قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الآية [النور: ٣٣] الكتابة جائزة، وهي تعليق العتق بصفة بطريق معاوضة معدولة.
وصورتها: أن يقول لمملوكه: كاتبتك على كذا، ويسمي مالًا معلومًا يؤديه في نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم، ويقول: إذا أديت ذلك المال، فأنت حر، أو ينوي ذلك بقلبه، وما لم يقله أو ينوه- لا يعتق، ويقول العبد: قبلت، وتجوز كتابة المملوك، عبدًا كان أو أمة، ويشترط أن يكون عاقلًا بالغًا، فإن كان صبيًا أو مجنونًا- لا تصح كتابته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]؛ ولا يتصور الابتغاء من الصبي والمجنون.
وعند أبي حنيفة: يجوز كتابة الصبي، ويقبل عنه المولى.
ويشترط أن يكون المولى مكلفًا مطلقًا فإن كان صبيًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه بالسفه-: لا تصح كتابته؛ كما لا يصح بيعه، وتصح كتابة المرأة.
وعند أبي حنيفة: يصح كتابة الصبي بإذن الولي.
ثم العبد إذا جمع الأمانة والقوة على الكسب، وطلب الكتابة؛ يستحب للمولى أن يكاتبه، ولا يجب.
وعند داود نجب ويعتق.
[ ٨ / ٤١٩ ]
وفسر الشافعي ﵁: "الخير" المذكور في قوله ﷿: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. بهذين الشيئنين؛ لأن مقصود الكتابة قل ما يحصل إلا بهما، ينبغي أن يكون كسوبًا [يحصل المال] ويكون أمينًا يصرفه في نجومه، ولا يضيعه.
وإذا فقد الشرطان أو أحدهما- لا يستحب أن يكاتبه ولو كاتب لم يكره؛ لأنه سبب العتق.
وقيل: إذا كان أمينًا لا كسب له يستحب؛ لأن الأمين يعان عليه، وإذا رغب المولى في كتابة العبد، وأبى العبد- لا يجبر عليه، ولا يجوز كتابة العبد المرهون؛ لأن الرهن يقتضي البيع، والكتابة تمنع البيع.
ولا يجوز أن يكاتب عبدًا أجيرًا؛ لأنه في تصرف الغير، فلا يتمكن من التصرف.
ولا يجوز عقد الكتابة حالًا. وعند أبي حنيفة: يجوز.
وإنما لم نجوز؛ لأن العبد لا يتصور له ملك يؤدى في الحال.
وإذا عقد حالًا [لا] تتوجه عليه في الحال، لعجزه حقيقة عن أدائه، فلا يحصل مقصود العقد، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل-: لا يصح، بخلاف ما لو أسلم إلى معسر- جاز؛ لأنه يتصور أن يكون له ملك في الباطن، فالعجز لا يتحقق عن أدائه.
ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين، يروى ذلك عن علي وعثمان وابن عمر: روي عن عثمان، أنه غضب على عبده، فقال: لأضيقن عليك الأمر، ولأكاتبنك على نجمين، ولو جاز على أقل من ذلك، لكاتبه على الأقل؛ لأن التضييق فيه أشد، وإنما شرطنا التنجيم؛ لأنه عقد إرفاق، ومن تتمة الإرفاق والتنجيم ليتيسر عليه الأداء، كما أن تحمل العاقلة للإرفاق.
وشرط فيه التأجيل والتنجيم؛ ليتيسر عليهم الأداء، فإن كاتبه على نجوم معلومة، وفاوت في هذه النجوم، وفيما يؤدى في كل نجم- جاز.
ولو كاتب على مال قليل إلى نجمين قصيرين- جاز.
وإن كاتب على مال كثير إلى نجمين قصيرين، أو إلى نجمين أحدهما طويل، والآخر قصير، وشرط في النجم الأقصر أداء الأكثر- هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الغالب عجزه عن الأداء.
[ ٨ / ٤٢٠ ]
والثاني: يجوز؛ لأنه يتصور أن يستفيد ذلك في تلك المدة، كما لو أسلم إلى معسر في مال كثير- جاز، ولو ملك شقصًا من عبد- وباقيه حر، فكاتب ذلك الشقص حالًا، أو على نجم واحد، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما: [لا يجوز، كما لو كان] الكل مملوكًا.
والثاني: يجوز؛ لأنه يتصور أن يكون له ملك بنصفه الحر فالعجز لا يكون حقيقة عن الأداء.
ولو كاتبه على مائة دينار يؤديها إلى أجل واحد؛ وكذلك: لو قال: إلى عشر سنين] يؤدي في كل سنة عشرة-: لم يصح، لأنه لم يبين أنه يؤديها في أول السنة، أو في آخرها، فإن قال: "يؤدي عند انقضاء كل سنة عشرة جاز.
ولو كاتبه على عين [يؤديها في نجمين] لم يجز لأن العين لا تقبل الأجل.
ولو كاتبه على مال موصوف في الذمة؛ مثل إن قال: كاتبتك على عبد حنفته كذا، وعلى ألف درهم على أن يؤدي العبد بعد سنة والألف بعد سنة أخرى-: جاز، ويجب أن يصف العبد بصفات المسلم.
ولو كاتبه على عين وصفها على أن يؤدي نصفها في السنة الأولى، والنصف في السنة الثانية- لم يصح؛ لأنه إذا سلم النصف في السنة الأولى يتعين النصف الآخر للسنة الثانية.
ولا تصح الكتابة على العين، وتجوز الكتابة على المنافع؛ لأنها مما يثبت في الذمة، فلو قال: كاتبتك على خدمة شهر، ودينار تؤديه بعد الشهر بيوم واحد، أو شهر-: جاز؛ لوجود التنجيم والتأجيل، ويجب أن يبين جهة العمل في الخدمة، ويبين الدينار بالوصف إذا كان في البلد نقود، فإن لم يصف، وفي البدل نقد غالب-: انصرف إليه ولو قال: على خدمة شهر، ودينار بعد الشهر، أو مع انقضائه-: قال الشافعي﵀- يصح.
قال الشيخ أبو إسحاق المروزي: لا يصح؛ لأنه كاتبه على نجم واحد؛ لأن بعد الفرغ من الخدمة يجب الدينار في الحال، وحمل النص على ما لو قال: "ودينار بعده بيوم أو شهر"، والمذهب: جوازه؛ لأنه يستحق الدينار في غير الوقت الذي يستحق فيه المنفعة؛ لأنا نجعل المنفعة كالمسلمة في الحال، والدينار إلى أجل.
فإن قيل: حينئذ: يكون كتابة على نجم حال، ونجم مؤجل.
[ ٨ / ٤٢١ ]
قلنا: إنما جوزنا ذلك؛ لأنه يقدر على الاشتغال بالخدمة في الحال، ويكتفي في تسليم الخدمة والمنفعة: بأن يشتغل بها، بخلاف ما لو كاتبه على دينارين، أحدهما يؤديه في الحال، والآخر بعد شهر-: لم يجز؛ لأنه لا يقدر على تسليم الدينار في الحال، وكذلك لو قال: كاتبك على خدمة شهر ودينار يؤدى في أثناء الشهر بعد يوم أو يومين [وشيء]، أو قال على دينار يؤدي بعد يومين وخدمة شهر، سواء قدم ذكر الدينار أو أخر-: جاز على ظاهر المذهب، وعند أبي إسحاق: لا يجوز.
ولو قال: علي دينار يؤدى بعد شهر وخدمة شهر بعده-: لم يجز، لأنه جعل عليه خدمة زمان في المستقبل، وإجازة الزمان المستقبل- لا تصح.
ولو قال: على خدمة شهر موصول بالعقد، وأن تحصل لي أجرًا أو لبنًا وصفه أو قال على خدمة شهر موصول بالعقد، وعلى خياطة ثوب موصوف في الذمة-: جاز على الأصح؛ كما لو شرط عليه تحصيل دينار.
ولو كاتبه على خدمة شهرين-: لم يجز؛ لأنه أجل واحد، فإن جعلها أجلين؛ بأن قال: على خدمة شهر، ثم شهر بعده: لم يجز؛ لأن الشهر الثاني منفعته متعينه، شرط تأخير تسليمها؛ فلم يصح.
ولو كاتبه على خدمة شهر ودينار بعده، فمرض وعجز عن الخدمة بطلت الكتابة في قدر الخدمة، وهل [يؤدي في أثناء الشهر بعد يوم أو يومين وبين أو قال: على دينار تؤدي بعد يومين، وخدمة شهر؛ سواء قدم ذكر الدينار أو أخر-: جاز على ظاهر المذهب، وعند أبي إسحاق: لا يجوز، ولو قال: على دينار يؤدي بعد شهر، وخدمة شهر بعده-: لم يجز؛ لأنه جعل عليه خدمة زمان في المستقبل وأجازه الزمان المستقبل] بعده، فمرض وعجز على الخدمة بطلب الكتابة في قدر الخدمة، وهل تبطل في الباقي؟ فيه طريقان، كما لو ابتاع عبدين، فهلك أحدهما قبل القبض-: ينفسخ العقد فيه، وفي الثاني طريقان.
ولو قال: كاتبك على أن تخدمني شهرًا، فقبل، فخدم شهرًا-: عتق، ورجع السيد عليه بقيمته، وهو على السيد بأجر مثل خدمته، وإن خدم أقل من شهر- لا يعتق؛ بخلاف ما لو قال: أعتقتك على أن تخدمني شهرًا، فقبل-: عتق في الحال، وعليه الخدمة، ثم لا شيء أحدهما على الآخر.
ولو قال: كاتبتك على أن تخدمني أبدًا. لم يعتق أبدًا فإن قال: أعتقتك على أن تخدمني
[ ٨ / ٤٢٢ ]
أبدًا أو مطلقًا فقبل- عتق في الحال، خدم أو لم يخدم، ورجع السيد عليه بقيمته؛ لأنه لم يرض بعتقه مجانًا، وهو لا يرجع على السيد بشيء.
ولو قال لعبده: كاتبتك على أن أبيعك ثوبي أو على أن تبيعني دارًا، إن اشتريته-: لم يصح العقد، للشرط الفاسد.
ولو قال: كاتبتك وبعتك هذا الثوب بألف إلى سنتين يؤدي خمسمائة عند انقضاء الأولى، وخمسمائة عند انقضاء الثانية، فإن أديت فأنت حر، فقبل العبد-: اختلفوا فيه، منهم من قال: فيه قولان؛ لأنه جمع بين مختلفي الحكم، وهو البيع والكتابة، أحدهما: هما صحيحان، والثاني: باطلان.
ومنهم من قال- وهو الأصح-: البيع باطل قولًا واحدًا؛ لأنه وجد أحد مصراعيه قبل أن يصير العبد من أهل أن تصح معاملته مع المولى بقبول الكتابة، وهل تصح الكتابة؟ فيه قولان: بناءً على ما لو قال: باع عبده وعبد غيره-: لا يصح في عبد غيره، وهل يصح في عبده؟ فيه قولان:
فإن قلنا: يصح- يوزع المسمى على قيمة الثوب والعبد بقدر ما يقابل العبد يلزمه في النجمين؛ فإذا أدى عتق.
فصل
إذا كاتب ثلاثة أعبد كتابة واحدة، فقال: كاتبتكم على مائة درهم إلى نجمين بينهما على أنكم إذا أديتم- عتقتم فقبلوا-: نص على أن الكتابة صحيحة، ونص فيما لو نكح أربع نسوة بعقد واحد على صداق واحد؛ أن النكاح صحيح، وفي صحة التسمية قولان؛ من أصحابنا من جعل في هذه المسألة أيضًا قولين، ومنهم من قال: ههنا تصح الكتابة قولًا واحدًا، ذكرناه في النكاح، فإن قلنا: تصح الكتابة يوزع المسمى على قدر قيمتهم؛ مثل إن كانت قيمة أحدهما مائة، وقيمة الثاني مائتان، وقيمة الثالث ثلثمائة، فعلى الذي قيمته ثلثمائة نصف المائة يؤديه في النجمين، وعلى الذي قيمته مائتان ثلث المائة المسماة في النجمين، وعلى الثالث سدس المائة في نجمين، والاعتبار في قيمتهم بيوم الكتابة؛ لأن سلطان المولى يزول عنهم يومئذ، ثم كل من أدى حصته من المال- عتق؛ لأنه برئ مما عليه، ومن عجز- رق، ولا يتوقف عتق البعض على أداء شريكه، حتى لو مات بعضهم قبل الأداء أو عجز- فهو رقيق، والذي أدى
[ ٨ / ٤٢٣ ]
حر، ولا يكون بعضهم ضامنًا عن بعض.
وعند أبي حنيفة ومالك: يكون كل واحد ضامنًا عن صاحبه، ولا يعتق واحد منهم بأداء نصيبه ما لم يوجد الأداء من الكل.
وعندنا: بخلافه، حتى لو ضمن بعضهم عن بعض حصته صريحًا- لم يصح؛ لأن نجوم الكتابة لا يصح ضمانها.
ولو شطر السيد عليهم في العقد أن يضمن بعضهم عن بعض-: يفسد العقد، وإن قلنا: الكتابة فاسدة- تثبت الصفة، فأيهم أدى نصيبه-: عتق، وعليه قيمة رقبته للسيد، باعتبار يوم العقت، ويرجع هو بما أدى على السيد؛ هذا هو المنصوص عليه.
وقيل: القياس لا يعتق واحد منهم إلا بأداء جميعهم؛ لأن الكتابة الفاسدة تعليق عتق بصفة ولا يحصل العتق في التعليق إلا بوجود كمال الصفة؛ بخلاف الكتابة الصحيحة، فإذا قلنا: "تصح الكتابة"، فأدوا المال المشروط، ثم اختلفوا، فقال: من قلت قيمته أدينا على عدد الرءوس، وأنا أديت الثلث، وهو أكثر مما وجب علي، فالزيادة لي وديعة عند السيد، أو قرض على من كثرت قيمته.
وقال من كثرت قيمته: بل أدينا على [القيم، نص] ههنا على أن القول قول من قلت قيمته مع يمينه، وقال في موضع آخر: القول قول من كثرت قيمته [مع يمينه] فمن أصحابنا من جعل على قولين:
أحدهما: القول قول من قلت قيمته؛ لأن الظاهر أن ما في أيديهم بينهم سواء.
والثاني: القول قول من كثرت قيمته مع يمينه؛ لأن من قلت قيمته يدعي أنه أدى أكثر مما عليه؛ فلا يقبل منه إلا بحجة؛ لأن الظاهر من حال من عليه الدين: أنه لا يؤدي أكثر مما عليه
ومن أصحابنا من قال: هي على حالين؛ حيث قال: القول قول من قلت قيمته-: أراد به: إذا أدوا بعض مال الكتابة، ولم يؤدوا الكل بحيث لو وزع ما دفعوا على عدد رؤوسهم-: لم يخص كل واحد أكثر مما عليه وحيث قال: القول قول من كثرت قيمته-: أراد به: إذا أدوا الجميع، فمن قلت قيمته، يدعي أنه أدى أكثر مما عليه، فلا يقبل إلا ببينة، فلو أدى بعضهم عن بعض كتابته، أو كاتب رجل عبدين: كل واحد بعقد مفرد، ثم أدى أحدهما كتابة الآخر هل يصح أم لا؟ نظر: إن أدى بعدما عتق- صح، كما لو أدى دين الغير، ثم إن أدى بإذنه- رجع
[ ٨ / ٤٢٤ ]
عليه؛ وإلا فلا، وإن أدى قبل العتق- فهو تبرع منه- لا يجوز بغير إذن السيد، وهل يجوز بإ ذنه؟ فيه قولان:
وقيل: أخذ السيد إياه غذن ورضي، وليس بصحيح، بل إذا لم يأذن صريحًا- لا يصح.
فإن قلنا: يصح الأداء- فلا يرجع المؤدي على السيد، وهل يرجع على المؤدى عنه بما أدى؟ نظر: إن أدى بإذنه- رجع؛ وإلا فلا يرجع، وإذا أثبتنا الرجوع: فإن كان قد عتق المؤدى عنه- فهو دين [عليه]، وإن لم يكن عتق- أخذ مما في يديه مقدمًا على نجوم الكتابة، وحيث قلنا: لا يصح الأداء- فليس للمؤدي أن يرجع على المؤدى عنه، بل يسترد من السيد ما دفع إليه، فإن كان قد حل عليه نجم- يصير به قصاصًا، وإن لم يحل- يسترد، فلو لم يسترد حتى أدى النجوم عتق، وهل يسترد أم لا؟ نص على أنه لا يستدر، ونص فيما إذا جنى على المكاتب فعفا عن المال بغير إذن المولى، ثم عتق-: كان له أخذ المال- فعلى قياس ما نص - ههنا- ينبغي أن يصح عفوه؛ فحصل في المسألة قولان:
أحدهما: في الموضوعين لا يأخذ شيئًا؛ لأن المانع من صحة تبرعه وعفوه رقه، وقد زال؛ فيصح.
والثاني: يأخذ؛ لأن أداؤه وعفوه- لم يصح؛ فلا ينقلب صحيحًا بعده. وأصل القولين: أن تصرفات المفلس [باطلة، أو موقوفة] فيه قولان: إن قلنا: باطلة- فههنا-: يرجع.
وإن قلنا: موقوفة فالأداء العفو- ههنا- موقوفان، فإن فضل عن حق السيد وعتق- بان أنه كان صحيحًا؛ وإلا فلا، وكذلك: الحكم فيما إذا كان سيد أحد العبدين غير الآخر، فكاتب كل واحد عبده، ثم أدى أحدهما عن الآخر بغير إذن المولى- لا يجوز وبإذنه: على قولين.
وكذلك: جميع تبرعات المكاتب، فإن قلنا: لا يصح- يسترد، فإن عتق قبل الاسترداد - هل له أن يسترد بعده؟ فيه قولان:
ولو كاتب رجل عبدًا، فبان نصفه حرًا- فالعقد باطل في نصفه الحر، وهل يبطل في الباقي فعلى قولين، كما لو باع عبدًا، فبان نصفه حرًا أو مستحقًا، فإن قلنا: باطل- فلا يعتق حتى يدخل جميع المسمى؛ لأن العتق فيه- يحصل بوجود الصفة، وهو يتعلق بأداء جميع المسمى، فإذا أدى، عتق، وعليه قيمة نصفه، ويسترد من السيد ما أعطى.
وإن قلنا: صحيح، فكم يلزمه من المسمى نصفه أم كله؟ فيه قولان؛ كما في البيع إذا
[ ٨ / ٤٢٥ ]
خرج نصف المبيع مستحقًا، وأجاز المشتري في النصف الثاين، فكم يجيز؟ فيه قولان.
والخيار ثابت أبدًا للعبد في الكتابة؛ فلا تختص به هذه الصورة.
فصل في الكتابة الفاسدة
تعليق العتق بالصفة على ثلاثة أقسام:
قسم هو تعليق محض، لا معاوضة فيه، كقوله: إن دخلت الدار، فأنت حر، ونحوه-: فحكمه: أن يكون لازمًا من الجانبين، لا يقدر واحد منهما على إبطاله بالقول، ويبطل بموت السيد، وكسب العبد يكون للمولى، وإذا عتق، فلا يتبعه الكسب، وفي معناه: إذا قال: إن أديت إلي ألفًا، فأنت حر، لأن ذكر المال فيه ليس على طريق المعاوضة، فحكمه ما ذكرنا [ولا يعتق فيه بالإبراء]، ولا يثبت فيه التراجع.
وقسم فيه معاوضة، وجانب المعاوضة فيه مغلب، وهو: الكتابة الصحيحة؛ فهي موافقة للتعليقات في حكم واحد، وهو ألا يثبت فيها التراجع، ومخالفة لها في سائر الأحكام؛ فإنها جائزة من جهة العبد، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء، وكسبه يكون له فإذا عتق: يتبعه الكسب.
وقسم فيه معنى المعاوضة؛ لكن الغلبة فيه للتعليق، وهو الكتابة الفاسدة: بأن شرط فيها شرطًا فاسدًا أو يكاتب حالًا، أو إلى أجل واحد، أو على عوض فاسد، أو مجهول-: فهو يوافق الكتابة الصحيحة في حكمين:
أحدهما: أن كسبه يكون له؛ حتى لو جني عليه أو كاتب جارية، فوطئت بالشبهة- يكون الأرش والمهر لها.
والثاني: إذا عتق بأداء المال- يتبعه الولد والكسب الذي بقي بعد أداء المال.
ويشبهه التعليق في أحكام:
منها: أن السيد إذا أبرأه عن المال لا يعتق، حتى يؤدي؛ كما في التعليق، ويبطل بموت السيد كما يبطل التعليق؛ حتى لو أدى المال بعد موته إلى الوارث- لا يعتق.
وإذا أعتق المكاتب كتابة فاسدة- يعتق لاعن الكتابة؛ ويكون فسخًا، وقد نص الشافعي﵁- على أن إعتاقه عن الكفارة يجوز؛ دل أنه لا يعتق عن الكتابة.
قال الشيخ أبو علي﵀-: وإذا لم يكن عتقه على حكم الكتابة، فلا يتبعه الولد والكسب، بخلاف الكتابة الصحيحة؛ لأن- ثم - استحق العتق على المولى بعقد صحيح، فاستحق الأولاد والأكساب، ولا تبطل بالإعتاق، وفي الفاسد: لم يستحق، حتى يجوز للمولى
[ ٨ / ٤٢٦ ]
إبطاله؛ فيصير بالإعتاق مبطلًا، واستحسنه الشيخ القفال، ويشبه التعليق- أيضًا- من حيث إنه لو أوصى برقبته- جاز، ولا يجوز أن يصرف إليه سهم المكاتبين؛ نص عليه الشافعي﵁- وقال: لو وضع فيه، ولم يعلم، فدفع هو إلى السيد يسترد؛ لأنه لا يملك نفسه [ولا كسبه بالفاسد، بل] حكمه مراعىً على العتق.
وقيل: لا يسترد؛ لأنه كالكتابة الصحيحة في العتق والكسب.
ويجب على السيد زكاة فطر المكاتب كتابة فاسدة، ولا ينفذ تصرف المكاتب فيما في يده؛ كما في التعليق، قال الشيخ الإمام﵀-: وعلى هذا القياس: لا تجوز معاملة المولى معه، ولا يجوز أن يسافر بغير إذن المولى، ولا يجب على المولى: أن يؤتيه شيئًا من مال الكتابة.
[وإذا كاتب جارية]، وعجزت عن أداء المال-: لا يجب على المولى الاستبراء، كما في التعليق.
ولو عجل النجوم قبل المحل في الكتابة الفاسدة، هل يعتق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعتق، كما في الصحيحة.
والثاني: لا يعتق؛ لأنه تعليق، ولم توجد الصفة على وجهها، وتخالف الكتابة الفاسدة الكتابة الصحيحة، والتعليق في حكمين، أحدهما: أن للسيد فسخ الكتابة الفاسدة؛ بخلاف الكتابة الصحيحة والتعليق؛ لأن العوض لا يسلم للسيد في الكتابة الفاسدة، فإن للعبد أن يسترد ما أعطى، فإذا كان العوض لا يسلم له- فله أن يفسخه.
الثاني: أن المولى لا يملك ما أخذ في الكتابة الفاسدة، فالعبد يرجع عليه بما دفع إليه، إن كان ما دفع إليه مالًا، وهو يرجع على العبد بقيمة رقبته؛ لأن فيها معنى المعاوضة، وقد حصل العتق بأداء المال فيصير كأن المعقود عليه قد هلك؛ فلا يمكن الرجوع فيه وفي المعاوضة الفاسدة، إذا تلف المعقود عليه في يد المشتري- يرجع البائع عليه بقيمته، وهو يرجع على البائع بالثمن الذي أدى، وتعتبر قيمته بيوم العتق، لأن التلف حصل به، فإن كان الذي دفع العبد شيئًا لا قيمة له من خمر أو خنزير- لا يرجع على السيد شيء، والسيد يرجع عليه بقيمة رقبته فإن كان ما دفع مالًا حلالًا، وكان هالكًا- يرجع بمثله إن كان مثليًا، وبقيمته: إن كان متقومًا فإن كان ما وجب على المولى مالًا من جنس القيمة يتقاصان، وصاحب الفضل
[ ٨ / ٤٢٧ ]
يرجع بالفضل، وإذا أبطل السيد الكتابة الفاسدة بعد أداء المال لا يبطل؛ لأن العتق قد حصل بأداء المال، وإن أبطل قبل أداء المال- يبطل حتى لو أدى المال بعده-: لا يعتق، والأولى: أن يشهد حتى يعلم العبد، فلو لم يعلم العبد برجوعه، وأدى المال، فقال السيد: كنت قد رجعت، وفسخت الكتابة، وأنكر العبد، فالقول قول العبد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرجوع، وعلى المولى [البينة].
قال صاحب "التلخيص": فإن أدى الفاسد قبل أن يبطله أحدهما أو يبطله الحاكم- عتق.
قوله "أو يبطله الحاكم"؛ أراد أن يطلب السيد من الحاكم أن يبطلها، أما من غير طلبه فلا.
وأما إذا دفع المال في الكتابة الفاسدة، فخرج مستحقًا- لم يعتق، فإن كاتبه على عين علق عتقه بدفعها، فدفع- عتق، فإن خرج ما دفع مستحقًا-: رد ما أخذ، ورجع بقيمته.
ولو جن السيد أو العبد في الكتابة الفاسدة قبل الأداء أو أغمي على واحد منهما؛ من أصحابنا من قال: يبطل العقد؛ لأنه عقد جائز كالشركة والوكالة.
وقال الشيخ أبو حامد: أيهما جن لا يبطل؛ لأنه تعليق عتق بصفة، ولا يبطل التعليق بالجنون؛ والصحيح من المذهب: أنه إذا جن السيد أو حجر عليه أو أغمي- عليه- يبطل، ولا يبطل بجنون العبد، وإغمائه، حتى لو كان له مال، فأخذه المولى بعد جنونه أو أفاق العبد فأدى-: عتق، والفرق: أن الكتابة لا حظ فيها للمولى، بل نظره في فسخها، فقلنا: يبطل بجنونه؛ نظرًا له، وللعبد فيها حظ ونظر؛ فلم تبطل بجنونه.
وإذا كاتب عبده كتابة صحيحة، ثم جن العبد فأدى السيد المال- عتق، ولا يتراجعان، ولو كاتب عبده العاقل كتابة فاسدة، ثم جن، وله مال، فأداه المولى - عتق؛ لوجود الصفة، ويتراجعان.
أما إذا كاتب عبده المجنون، فالكتابة فاسدة، ونقل المزني: أنه يعتق بأخذ المال، ولا يتراجعان، ونقل الربيع: أنهما يتراجعان.
قال ابن سريج: يثبت التراجع، لأنها كتابة فاسدة، ونقل المزني وقع خطأ، والصحيح من المذهب، وبه قال أبو إسحاق-: لا يثبت التراجع، لأن المجنون ليس من أهل العقد؛ فيبطل معنى المعاوضة فيه بالكلية، ويبقى مجرد التعليق؛ فصار كما لو قال: إن أديت إلي ألفًا، فأنت حر، فإذا أدى الألف- عتق لوجود الصفة، ولا يتراجعان، ونقل الربيع وقع خطأ،
[ ٨ / ٤٢٨ ]
أو أراد به، إذا كاتب عبده العاقل كتابة فاسدة، ثم جن، وأدى-: عتق، ويتراجعان، وكذلك: لو كاتب عبده الصبي، فقبل-: فهو فاسد، فإذا أدى المسمى-: عتق؛ لوجود الصفة، وفي ثبوت التراجع: هذا الاختلاف؛ فمن أثبت التراجع في الصبي والمجنون، قال: ما فضل من الكسب- يكون له، ومن لم يثبت التراجع- قال: لا يكون الكسب له، وهذا أصح؛ لأن العقد مع الصبي والمجنون ليس بعقد، وكذلك: إذا اشترى شيئًا، فهلك عبده-: لا يضمن؛ بخلاف البالغ إذا اشترى فاسدًا، فهلك عنده-: ضمن.
فصل
روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبيﷺ- قال: "المكاتب عبد؛ ما بقي عليه درهم من كتابته".
المكاتب: لا يعتق شيء منه؛ ما لم يؤد آخر النجوم، فإن مات، وقد بقي عليه درهم فأقل من نجومه-: يموت رقيقًا؛ لأن عتقه معلق بأداء آخر النجوم؛ ولم يوجد.
وعند أبي حنيفة: إذا مات وخلف وفاءً-مات حرًا، وإن لم يخلف وفاءً، وله ولد، يستسعى الولد حتى يؤدي النجوم، فيحكم بحريته، وإن لم يكن له ولد- مات رقيقًا.
وقال مالك: إن خلف وفاءً وولدًا-: مات حرًا فإن قلنا: المعقود عليه في الكتابة هو الرقة؛ لأن الملك يزول عنها بأداء النجوم، وعند الفساد: ترجع إلى قيمتها، وقد فات المعقود عليه في يد العاقد، فأشبه تلف المبيع قبل القبض.
ولو أتى المكاتب بالنجوم، فقال السيد: هذا حرام- نظر: إن كان للسيد بينة على أنه حرام أو مغصوب-: لم يجبر على أخذه، وإن لم يكن له أن يحلف العبد على أنه حلال، فإن لم يحلف- حلف السيد، ولم يجبر على أخذه، وإن حلف العبد- يقال للسيد: إما أن تأخذه، وإما أن تبرئه عن قدره، فإذا أخذه برئت ذمة العبد عن ذلك القدر، ثم إن كان السيد سمى رجلًا، وقال: هذا لفلان-: يجب عليه تسليم ما أخذ إليه، وإن لم يسم رجلًا، بل قال: هو حرام، هل ينتزع من يده؟ فيه وجهان:
وإن أبى السيد أني أخذه أو يبرئه- أخذه الحاكم، وعتق العبد، والحاكم يمسك ما أخذه إلى أن يأخذه المولى، وإذا أدى المكاتب عوضًا في النجم الأول، فوجد السيد به عيبًا، فإن
[ ٨ / ٤٢٩ ]
شاء- رضي به معيبًا، وإن شاء رده فاستبدل، وإن خرج مستحقًا- رجع عن المكاتب بعوضه، وإن أدى آخر النجوم عوضًا، فخرج مستحقًا- بان أنه لم يعتق؛ لأن الأداء- لم يكن صحيحًا، وإن ظهر الاستحقاق بعد موت المكاتب-: بان أنه مات رقيقًا، وما تركه للمولى دون الورثة، وإن أدى آخر النجوم عوضًا، فوجد المولى به عيبًا، ولم يرد-: فله أن يرده، ويطالبه بالبدل قال صاحب "التقريب": بأدائه عتق في الظاهر؛ فإن رضي به-: استقر العتق؛ لأن ذمته برئت من النجوم، وإن رده، ارتفع العتق.
وقال الشيخ القفال: لا يحصل العتق بأدائه، حتى يرضى، خرج منه أنه إذا رضي بالعيب يحصل العتق من وقت الأداء، أم من وقت الرضا؟ فيه وجهان، بناءً على ما استوفى المسلم فيه، ثم وجد به عيبًا، ورده، هل يجعل كأنه استوفى في حقه، ثم فسخه، حتى تبقى الزوائد له، أم يجعل كأنه لم يستوفه؛ حتى يجب رد الزوائد؟ فيه وجهان، وهذا بناء على أن الصرف إلى الذمة إذا وجد بالمقبوض عيبًا بعد التفرق- هل له الاستبدال؟ فيه قولان:
وإذا أدى آخر النجوم عرضًا، [فقال له السيد: أنت حر، ثم خرج العرض مستحقًا-: رده، وهو رقيق كما كان؛ لأن قوله: "أنت حر"- كان بناءً على سلامة العرض؛ كما لو خرج المبيع مستحقًا في يد المشتري: له أن يرجع بالثمن على البائع، وإن كان يقر بأنه كان ملكًا للبائع- اشتريته منه؛ لأنه لم يسلم له المبيع بذلك القول.
ولو اختلفا، فقال المكاتب: أعتقتني بقولك: "أنت حر" وقال السيد: أردت أنك حر بما أديت، وبان أنه لم يصح الأداء-: فالقول قول السيد مع يمينه.
ولو أدى آخر النجوم عرضًا]، فتلف في يد المولى أو بعيب، ثم وجد به عيبًا قديمًا، فعلى المكاتب أرش النقصان، [فإن لم يؤد للمولى لعجزه رد العتق]؛ كما لو دفع دنانير فخرجت ناقصة عليه-: جبر النقص، وفي كيفية وجوب النقصان وجهان:
أحدهما: عليه ما انتقص من قيمة العرض.
والثاني: عليه [ما انتقص من] قيمة الرقبة؛ بنسبة ما انتقص من قيمة العرض، فإن انتقص عشر قيمة العرض-: [عليه قيمة عشر الرقبة؛ وإنما وزعنا قيمة الرقبة على قيمة العرض]، ولم نوزع على جميع النجوم؛ لأن العتق يحصل بأداء آخر النجوم لا يتوزع على النجوم.
[ ٨ / ٤٣٠ ]
فصل
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
روي عن علي﵇ في تفسير [هذه] الآية: يحط عنه ربع مال الكتابة. [ويجب على المولى: إيتاء المكاتب، وهو أن يحط عنه جزءًا من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءًا مما أخذ منه، ولأن يحط أولى من الدفع.
وعند أبي حنيفة: لا يجب، والآية حجة عليه.
ويستحب أن يحط ربع المال؛ لما رويناه عن علي ﵇ فإن لم يفعل، فالسبع؛ لما روي عن ابن عمر: أنه كاتب عبدًا له بخمس وثلاثين ألفًا، ووضع عنه خمسة آلاف.
واختلفوا في القدر الواجب، فمنهم من قال- وهو الأصح-: يجب أن يضع عنه أو يؤتيه ما يقع عليه اسم المال، وإن قل؛ كما أن له سهمًا من الزكاة، ولا تقدير له.
وقال أبو إسحاق وإليه ذهب بعض أصحابنا-: يجب أن يحط عنه قدرًا يقع به الاستغناء؛ وذلك يختلف بكثرة المال وقلته، فإن اختلفا: قدره الحاكم باجتهاده؛ كالمتعة تختلف بيسار الزوج وإعساره، وفي وقت وجوبه وجهان:
أحدهما: يجب أن يؤتيه بعد العتق؛ كالمتعة تجب بعد الطلاق.
والثاني: وهو الأصح-: أنه يجب قبل العتق من حين كاتب إلى أن يؤدي آخر النجوم؛ كسهم الزكاة يدفع إليه قبل العتق بعد الكتابة، والأولى أن يحط من آخر النجوم، حتى ينبني عليه العتق، وإذا أخذ جميع المال عليه أن يرد إليه شيئًا مما أخذ.
فإن دفع من غير جنس مال الكتابة-: لا يجوز، وإن دفع إليه من جنسه، لا من عينه-: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لو دفع من غير جنسه.
والثاني: يجوز؛ كما لو أخرج الزكاة من جنس مال الزكاة لا من عينه- يجوز.
فلو مات المولى بعد ما أخذ جميع النجوم-: فالمكاتب يحاص أهل الدين بحقه، سواء أوصى به أو لم يوص، وتقدم على سائر الوصايا كسائر الديون، فإن أوصى المولى، وقال:
[ ٨ / ٤٣١ ]
آتوه عشرة، فيقدر أقل ما يتمول يحاص أهل الدين، وبالزيادة: يحاص أهل الوصايا.
فصل في الاختلاف
إذا ادعى العبد على سيده؛ أنك كاتبتين، وأنكر السيد-: فالقول قول السيد مع يمينه، وكذلك بعد موت السيد: إذا ادعى على وارثه؛ أن أباك كاتبني-: فالقول قول الوارث، ويحلف بالله، لا أعلم أن أبي كاتبه، وإنما قلنا: يحلف على العلم؛ لأنه يمين على نفي فعل الغير.
ولو اتفقا على الكتابة، واختلفا في قدر النجوم، أو في صفتها، أو بعد أداء نجمين لم يكن في يده وفاء فقال: كاتبتني على ثلاثة أنجم، وقال المولى بل على نجمين، أو قال المولى: كاتبتك على ألف، فقال: بل كاتبتين مع عبد آخر على ألف، وقلنا: يصح - يتحالفان، ثم بعد التحالف- نظر: إن كان المولى لم يقبض شيئًا من النجوم أو قبض بعضه، سواء قبض أقل مما يدعيه العبد [أو أكثر؛ لكنه لم يقبض جميع ما يدعيه المولى] أو كان الاختلاف في الجنس، والسيد لم يقبض جنس ما يدعيه، إنما قبض ما يدعيه العبد فقد قيل: تنفسخ الكتابة بالتحالف، والمذهب: أنه لا تنفسخ، ولكن إن لم يتراضيا على شيء يفسخ القاضي الكتابة بينهما، ويعود العبد قنا؛ كما كان، وإن كان المولى قد قبض جميع ما يدعيه غير أن المكاتب يقول: الزيادة وديعة لي عندك-: فالعتق قد حصل بقبض ما يدعيه المولى؛ فلا يرد ويتراجعان-: فالسيد يرجع على المكابت بقيمة رقبته، والمكاتب يرجع بما أدى: فإن كان الجنس واحدًا- تقاصا، وصاحب الفضل يرجع بالفضل.
ولو قال السيد: كاتبتك على نجم واحد، وقال العبد: بل على نجمين-: فالقول قول السيد مع يمينه، لأنه يدعي فساد العقد، ولو قال المولى: كاتبتك، وأنا مجنون أو محجور، وأنكر العبد جنونه وحجره- نظر: إن عرف به جنون أو حجر سابق- قبل قوله مع يمينه، وإن لم يعرف-: فالقول قول العبد مع يمينه ولو ادعى المكاتب أداء النجوم، وأنكر السيد، فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل اشتغال ذمة المكاتب بها، فلو أراد العبد إقامة البينة، فقال: أنظروني، يمهل يومين وثلاثة، ولا يزاد عليها؛ بخلاف ما لو ادعى رجل على آخر دينا، فقال: أبرأني، أو أديت-: كان إقرارًا بالدين؛ فلو استمهل حتى يأتي ببينة على الإبراء، أو على الأداء-: لا يمهل، بل يؤمر بأداء الدين ثم إن أتى بحجة على الإبراء يسترد، لأن الكتابة عقد إرفاق، وهذا الإمهال من تتمة الإرفاق، ثم هذا الإمهال في الكتابة- واجب أم مستحب؟ فيه وجهان، ويقبل من المكاتب شاهد وامرأتان على الأداء، ولو أقام شاهدًا، وحلف معه-:
[ ٨ / ٤٣٢ ]
يثبت؛ لأنه شهادة على المال، والعتق يحصل ضمنًا، بخلاف ما لو ادعى أصل الكتابة-: لا يقبل عليه إلا عدلان، ولو وضع على المكاتب شيئًا من النجوم، فاختلفا، فقال السيد: وضعت من أول النجوم، وقال المكاتب: بل من آخرها، أو ادعى المكاتب أنه وضع الكل، وقال السيد: بل بعضه-: فالقول قول السيد مع يمينه.
ولو كاتبه على دراهم، ثم أبرأه عن الدنانير، أو كاتب على عرض، ثم أبرأه عن دنانير-: لا يصح، ولا يعتق؛ لأنه لم يبرئه عما عليه.
ولو كاتبه على ألف درهم، فوضع عنه عشرة دنانير-: لا يصح، فإن قال: أردت مائة درهم بقيمة عشرة دنانير-: صح.
فلو اختلفا فيما عنى؛ فقال المكاتب: عنى مائة درهم بقيمة عشرة دنانير، وأنكر السيد-: فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأنه أعرف بما عنى.
ولو قال: وضعت عنك من الدراهم ما يقابل عشرة دنانير: فإن كان معلومًا عندهما-: صح، وإن كان مجهولًا-: فقولان، بناءً على ما لو أوصى بأكثر من الثلث، فأجاز الوارث، وهو جاهر بالزيادة- فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، للجهل.
والثاني: يصح، ويحمل على أقل ما يتيقن.
ولو قال السيد: استوفيته، أو قال العبد أليس أوفيتك، قال: بلى، ثم ادعى المكاتب: أنه أوفاه الجميع، وقال المولى: بل بعضه، فالقول قول المولى مع يمينه؛ لأن الاستيفاء- قد يقع على البعض.
ولو كان له مكاتبان-: أقر أني استوفيت نجوم أحدهما، أو أبرأت أحدهما، وأشكل عليه، قال الشافعي: يقرع بينهما، وأراد به بعد الموت، أما في حياته- يحكم بعتق أحدهما، ويقال له: تذكر [وبين]، ويحبس حتى يبين: فإن بين في أحدهما، للآخر أن يدعي عليه، ويحلفه أنه لم يستوف نجومه، فإن حلف- كان المدعي مكاتبًا إلى أن يؤدي النجوم، وإن نكل السيد حلف المدعي، وعتقا جميعًا، فلو مات السيد قبل البيان-[هل يقوم وارثه مقامه في البيان] فيه قولان:
أحدهما: لا، بل يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة- كان حرًا، وعلى الآخر أداء
[ ٨ / ٤٣٣ ]
النجوم، وله تحليف الوارث: أنه لا يعلم أن أباه استوفى نجومه.
والقول الثاني: قام الوارث مقام المورث في البيان، فإن بين في أحدهما- حكم بعتقه، وللآخر: أن يدعي عليه، ويحلفه أنه لا يعلم أن مورثه استوفى نجومه، فإن نكل- حلف هو، وعتقا جميعًا.
وإن قال الوارث: لا أعلم، حلف لكل واحد منهما على الانفراد: أنه لا يعلم، وأمر العبدان [أن] يؤديا النجوم، لأن الأصل اشتغال ذمتهما بالمال.
فصل
إذا مات رجل عن اثنين، وله عبد، ادعى العبد أن أباكما كاتبني-: لا يخلو: إما أن كذباه، أو صدقاه، أو صدقه أحدهما وكذبه الآخر: فإن كذباه- فالقول قولهما: يحلف كل واحد منهما بالله لا نعلم أن أباه كاتبه.
وإن صدقاه: فهو مكاتب، وإذا استوفى أحدهما نصيبه من النجوم بإذن الآخر- هل يستبد به؟ فيه قولان:
فإن قلنا: يستبد به، أو أبرأه عن نصيبه، أو أعتقه- عتق نصيبه، وهل يقوم عليه الباقي؟ نظر: إن كان معسرًا لا يقوم، بل النصف الآخر مكاتب، فإن عجز- كان رقيقًا، وإن كان موسرًا - هل يقوم عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: يقوم؛ كالشريكين يكاتبان عبدًا، ثم أعتق أحدهما نصيبه، يقوم عليه الباقي.
والثاني: لا يقوم؛ لأن هذا العتق بحكم كتابة الأب، والميت لا يقوم عليه، وأصل القولين: أن رق المكاتب، هل يورث؟ فيه جوابان:
إن قلنا: لا يورث- لا يقوم؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب.
وإن قلنا: يورث - يقوم.
وقال أبو حنيفة والمزني إذا أبرأ أحدهما عن نصيبه-: لا يعتق نصيبه؛ لأن الأب: لو كان حيًا، وأبرأه عن نصف النجوم-: لا يعتق شيء منه، ولو أعتق يعتق.
قلنا: لأن الأب إذا أبرأ عن النصف-: لم يبرئه عن جميع ماله عليه، فلم يعتق شيء منه، [وأحد الاثنين: إذا أبرأ- فقد أبرأه عن جميع ماله عليه؛ فيعتق نصيبه] كأحد الشريكين، إذا
[ ٨ / ٤٣٤ ]
أبرأ عن نصيبه يعتق نصيبه.
قال الشيخ الإمام﵀: إذا أبرأ أحد الاثنين عن نصيبه، أو أعتق نصيبه، أو استوفى بإذن الآخر، وقلنا: يستبد به-: وجب أن يكون في عتق نصيبه قولان:
أصحهما: لا يعتق نصيبه، وعليه يدل النص بل يوقف، والشافعي﵁- قال: فأعتق أحدهما نصيبه فهو برئ عن نصيبه، ولم يقل: عتق نصيبه، ثم ذكر بعده، وقال في موضع آخر: يعتق نصفه، عجز أو لم يعجز؛ ففيه دليل على أن أحد الاثنين: إذا أبرأ عن نصيبه، أو أعتق نصيبه-: لا يعتق، على أحد القولين؛ بل يكون موقوفًا؛ فإن أدى نصيب الآخر-: عتق كله، وولاؤه للأب، فإن عجز قوم على المعتق، إن كان موسرًا وولاؤه له، وبطلت كتابة الأب، وإن كان معسرًا- فنصفه حر، وولاؤه للمعتق، ونصفه رقيق للابن الآخر.
قال الشيخ﵀-: وإنما يعتق عند العجز نصيبه؛ إذا كان أعتقه صريحًا، فإن كان بإبراء أو استيفاء-: فلا يعتق شيء منه، إذا عجز؛ إنما يعتق إذا أدى نصيب الابن الآخر؛ لأن الكتابة تبطل بالعجز، والعتق في غير الكتابة- لا يحصل بالإبراء قال الشيخ﵀-: بخلاف الأب لو أعتق [نصيبه-: عتق] كله؛ لأن الكل له، فلا يتجزأ فيه عتقه، وفي الاثنين: يتجزأ ملكهما وعتقهما؛ فكان إعتاق أحدهما كإبرائه في عدم نفوذ العتق في الحال: فإن قلنا: يعتق نصيبه في الحال، وهو موسر-: هل يقوم عليه نصيب الابن الآخر؟ فيه قولان:
فإن قلنا: لا يقوم- فهو مكاتب، فإن أدى نصيب الآخر، أو أبرأه الآخر، أو أعتقه- عتق كله، وولاؤه للأب، وإن عجز-: بقي نصفه رقيقًا ونصفه حرًا، وولاؤه للأب، وهل ينفرد به الابن الذي عتق نصيبه أم يكون بينهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون بينهما؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب.
والثاني: يكون لمن أعتقه؛ لأن نصيب الآخر بقي رقيقًا.
وإن قلنا: يقوم عليه نصيب الابن الآخر، متى يقوم؟ فيه قولان؛ كالشريكين، إذا كاتبا أو أعتق.
أحدهما: نصيبه: يقوم في الحال، لأن التقويم لعتق نصيبه، وقد عتق نصيبه الآن.
والثان: يقوم عند العجز، لأن حق العتاق ثابت له بكتابة الأب؛ فلا يبطل:
فإن قلنا: يقوم في الحال- تنفسخ الكتابة في النصف المقوم، وولاؤه للمقوم عليه، وولاء النصف الأول للأب، وهل ينفرد به الابن الذي أعتقه؟ فعلى الوجهين.
وإن قلنا: يقوم عند العجز: فإذا أدى نصيب الابن الآخر-: عتق كله، وولاؤه للأب،
[ ٨ / ٤٣٥ ]
وإذا عجز عن أدائه- يقوم على الأول، وولاء [كله] له، وبطلت كتابة الأب، وصار كأنه أعتق ملك نفسه.
وقيل: إذا قومنا عند العجز- فولاء هذا النصف له، وفي ولاء النصف الآخر وجهان.
فأما إذا ادعى العبد الكتابة، فصدقه أحد الاثنين، وكذبه الآخر-: فنصيب المصدق مكاتب، ونصيب المكذب قن، وللعبد تحليفه: أنه لا يعلم أن أباه كاتبه.
ولو شهد المصدق مع عدل آخر: أن الأب كاتبه-: يقبل، وكان كله مكاتبًا، وإن لم يكن معه عدل [آخر-: فلا يحلف المكاتب معه؛ لأن الكتابة لا تثبت بشاهد ويمين، وبقي نصفه قنا، فنصف كسبه للابن المنكر، ونصفه يدفعه إلى الآخر عن نجوم كتابته.
فلو اتفقا على المهايأة؛ يكسب يومًا للمنكر، ويومًا لنفسه، يؤديه في النجوم-: جاز، فإذا أدى نصف النجوم إلى المقر-: عتق نصفه، ولا يرجع المنكر عليه بشيء؛ لأنه كان يستخدمه بنصفه الرقيق، وما فضل من كسب ذلك النصف عن النجوم يكون للمكاتب، ولا يقوم عليه نصيب المنكر؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب، ولا يقوم على الميت؛ كما إذا أقر أحد الابنين: أن أبانا أعتق هذا العبد، وأنكر الآخر-: عتق نصيبه، ولا يقوم الباقي عليه، ولا هذا النصف الذي عتق بأداء النجوم يكون بينهما أم ينفرد به المقر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون بينهما؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب.
والثاني: للمقر؛ لأن المنكر أبطل حقه بالإنكار؛ كما لو ادعى وارثان دينًا من جهة الميت، وأقام شاهدًا، وحلف أحدهما معه، ولم يحلف الآخر-: أخذ الحالف نصف الدين، ولا يشاركه الآخر فيه، فلو مات هذا العبد، وقلنا: يورث ممن نصفه حر، وجعلنا ولاء ذلك النصف بينهما-: فنصف تركته للمقر، والنصف يوقف؛ لأن المنكر لا يدعيه، حتى ينكشف الحال، فلو أن المصدق أعتقه، وأبرأه عن النجوم-: عتق نصيبه، وهل يقوم عليه الباقي، إن كان موسرًا؟ قيل: فيه قولان؛ كما إذا صدقاه، ثم أعتقه أحدهما؛ غير أ، ثم: إنما يقوم إذا أعتق صريحًا: يقوم في أحد القولين عند العجز، وههنا: إذا قلنا: يقوم في الحال قولًا واحدًا؛ لأن الابن الآخر منكر للكتابة-: فلا يمكن الوقف على العجز.
وقيل: ههنا: يقوم قولًا واحدًا في الحال؛ لأن الابن الآخر منكر للكتابة؛ [فلا يمكن الوقف على العجز.
وقيل: ههنا: يقوم]؛ فيدعي على المعتق الآخر السراية.
[ ٨ / ٤٣٦ ]
قال الشيخ الإمام ﵀: ينبغي أن يجعل إبراء المصدق كالاستيفاء في أنه لا يقوم عليه نصيب المنكر، [إنما يقوم إذا أعتق صريحًا]، فإن قلنا: لا يقوم-: فالنصف رقيق للمنكر، وفي ولاء النصف الذي عتق- وجهان:
أحدهما: للمصدق.
والثاني: بينهما.
وإن قلنا: يقوم-: فولاء النصف الذي قوم للمقوم عليه، وفي ولاء النصف الآخر وجهان.
أما إذا عجز عن أداء النجوم، وعجزه المقر [له] عاد كله رقيقًا، ويكون بينهما، والكسب الذي في يده يكون للمقر؛ لأن المنكر أخذ نصيبه.
فلو اختلفا في شيء من الكسب، فقال المقر: حدث بعد الكتابة، فأخذت أنت نصيبك، وهذا لي، وقال المنكر: بل حدث قبل الكتابة، فكان ملكًا للأب؛ فيكون بيننا-: فالقول قول المقر مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه قبل الكتابة.
باب كتابة بعض العبد
إذا كاتب رجل نصف عبد- نظر: إن كان باقيه حرًا-: جاز؛ لأنه عقد الكتابة على جميع ما فيه من الرق؛ فيصح، كما لو كان كله رقيقًا، فكاتبه.
فإن كاتب جميعه-: فالكتابة في نصفه الحر باطلة، وفي النصف الرقيق قولان.
وإن كان باقيه رقيقًا-: لا يخلو إما إن كان الباقي له، أو لغيره: فإن كان جميع العبد له، فكاتب نصفه- نص على أنه لا يجوز، ونص فيما لو كاتب عبدًا في مرض موته، لا مال له سواه، يتكاتب ثلثه-: اختلف أصحابنا [فيه] قال ابن سريج: في كتابة بعض العبد قولان؛ كما لو كان العبد بين شريكين، فكاتب أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه فيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ كما لو باع أو رهن نصفه؛ يجوز.
والثاني: لا يجوز؛ لأن المكاتب يحتاج إلى التردد والمسافرة؛ لتحصيل النجوم، والسيد يمنعه بنصفه الرقيق؛ فلا يحصل مقصود العقد، ولأنه لا يمكن أن يوضع فيه سهم
[ ٨ / ٤٣٧ ]
المكاتبين؛ لأن نصفه يكون للسيد الذي لم يكاتب؛ بخلاف ما لو كان باقيه حرًا يجوز الوضع فيه.
ومنهم من قال وهو المذهب- لا يصح كتابة بعض العبد قولًا واحدًا؛ بخلاف ما لو كاتب في مرض موته عبدًا [لا مال له سواه يتكاتب ثلثه؛ وكذلك: لو أوصى بكتابة بعض عبده-: لا يصح؛ لأن العتق في حال الصحة يسري، ولا سراية للكتابة؛ فلم يجز كتابة البعض.
وإذا أوصى بعتق بعض عبد أو أعتق في مرضه]، ولا مال له سواه، يعتق ثلثه، ولا يسري، فصحت الوصية بكتابة بعض العبد، حتى لو كاتب في مرض موته بعض عبد يخرج كله من الثلث-: لا يصح على هذا الطريق.
فإن جوزنا كتابة بعض العبد: فإذا أدى النجوم-: عتق ذلك القدر، وسرى إلى الباقي، وإن لم نجوز-: فهي كتابة فاسدة في النصف، فإذا أدى المال قبل أن يفسخ المولى كتابته-: عتق، وسرى؛ كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار، فنصفك حر، فإذا دخل-: عتق نصفه، وسرى إلى الباقي، ثم العبد يرجع على السيد بما دفع إليه، والسيد يرجع عليه بنصف قيمته، إن كاتب نصفه، وإن كاتب ربعه فربع قيمته، ولا يرجع بقيمة النصف الذي عتق بالسراية؛ لأنه لم يعتق بحكم الكتابة الفاسدة، وإن أدى المال بعدما رجع السيد عنه-: لم يعتق، فأما إذا كان العبد مشتركًا بين رجلين، فكاتب أحدهما نصيبه- نظر: إن كاتب بغير إذن شريكه-: لم يجز لمعنيين:
أحدهما: لأن الشريك يتضرر به؛ لأنه ينتقص به ملكه.
والثاني: لأن العبد لا يمكنه المسافرة والتردد لتحصيل النجوم؛ لأن الشريك يمنعه؛ فلا يحصل مقصود الكتابة.
وإن كاتب بإذن الشريك-: ففيه قولان:
أصحهما:- وهو اختيار المزني-: لا يصح؛ لأن الشريك يمنعه عن المسافرة بنصفه الرقيق.
وقال في "الإملاء": يصح، وهو على المعنى الأول.
وقال أبو حنيفة: إن فعل بغير إ ذن الشريك-: لا يجوز، وإن فعل بإذنه: يجوز ثم إذا أدى النجوم عتق ويستسعى العبد في النصف الآخر [وقال محمد بن الحسن إن كاتب بغير إذن
[ ٨ / ٤٣٨ ]
الشريك-: فللشريك فسخه، وإن كاتب بإذنه-: يتكاتب الكل؛ مثل: أن كاتب نصيبه بألف يتكاتب الكل بألفين.
وقال مالك: لا يصح كتابه بعض العبد بحال.
فإن قلنا: يصح كتابة أحد الشريكين-: فنصف كسبه الذي لم يتكاتب ونصفه يؤديه في النجوم، وإن تهايأ فيستخدمه من لم يكاتب يومًا، ويتركه يومًا؛ لتحصيل النجوم-: جاز، وإذا دفع جميع كسبه إلى من كاتبه حتى تم مال الكتابة-: لا يعتق؛ لأن نصفه للشريك الآخر، فإذا أدى جميع النجوم من نصف كسبه-: عتق نصيبه، وكذلك: إذا أبرأه من كتابته عن النجوم، أو أعتقه-: عتق نصيبه، ويقوم عليه نصيب الشريك، إن كان موسرًا، وإذا عجز أو عجزه السيد-: عاد قنا، وما في يده من الكسب للذي كاتبه، لأن الشريك الآخر قد أخذ حقه.
وإن قلنا: لا يصح كتابة بعض العبد-: فهي كتابة فاسدة، فإن رجع من كاتبه-: ارتفعت الكتابة.
وإن لم يرجع، وكان العبد يؤدي الكسب إلى السيدين، حتى تم مال الكتابة-: عتق نصيب من كاتبه، ويقوم عليه نصيب الشريك، إذا كان موسرًا، والعبد يرجع على من كاتبه بما دفع إليه، وهو يرجع على العبد بنصف قيمته.
ولو دفع العبد جميع كسبه إلى من كاتبه، حتى تم مال الكتابة-: لا يعتق؛ لأن نصفه لغيره، ويجب أن يعطى مما يملك التصرف فيه؛ كما في الكتابة الصحيحة: لا يحصل العتق بأداء مال الغير.
وقيل: يعتق؛ لأن العتق في الفاسد يحصل بالصفة، وهي الأداء، وقد وجد، وليس بصحيح، والشريك الذي لم يكاتب يرجع على من كاتب بنصف ما أخذ؛ لأنه ملكه؛ هذا إذا كاتب أحد الشريكين قبل الآخر، أو دون الآخر؛ فإن كاتباه معًا أو وكلا رجلًا بالكتابة، فكاتب الكل أو وكل أحدهما صاحبه، فكاتب الكل عن نفسه وعن شريكه-: يصح قولًا واحدًا.
ويشترط: أن تكون النجوم متفقة، وأن تكون حصة كل واحد على قدر نصيبه، فإن كان لكل واحد نصفه-: يجب أن يكون المال مناصفة، ولو كان لأحدهما ثلثه-: يجب أن يكون المال أثلاثًا، فإن استويا في الملك، وتفاضلا في مال الكتابة، أو تفاضلا في الملك، واستويا في مال الكتابة، أو كاتب أحدهما نصفه على نجمين، والآخر على ثلاثة أنجم، واختلف المالان في الجنس-: فهو كما لو كاتب أحدهما دون الآخر-: لا يصح بغير إذن الشريك، وهل يصح بإذنه؟ فعلى قولين: الأصح أنه لا يصح.
[ ٨ / ٤٣٩ ]
فإذا صحت كتابتهما، فأخذ أحد الشريكين جميع كسب العبد دون إذن الآخر حتى أخذ حصته من مال الكتابة-: لا يعتق نصيبه، لأن نصف ما أخذه لشريكه، وإن أخذ بإذن شريكه، هل يستبد بما أخذ؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: لا يستبد به، ولا يعتق نصيبه، كما لو أخذ بغير إذن شريكه؛ لأنه لا حق للسيد فيما في يد المكاتب، بل حقه في ذمته فإذنه فيما لا حق له فيه كلا إذن.
والقول الثاني: وبه قال أبو حنيفة-: يستبد بما أخذ، ويعتق نصيبه؛ لأن للشريك حقًا فيما في يده، وعدم جواز الأخذ دون إذنه- لحقه، وقد أذن فيه.
وكذلك: لو كان لرجل في ذمة إنسان قرض أو ثمن مبيع، فمات من له الدين عن اثنين، فأخذ أحدهما نصيبه دون إذن الآخر-: لا يستبد به، وإن أخذ بإذنه فعلى قولين:
وقال المزني: ليس في إذن الشريك بالاستيفاء أكثر من أن قال: استوف بقبض النصف حتى أنا استوفي بعدك، فأخذ النصف-: لا يستبد به، كما لو وزن لأحدهما قبل الآخر.
قلنا: هناك لم يبطل حقه، وههنا: بخلافه.
فإن قلنا: يستبد بما أخذ-: عتق نصيبه، ثم نظر: إن كان معسرًا- لم يعتق النصف الآخر عليه، بل إن كان في يد المكاتب مال قدر ما يؤدي نصيب الآخر-: أدى وعتق كله، وإن لم يكن في يده ما فيه وفاء لحق الشريك-: يجوز للآخر تعجيزه.
وإن كان الشريك الذي أخذ نصيبه موسرًا-: يقوم عليه نصيب الشريك، ومتى يقوم؟ فيه قولان:
أحدهما: في الحال؛ لأن التقويم لعتق نصيب الشريك، وقد وجد.
والثاني: يقوم عند عجز المكاتب عن أداء نصيب الشريك؛ لأنا لو قومنا في الحال-: تضرر به العبد؛ لأنه لا يتبعه الولد والكسب، فإن قلنا: في الحال-: فبنفس عتق الشريك أم بأداء القيمة؟ فيه قولان.
وإن قلنا: يقوم [عند العجز-: فهل يعتق نصيب الشريك بنفس العجز أم بأداء القيمة؟ فإن قلنا: يقوم في الحال-: تنفسخ كتابة الشريك، وولاء كله للمقوم عليه، ويكون كسبه للإذن؛ لأنه حصل في حال تفارقه، والآخر أخذ نصيبه.
[ ٨ / ٤٤٠ ]
وإن قلنا: يقوم عند العجز: فإذا أدى نصيب الشريك الآخر-: عتق عن الكتابة، والولاء بينهما وإن عجز، قوم عن الأول، وعتق كله وولاء كله للمقوم عليه، وما اكتسب حين عتق نصفه الأول-: يكون بين المكاتب والشريك للإذن، فإن مات قبل أن يعجز أو يؤدي نصيب الشريك الآخر-: فقد مات، ونصفه حر، ونصفه رقيق، هذا إذا استوفى أحدهما نصيبه.
أما إذا أبرأ أحدهما عن نصيبه أو أعتق نصيبه-: عتق نصيبه، ثم إن كان موسرًا-: يقوم عليه نصيب الشريك، ومتى يقوم؟ في الحال أو عند العجز عن أداء نصيب الشريك، فعلى ما ذكرنا من القولين.
وإذا كاتبه الشريكان معًا، فعجز عن أداء النجوم، فعجزه أحد الشريكين، وأراد الآخر تبقية الكتابة في نصيبه.
قيل: هو كابتداء الكتابة، إن أراد التبقية بغير إذن الشريك-: لا يجوز، وبإذنه على قولين.
وقيل ههنا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
وإذا كاتبا عبدًا معًا، ثم ادعى العبد بأني أديت إليكما مال الكتابة، إلى كل واحد نصيبه: فإن صدقاه-: عتق، وإن كذباه، فالقول قولهما مع يمينهما، وإن صدقه أحدهما، وكذبه الآخر، عتق نصيب المصدق، والقول قول المكذب مع يمينه؛ أنه لم يأخذ، فإن حلف-: بقي نصيبه على الكتابة، وهو بالخيار: إن شاء-: رجع على العبد بحصته من النجوم، وإن شاء-: شارك المصدق فيما أخذ، مثل: إن كاتباه على ألف، فأخذ المصدق خمسمائة-: أخذ المكذب منه مائتين وخمسين، ومن المكاتب مائتين وخمسين؛ لأن كسب المكاتب كان مشتركًا بينهما، فإذا أخذ منهما أو من العبد-: عتق كله، وإذا أخذ منهما المصدق-: لا يرجع على العبد بما أخذ منه المكذب؛ لأنه مقر بأنه مظلوم، فلا يرجع على غير من ظلمه، وكذلك: إذا أخذ من العبد لا يرجع على المصدق؛ فلو أن المصدق شهد بأن شريكي أخذ نصيبه-: لا تقبل شهادته؛ لنه سقط بشهادته عن نفسه مشاركته فيما أخذ، فيكون متهما، ثم إذا أدى العبد إلى المكذب حصته-: عتق، وإن لم يكن في يده وفاء وعجزه-: رق نصفه، ولا يقوم نصيبه على المصدق؛ لأنه لا يقر له أني سبقتك بالإعتاق؛ بل يقول: أخذنا معًا- فهو كشريكين في عبد، فقال أحدهما: أعتقنا هذا العبد معًا، وأنكر الآخر-: عتق نصيب المقر، ولا يقوم عليه الباقي، لأنه لم يسبق بالإعتاق، ولا فرق بين أن يكون هذا الاختلاف في أداء آخر النجوم أو في أولها إلا أن الاختلاف إذا كان في النجم الأول: لا يحصل العتق إذا صدقاه أو أحدهما؛ فأما إذا قال المكاتب لأحد الشريكين: دفعت إليك الألف كلها، لتأخذ منها نصيبك، وتدفع الباقي إلى الشريك الآخر، فقال: لا، بل دفعت إلي نصيبي، ودفعت نصيب الآخر إليه بنفسك، وأنكر
[ ٨ / ٤٤١ ]
الآخر-: عتق نصيب المقر والقول قوله مع يمينه في أنه لم يأخذ نصيب الآخر، وبقي نصيب النمكر على الكتابة، والقول قول المنكر في نصيبه؛ أنه لم يقبضه بلا يمين؛ لأن المكاتب لا يدعي عليه شيئًا، ثم المنكر يتخير بين أن يأخذ خمسمائة من العبد، وبين أن يأخذ من المقر مائتين وخمسين، ومن العبد مائتين وخمسين، ثم لا رجوع لأحدهما على الآخر.
ولا تقبل شهادة المقر على المنكر؛ فإذا أخذ المنكر حصته: إما من المكاتب، أو منهما عتق العبد.
وإن عجز المكاتب عن أداء ما يجب عليه: إما عن الخمسمائة، إن رجع بالكل عليه، أو عن مائتين وخمسين؛ إن رجع بالنصف-: له تعجيزه، فإذا عجزه-: كان نصفه حرًا، ونصفه رقيقًا، كما سبق.
قال الشافعي في هذه الصورة: ويقوم على المقر النصف الأخير: فمن أصحابنا من نقل جواب هذه إلى الأولى؛ فخرجهما على قولين، وليس بصحيح؛ بل المذهب أن هناك: لا يقوم، وههنا: يقوم.
والفرق: أن التقويم يراد لحظ العبد، وهناك: يقول العبد: أنا حر؛ لأني أديت المال إلى المستحق؛ فلا معنى لتقويمه، وههنا: يدعي أنه مملوك مستحق للتقويم؛ لأنه يقر بأني ما أديت إلى الشريك الآخر حقه، فأما إذا قال المكاتب لأحد الشريكين: دفعت إليك الألف؛ لتأخذ نصيبك، وتدفع إلى الآخر نصيبه، فقال: قد فعلت ما قلت، وعتقت، وأنكر الشريك الآخر: أن يكون أخذ شيئًا-: عتق نصيب المقر، والقول قول المنكر مع يمينه في نصيبه، فإذا حلف-: كان نصيبه مكاتبًا كما كان، وله الخيار بين أن يأخذ من المكاتب خمسمائة، وبين أن يرجع بجميع الخمسمائة على المقر؛ لأنه أقر بأخذها، ومن أيهما أخذ-: عتق المكاتب، ثم إن أخذ من المكاتب-: رجع المكاتب بالخمسمائة على المقر، سواء صدقه في دفعه إلى الشريك المنكر، أو كذبه، لأنه- وإن صدقه-: فإنه يقول: كان عليك أن تدفع دفعًا مبرئًا، ويشهد عليه، وإن أخذ المنكر الخمسمائة من المقر-: لا رجوع له على المكاتب، لأنه مقر بأنه مظلوم، فلا يرجع بالظلم على غير من ظلمه، فلو اختار المنكر الرجوع على المكاتب، [فعجز]، وهذا مما يبعد؛ لأن له أن يأخذ من المقر الخمسمائة، فيؤديها في النجوم؛ لكنه لم يفعل، واختار العجز، فيكون نصفه حرًا بإقرار المقر، ونصفه رقيقًا، ويقوم هذا النصف على المقر، فالمنكر يرجع عليه بقيمة ذلك النصف، ويرجع بالخمسمائة التي أقر بقبضها؛ لأنه كسب نصف العبد الذي كان له، والله أعلم.
[ ٨ / ٤٤٢ ]
باب ولد المكاتبة
لا يجوز للمولى وطء مكاتبته؛ لاختلال ملكه عليها، فإن وطئها لا حد عليه، لشبهة الملك، سواء كان عالمًا بالتحريم أو [كان] جاهلًا؛ لأن له فيها ملكًا، وإن كان ضعيفًا؛ بدليل نفوذ عتقه فيها، ويعزر من كان منهما عالمًا، ولا يعزر الجاهل، ويجب المهر، علمًا أو جهلًا، مكرهة كانت الجارية أو مطاوعة، فإن عجزت قبل أخذ المهر-: سقط المهر، وإن عتقت بأداء النجوم-: أخذت المهر.
ولو وطئها السيد وأحبلها-: فالولد حر، وصارت أم ولد له، والكتابة بحالها، فإن عجزت، ثم مات السيد- عتقت عن الاستيلاد، وتبقى أكسابها للمولى، ويتبعها الأولاد الذين حصلوا بعد الاستيلاد من زوج أو زنًا، وما حصلوا قبله أرقاء.
ولو مات السيد قبل عجزها-: عتقت، ثم يقع عتقها عن الكتابة أم عن الاستيلاد فالصحيح: أن عتق الكاتب لا يقع إلا عن الكتابة، سواء تقدم الاستيلاد على الكتابة أو تأخر عنها.
وكذلك: لو علق عتق مكاتبه بصفة أو كاتب، ثم علق عتقه بصفة، فإذا وجدت الصفة، أو مات المولى في الاستيلاد قبل أداء النجوم-: يعتق عن الكتابة؛ كما لو أدى النجوم قبل وجود الصفة.
ويجوز: أن يقع عتق المكاتب عن الكتابة قبل أداء النجوم؛ كما لو أعتقه المولى وأبرأه عن النجوم-: كان عتقه عن الكتابة.
وقيل: إن مات السيد قبل أداء النجوم أو وجدت الصفة: تعتق عن الاستيلاد ووجود الصفة وغن كان كسبها لها؛ كما لو أعتقها المولى، ولا يختلف القول به، وإن كاتبها، ثم استولدها، ومات المولى-: تبعها جميع أكسابها، فأما الأولاد التي حصلت من زوج أو زنًا-: فما حصل بعد الاستيلاد: يتبعها، وما حصل بعد الكتابة قبل الاستيلاد-: فعلى قولين، سنذكره - إن شاء الله تعالى.
وإن استولد، ثم كاتب، وأدى النجوم-: فالأكساب التي حصلت بعد الكتابة-: تتبعها، وما حصلت قبل الكتابة بعد الاستيلاد: يكون للمولى، والأولاد الذين حصلوا من زوج أو زنًا بعد الاستيلاد يتبعونها.
[ ٨ / ٤٤٣ ]
فصل
إذا أتت المكاتبة بولد من زوج أو زنًا-: هل يثبت للولد حكم الكتابة؟ فيه قولان:
أصحهما: يثبت، وهو المنصوص ههنا؛ لأن سبب الحرية كحقيقة الحرية في استتباع الولد؛ كالاستيلاد يستتبع الولد؛ فعلى هذا: إن عتقت-: عتق الولد، وإن عجزت-: فهو رقيق.
والقول الثاني: لا يثبت للولد حكم الكتابة؛ لأنه عقد [يقبل] الفسخ؛ كالمرهونة: إذا أتت بولد- لا يثبت حكم الرهن في الولد؛ بخلاف الاستيلاد؛ فإن حق العتاق هناك آكد؛ بدليل أنه لا يقبل الفسخ، والكتابة أولى بالسراية من التدبير؛ لأنها آكد من التدبير، فإنها تمنع البيع، والتدبير لا يمنع البيع، هذا في ولد لم يتحقق وجوده يوم الكتابة؛ فإن أتت به لستة أشهر فأكثر من يوم الكتابة: فإن تحقق وجوده يوم الكتابة-: بأن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم الكتابة: فإن قلنا: الحمل لا يعرف-: فهو كالحادث من بعد، وإن قلنا: يعرف-: فلا تسري الكتابة إلى الولد؛ بخلاف التدبير، فحيث قلنا: يسري إلى الولد؛ لأن تدبير الصغير يجوز.
قال الشيخ﵀-: سواء قلنا: الحمل يعرف أو لا يعرف: وجب أن يثبت حكم الكتابة والتدبير في الولد؛ لأن ثبوته في الولد ليس بطريق [السراية، بل بطريق] الاستتباع، كما يتبع الولد الأم في البيع، وإن كان البيع لا يقبل السراية.
فإن قلنا: لا يثبت حكم الكتابة للولد: فهو قن، يجوز للمولى بيعه وهبته وإعتاقه عن كفارة، وإن كاتب جارية-: يجوز له وطؤها.
وإذا وطئت بالشبهة-: [يكون المهر له، وإن قتل: تكون القيمة له كسائر عبيده، وإن قلنا: يثبت له حكم الكتابة]: لا نعني به: أنه يجب على الولد شيء من النجوم، بل نعني به: أن الأم إذا أدت النجوم، وعتقت-: عتق الولد تبعًا لها؛ فعلى هذا: الحق في ذلك الولد لمن يكون؟ فيه قولان:
أحدهما: الحق لها؛ لأنه يكاتب عليها.
والثاني: يكون للسيد؛ لأن الحرية لم تكمل في الأم، حتى يثبت لها الحق فيه.
وفائدته: فيما إذا قتل ذلك الولد: يجب على القاتل قيمته، ثم إن قلنا: الحق للمولى-: فالقيمة تكون له؛ لأن الولد تبع للأم، والأم لو قتلت-: كانت القيمة للمولى؛ كذلك قيمة
[ ٨ / ٤٤٤ ]
الولد، وجعله الشافعي﵁- أشبه القولين، وإن قلنا: الحق لها-: فالقيمة تكون لها؛ تستعين بها على أداء النجوم، وهو اختيار المزني، ﵀.
ولو جني على ذلك الولد، أو كانت جارية، فوطئت بالشبهة، أو اكتسبت: فإن قلنا: الحق في الولد لها-: فالأرش والمهر والكسب لها تستعين بها على أداء النجوم، ونفقة الولد تكون عليها؛ كولد المكاتب من أمته: تكون نفقته عليه.
وإن قلنا: الحق فيه للسيد-: فقد قيل: يكون الأرش والمهر والكسب للسيد؛ كالقيمة: إذا قتل، وليس بصحيح، بل المذهب: أنه ينفق على الولد من الأرش والمهر والكسب، ويداوي به جرحه، وما فضل-: يوقف، فإن عتقت-: فكله للولد، وإن رق بعجز الأم-: فللسيد كما أن كسب الأم يكون لها إن عتقت، وإن عجزت-: فللسيد، وعلى هذا: إن لم يف كسبه بنفقته، أو لم يكن له كسب-: فنفقته على السيد؛ لأنه موقوف له، فإذا مات الولد-: فالحكم في كسبه كالحكم في قيمته، إذا قتل، وفيه قولان:
أحدهما: يكون للسيد.
والثاني: لها؛ فتستعين به في أداء النجوم.
ولو أعتق السيد ولد المكاتبة: [فإن قلنا: الحق لها-: فلا ينفذ عتقه، وكما لو أعتق عبد المكاتب] وإن قلنا: الحق للسيد-: ينفذ عتقه فيه، بخلاف عبد المكاتب: لا ينفذ عتقه فيه؛ لأنه لا حق له فيه؛ وهذا بخلاف ولد المكاتب من أمته، إذا أعتقه السيد-: لا يعتق قولًا واحدًا.
والفرق: أن المكاتب يملك ولد أمته، إذا كان من زوج أو زنًا، ولا ينفذ إعتاق السيد فيه، وولده من أمته ولد أمته، فلم ينفذ عتقه فيهز
والمكاتبة لا تقر يدها على ولدها؛ بحيث تقدر على بيعه: إنما تقر يدها على ولد أمتها، وولدها لا يكون ولد أمتها؛ إنما يثبت لها حق العتاق؛ كالأم، فإذا أعتقه المولى-: يعتق، كما لو أعتقها.
ولو وطئ السيد ولد المكاتبة-: عزر، ولا حد عليه لشبهة الملك.
أما المهر-: فيؤخذ منه على قولنا: إن حكم الكتابة يثبت في الولد، ثم إن قلنا: الحق فيه للأم-: فالمهر لها تستعين به في أداء النجوم.
[ ٨ / ٤٤٥ ]
وإن قلنا: الحق للمولى-: فينفق منه على الولد، ويوقف الباقي: [فإن عتق بعتق الأم-: كان له] وإن عجزت الأم-: فللمولى، وإن أحبلها-: صارت أم ولد له، ولا يجب عليه قيمتها؛ لأنها ليست بملك للأم، إنما يثبت لها [حق العتاق] بكتابة الأم، وقد تأكد ذلك بالاستيلاد.
[قال الشيخ﵀-: وحكم الكتابة فيها قائم، حتى يعتق بعتق الأم، والكسب لها على قولنا: إن الحق لها].
قال الشيخ﵀-: فإن مات السيد-: يعتق الولد بموته، وتؤخذ القيمة من تركته لها، إذا جعلنا الحق لها؛ كما لو قتله المولى، وإذا استولد [المولى] مكاتبته قد ذكرنا: أن الولد حر، وصارت أم ولد له، وهل يجب على المولى قيمة الولد؟ إن قلنا: ولد المكاتب من غير السيد قن للمولى، أو قلنا يتكاتب عليها ولكن الحق فيه للمولى؛ لا يجب عليه قيمة الولد؛ كما إذا قتل المولى ولدها.
وإن قلنا: الحق في ولدها لها-: فيجب على المولى قيمة الولد لها؛ تستعين بها في أداء النجوم، فإن عجزت-: قيل: إن أخذت سقط عنه، وإن عتقت قبل الأخذ-: لها مطالبته بها.
فصل
لا يجوز للمكاتب أن يتزوج بغير إذن المولى، ويجوز بإذنه.
وقيل: في نكاحه بإذن المولى قولان؛ كتبرعاته؛ لأنه يلزمه المهر والنفقة، والمذهب الأول: أنه يجوز بإذنه مولاه قولًا واحدًا؛ لأنه لم يبذل المهر والنفقة مجانًا؛ إنما يبذله بمقابلة عوض، وهو البضع.
ولا يجوز للمكاتب أن يتسرى على ظاهر المذهب، وإن أذن له المولى، ويجوز له شراء الجواري للتجارة؛ لأنه قد يحصل له عليها الربح، فلو اشترى جارية ووطئها-: لا حد عليه؛ لشبهة الملك، فلو أحبلها-: فالولد ثابت النسب، ثم نظر: إن أتت به لستة أشهر فأكثر من يوم عتق المكاتب، وكان يطؤها-: فالولد حر، لا ولاء عليه إلا الولاء الذي على الأب، والجارية تصير أم ولد له، وإن أتت به في حال الكتابة-: يتكاتب الولد عليه: يعتق بعتقه، ويرق برقه، وعليه نفقته، وإذا عتق بعتقه-: كان ولاؤه له، لأنه عتق عليه، وكذلك-: إذا أتت به بعد العتق لأقل من ستة أشهر: فقد يتكاتب عليه، وعتق بعتقه؛ بخلاف ولد المكاتبة: لا يتكاتب عليها؛
[ ٨ / ٤٤٦ ]
على أحد القولين؛ لما ذكرنا: أن المكاتبة لا تقر يدها على ولدها؛ فلم يتكاتب عليها، والمكاتب تقر يده على ولد أمته إذا كان من زوج أو زنًا، وولده من أمته ولد أمته، فيقر عليه يده، ثم يتكاتب عليه لحق القرابة، ثم الحق في ولد المكاتب [من أمته]: يكون للمكاتب، حتى لو قتل: تكون القيمة له، ولا ينفذ إعتاق السيد فيه، وإن كانت جارية، فوطئها السيد-: يجب عليه مهرها [كما لو وطئ أمة المكاتب: يجب عليه مهرها]، إذا ثبت أن ولد المكاتب من أمته يتكاتب عليه- فهل تصير الجارية أم ولد له؟ فيه قولان:
أحدهما: تصير أم ولد له، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني؛ حتى لا يجوز له بيعها؛ لأنه لما ثبت للولد حكم الحرية، حتى تكاتب عليه-: ثبت للأم حكم أمومة- الولد.
والقول الثاني: وعليه نص ههنا، وفي عتق أمهات الأولاد-: لا تصير أم ولد له، وهو الصح؛ لأنه لم تتم فيه الحرية، والولد ثبت له حكم الحرية لا بالاستيلاد في الملك، بل بحصول الملك في الولد؛ ألا ترى: لو ملك ولده في الكتابة: صار مثله، وإذا اشترى [أم] ذلك الولد-: لا تصير أم ولد له فإن قلنا: تصير أم ولد له، حتى لا يجوز [له] بيعها، فإذا عتق بأداء النجوم-: فقد استقر أمومة الولد، وإذا عجز، فملك السيد هي وولدها-: يجوز له بيعها، فإذا باعها المولى، ثم عتق العبد، فملكها-: لا تصير أم ولد له؛ لأنا تبينا بطريان العجز: أن حكم أمومة الولد لم تثبت، وأن العلوق حصل برقيق.
وإن قلنا: لا تصير أم ولد له، حتى يجوز له بيعها، فإن عجز وبيعت، ثم عتق، واشتراها-: لا تصير أم ولد له؛ لأنها علقت برقيق؛ وكذلك: لو عتق بأداء النجوم-: فالمذهب هذا أيضًا: [أنها] لا تصير أم ولد له.
وقال أبو إسحاق: تصير أم ولد له، تخريجًا من الراهن: إذا وطئ المرهونة، وأحبلها، وقلنا: لا تصير أم ولد له، فإذا بيعت، ثم ملكها تصير أم ولد له [في قول] وليس بصحيح؛ لأن- ثم - علقت منه بحر، وههنا [علقت] برقيق، هذا إذا أتت بالولد في حال الكتابة، أو بعد العتق لأقل من ستة أشهر.
فإن أتت [به] بعد العتق بستة أشهر فأكثر: قال الشافعي: صارت أم ولد له.
فمن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: أراد به: إذا وطئها بعد الحرية، وولدت لستة أشهر فصاعدًا من يوم الوطء؛ حتى يكون العلوق في الحرية، فأما إذا لم يكن وطئها بعد الحرية
[ ٨ / ٤٤٧ ]
-: فلا تصير أم ولد له؛ على هذا القول.
ومنهم من قال: تصير أم ولد له؛ سواء وطئ بعد الحرية أو لم يطأ؛ لأنها كانت فراشًا قبل الحرية، وبعد الحرية: ذلك الفراش مستديم.
ولو أتت بالولد لوقت يجوز أن يكون العلوق في الملك التام، وهو بعد الحرية؛ فتصير به أم ولد [له]؛ بخلاف ما لو أتت به لدون ستة أشهر؛ لأن- ثم - لا تحتمل العلوق بعد الملك التام، ولو زوج أمته من عبده، ثم كاتب العبد، ثم باع زوجته منه، فأتت بولد، فاختلفا: فقال المولى: ولدت قبل الكتابة، فهو [قن] لي، وقال المكاتب: بل بعد الكتابة والشراء: قد كاتب علي-: فالقول قول المكاتب مع يمينه؛ بخلاف المكاتبة، إذا أتت بولد، وقلنا: يتكاتب عليها، فاختلفا، وقال المولى: أتيت به قبل الكتابة-: فهو رقيق لي، وقالت: [بل] بعد الكتابة والشراء-: فالقول قول المولى مع يمينه؛ وكذلك: لو أدت المال، وعتقت، ثم اختلفا: فالقول قول المولى مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على ثبوت الملك للمولى في الولد؛ لأن ولد المكاتبة مملوك للمولى.
وإن اختلفا في أنه هل يكون مكاتبًا أم لا؟
أما ولد المكاتب-: جعلنا القول فيه قول المكاتب؛ لأن يد المكاتب تقر على ولده، فدعواه الولد دعوى ملك، واليد تدل عليه؛ كما لو كان في يد المكاتب مال ادعاه السيد-: كان القول قول المكاتب؛ فالمكاتبة لا تدعي الملك؛ لأن يدها لا تقر على ولدها؛ بل تدعي أن الولد موقوف، واليد لا تدل على الوقف، ولا على الكتابة.
ولو أقام السيد أربع نسوة على أنها أتت به قبل الكتابة، قبل؛ لأنها شهادة على الولادة، ثم الملك يثبت ضمنًا.
وإن اتفقا على أنها أتت به بعد البيع-: يتكاتب عليه، سواء أتت به لأقل من ستة أشهر أو لأكثر؛ كمن اشترى جارية، فأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الشراء-: يكون للمشتري، حتى لو أتت بتوءمين، أحدهما: قبل البيع، والآخر: بعده وبينهما أقل من ستة أشهر-: فالأول للسيد، والثاني يتكاتب عليه؛ كما في الشراء، والله أعلم.
باب المكاتبة بين اثنين يطؤها أحدهما
إذا كاتب رجلان أمة معًا، ثم وطئها أحدهما-: لا حد عليه؛ لشبهة الملك، وعذر إن
[ ٨ / ٤٤٨ ]
كان عالمًا، وعليه المهر لها، فيأخذه إن لم يحل عليها نجم، وإن حل عليها نجم، فإن كان في يدها ما تدفع إلى السيد، الذي لم يطأ، مثل المهر-: فعلت، وصار المهر الذي على الواطئ بمثله من النجوم قصاصًا، وإن لم يكن معها شيء تدفعه إلى الآخر-: فالذي لم يطأ يأخذ نصف المهر من الواطئ، والنصف الآخر يصير قصاصًا بمثله من النجوم؛ فتبرأ ذمة [المكاتب] عن قدر المهر من النجوم، فإن عتقت النجوم المكاتبة- نظر: إن كان قبل أخذ المهر، ولم يصر قصاصًا بالنجوم-: أخذته بعد العتق، وإن كان بعد أخذ المهر-: فلا شيء لها، وإن عجزت- نظر: إن كان بعد أخذ المهر: فإن كان قائمًا في يدها-: يكون للسيدين، وإن كان هالكًا-: فلا شيء على أحد، وإن عجزت] قبل أخذه: فإن كان في يدها مال بقدر المهر-: أخذه السيد الآخر، وبرئت ذمة الأول، وإن لم يكن في يدها شيء- أخذ السيد الذي لم يطأ نصف المهر من الواطئ، وإن وطئها أحدهما، وأحبلها، ولم يدع الاستبراء بعد الوطء-: صار نصيبه أم ولد له مع بقاء الكتابة، ثم نظر: إن كان معسرًا-: لا يقوم عليه نصيب الشريك، وعليه جميع المهر لها، وفي الولد وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة-: ينعقد كله حرًا.
والثاني: وهو الأصح: وهو قول أبي إسحاق: نصفه حر، ونصفه مملوك؛ لأن أحد نصفي الجارية ليس له، ولو لم تكن كلها له: كان الولد رقيقًا؛ [فكذلك: إذا لم يكن نصفها له-: كان نصف الولد] رقيقًا.
فإن قلنا: ينعقد الولد كله حرًا، كم يجب عليه من قيمة الولد؟
إن قلنا: ولد المكاتبة قن للمولى-: فعلى الواطئ نصف قيمته للشريك الآخر، والنصف ساقط.
وإن قلنا: يتكاتب عليها: فإن قلنا: الحق فيه للمولى-: فهكذا.
وإن قلنا: الحق فيه لها-: فعليه جميع قيمة الولد، لها تستعين بها في أداء النجوم؛ فإن عتقت قبل الأخذ-: أخذت، وإن عجزت قبل الأخذ-: أخذ الشريك الآخر نصفها، وسقط النصف وإن قلنا: ينعقد [نصف] الولد حرًا-: فالنصف المملوك ما حكمه؟
إن قلنا: ولد المكاتبة قن للمولى-: فهو للشريك الآخر، ولا شيء على الشريك الواطئ من القيمة، وإن قلنا: ولد المكاتبة يتكاتب عليها-: فالنصف الآخر يتكاتب على الأم
[ ٨ / ٤٤٩ ]
يعتق بعتقها، ويرق برقها للشريك الآخر، وهل يجب على الواطئ قيمة النصف الحر على هذا القول؟
إن قلنا: الحق في ولد المكاتبة للسيد-: لا يجب.
وإن قلنا: الحق لها-: يجب.
ثم إن عتقت-: عتق الولد، وسلم لها نصف القيمة، فإن لم تكن أخذت تأخذه، وإن عجزت-: سقط عنه.
فإن كان قد دفع، استرد إن كان قائمًا في يدها، والنصف الآخر رقيق للشريك [الآخر].
هذا إذا كان الواطئ معسرًا، فإن كان موسرًا-: كان الولد حرًا، ويقوم عليه نصيب الشريك، فتكون جميعها أم ولد له، ومتى يقوم.
فيه قولان:
أحدهما: يقوم في الحال.
والثاني: عند العجز؛ كما ذكرنا في الإعتاق.
فإن قلنا: يقوم في الحال- تنفسخ الكتابة في نصيب الشريك، فنصفها مكاتب، ونصفها أم ولد، فعلى الواطئ للشريك نصف مهر مثلها، ونصف قيمتها.
وهل يجب نصف قيمة الولد؟
إن قلنا: السرايا تقع بأداء القيمة- يجب؛ لأن العلوق يقدم على الملك.
وإن قلنا: بنفس العلوق-: لا يجب.
أما نصيب الواطئ-: لا تنفسخ فيه الكتابة-: فعليه لها نصف المهر، فتستعين على أداء النجوم.
وهل يجب نصف قيمة الولد؟
فعلى ما ذكرنا في ولد المكاتبة- لمن يكون؟ فإذا أدت مال الكتابة لنصيب الواطئ-: عتق ذلك النصف، وسرى إلى الباقي.
وإن قلنا: يقوم عند العجز، فإذا أدت النجوم-: [عتقت] عن الكتابة، وبطل حكم الاستيلاد، ويجب لها مهر المثل على الواطئ فتأخذه، إن لم تكن أخذت، ولا تجب قيمتها.
[ ٨ / ٤٥٠ ]
وأما قيمة الولد: إن قلنا: ولد المكاتبة قن للسيد: يجب نصف قيمته للشريك.
وإن قلنا: يتكاتب عليها: فإن قلنا: الحق للسيد: فكذلك.
وإن قلنا: الحق لها: فتجب جميع القيمة لها.
وإن لم تؤد النجوم، وعجزت: يجب على الواطئ نصف مهر مثلها، ونصف قيمتها، ونصف قيمة ولدها كلها- للشريك.
ولو وطئها أحدهما، وادعى الاستبراء، وأتت بولد بعد الاستبراء بستة أشهر: لم يلحقه، وهو كولد المكاتبة من زوج أو زنًا.
هذا إذا وطئها أحدهما.
أما إذا وطئاها جميعًا- نظر: إن لم يحصل العلوق: يجب على كل واحد كمال مهرها لها، وإن حصل العلوق- لا يخلو: إما إن أتت بولد واحد، أو بولدين:
فإن أتت بولد واحد- نظر: إن ادعيا الاستبراء، [أو حلفا عليه: فالولد منفي عنهما]، وهو كولد أتت به من زوج، أو زنا.
وإن لم يدعيا الاستبراء: فله أربعة أحوال:
إحداها: أن يعلم أنه ليس لواحد منهما: فإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وطء الأول، ولدون ستة أشهر من وطء الآخر: فهو كولد أتت به من زوج، أو زنًا.
الثانية: أن يعلم أنه من الأول؛ بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر، ولدون أربع سنين من وطء الأول، ولأقل من ستة أشهر من وطء الثاني: فهو للأول، وحكمه ما ذكرنا في وطء أحدهما من أنها [تكون] أم ولد له، وإن كان موسرًا.
ومتى يسري إلى نصيب الشريك؟ فعلى القولين.
وإن كان معسرًا: فلا يسري.
فإن كان موسرًا، حتى حكمنا بالسراية: فإن وطئها الثاني بعد العجز: فأداء القيمة عليه تمام المهر الأول.
وإن وطئها قبلا لعجز: إن قلنا: تقع السراية في الحال- فكذلك: عليه كمال المهر: نصفه للأول، ونصفه لها؛ تستعين به في أداء النجوم.
[ ٨ / ٤٥١ ]
[وإن قلنا: يقع عند العجز: فعليه كمال المهر لها؛ تستعين به في أداء النجوم].
الحالة الثالثة: أن يعلم أن الولد من الثاني؛ بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من وطء الأول، ولأكثر من ستة أشهر، ولدون أربع سنين من وطء [الثاني]: فهو للثاني، ويصير نصيبه أم ولد له، ولا يقوم عليه نصيب الأول، إن كان معسرًا.
ونصف الولد هل يكون رقيقًا؟ فيه قولان.
وإن كان موسرًا: فالولد حر، ويقوم عليه نصيب الشريك؛ كما ذكرنا.
أما الأول، فماذا عليه؟ نظر:
إن كان الثاني معسرًا: فعلى الأول كمال المهر؛ تستعين به في أداء النجوم، وإن كان الثاني موسرًا: إن قلنا: السراية تقع بعد العجز: فهكذا.
وإن قلنا: في الحال: انفسخت الكتابة في نصيب الأول، ولا يجب عليه إلا نصف المهر لها؛ تستعين به على أداء نجوم نصيب الشريك.
الحالة الرابعة: إذا احتمل كون الولد منهما؛ بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر ولأقل من أربع سنين من وطء كل واحد منهما: يرى القائف؛ فبأيهما ألحقه التحق به، وكان نصيبه أم ولد له، ويقوم عليه نصيب الشريك، إن كان موسرًا.
وإن لم يكن قائف: يترك حتى يبلغ، فينتسب، فإذا انتسب إلى أحدهما: كان نصيبه أم ولد له.
أما إذا أتت من كل واحد بولد- نظر: إن كانا موسرين، أو كان الأول موسرًا: تصير أم ولد للأول، وعليه للثاني نصف قيمتها ونصف مهرها، وهل يجب نصف قيمة الولد؟
إن قلنا: السراية تقع بنفس العلوق: لا يجب.
وإن قلنا: تقع بأداء القيمة، أو قلنا: تتوقف على العجز عن أداء نصيب الشريك: يجب.
ثم الثاني: إن كان وطئها بعد العجز، وأداء القيمة، فإن كان جاهلًا بالحال: عليه للأول تمام مهرها، وتمام قيمة الولد يوم سقط، والولد حر.
وإن كان عالمًا بالتحريم عليه الحد، والولد رقيق للأول.
[ ٨ / ٤٥٢ ]
وإن كان وطئها قبل العجز: إن قلنا: [السراية] تقع بنفس العلوق فهكذا عليه كمال المهر، وقيمة الولد، ثم المهر: نصفه للأول، ونصفه لها؛ تستعين به على أداء نجومها؛ لأن كتابة نصفها باقية، ونصف قيمة الولد للأول.
والنصف الآخر لها أم للأول؟ فعلى قولي ولد المكاتبة.
وإن قلنا: السراية تقع بأداء القيمة، وكان قبل أداها، أو قلنا: يقوم عند العجز عليه نصف المهر للأول.
وهل يخلف نصف الولد رقيقًا، أم يكون كله حرًا؟
فيه قولان، ولا يصير نصيبه أم ولد له، وإن صادف الوطء ملكه؛ لأنه صار مستحق الصرف إلى الأول.
فأما إذا كانا معسرين، أو كان الأول معسرًا: صار نصيب الأول أم ولد له، مع بقاء الكتابة، ولم يسر إلى الباقي.
فإذا أحبلها الثاني: صار نصيبه- أيضًا- أم ولد له، وفي ولد كل واحد قولان:
أحدهما: كله حر، وعلى كل واحد للآخر نصف قيمته.
والثاني: نصفه حر، ونصفه [رقيق] للآخر.
ثم هو قن للآخر، أم يتكاتب عليها؟
فعلى القولين، ولا يجب على كل واحد منهما شيء من قيمة الولد، ويجب على كل واحد تمام مهرها لها، فإن عجزت قبل الأخذ: كان على كل واحد نصف المهر للشريك الآخر وأيهما أخذ نصيبه من مال الكتابة: عتق نصيبه دون نصيب الآخر، وأيهما مات: عتق نصيبه دون نصيب الآخر.
هذا إذا لم يشكل الأول؛ فإذا أشكل [الأول]، وادعى كل واحد منهما: أنه استولد أولًا، لا يخلو: إما إن كانا موسرين، أو معسرين، أو كان أحدهما موسرًا.
فإن كانا موسرين، فاختلفا؛ وقال كل واحد منهما: أنا وطئت أولًا؛ فيقوم على نصيبك، وكل واحد يدعي على الآخر جميع المهر، وجميع قيمة الولد، ويقر له بنصف المهر ونصف قيمة الجارية: فيتحالفان، ثم يتحالفان على النفي والإثبات أم على النفي؟ فيه وجهان:
[ ٨ / ٤٥٣ ]
فإذا تحالفا: فهي أم ولد لواحد منهما لا بعينه، ولا شيء لأحدهما على الآخر، ونفقتهما عليهما، فإذا مات أحدهما: لم يعتق شيء منها؛ لاحتمال أن الثاني أحبلها أولًا، فإذا ماتت: عتقت، وولاؤها موقوف بينهما.
وإن كانا معسرين: فهو كما لو عرف الأول، فأيهما مات: عتق نصيبه، وولاؤه لورثته.
والاعتبار في اليسار والإعسار بحالة الإحبال.
وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا: تحالفا؛ كما ذكرنا، ونصيب الموسر أم ولد له بلا منازعة.
وفي نصيب المعسر منازعة: فنصف نفقتها على الموسر، والنصف الآخر عليها.
ثم إن مات الموسر أولًا: عتق نصيبه، وولاء ذلك النصف له؛ لأن نصيبه لا يتقوم على شريكه ثم إن مات المعسر بعده: عتق النصف الآخر، وولاء ذلك النصف موقوف؛ لاحتمال أن الموسر أحبل أولًا؛ فصار الكل أم ولد له.
وإن مات المعسر أولًا: لم يعتق شيء منها؛ لاحتمال أنها أم ولد الموسر، ثم إن مات الموسر: عتق كلها، وولاء نصفها له، وولاء النصف موقوف.
فأما إذا كان الاختلاف على عكسه، قال كل واحد لصاحبه: أنت وطئت أولًا فيقوم عليك نصيبي، وكانا موسرين: تحالفا، ثم بعده: عليهما نفقتها.
فأما إذا مات أحدهما: لا يعتق نصيبه؛ لاحتمال أن الآخر سبقه بالاستيلاد، ويعتق نصيب الحي؛ لأنه يقر بأن الميت سبق بالوطء، وسرى إلى نصيبي، وعتق بموته، وولاء ذلك النصف موقوف.
فإن مات الآخر: عتقت كلها، وولاء الكل موقوف.
وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فقال [المعسر للموسر]: أنت أحبلت أولًا، فيقوم عليك نصيبي، وقال الموسر: لا؛ بل أنت أحبلت أولًا فلا يتقوم علي نصيبك: تحالفا، ثم بعد التحالف: تكون نفقتها عليهما.
وإذا مات الموسر أولًا: عتقت كلها: نصيب الموسر بموته، ونصيب المعسر بإقراره،
[ ٨ / ٤٥٤ ]
وولاء نصيب الموسر له، وولاء نصيب المعسر موقوف.
وإذا مات المعسر أولًا: لا يعتق شيء منها؛ لاحتمال أن الموسر سبقه بالإحبال، ثم إن مات الموسر: عتقت كلها، وولاء نصيب الموسر له، وولاء نصيب المعسر موقوف.
باب تعجيل الكتابة
إذا أتى المكاتب بمال الكتابة قبل المحل، هل يجبر السيد على قبوله؟
نظر: إن كان للسيد غرض في الامتناع من الأخذ؛ بأن كان أيام فتنة ونهب، أو كان حيوانًا يحتاج إلى علفه، ويخاف هلاكه، أو كان طعامًا يريد أن يأكله عند المحل غضًا طريًا، أو كان يحتاج في حفظه إلى مؤنة؛ كالطعام الكثير، والخشب الثقيل" ونحوها،: فلا يجبر على القبول.
وإن لم يكن له غرض في الامتناع، والمال مما لا يخشى عليه التغير؛ كالدراهم والدنانير والصفر والنحاس والحديد، ولا يحتاج في حفظه إلى مؤنة: يجبر على القبول؛ لأن للمكاتب غرضًا في تعجيله؛ وهو حصول الحرية له؛ فإن لم يأخذ: أجبره الحاكم عليه، وعتق المكاتب، وإن كان في زمان الخوف والفتنة، وكان يوم عقد الكتابة بهذه الصفة، هل يجبر على القبول أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر؛ لأن العقد وجد، والبلد بهذه الصفة.
والأصح: أنه لا يجبر؛ لأنه قد يرجو زوال الفتنة عند المحل.
وإن أتى به في بلد آخر غير بلد العقد نظر: إن كان في نقله مؤنة، أو كان المكان خربًا: لا يجبر على القبول، وإن لم يكن: يجبر.
وإذا أتى ببعض النجوم بعد المحل على أن يبرئه عن الباقي أخذ السيد ما أتى به، ولا يجب عليه أن يبرئه عن الباقي.
ولو عجل قبل المحل بعضه، على أن يبرئه عن الباقي، ففعل: لا يصح الدفع، ولا الإبراء.
وكذلك: لو أبرأه المولى عن البعض قبل المحل؛ بشرط أن يعجل الباقي: لا يصح الإبراء، ويجب عليه أن يرد ما أخذ، لأنه يضاهي ربا الجاهلية؛ فإنهم كانوا يزيدون في الحق؛ ليزيد صاحب الحق في الأجل، فهذا ينقص [من الحق؛ لينقص] من الأجل، فإن أخذ السيد ما
[ ٨ / ٤٥٥ ]
معه، فأبرأه عن الباقي من غير شرط، أو اختيار العبد تعجيز نفسه، فأخذ السيد ما في يده وأعتقه: جاز؛ قال الشافعي﵁- فإن أحب أن يصح- فليرض المكاتب بالعجز، ويرضى السيد بشيء يأخذه منه على أن يعتقه، فيجوز؛ هذه حيلة ذكرها الشافعي﵁: ليصل المكاتب إلى الحرية بما معه من المال، ولكن المكاتب لا يأمن في هذا من أن يأخذ السيد ما معه بعد فسخ الكتابة، ولا يعتقه، فالطريق فيه أن يقول المولى: إذا عجزت نفسك، ودفعت إلي ألفًا: فأنت حر، فإذا عجز نفسه، ودفع الألف: عتق، ثم يتراجعان: يسترد العبد ما دفع إليه، ويأخذ المولى منه قيمته.
فإن استويا: تقاصا، وإن كان بينهما فضل: يرجع صاحب الفضل بالفضل، وإنما أثبتنا التراجع؛ لأنه جعل التعجيز وبذل المال عوضًا عن العتق، والتعجيز لا يصح أن يكون بدلًا عن العتق، فكأنه أوقع العتق على بدل فاسد، فيجب عليه قيمته.
قال الشيخ الإمام﵀-: صورة هذا أن يرضى المكاتب بالعجز وقال له المولى ذلك، قبل فسخ الكتابة، لأن مجرد العجز: لا يرفع الكتابة؛ ما لم يفسخه المولى- فإذا عجز نفسه، ودفع الألف: عتق لوجود الصفة، ويكون عتقه واقعًا عن الكتابة؛ لأنه في حال بقاء الكتابة؛ فيكون الكسب له، و[كذلك]: يسترد ما دفع، والسيد لم يرض بإعتاقه مجانًا، بل أعتقه على مسمى، وأفسد ذلك المسمى شرط التعجيز؛ فوجد على العبد قيمته؛ فهذا وجهه عندي، والله أعلم.
باب [بيع] المكاتب وشرائه
الكتابة: معاقدة يتسلط بها العبد على أكسابه، فيجمعها، ويؤديها إلى المولى، فيعتق ولا يملك مكاسبه ولا رقبته.
وقال أبو حنيفة: يملك ما تحت يده، ويجوز له أن يتصرف بالبيع، والهبة، والشراء، والإجارة، والأخذ بالشفعة، وقبول الهبة والصدقة، ويجمع المال بالاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد؛ وهو في المعاملة مع المولى كالأجنبي مع الأجنبي، وهل له أن يسافر بغير إذن المولى؟
قال في كتابة بعض العبد المكاتب: لا يمنع من السفر، وقال في "الإملاء": لا يسافر بغير إذنه.
[ ٨ / ٤٥٦ ]
اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه ربما يرى جمع المال في السفر.
والثاني: (ليس له ذلك)، لأنه مخاطرة بالمال؛ بدليل أن الشريك لا يجوز له أن يسافر بمال شريكه [بغير إذنه].
ولا فرق بين السفر الطويل والقصير، وقيل: هي على حالين حيث جوزنا إرادته، [إذا كان سفره قصيرًا دون مسافة القصر، وحيث لم نجوز إرادته] إذا بلغ مسافة القصر؛ لأن الخطر فيه أكثر.
وإذا باع السيد أو أجنبي شقصًا من ربع المكاتب، فيه شرك له: أخذه بالشفعة، وإذا باع هو شقصه للسيد، والأجنبي: أخذه بالشفعة.
ولا يصح تبرع المكاتب؛ كالإقراض، والهبة، والإبراء عن الدين، والبيع بالمحاباة وبالنسيئة وبالإنفاق على أقاربه الأحرار بغير إذن المولى.
وهل يصح بإذن المولى فيه قولان:
أصحهما: يصح؛ لأن الحق في ماله لا يعدوهما وقد رضيا به.
والثاني: لا يصح؛ لأنه تعلق بماله حق العتاب، وهو حق الله تعالى، فإن جوزنا تبرعه بإذنه، فقال له: بع شقصك بالمحاباة، فباعه والسيد شفيع له: أخذه بالشفعة.
وإذا باع شيئًا نسيئة: فهو تبرع؛ لأنه يخرج المال من يده بلا عوض، سواء أخذ الرهن والكفيل، أو لم يأخذ، وسواء باع بثمن المثل أو بأكثر: فلا يصح بغير إذن المولى، وبإذنه قولان:
وكذلك: لا يجوز أن يقرض، وإن أخذ به رهنًا وضمينًا.
وكذلك: الهبة بشرط الثواب؛ لأنا- وإن أوجبنا الثواب مثل قيمته، أو أعطاه أكثر من قيمته: فالثواب نسيئة؛ لأن استحقاق الثواب يكون بعد الإقباض والتمليك في الموهوب.
ولو باع ما يساوي عشرة بعشرين عشرة أخذها نقدًا، وعشرة نسيئة: جاز.
وإذا اشترى شيئًا نسيئة بثمن النقد: جاز، وإن اشترى بثمن النسيئة: فهو تبرع؛ لا
[ ٨ / ٤٥٧ ]
يجوز بغير إذن المولى.
وإذا اشترى نسيئة، أو استسلف: فلا يجوز أن يرهن به شيئًا، وهو كالتبرع؛ لأنه ربما يتلف؛ فيكون من ضمان الراهن.
وكذلك: لا يجوز أن يعطى قراضًا، لأنه ربما لا يعود إليه، ولو باع شيئًا: لم يكن له تسليم المبيع قبل قبض الثمن، وإن أسلم في شيء: لا يجوز لأنه يحتاج إلى تسليم رأس المال أولًا.
وقيل: يجوز له تسليم المبيع؛ ليسلم العوض في الحال، أو في المجلس، وكذلك: في التسلم.
وإن كان عليه دين مؤجل: لا يجوز تعجيله؛ لأنه يقطع تصرفه مما يعجله من المال من غير ضرورة.
ولو وهب لسيده شيئًا، أو باعه منه نسيئة، أو بالمحاباة، أو أقرض مالًا، أو ضاربه، أو عجل له مؤجلًا: فهو كما لو تبرع بإذنه؛ [فيكون] على قولين.
وإذا لزمته كفارة قتل أو ظهار أو يمين: لا يجوز أن يكفر بالمال دون إذن المولى، وبإذنه على قولين:
فإن جوزنا: إنا نجوز بالإطعام والكسوة، أما بالعتق: فلا يجوز.
فإذا لم نجوز: يكفر بالصوم.
ولو أعتق المكاتب عبدًا، أو كاتبه: فقد قيل: هو كسائر التبرعات؛ لا يجوز بغير إذن المولى، وبإذنه على قولين، وقيل: هو كسائر ترتب الكتابة والعتق بإذن المولى على سائر التبرعات، وإن لم نجوز سائر التبرعات: فالعتق والكتابة أولى، وإن جوزنا سائر التبرعات: ففي العتق والكتابة قولان:
أصحهما: أنهما لا يصحان؛ لأنهما يعقبان الولاء، والمكاتب ليس من أهل أن يثبت له الولاء؛ كالعبد.
هذا إذا أعتق عن نفسه، فإن أعتق عن سيده أو عن غير سيده بإذن سيده: فكالهبة تصح على أصح القولين؛ لأن ولاءه يكون للمعتق عنه، وهو من أهله.
[ ٨ / ٤٥٨ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز للمكاتب أن يكاتب، ولا يجوز أن يعتق مجانًا، ولا على مال؛ فنحن نقيس على العتق على المال.
فإن قلنا: لا تصح كتابة المكاتب، فإذا أدى مكاتبه المال: لا يعتق؛ بخلاف الحر إذا كاتب عبده كتابة فاسدة، فأدى المال: عتق؛ لأن الحر يملك إعتاقه على صفة، والمكاتب لا يملكه، وإن قلنا: تصح كتابة المكاتب: فالمكاتب الثاني يؤدي النجوم إلى الأول، ثم هو يصرفه إلى السيد، فإذا أدى: عتق، وإن لم يعتق الأول.
فإذا عتق الأول ثم الثاني: فولاء الثاني للأول، فإذا مات المكاتب الأول قبل أن يعتق: لا تصح كتابة الثاني؛ لأن الأول كان كالنائب عن السيد في كتابته: فبعد موته: يؤدي إلى المولى ويعتق، ثم ولاء هذا المكاتب الذي كاتبه المكاتب، أو أعتقه لمن يكون؟
فيه قولان:
أحدهما: للسيد؛ لأن المكاتب ليس من أهل ثبوت الولاء له.
والثاني: يوقف؛ فإن عتق المكاتب: فله ولاؤه، وإن عجز أو مات: فللسيد ولعصباته.
فإن قلنا: ولاؤه موقوف: فلو مات المعتق قبل عجز المكاتب وعتقه: فميراثه لمن يكون؟ فيه قولان:
أحدهما: للسيد وعصباته.
والثاني: يوقف على تبين حال المكاتب، فإن عجز أو مات: فللسيد؛ فإن عتق فله.
ولو أوصى المكاتب لإنسان بشيء: قال الشيخ القفال: لا يصح، سواء أوصى بعين أو بثلث [ماله]؛ لأن ما في يده ملكه عليه غير تام؛ فلا تصح فيه الوصية، فإذا لم تصح فيه الوصية لا يصح فيما يستفيده من بعد.
وعند أبي حنيفة: إذا أضاف إلى الموت والحرية: صح؛ وإلا فلا.
ولو أقر المكاتب ببيع شيء: يقبل منه؛ لأنه يملك الإنشاء، ولو اشترى المكاتب قريبه الذي يعتق على الحر من ولد أو والد بغير إذن السيد: لا يصح، وإن اشترى بإذنه: فعلى قولي تبرعاته.
[ ٨ / ٤٥٩ ]
فإن جوزنا: يتكاتب عليه؛ فلا يجوز له بيعه بعتق يعتقه، وبرق يرقه للمولى.
أما إذا أوصى له بمن يعتق على الحر أو وهب له فقبل- نظر: إن لم يكن كسوبًا: لا يصح بغير إذن السيد، وبإذنه قولان، لأنه يلزمه نفقته؛ فكان كالتبرع.
وإن كان كسوبًا يقدر أن يقوم بكفايته: يصح قبوله بغير إذن المولى؛ لأنه لا ضرر عليه فيه، ويتكاتب عليه، ونفقته في كسبه، وما فضل من كسبه: يستعين به المكاتب على أداء النجوم.
وإذا مرض أو عجز عن الكسب: فعلى المكاتب أن ينفق عليه من مال نفسه؛ لأنه من صلاح ماله.
وإن جنى على إنسان يباع في جنايته، وإن لم يكن للمكاتب أن يفديه؛ بخلاف عبد المكاتب إذا جنى: جاز له أن يفديه؛ لأنه تبقى له رقبته؛ فيصرفها في نجوم الكتابة.
ولذلك: يجوز أن يشتريه ابتداء؛ بخلاف القريب.
ولو اشترى المكاتب زوجته: يصح، وينفسخ النكاح.
وعند أبي حنيفة: لا ينفسخ.
وإذا أجر المكاتب نفسه أو عبيده أو ماله: يجوز، ثم إذا عجز السيد: ينفسخ العقد، ويجوز للمكاتب أن يؤدب عبيده تعزيرًا؛ لأنه من صلاح المال؛ كما يجوز أن يختنه ويفصده، ولا يجوز أن يحده على ظاهر المذهب؛ لأنه إلى من يكون أهلًا للولاية، والمكاتب ليس بأهل له.
ولو كان للمكاتب على سيده دين من جنس مال الكتابة ووصفه، وكانا حالين: يتقاصان.
وفيه أربعة أقوال ذكرناها في "كتاب البيع".
أحدها: بنفس الوجوب يسقطان.
والثاني: لا يسقطان إلا بتراضيهما.
والثالث: إذا رضي أحدهما: صار قصاصًا.
والرابع: حتى ينفذ أحدهما ويسلم، ثم يأخذ عما عليه.
[ ٨ / ٤٦٠ ]
وإن كانا مؤجلين بأجلين مختلفين، أو أحدهما حال والآخر مؤجل: فلا يتقاصان. [وإن كانا مؤجلين بأجل واحد: فيه وجهان:
أصحهما: لا يتقاصان].
فصل
لا يجوز للمولى بيع نجوم الكتابة قبل الأخذ؛ لأن بيع الدين من غير من عليه: لا يجوز، ولأنها غير مستقرة؛ فإنه يجوز لمن عليه إسقاطها بتعجيز نفسه.
وكذلك: لا يجوز الاعتياض عنها؛ فلو باعها: فإن أداها المكاتب إلى البائع: عتق، وإن أداها إلى المشتري: هل يعتق؟
ذكر ابن سريج فيه قولين:
أحدهما: يعتق؛ لأن السيد سلط المشتري على أحدهما؛ كما لو وكل وكيلًا بالقبض.
والثاني: وهو الأصح: لا يعتق؛ بخلاف ما لو وكل بالقبض؛ لأن الوكيل يأخذه للموكل، والمشتري ههنا يأخذه لنفسه.
وقال أبو إسحاق: إن قال المولى المكاتب بعد البيع. أده إليه، أو قال للمشتري: خذه، فأخذ: عتق؛ لأنه ابتداء توكيل.
وإن لم يقيله لا يعتق؛ لأنه لم يأخذ بإذن؛ إنما أخذه بما تضمنه البيع من الإذن، والبيع فاسد، فما تضمنه يكون باطلًا.
فإن قلنا: يعتق: فالسيد يرجع على المشتري بما دفع إليه المكاتب.
وإن قلنا: لا يعتق: فالسيد يرجع على المكاتب، والمكاتب يرجع بما دفع إلى المشتري.
ولو أن المكاتب أحال السيد بنجوم الكتابة على إنسان، أو السيد أحال غريمه على المكاتب، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كسائر الديون.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه دين غير مستقر؛ كما لا تجوز الإحالة بالسلم، وعلى السلم، ولا
[ ٨ / ٤٦١ ]
يجوز [للمولى بيع رقبة المكاتب على قوله الجديد؛ وهو المذهب، ولا يجوز] إعتاقه عن الكفارة؛ لأن الكتابة عقد يمنع من وقوع أرش الجناية [عليه]؛ فيمنع البيع؛ كما لو باع عبدًا من إنسان: لا يجوز أن يبيعه من آخر.
وقال في القديم: إنه يجوز بيعه وإعتاقه عن الكفارة؛ كالمعلق عتقه بالصفة.
فإن قلنا بقوله القديم: إنه يجوز بيعه، فباعه، هل تنفسخ الكتابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ فإذا أعتقه المشتري: يكون الولاء له.
والثاني: لا ينفسخ حتى لو أدى النجوم إلى المشتري: يعتق، [وولاؤه للبائع؛ كما لو مات السيد، فأدى النجوم إلى الوارث: يعتق]، وولاؤه للميت: فإن قلنا بظاهر المذهب: أن بيعه لا يجوز فباعه، ثم المكاتب أدى النجوم إلى المشتري، هل يعتق؟ فيه قولان: كما ذكرنا في بيع النجوم.
وإذا انتفع به المشتري مدة، ثم ظفر المكاتب بالحاكم، فأثبت بالبينة أن سيده كاتبه، ثم باعه قبل العجز، ينزعه الحاكم من يد المشتري، [وهل يضرب المكاتب مثل المدة التي كانت في يد المشتري] فيه قولان:
أصحهما: لا يضرب؛ لأن المدة محصورة لا يزاد عليها، بل يأخذ من المشتري أجر مثل تلك المدة، ويصرفه إلى المولى، فإن وفى بالنجوم، وإلا فللمولى تعجيزه.
والثاني: يضرب له مثل تلك المدة؛ فيؤخذ أجر المثل من المشتري؛ فيكون للمولى؛ وكذلك: لو حبس المولى مكاتبه مدة، أو قهره فاستعمله، هل يضرب له مثل تلك المدة، أم يؤخذ أجر المثل من المولى، ويصرف في النجوم، فإن وفى؛ وإلا عجزه؟ فيه قولان:
الأصح: يجب أجر المثل؛ لأن المنافع لا تضمن بالمثل، بل بالقيمة.
ولو قهر أهل الحرب المكاتب على نفسه مدة ثم أفلت؛ فلا يمكن إيجاب الأجرة ههنا.
وهل تجب تخليته تلك المدة؟
قيل ههنا: لا يجب؛ لأنه لم يكن الحبس من جهة المولى.
والصحيح: أنه لا فرق بين الحالين لأنه فات ما استحق بالعقد؛ فلا فرق بين أن يكون بتفريط، وغير تفريط؛ كالمبيع إذا هلك في يد البائع.
[ ٨ / ٤٦٢ ]
ولو وهب المولى رقبة الكاتب: فهو كبيعه، ولا يجوز له بيع ما في يد المكاتب من الأموال، ولا إعتاق عبيده، ولا تزويج إمائه؛ كما لا يتصرف في مال الغير.
ولو قال أجنبي للمولى: أعتق مكاتبك على ألف، فأعتق: عتق، ويستحق الألف على القائل، ويكون بمنزلة فداء الأسير.
وكذلك: لو قال: أعتق أم ولدك على ألف، فأعتق: عتقت، واستحق الألف، أما إذا قال: أعتق مكاتبك، أو أم ولدك عني على ألف، أو لم يقل: على ألف، فأعتق: لا يعتق عن السائل لأنهما لا يقبلان النقل من ملك إلى ملك.
وهل يعتق عن السيد المعتق؟ فيه وجهان؛ كما لو أعتق عبده عن الغير بغير إذنه لا يعتق عن الغير، وهل يعتق عن المعتق؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يعتق: لا يستحق على السائل شيئًا، والله أعلم.
باب كتابة الكفار
إذا كاتب الذمي، كتابيًا كان أو مجوسيًا، عبده الكافر، أو المستأمن كاتب عبده على ما يجوز في الإسلام: تصح كتابته؛ كما تصح كتابة المسلم.
فإذا خرج المولى إلى دار الحرب: فإن وافقه المكاتب؛ وإلا فليس له إجباره على الخروج معه؛ لأنه صار أحق بنفسه؛ فاختل ملك المولى عليه.
وإذا أسلم السيد: فالكتابة بحالها، وإذا أسلم المكاتب: لا يباع؛ لأنه خارج عن تصرف المولى؛ لا يمكنه استذلاله؛ بخلاف المدبر إذا أسلم: يباع في قول؛ لأنه غير خارج عن تصرف المولى.
ولو أسلم عبد لذمي، ثم كاتبه، أو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا، وقلنا: يصح الشراء؛ فكاتبه قبل أن يباع عليه، فيه قولان:
أحدهما: الكتابة باطلة، ويباع عليه؛ لأن إزالة ملكه عنه واجبة، وبالكتابة: لا يزول ملكه كما لو دبره بعدما أسلم، أو علق عتقه بصفة: يباع عليه؛ فعلى هذا: لو لم يتفق البيع حتى أدى النجوم: عتق بحكم الكتابة الفاسدة، ويتراجعان.
والقول الثاني: صحت الكتابة، ولا يباع؛ لأنه بالكتابة يخرج عن تصرفه، فلا يمكنه
[ ٨ / ٤٦٣ ]
استذلاله، وهو اختيار المزني، فإذا عجز بيع عليه، فلو كاتب الذمي عبده على ما لا يجوز في الإسلام من خمر أو خنزير، فإن أسلما، أو ترافعا إلينا بعد قبض المسمى: فقد عتق، ولا يرجع السيد عليه بشيء؛ لأنه مضى في الشرك على اعتقادهم.
وإن أسلما أو ترافعا إلينا قبل قبض شيء منه، أو بعد قبض بعضه: يفسخه الحاكم، فإذا أدى بعد الفسخ: لا يعتق؛ كالمسلم في الكتابة الفاسدة، وإن أسلما قبل القبض، ثم قبضا، ثم ترافعا إلينا: فقد حصل العتق، ويتراجعان؛ فالسيد يرجع عليه بقيمته، وهو على السيد بما دفع إليه، [إن كان ما دفع إليه] شيئًا له قيمة، فإن لم يكن له قيمة: فلا يرجع المكاتب بشيء، وإن كان قد قبض [بعض] الفاسد في الشرك؛ بأن كاتبه على زقي خمر، فقبض أحدهما، ثم أسلما، فقبل أن يفسخ الحاكم العقد بينهما: أخذ الزق الآخر عتق، ووجب عليه جميع قيمة رقبته؛ لأن العتق يحصل بأداء النجوم؛ وذلك وجد في الإسلام.
فصل
وإذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب: يصح؛ فإن قهره: عاد قنا، وارتفعت الكتابة، وإن دخل إلينا بأمان قبل قهره: فهو على كتابته، ولو دخل علينا مسلمًا: فلا يتعرض لمكاتبه في دار الحرب.
وإن خرج إلينا بأمان، ثم كاتب عبدًا، ثم أراد أن يعود إلى دار الحرب: فإن وافقه مكاتبه؛ وإلا لم يكن له أن يحمله قهرًا، بل يؤكل من يقبض النجوم له، ويبعث إليه.
فلو مات السيد في دار الإسلام، أو بعدما عاد إلى دار الحرب: فالكتابة بحالها، وفي مال الكتابة قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: يبعث إلى وارثه في دار الحرب.
والثاني: هو فيء؛ لأنه مال كافر لا أمان له، وإذا سبى السيد- لا تبطل الكتابة، ثم إن من عليه أو فودي: أخذ النجوم، وعتق المكاتب، وإن استرق: فلا تبطل الكتابة أيضًا، ويعتق المكاتب بالأداء، وولاؤه موقوف، فإن عتق المولى: كان له، وإلا فلا ولاء عليه، وماذا يفعل بمال الكتابة؟ يبنى على الموت، إن قلنا: إذا مات يكون فيئًا، فههنا: قولان:
أحدهما: يكون فيئًا؛ كما لو مات؛ لأن بالاسترقاق: يزول ملكه كما بالموت.
[ ٨ / ٤٦٤ ]
والثاني: يوقف؛ لأنه يرجى له ملك، فإن عتق: كان له، وإن مات يغنم.
وإن قلنا في الموت: يصرف إلى وارثه: فههنا: يوقف، فإن عتق: فهو له، وإن مات في الرق: فيه وجهان:
أحدهما: يصرف إلى وارثه، فههنا: يوقف؛ كما لو مات حرًا.
والثاني: وهو الأصح: يكون فيئًا؛ لأنه رقيق، والرقيق لا يورث منه.
ولو أن حربيًا كاتب عبدًا، ثم خرج المكاتب إلينا مسلمًا، فهو حر، وبطلت الكتابة.
ولو قهر سيده في دار الحرب، ولم يسلم: صار حرًا، وصار سيده عبدًا له؛ لأن الدار دار قهر.
ولو أن مسلمًا كاتب عبدًا كافرًا في دار الإسلام، أو في دار الحرب: صح، ثم إذا وقع في الأسر: فهو على كتابته؛ لأنه في أمان بحق سيده؛ كما لو أعتق مسلم عبدًا كافرًا، فالتحق بدار الحرب: لا يسترق.
وكذلك: لو استولى الكفار على مدبر مسلم، أو أم ولده: لا يبطل حكم تدبيره واستيلاده.
فصل
إذا كاتب مسلم عبدًا مسلمًا، ثم ارتد السيد: لا تبطل الكتابة؛ سواء قلنا: ملكه زائل أو غير زائل؛ كما لا تبطل الكتابة ببيعه ورهنه.
ولو كاتب المرتد عبدًا، هل يصح أم لا؟
إن قلنا: إن ملكه زائل: لا يصح.
وإن قلنا: إن ملكه موقوف: ففي الجديد: لا تصح كتابته؛ لأن العقد لا يقبل الوقف في الجديد، وفي القديم: يكون موقوفًا، فإن عاد إلى الإسلام: بأنه كان صحيحًا، وإلا فلا.
وإن قلنا: ملكه باق، فإن كان قبل أن حجر عليه: صحت كتابته، وإن كان بعد ما حجر عليه: إن قلنا: حجره حجر السفيه: لا تصح كتابته.
وإن قلنا: حجر الفلس: ففيه قولان: كتصرف المفلس.
أحدهما: باطل.
والثاني: موقوف، فإن عاد إلى الإسلام: بان أنه كان صحيحًا.
[ ٨ / ٤٦٥ ]
وإن مات أو قتل في الردة: بان أنه كان فاسدًا، فإذا صححنا كتابته على هذا القول، فسلم المال إلى السيد: عتق إن لم يكن حجر عليه، وإن حجر عليه، أو كانت الكتابة قبل الردة، ثم بعد الردة على قولنا: إن ملكه زائل، أو موقوف على قولنا: إنه باق، ولكن حجر عليه الحاكم- لا يجوز تسليم المال إليه، فإن سلم إليه: لم يعتق، بل يدفع إلى الحاكم حتى يعتق فإن دفع إلى السيد- نظر: إن بقي في يده ما فيه وفاء بالنجوم، فدفعه إلى الحاكم: عتق، وإن لم يبق في يده وفاء: يسترد ما دفع إلى المولى، ويدفعه إلى الحاكم؛ ليعتق؛ فإن لم يمكنه الاسترداد، وقد حل عليه النجوم: فللحاكم تعجيزه، فإن عجزه، ثم مات السيد، أو قتل في الردة: كان رقيقًا، وإن عاد إلى الإسلام، هل يلغى التعجيز؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يلغى؛ كما لو أخذ المحجور عليه بالسفه النجوم، فعجزه وليه، ثم زال الحجر: لا يلغى التعجيز.
والثاني: يلغى التعجيز، ويصح الاسترداد، ويحكم بعتقه؛ بخلاف المحجور؛ لأن حجره أقوى من حجر المرتد؛ بدليل أن تصرفه لا ينفذ، وتصرف المرتد نافذ في قول.
ولو ارتد المكاتب: لا تبطل الكتابة، فإن مات أو قتل في الردة: ارتفعت الكتابة، وما في يده لسيده.
وقال أبو حنيفة: يؤدي من مال كتابته، وما بقي لوارثه، سواء اكتسب في حال الردة أو في حال الإسلام، والله أعلم بالصواب.
باب جناية المكاتب ورقيقه
إذا جنى المكاتب: لا يخلو: إما إن جنى على سيده، أو على أجنبي.
فإن جنى على سيده- نظر: إن جنى على طرفه، وكان عمدًا، له استيفاء القود، فإن عفى على الدية، أو كانت الجناية خطأ: تعلق الأرض بكسبه، فإن كان في يده مال: أخذ الأرض منه، ولم يكن له تعجيزه وإن لم يكن في يده مال، هل له تعجيزه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له تعجيزه؛ لأنه لا فائدة له فيه، فإن أرش جنايته لا يتعلق برقبته.
والثاني: وهو الأصح: له تعجيزه؛ لأنه لا فائدة له فيه، فإن أرش جنايته لا يتعلق برقبته، ويستفيد [به] أنه يرده إلى تصرفه، فإذا عجز بسبب الجناية، أو لأجل النجوم، هل
[ ٨ / ٤٦٦ ]
يسقط الأرش أم يكون في ذمته، حتى يعتق؟
فيه وجهان؛ بناءً على ما لو كان له في ذمة عبد الغير دين، فملكه، هل يسقط أم لا؟ فيه وجهان، أما إذا لم يعجز، حتى عتق: يتبعه بالأرش قولًا واحدًا.
فأما إذا جنى على نفس السيد، فقتله: فلوارثه استيفاء القصاص، فإن عفى على الدية، أو كان القتل خطأ: تؤخذ الدية مما في يده، فإن لم يكن في يده مال: فللوارث أن يعجزه.
هذا هو المذهب، ثم هل تسقط الدية، أم تكون في ذمته حتى يعتق؟
فيه وجهان.
وإن جنى المكاتب على ابن سيده، نظر: إن جنى على طرفه: فهو كما لو جنى على أجنبي: فللسيد أن يقبض منه، [وإن جنى على نفسه: فللسيد أن يقتص منه] فإن عفى على الدية، أو كانت الجناية خطأ: أخذ الدية مما في يده، وإن لم يكن في يده مال: فالمذهب: أن له تعجيزه؛ كما ذكرنا، وإن جنى المكاتب على أجنبي: فللمجني عليه استيفاء القصاص، إن كان طرفًا، وإن كان نفسًا: فلوارثه، فإن عفى على الدية، أو كانت الجناية خطأ: تؤخذ الدية مما في يده، ومن كسبه يؤخذ أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته؟ فإن كان أرش الجناية أكثر من قيمته: ليس له أن يعطى الزيادة بغير إذن المولى، وبإذنه: فعلى قولين:
فإن لم يكن في يد المكاتب مال، وسأل من له الأرش تعجيزه: عجزه الحاكم، وبيع ثم إن استغرق الأرش [جميع] قيمته: بيع كله؛ وإلا بيع بقدر أرش الجناية، وكان الباقي على كتابته، فإذا أدى كتابة باقية: عتق بقدره، وللمولى أن يستبقي الكتابة فيه باختيار الفداء، ومهما اختار الفداء بعد التعجيز، أو في حال بقاء الكتابة: بماذا يفدى؟ نظر: إن قال: ضمنت فداءه: يلزمه الأقل من قيمته، أو أرش جنايته على قوله الجديد، وعلى قوله القديم: يلزمه أرش الجناية بالغًا ما بلغ، ولو اختار الفداء، ثم رجع- نظر: إن كان العبد باقيًا: فله الرجوع، ويباع في الجناية، وإن [كان قد] مات بعد اختيار الفداء: فلا رجوع له، ولو لم يختر الفداء، غير أن السيد أعتقه، أو أبرأه عن النجوم بعد الجناية: عتق، وصار السيد مختارًا للفداء، وبماذا يفدى؟
قيل: فيه قولان، كما لو اختار الفداء في حال بقاء الكتابة وقيل ههنا: يجب أقل الأمرين من قيمة العبد، أو أرش الجناية قولًا واحدًا؛ بخلاف حال بقاء الكتابة؛ لأن هناك: الرق باق، فلو بيع: ربما اشتراه راغب بأكثر من قيمته، وبعد العتق: لا يتصور ذلك.
[ ٨ / ٤٦٧ ]
وكذلك: لو جنى أب المكاتب أو ولده الذي يكاتب عليه، ثم أعتق السيد المكاتب: يجب على السيد الفداء؛ لأن الجاني عتق بإعتاقه المكاتب؛ بخلاف ما لو جنى عبد المكاتب، ثم أعتق السيد المكاتب: لا يصير مختارًا للفداء؛ لأن العبد الجاني لا يعتق بإعتاق المكاتب.
ولو عتق المكاتب بأداء النجوم: فضمان جنايته عليه، ولا يجب على المولى؛ لأن المولى مجبور على قبض النجوم، بخلاف ما لو أعتقه مختارًا.
وماذا يجب على المكاتب؟ فعلى ما ذكرنا من الطريقين، وهذا بخلاف ما لو جنى المكاتب على سيده، ثم أدى النجوم، فعتق، أو أبرأه السيد، أو أعتقه: يجب أرش الجناية، بالغًا ما بلغ على المكاتب، فإن كان قد قطع يده: عليه نصف الدية قولًا واحدًا؛ لأن المكاتب: إذا جنى على سيده: لا يتعلق الأرش برقبته، بل يتعلق بذمته؛ بدليل أنه لا تباع رقبته فيه؛ فلما تعلق بذمته: وجب كمال الأرش؛ كما لو جنى حر على حر، وأن أرش جنايته على الأجنبي يتعلق برقبته؛ بدليل أنه تباع رقبته فيه، فلم تجب أكثر من قيمة الرقبة.
ولو جنى المكاتب جنايات متفرقة أو معًا، يؤخذ ضمانها مما في يده ومن كسبه، وهو الأقل من أرش الجنايات كلها، أو قيمته مرة واحدة، فإن لم يكن في يده مال، وسألوا تعجيزه: عجزه الحاكم، وبيعت رقبته، وقسمت قيمته بينهم على قدر أروش جنايتهم، وإن أبرأ بعضهم عن حقه: قسم على الباقين، فإن اختار السيد الفداء: لا يباع، وبماذا يفدى فيه قولان:
في الجديد: بأقل الأمرين من أروش الجنايات كلها، أو قيمته مرة [واحدة].
وفي القديم: بأروش الجنايات كلها؛ فلو أعتقه السيد، أو أبرأه عن النجوم: صار مختارًا للفداء.
وماذا يلزمه؟ أو أدى المكاتب النجوم، وعتق، ماذا يجب على المكاتب بعد العتق؟ ينظر: إن كانت الجنايات معًا؛ بأن هدم عليهم جدارًا، أو ضربهم ضربة واحدة، فقتلهم: فعلى ما ذكرنا من القولين فيما لو اختار الفداء في حال الرق في الجديد: عليه أقل الأمرين من أروش الجنايات كلها، أو قيمته مرة واحدة.
وقال في القديم: [عليه] أروش الجنايات كلها.
وإن كانت الجنايات متفرقة ففي الجديد قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: هكذا عليه أقل الأمرين من أروش الجنايات كلها أو قيمته مرة واحدة؛ لأنه لم يوجد منه إلا منع واحد بالإعتاق.
[ ٨ / ٤٦٨ ]
والثاني: يجب أن يفدى كل جناية بانفرادها بأقل الأمرين من أرشها، أو قيمته مرة؛ لأن البيع عقيب كل جناية كان ممكنًا؛ فكأنه أحدث عقيب كل جناية منعًا؛ بخلاف ما لو كانت الجنايات معًا، وبخلاف ما لو فدى في حال بقاء الرق؛ لأن الرق ثم باق [فـ] أمكن بيع الرقبة، نظيره من القن: لو جنى، ففداه السيد، ثم جنى ثانيًا: يجب عليه أن يفدى ثانيًا بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته؛ فهذا كأم الولد في جناياتها.
فصل
في جناية عبد المكاتب.
إذا جنى عبد المكاتب- لا يخلو: إما إن جنى على الأجنبي، أو على سيد سيده، أو على سيده؛ وهو المكاتب:
فإن جنى على أجنبي: فله استيفاء القصاص. فإن كان خطأ أو عفى على الدية: تباع رقبة العبد فيه، إلا أن يفدى المكاتب، وفي يده ما يفديه، فلا تباع.
وفي بدل الفداء: لا يحتاج إلى إذن السيد، إن كان أرش الجناية أقل من قيمة العبد، وإن كان أكثر [من قيمته]؛ فلا يجوز أن يفدى بأكثر من قيمته بغير إذن السيد، وبإذنه قولان؛ كتبرعاته، فإن لم يأذن المولى أو أذن، وقلنا: لا يجوز للمجني عليه أن يبيع العبد لأنه ربما يشتريه راغب بأكثر من قيمته، فإن كان هذا الجاني ولد المكاتب، أو والده ممن تكاتب عليه لا يجوز للمكاتب أن يفديه بغير إذن السيد وبإذنه قولان؛ كتبرعاته؛ لأنه لا فائدة له في هذا الفداء، لأنه لا يمكنه أن يصرف رقبته في نجوم الكتابة، بل يسلمه ليباع في الجناية.
أما إذا جنى عبد المكاتب على سيد سيده: فهو كما لو جنى على أجنبي؛ تباع رقبته في جنايته، إلا أن يفديه المكاتب، ويفدى بالأقل من قيمته أو أرش جنايته فأما إذا جنى عبد المكاتب على سيده، [وهو المكاتب] فإن كان موجبًا للقصاص: له استيفاء القصاص دون إذن المولى وإن كان ابنًا: تكاتب عليه، وإن كان خطأ، أو عفى على مال: لا يجب المال؛ لأنه لا يجب له على عبده مال.
وإن كان للمكاتب عبيد وجنى بعضهم على بعض، فللمكاتب استيفاء القصاص دون إذن المولى إلا أن يكون الجاني أبا المكاتب، أو جده: لم يكن له أن يقتص منه؛ كما لو جنى عليه: لا قصاص له، وإن كان ابنًا له- فله القود.
وإن كانت الجناية خطأ أو عفى عن القود: فلا يجب المال له على عبده.
[ ٨ / ٤٦٩ ]
وإن كان الجاني أبا المكاتب أو ابنه: فله أن يبيع منه بقدر أرش الجناية.
ولو كاتب رجل ثلاثة أعبد كتابة واحدة، وجوزنا، فجنى بعضهم: لا يلزم الباقين شيء من الأرش.
وعند مالك: يتعلق الأرش برقبة الكل، وإذا أقر المكاتب بدين معاملة: يقبل، وإن أقر بدين جناية، هل يقبل؟ فيه قولان:
أصحهما: يقبل صدقه المولى أو كذبه، وهو المذهب، ويؤدي مما في يده كدين المعاملة، وإن لم يكن في يده مال: يباع فيه.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه يؤدي من كسبه بلا عوض، فإن قلنا: يقبل- قال الإمام الشيخ ﵀: فإن أقر بدين جناية هو أكثر من قيمته: لا يلزم إلا قدر قيمته، ولو أقر بدين معاملة هو أكثر من قيمته: يؤدي الكل من كسبه، فإذا قبلنا إقراره بدين الجناية: فلو عجز قبل أن يؤخذ منه: ففيه قولان:
أحدهما: يباع فيه؛ لأنه أقر في وقت كان إقراره مقبولًا.
والثاني: لا يباع، بل يكون في ذمته حتى يعتق إلا أن يصدقه المولى؛ كما لو أقر بعد العجز؛ لأن بالعجز صارت رقبته للمولى، وقبل العجز: قبلنا فيما في يده.
وقد نص الشافعي﵁- في نظيره على قولين: قال: لو قتل المكاتب عبدًا، وقال: كانت قيمته ألفين، وقال سيد المكاتب: كانت ألفًا: ففيه قولان:
أحدهما: يوقف إقراره: فإن أدى الكل قبل العجز: صح، ولا يرجع سيده على سيد المقتول بشيء، وإن عجز قبل الأداء: فعلى سيده الأقل من قيمته أو ألف درهم، ويباع فيه إلا أن يفديه السيد.
وإن أدى ألفًا وخمسمائة، ثم عجز: صح ما أدى، وبطلت الخمسمائة الباقية.
والقول الثاني: صح إقراره وبيع في الألفين؛ إلا أن يفديه السيد بالألفين، أو قيمته، فالألف الثانية يقر به المكاتب، ويكذبه المولى، فجعل فيها قولين عند عجز المكاتب، ولا يقبل إقرار السيد على المكاتب بالجناية، فلو كاتب عبده، ثم أقر أنه كان قد جنى قبل الكتابة: لا تقبل؛ لأن يد المولى قصرت عنه بالكتابة؛ كما لو باعه.
فصل
إذا اجتمع على المكاتب ديون من نجوم الكتابة، وديون المعاملة، وأروش الجنايات للمولى، أو للأجانب، وكلها حالة، وما في يده لا يفي بالكل: فهو كالحر في الحجر عليه
[ ٨ / ٤٧٠ ]
وقسمة ماله، فإن لم يحجر عليه: فله تقديم أيها شاء.
وإن كانت نجوم الكتابة مؤجلة: فله تعجيلها، وتقديمها على سائر الديون، وإن كانت ديون المعاملة مؤجلة: فليس له تعجيلها بغير إذن المولى، وبإذنه قولان؛ كالتبرعات.
والأولى: أن يقدم دين المعاملة؛ لأنه يختص بما في يده، والسيد والمجني عليه يرجعان إلى الرقبة، فإن فضل شيء عن دين المعاملة: قدم حق المجني عليه؛ لأنه يقدم على حق المالك في العبد القن؛ كذلك في المكاتب.
فإن قدم حق السيد، فأدى النجوم: عتق، ودين الأجنبي في ذمته، وإذا حجر عليه الحاكم: قسم ماله بين السيد والغرماء؛ على قدر ديونهم، ولا يقدم البعض على البعض.
وإذا حجر عليه، فهل يحل ديونه المؤجلة؟ فيه قولان:
فإن قلنا: تحل: قسم ماله على الكل.
وإن قلنا: لا تحل: فعلى الديون الحالة.
فإن لم يف ماله بالدين: فلا يعجز بسبب دين المعاملة، وللسيد تعجيزه بسبب النجوم، وللمجني عليه بسبب [دين] الجناية؛ لأنهما يرجعان في الرقبة؛ فإن الرقبة تعود إلى المولى، وأرش الجناية تباع فيه رقبته، فإن عجزه السيد بسبب النجوم: ارتفعت الكتابة، وتباع بسبب دين الجناية، إلا أن يختار السيد الفداء، وإن لم يعجزه السيد، وأراد المجني عليه تعجيزه بسبب الجناية: ليس له تعجيزه بنفسه، بل يرفعه إلى الحاكم حتى يعجزه، فلو أنظره المجني عليه مدة، ثم بدا له أن يعجزه: فله ذلك.
وإذا عجزه السيد بسبب النجوم، وعليه دين معاملة: لا تباع رقبته في دين المعاملة، بل إن كان في يده مال يؤدي به دين المعاملة وإن لم يكن: فيكون في ذمته حتى يعتق، وإن كان دين المعاملة للمولى، هل يسقط بالعجز؟ فيه وجهان:
إن قلنا: لا يسقط، فيحاص الغرماء إن كان له مال؛ وإلا فحتى يعتق.
وإن أعتقه المولى، وأدى المكاتب المال فعتق: لا يصير به السيد مختارًا لدين المعاملة، بل يؤدي من مال إن كان له؛ وإلا فحتى يعتق، والله أعلم.
باب الجناية على المكاتب
إذا جني على المكاتب: لا يخلو: إما إن جني على نفسه، أو على طرفه:
[ ٨ / ٤٧١ ]
فإن جُنِيَ على نفسه، فقتل: بطلت الكتابة، ومات رقيقًا، ثم نظر فيه: إن قتله سيده: فلا شيء عليه إلا الكفارة.
وإن قتله أجنبي: فللمولى أن يقتص إن كان القاتل عبدًا فقتله عمدًا.
وإن كان القتل خطأ أو كان القاتل حرًا، أو عفا السيد على مال: أخذ قيمته.
وإن جني على طرفه نظر: إن كان موجبًا للقصاص؛ بأن قطع يده عبد أجنبي، أو عبد سيده: فللمكاتب أن يقتص دون إذن المولى، وكذلك: لو جنى على عبد من عبيده طرفًا أو نفسًا: فللمكاتب أن يقتص دون إذن المولى؛ كما لو جنى على المكاتب عبده.
فلو عفا المكاتب- نظر: إن عفا على مال: ثبت، ولا يحتاج إلى إذن المولى في العفو عن القصاص، وإن عفا مطلقًا: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين أو قلنا: موجبه القود، ولكن مطلق العفو يوجب المال: يجب المال للمكاتب؛ فيأخذ الأرش، ويستعين به على أداء النجوم.
وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال: لا يجب شيء، وإن عفا مجانًا: سقط القود، ثم إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين: لا يسقط المال، إن عفا بغير إذن السيد.
وإن عفا بإذنه: فعلى قولي تبرعاته.
وإن قلنا: موجب العمد هو القود، إن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال؛ [فلا يجب شيء، وإن كان بغير إذن المولى، وإن قلنا: مطلق العفو يوجب المال]: ففيه وجهان:
أحدهما: يجب المال، إن كان بغير إذن المولى، وإن كان بإذنه: فعلى قولين؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال، فعفا عن المال.
والثاني: لا يجب المال، وإن كان العفو بغير إذن المولى، لأن الجناية على هذا القول غير موجبة للمال؛ وإنما يثبت المال بعفوه، وعفوه على المال اكتساب، وعفوه مجانًا امتناع عن الاكتساب، وإذا امتنع المكاتب عن الاكتساب: لا يجبر عليه.
ولو صالح عن القود على أقل من أرش الجناية: فحكم ما نقص عن أرش الجناية حكم العفو على أن المال عليه.
أما إذا كانت الجناية موجبة للمال: فلا يصح عفوه عن المال بغير إذن السيد وبإذنه على قولين، فحيث قلنا: لا يسقط المال بالعفو: فلو عتق بعد العفو قبل أخذ المال: هل له
[ ٨ / ٤٧٢ ]
أخذه؟ فيه قولان، بناءً على أن تصرف المفلس باطل أو موقوف.
وفيه قولان، المنصوص ههنا: أن له أخذ المال بعد العتق؛ لأن عفوه لم يكن صحيحًا.
ولو جنى السيد على طرف المكاتب، فإن كانت النجوم [مؤجلة]: فللمكاتب مطالبته بالأرش.
وإن كانت حالة، واتفق الأرش ومال الكتابة جنسًا ووصفًا: يتقاصان.
وإن كان أحدهما أكثر: فلصاحب الفضل أن يأخذ الفضل، فإذا حكمنا بالتقاص، وعتق المكاتب، ثم سرت الجراحة إلى النفس، ومات: يجب على السيد ديته لوارثه إلا القدر الذي صار قصاصًا بالنجوم؛ بخلاف ما لو جرح عبد نفسه، ثم أعتقه، فمات بالسرايا: أنه لا ضمان عليه؛ لأن ابتداء تلك الجناية لم يكن مضمونًا؛ [فلم يجب الضمان في الانتهاء، وابتداء الجناية على المكاتب كان مضمونًا]؛ فهو كما لو جرح عبد الغير، فعتق، ثم سرى: تجب الدية.
فإن قيل: الواجب في الدية الإبل، فكيف يصير قصاصًا بالنجوم؟
قيل: كان الواجب في الابتداء ههنا نصف القيمة، فقطع اليد، فصار قصاصًا بالنجوم، ثم عند السراية: يجب الفصل من الإبل.
فإن قيل: أليس أن من قطع طرف إنسان: لا تؤخذ الدية إلا بعد الاندمال، فكيف يصير قصاصًا في الحال؟
قلنا: قد قيل: هل تؤخذ الدية قبل الاندمال؟ فيه قولان، وقيل في المكاتب: يجوز الأخذ قبل الاندمال؛ لأنه يتوهم سقوط كله بتعجيز المكاتب أو موته، والكتابة عقد إرفاق، فأثبتنا المطالبة في الحال، حتى لا يؤدي إلى إبطال العتق؛ بخلاف الحر: فإن في الحر: لا يتوهم سقوط جميع الضمان؛ إنما يتوهم الانتقاص بمشاركة الغير؛ فلم يؤخذ في الحال، والله أعلم.
باب عتق المكاتب في المرض والوصية به
إذا كاتب عبده في مرض موته- تعتبر قيمته من الثلث، سواء كاتبه بمثل قيمته، أو بأقل منه، أو بأكثر؛ لأن فيه تعجيل ما يخرجه عن الملك، وتأخير ما يأخذ؛ كالبيع نسيئة، ثم إن
[ ٨ / ٤٧٣ ]
خرج من الثلث بأن كان له مثلًا قيمته إذا استفاد قبل موته مثلي قيمته: صحت كتابة كله.
وإن لم يكن له سواه مال- نظر: إن أدى النجوم قبل موت السيد: عتق ثلثاه، إن كان كاتبه على مثل قيمته؛ بأن كانت قيمته مائة، وكاتبه على مائة، فأخذها، وإن كاتبه على مائتين، وقيمته مائة، فأخذ كلها: عتق كله؛ لأنه بقي للوارث مثلًا قيمته.
أما إذا باع نسيئة في مرض موته بثمن مثله، فأخذ الثمن: صح البيع في كله؛ لأن ثم: لو لم يبع العبد: لم [يكن] يحصل له الثمن، فالثمن الذي أخذه بمقابلة ما خرج عن ملكه.
وفي الكتابة: لو لم يكاتب العبد: كان كسبه له، ويبقى لوارثه، فإذا كاتبه بمائة، وقيمته مائة، فأخذها: صار كما لو ملك، مائتين، فنفذ تبرعه في ثلثها، وهو ثلثا العبد.
وإن قبض في الحياة خمسين: صحت الكتابة في نصف العبد.
ولو مات السيد قبل أخذ النجوم: يوقف على إجازة الوارث، فإن أجاز: صحت الكتابة في الكل، ثم إذا عتق بأداء النجوم: فولاؤه لمن يكون؟
إن قلنا: إجازة الوارث تنفيذ لما فعله المورث: فولاء جميعه للمورث: يصير منه لعصباته.
وإن قلنا: إجازة الوارث ابتداء تمليك منه: فولاء ثلثه للميت، وولاء الثلثين للورثة على قدر مواريثهم، وإن رد الوارث الزيادة على الثلث: فثلثه مكاتب، فإذا أدى نجوم ذلك الثلث: عتق ثلثه، ثم هل يزاد في الكتابة قدر نصف ما أدى وهو سدس العبد؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يزاد؛ لأن الكتابة قد بطلت في الثلثين؛ فلا يعود.
والثاني: يزاد؛ فتصح الكتابة في نصف ما أدى؛ كما إذا ظهر للمورث مال كان له في حياته، أو حدث بعد موته؛ بأن كان قد نصب شبكة، فتعلق بها صيد بعد موته: يزاد في الكتابة.
فإن قلنا: يزاد، وكان بعد مضي المدة: هل يجب أن يعطى نجوم ذلك السدس في الوقت أم يضرب له سدس الأجل الذي كان في الابتداء؟ فيه جوابان؛ بناءً على ما لو حبس السيد مكاتبه مدة، ثم خلى سبيله، هل يضرب له مثل مدة حبسه؟ فيه قولان:
فإن قلنا: يزاد في الكتابة قدر نصف الثلث، فإذا أدى نجوم ذلك السدس: عتق نصفه،
[ ٨ / ٤٧٤ ]
ويزاد نصف السدس، هكذا لا يزال يزيد في قدر نصف ما يؤدي، حتى ينتهي إلى ما لا ينتصف، ولو أجاز الوارث في بعض الثلثين، إن قلنا: إجازته، تنفيذ لما فعله المورث: صحت إجازته فيما أجاز، والحكم في الباقي على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إجازته تمليك: فعلى قولي كتابة بعض العبد.
ولو كان له عبدان لا مال له سواهما، قيمتهما سواء، فكاتب أحدهما، وباع الآخر نسيئة في مرضه معًا: فهما موقوفان.
فإن أديا المال في الحياة: صحا جميعًا، وإن لم يؤديا حتى مات السيد، ولم يجز الوارث: صحت الكتابة في ثلث هذا، وصح البيع في ثلث الآخر.
فإذا أدى أحدهما: إما العبد نجوم الثلث أو المشتري ثمن الثلث: فهل يزاد قدر نصف ما أدى؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يزاد فيهما [جميعًا]: تصحح الكتابة في نصف السدس، والبيع في نصف السدس [الآخر] وإن كان المؤدي أحدهما، ولو كاتب عبده في الصحة، واستوفى النجوم في المرض، أو استوفاه وارثه بعد موته: يكون من رأس المال، وإن كاتبه على أقل من قيمته؛ كما لو باع بالمحاباة في الصحة، واستوفى الثمن في المرض.
ولو أقر في المرض أنه قد استوفى: يقبل من رأس المال؛ كالإقرار بقبض الديون.
ولو كاتب عبده في الصحة، ثم أبرأه عن النجوم في مرض موته، أو أعتقه، أو أوصى بعتقه، أو بوضع النجوم عنه بعد الموت: فيكون من الثلث: فإن خرج من الثلث [عتق كله، وسقط عنه النجوم، وإن لم يخرج من الثلث] بأن لم يكن له مال سواه، فإن اختار العجز: عتق ثلثه، ورق ثلثاه، وإن اختار البقاء على الكتابة- نُظر: إن استوفى القيمة والنجوم: عتق ثلثه، وبقي الثلثان مكاتبًا، فإن كان معه ما يؤدي نجوم الثلثين: أدى، وعتق؛ وإلا فللوارث تعجيزه، إن كان قد حل عليه مال الكتابة، وإن لم يحل عليه مال الكتابة: يعتق الثلث في الحال؛ فتبقى الكتابة في الثلثين إلى أن يحل الأجل [ويعتق] وقيل: لا يعتق الثلث في الحال حتى يسلم للوارث الثلثان: إما بأداء نجوم الثلثين، أو بالعجز.
وإن كان بين النجوم والقيمة تفاوت: يعتبر بالأقل من الثلث، لأن الذي يتحقق بقاؤه
[ ٨ / ٤٧٥ ]
للوارث وهو الأقل؛ لأن القيمة: إن كانت أقل: فربما يعجز عن أداء النجوم؛ فلا يكون للوارث إلا الثلثان من العبد، وإن كانت النجوم أقل فربما يؤدي؛ فلا يكون للوارث سوى الثلثين من النجوم.
بيانه: إن كانت النجوم أقل بأن كانت النجوم مائة، والقيمة مائتان: عتق ثلثه، وسقط عنه [ثلث] النجوم؛ وهو المحسوب في الثلث، وبقي للوارث ثلثا النجوم.
وإن كانت القيمة أقل بأن كانت القيمة مائة، والنجوم مائتان، فيحتاج أن يعتق منه شيئًا محسوبًا في الثلث، ويبرئه عن مثله من النجوم غير محسوب في الثلث، ويبقى للوارث مثلًا ما أعتقنا، ولا يعرف إلا بعمل الدورن فيقول: عتق منه شيء، وبرئ من النجوم من مثليه غير محسوب في الثلث؛ بقي للوارث من النجوم مائتان ناقصتان بشيئين تعدل مثلي ما أعتقنا، والذي أعتقنا شيء، فمثلاه شيئان، فشيئان في مقابلة مائتين ناقصتين بشيئين، نجبر المائتين الناقصتين بشيئين، وتضم إلى الشيئين شيئين؛ فتصير أربعة أشياء في مقابلة مائتين؛ فيكون كل شيء منها خمسون؛ فعلمنا: أنه عتق من العبد بقدر خمسين وهو نصفه، وسقط من النجوم عنه مثلاه، وهو مائة، بقي للوارث مائة من النجوم، وهو مثلًا خمسين التي أعتقنا من العبد.
فصل
إذا أوصى بكتابة عبد بعد موته، فإن كان يخرج كله من ثلثه: يكاتب كله، إن شاء العبد، وإن لم يشأ: فلا يكاتب؛ بخلاف ما لو أوصى بإعتاق عبد: يعتق، شاء أو أبى؛ لأن العتق ينفرد به السيد؛ فينفرد به الوارث [ولا ينفرد السيد بالكتابة؛ فلا ينفرد به الوارث] وإن لم يخرج كله من الثلث، ولم يجز الوارث: يكاتب منه بقدر ما يخرج من الثلث؛ إن شاء العبد: حتى لو لم يكن له سواه مال: يكاتب ثلثه.
وقيل: هو ككتابة بعض العبد.
والمذهب: جوازه قولًا واحدًا؛ لأن الوصية تحتمل من التبعيض ما لا تحتمل معاملة الصحة، فإذا كوتب ثلثه، وأدى نجومه: عتق الثلث، وولاؤه للميت، وثلثاه رقيق للوارث، وإن أجاز الوارث، وكاتب كله، فإذا أدى النجوم: عتق كله.
ثم إن قلنا: إجازة الوارث تنفيذ: فولاؤه كله للميت.
وإن قلنا: ابتداء تمليك: فولاء الثلث للميت، وولاء الثلثين للوارث.
[ ٨ / ٤٧٦ ]
ولو أوصى بوصايا للعباد وبالكتابة، هل تقدم الكتابة، لما فيها من القربة؟ فيه قولان:
ولو قال: كاتبوا أحد عبيدي: لا يكاتب أمة ولا خنثى إلا أن يكون الخنثى واضحًا ذكرًا.
ولو قال: إحدى إمائي: لا يجوز عبد ولا خنثى؛ إلا أن يكون واضحًا امرأة.
ولو قال أحد رقيقي: يجوز العبد والأمة، وهل يجوز الخنثى المشكل؟
قال المزني: يجوز، وهو الأصح؛ لأن اسم الرقيق يشمل الكل، وقال الربيع؛ لا يجوز.
ولو قال: كاتبوا فلانًا، فلم يرد فلان: بطلت الوصية، ولا يكاتب غيره.
وكذلك: لو أوصى بأن يشتري عبد فلان، فيعتق، فلم يبعه فلان- لا يشتري غيره؛ كما لو أوصى لزيد بشيء، فرده: لا يصرف إلى غيره.
فصل
إذا أوصى بوضع النجوم عن المكاتب: يجوز، ويعتبر من الثلث.
فلو قال: ضعوا عنه كتابته: يوضع الكل، ولو قال: ضعوا أكثر ما عليه، أو أكثر ما بقي عليه: يوضع نصف ما عليه، وزيادة شيء بقدر ما شاء الوارث.
ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما [بقي عليه، ونصف مثله: يوضع عنه ثلاثة أرباع ما عليه، وزيادة شيء.
ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما] عليه ومثله: يوضع الكل، والزيادة لغو.
ولو قال: ضعوا عنه [نجمًا من نجومه: كان للوارث أن يضع أي نجم شاء، قليلًا كان أو كثيرًا.
ولو قال: ضعوا عنه] ما شاء من نجوم الكتابة، فأراد المكاتب وضع الكل: لا يوضع الكل، بل يبقى أقل ما يتمول؛ لأن "من": للتبعيض.
ولو قال: ضعوا عنه ما شاء: نقل المزني: أنه إن شاء الكل: لا يوضع الكل، بل يبقى شيء.
فمن أصحابنا من وافقه، ومنهم من قال: يجوز وضع الكل؛ كما لو قال ضعوا عنه إن
[ ٨ / ٤٧٧ ]
شاء يوضع الكل إن شاء ولو قال: ضعوا عنه [ما قل أو كثر] وضع الوارث عنه ما شاء من قليل أو كثير؛ لأنه ما من قدر إلا وهو قليل بالإضافة إلى ما هو أكثر منه، وكثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه.
وكذلك لو قال: ما خف أو ثقل.
ولو كان كاتبه على نجوم متفاوتة؛ بعضها أكثر [من بعض] مالًا، وبعضها أطول مدة، فقال: ضعوا عنه أكثر نجومه: يوضع عنه أكثرها مالًا؛ لأن إطلاق الأكثر: ينصرف إلى المال دون المدة؛ فإنه يقال في المدة: أطول وأكثر.
وإن قال: ضعوا عنه أوسط النجوم، واجتمع في نجومه الأوسط في القدر، والأوسط في الأجل، والأوسط في العدد، كان للوارث: أن يضع من أي الثلاث شاء، فالقدر أن يكون أحد النجوم مائة، والآخر مائتين، والثالث ثلاثمائة، فالمائتان أوسطها.
والأجل: أن يكون أحدها: إلى شهر، والآخر: إلى شهرين، والثالث: إلى ثلاثة أشهر، فالذي إلى شهرين أوسطها.
والعدد أن تكون النجوم ثلاثة، فالثاني منها أوسطها، فإن لم يكن أوسط في القدر والأجل؛ بأن كانت الآجال متساوية والقدر متساويًا: يحمل على العدد.
فإن كانت النجوم ثلاثة: وضع الثاني، وإن كان أربعة: وضع عنه الثاني والثالث، وإن كانت خمسة: وضع الثالث.
فصل
إذا أوصى برقبة المكاتب لإنسان: لا يجوز إلا على القول القديم الذي يجوز بيعه.
ولو أوصى برقبته إذا عجز: صح، فإذا عجز وأراد الوارث إنظاره: كان للموصى له تعجيزه.
ولو أوصى بنجوم مكاتبه لإنسان: يجوز، ويعتبر من الثلث، فإذا حل النجم، ولم يكن له ما يؤدي، فأراد الموصى له أن ينظره، وأراد الوارث تعجيزه: كان للوارث أن يعجزه؛ لأن الرقبة تعود إليه.
ولو أراد الموصى له إبراءه على النجوم: ذكر شيخنا القاضي الإمام﵀- وجهين:
[ ٨ / ٤٧٨ ]
أحدهما: يجوز؛ لأنه يملك استيفاءه لنفسه، فيملك الإبراء عنه؛ كالسيد [ويعتق].
والثاني: لا يجوز؛ لأن الموصى له ليس بخليفة الميت، والمكاتب لا يعتق إلا بأداء النجوم، أو بإبراء من المولى أو نائبه.
ولو أوصى لرجل بما في ذمة مكاتبه، ولآخر برقبته إذا عجز: صحت الوصيتان، ثم ينظر في العبد: فإن أدى مال الكتابة: عتق، وكان ذلك المال للموصى له بما في الذمة، وتبطل وصية الآخر.
وإن عجز نفسه: سلمت الرقبة على الموصى له بالرقبة، وبطلت الوصية الأخرى.
ولو قال: أوصيت لك بما يعجله مكاتبي من مال الكتابة: فإن عجل شيئًا مما عليه: دفع إلى الموصى له، وإن لم يعجل، بل أدى الكل: بطلت الوصية.
أما إذا كانت الكتابة فاسدة، فأوصى بنجومه لإنسان: لا يصح؛ لأنه لو أداه إلى السيد لا يملك السيد؛ بل هو كوجود الصفة في التعليق.
ولو أوصى برقبته لإنسان: نظر: إن كان عالمًا بفساد الكتابة: يصح.
كما لو باعه مع العلم بفساد الكتابة: يصح]؛ هذا هو المذهب، وقيل: هو كما لو كان جاهلًا بفسادها: ففيه قولان:
أحدهما: لا تصح؛ لأن اعتقادهما أنه وصية باطلة.
والثاني: وهو اختيار المزني: تصح اعتبارًا بحقيقة الحال؛ وكذلك: لو باع بيعًا فاسدًا، ثم أوصى بالمبيع لإنسان، وهو جاهل بفساد البيع: ففي صحة الوصية قولان.
ولو باع المكاتب كتابة فاسدة؛ أو المبيع بيعًا فاسدًا، أو الموهوب هبة فاسدة، أو وهبه، أو رهنه، وهو جاهل بفسادها- اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: هو على هذين القولين.
ومنهم من قال: القولان في الوصية.
أما البيع والرهن: فباطلان قولًا واحدًا؛ لأن الوصية تقبل من الغرر ما لا يقبله البيع والرهن.
[ ٨ / ٤٧٩ ]
وكذلك: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي؛ فبان أنه قد مات، وصار المال له أو وكل وكيلًا بشراء عبد له بعينه، ثم باعه الموكل، أو وهبه، ولم يعلم: أن الوكيل قد اشتراه، ثم بان أنه قد اشتراه، أو باع مال يتيم، ثم بان أن أباه جعله وصيًا، أو باع مال رجل، ثم بان أن صاحب المال قد وكله ببيعه- هل يصح [أم لا] فعلى هذين الطريقين.
وتخرج من هذا: أن بيع الهازل هل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ كما يقع طلاق الهازل وعتقه.
والثاني: لا يصح؛ بخلاف الطلاق والعتق؛ لأن لهما غلبة ليست للبيع.
باب موت سيد المكاتب
إذا مات سيد المكاتب، وابنته تحت مكاتبه: نظر: إن لم تكن البنت وارثة بأن كانت قاتلة الأب، أو رقيقة أو ذمية، والأب مسلم: لا ينفسخ النكاح.
وإن كانت وارثة: ينفسخ النكاح؛ لأنها ملكت بعض زوجها، فإن الملك في المكاتب ينتقل إلى الوارث؛ بدليل: أنه لو عجز يكون ملكًا له، وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه: تنفسخ الكتابة وعند أبي حنيفة: لا تنفسخ الكتابة بموت سيد المكاتب عن المكاتب وابنته.
وبالاتفاق: لو مات رجل عن ابنة ومكاتب: لا يجوز للمكاتب أن ينكحها، ولولا أنها ملكته: لكان لا يمنع ابتداء النكاح، وكذلك: لو تزوج الابن مكاتبة أبيه، ثم مات الأب: إن لم يكن الابن وارثًا: لا ينفسخ النكاح، وإن كان وارثًا: ينفسخ النكاح؛ لأنه ملك زوجته، ولا يجوز للسيد أن يتزوج مكاتبته، ولا أمة مكاتبته، ولا للمرأة أن تنكح مكاتبها، ولا عبد مكاتبها، فأما إذا نكح أمة، فاشتراها مكاتبه: لا يرتفع النكاح؛ كما لا يجوز للرجل أن يتزوج أم ولده، ولو كح أمة، ثم اشتراها ولده: لا ينفسخ النكاح، ولو مات سيد المكاتب، والمكاتب ممن يعتق على وارثه عتق.
وعند أبي حنيفة: لا يعتق.
وإذا مات سيد المكاتب: لا ترتفع الكتابة، حتى إذا أدى النجوم إلى الوارث يعتق، فإن
[ ٨ / ٤٨٠ ]
كان له وارثان- يجب أن يدفع إليهما، فلو دفع إلى أحدهما: لم يعتق، وإن كان الوارث صغيرًا أو مجنونًا: لم يعتق بالدفع إليه، حتى تدفع إلى قيمه، أو إلى وصي أبيه، فإن كان الأب أوصى إلى وصيين يجب أن يدفع إليهما معًا، فإن دفع إلى أحدهما: لم يعتق.
ولو مات عن وارث، وعليه دين- نظر: إن كان الوارث وصيًا في قضاء الدين، فدفع إليه: عتق، حتى لو تلف في يد الوارث، أو أتلفه: لا شيء على المكاتب، وإن لم يكن الوارث وصيًا أو كان السيد قد أوصى بوصايا: فهي كالدين؛ فيجب أن يدفع [النجوم] إلى الحاكم أو إلى الوصي في قضاء الدين؛ فتنفذ الوصايا] فإن دفع إلى الغريم: لم يعتق، ولو دفع إلى الوارث، فإن قضى الدين والوصايا: عتق، وإن أتلفه: فالضمان على المكاتب، ولا يعتق.
باب عجز المكاتب
الكتابة: عقد لازم من جهة السيد؛ لا يمكنه الفسخ؛ إلا أن يعجز المكاتب عن أداء ما عليه؛ وهو جائز من جهة العبد؛ لأن النظر في الكتابة للعبد؛ فلا يجبر على المقام عليه، وهي على السيد؛ فلم يكن له إسقاطه من غير اختيار من له الحق؟ كما أن الرهن لازم من جهة الراهن؛ جائز من جهة المرتهن.
ونعني قولنا: إنه جائز من جهة العبد: أنه لا يجبر على أداء المال، وإن كان معه وفاء، وله أن يمتنع من الأداء، ويعجز نفسه، ثم يقال للسيد إن شئت، فافسخ العقد، وإن شئت، فاصبر حتى يؤدي.
وهل يملك المكاتب الفسخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا ضرر عليه.
والثاني: له ذلك؛ كالمرتهن يفسخ الرهن.
وعند أبي حنيفة: إذا كان في يده وفاء لنجومه: لم يكن له تعجيز نفسه، وإذا حل على المكاتب نجم، أي نجم كان، وهو عاجز عن أداء ما ضرب عليه في ذلك النجم، أو عن بعضه: فللسيد فسخ الكتابة، إن شاء فسخ بنفسه، وإن شاء رفع إلى الحاكم حتى يفسخ.
وإنما جاز أن يفسخ بنفسه؛ لأنه فسخ مجمع عليه؛ كفسخ البيع بسبب العيب، وإذا عجز: فالاحتياط أن يشهد عليه؛ لأن المكاتب إذا أنكر التعجيز، وادعاه المولى: كان القول قول المكاتب مع يمينه.
[ ٨ / ٤٨١ ]
ولو سأل المكاتب النظرة، إذا لم يكن في يده وفاء عند حلول النجم: يستحب أن ينظره، ولا يلزم.
فلو أنظره، ثم بدا له أن يرجع، ويعجزه: له ذلك.
أما إذا كان في يده مال؛ لكنه عروض عليه أن ينظره، حتى يبيعها، ولا يلزم أكثر من ثلاثة أيام.
فإن كان في السوق كساد: لا يلزمه أن ينظره إلى نفاق السوق، وإن كان للمكاتب في ذمة السيد مال قدر ما بقي من النجوم: لم يكن له تعجيزه، بل إن كان من جنس مال الكتابة: يتقاصان، وإن لم يكن من جنسه: نفذه، وأمهله حتى يحصل به جنس مال الكتابة] وإن كان ماله غائبًا، فإن كان على مسافة القصر: لا يجب إنظاره، وإن كان على أقل: يجب إنظاره؛ حتى يحضره.
وإن كان ماله دينًا على إنسان: فإن كان حالًا على ملئ: يجب إنظاره، حتى يأخذه؛ كما لو كان وديعة عند إنسان.
وإن كان مؤجلًا: إن كان على معسر: لا يجب إنظاره؛ لأن عليه ضررًا في الإنظار الطويل، وإذا حل عليه النجم، وهو غائب، فله أن يفسخ الكتابة: إن شاء بنفسه، وإن شاء رفع إلى الحاكم؛ لأنه كان من حق المكاتب: أن يحضر عند حلول الأجل، ويبعث المال، حتى يؤدي وإن كان الطريق مخوفًا، أو كان المكاتب مريضًا عاجزًا عن الرجوع؛ فللمولى تعجيزه، لأنه لا ذنب للمولى في عذره، ثم إن فسخ بنفسه: يشهد عليه؛ لئلا يكذبه العبد إذا رجع.
وإن رفع إلى الحاكم: فلا يحكم بتعجيزه حتى يثبت بالبينة حلول النجم على مكاتبه، وتعذر الأداء، ويحلفه الحاكم مع البينة؛ لأنه قضاء على الغائب، لم يحكم له بالفسخ، فيفسخ المولى، بخلاف ما لو كان المكاتب حاضرًا: لا يحلف المولى؛ لأن الحاضر يمكنه أن يعبر ع نفسه؛ فيظهر مالًا إن كان له، أو يدعي أداء، فيحلفه، ولو كان للغائب مال حاضر: لم يكن للقاضي أن يؤدي منه نجومه، ولا يمتنع به تعجيز المولى؛ كما لو كان العبد حاضرًا، أو المال غائب؛ بخلاف ما لو جن المكاتب، وله مالك قضى الحاكم منه نجومه؛ لأن المجنون ليس من أهل النظر بنفسه؛ [فعلى الحاكم مراعاة نظره، والغائب
[ ٨ / ٤٨٢ ]
العاقل من أهل النظر لنفسه] ولا يؤدي عنه الحاكم؛ لأنه لو كان حاضرًا: ربما اختار تعجيز نفسه، ولم يؤد المال وإن كان المولى قد أنظر المكاتب بعد حلول النجم، وأذن له في السفر، فغاب المكاتب، ثم بدا للمولى: أن يعجزه: ليس للمولى أن يفسخ في الحال؛ لجواز أن يكون المكاتب قد حصل مالًا في سفره؛ بل يرفع إلى الحاكم، ويثبت عنده بالبينة حلول النجم على مكاتبه وغيبته بعد الإنظار، ويحلفه الحاكم مع البينة، ثم يكتب إلى حاكم البلد الذي به المكاتب، فإذا أتاه الكتاب- دعا المكاتب وسأله فإن أظهر العجز: كتب إلى حاكم بلد المولى حتى يخبر المولى بعجز المكاتب؛ فتنفسخ الكتابة إن شاء.
وإن ذكر أن له مالًا أمره بإيصاله إلى المولى، ويصبر المولى قدر إمكان الوصول إليه، فإن لم يصل إليه: فسخ الكتابة.
وإن كان للسيد وكيل ببلد العبد: أمره الحاكم بالدفع إليه، فإن فعل عتق، وإن لم يفعل: كان للسيد أن يفسخ، أو لوكيله إن جعل الفسخ إليه في الحال.
ولو جن المكاتب، أو غلب على عقله: لا تنفسخ الكتابة؛ لأنه عقد لازم من أحد الطرفين؛ كالرهن.
فإن وجد السيد له مالًا: أخذه وعتق العبد، وإن لم يجد أتى الحاكم، وأثبت عنده الكتابة والعجز، واستحلفه الحاكم؛ لأنه قضاء على من لا يعبر عن نفسه، ثم يبحث الحاكم عن حال المكاتب: فإن وجد له مالًا- دفعه إلى المولى، وعتق المكاتب، وإن لم يجد- فقد ثبت عجزه؛ فللسيد فسخ الكتابة، فإذا فسخ الكتابة عاد العبد إلى ملكه، ويجب عليه نفقته، فإن ظهر له مال؛ أو أفاق المكاتب وأتى بمال حصله قبل التعجيز دفع إلى السيد، ورد التعجيز، وعتق العبد؛ لأنا حكمنا بعجزه في الظاهر وبان بخلافه ويجب على المكاتب أن يرد إلى السيد ما اتفق عليه [من وقت الفسخ إلى رد العجز؛ لأنه لم يتبرع بالإنفاق، إنما أنفق عليه] على أنه عبده، وبان بخلافه.
فأما إذا أفاق المكاتب، وأقام بينة على أنه كان قد أدى مال الكتابة قبل جنونه: يحكم بعتقه، ولا يرجع السيد بما أنفق عليه؛ لأنه تطوع بالنفقة على علمه بحريته.
ولو جن السيد، أو حجر عليه بالسفه: لا تبطل الكتابة أيضًا، وعلى المكاتب أداء النجوم إلى وليه حتى يعتق، فإن أدى إلى السيد: لم يعتق؛ لأنه ليس من أهل الأخذ، حتى لو
[ ٨ / ٤٨٣ ]
أدى إليه، وتلف عنده ولم يكن في يد المكاتب شيء آخر يؤدي: لوليه تعجيزه، فإذا عجزه ولي المحجود عليه ثم انفك الحجر عن المولى: لم يكن له رد التعجيز.
وقيل: فيه قولان؛ كما ذكرنا في المرتد إذا أخذ النجوم، وعجز الحاكم المكاتب، ثم أسلم المرتد، هل يرد التعجيز؟ فيه قولان.
والأول: المذهب.
ولو مات المكاتب قبل أداء النجوم بتمامه: مات رقيقًا.
ولو عجز وفسخ المولى الكتابة: عاد رقيقًا وكذلك: كل قن تكاتب عليه من ولد، أو والد: كانوا أرقاء للمولى، وإن كان له شيء من المال: كان للمولى إن لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين: يقضي منه ديونه، سواء كان دين جناية، أو دين معاملة، فإن فضل شيء: يكون للمولى.
وإن كان الدين أكثر: يلقى الله ﷿ به في الموت.
وفي العجز: إن كان دين جناية تباع رقبته فيه.
وإن كان دين معاملة: يتعلق بذمته حتى يعتق، والله أعلم بالصواب.
[ ٨ / ٤٨٤ ]