران في قرية أو قريب منها: فيتخير بين أن يعرفها سنة، ثم يتملكها، أو بين أن يبيعها ثم يعرفها، وهل يجوز له الأكل؟ فيه قولان:
أحدهما: له ذلك، ويغرم قيمتها؛ كما لو وجد في الصحراء.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن البيع ممكن في العمران، وفي الصحراء: ربما لا يجد من يشتريه، وفي حمله إلى البلد مشقة عليه؛ فجوزنا له الأكل.
وفي الجملة: الإمساك والتعريف أولى من البيع؛ لأنه يجري فيه على سنة اللقطة، والبيع أولى من الأكل؛ لأنه إذا أكل يستبيحها قبل الحول، وإذا باع لا يملك الثمن إلا بعد الحول؛ فكان البيع أشبه بأحكام اللقطة.
وإذا أمسكها على مالكها، تبرع بالإنفاق عليها: لا يرجع بما أنفق على مالكها، وإن أراد الرجوع: فلا يمكنه أن ينفق إلا بإذن الحاكم؛ فحينئذ: يرجع، فإذا باعها: فله أن يبيعها بنفسه، وإن لم يكن هناك حاكم، وإن كان هناك حاكم: هل يحتاج إلى إذنه في البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى إذنه؛ لأ، الولاية له على المسلمين.
والثاني: لا يحتاج إلى إذنه؛ لأن الملتقط قام مقام المالك في الأخذ والحفظ؛ كذلك: يقوم مقامه في البيع:
فحيث جوزنا له الأكل، فأكل: فهل يلزمه التعريف بعده؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجب التعريف؛ كما لو باعه.
والثاني: لا يجب، لأن كل حالة أبيح له أكل اللقطة: لا يلزمه التعريف؛ كما بعد الحول.
[ ٤ / ٥٥٧ ]
وهل يجب إفراز قيمة ما أكل من ماله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما لو باعه: لا يخلط ثمنه بماله.
والثاني: لا يجب؛ لأنه إذا أفرزه: كان أمانة في يده، وما في ذمته: يكون قرضًا عليه: لا يخشى عليه الهلاك.
وإن قلنا: يجب إفرازه، ففعل: يكون أمانة في يده لمالك اللقطة؛ فإن تلف في يده- لا شيء عليه لمالك اللقطة، كنفس اللقطة؛ إن هلكت، وإن بقي المفرز حتى مضت السنة: يتملك؛ فيكون قرضًا عليه.
ولو أفلس الملتقط، ثم جاء صاحبها: كان له تلك القيمة المفرزة، له من بين سائر الغرماء؛ فإن قلنا: لا يجب إفراز ثمنه، فأفرز قيمته: فحقه لا يتعين فيها.
وإذا أفلس: كان صاحبها أسوة الغرماء ولو وجد عبدًا صغيرًا، لا تمييز له: فهو كالثوب؛ له أن يأخذه ويعرفه حولًا، ثم يملكه؛ وكذلك: إن كانت جارية صغيرة أو كبيرة ممن لا يحل له وطؤها؛ فإن كانت ممن يحل له وطؤها: ففي جواز التقاطها قولان، بناءً على الاستقراض.
وإن وجد كلبًا مما يجوز اقتناؤه: لم يجز له الانتفاع به، حتى يعرفه سنة، فإن عرفه [سنة]، ولم يجيء صاحبه: جاز أن ينتفع به، ثم إذا حضر صاحبه بعد الانتفاع به: هل عليه أجر المثل؟ فيه وجهان؛ بناءً على جواز إجارة الكلب.
ولو هلك في يده: لا ضمان عليه.
ولو وجد طعامًا رطبًا- نُظر: إن أمكن تجفيفه؛ بأن يتبرع الواجد بالإنفاق على تجفيفه، وإلا بيع بعضه وأنفق على تجفيف الباقي، وهل يحتاج في البيع إلى إذن الحاكم؟ فيه وجهان:
وإن كان الأنفع لصاحبه: أني باع رطبًا: بيع.
وإن كان لا يمكن تجفيفه؛ كالعنب الذي لا يتزبب والرطب الذي لا يتتمر والبطيخ والقثاء، أو طعامًا لا يبقى كالشواء والمرقة ونحوها: فهو بالخيار: إن شاء باعه، وأخذ ثمنه ثم عرفه، وإن شاء أكله وغرم قيمته، كما ذكرنا في الشاة".
[ ٤ / ٥٥٨ ]
وفيه قول آخر: أن الأكل لا يجوز، إذا أمكن البيع، ثم بعد البيع: هل يجب التعريف؟ فيه وجهان، والله أعلم.
فصلٌ
المسلم العدل الحر البالغ العاقل: له أن يلتقط، ويستبد بتعريفها وتملكها.
فأما من لم يكن بهذه الصفة: فيبني التقاطهم على أصل، وهو: أن ابتداء اللقطة أمانة، وفيها ولاية من حيث إن الملتقط حفظها؛ كالولي: يحفظ مال الصبي، وانتهاؤها اكتساب؛ فإن الملتقط يملكها بعد التعريف، وأيهما يغلب؟ جهة الأمانة أم جهة الاكتساب؟ فيه جوابان؛ فيخرج عليه التقاط الصبي والمحجور والعبد الفاسق، فإن غلبنا فيه جهة الأمانة: فليس أحد [من] هؤلاء من أهله، فإن التقط الصبي أو المحجور أو العبد أو الفاسق شيئًا، فهلك في يده: يجب عليه لاضمان، ويتعلق برقبة العبد؛ كالغصب، وإن علم به ولي الصبي أو المحجور عليه، فتركه في يده: كان طريقًا في الضمان، وإذا أخذه: يدفعه إلى الإمام؛ ليحفظه لمالكه؛ وكذلك: لو أخذ من الفاسق، ويحفظه الإمام للمالك، هذه طريقة ذكرها الشيخ القفال، ﵀.
أما الذي عليه عامة الأصحاب- وهو المذهب-: أن اللقطة [اكتساب] والصبي والمحجور والفاسق كالعدل في جواز أخذها، وفي العبد قولان؛ لأنه ليس من أهل الملك، وتفصيل المذهب على هذا. نقوله في هذا الفصل.
فصل فيمن يجوز التقاطه
إذا وجد الصبي أو المجنون أو المحجور عليه بالسفه لقطة، فأخذها: صح التقاطه؛ لأنه كسب، فيستوي فيه الصغير والكبير والمحجور؛ كالاحتطاب والاصطياد، ولا يجوز لوليه أن يتركه في يده؛ كما لو احتطب أو اصطاد: لا يتركه الولي في يده]. فلو تلفت في يد الصبي: لا ضمان عليه؛ لأنها أمانة في زمان التعريف، ولو أتلفها: يلزمه الضمان، ولو علم به الولي، فتركها في يده، حتى تلفت.
قال الشيخ﵀-: إذا أتلفها: ضمن الولي للصبي؛ لأنه ثبت حق الملك؛ كما لو احتطب الصبي، فترك الولي في يده، حتى هلك- ضمن له الولي.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
قال﵀-: ثم يعرف التالف، وبعد التعريف: يملك الصبي، إن كان نظر فيه.
ولو أخذ الولي اللقطة من يده: يعرفها سنة، ثم إن كان الصبي ممن يجوز للولي أن يستقرض له: يتملك اللقطة له، وإن كان ممن لا يجوز أن يستقرض له: لا يتملك؛ لأن التملك بالالتقاط كالاستقراض، ولا يجوز أن يعطي مؤنة التعريف من مال الصبي، بل يأتي الحاكم حتى يبيع جزءًا من اللقطة في أجرة التعريف، ثم إن حضر المالك: كان ذلك- من ماله، وإن لم يحضر، وتملك الصبي: كان كما لو أدى من مال الصبي.
ولو تلفت اللقطة في يد الولي قبل التملك: فلا ضمان على الآخذ؛ لأنها أمانة قبل التملك، وإن تلفت بعده: فضمانها على الصبي؛ لأنها ملكه.
والسفيه كالصبي في الالتقاط إلا أن الصبي لا يصح تعريفه، ويصح تعريف السفيه.
فأما العبد: فهل له الالتقاط؟ فيه قولان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه اكتساب؛ كالاحتطاب والاصطياد.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن المقصود منه التملك؛ والعبد لا يملك.
فإن قلنا: لا يجوز له الالتقاط: فإن التقط: فهو مضمون عليه، فإن هلك في يده أو أهلكه بعد التعريف أو قبله: تعلق الضمان برقبته؛ كما لو غصب شيئًا، فهلك في يده، وإن عرفها: لا يصح تعريفه؛ لأنها ليست في يده بحكم اللقطة، وإن علم به السيد- نظر: إن أخذها من العبد؛ صار كما لو التقطه بنفسه، ويبتدئ التعريف، ويسقط الضمان عن العبد، لأنه دفعها إلى من يجوز الدفع إليه؛ كما لو دفع الحر إلى الحاكم.
فإن هلك في يد السيد قبل التعريف والتملك: لا ضمان عليه، فإن عرفها وتملكها: كانت القيمة في ذمته، وإن أقرها في يد العبد ليعرفها: فإن كان أمينًا: يجوز كما لو استعان به في تعريف ما التقط السيد بنفسه وإن لم يكن أمينًا: كان متعديًا بتقريرها في يده وضمها في جميع ماله أما إذا أهملها في يد العبد بعد ما علم؛ لم يأخذها، ولم يقرها: فالضمان بماذا يتعلق؟ فيه قوله:
نقل المزني﵀- أنه يتعلق برقبة العبد؛ لأنه المتعدي بالأخذ، فعلى هذا: لو هلك العبد: سقط الضمان.
وقال في رواية الربيع: يتعلق برقبة العبد، وبجميع مال السيد؛ لأن العبد متعد بالأخذ،
[ ٤ / ٥٦٠ ]
والسيد متعد بتركها في يد العبد؛ فعلى هذا: لو هلك العبد: لا يسقط الضمان عن السيد.
فإن قيل: إذا أوجبتم الضمان على السيد في جميع أمواله، فأي فائدة لتعلقه برقبة العبد؟ قلنا: فائدته أن السيد لو أفلس: كان صاحب اللقطة أحق بالعبد من سائر الغرماء، أما إذا قلنا: إن العبد يجوز له الالتقاط: فإذا التقط- لا يخلو إما إن علم السيد أو لم يعلم؛ فإن لم يعلم: فهي أمانة في يد العبد؛ فإن هلكت في مدة التعريف- في يده من غير تفريط-: لا ضمان عليه، وإن هلك بتفريط منه: تعلق الضمان برقبته.
وإن عرفها العبد: حسب تعريفه، ولا يحصل الملك للعبد، لأن العبد لا يملك، ولا يحصل الملك للمولى بتعريفه، ما لم يختر تملكه؛ بخلاف ما لو احتطب العبد أو اصطاد: كان ملكًا للمولى من غير اختياره؛ لأنه لا يعقب الضمان، وملك اللقطة يعقب الضمان، فيتوقف على اختيار المولى؛ فإن تملكها العبد لنفسه، وتصرف فيها، وهلكت في يده، أو أهلكها: تعلق الضمان برقبته أم بذمته؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتعلق بذمته؛ كما لو استقرض شيئًا، فهلك في يده.
والثاني: تتعلق برقبته؛ لأن صاحبها لم يرض بدفعها إليه؛ كما لو غصب شيئًا، فهلك عنده: يتعلق الضمان برقبته؛ بخلاف القرض: فإن صاحبه قد رضي بدفعه إليه، فتعلق الضمان بذمته حتى يعتق.
هذا إذا لم يعلم السيد بالتقاطه، فإن علم السيد: فله أخذها منه؛ لأنه كسب عبده، ثم إن كان بعد تعريف العبد: يتملكها المولى، وإن كان قبل التعريف: يعرفها، ويملكها؛ كما لو التقط بنفسه، ويكون الضمان على المولى دون العبد، وإن كان العبد قد عرف بعض الحول: أكمل السيد الباقي وتملك، وإن علم به السيد، فأقرها في يد العبد- نظر: إن كان العبد أمينًا: جاز؛ كما لو التقط بنفسه، [استعان] بعبده الأمين في حفظها، وإن لم يكن أمينًا: كان الضمان على المولى دون العبد، ولو التقط العبد لقطة، فأعتقه المولى؛ فإن قلنا: يجوز للعبد الالتقاط: أخذها المولى، وعرفها، وتملكها- لأنها كسب عبده، وإن كان العبد قد عرف: كان تعريفه محسوبًا ويتملكها المولى، وإن قلنا: لا يجوز للعبد الالتقاط: لم يكن للسيد أخذها؛ لأن العبد كان متعديًا في أخذها، وهل يجعل كأن العبد التقطها بعد العتق حتى يعرف فيمتلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يكن- حالة الأخذ- من أهله؛ فعليه أن يدفعها إلى الإمام.
[ ٤ / ٥٦١ ]
والثاني: له أن يعرفها ويتملكها؛ لأنه صار من أهل الالتقاط، فيجعل كأنه التقطها بعد العتق.
والمدبر والمعلق عتقه بالصفة وأم الولد في الالتقاط كالعبد إلا أنا حيث قلنا: يتعلق الضمان برقبة العبد: ففي أم الولد: يجب على السيد، وإن لم يعلم به السيد؛ لأن جناية أم الولد تكون على سيدها، وإن لم يعلم به السيد.
وأما المكاتب: فقد قيل: هو كالعبد، وفيه قولان، فإن قلنا: ليس له الالتقاط: فإذا التقط: كان ضامنًا، وليس للسيد أخذها؛ لأنه لا ولاية له عليه؛ بل يأخذها الإمام، ويحفظها إلى أن يجد صاحبها؛ فإذا أخذها الإمام: برئ المكاتب عن الضمان.
والصحيح من المذهب، وهو المنصوص: أن المكاتب كالحر في الالتقاط قولًا واحدًا؛ لأنه كالحر في تملك المال [والتصرف]؛ فعلى هذا الطريق، [أو على الطريق] الأول: أنه كالعبد، وجعلناه من أهله: يعرفها المكاتب ويملكها، فإذا عتق في خلال التعريف: أتم التعريف وملكها، وإن عجز: فإن كان بعد التعريف والتملك: كان للمولى، وإن كان قبل التعريف: أخذه الإمام وحفظه للمالك، ولا يأخذه السيد؛ لأن المكاتب كان من أهل الملك، فإذا لم يحصل له الملك بالتقاطه: لا يحصل بغيره.
قال الشيخ﵀-: وجب أن يقال: يأخذها المولى ويعرفها ويتملكها؛ لأن أخذ اللقطة اكتساب، وكسب المكاتب: إذا عجز- يكون للمولى، كالعبد إذا التقط: يأخذها السيد ويعرفها ويتملكها، ولم يوجد من العبد إلا الاكتساب بالالتقاط.
قال﵀-: وكذلك لو مات العبد أو المكاتب قبل التعريف: يعرفها السيد ويملكها؛ وكذلك: الحر إذا التقط فمات قبل التعريف؛ يعرفها الوارث ويملكها.
أما من نصفه حر ونصفه رقيق إذا التقط- نظر.
إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة: فنصفها يعرفها الملتقط، ويملك؛ كالحر، وفي النصف الآخر: كالعبد يلتقط والسيد يملكه بعد التعريف؛ كما لو التقط رجلان لقطة.
وإن كان بينه وبين السيد مهايأة- فالمذهب: أن الالتقاط يدخل في المهايأة؛ كالأكساب العامة، فإن وجدها في يوم السيد: فكالعبد يلتقط: يأخذها السيد ويعرفها ويتملك، وإن وجدها في يوم نفسه: فكالحر يلتقط: يعرفها العبد ويتملكها.
[ ٤ / ٥٦٢ ]
وفيه قول آخر: أن الأكساب النادرة لا تدخل في المهايأة؛ مثل: اللقطة؛ والركاز، والوصية، والهبة؛ ففي أي يوم كان: يكون بينهما؛ كما لو لم يكن بينهما مهايأة؛ لأن المهايأة إنما تكون فيما يوجد في كل يوم، أما ما لا يوجد إلا نادرًا في بعض الأيام: فلا يمكن مراعاة التسوية- بينهما؛ فلا تقع المهايأة عليها.
وأما الفاسق: فيكره له الالتقاط؛ لأنه ربما تدعوه نفسه إلى كتمانها، وإذا التقط: هل يقر في يده؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يقر في يده، بل ينتزع [من يده]، ويوضع عند عدل؛ لأن اللقطة في مدة التعريف أمانة، والملتقط في حفظها كالولي في حق الصغير، والفاسق ليس من أهل الأمانة ولا الولاية.
والثاني: يقر في يده؛ لأن الالتقاط بمنزلة الاكتساب للتملك؛ كالاحتطاب، والاصطياد، والفاسق من أهله؛ ولكن يضم إليه عدل يشرف عليه.
وعلى القولين جميعًا: هل يعتمد في التعريف عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يعتمد عليه؛ لأنه ليس بمال يفتقر إلى الأمانة.
والثاني: لا، بل يضم إليه أمين يعرفان جميعًا، لأنه [لا يؤمن خيانة الفاسق في التعريف؛ فإذا مضت مدة التعريف: يتملكها الملتقط على القولني جميعًا.
أما الذمي: إذا التقط في دار الإسلام: ففيه وجهان:
أصحهما: أن له الالتقاط؛ لأنه اكتساب، كالاحتطاب والاصطياد، ثم هو كالتقاط الفاسق.
والثاني: ليس له الالتقاط؛ لأن فيه معنى الولاية، ولا ولاية للذمي على المسلم؛ فيأخذه الإمام ويحفظه إلى أن يظهر مالكه.
وأما المرتد إن قلنا: ملكه زائل: ينتزع من يده؛ كما لو احتطب: [ينتزع من يده].
وإن قلنا: ملكه غير زائل: فكالفاسق يلتقط.
فصل في رد الآبق وحكم الجعالة
قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وشرع من قبلنا:
[ ٤ / ٥٦٣ ]
يجوز العمل به؛ إذا لم يرد النهي عنه في شرعنا.
عقد الجعالة جائز على رد الآبق ورد الضوال، وعلى البناء والخياطة وغيرها، وهو: أن يبذل جعلا على شيء من هذه الأعمال لمن عمله؛ لأن الحاجة قد تدعو إليه؛ كما يجوز عقد الإجارة للضرورة الداعية إليها.
وجملته: أن ما جاز عقد الإجارة عليه: جاز عقد الجعالة عليه، وقد تصح الجعالة حيث لا تصح الإجارة، وهو مع جهالة العامل والعمل والمدة، فتقول: من رد ضالتي، أو رد أبقى- فله كذا- يصح فالعامل مجهول؛ لأنه لا يدري متى يردها، والعمل مجهول لأنه لا يدري متى يردها ومن أين يردها، ولو قال: استأجرتك؛ لترد ضالتي بكذا، ولا يدري موضعها: لا يصح، وإنما جوزنا الجعالة مع الجهالة؛ لأن الحاجة تدعو إليه؛ فإن الرجل قد تضل له دابة، ويأبق له عبد، ولا يدري موضعه؛ فجاز مع الجهالة، كالمضاربة، ويختلفان من حيث إن الأجرة في الإجارة: يجب بنفس العقد، وفي الجعالة: لا تجب إلا بعد تسليم العمل، وأن الإجارة عقد لازم، والجعالة غير لازم: يجوز لكل واحد منهما فسخها قبل العمل، فلو أن رجلًا أبق له عبد، أو ضلت له بهيمة، فرده إنسان بغير أمر صاحبه: لا يستحق شيئًا؛ سواء كان معروفًا برد الضوال أو لم يكن.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كان معروفًا برد الضوال: فيستحق أجر المثل؛ وإلا فلا يستحق شيئًا.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه- في رد العبد خاصة: إنه إن رده من مسافة ثلاثة أيام أو أكثر، وكان معروفًا بذلك: يستحق أربعين درهمًا استحسانًا لا قياسًا، فإن كانت قيمة العبد أقل من أربعين: ينقص عن قيمته درهم، وإن لم يكن معروفًا بذلك: لا يستحق شيئًا، وإن رده من مسافة أقل من ثلاثة أيام- قال-: يستحق أجر المثل.
وعندنا: إن رد بغير أمر صاحبه: لا يستحق شيئًا؛ لأنه رد ما لم يشرط له عليه عوض؛ كما لو رد ضالة، أو رد ما لم يكن معروفًا بالرد.
وإن رد بأمره- نظر: إن عين رجلًا، وسمى له مالًا معلومًا، فقال: إن رددت عبدي، أو ضالتي: فلك علي عشرة دراهم، فإن رد ذلك الرجل: يستحق المسمى، وإن رد غيره: لا يستحق شيئًا، وإن لم يعين أحدًا، بل قال: من رد عبدي، أو قال: من رد ضالتي- فله عشرة
[ ٤ / ٥٦٤ ]
دراهم- فكل من سمع ذلك منه، أو من غيره، فرده- ويستحق المسمى، ومن رده ممن لم يسمعه- لا يستحق شيئًا، وهو متبرع.
ولو رده رجلان، أو ثلاثة: فيكون المسمى بينهم على عدد رءوسهم.
ولو ذكر مالًا مجهولًا، فقال الرجل: رد آبقي حتى أرضيك، [أو إن رددته أعطيك] شيئًا، أو قال: من رده: فله علي شيء؛ فرده رجل ممن سمعه: يستحق أجر المثل؛ لأنه لم يعمل مجانًا.
ولو قال من رده: أعطيته شيئًا، فرده جماعة: فأجر مثل الرد بينهم، فأما إذا قال الرجل: رد آبقي، أو ضالتي، ولم يذكر شيئًا، فرده: كان متبرعًا؛ لا يستحق شيئًا؛ لأنه عمل بلا عوض.
وقيل: إن كان معروفًا برد الضوال: يستحق أجر المثل.
ولو نادى غير مالك العبد: من رد عبد فلان- فله عشرة دراهم، فرده رجل: يستحق العشرة على المنادي؛ لأنه ضمن العوض، فإن قال في النداء: [قد] قال فلان: من رد عبدي- فله عشرة، فرده رجل: لا يجب على المنادي شيء.
قال الشيخ﵀-: فإن كان فلان قد قاله: يستحق عليه؛ وإلا فلا يستحق شيئًا.
ولو قال لرجل: إن رددت عبدي- فلك عشرة، فشاركه في الرد غيره: لا يستحق من شاركه شيئًا؛ لأنه متبرع، ثم نظر: إن قال المعين: إني أعنت العامل: فالعامل يستحق جميع العشرة، ولا شيء للمعين، سواء قال المعين: شاركته لأشاركه في الجعل أو قال: مجانًا.
وإن قال: عملت للمالك بعوض أو غير عوض: فالعامل يستحق نصف المسمى له.
ولو قال لرجل: إن رددت عبدي- فلك عشرة، وقال لآخر: إن رددته- فلك عشرون، وقال لثالث: إن رددته- فلك ثلاثون، فرده واحد منهم: يستحق ما سمى له، وإن ردوه جميعًا: يستحق كل واحد منهم ثلث ما سمى له؛ فالأول يستحق ثلث العشرة، والثاني ثلث العشرين، والثالث ثلث الثلاثين، وإن رده اثنان منهم: يستحق كل واحد منهم نصف ما سمى له، وإن أعانهم رابع، فردوه جميعًا: لا شيء للمعين، وكم للثلاث نظر: إن قال المعين؛ عملت للمالك: فلكل واحد من الثلاث ربع ما سمى له، وإن قال: أعنت ثلاثتهم: فكل واحد يستحق ثلث ما سمى له، كما لو ردوه دون المعين وإن قال: أعنت واحدًا منهم بعينه: فذلك يستحق نصف ما سمى له، ولكل واحد من الآخرين ربع ما سمى له، ولو قال لرجل: إن
[ ٤ / ٥٦٥ ]
رددت عبدي- فلك عشرة، وقال لآخر: إن رددت- فأعطيك شيئًا، فردا معًا: فمن سمى له العشرة: يستحق نصف العشرة، والآخر يستحق نصف أجر المثل.
ولو أبق لرجل عبدان، فقال: من ردهما- فله عشرة، فرد رجل أحدهما: يستحق نصف المسمى، سواء استوت قيمتهما أو اختلفت.
ولو قال لرجلين: إن رددتما عبدي- فلكما عشرة، فرده أحدهما: يستحق نصف المسمى؛ لأنه لم يجعل له إلا نصفه، ولو قال لرجلين: إن رددتما العبدين- فلكما كذا، فرد أدهما: يستحق ربع المسمى.
ولو قال: إن رددت عبدي من موضع كذا: فلك عشرة، فرده من نصف الطريق: يستحق نصف المسمى.
ولو رد من الموضع الذي عينه، فرأى المالك في نصف الطريق، فدفع إليه: يستحق نصف المسمى، ولا يستحق العامل في الجعالة شيئًا إلا بعد حصول العمل، حتى لو قال: من رد آبقي، أو قال لرجل بعينه: إن رددت آبقي- فلك كذا، فطلب، ولم يجد، أو وجده، فمات في الدرب، أو أبق في الطريق، أو رجع بنفسه: لا يستحق شيئًا؛ بخلاف ما لو استأجر رجلًا؛ ليحج عنه، فأتى ببعض الأعمال، ثم مات: يستحق بقدر ما عمل من الأجرة على أحد القولين؛ لأن المقصود من الحج تحصيل الثواب، وقد حصل له بعض الثواب، والمقصود من الجعالة: رد العبد إلى يده، ولم يوجد؛ فلا يستحق شيئًا، وإذا رده: ليس له حبسه لاستيفاء الجعل؛ لأنه يستحق بالتسليم؛ حتى لو شرط تعجيل الجُعل: يفسد.
ولو اختلف العامل ورب المال، فقال العامل: شرطت لي جعلًا، وقال المالك: لم أشرط: فالقول قول المالك مع يمينه.
وكذلك: لو قال العامل: أنا رددت، وقال المالك: بل عاد العبد بنفسه: فالقول قول المالك مع يمينه، وكذلك: لو رد أحد عبديه، فقال المالك: شرطت لك الجعل على رد العبد الآخر، فقال العامل: بل على هذا العبد: فالقول قول المالك مع يمينه.
ولو قال العامل: شرطت لي في رد أحدهما، وقال: بل في ردهما، قال الشيخ﵀- وجب أن يتحالفا.
[ولو اختلفا] في مقدار الجعل، فقال العامل: شرطت لي عشرة، فقال: بل خمسة:
[ ٤ / ٥٦٦ ]
يتحالفان، ثم يجب للعامل أجر المثل؛ كما لو اختلفا في الإجارة في قدر الأجرة.
ويجوز لكل واحد من المتعاقدين فسخ العقد قبل الشروع في العمل، أما بعد الشروع في العمل- نُظر: إن أراد العامل الفسخ: له ذلك؛ لأنه يحبس بحقه.
فإذا فسخه: لا يستحق شيئًا لما عمل، وهل يجوز للجاعل الفسخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه عقد جائز من الجانبين، كما قبل الشروع في العمل، وإذا فسخ: لا شيء للعامل.
والثاني: ليس له ذلك، إلا أن يضمن للعامل أجر ما عمل؛ لأنه يبطل بفسخه حقه فيما عمل.
ويجوز الزيادة والنقصان في الجعل قبل العمل.
فإن قال: من رد عبدي- فله عشرة؛ ثم قال: من رده فله دينار، فمن رده يستحق الدينار لا العشرة.
وإن قال: من رد عبدي فله عشرة، ثم قال: من رده فله خمسة، فمن رده يستحق الخمسة.
ولو قال: من رد عبدي- فله كذا، فكان في يد رجل، فرده: يستحقه، إن كان يحتاج في رده إلى مؤنة، فإن كان شيئًا خفيفًا لا مؤنة في رده: لا يستحق شيئًا.
ولو قال: من دلني على عبدي- فله كذا، فدله رجل دلالة تحتاج إلى مؤنة: يستحق، فإن كان في يده: لا يستحق شيئًا.
ولو قال: من أخبرني- فله كذا، فأخبره رجل: لا شيء له؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى عمل، والله أعلم.
باب التقاط المنبوذ
روي عن ابن شهاب عن ستين أبي جميلة، أنه وجد منبوذًا، قال: "فجئت به إلى عمر بن الخطاب﵁- فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة فقال: وجدتها ضائعة، فأخذتها، فقال عريفه: يا أمير المؤمنين: إنه رجل صالح!! فقال: كذلك فقال نعم، فقال
[ ٤ / ٥٦٧ ]
عمر﵁- اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته".
اللقيط والمنبوذ: هو الصغير الذي يوجد منبوذًا مطروحًا؛ فيلتقط، فإذا وجد صغيرًا بهذه الصفة: لا يجوز تضييعه، ويجب على عامة المسلمين أخذه والتكفل به، وهو فرض على الكفاية، فإذا قام به بعضهم: سقط الفرض عن الباقين.
وما على اللقيط من الثياب والدراهم المشدودة عليه، والحلي الذي عليه، والفراش الذي تحته، والدنانير المصبوبة تحت فراشه، أو كان على دابة أو بقربه دابة، وعنانها بيده، أو مشدودة على وسطه، أو كان في دار ليس فيها غيره: فكلها تكون له؛ كما أن [ما في يد البالغ] يكون محكومًا له به في الظاهر، وإن كان بقربه دابة ترعى أو مربوطة، أو ثياب، [أو متاع] موضوع، هل يحكم له بها؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يحكم له بها، بل هي لقطة؛ كما لو كانت بعيدة عنه؛ لأنه لا يد له عليها.
والثاني: يحكم له بها؛ لأن الإنسان قد يترك ماله بقربه؛ كالذين يبيعون في الأسواق، وتكون أمتعتهم بين أيديهم، وهي لهم.
وإن كان تحته دراهم مدفونة: لا يحكم له بها؛ فإن من جلس على أرض، وتحته دفين: لا يحكم له به؛ ولكنها إن كانت في موات، وهي بضرب الجاهلية: فهي ركاز، وإن كان بضرب الإسلام، أو في طريقة: فلقطة، وقال الشيخ القفال﵀: ليست بلقطة؛ بل هي بالدفن كالإبل الممتنعة: يدفعها إلى الإمام، وإذا أخذ اللقيط: هل يجب الإشهاد عليه وعلى ما معه؟ قيل: فيه وجهان؛ كما ف ياللقطة.
وقيل وهو الأصح: يجب وجهًا واحدًا؛ لأن اللقطة مال، والإشهاد في المال مستحب؛ كالإشهاد على البيع والإجارة، وفي اللقيط: يراد حفظ حريته ونسبه، وفي مثله: يجب الإشهاد؛ كعقد النكاح: يجب فيه الإشهاد.
ثم إن كان الملتقط مسلمًا حرًا عدلًا مقيمًا: يقر اللقيط في يده، وهو أولى بحفظه وحفظ ماله من غيره، ولا يحتاج في الإمساك إلى إذن الحاكم.
وقيل: يحتاج في إمساك المال إلى إذنه، وتكون نفقة اللقيط وحضانته في ماله، إن كان معه مال، ولا يجوز للملتقط أن ينفق عليه من ماله بغير إذن الحاكم؛ فإن فعل: كان ضامنًا؛
[ ٤ / ٥٦٨ ]
لأنه لا ولاية له عليه إلا الكفالة، فإن دفع الأمر إلى الحاكم: يأخذ الحاكم [ماله]، ويضعه عند أمين: يأمره بالإنفاق عليه بالمعروف، فإن قتر: منعه الحاكم من التقتير، وإن أسرف: فقرار الضمان على الملتقط؛ لأن الهلاك على يده، والأمين يكون طريقًا في وجوب الضمان عليه، فإن أقر الحاكم المال في يد الملتقط، وأمره بالإنفاق عليه: نص في "اللقيط" على جوازه، ونص في الضالة: إذا أمر الحاكم الواجد بأن ينفق عليها من مال نفسه: لا يجوز حتى يأخذ المال، فيدفعه على أمين: يدفع إليه بالمعروف، واختلف أصحابنا فيه، منهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الإنسان لا يجوز أني كون أمينًا فيما يقبض من نفسه لغيره؛ كما لا يكون وكيلًا لصاحب الحق في القبض من نفسه.
الثاني: يجوز؛ لأنه أمين على الطفل؛ فيجوز أن ينفق عليه مما في يده من ماله؛ كالوصي؛ ينفق على الصبي من ماله.
ومنهم من فرق بينهما على ظاهر النص، وقال في الضالة: لا يجوز؛ لأنه ينفق الواحد عليها- من مال نفسه؛ فلا يكون أمينًا فيما يجب له من الضمان، وهي اللقيط: ينفق عليه من مال اللقيط، وليس غير الملتقط أولى بذلك من الملتقط، ولأن اللقيط لا ولي له في الظاهر؛ فجاز أن يجعل الواجد وليًا له، وأما الضالة: فلها ولي، وهو مالكها، وربما يكون رشيدًا لا يولى عليه؛ فلم يجز أني كون أمينًا في الإنفاق عليها، وإن لم يكن هناك حاكم- ففيه قولان:
أحدهما: ينفق عليه بنفسه، ويشهد عليه؛ لأنه موضع ضرورة، فإن لم يشهد: ضمن.
والثاني: لا؛ بل يضعه عند أمين: ينفق عليه بالمعروف، فإذا بلغ اللقيط، واختلفا في قدر ما أنفق: فالقول قول الملتقط مع يمينه؛ إن كان ما يدعيه قصدًا.
وأما إذا لم يكن للقيط مال: تكون نفقته في بيت المال؛ لما روي عن عمر بن الخطاب﵁- أنه استشار الصحابة في نفقة اللقيط، فقالوا: في بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال مال، أو كان، ولكن يحتاج إلى صرفه إلى ما هو أهم: من قتال عدو هجمهم أو نحوه: ففيه قولان:
أحدهما: نفقته وحضانته على عامة المسلمين: يخرجها الإمام على أهل الثروة من أهل البلد على قدر يسارهم ويعد نفسه فيهم، فإن امتنعوا: عصوا وقوتلوا عليه؛ كالفقير الزمن والمجنون الذي لا مال له: يكون القيام بنفقته على عامة المسلمين.
[ ٤ / ٥٦٩ ]
والقول الثاني: يستقرض الإمام على اللقيط؛ كالمضطر إلى المجاعة: يأخذ مال الغير لنفقته بالعوض؛ لأن اللقيط يجوز أن يكون له مال؛ فتكون نفقته في ماله، أو يكون له قريب تكون نفقته على قريبه من الوالدين والمولودين، وقد يكون عبدًا؛ فتكون نفقته على مولاه، فإن لم يجد رجلًا بعينه يقرضه: قسطه الحاكم على أهل القرية قرضًا، ثم إن ظهر في بيت المال مال قبل بلوغ اللقيط: يؤدى ذلك القرض من بيت المال، وإن لم يظهر حتى بلغ: فيكون في ذمة اللقيط، فإن ظهر له مال: يؤدى منه، وإن لم يظهر، وله كسب: يؤدي- من كسبه، فإن لم يكن: فيؤدي الإمام من سهم المساكين والغارمين من مال الصدقات، وإن لم يكن: فهو في ذمة اللقيط إلى أن يجد، وإن بان عبدًا: أخذ من مولاه.
ولو أمر الحاكم الملتقط حتى يستقرض، فينفق عليه: يجوز، ولو أمره بالإنفاق عليه من مال نفسه؛ ليرجع: ففيه قولان؛ كما في الضالة، وإن كان الملتقط غير أمين: لا ينزل اللقيط في يده، بل ينتزع منه، ويكون عند أمين؛ وإن كان ظاهره الأمانة، ولم يختبر أمانة باطنه، فتركناه في يده، وأراد أن يسافر به: ينتزع من يده؛ لأنه لا يؤمن أن يسترقه؛ فإن كان مأمونًا: ترك في يده، وإن كان الملتقط عبدًا: ينزع من يده؛ لأن منافعه لغيره؛ فلا يتفرغ لحضانته، وإن أذن له السيد، أو علم، فأقره في يده ترك في يده؛ كما لو التقطه السيد وسلم إلى عبده ليربيه، وإن كانت امرأة: ترك في يدها؛ لأنها أهدى إلى الحضانة.
وإن كان الملتقط ذميًا، والدار دار الإسلام، يسكنها المسلمون: ينزع منه؛ لأنه محكوم بالإسلام؛ فلا يترك في يد كافر، وإن قل فيها المسلمون.
وإن كانت الدار دار المسلمين، ويسكنها المشركون، وهو قسمان:
أحدهما: أن يفتح المسلمون بلدًا من بلاد الشرك، وملكوها، وأقروا أهلها فيها، فإذا وجد فيها لقيط- نظر:
إن كان فيها مسلم واحد: فاللقيط محكوم بالإسلام، وإن لم يكن فيها أحد من المسلمين: فهو محكوم بالكفر.
والقسم الثاني: أن يكون الدار دار الإسلام في الأصل، فانجلى أهلها، وغلب عليها الكفار، فسكنوها: فإذا وجد فيها لقيط، وليس فيها أحد من المسلمين قال أبو إسحاق- رحمه
[ ٤ / ٥٧٠ ]
الله: محكوم بالإسلام لأن أصل الدار للمسلمين، ويحتمل أن يكون فيها مسلم مختف، وهذا منه.
والمذهب: أنه محكوم بالكفر؛ كالقسم الأول.
وإن كانت الدار دار أهل الشرك- نُظر: إن لم يكن فيها مسلم: فاللقيط محكوم بالكفر، وإن كان فيها مسلمون أسارى وتجار: ففيه وجهان:
أحدهما: يحكم بكفره؛ تبعًا للدار.
والثاني: يحكم بإسلامه؛ لاحتمال أن يكون من مسلم، فيغلب حكم الإسلام، فكل موضع حكمنا بإسلام اللقيط: فإذا التقطه كافر- ينزع منه.
وإن كان الذي أخذ اللقيط بدويًا- نُظر.
إن وجده في مصر أو قرية، وأراد الملتقط الإقامة في الموضع الذي وجد فيه: يقر في يده، وإن أراد الرجوع إلى البادية، وحمله مع نفسه: لا يترك، وينتزع منه؛ لمعنيين:
أحدهما: لأن الذي ضيعه ربما يطلبه في موضعه، فنقله يؤدي إلى ضياع نسبه.
والثاني: لأن البلد أرفق بالصبي، وفي نقله إلى البادية مشقة عليه.
وإن كان الملتقط غريبًا، أراد نقله إلى بلد آخر: فالمذهب: أنه ينتزع منه؛ لما في نقله من ضياع نسبه، وعلى المعنى الثاني: يترك في يده؛ لأن رفق البلد في حقه حاصل، وإن وجده في بادية- نظر:
إن كان الواجد حضريًا أراد حمله إلى البلد: تُرك في يده؛ لأن في ذلك مصلحة له، وإن كان بدويًا، فأراد المقام [في البادية] نظر:
إن كان له موضع رائب يأوي إليه: ترك في يده؛ لأنه كالمصر في حقه- وإن لم يكن له موضع رائب؛ لكنه من أهل النجعة؛ ينتقل- من مكان إلى مكان-: ففيه وجهان:
أحدهما: ينتزع منه؛ لأن في نقله من مكان إلى مكان ضياع نسبه.
والثاني: يترك في يده؛ لأن أطراف البادية في حقه كالبلد.
[ ٤ / ٥٧١ ]
ولو وجد اللقيط رجلان: نظر: إن استوت حالتهما بأن كانا مسلمين حرين أمينين مقيمين: قال أبو إسحاق﵀-:
إن كانا موسرين: فهما سواءٌ؛ يقرع بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فمن خرجت قرعته: يسلم إليه، وإن كان الآخر خيرًا له، إذا لم يكن هذا مقصرًا عما فيه صلاحه، سواء كانا رجلين أو امرأتين، أو أحدهما امرأة؛ لأن المرأة تكون أهدى إلى الحضانة.
ولا يترك في أيديهما، لأن اجتماعهما على حفظه غير ممكن، ولأن الحضانة لا تتبعض، ولا توضع على المهايأة، لأنه إذا ألف أحدهما يشق عليه مفارقته، وتختلف عليه الأخلاق والأغذية، فيتضرر به، ولا يسلم إلى ثالث؛ لأن الحق ثبت لهما؛ فلا ينقل إلى غيرهما، ولا يخير الصبي، وإن كان له سبع سنين، فأكثر؛ بخلاف الصبي فيالحضانة؛ فإنه يخير بين الأبوين بعد سبع سنين.
وقيل: الأم أولى به؛ لأن أمره يدور على الشفقة بالولادة والتربية، ويؤثر ذلك في ميل القلب، وهذا معدوم في اللقيط، وليس كاللقطة: يجدها رجلان حيث قلنا: تقر في أيديهما، فيعرفانها ويملكانها؛ لأن طريقها طريق الكسب وتملك المال؛ وذلك يتبعض بخلاف الحضانة.
فإن ترك أحدهما حقه: فهل ينفرد الآخر به؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ بل يرفع إلى الحاكم حتى يقره في يد الآخر؛ لأن الأول [أثبت له تلك] الولاية؛ فلا يملك بنفسه نقلها إلى غيره؛ كما لو انفرد بالتقاطه: لا يملك دفعه إلى غيره.
والثاني: وهو المذهب: ينفرد به الآخر؛ لأن الحق ثبت لكل واحد منهما؛ فإذا ترك أحدهما حقه كان للآخر كحق الشفعة، إذا ترك أحد الشفيعين حقه: أخذه الآخر كله.
فأما إذا اختلف حال الملتقطين؛ بأن كان أحدهما عبدًا أو فاسقًا: فالحر الأمين أولى به، فيقر في يده، وإن كان أحدهما مسلمًا، والآخر ذميًا؛ فإن كان اللقيط محكومًا بإسلامه: فالمسلم أولى، وإن كان محكومًا بكفره: فهما سواء، وإن كان أحدهما قرويًا، والآخر بدويًا- فكل موضع قلنا: لو انفرد البدوي بالتقاطه- لا يترك في يده: فالقروي أولى به، وإن قلنا: يترك في يده: فهما سواءٌ، وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا: ففيه وجهان:
قال أبو إسحاق- رحمة الله عليه-: الموسر أولى به؛ لأنه يكون في سعة من النفقة.
والثاني: هما سواء؛ لأن نفقته لا تكون على الملتقط حتى ينفعه يساره.
[ ٤ / ٥٧٢ ]
فصل في جناية اللقيط
والكلام فيه في فصلين: في جنايته، وفي جناية غيره عليه.
أما اللقيط إذا جنى- نظر:
إن جنى خطأ: تكون الدية في بيت المال؛ لأنه لا عاقلة له، وماله إذا مات مصروف إلى بيت المال إرثًا؛ فيكون أرش جنايته في بيت المال.
وإن جنى عمدًا: فإن كان بالغًا- فعليه القصاص، وإن عفي على الدية: فالدية في ماله، وإن كان مراهقًا: فلا قصاص عليه، بل تجب الدية، وفيه قولان:
أحدهما: عمده خطأ؛ بدليل أنه لا يجب عليه القصاص.
والثاني: عمده عمد؛ لأن القصد يتم منه، وإن لم يجب القصاص؛ لعدم التكليف.
فإن قلنا: عمده خطأ: فتكون الدية مخففة في بيت المال، وإن قلنا: عمده عمد: فتكون مغلظة في ماله، إن كان له مال، وإن لم يكن له مال: فتكون في ذمته إلى أن يجد المال.
أما إذا جني على اللقيط- نظر: إن قتل خطأ: تؤخذ الدية من عاقلة القاتل؛ فتوضع في بيت المال، ولا تكون للملتقط؛ لأن الولاء لا يثبت لغير المعتق، وإن قتل عمدًا- فهل للسلطان استيفاء القصاص؟ فيه قولان:
إن جعلناه كالوارث المتعين: يستوفي القصاص؛ وإلا يأخذ الدية، ويجعلها في بيت المال، وإن جني على طرفه: فإن كان خطأ: يأخذ وليه الدية، وينفق عليه، وإن كان عمدًا: فإن كان اللقيط صغيرًا عاقلًا: فليس لوليه أن يقتص، ولا أن يعفو وإن كان اللقيط معسرًا، [بل يؤخر] حتى يبلغ، فيقتص أو يعفو، وإن كان اللقيط مجنونًا- نظر: إن كان موسرًا: لا تؤخذ الدية، وينتظر إفاقته؛ كما ينتظر بلوغ الصبي، وإن كان معسرًا: فللإمام أن يأخذ الدية، وينفق عليه؛ لأنه ليس لإفاقته أوان منتظر؛ بخلاف الصغير العاقل: فإن لبلوغه أوانًا منتظرًا؛ فينتظر بلوغه، فإذا عفا الإمام وأخذ الدية، ثم أفاق المجنون، ولم يرض به: هل له أن يرد الدية ويقتص؟ فيه وجهان:
ولو قذف اللقيط محصنًا دون البلوغ: يجب عليه الحد، ولو قذفه رجل بعد البلوغ: يجب على القاذف الحد، ولو اختلفا أو قذف مجهول النسب، فاختلفا: فقال القاذف: أنت
[ ٤ / ٥٧٣ ]
رقيق، فقال: بل أنا حر، أو جنى عليه رجل، ثم ادعى الجاني: أنه عبد، وقال: بل أنا حر: ففيه قولان:
أحدهما: القول قول المقذوف، والمجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل من في دار الإسلام: على الحرية.
والثاني: القول قول القاذف والجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته عن الحد والضمان، ولا ولاء لأحد على اللقيط؛ لأن النبيﷺ- جعل الولاء للمعتق، وروي عن عمر بن الخطاب﵁- أنه جعل ولاء اللقيط للملتقط".
فصل: في التداعي
وفيه ثلاثة فصول:
أحدها: في دعوى الالتقاط.
والثاني: في دعوى النسب.
والثالث: في دعوى الرق.
أما الأول: إذا تنازع رجلان في لقيط، فقال كل واحد: أنا التقطته- نظر: إن كان اللقيط في يد أحدهما، والآخر يدعي أنه غصبه مني: فالقول قول من في يده مع يمينه، وإن أقام الآخر بينة: أه كان في يدي انتزعه مني: دفع إليه، وإن لم يكن في يد واحد منهما: فلا حكم لدعواهما، بل الأمر فيه إلى الحاكم: يجعله في يد ثقة؛ إما واحد منهما أو غيرهما، وإن كان في أيديهما جميعًا: فإن خلفا أو نكلا أقرع بينهما كما لو التقطا معًا.
وقيل: الحاكم يقره في يد أحدهما، ولا يسلمه إلى ثالث؛ لأن لهما عليه يدًا؛ فلا يبطل ذلك، ولا يجوز تقريره في أيديهما جميعًا؛ لأن فيه إضرارًا باللقيط.
فإن حلف أحدهما: كان عند الحالف.
وإن أقاما أحدهما بينتين: فبينه ذي اليد أولى، فإن لم يكن في يد واحد منهما، وكان في أيديهما- نظر: إن كانت البينتان مطلقتين أو مؤرختين بتاريخ واحد، أو إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة: فهما متعارضتان.
فإن قلنا: تسقطان: فهو كما لو لم تكن لواحد بينة.
وإن قلنا: تستعملان: فلا يأتي قول القسمة، ولا الوقف، ويأتي قول القرعة؛ فيقرع
[ ٤ / ٥٧٤ ]
بينهما، ويسلم إلى من خرجت له القرعة، وإن كانت البينتان مؤرختين بتاريخين مختلفين بأن أقام أحدهما بينة أنه التقطه منذ شهر، والآخر أقام بينة أنه التقطه منذ عشرة أيام: يحكم لمن سبق تاريخه؛ بخلاف المال: لا يحكم فيه بسبق التاريخ، على أصح القولين؛ لأن مبنى أمر المال على التنقل، فإذا استويا في الملك والمال: لا يرجح بالسبق، والحضانة في أمر الملتقط ليست على التنقل، بل إذا ثبت لواحد: لا تنقل إلى غيره إلا بحكم حاكم، فكان السابق أولى؛ وكذلك: لو أقام من في يده البينة، وأقام الآخر بينة؛ أنه كان في يدي انتزعه مني: تقدم بينة من يدعي الانتزاع.
فصل في دعوى النسب
أما دعوى النسب؛ إذا ادعى حر مسلم نسب اللقيط: يلحق به سواء ادعاه الملتقط أو غيره، سواء كان المدعي من ذلك البلد أو غريبًا؛ حتى لو ادعى عربي نسب لقيط في ديار العجم، أو رومي ادعى نسب لقيط في ديار الهند: يلحق به، ثم إن ادعاه غير الملتقط يؤخذ من اللقيط، ويسلم إليه؛ لأن الوالد أحق بكفالة الولد من غيره.
ولو ادعى رجلان نسبه: يرى القائف: فبأيهما ألحقه: دفعه إليه، ولا يرجح باليد والالتقاط؛ لأن اليد لا تدل على النسب.
ولو ادعاه الملتقط، ثم جاء آخر وادعاه: يرى مع الثاني القائف، فإن نفاه عنه: فهو للأول، وإن ألحقه بالثاني: يرى مع الملتقط، فإن نفاه عنه: كان للثاني، وإن ألحقه بهما، أو لم يلحق بواحد منهما، أو لم يكن قائف: يترك حتى يبلغ اللقيط فينتسب إلى من يميل طبعه إليه؛ فيلحق به، ولا حكم للانتساب قبل البلوغ، وعليهما نفقته؛ لأن كل واحد يقول: أنا أبوه، فإذا بلغ وانتسب إلى أحدهما: رجع الآخر عليه بما أنفقه، فإن انتسب إلى أحدهما، ثم وجد القائف: يرى القائف: فإن ألحقه القائف بالآخر: يقدم قول القائف؛ لأنه بمنزلة الحاكم والانتساب نوع تشه فإن ألحقه القائف بأحدهما، ثم أقام الآخر بينة: يلحق بمن أقام البينة؛ لأن البينة حجة والقيافة ظن، فلو انتسب إلى أحدهما عند عدم القائف، ثم رجع إلى الثاني: لا يقبل.
وكذلك: لو ألحقه القائف بأحدهما، ثم رجع، وألحقه بالآخر: لا ينقل إليه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وإن أقام كل واحد بينة: يسقطان، ولا يأتي قول استعمال البينتين ههنا؛ لأن قسمة الولد لا تمكن؛ وفي الوقف إضرار، ولا مدخل للقرعة في النسب.
[ ٤ / ٥٧٥ ]
ولو ادعى نسبه كافر: يلحق به، ولو تنازع في نسبه مسلم وذمي: يرى القائف، فإن أقاما بينتين: لا ترجح بينة المسلم، ثم إذا ألحقناه بالكافر نسبًا: فهل يلحق به دينًا؟ قال الشافعي﵁- أحببت أن أجعله مسلمًا في الصلاة عليه، وأن آمره بالإسلام، إذا أبلغ بغير إجبار؛ فهذا يدل على أنه لم يحكم بإسلامه، وقال في "كتاب الدعوى": نجعله مسلمًا: اختلف أصحابنا فيه.
قال أبو إسحاق: ﵀- هو الأصح: المسألة على اختلاف الحالين: فإن أقام الكافر بينة: ألحق به نسبًا ودينًا؛ لأنه ثبت بالبينة أنه ولد على فراشه، والمولود على فراش الكافر: يكون كافرًا، وإن لم يقم بينة: يلحق نسبًا، ولا يلحق به دينًا؛ لأنه محكوم بإسلامه بظاهر الدار: فلا يبطل ذلك بدعوى الكافر.
ومنهم من قال: إن أقام بينة: يلحق به نسبًا ودينًا، وإن لم يقم: فعلى قولين.
والأول أصح.
فحيث قلنا: يلحق به دينًا: يستحب أن يسلم إلى مسلم احتياطًا.
وإذا عقل الصبي، وكان يصف الإسلام قبل بلوغه: يمنع الذمي من أن يدعوه إلى دينه، فإن بلغ وامتنع من الإسلام: يخوفه رجاء أن يسلم، فإن لم يفعل، وأصر على الكفر: لا يجعله مرتدًا؛ لأن إسلامه في حال الصغر غير صحيح.
ولو ادعى نسب اللقيط عبد أو معتق: المذهب: أنه يلحق به؛ لأن ما ثبت به النسب في حق الحر: ثبت في حق العبد؛ كالنكاح ووطء الشبهة.
وفيه قول آخر: أنه لا دعوة للعبد؛ لأن فيه إضرارًا بالسيد، وهو قطع الميراث عنه بسبب الولاء في حق العتق، وفي حق العبد، لو أعتقه.
ولو ادعاه حر وعبد، فإن قلنا: لا دعوة للعبد: يلحق بالحر، وإن قلنا: له دعوة: فهما سواء؛ يرى القائف.
ولو أقاما بينتين: لا ترجح بينة الحر على بينة العبد، بل حكمه حكم الحرين إذا أقاما البينة: لا يختلف القول فيه، وإذا ألحقناه بالعبد: لا نجعله رقيقًا؛ [لأن أمر الرق لا يدور] على الأب.
ولو ادعت امرأة نسب اللقيط أو نسب مجهول: ففيه ثلاثة أوجه:
[ ٤ / ٥٧٦ ]
أحدها: يقبل؛ كالرجل.
والثاني: لا يقبل؛ وهو ظاهر النص إلا ببينة تقيمها؛ لأنه يمكنها إقامة البينة على خروج الولد منها؛ بخلاف الرجل؛ فإنه لا يمكنه إقامة البينة على ولادته من طريق المشاهدة.
والثالث: إن كانت ذات زوج: لا يقبل؛ لأن إقرارها يتضمن إلحاق النسب بالزوج، وإن لم تكن ذات زوج: يقبل، فإن قلنا: يقبل، وكان لها زوج: فهل يلحق بالزوج؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلحق إلا أن ينفيه باللعان.
والثاني: لا يلحق به ما لم يقر، كما لو أتت بولد، فقالت: ولدته، وقال الزوج: بل التقطته: لا يلحق به، والقول قوله مع يمينه في نفيه عن نفسه.
أما إذا أقامت المرأة بينة عليه: يلحق بها وبالزوج إلا أن ينفيه باللعان.
ولو ادعته امرأتان، ولا بينة لواحدة منهما؛ إن قلنا: لا دعوة للمرأة: فدعواهما ساقطة، وإن قلنا: لهما دعوة: إذا لم تكن ذات زوج: فإن كانت إحداهما ذات زوج: ألحق بالأخرى، وإن استويا، أو أقامتا بينتين: فهل يرى الولد معهما للقائف؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلي؛ كما في حق الرجلين.
والثاني: لا يحكم بقول القائف في نسب المرأة؛ لأنه يمكنها إقامة البينة على حصول الولد منها؛ فلا معنى للرجوع إلى القيافة والظن:
فإن قلنا: يحكم بقول القائف؛ فإذا ألحقه القائف بأحدهما: يلحق زوجها إلا أن ينفيه باللعان، وإذا ادعت أمة نسبه: فهي كالحرة، إذا قلنا: للعبد دعوة، فإذا حكمنا بالنسب: هل يحكم بالرق لمولاها.
قال الشيخ﵀- فيه وجهان؛ كما لو شهد الشهود: أنه ولد أمته: فكل موضع حكمنا بثبوت نسب اللقيط من رجل بدعواه، وكان اللقيط صغيرًا أو مجنونًا، فبلغ أو أفاق، وأنكر نسبه: هل يقبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنا حكمنا بثبوت نسبه؛ فلا يبطل.
والثاني: يقبل؛ لأنا حكمنا به حين لم يكن له قول، والآن: صار من أهل القول، فيقبل قوله؛ كما لو ادعى نسب بالغ، فأنكر: لا يثبت.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
أما الكلام في دعوى الرق.
إذا ادعى رجل رق اللقيط؛ سواء ادعاه الملتقط أو غيره: لا يقبل إلا ببينة؛ لأن أصل الناس على الحرية؛ بخلاف ما لو كان في يد إنسان صغير، لم ير حدوث يده عليه، يدعي رقه: يحكم له بالرق؛ لأن الأصل أن ما في يده ملكه؛ فلو شهد الشهود: أنه كان في يده قبل التقاط الملتقط: يقبل، ثم إذا ادعى المشهود له باليد رقه: يقبل؛ لأنا لم نر حدوث يده عليه.
قال الشيخ﵀-: وكذلك: لو أقام الملتقط البينة أنه كان في يده قبل الالتقاط، ثم ادعى رقه: يقبل، فلو أقام من يدعي رق اللقيط بينة شهدت أنه ملكه ولدته أمته، أو شهدت أنه ولدته أمته في ملكه: حكم له بالملك، ولو شهدت أنه ولدته أمته: ففيه قولان:
أحدهما: يحكم له بالملك؛ لأن الظاهر أنه ولد أمته في ملكه.
والثاني: لا يحكم؛ لأنها قد تلد في ملك الغير، ثم يشتري هو الأم دون الولد، ويقبل فيه شهادة رجل وامرأتين؛ لأنه شهادة على ملك اليمين، فلو شهد أربع نسوة على أنه ولدته أمته، وقلنا: بالشهادة على ولادة الأمة من غير أن يتعرض- للملك-: يثبت الملك: فههنا: تثبت الولادة بشهادتهن، ويثبت الملك في ضمنه؛ كما لو شهدت على الولادة: يثبت النسب في ضمنه؛ ولو شهدت على أنه ملكه، ولدته أمته: ذكر شيخي﵀- أنه يثبت، وذكر الملكلا يمنع قبول الشهادة على الولادة، ثم الملك يثبت ضمنًا، وإن كان الملك لا يثبت بشهادتهن صريحًا، ولو شهد الشهود للملتقط: أن اللقيط عبده أو ملكه، ولم يتعرضوا للولادة- نظر:
إن بينوا سبب الملك، فقالوا: ورثه أو اشتراه أو اتهبه يقبل، وإن أطلقوا: ففيه قولان:
أحدهما: يقبل؛ كما لو شهدوا له بملك مال آخر: يقبل، فإن لم يبينوا سببه.
والثاني: وهو الأصح: لا يقبل؛ لأنهم قد يشهدون له بثبوت يده عليه بالالتقاط، ويد الالتقاط لا يدل على الملك، ولو كان المدعي غير الملتقط، فأنكر الملتقط، وحلف أنه ملكه: هل يحكم له بالملك باليمين مع اليد- فعلى قولين:
فغن كان في يد إنسان صبي، لم ير حدوث يده عليه، يدعي رقه- يحكم له بالملك؛ سواء كان الصبي طفلًا أو مراهقًا، يقر بالرق أو ينكر؛ لأنه لا حكم لقوله، فلو بلغ الصبي وأقر بالرق لغير من في يده: لا يقبل، وإن ادعى أنه حر: هل يقبل؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يقبل؛ لأنا حكمنا برقه في الصغر؛ فلا يبطل؛ غير أن له تحليف السيد.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
والثاني: يقبل قوله إلا أن يقيم السيد البينة على رقه؛ لأنا حكمنا برقه حين لم يكن له قول، فإذا صار من أهل القول: كان القول قوله؛ كما لو ادعى رق بالغ: لا يقبل إلا ببينة أو بإقرار من المدعى عليه.
نظيره: ما ذكرنا فيما لو ادعى نسب صغير، وحكمنا به، فبلغ، وأنكر- فهل يقبل؟ فيه وجهان:
وأصله الصبي الذي حكمنا بإسلامه تبعًا لأحد أبويه أو للسابي، فبلغ وأعرب عن الكفر: هل يجعل مرتدًا أم يكون كافرًا أصليًا؟ فيه قولان.
وقيل: إذا كان الصبي مراهقًا ينكر الرق: فإذا بلغ وادعى أنه حر: يقبل وجهًا واحدًا.
والصحيح: أنه كالطفل.
وإذا ادعى نكاح صغيرة في يده:
قال ابن الحداد: يقبل؛ كالرق.
وقال غيره: لا يقبل؛ بخلاف الرق؛ لأن هناك يدعي ملك رقبته، ويده عليها ثابتة وفي النكاح: [يدعي] ملك نصفها، واليد لا تثبت على منفعة البضع.
فصل في إقرار اللقيط بالرق
لا خلاف أن اللقيط، إذا قامت بينة على رقه: يحكم به، وتنقض جميع تصرفاته، ويسترد ما أعطي من الميراث والزكاة وما أنفق عليه من بيت المال، أو أعطي في جنايته، وتُباع رقبته في جميعها، إلا أن يفديه المولى.
ولو بلغ اللقيط، فباع واشترى، وتصرف، ونكح على حكم الأحرار، ثم أقر على نفسه بالرق لإنسان- نظر:
إن كان قد تقدم منه إقرار بالحرية: لا يقبل إقراره بالرق؛ لأنه لزمه أحكام الأحرار بالإقرار السابق في العبادات والمعاملات؛ فلا يقبل إقراره في إسقاطها، وإن لم يتقدم منه
[ ٤ / ٥٧٩ ]
إقرار بالحرية- لا يخلو: [إما إن صدقه] المقر له أو كذبه؛ فإن صدقه، أو ادعى المدعي ابتداء رقه، وصدقه اللقيط: قال الشافعي﵀-: ألزمته ما لزمه قبل إقراره، وفي إلزامه الرق قولان، اختلف أصحابنا فيه على طريقين:
فمنهم من قال: في أصل قبول إقراره قولان:
أحدهما: لا يقبل إقراره؛ لأنه محكوم بحريته بظاهر الدار، وقد لزمته حقوق؛ فهو بإقراره يريد إسقاطها عن نفسه؛ فلا يقبل، كما لو أقر بالرق بعدما أقر بالحرية على نفسه: لا يقبل بالاتفاق.
والثاني: يُقبل؛ لأنا حكمنا بحريته من حيث الظاهر؛ فيجوز أن يتغير حكمه بالإقرار؛ كمن حكمنا بإسلامه تبعًا للدار، ثم بلغ وأعرب عن الكفر: كان كافرًا أصليًا؛ على الأصح؛ فهو كما لو قامت بينة على رقه: يحكم برقه، وتبطل تصرفاته.
ومن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: يقبل إقراره بالرق قولًا واحدًا، ويكون حكمه في المستقبل حكم الأرقاء، وهل يقبل فيما [ضر غيره من الأصل فيما] له وعليه، وتبطل جميع تصرفاته أم يقبل فيما ضره، ولا يقبل فيما ضر غيره؟ فيه قولان:
وقوله: "وفي إلزامه الرق قولان" أراد: في إلزامه أحكام الرق قولان:
أحدهما: يقبل إقراره في الكل؛ كما لو قامت بينة على رقه؛ لأن التهمة قد انتفت عن إقراره؛ فإن الغالب: الإنسان لا يرق نفسه لضرر يلحق الغير؛ كالعبد: إذا أقر على نفسه بالقصاص يقبل، وإن كان في إقراره إبطال حق المولى.
والقولى الثاني: يقبل إقراره فيما ضره، ولا يقبل فيما ضر الغير، وهو الأصح؛ كما لو أقر بمال عليه وعلى غيره، يقبل إقراره فيما عليه، ولا يقبل فيما على غيره.
وبيان التفريع على القولين: إن قلنا [على القول] الأول: إنه يقبل إقراره من الأصل فيما له وعليه، فإن كان قد باع شيئًا: فبيعه باطل، وإن كان المبيع قائمًا في يد المشتري: أخذه المقر له، وإن كان هالكًا: أخذ قيمته، وإن كان العبد قد أخذ الثمن، وهلك في يده: يكون في ذمته إلى أن يعتق، وإن كان قد اشترى شيئًا: فشراؤه باطل، فإن كان ما اشترى قائمًا: رده إلى بائعه، وإن كان هالكًا: يسترد الثمن من البائع، وقيمة المبيع في ذمة العبد للبائع إلى أن يعتق، ولا يعطي مما في يده، وإن كان قد نكح: فنكاحه فاسد؛ لأنه نكح بغير إذن
[ ٤ / ٥٨٠ ]
المولى، وإن لم يكن قد دخل بها: لا شيء عليه، وإن كان قد دخل بها: فيجب مهر المثل، ويتعلق بذمته حتى يعتق؛ على أصح القولين؛ كالعبد: إذا نكح نكاحًا فاسدًا، فوطئ، وإن كانت جارية، فزوجها الحاكم: فالنكاح فاسد؛ لأنها نكحت بغير إذن مولاها، فإن كان قبل الدخول: لا شيء على الزوج، وإن كان بعد الدخول: فعليه مهر المثل للمقر له، سواء كان قد ساق إليها المهر أو لم يسق، ثم إن كان قد ساق إليها: يسترد، إن كان قائمًا، وإن كان تالفًا: فيرجع عليها بعد العتق، وأولاده منها أحرار، وعليه قيمتهم للمقر له، ثم يرجع عليها بقيمة الولد بعد العتق، وهل يرجع بالمهر؟ فيه قولان، ويجب عليها أن تعتد بقرين؛ لأنها جارية موطوءة بشبهة النكاح.
هذا تفريع على قولنا: أن إقراره مقبول فيما له وعليه.
فأما إذا قلنا: إنه يقبل إقراره فيما ضره، ولا يقبل فيما ضر غيره: فإن كان قد باع شيئًا: لا يبطل البيع؛ لتعلق حق المشتري به، ثم المشتري: إن لم يكن دفع الثمن: دفعه إلى المقر له، وإن كان قد دفع إلى العبد: لا شيء عليه؛ لأن إقراره غير مقبول فيما ضر الغير، وإن كان قد اشترى شيئًا، ودفع الثمن: فقد تم البيع، وإن لم يكن دفع الثمن: فإن كان في يده مال حالة الإقرار: دفع الثمن منه، والفضل يكون لسيده، وإن لم يكن في يده مال: فهو كإفلاس المشتري، فإن كان المبيع قائمًا: للبائع أن يفسخ البيع، [ويسترد المبيع] إن شاء، وإن شاء أجاز.
قال الشيخ﵀-: ويباع المبيع في حقه، وإن كان المبيع هالكًا: فالثمن في ذمته، حتى يعتق؛ كما لو أفلس المشتري بالثمن بعد هلاك المبيع: يكون الثمن في ذمته حتى يوسر، وإن كان قد نكح: يحكم بانفساخ النكاح؛ لأن ضرره يعود إليه، ثم إن كان قبل الدخول: يجب عليه نصف المسمى، وإن كان بعد الدخول: فجميع المسمى؛ لأن قوله لا يقبل في إسقاط حقها، ويؤدي من مال أو كسب، إن كان له؛ وإلا فحتى يعتق، وإن كانت جارية، فزوجها الحاكم: لا يحكم بانفساخ النكاح؛ لأن فيه إضرارًا بالزوج، وللزوج الخيار بين فسخ النكاح وإجازته؛ فإن فسخ النكاح: فلا مهر عليه، إن كان قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول: يجب عليه أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى؛ لأن المسمى إن كان أقل: لا يقبل إقرارها في الزيادة عليه؛ لأنه يتضرر به الزوج.
وإن كان مهر المثل أقل: فإقرارها بالنقصان عن المسمى مقبول؛ لأنه يضرها.
[ ٤ / ٥٨١ ]
وإن كان قد دفع الصداق إليها: لا يجب عليه ثانيًا، ولو أجاز العقد: فعليه المسمى، فإن طلقها بعد الإجازة وقبل الدخول عليه: عليه نصف المسمى.
وإن كان قد ساق إليها: لا يجب عليه ثانيًا، والأولاد الذين حصلوا قبل الإقرار أحرار، ولا يجب على الزوج قيمتهم؛ لأن قولها غير مقبول فيما يضر الغير.
وإن أجاز العقد: فما حصل بعدهم من الأولاد أرقاء للمقر له؛ لأنه يطؤها على علم أنها أمة، وهو الذي جلب هذا الضرر إلى نفسه باختيار المقام معها.
وإذا طلقها الزوج بعد الإقرار: يجب عليها أن تعتد بثلاثة أقراء، ويجوز له الرجعة في جميعها، وإن مات عنها: فعليها عدة أمة: شهران وخمس ليال.
والفرق: أن عدة الطلاق حق الزوج؛ تجب لصيانة مائه؛ بدليل أنه لا يجب قبل الدخول؛ فلا يقبل إقرارها في إسقاط حق الزوج، وعدة الوفاة حق الله تعالى؛ ألا ترى أنها تجب قبل الدخول، وإقرار اللقيط مقبول فيما يسقط حقوق الله تعالى من العبادات؛ فقبل قولها في نقصان عدة الوفاة؛ لأن ضرره لا يعود إلى الغير.
قال الشيخ﵀-: وكذلك: لو أقرت بالرق في خلال عدة الطلاق: تكمل عدة الحرائر، وفي خلال عدة الوفاة: تقتصر على عدة الإماء.
وجناية هذا الشخص بعد الإقرار بالرق: كجناية العبيد، سواء جنى هو أو جني عليه.
أما الجناية قبل الإقرار- نظر؛ إن جنى هو- على إنسان عمدًا، ثم أقر بالرق: يجب عليه القصاص، سواء كان لامجني عليه حر أو عبدًا؛ على القولين جميعًا.
وإنما أوجبنا القصاص عليه، وإن كان المجني عليه عبدًا؛ لأن إقراره فيما يضره مقبول.
وإن جنى خطأ؛ فإن كان في يده مال: أخذ الأرش منه، وإن لم يكن في يده مال: تباع رقبته فيه على القولين جميعًا.
فأما إذا جنى عليه، ثم أقر بالرق- نظر: إن كانت الجناية عمدًا، وكان الجاني عبدًا: يقتص منه، فإن كان حرًا: لا يقتص منه؛ لأن قوله فيما ضره مقبول، بل هو كالخطأ.
وإن جنى عليه خطأ، ثم أقر بالرق؛ فإن قلنا: إقراره مقبول في الكل: فعلى الجاني كمال قيمته، إن كان قتلًا، وإن قطع يدًا: فنصف قيمته.
وإن قلنا: لا يقبل إقراره فيما يضر الغير: فعلى الجاني أقل الأمرين في قيمته أو الدية؛ لأن الدية: إن كانت أقل: فلا يقبل قوله في الزيادة؛ لأنه يضر الغير، وإن كانت القيمة أقل: فإقراره بالنقصان مقبول.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
هذا كله فيما إذا أقر اللقيط- أو مجهول النسب بالرق لإنسان، وصدقه المقر له: فإن كذبه المقر له: بطل إقراره، فلو أقر بعده بالرق لآخر: فالمذهب: أنه لا يقبل.
وقال ابن سريج: يقبل؛ كما لو أقر بالدار لإنسان؛ فكذبه المقر له، ثم أقر بها لآخر: يقبل، والأول هو المذهب؛ لأن إقراره الأول تقديره: أنه لا يملكه أحد سواه.
وإذا رد الأول إقراره: خرج عن أن يكون مملوكًا لأحد، ورجع إلى أصل الحرية، فصار كما لو أقر على نفسه بالحرية، ثم أقر بالرق بعده: لا يقبل، وليس كالإقرار بالدار؛ لأن برد الأول: إقراره لا يخرج الدار عن أن تكون مملوكة:
ولو أنكر المقر، ثم ادعاه بعده: لا يقبل؛ لأنه التحق بأصل الحرية بإنكاره؛ فلا يعود ملكًا له، فإن قلنا: بظاهر المذهب: أن إنكار اللقيط بالرق مقبول: فلو ادعى رجل رقه، فأنكر، ثم أقر بعده: هل يقبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنه لزمه أحكام الأحرار بالإنكار؛ كما لو أقر أنه حر.
والثاني: يقبل؛ كما لو أنكرت المرأة مراجعة الزوج إياها، ثم أقرت: قبل إقرارها، وردت إلى الزوج، وعلى هذا: لو ادعى رجل رق لقيط أو مجهول نسب، فأنكر، ولا بينة للمدعي: فهل له تحليف المدعى عليه أم لا؟ هذا يبنى على أنه لو أقر بالرق على نفسه: هل يقبل أم لا؟:
إن قلنا: يقبل إقراره؛ فللمدعي أن يحلفه؛ رجاء أن يقر به.
وإن قلنا: لا يقبل: لا نحلفه؛ لأن اليمين لطلب الإقرار، وإقراره غير مقبول، والله أعلم.
فصل في رد الآبق
إذا قال: إن رددت عبدي- فلك هذا الثوب، فرده: يستحقه، فلو تلف الثوب في يد الجاعل- نظر: إن تلف قبل الشروع في العمل؛ فإن علم وشرع في العمل: لا يستحق شيئًا؛ لأنه عمل مجانًا، وإن لم يعلمه فعمل، ورد: يستحق أجر المثل، وكذلك: لو تلف الثوب في خلال العمل: يستحق أجر المثل، ولو تلف بعد رد العبد: ماذا يجب على الجاعل؟ فيه جوابان؛ بناءً على أن الصداق في يد الزوج مضمون ضمان العقد أم ضمان اليد، وفيه قولان:
إن قلنا: ضمان العقد: يجب أجر المثل.
وإن قلنا: ضمان اليد: فقيمة الثوب.
وهذا بخلاف ما لو تلف قبل الفراغ من العمل: يستحق أجر المثل، وجهًا واحدًا؛ لأن ثم
[ ٤ / ٥٨٣ ]
لم يملك الثوب، حتى يستحق قيمته، وههنا: قد ملك، وهذا بخلاف ما لو أجر داره بثوب، فتلف الثوب في يد المستأجر بعد مضي السنة: تنفسخ الإجارة، ويجب على المستأجر أجر المثل: لأنه محض معاوضة، كما لو تلف المبيع قبل القبض بعدما قبض الثمن، وتلف: عليه رد قيمة الثمن، وهذا ليس بمعاوضة محضة؛ كالصداق.
قال الشيخ﵀-: ينبغي أن يكون هذا كالإجارة. أهـ.
تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس
وأوله: "كتاب الفرائض"
[ ٤ / ٥٨٤ ]
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء الخامس
يحتوي على الكتب التالية
الفرائض - الوصايا- الوديعة- قسم الفيء - قسم الصدقات
النكاح - الصداق - الخلع
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
[ ٥ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم