روي عن عبد الله بن عمر، قال: أعطى رسول اللهﷺ-[خيبر] اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.
المساقاة: عقد جائز؛ عند أكثر أهل العلم.
وهي: أن يدفع نخيله أو كرمه إلى رجل ليتعهده؛ على أن ما يرزق الله تعالى من الثمرة يكون بينهما على ما يتشارطان.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: لا تجوز المساقاة، وخالفه صاحباه والحديث حجة عليه.
وهل يجوز على غير النخيل والكروم من الأشجار؟ نُظر: إن لم يكن لها ساق؛ كالزروع والخضروات والبطيخ والقثاء وقصب السكر، أو كان لها ساق؛ ولكنها لا تثمر؛ كالصنوبر، والعرعر والخلاف: لا تجوز المساقاة عليها؛ لأن المساقاة إنما تجوز على شجرة تبقى سنين لها ثمرة تحصل بتعهد العامل؛ فيكون جزء منها للعامل بإزاء عمله.
أما سائر الأشجار المثمرة؛ كالتين والتفاح والكمثري والمشمش ونحوها: ففيها قولان:
قال في القديم: تجوز املساقاة عليها؛ كالنخيل والكروم.
وقال في الجديد- وهو الأصح: لا تجوز؛ بخلاف النخيل والكروم؛ لأن كل واحد منهما شجر له ثمر: تجب الزكاة في ثمرها؛ فجوزت المساقاة فيهما؛ نظرًا للمساكين، ورب المال، ولأن النخيل والكروم ثمارها عناقيد متدلية؛ فيمكن خرصها والوقوف عليها، وسائر الأشجار ثمارها متفرقة في تضاعيف الأوراق، لا يمكن خرصها والوقوف عليها.
وقيل: في الفرصاد قولان أيضًا على أوراقها؛ لأن أوراقها مقصودة؛ كثمار غيرها.
وقال بعض أصحابنا: إن كان شجرًا تقطع أغصانها في كل سنة أو سنتين؛ كالخلاف، فساقاه على أن تكون الأغصان بينهما نصفين أو أثلاثًا: يجوز على القول القديم، والمذهب: أنه لا يجوز.
وقال ابن سُريج: تجوز المساقاة في المقل؛ تخريجًا على قوله الجديد؛ لأن ثمر المقل ظاهر كثمر النخيل والكرم.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز؛ لأن لا زكاة فيها؛ كالخوخ والمشمش.
ويجوز عقد المساقاة قبل خروج الثمرة، ولا يجوز بعد خروجها وبدو الصلاح فيها؛
[ ٤ / ٤٠٣ ]
لأن المساقاة عقد [غرر]؛ جوزت على الثمرة المعدومة للحاجة إلى من يقوم بتعهدها حتى يخرج؛ فإذا خرجت: زالت الحاجة؛ فلم يجز، وهل يجوز بعد خروج الثمرة قبل بدو الصلاح؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما بعد بدو الصلاح.
والثاني: يجوز؛ لأن معظم العمل باقي.
ويشترط بيان المدة في المساقاة، فلو قال: ساقيتك مطلقًا، أو إلى سنين، ولم يبين: لم يجز.
ويجب أن يبين المدة بالسنين أو لأشهر: فإن قال: إلى أوان الجذاذ: لم يصح، ويجب أن يضرب مدة تدرك الثمرة فيها غالبًا، فإن ساقاه على ودي إلى مدة لا تثمر فيها، أو لا تثمر غالبًا: لا يصح، وإذا عمل العامل: فهل يستحق أجر المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما- وبه قال المزني: لا يستحق؛ لأنه رضي بالعمل بغير عوض.
والثاني- وهو قول ابن سريج،- رحمة الله عليه-: يستحق؛ لأن العمل في المساقاة يقتضي العوض؛ فلا يسقط برضاه كالوطء في النكاح.
وإن ساقاه إلى مدة تثمر غالبًا: صح، ثم إن لم تثمر في تلك المدة: لا يستحق شيئًا؛ كما لو قارضه ولم يربح: لا يستحق شيئًا.
وإن ساقاه إلى مدة يحتمل أن تثمر فيها، ويحتمل ألا تثمر فيها؟ ففيه وجهان:
أصحهما- وهو قول أبي إسحاق-: لا يصح؛ لأنه عقد على عوض غير موجود، وليس الظاهر وجوده؛ كما لو أسلم في معدوم إلى محل يحتمل أن يوجد فيه، ويحتمل ألا يوجد: لا يصح.
والثاني: يصح؛ لأنه يقبل من الغرر ما لا يقبله السلم؛ كالنخيل الكبار: تجوز المساقاة عليها، وإن احتمل ألا تثمر.
والأول أصح؛ بخلاف الكبار؛ لأن الغالب والأصل: أنها تثمر إلا لعارض؛ والودي بخلافه.
فإن قلنا: يصح: فإن أثمرت في تلك المدة: يستحق المشروط، وإن لم تثمر: لا يستحق شيئًا؛ كما لو ساقاه إلى مدة تثمر فيها غالبًا، فلم تثمر، وإن قلنا: لا يصح: يستحق أجر المثل، أثمرت أو لم تثمر؛ لأنه إذا كان يجوز أن تثمر: فلم يتطوع بالعمل.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
وهل تجوز المساقاة أكثر من سنة واحدة؟ فيه أقوال؛ كما في الإجارة، فإن جوزنا أكثر من سنة: وكانت الشجرة تثمر كل سنة: هل يشترط أن يبين حصته كل سنة أم يجوز أن يقول؟ على النصف، ثم يكون له نصف ثمر كل سنة: ففيه وجهان؛ كما في الإجارة، فإن جوزنا أكثر من سنة: فإذا انقضت المدة، ثم أطلعت: لا حق للعامل فيها؛ لأنها ثمرة حدثت بعد المدة، وإن انقضت المدة، وهي طلع أو بلح: تعلق بها حقه؛ لأنها حدثت في المدة، ولو ساقاه خمس سنين، وجوزنا، وشرط له ثمرة سنة بعينها: إما السنة الأولى أو الأخيرة- نُظر: إن كانت الشجرة مما تثمر كل سنة: فلا يصح؛ لأنه ربما لا تثمر إلا تلك السنة؛ فلا يكون لرب المال شيء أو ربما لا تثمر تلك السنة؛ فلا يكون للعامل شيء، أما إذا كان الشجر وديًا لا تثمر إلا بعد خمس سنين، وجوزنا على أكثر من سنة، وشرط له جزءًا معلومًا من ثمرة السنة الخامسة: جاز؛ لأنه جعل له نصيبًا من جميع الثمرة.
ويجوز العقد بلفظ "المساقاة" بأن يقول "ساقيتك نخيلي على كذا"؛ لأنه لفظ موضوع له.
ويجوز بكل لفظ يؤدي معناه؛ بأن يقول: "سلمت إليك، أو دفعت إليك نخيلي؛ لتتعهدها على كذا"، أو قال: "تعهد نخيلي على كذا".
ولا يجوز بلفظ "الإجارة"، فإن قال: ساقيتك على أن لك نصف الثمرة أجرة- جاز؛ لأن لفظ "المساقاة" قد سبق؛ فلا يضر ذكر الأجرة من بعد.
فصلٌ
فلو ساقاه نخيلًا، وبينها بياض لا يتوصل إلى سقي النخيل إلا بسقيه: يجوز أن يزارعه في البياض، ويشترط له جزءًا معلومًا من الزرع تبعًا للمساقاة؛ لأن النبيﷺ- عامل أهل "خيبر" على نصف الثمرة والزرع، والمعنى فيه: أن سقي النخيل لا يمكن بدون سقي البياض، ولا يمكن إفراد البياض بالعقد، فدعت الحاجة إلى جواز العقد عليه تبعًا، فإن كان يتوصل إلى سقي النخيل دون البياض: لا تصح المزارعة على البياض.
وهل يشترط أن يكون البياض أقل من النخيل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط؛ لأنه تبع، ولا يكون الأكثر تبعًا للأقل.
والثاني- وهو الأصح-: لا يشترط، بل يجوز، وإن كان البياض أكثر؛ لأن الضرورة موجودة في الحالتين.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
وينبغي أن يقدم لفظ "المساقاة"؛ فإن قدم لفظ "المزارعة" فقال: زارعتك على البياض، وساقيتك على النخيل على كذا: لا يصح؛ لأن التابع لا يقدم على المتبوع؛ كما لو باع بشرط الرهن، فقدم لفظ "الرهن" على البيع: لا يصح.
وينبغي أن يقول: ساقيتك على كذا، "وزارعتك" متصلًا به، فلو ساقاه، ثم بعده زارعه منفردًا: فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنها تبع، وقد جعلها مقصودًا بالإفراد؛ كما لو زارع مع غير المساقي: لا يجوز.
والثاني: يجوز؛ لأنهما حصلا لواحد؛ كما لو جمع بينهما في العقد؛ نظيره: إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح من مالك الشجرة.
وهل يحتاج إلى شرط القلع؟ فيه وجهان: الأصح: يحتاج إليه.
ولو فاوت بين العقدين في نصيب العامل؛ فإن شرط له ثلث الثمرة، وربع الزرع: هل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ لأنه بمنزلة عقدين.
والثاني: لا يجوز؛ لأنهما إذا تفاضلا- تميزًا؛ فلم يكن أحدهما تبعًا للآخر.
ولو زرع العامل البياض من غير إذن رب النخيل: يقلع مجانًا.
وقال مالك- رحمة الله عليه: إن كان البياض أقل من ثلث الحائط- دخل في العقد تبعًا، وفي المزارعة: يكون البذر على رب مال الحائط.
فلو شرط على العامل: فهي مخابرة.
وهل تجوز المخابرة؛ تبعًا للمساقاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كالمزارعة.
والثاني- وهو الأصح، وهو المذهب-: لا يجوز؛ بخلاف المزارعة؛ لأن السنة وردت بها؛ ولأن المزارعة في معنى المساقاة من حيث إنه ليس على العامل فيها إلا العمل، وفي المخابرة: يكون البذر على العامل.
ولو كان بين النخيل أو في الكروم أشجار أخر؛ كالتفاح والمشمش والسفرجل ونحوها: قلنا: لا تجوز المساقاة عليها على الانفراد، فهل تجوز تبعًا للنخيل والكرم؟
[ ٤ / ٤٠٦ ]
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تجوز كالمزارعة، ومنهم من قال: لا تجوز؛ لأن الأشجار أصول لا يتبع بعضها بعضًا؛ بخلاف البياض، فإنه ليس بأصل ينتفع به وحده؛ فكان تبعًا للأشجار، فحيث جوزنا المزارعة تبعًا للمساقاة: فلو كان في البياض زرع موجود يوم العقد: هل تجوز المزارعة عليه؟
فيه وجهان؛ بناءً على جواز المساقاة على الثمار الموجودة، وفيه قولان.
فصلٌ
ولا تصح المساقاة حتى يجعل للعامل جزءًا معلومًا من الثمار، فيقول: ساقيتك على أن لك نصف الثمرة، أو ثلثها؛ فإن قال: لك بعضها، أو جزء منها: لا يجوز؛ لأنه غير معلوم.
فإن قال: على أن الثمرة بيننا نصفان: صح، وتكون بينهما سواء، ولو قال: بيننا، ولم يزد عليه: فيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأنه يحتمل المساواة، ويحتمل التفاوت.
ولو قال: على أن لك ثلث الثمرة، ولم يقل: الباقي لي: صح، وكان الباقي لرب الحائط.
ولو قال: على أن لي ثلث الثمرة فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، ويكون الباقي للعامل.
والثاني- وهو الأصح، وبه قال المزني-: لا يصح؛ بخلاف الصورة الأولى؛ لأن ثمرة الحائط كلها لرب الحائط، فإذا بين نصيب العامل: تعين الباقي له، وإذا أضاف البعض إلى نفسه: فلا يدل على أن الباقي يكون للعامل؛ كما ذكرنا في القراض.
ولو ساقاه على ثمرة نخلة بعينها: لم يجز، [لأنها ربما لا تثمر تلك النخلة]، وكذلك: لو قال: على أن لك صاعًا من الثمرة، والباقي بيننا، أو على أن لي صاعًا والباقي بيننا: لا يصح؛ لأنه ربما لا يحصل إلا صاع؛ فلا يكون للآخر نصيب.
ولو قال: [على] أن لك الثلث، والباقي بيننا نصفان: يصح؛ كما ذكرنا في "القراض".
[ ٤ / ٤٠٧ ]
ولو قال: ساقيتك إلا على هذه النخلة: جاز وصحت المساقلق على نخيل الحائط سواها.
قلت: ولو قال: ساقيتك على هذه النخلة الواحدة: جاز؛ كما لو كان له حائطان ساقى على أحدهما: يجوز.
ولو ساقى رجلان على أن جميع الثمرة للعامل: لا يصح؛ فإذا عمل: فله أجر المثل.
ولو ساقاه على أن جميع الثمرة لرب النخيل: لا يصح أيضًا، وهل يستحق العامل أجر المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو قول المزني: لا يستحق؛ لأنه عمل مجانًا.
والثاني- وهو قول ابن سريج: يستحق.
ولو كان بين رجلين نخيل لكل واحد نصفها، فساقى أحدهما صاحبه على أن للعامل ثلثي الثمرة: جاز؛ لأن دفع إليه نصيبه؛ فساقاه على أن له ثلث نصيبه.
ولو شرط للعامل ثلث الثمرة: لا يجوز؛ لأن للعامل له نصف الثمرة بحكم الملك؛ فكأن المساقي شرط أن يعمل له العامل، ويترك إليه مع العمل ثلث نصيبه من الثمرة؛ كما في القراض.
لو كان بينهما ألفان، قارض أحدهما صاحبه، وشرط للعامل ثلث الربح: جاز، ولو شرط العامل للآخر الثلثين: لم يجز.
ثم في هذه الصورة: هل يستحق العامل في القراض والمساقاة أجر المثل؟ فعلى وجهين:
على قول المزني، وهو الأصح: لا يستحق؛ لأنه عمل مجانًا.
وعلى قول ابن سريج: يستحق.
ولو كان بينهما نخيل، فساقى كل واحد منهما صاحبه على أن يعملا معًا؛ على أن يكون لأحدهما ثلثا الثمرة، وللآخر الثلث: فهذا فاسد للاشتراك في العمل، والثمرة تكون بينهما على قدر الملكين، ثم إن استويا في العمل: لا شيء لأحدهما على الآخر؛ لأن كل واحد عمل لنفسه، وإن كان عمل أحدهما أكثر- نُظر: إن كان عمل من شرط له الزيادة أكثر: يستحق أجر مثل تلك الزيادة، وإن كان عمله أقل: فالآخر هل يستحق أجر زيادة عمله؟ فعلى الوجهين.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
ولو كانت بين رجلين نخيل، فعقد المساقاة مع رجل، وشرطا له ثلث الثمرة، أو ربع الثمرة: جاز، وإن لم يعلم العامل، كم نصيب كل واحد من الحائط؟ فإن فاوتا، فقالا: على أن لك من نصيب أحدنا الثلث، ومن نصيب الآخر الربع، ولم يبينا: أن الثلث من نصيب أيهما لم يجز، وإن بينا أن له الثلث من نصيب زيد، والربع من نصيب عمرو- نظر: إن علم العامل قدر نصيب كل واحدم ن الحائط: جاز، وإن لم يعلم: لم يجز؛ لأنه لا يدري، كم له من ثمر الحائط؟
ولو كانت النخيل لواحد، فساقى رجلين، وشرط لأحدهما نصف الثمر، وللآخر الثلث، وبين لمن النصف، ولمن الثلث: جاز، ولو كان في حائطه أنواع من الثمر: دقل وعجوة، وصيحاني، فساقى رجلًا، وشرط له نصف الكل، أو ثلث الكل: جاز، وإن لم يعلم العامل؛ كم فيه من كل نوع، وإن شرط له من بعض الأنواع النصف، ومن البعض الثلث، وبين- نظر: إن علما قدر كل نوع منها: جاز، وإن جهلا أو أحدهما: لم يجز؛ كما لو ساقاه في حائطين على أن له من أحدهما النصف، ومن الآخر الثلث، ولم يبين: لم يجز، وإن بين فقال: ساقيتك في هذين الحائطين على أن لك من هذا النصف، ومن الآخر الثلث: جاز.
ولو ساقاه نخيلًا على النصف على أن يساقيه العامل حائطه على الثلث، أو على أن يساقيه رب النخيل حائطًا آخر على الثلث: لا يصح؛ لأنه شرط عقد في عقد؛ كما لو قال: بعتك عبدي بألف على أن تبيعني عبدك: لا يصح، وهل تصح المساقاة الثانية؟ - نُظر: إن عقدها على شرط العقد الأول: لا يصح؛ وإلا فيصح.
ولو ساقاه نخيلًا على أنه إن ساقاها بماء السماء- فله الثلث، وإن ساقاه بالنضح- فله النصف: لا يصح لأنه لا يدري بماذا يستحق؛ كما لو قارضه دراهم على انه إن ربح على البحر فله النصف، وإن ربح على البر- فله الثلث: لا يصح، وللعامل أجر المثل.
وكل موضع فسدت المساقاة: يستحق العامل أجر المثل، وإن هلكت الثمار إلا في موضع واحد اختلفوا فيه وهو: أن يكون العامل متبرعًا بالعمل؛ بأن شرط جميع الثمرة لرب النخيل؛ فلا أجر له؛ على أصح الوجهين.
أما في المساقاة الصحيحة، إذا هلكت الثمرة: فلا شيء للعامل؛ لأن في المساقاة الصحيحة حق العامل في الثمر، فإذا هلكت الثمرة: لا شيء له، وفي الفاسد حقه في ذمة رب النخيل؛ فلا يسقط بهلاك الثمرة.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
ولو ساقاه نخيلًا سنة، فأدركت الثمرة قبل مضيها: يجب على العامل أن يعمل في الحائط بقية المدة، ولا أجرة له سوى المشروط من الثمرة، وإن تمت السنة، ولم تدرك الثمرة: فإن كانت طلعًا أو بلحًا: فعلى رب المال تعهدها حتى تدرك ويأخذ العامل منها حقه، وإن لم تطلع حتى انقضت المدة: فلا حق للعامل فيها.
ولو استأجر رجلًا؛ ليتعهد نخيله على مال معلوم: جاز؛ سواء كان بعد خروج الثمرة أو قبلها.
أما إذا استأجره على جزء من ثمر تلك النخيل ينظر: إن كان قبل خروج الثمرة: لا يجوز، سواء شرط له ثمرة نخلة بعينها أو شرط له جزءًا شائعًا؛ لأن الإجارة صنف من البيوع؛ فلا يجوز إلا على معلوم موجود، والمساقاة معاملة على أصل يعمل فيه؛ ليكون له جزء مما يظهر بعمله؛ كالقراض.
وإن كان بعد خروج الثمرة- نُظر: إن كان بعد بدو الصلاح في الثمرة: جاز، سواء شرط له جزءًا شائعاص أو ثمرة نخلة بعينها.
وإن كان قبل بدو الصلاح: فإن شرط له ثمرة نخلة بعينها: جاز بشرط القطع، وإن لم يشرط القطع: لم يجز؛ كبيع الثمرة قبل بدو الصلاح، وإن شرط له جزءًا شائعًا: لم يجز، وإن شرط القطع؛ لأنه لا يمكن قطع بعضها شائعًا إلا بقطع الكل.
فصلٌ
كل عمل يتكرر كل سنة في الحائط، وفيه مستزاد في الثمرة: يجب ذلك على العامل في المساقاة؛ مثل: إصلاح طريق الماء وتنقية السواقي وتنقية البئر وإدارة الدولاب والسقي وتصريف الجريد وقطع الحشيش المضر وإبار النخيل، وهل يجب شرطه في العقد؟
قيل: يجب.
والأصح: لا يجب؛ ومطلق العقد يقتضيه.
ولو شرط شيء من ذلك على رب النخيل: بطل العقد، أما ما فيه حفظ الأصل؛ مثل: سد الحيطان وحفر النهر الجديد والبئر وعمل الدولاب: فهي على رب النخيل، ولو شرط شيء من ذلك على العامل: بطل العقد، ولو فعله العامل بغير إذن رب النخيل: لم
[ ٤ / ٤١٠ ]
يستحق شيئًا، وإن فعل بإذنه: استحق أجر المثل، وتكريب الأرض وإدارتها في الزراعة على العامل؛ كقطع الحشيش، وتجب الآلات؛ كالفأس والمنجل والمعول والثيران، على رب الحائط، وقيل الثيران والفدان على من شرط عليه منهما، فإن سكتا عن شرطه: لم يصح العقد.
واختلف أصحابنا في الجذاذ واللقاط:
فمنهم من قال: يلزم العامل؛ لأنه لا تستغني عنه الثمرة؛ كإبار النخيل، ومنهم من قال: لا يلزمه؛ لأنه يحتاج إليه بعد تكامل الثمار، وهل يجب على العامل حفظ الثمار عن الطيور؟ فيه وجهان:
ويجب حفظ الأمتعة.
وقيل: لا يجب عليه حفظه عن اللصوص، بل على كل واحد حفظ نصيبه، وهل على العامل وضع الجدار على الجدار؟ فيه وجهان.
والخراج يكون على رب الحائط، والتعريش على العامل، إن كان فيه مستزاد في الثمرة، وكل عمل يلزم العامل.
ولو استأجر رب النخيل على أن يعمله: جاز، ولو ساقاه نخيلًا على أن يعمل فيه جميعًا: لم يصح؛ كما في القراض، أو شرط رب المال أن يعمل فيه: لم يصح.
ولو شرط العامل على رب النخيل غلمانًا يعملون معه: نص على جوازه، وقد ذكرنا في القراض وجهين: فمن أصحابنا من جعل في المساقاة أيضًا- وجهين؛ كالقراض.
أحدهما: لا يجوز؛ لأن عمل الغلام كعمل رب المال، فإذا لم يجز شرط عمل رب المال: لم يجز شرط عمل غلامه، والمراد من النص الأعمال التي تلزم رب المال من سد الحيطان وحفر الأنهار ونحوها؛ لا أنها تلزم العامل.
والوجه الثاني: يجوز فيما يلزم العامل؛ لأن غلامه ماله؛ فجاز أن يجعله تابعًا لماله؛ كالثور في عمل الدولاب والحمار لحمل المتاع؛ بخلاف رب المال؛ فإنه مالك لا يجعل تابعًا لماله.
[ ٤ / ٤١١ ]
ومنهم من قال في "المساقاة": يجوز وجهًا واحدًا؛ لأن في المساقاة: يكون بعض الأعمال على رب المال؛ فلا ينفرد به العامل باليد؛ فجاز أن يشترط فيها عمل غلامه، وليس على رب المال في القراض عمل؛ فلا يجوز شرط عمل الغلام فيه، وليس كما لو شرط أن يعمل معه رب النخيل: لم يجز؛ لأن رب النخيل، إذا دخل معه: يكون أصلًا، ويكون اليد له، والغلمان يكونون تحت يد العامل؛ يصرفهم كيف يشاء، فلا تكون اليد لهم؛ بدليل أنهما لو تنازعا في شيء، وكان الشيء في يد العامل: كان القول قول العامل.
فإن قلنا: يجوز: لم يصح حتى يعرف الغلمان بالرؤية أو بالوصف.
ويجب أن يكون الغلمان تحت أمر العامل؛ فإن جعل التدبير إلى الغلمان: لم يجز؛ لأن العاملح حينئذ- يكون تبعًا، ولا يكون متبوعًا، ونفقة الغلمان على ما يتشارطان؛ فإن شرطا على العامل: جاز؛ لأنهم أعون له، وإن أطلقا: فالنفقة على رب النخيل؛ لأنه مالكهم.
وعند مالك- رحمة الله عليه: على العامل، وإذا شرطا على العامل، هل يشترط بيان قدرها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط أن يبين نفقة كل يوم من الخبز والإدام.
والثاني: لا يشترط، بل على العادة؛ لأن العمل مجهول؛ كذا النفقة: جاز ألا تكون معلومة.
ولو شرط نفقتهم في الثمار: لا يجوز؛ لأن ما يبقى يكون مجهولًا، ثم بعد فراغ الغلمان من عمل الحائط: ليس للعامل أن يستعملهم في عمل نفسه، ولو شرط ذلك: بطل العقد؛ لأنه شرط لنفسه جزءًا من الثمرة، مع عمل الغلام.
ولو شرط العامل أن يعمل معه غلمانه، أو يستأجر أجراء يعملون معه، وتكون نفقة الغلمان وأجرة الأجراء من الثمرة: لا يصح؛ لأنه مجهول، ولأن مقتضى المساقاة، أن يكون العمل على العامل؛ فإذا شرط أن يعمل معه غيره، ويكون أجرته من الثمرة: فقد أسقط عن نفسه بعض ما يلزمه من العمل؛ بخلاف ما لو شرط في القراض أجرة الأجراء؛ مثل: الدلال والحمال والمنادي من مال القراض: جاز؛ لأن مؤنة هذه الأعمال: تكون في مال القراض عند إطلاق العقد؛ فلا يتعين بالشرط حكم العقد.
وإذا كان له حائط له فيه غلمان يعملون فساقى رجلًا: لا يدخل الغلمان فيه؛ لأن قصده تفريغ الغلمان لشغل آخر.
[ ٤ / ٤١٢ ]
وعند مالك- رحمة الله عليه-: يدخل الغلمان في العقد.
فصلٌ
عقد المساقاة: عقد لازم، فبعد تمام العقد: لا يجوز لأحدهما فسخه؛ لأن النماء فيه متأخر، فلو قلنا: يملك الفسخ: لم نأمن أن يفسخ بعد العمل قبل حصول الثمرة؛ فيضيع عمل العامل، والعامل يملك نصيبه من الثمار بنفس الظهور، حتى يجب عليه زكاة نصيبه من الثمار، إذا كان مجموع الثمر نصابًا؛ بخلاف القراض: لا يملك العامل يه حصته من الربح بنفس الظهور؛ على أصح القولين، ولا يجب عليه زكاة نصيبه؛ حتى يقتسما؛ لأن الربح في القراض وقاية لرأس المال لا يستقر عليه ملك العامل، ما لم يقتسما بدليل أنه لو خسر بعدما ربح: لم يكن للعامل فيه نصيبن والثمرة في المساقاة ليست وقاية لرأس المال؛ بدليل أنه لو تلف جميعها إلا قليلًا: كان ذلك القليل بينهما.
فلو هرب العامل في المساقاة، أو مرضن فإن تبرع المالك بالعمل وبالنفقة: فإذا رجع العامل: أخذ نصيبه من الثمرة، ولم يرجع المالك عليه بما أنفق، وإن لم يتبرع: رفع الأمر إلى الحاكم، حتى يستأجر من مال العامل من يكمل عمله، وإن لم يجد له مالًا؛ فإن كان بعد بدو الصلاح في الثمار: باع بعض نصيب العامل، إما من رب المال أو من غيره، فإن احتاج إلى بيع كله: باع كله واستأجر من يعمل فيه.
وإن كان قبل خروج الثمرة، أو قبل بدو الصلاح: لا يمكن بيع بعضه، فيستقرض عليه من رجل، أو من بيت المال، وعلى العامل أداؤه إذا رجع أو يقضي من الثمرة، إذا أدركت.
ولو استقرض الحاكم من رب النخيل مالًا، فأنفق منه: جاز، ثم رجع على العامل أو أخذ من نصيبه من الثمرة.
ولو أنفق رب النخيل ليرجع عليه، أو عمل فيه بنفسه ليرجع- نظر: إن فعل بغير أمر الحاكم وهناك حاكم: فهو متبوع لا يرجع.
وإن لم يقدر على حاكم: فإن أشهد؛ المذهب: أنه يرجع؛ لأنه موضع ضرورة، وإن لم يشهد: فلا يرجع، إن أمكنه الإشهاد، فإن لم يمكنه الإشهاد: فعلى وجهين.
وإن أنفق بأمر الحاكم: ففيه وجهان:
أحدهما: يرجع؛ لأنه فعل بإذن من إليه الأمر.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه متهم في حق نفسه، بل يجب أن يدفع المال إلى الحاكم ليدفع إلى غيره؛ فينفق عليه؟
[ ٤ / ٤١٣ ]
وإن لم يجد الحاكم من يستقرض منه، ولم يكن في بيت المال مال- ينظر: إن كان قبل خروج الثمرة: للمالك أن يفسخ العقد؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه، كما لو اشترى عبدًا، فأبق من يد البائع: وللعامل أجر مثل ما عمل.
وإن كان بعد خروج الثمرة: فهي مشتركة بين رب المال والعامل.
وإن كان بعد بدو الصلاح: يباع نصيب العامل: إما من رب النخيل، أو من غيره، فإن لم يوجد من يشتري، أو كان قبل بدو الصلاح: لا يمكن بيع نصيب العامل؛ لأن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح: لا يجوز إلا بشرط القطع، ولا يمكن قطع بعضه؛ إلا بقطع كله، فيترك حتى يبدو الصلاح، أو يصطلحا على شيء.
وإذا ظهر من العامل خيانة: فلا فسخ لرب المال؛ لأنه عقد لازم، ونص- ههنا- أنه يكارى عليه من يعمل عنه، وقال في موضع آخر: يضم إليه أمين، وأجرته على العامل:
فمن أصحابنا من قال فيه: قولان.
ومنهم من قال: هي على حالين: فإن كان العامل قويًا لا يقدر الأمين على منعه من الخيانة: ينتزع من يده، ويمنع من دخول الحائط، ويكتري عليه من يعمل عنه، والأجرة عليه، وإن قدر الأمين على منعه: ضم إليه أمين، وإن توهم الخيانة: لا يتكارى عليه، ما لم يظهر.
ولو مات العامل أو رب النخيل أو هما: لا ينفسخ العقد، إلا أن العامل إذا مات: فإن أتم وارثه العمل، أو استأجر من تركته من يتم العمل: جاز، ويستحق نصيبه، وإن لم يعمل الوارث: لا يجبر عليه؛ لأن المعاقدة لم تجر معه، بل يكتري الحاكم من تركته من يتم العمل؛ كما لو كان عليه دين يؤدي من تركته، وإن لم تكن له تركة: لا يستدان على الميت؛ لأنه لا ذمة له، ولرب النخل فسخ العقد، إن كان قبل خروج الثمرة، وإن كان بعد خروجها: فهي مشتركة بين المالك والعامل؛ فيباع نصيب العامل، إن كان بعد بدو الصلاح؛ كما ذكرنا في هرب العامل.
وإذا مات رب النخيل: يتم العامل العمل، ويأخذ حقه.
ولو احتاج إليها- نظر: إن احتاج كلها: انفسخ العقد، ولا شيء للعامل، وإن احتاج بعضها: فالعامل بالخيار بين أن يفسخ العقد، ولا شيء له، وبين أن يجيز، ويتم العقد، وله حصته مما بقي.
[ ٤ / ٤١٤ ]
ولو ظهر للنخيل مستحق: أخذها المستحق مع الثمار، ولا شيء عليه، ويرجع العامل على من ساقاه بأجر مثل عمله؛ لأنه غره؛ كمن غصب نقرة من إنسان، فدفعها إلى آخر، حتى طبعها دراهم: أخذ المغصوب منه الدراهم، ويرجع الطابع على الغاصب بالأجرة:
وإن كانت الثمرة تالفة؛ فإن كانا قد اقتسماها، فأكلاها، وتلفت في أيديهما: فالمستحق بالخيار بين أن يغرم الدافع أو العامل: فإن غرم الدافع: له أن يطالبه بجميع قيمة الثمرة، وإن تلف شيء من أصول النخل: يطالب بضمانه، وإن غرم العامل، كم يغرمه؟
ظاهر كلام المزني: أنه يغرم قيمة النصف الذي شرط له؛ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال- وهو الأصح-: الأمر كما ذكر المزني؛ أنه يغرمه نصف الثمر المشروط له؛ لأنه أخذ ذلك النصف بعقد معاوضةن وتلف في يده؛ فيلزمه ضمانه، وبعد ما غرم: لا يرجع على الدافع بما غرم، بل يأخذ منه أجر مثل عمله، أما النصف الآخر: لم يكن في يد العامل؛ وكذلك: أصول الأشجار؛ بدليل أنه لا يلزمه حفظها، ولو جعل في يده: لزمه حفظها؛ كما يلزم العامل في القراض حفظ مال القراض: فعلى هذا: يأخذ ضمان النصف الآخر، وضمان أصول الأشجار من الدافع؛ لأنه الغاصب، ولم يكن له مطالبة العامل به، وإذا أخذ الكل من الدافع: فهو يرجع على العامل بنصف قيمة الثمرة.
ومن أصحابنا من قال: يجوز للمستحق أن يغرم العامل جميع قيمة الثمرة، وما تلف من أصول الأشجار؛ لأنها كانت في يده من طريق المشاهدة؛ فتصرف فيها؛ كالعامل في القراض، إذا هلك المال في يده، وخرج مستحقًا- يغرمه المستحق كله؛ فعلى هذا: إذا غرم العامل المستحق كله: لم يرجع العامل على الدافع بقيمة النصف الذي أخذه؛ عوضًا عن عمله، وهل يرجع بالنصف الآخر؟ فيه وجهان:
قال الشيخ:
أحدهما: يرجع؛ كالمستودع من الغاصب إذا ضمن: يرجع على الغاصب.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه كان يحفظ ويتصرف لحق نفسه؛ بخلاف المستودع، وإن غرم الدافع كلها: رجع الدافع على العامل بالنصف.
[ ٤ / ٤١٥ ]
فصلٌ
إذا اختلف العامل ورب النخيل في العوض المشروط، فقال العامل: شرطت لي النصف، وقال رب النخيل: شرطت الثلث: تحالفا، وبعد التحالف: للعامل أجر مثل عمله؛ سواء كان أكثر مما أقر به رب النخيل، أو أقل، وإن أقام أحدهما بينة: قضى له، وإن أقام كل واحد بينته: ففي قول: يتهاتران، وهو الأصح؛ فعلى هذا: يتحالفان، وفي قول: يستعملان، فعلى هذا: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة: قضى له، ولا يأتي قول الوقف والقسمة.
وقيل: يأتي قول القسمة، فيجعل السدس المختلف فيه بينهما نصفين، ولو ساقاه رجلان، ثم اختلفوا؛ فقال العامل: شرطتما لي النصف، فصدقه أحدهما، وكذبه الآخر، وقال: بل الثلث: يأخذ العامل النصف من نصيب المصدق، وهو مع المكذب: يتحالفان، وبعد الحلف: يأخذ منه أجر مثل عمله، ولا شيء له من نصيبه من الثمر، ولو شهد المصدق للعامل: قبلت شهادته، فيحلف معه العامل، ويأخذ النصف؛ وكذلك: لو شهد لشريكه أنه ساقاه على الثلث: يقبل.
ولو أنكرا جميعًا، ثم شهد أحدهما لصاحبه مع نفسه، فقال ساقيناه على الثلث: فشهادته في حق نفسه باطلة، وهل يبطل في حق صاحبه؟ فعلى قولي تبعيض الشهادة.
ولو ادعى رب النخيل على العامل خيانة: لا يسمع حتى يبين قدر الخيانة، فإذا بين، وأنكر العامل: فالقول قول العامل مع يمينه.
وكذلك: لو ادعى هلاك شيء من المال: قُبل قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، والله أعلم.
[ ٤ / ٤١٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم