[بَابُ/ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ]
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله ﵎: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وروي عن عائشة﵂- أن هندًا جاءت النبيﷺ- فقالت: يا رسول الله،
[ ٦ / ٣١٩ ]
إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلُ شَحِيحُ، وَإِنَّهُ لا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ سِرًَّا، وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءُ؟ فَقَالَﷺ-: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".
الأسباب التي توجب نفقة الإنسان على غيره ثلاثة:
النكاح، وملك اليمين، والقرابة:
أما النكاح-: فتجب به نفقة المرأة على الزوج، فقيرة كانت أو غنية، ولا تجب نفقة الزوج عليها؛ لأنها ممنوعة من الخروج والكسب بسببه.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
وكذلك: [في ملك اليمين] تجب نفقة المملوك على المالك، ولا تجب نفقة المالك عليه.\
أما القرابة: فتجب فيها النفقة من الجانبين عند الحاجة؛ لأنها بسبب البعضية، وهي تشمل الجانبين.
وكل من تجب له النفقة هو من تجب له الكسوة والمسكن، ولا تقدير لهذه النفقات، إنما هي على قدر الكفاية، إلا نفقة الزوجة؛ فإنها مقدرة، ويختلف تقديرها بيسار الزوج وإعساره؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
[ ٦ / ٣٢٤ ]
وعند أبي حنيفة: يعتبر فيها حال المرأة من كونها زهيدة أو رغيبة، ويجب تقدير كفايتها.
وإن كانت المرأة مخدومة لا يخدم مثلها نفسها في عادة بلدها-: فيجب على الزوج لها خادم يخدمها، سواء كان الزوج موسرًا أو معسرًا، حرًا أو عبدًا أو مكاتبًا، كما تجب النفقة عليهم.
وإن لم تكن مخدومة، أو كانت أمة-: فلا يجب على الزوج لها خادم، إلا أن تكون مريضة؛ فعلى الزوج يقيم لها من يمرضها.
فإذا أرادت غير المخدومة أن تتخذ لنفسها خادمًا، وتنفق عليها من مال نفسها-: ليس لها ذلك إلا بإذن الزوج، لأن الدار له، فليس لها أن تدخل داره أحدًا بغير إذنه.
وإذا أوجبنا الخادم على الزوج-: فلا يجب أكثر من واحد؛ لأن الكفاية تقع به، إلا أن تمرض؛ فلم تقع الكفاية بواحد فيضم إليه آخر، ولا يجب تمليكه، بل إن شاء نصب جارية له تخدمها، وإن شاء استأجر حرة أو أمة تخدمها، ولا يجوز أن يكون الخادم إلا امرأة، أو ذا رحم محرم.
وهل يجوز أن يكون من اليهود أو النصارى؟ فيه وجهان:
[ ٦ / ٣٣١ ]
أحدهما: يجوز؛ لأنهم يصلحون للخدمة.
والثاني: لا يجوز؛ لأن النفس تعاف منهم، ولو حملت مع نفسها خادمًا يخدمها، حرة أو أمة-: ليس للزوج إبدالها إلا برضاها؛ لأنها ألفتها، ويشق عليها مفارقتها، إلا أن يظهر منها خيانة- فللزوج إخراجها وإبدالها بغيرها.
وإذا حملت مع نفسها خادمة-: يجب على الزوج نفقتها وكسوتها، ولا تجب نفقة الخادم إلا ههنا؛ لأنه إن أمر جاريته بخدمتها-: فعليه نفقتها بسبب الملك.
وإن استأجر امرأة تخدمها-: فلا نفقة لها، إنما لها الأجرة.
ولو حملت مع نفسها أكثر من خادم-: فللزوج ألا يرضى بالزيادة على الواحد.
ولو استأجرت امرأة تخدمها-: فلها طلب الأجرة من الزوج، فإن كانت ملكًا لها-: فلا.
ولو قالت: أنا أخدم نفسي؛ فأعطني الأجرة-: له ألا يرىض؛ لأنها تصير مبتذلبة، بخلاف ما لو طلقها في دارها، فلها أن تطلب أجرة السكنى، ولو قال الزوج: أخدمك بنفسي، لها ألا ترضى؛ لأنها تحتشم منه، [وتعني بهذه الخدمة: ما يئول لخاصتها]؛ نحو حمل الماء إلى المستحم، وصب الماء على يدها، وغسل خرق الحيض ونحوها، فأما ما كان من مهن البيت من الكنس والطبخ والغزل: فليس شيء منها على المرأة، ولا على خادمها، سواء كانت مخدومة أو لم تكن، إلا أن تتبرع بشيء منها، بل إصلاح ذلك على الزوج، وإن شاء فعل بنفسه، وإن شاء فعل بغيره.
فَصْلُ فِي تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ
قال الله ﵎: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية: [الطلاق: ٧].
تقدير نفقة المرأة تختلف باختلاف حال الزوج: فإن كان موسرًا-: يجب عليه كل يوم مدان، وإن كان متوسطًا-: فمد ونصف، وإن كان معسرًا-: فمد، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو ذمية، وذلك لأن الله تعالى أوجب النفقة على قدر حاله، ولم يبين المقدار، فقسناه على ما قدره الشرع من الكفارات، وأكثر ما أوجبه الله تعالى لكل مسكين مدان في فدية الأذى، وأقل ما أوجبه مد في كفارة الجماع [في رمضان. فاعتبرناه بها، وأوجبنا على المتوسط ما بينهما.
والمرجع في اليسار والإعسار إلى العرف].
[ ٦ / ٣٣٢ ]
وذكر شيخي﵀- مرة: أن الموسر من يزيد دخله على خرجه، والمتوسط من يفي دخله بخرجه ولا يزيد، والمعسر من لا يفي دخله بخرجه.
ونفقة خادم الزوجة- أيضًا- مقدرة؛ فيجب على الموسر مد وثلث، وعلى المتوسط والمعسر مد ولا ينقص عن مد؛ لأن النفس لا تقوم بدونه.
وإن كان الزوج عبدًا أو مكاتبًا-: فيجب عليه نفقة المعسرين، وإن كثر حال المكاتب لأن ملكه غير تام، ومن نصفه حر ونصفه عبد-: يجب عليه نفقة المعسرين، وإن كثر ماله بنصفه الحر؛ لأنه غير كامل الحال.
ومن أصحابنا من قال- وهو اختيار المزني، ﵀ عليه-: عليه نصف نفقة الموسرين، ونصف نفقة المعسرين، وهو مد ونصف؛ كما يجب عليه بقدر الحرية من صدقة الفطر، وتجب نفقة المرأة والخادم من غالب قوت البلد حنطة أو شعيرًا أوذرة أو تمرة كانت أو غيرها.
وإن كانوا أهل بادية يقتاتون الأقط-: فعليه ذلك، ولا يختلف القدر باختلاف البلدان. إنما يختلف الجنس، وإن كان قوتهم من الحبوب-: يجب أن يعطى الحب، ويعطى مؤنة الطحن والخبر والإصلاح، فلو أعطى دقيقًا أو سويقًا أو خبزًا-: لا يلزمها قبولها: فإن رضيت وقبلت-: يجوز.
ولو أعطاها دراهم أو دنانير أو متاعًا بدل النفقة-: لا يلزمها قبولها، فلو رضيت، [وقبلت: يجوز، ولو أعطاها طعامًا في الذمة] هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز بيع الطعام في الذمة؛ كبيع طعام الكفارة، وبيع المسلم فيه قبل القبض.
والثاني: وهو الأصح-: يجوز؛ لأنه طعام مستقر في الذمة للآدمي؛ فيجوز الاعتياض عنه؛ كالقرض.
ويجب لها ولخادمها الإدام من غالب إدام البلد من زيت أو شيرج، أو سمن، أو خل، وهو غير مقدر، بل ذلك إلى اجتهاد الحاكم، فيوجب على الموسر أكثر مما يوجب على المعسر، وعلى المتوسط بينهما.
ويوجب شيئًا من اللحم في بعض الأيام، ففي وقت الرخص على الموسر كل يوم رطل، وعلى المتوسط في كل يومين أو ثلاثة وعلى المعسر في كل جمعة.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
وفي وقت الغلاء في أيام عسرة على ما يراه الحاكم.
ويفاوت بين المخدومة والخادم في الإدام، ويجب للمرأة ما تتنظف وتتزين به من المشط والدهن والسدر والطيب والغسول؛ على ما هو عادة البلد، ولا يجب للخادم؛ لأنه لا يستمتع به، والخضاب لا يجب إلا أن يريد الزوج.
وأما الطيب: فإن كان يراد لقطع السهوكة-: يجب؛ لأنه للتنظف، وإن كان للتلذذ والاستمتاع-: فهو حق للزوج؛ فلا يلزمه إلا أن يشاء.
وليلزمه أجرة الحمام، إن كان عادتها دخول الحمام؛ لأنه يراد للتنظف، ويجب عليه كسوتها من غالب ما يلبس أهل بلده لجميع بدنها؛ لأنه يستمتع بجميع بدنها؛ بخلاف الكسوة في الكفارة: لا يجب لكل مسكين إلا ثوب واحد، ولا تضاعف الكسوة بيسار الزوج في المقدار، بل يزاد في الجودة؛ فيجب على الموسر أجودهما يجب على المعسر، وعلى المتوسط بينهما؛ فلامرأة الموسر من مرتفع ما يلبس من البلد: من القطن، والكتان، والخز، والإبريسم، ولامرأة المعسر من غليظ القطن والكتان، ولامرأة المتوسط بينهما.
وأقل ما يجب لها قميص وسراويل وخمار ومكعب، ولا يجب لها الخف.
وفي الشتاء جبة محشوة، ويجب للقعود عليه والنوم قطيفة ووسادة، وفي الشتاء لحاف.
وللبسط حصر في الصيف أو زلية ولبد في الشتاء لامرأة الموسر من المرتفع، ولامرأة المعسر من غير المرتفع، ولامرأة المتوسط بينهما.
ويجب لخادمها- أيضًا- الكسوة: قميص ومقنعة، وفي الشتاء كساء أو فروة أو وسادة.
وهل يجب للخادم السراويل؟ ففيه وجهان:
أصحهما: يجب؛ ويجب له خف، بخلاف المخدومة لا خف لها؛ لأن الخادم يحتاج إلى الخروج والتقلب في الحوائج.
ويجب للمرأة الأشنان والصابون والغلي لغسل الثياب، ولا يجب ذلك للخادم إلا أن تتوسخ بحيث يعاف منها العفن؛ فيجب لها أشنان لإزالة الوسخ.
ويجب عليه تسليم نفقة كل يوم عند طلوع فجر ذلك اليوم؛ وكذلك: نفقة الخادم، والاعتبار في يساره وإعساره بحالة طلوع الفجر، فإن كان في تلك الحالة موسرًا-: فعليه لذلك اليوم نفقة الموسرين، وإن أعسر في خلال النهار: فإن كان معسرًا-: فليس عليه إلا نفقة المعسرين، وإن أيسر بعده.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
ولو دفع نفقتها ونفقة خادمها وقت طلوع الفجر، ثم مات، أو طلقها من خلال النهار-: لا يسترد، وإن لم يكن دفع-: يجب لذلك اليوم.
وكذلك: لو لم ينفق عليها أيامًا، وهي في طاعته-: فالنفقة والإدام ونفقة الخادم كلها تكون دينًا عليه، [وإن كان موسرًا-: تكون نفقة الموسرين دينًا عليه] سواء قضى به القاضي أو لم يقض.
وعند أبي حنييفة: لا يصير دينًا عليه، إلا أن يكون قد قضى به قاض، وليس كنفقة القريب حيث لا يصير دينًا في الذمة؛ لأن نفقة القريب-: تجب بطريق المواساة؛ إبقاءً للبهة في الوقت، فإذا مضى الزمان-: لا تجب لما مضى، ونفقة الزوجة وجوبها بطريق المعاوضة كالمهر؛ ولذلك: قدمنا نفقة الزوجة على نفقة القريب، وأوجبنا في حال إعسار الزوج وفي حال يسار المرأة، ونفقة القريب لا تجب على المعسر العاجز، ولا للموسر الواجد.
ولو سلفها نفقة أيام، فبانت قبل انقضائها-: فله أن يرجع في نفقة ما بعد اليوم الذي بانت فيه، ولو مضت مدة لم ينفق عليها، فادعت المرأة أنه كان موسرًا؛ فعليه نفقة الموسر، وقال الزوج: بل كنت معسرًا؛ فلا يلزمني إلا نفقة المعسرين- نظر: إن عرف له مال قبل ذلك-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل بقاؤه، وإن لم يعرف-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم المال، والتمليك واجب في النفقة؛ وكذلك: في كل ما لا يبقى بعد الانتفاع به؛ مثل: الإدام، وآلة التنظف، ونفقة الخادم.
وبعد ما أخذت المرأة نفقتها-: فلها أن تتصرف فيها بما تشاء من بيع أو هبة وأن تبذلها، وإن هلكت في يدها-: فلا يجب على الزوج إبدالها، فإن قترت على نفسها بحيث يضر ببدنها-: للزوج منعها عن ذلك؛ لأن متعته تنتقص بنقصان بدنها.
ويجب أن يدفع الكسوة إليها من كل ستة أشهر؛ لأن الغالب أنها تبلى في هذه المدة، أما ما يبقى سنة فأكثر؛ كالمشط، والفرش، وجبة الخز، والإبريسم-: فلا يجب تجديدها من كل فصل.
وهل يجب تمليك الكسوة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجب كالنفقة [والإدام].
والثاني: لا يجب؛ كالمسكن [والخادم].
[ ٦ / ٣٣٥ ]
وكذلك الوجهان فيما ينتفع به مع بقاء عينه؛ كالمشط.
وفائدته تتبين في مسائل، منها: أنا إذا قلنا: يجب تمليكه-: يصير دينًا في الذمة.
وإذا استأجر أو استعار ثوبًا، فألبسها-: لها ألا ترضى.
وإذا أخذت في أول الفصل، ثم طلقها الزوج، أو مات-: لم يكن له أن يسترد، ولها بيعه وهبته.
وإن تلف أو أتلفته قبل مضي الفصل-: لا يجب على الزوج الإبدال.
ولو مضى الفصل، والكسوة باقية عندها لم تلبسها-: يجب على الزوج الكسوة للفصل الثاني.
وإن قلنا: لا يجب التمليك-: فلا يصير دينًا في الذمة، وإذا استأجر كسوة أو استعار فألبسها-: يجوز.
وإذا أخذت في أول الفصل، ثم طلقها، وماتت-: له أن يسترد، ولا يجوز لها بيعه ولا هبته.
فإن تلف أو أتلفته قبل مضي الفصل-: يجب على الزوج الإبدال، ويجب عليها ضمان ما أتلفته دون ما تلف.
ولو مضى الفصل، وهي باقية عندها-: لا يجب عليه الكسوة للفصل الثاني، حتى يبلى الأول.
وهل لها الاستبدال عن الكسوة؟ إن قلنا: يجب تمليكها-: فكالنفقة؛ وإلا فلا يجوز.
ولا يجب على الزوج أن يضحي عن زوجته، ولا يجب عليه أجرة الحجام والفصاد والختان، ولا أجرة الطبيب، ولا ثمن الدواء، إن مرضت؛ لأنها من مؤنات تسليم البدن؛ كما أن عمارة الدار المكراة تكون على المكري دون المكتري، وليس كالدهن والمشط؛ لأنه آلة التنظيف، فتنظيف الدار وكنسها يكون على المكتري، وإذا مرضت لا تسقط نفقتها وإدامها، فتصرف المرأة ذلك إلى ثمن الدواء وأجرة الطبيب، وهل يجب عليه ثمن ماء الاغتسال؟ ينظر: إن كانت تغتسل من جماع، أو نفاس-: يجب على أصح الوجهين.
وإن كانت تغتسل من احتلام-: فلا يجب، وإن كان من حيض-: فوجهان:
الأصح: لا يجب.
وإن ماتت المرأة أو خادمها، هل يجب عليه كفنها ومؤنة تجهيزها ودفنها؟ ففيه وجهان:
أصحهما: يجب؛ كما تجب نفقتها وكسوتها في حياتها.
[ ٦ / ٣٣٦ ]
والثاني: لا يجب؟ لأنه يستمتع بها في الحياة، وقد انقطع ذلك بالموت، والله تعالى أعلم بالصواب.
بَابُ الحَالِ التَّيِ تَجِبُ فِيها النَّفَقَةُ
ونفقة الزوجة تجب بالعقد أم بالتمكين؟ فيه قولان:
[ ٦ / ٣٣٧ ]
أصحهما: وهو قوله الجديد-: [تجب بالتمكين]؛ فتجب نفقة كل يوم عند طلوع فجره؛ لأن العقد قد وجب به المهر؛ فلا يجب به عوض آخر.
والثاني: وهو قوله القديم-: يجب بالعقد ويستقر بالتمكين على مر الزمان؛ كالأجرة من الإجارة، غير أن التسليم جملة في الإجارة يجب حالة العقد، وههنا: يجب على مر الأيام؛ لأن نهارة المدة من الإجارة معلوم، وفي النكاح نهاية العمر غير معلومة.
والحرة العاقلة البالغة إذا سلمت نفسها إلى الزوج أو طالبته بالصداق لتسليم نفسها-: يجب عليه نفقتها من ذلك الوقت.
ولو بعثت إليه رسولًا بأني مسلمة نفسي إليك-: تلزمه نفقتها من وقت بلوغ الخبر إليه.
وإن كان الزوج غائبًا-: فمن حين يصل الخبر إليه، ومضي زمان إمكان القدوم عليها، ولا نفقة لها قبل بعث الرسول وعرض نفسها، وإن مضت سنون، وإن كانت المرأة مالكة لأمرها-: فالعرض يكون من قبلها، وإن كانت مراهقة أو مجنونة-: فمن قبل وليها.
والتمكين التام شرط لوجوب النفقة، فلو قالت: أمكنك في بيتي، أو في بيت كذا دون غيره-: فلا نفقة لها؛ لأن التمكين التام لم يوجد.
ولو اختلف؛ فقالت المرأة: سلمت نفسي إليك منذ كذا، وأنكر-: فالقول قول من يكون؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو المذهب-: القول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التسليم وهذا على قولنا: إن النفقة تجب بالتمكين.
وقال في "الإملاء": القول قولها مع يمينها؛ وهذا على قولنا: إنها تجب بالعقد، فالأصل بقاء ما وجب بالعقد، وهو يدعي السقوط.
ولو اتفقا على تسليم النفس، واختلفا، فقال الزوج: أديت النفقة، وأنكرت-: فالقول قولها [مع يمينها؛ سواء إن كان الزوج] حاضرًا أو غائبًا.
[ ٦ / ٣٤١ ]
وقال مالك: إن كان حاضرًا- فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الغالب أنها لا تمكن إلا بعد أخذ النفقة.
ولو منعت نفسها من الزوج بطلب الصداق- نظر: إن كان بعد الدخول-: فلا نفقة لها- وكذلك: عن كان قبل الدخول، أو كان الصداق مؤجلًا؛ لأن منع النفس لأجل الصداق غير ثابت لها بعد التمكين؛ وكذا: إذا كان الصداق مؤجلًا، وحل الأجل؛ لأن العقد لم يثبت.
وإن كان الصداق حالًا-: فلها منع نفسها عنه؛ لقبض الصداق قبل التمكين، ولا تسقط به نفقتها.
ولو سلمت المراهقة نفسها إلى الزوج بغير إذن الولي، أو المرأة البالغة سلمت نفسها إلى الزوج المراهق دون إذن وليه-: صح التسليم، ولها النفقة؛ بخلاف تسليم المبيع إلى المراهق: لا يصح؛ لأن المقصود من تسليم المبيع إثبات اليد للمشتري، واليد في مال المراهق للولي.
وإن كانت المرأة صغيرة ولا تحتمل الجماع، فسلمت إلى الزوج أو عرضت عليه-: فهل تستحق النفقة؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو المذهب، وهو قول أبي حنيفة: واختيار المزني-: لا نفقة لها؛ لأن تعذر الاستمتاع لمعنى فيها؛ كما لو نشزت، أو لم يوجد التسليم التام.
والثاني: لها النفقة؛ لأنها معذورة؛ كالمريضة، وكذلك: إذا كانا جميعًا صغيرين.
أما إذا كان الزوج صغيرًا-: ففيه قولان:
أصحهما: لها النفقة؛ لأن التمكين وجد منها، وإنما تعذر الاستيفاء من جهته؛ كما لو سلمت نفسها إلى الزوج الكبير، فهرب الزوج-: تجب لها النفقة.
والثاني: لا نفقة لها؛ لأنه لم يتمكن من الاستمتاع.
ولو سلمت نفسها إليه، وهي مريضة أو مضناة لا تحتمل الجماع، أو كانت رتقاء أو قرناء، أو بعد التسليم مرضت، أو ارتق محل جماعها، أو كان الزوج مريضًا أو مجنونًا أو عنينًا-: تجب لها النفقة.
وكذلك: لو حاضت، أو نفست-: لا تسقط نفقتها؛ لأن الاستمتاع بها ممكن بغير الجماع.
ولو هربت، أو امتنعت عن التمكين، أو نشزت، عاقلة كانت أو مجنونة، أو غضبت أو
[ ٦ / ٣٤٢ ]
انتقلت من منزل الزوج إلى منزل آخر، سواء إن كان الزوج حاضرًا أو غائبًا، أو سافرت بغير إذنه-: فلا نفقة لها.
[ ٦ / ٣٤٣ ]
وإن سافرت بإذنه-: نظر: إن كان الزوج معها-: فلا تسقط نفقتها، وإن لم يكن معها - نظر: إن بعثها الزوج في حاجته-: فلا تسقط نفقتها، وإن خرجت في حاجتها بإذنه-: فعلى قولين:
أصحهما: لا نفقة لها.
وكذلك: لو أحرمت بحج أو عمرة دون إذن الزوج-: فلا نفقة لها، وإن كان الحج فرضًا عليها؛ لأن أداء الحج على التراخي، وحق الزوج على الفور سواء قلنا: ما يثبت للزوج تحليلها، أو لا يثبت.
وإن أحرمت بإذنه فكالسفر، إن كان الزوج معها-: لا تسقط نفقتها.
وإن لم يكن-: فعلى قولين:
وإن منعت نفسها بالصلاة- نظر إن منعت بالصلاة الخمس والسنن الرواتب-: لا تسقط نفقتها؛ لأن ما يترتب بالشرع-: فلا حق للزوج في زمانه، وكذلك: قضاء الفرائض، إن كان على الفور، وإن كان على التراخي كقضاء صوم رمضان.
وإن كانت منذورة: فكالصوم المنذور.
[ ٦ / ٣٤٥ ]
وإن منعت نفسها بالصوم- نظر: إن منعت بصوم رمضان، أو بقضائه، وقد ضاق وقته بأن كان قد أفطرت عمدًا، أو أفطرت بعذر، ولم يكن بقي من شعبان إلا قدر أيام القضاء-: فلا تسقط نفقتها.
وإن كان وقت القضاء واسعًا-: فهو كصوم التطوع؛ فليس للمرأة أن تصوم إلا بإذن الزوج.
فلو صامت- نظر: إن صامت بإذنه-: فلا تسقط نفقتها، وإن صامت دون إذنه-: فللزوم أن يفطرها، فلو تركها، ولم يفطرها-: فعلى وجهين:
أحدهما: لا تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته.
والثاني: وهو الأصح-: تسقط؛ لأنها امتنعت من التمكين مما ليس بواجب عليها.
وإن صامت عن نذر نظر: إن نذرت مطلقًا-: فكالتطوع.
وإن نذرت معينًا- نظر:
إن نذرت قبل النكاح-: لا تسقط نفقتها؛ كصوم رمضان، وإن نذرت بعد النكاح بإذن الزوج-: فكذلك، وإن كان بغير إذنه-: فكالتطوع.
وإن صامت عن كفارة في ذمتها-: فكالتطوع؛ لأنه يقبل التأخير.
ولو منعت نفسها بالاعتكاف- نظر إن اعتكفت بإذنه، وهو معها-: لا تسقط نفقتها، وإن لم يكن معها- نظر: إن كان اعتكافها تطوعًا، أو عن نذر في الذمة-: تسقط نفقتها؛ لأنه يقبل التأخير؛ كما ذكرنا في الحج.
وإن كان عن نذر معين- نظر: إن نذرت قبل النكاح-: لا تسقط نفقتها؛ لأنه لا حق للزوج [في المستحق] قبل النكاح.
وإن نذرت بعد النكاح: فإن نذرت بإذنه لا تسقط نفقتها، وإن نذرت بغير إذنه-: تسقط نفقتها-: فحيث قلنا: تسقط نفقتها بالاعتكاف-: يسقط جميعها، وفي الصوم وجهان:
أحدهما: يسقط جميعها؛ كما في الاعتكاف.
والثاني: يسقط نصفها؛ لأن الاستمتاع بها ممكن بالليل، بخلاف الاعتكاف: فإنه يدوم ليلًا ونهارًا.
أما الزوج إذا غاب أو أحرم أو صام-: لا تسقط نفقتها.
فلو خرجت في غيبة الزوج إلى بيت أبيها لزيارة أو عبادة-: لا تسقط نفقتها.
[ ٦ / ٣٤٦ ]
وإن خرجت ناشزة-: تسقط نفقتها، فإن عادت-: فلا نفقة لها، ما لم يصل الخبر إليه؛ على أصح الوجهين، ولو وطئت بالشبهة-: فلا نفقة لها ما دامت في عدة الواطئ.
وإن كان الزوجان كافرين، وأسلمت المرأة، وتخلف الزوج بعد الدخول-: يجب عليها نفقتها في زمان العدة، سواء أسلم الزوج في العدة أو لم يسلم؛ لأنها أدت فرضًا عليها؛ فلا تسقط نفقتها، كما لو صلت وصامت، أما إذا أسلم الزوج، وتخلفت المرأة- نظر: إن كانت كتابية يدوم النكاح بينهما-: فلا تسقط نفقتها.
وإن كانت وثنية أو مجوسية- نظر: إن لم تسلم المرأة حتى انقضت عدتها-: فلا نفقة لها؛ لأنها الممتنعة من التمكين بالتخلف عن الإسلام، كالناشزة.
ولو أسلمت في العدة-: فهما على النكاح، ولها النفقة من حين أسلمت، وهل يجب لها نفقة زمان التخلف؟ فيه قولان:
قال في الجديد، وهو المذهب: لا نفقة لها؛ كما لو لم تسلم حتى انقضت عدتها.
وقال في القديم: لها النفقة؛ بخلاف ما لو لم تسلم حتى انقضت عدتها؛ لأنا أثبتنا - هناك- أنها لم تكن في نكاحه؛ لأن الناكح يرتفع من وقت تبديل الدين.
وإذا أسلمت في العدة تبينا أنها كانت في نكاحه.
والأول أصح؛ كما لو سافر الزوج، وتخلفت عنه-: لا نفقة لها، وإن كانت في نكاحه: فإن قلنا: لا تجب نفقة ما مضى، فاختلفا، فقال الزوج: أسلمت الآن، وقالت: منذ شهر، فعليك نفقة شهر-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء كفرها- كما لو نشزت، ثم عادت، فقالت: عدت منذ شهر، وقال: بل عدت الآن-: فالقول قوله مع يمينه.
وكذلك: على قوله القديم: إذا قالت أسلمت قبل انقضاء العدة؛ فلي النفقة في العدة، وقال: بل بعده-: فالقول قوله [مع يمينه] أما إذا اختلفا في سبق الإسلام، فقالت المرأة: أسلمت أولًا؛ فعليك النفقة، وقال الزوج: بل أسلمت أنا أولًا، وتخلفت؛ فلا نفقة لك-: فالقول قولها [مع يمينها] لأن الأصل وجوب النفقة، وهو يدعي سقوطها، كما لو ادعى عليها النشوز وأنكرت-: فالقول قولها [مع يمينها].
ولو ارتدت المرأة بعد الدخول-: لا نفقة لها في العدة؛ لأنها ناشزة.
قال الشيخ: وكذلك لو ارتدا معًا.
[ ٦ / ٣٤٧ ]
ولو ارتد الزوج-: يجب عليه نفقتها، وإن ارتدت المرأة، وعادت إلى الإسلام في العدة-: فلا يجب لها نفقة زمان الردة، بخلاف ما لو تخلفت المرأة بعد إسلام الزوج، ثم أسلمت في العدة: لها نفقة زمان التخلف على قوله القديم؛ لأنها بالتخلف لم يحدث من جهتها منع، بل أقامت على دينها، والمرتدة أحدثت منعًا بالردة.
ولو ارتدت الزوجة، فغاب الزوج، ثم عادت إلى الإسلام، والزوج غائب: استحقت النفقة من حين عادت إلى الإسلام.
وإن نشزت، فغاب الزوجن ثم عادت إلى الطاعة، والزوج غائب-: لا نفقة لها حتى يصل الخبر إليه، أو يمضي زمان لو سافرت فيه يقدر على استمتاعها.
والفرق: أن المرتدة سقطت نفقتها بالردة، وقد زالت بالإسلام، والناشزة سقطت نفقتها بالمنع من الاستمتاع، والخروج عن قبضة الزوج؛ وذلك لا يزول مع الغيبة، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا قبضت الحرة الصداق-: وجب عليها تسليم نفسها إلى الزوج، إن كانت محتملة الجماع.
وإذا زوج أمته-: فللسيد أن يشغلها بخدمته، ولا يمكنه إلا في الوقت الذي لا يحتاج إلى خدمتها، ويستخدمها بالنهار ويسلمها إلى الزوج بالليل.
ولا يجب أن يؤويها مع الزوج بيتًا؛ بخلاف ما لو أجر عبده-: يجب تسليمه إلى المستأجر، وليس له أن يشغله بخدمته؛ لأن المستأجر ملك المنفعة؛ بدليل أنه يستوفي بنفسه وبغيره، والزوج ليس له حقيقة ملك في بعضها، بل أبيح له الاستمتاع، بدليل أنها لا تبيح لغيره، وللمولى حقيقة ملك، فكان أولى باستخدامها من الزوج، ثم إن آواها معه بيتًا ليلًا أو نهارًا، أو سلمها إليه-: يجب على الزوج تسليم الصداق، وتمام نفقتها، وإن لم يفعل-: فلا نفقة لها، ولا يجب تسليم الصداق.
وإن كان قد سلمه-: فله أن يسترد، ولو قال: ادخل بيتي ليلًا ونهارًا، أو استمتع بها، ولا ىذن لها في الخروج، فهل تستحق النفقة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تستحق؛ كما لو آواها معه بيتًا.
والثاني: وهو الأصح-: لا تستحق؛ لأن التمكين التام لم يوجد؛ كالحرة إذا قالت: ادخل بيتي، ولا أخرج إلى بيتك: فلا نفقة لها.
ولو سلمها إليه بالليل دون النهار-: ففيه وجهان:
[ ٦ / ٣٤٨ ]
أصحهما: وهو قول أبي إسحاق- لا نفقة لها؛ لأن التسليم لم يوجد، كالحرة إذا سلمت نفسها بالليل دون النهار: لا تستحق شيئًا من النفقة.
وقال ابن أبي هريرة: يجب لها نصف النفقة؛ لأنه سلمها إليه نصف الزمان.
وقيل: تجب كل النفقة؛ لأن زمان الاستمتاع هو الليل، وقد سلمها إليه بالليل، والله تعالى أعلم بالصواب.
بَابُ الرَّجُلِ الذِي لاَ يَجِدُ النَّفَقَةَ
سئل ابن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؟ قال: يفرق بينهما، قيل له: فسنة؟ قال: سنة.
قال الشافعي﵁-: والذي يشبه قول ابن المسيب يشبه أن يكون سنة رسول اللهﷺ-.
إذا أعسر الرجل بنفقة زوجته، وهي في فراشه، أو في عدة الرجعة-: يثبت لها فسخ النكاح؛ وهذا هو المذهب، سواء كانت المرأة موسرة أو معسرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ فإذا عجز عن الإمساك بالمعروف تعين عليه التسريح، وهو قادر عليه؛ وهذا قول أكثر أهل العلم.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
وفيه قول آخر، وبه قال الزهري، وهو قول أبي حنيفة: لا فسخ لها.
والأول المذهب؛ للاتفاق على أن الزوج إذا عجز عن الوطء يثبت للمرأة حق الخروج عن النكاح، مع أنها تصبر عن الوطء جميع عمرها، وإذا عجز عن النفقة أولى أن يثبت لها حق الخروج عن النكاح مع أنه لا صبر لها عن النفقة.
يؤيده: أن الحبس في البيت سقط بسبب الإعسار، حتى يجوز لها الخروج لطلب النفقة، كذلك حبس النكاح، وإنما يثبت لها حق الفسخ، إذا عجز الزوج عن نفقة المعسرين، وهو المد أو عن بعضه.
فإذا عجز عن نفقة الموسرين، أو عن المتوسطين، أو عن الإدام، أو عن نفقة الخادم: فلا يثبت لها حق الفسخ؛ لأن النفس تعيش بدون الإدام، وتقوم بدون الخادم، وكذلك إذا عجز عن السكنى فلا فسخ لها؛ على أصح الوجهين.
ويثبت بسبب الإعسار بالكسوة؛ كالنفقة، وإذا صارت النفقة دينًا في ذمته يعجز عن
[ ٦ / ٣٥٦ ]
أدائها-: فلا فسخ لها؛ كما لو كان لها عليه دين آخر لا يقدر على أدائه، حتى لو أعسر بنفقة يوم، فلم يفسخ، فوجد نفقة اليوم الثاني-: لا خيار لها لإعساره بنفقة الأمس.
وإذا امتنع عن الإنفاق مع اليسار، هل يثبت لها حق فسخ النكاح؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا فسخ لها؛ لأن الأخذ يمكن بالسلطان.
والثاني: لها ذلك؛ لتعذر الوصول إلى حقها.
والأول أصح.
وكذلك: لو غاب، وهو موسر في الغيبة-: لا يثبت لها حق الفسخ؛ على الأصح؛ لأن ثبوت الفسخ لنقص الإعسار؛ كما لو كان قادرًا على الوطء؛ لكنه غائب عن زوجته: لا فسخ لها، وإذا كان حاضرًا، وهو عنين-: ثبت لها الفسخ.
وكذلك: لو غاب، وانقطع خبره، ولم يعلم إعساره-: فلا فسخ لها على الأصح؛ لأن ثبوت الفسخ، وهو الإعسار-: لم يتحقق، وإن كان موسرًا، لكنه لا يعطي إلا نفقة المعسرين-: فلا خيار لها؛ لأن البدن يقوم بما يعطي، والباقي يثبت دينًا في ذمته.
فإن كان الزوج معسرًا، فتبرع رجل بأداء النفقة عنه-: لا يسقط خيار المرأة؛ لأن من قبوله منة عليها.
وإن كان الرجل فقيرًا، ولكن يجد نفقة كل يوم-: فلا خيار لها، وإن كان يجد كل يوم نصف مد، ويجد يومًا قدر الكفاية، ويومًا نصفه-: فلها الخيار.
وإن كان يجد في أول النهار ما يغديها، وفي آخره ما يعشيها-: ففيه وجهان:
أحدهما: لها الخيار؛ لأن نفقة اليوم لا تتبعض.
والثاني: قال الشيخ؛ وهو الأصح: لا خيار لها؛ لأنه يصل إليها نفقة كل يوم.
هذا في إعسار العجز، أما إعسار التأخير-: لا يثبت الفسخ؛ مثل: إن كان يكتسب في كل يوم ما يكفيه لثلاثة أيام بعدها، ثم يبقى يومين أو ثلاثة لا يكتسب، ثم يكتسب ما يكفي الأيام الماضية.
وإن كان نساجًا ينسج في كل أسبوع ثوبًا يكفيه أجرته للأسبوع-: فلا خيار لها؛ لأنه ليس بإعسار، بل هو تأخير الحق من وقت إلى وقت، ويستدين يوم التأخير.
وإن كانت نفقته من عمل فعجز عنه بمرض- نظر: إن كان مرضًا يرجى زواله في يومين أو ثلاثة أيام-: فلا فسخ لها؛ لأنه يمكنه أن يستقرض، ثم يقضي إذا برئ وعمل.
وإن كان مرضًا يطول زمانه-: فلها الخيار.
[ ٦ / ٣٥٧ ]
وإن كان ماله غائبًا: فإن كان على أقل من مسافة القصر-: فلا خيار لها، وإن كان في مسافة القصر-: فلها الخيار.
[قال الشيخ]: بخلاف ما لو كان الزوج غائبًا، وهو موسر-: فلا فسخ لها؛ على الأصح؛ لأن الزوج هناك قادر على الأداء، وتعذر الوصول إليه من جهة المرأة، وإذا كان المال غائبًا-: فالعجز عن الإنفاق من جهة الزوج، وكان لها الفسخ.
وإن كان له دين على موسر-: فلا خيار لها، وإن كان على معسر-: فلها الخيار.
وإن كان له دين على المرأة، فأمرها أن تنفق على نفسها-: فلا خيار لها، إن كانت موسرة، وإن كانت معسرة-: فلها الخيار، لأن الله تعالى أمر بإنظار المعسر؛ فهي لا تصل إلى نفقتها من ماله.
والفسخ بسبب الإعسار يحتاج إلى الحاكم؛ لأنه مجتهد فيه؛ فالحاكم يفسخ بطلبها، أو يثبت لها الخيار حتى يفسخ.
وقيل: هي تفسخ بنفسها، وهي فرقة فسخ لا ينتقض به عدد الطلاق.
وقيل: القاضي يأمره بالطلاق، فإن لم يطلق يطلق عليه القاضي؛ كما في الإيلاء.
والأول أصح.
وفي وقت الفسخ قولان:
أحدهما: وهو الأصح-: يمهل ثلاثًا، حتى يتحقق العجز والضرر؛ لأنه قد لا يقدر اليوم، ويقدر في غد.
والثاني: لا يمهل ثلاثًا، حتى يتحقق العجز والضرر؛ لأنه لا فسخ لتعذر الوصول إلى العوض؛ كفسخ البيع بإفلاس المشتري بالثمن.
فإن قلنا: لا يمهل ثلاثًا-: ففيه وجهان:
أحدهما: لها الفسخ، إذا طلع الفجر، وعجزه ظاهر في ذلك اليوم.
والثاني: لا فسخ لها حتى يمضي اليوم.
فإذا قلنا: يمهل ثلاثًا، فمضى يومان، ثم وجد نفقة اليوم الثالث، ثم أعسر في اليوم الرابع-: فهل يستأنف المدة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يستأنف؛ لأن العجز الأول قد ارتفع.
[ ٦ / ٣٥٨ ]
والثاني: لا يستأنف؛ لأنها تضرر به، وفي مدة الإمهال يجوز لها الخروج عن البيت؛ لتحصيل النفقة بسؤال أو كسب، إن كانت معسرة، وإن كانت موسرة، فلا، ويجوز للمرأة منع نفسها عن الزوج بفقد النفقة، ولكن لا نفقة لها في زمان المنع، حتى لا يصير دينًا على الزوج. فإذا اختارت المقام معه، ولم تمنع نفسها منه-: ثبت لها في ذمته ما يجب على المعسر من الطعام والإدام والكسوة، ونفقة الخادم، فإذا أيسر طولب بها، ولا يثبت في ذمته: ما لا يجب على المعسر من الزيادة على نفقة المعسر، فإذا أعسر الزوج بالصداق، هل يثبت لها الفسخ؟ فيه أقوال:
أصحها: يثبت، سواء كان قبل الدخول أو بعده؛ كما لو أعسر بالنفقة، ولأن النكاح معاوضة تقبل الفسخ، فيجوز فسخ بالإفلاس بالعوض، كالبيع، وأثبتنا الفسخ بعد الدخول، لأن البضع لا يتلف حقيقة بوطأة واحدة.
والثاني: لا يثبت لها الفسخ؛ لأن النفس تقوم بدونه؛ كما لو كان عليها دين آخر، وكما لو أعسر بنفقة الزمان الماضي، حتى صار دينًا في الذمة.
والثالث: إن كان بعد الدخول لا فسخ لها؛ لأن البضع صار في حكم التالف بالدخول، وإن كان قبل الدخول-: فلها الفسخ؛ كالمشتري إذا أفلس، والمبيع قائم-: فللبائع فسخ البيع، وإن كان تالفًا-: فلا فسخ له.
وإن أثبتنا-: هل يحتاج إلى الحاكم؟ حكمه حكم الإعسار بالنفقة.
وإن كان قد نكحها مفوضة-: فلا خيار لها بسبب العجز عن الصداق؛ لأنه لا يجب لها المهر بالعقد؛ على أصح القولين، ولكن لها مطالبته بالفرض، فإذا فرض-: فهو كالمسمى في العقد، وإذا أثبتنا لها الفسخ بالإعسار بالصداق، فرضيت به، ولم تفسخ، ثم بدا لها أن تفسخ-: ليس لها ذلك؛ لأنه ضرر واحد؛ كما لو وجدت به عيبًا فرضيت به.
أما إذا أعسر بالنفقة، فرضيت بإعساره، واختارت المقام معه على الإعسار، ثم بدا لها أن تفسخ-: فلها ذلك؛ لأنه حق يتجدد كل يوم.
وكذلك: لو نكحت عالمة بإعساره-: فلها الخيار بفقد النفقة، فإذا أرادت الفسخ بعد الرضا، وقلنا: يمهل ثلاثًا-: نضرب المدة ثانيًا، وإذا اختارت المقام مع الإعسار بالنفقة-: لا يلزمها التمكين من الاستمتاع، ولها أن تخرج من منزله، لأن التمكين في مقابلة النفقة-: فلا تجب مع عدمها، أما في الإعسار بالصداق بعد الدخول-: ليس لها الامتناع من التمكين إذا اختارت المقام معه.
وإن كانت المرأة غير بالغة أو مجنونة-: فليس لوليها فسخ العقد بسبب الإعسار بالنفقة،
[ ٦ / ٣٥٩ ]
بل نفقتها في مالها، إن كان لها مال، وإن لم يكن لها مال-: فنفقتها على من تلزمه نفقتها، لولا الزوجية.
وإن كانت أمة-: فالفسخ بإعسار النفقة لها حتى لو جنت الأمة-: ليس لسيدها أن يفسخ، فلو رضيت بإعسار الزوج-: ليس لسيدها الفسخ، ولكن لا يجب على السيد نفقتها، بل يقول لها: إن أردت النفقة؛ فافسخي العقد.
ولو أنها أبرأت الزوج عن نفقة اليوم-: جاز؛ لأن ذلك حقها.
أما ما صار دينًا في ذمته من النفقة-: فلا يصح إبراء الأمة عنه؛ لأنه للسيد؛ كالصداق.
فَصْلُ
إذا ضمن رجل عن آخر نفقة زوجته - نظر: إن ضمن نفقة المدة الماضية التي صارت دينًا في ذمة الزوج، وكانت معلومة-: جاز، سواء فيه نفقة الموسرين أو المعسرين أو المتوسطين.
وكذلك: الإدام ونفقة الخادم للمدة الماضية؛ وكذلك: نفقة الوقت بأن طلع فجر يوم، فضمن نفقة ذلك اليوم- جاز؛ لأنها تجب بطلوع الفجر.
أما نفقة الزمان المستقبل-: هل يصح ضمانها؟
إن قلنا: تجب النفقة بالعقد-: يصح ضمانها.
وإن قلنا: بالتمكين-: لا يصح؛ لأنه ضمان ما لم يجب، فإن جوزنا إنما نجوز ضمان نفقة المعسرين، ولا يصح ضمان نفقة الموسرين والمتوسطين.
وإن كان الزوج موسرًا في تلك الحالة؛ لأنه ربما يعسر: فإن جوزنا ضمانها-: فهل يسقط [خيار المرأة؟ نظر: إن ضمن بإذن الزوج-: يسقط خيارها.
وإن ضمن بغير إذنه-: فعلى وجهين:
أحدهما: يسقط؛ لأن الضرر زال عنها بضمانه؛ كما لو ضمن بإذنه.
والثاني: لا يسقط؛ لأن الضامن تبرع عليها؛ بدليل أنه لا يرجع على الزوج؛ فهو كما لو تبرع رجل بأداء النفقة عن الزوج المعسر-: لا يسقط به خيارها؛ لأن في قبوله منة عليها.
بَابُ نَفَقَةِ الَّتِي لاَ يَمْلِكُ زَوُجُهَا نَفَقَتَهَا
قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ الآية [الطلاق: ٦].
[ ٦ / ٣٦٠ ]
المعتدة الرجعية تستحق النفقة والكسوة والسكنى في العدة، ولها النفقة، ما لم تقر بانقضاء عدتها، وله الرجعة.
أما البائنة بالخلع والطلقات الثلاث-: فلها السكنى، ولا نفقة ولا كسوة، وإن كانت حائلًا، وإن كانت حاملًا-: فلها النفقة والكسوة على الزوج، وتلك النفقة للحمل أم
[ ٦ / ٣٦١ ]
للحامل؟ فيه قولان:
[ ٦ / ٣٦٣ ]
أصحهما: للحامل؛ بدليل أنه يعتبر التقدير لحالها.
وقال في القديم: هي للحمل؛ بدليل أنها لا تجب عند عدم الحمل.
وفائدته: تتبين في مسائل:
منها: أن الزوج لو كان عبدًا، هل تجب عليه النفقة إن قلنا: هي للحامل-: تجب عليه؛ كنفقة الزوجة.
وإن قلنا: للحمل-: لا تجب؛ لأن العبد لا تجب عليه نفقة للقريب.
ومنها: لو كان الحمل مملوكًا؛ لكون الأم أمة، فهل على الزوج نفقتها سواء كان الزوج حرًا أو عبدًا؟
إن قلنا: هي للحامل-: تجب.
وإن قلنا: للحمل-: لا تجب؛ بل تكون على مالك الحمل؛ كما لو كان الولد خارجًا-: لا يختلف القول: إن هذه النفقة تصير دينًا في الذمة، وتسقط بيسورها؛ ولا يجب على حد الحمل؛ لأن مستحقها الزوجة بخلاف نفقة القرب.
ومنها: أن المعتدة عن وطء الشبهة والنكاح الفاسد، والمفسوخة نكاحها بعيب أو غررو-: هل تستحق النفقة، إن كانت حاملًا؟
إن قلنا: هي للحامل، وهو الأصح-: لا تستحقها؛ لأن النكاح الفاسد لا يوجب النفقة، كذلك: عدته.
وإن قلنا: للحمل: تستحقها؛ لأن النفقة للولد تجب سوى [ما] على الوالد، حصل من وطء شبهة.
أما المعتدة عن فرقة اللعان والرضاع والصهرية-: كالمطلقة ثلاثًا: تستحق السكنى، وتستحق النفقة والكسوة، إن كانت حاملًا.
وإذا أوجبنا النفقة للحمل أو للحامل-: فلا تجب قبل ظهور الحمل.
وبعد ظهوره: هل يجب الدفع قبل وضع الحمل؟ فيه قولان؛
بناءً على أن الحمل: هل يعرف أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما: يعرف؛ بدليل أنه يرد الجارية المشتراة بسبب الحمل، ولا توجب الحامل في الزكاة، وتجب الخلفة في الدية، ولا يقم الحد على الحامل.
والثاني: لا يعرف؛ لأنه قد يبين بخلاف ما لو تتوهم.
[ ٦ / ٣٦٥ ]
إن قلنا: يعرف الحمل، وهو الأصح، واختيار المزني-: يجب دفع النفقة إليها قبل الوضع.
ثم إن بان أنه كان ريحًا، ولم يكن حملًا-: هل له أن يسترد ما ينفق عليها في زمان الحمل؟
إن قلنا: يجب دفع النفقة إليها قبل الوضع-: فله أن يسترد؛ كما لو دفع مالًا إلى إنسان على ظن أن له عليه دينًا؛ فبان أنه لم يكن-: فله أن يسترد؛ كالأب الموسر إذا كان ينفق على ولده على ظن أنه معسر، وأن نفقته عليه، فبان موسرًا-: فله أن يرجع عليه بما أنفق.
وإن قلنا: لا يجب الدفع قبل الوضع-: نظر: إن دفع بأمر الحاكم-: فله أن يرجع، وإن دفع بغير أمره- نظر: إن شرط أن ذلك عن نفقتها؛ إن كانت حاملًا-: فله الرجوع، وإن لم يشترط-: فهو متبرع لا رجوع له، والله أعلم.
بَابُ النَّفَقَةِ عَلَى الأَقَارِبِ
قال النبي- صلوات الله عليه وسلامه- لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ
[ ٦ / ٣٦٦ ]
بِالْمَعْرُوفِ".
نفقة القريب واجبة على القريب في الجملة، ولا يجب- عندنا- إلا نفقة الوالدين، والمولودين، من الآباء والأجداد والجدات، وإن علوا من أي جهة كانوا. والأولاد وأولاد الأولاد، وإن سفلوا، ذكورًا كانوا أو إناثًا.
فنفقة الولد مستفادة من الحديث، ويستدل [به] على وجوب نفقة
[ ٦ / ٣٦٧ ]
الوالد؛ لأنهما يستويان في العصبة، وحرمة الوالد أعظم.
[ ٦ / ٣٦٨ ]
وعند أبي حنيفة: تجب نفقة كل ذي رحم محرم؛ كالأخ والأخت والعم والخال.
تجب نفقة القريب مع اختلاف الدين، وتجب في الكسب؛ كما تجب في المال، ويجبر
[ ٦ / ٣٦٩ ]
على الكسب]؛ ليحصل نفقة القريب، إن كان كسوبًا، وإن لم يجعل الكسب كالمال في إيجاب نفقة الموسرين للزوجة، وفي إيجاب الزكاة والحج.
وعند أبي حنيفة: نفقة غير الوالدين والمولودين لا تجب مع اختلاف الدين، ولا في الكسب.
وفيه دليل على أنها غير واجبة، وإنما تجب نفقة القريب على من كان موسرًا، أو
[ ٦ / ٣٧٦ ]
مكتسبًا يفضل عن حاجته، ونفقة عياله ما ينفق على قريبه، فإن لم يفضل عن حاجته، وعياله-: لا يجب عليه نفقة القريب؛ لأن نفقة العيال مقدمة على نفقة القريب، حتى لو فضل عن قوت يومه نفقة شخص، وله زوجة وقريب: كانت الزوجة أولى؛ لأن نفقة القريب مواساة، ولا مواساة على من لا يفضل عن حاجته شيء، ويجب في مال الصبي والمجنون.
ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من العقار والمنقول جميعًا.
وإنما يستحق النفقة على القريب من كان معسرًا لا كسب له، عاجزًا، فإن كان له مال من أي نوع كان-: فنفقته في ماله، لا تجب على قريبه، صغيرًا كان أو كبيرًا، زمنًا أو سويًا.
وكذلك: إن كان له كسب يغنيه-: فنفقته في كسبه؛ لا تجب على قريبه.
وإن كان معسرًا لا كسب له- نظر: إن كان زمنًا لعجز أو مرض، أو أعمى، أو كان مجنونًا، أو كان الولد صغيرًا- يستحق النفقة على قريبه.
وإن كان رضيعًا-: فعلى القريب إرضاعه في الحولين.
وإن كان صحيحًا سويًا-: ففيه قولان:
أصحهما: لا يستحق النفقة؛ لأن القوة كاليسار؛ فيمكنه تحصيل النفقة واليسار بقوته، وقد سوى النبيﷺ- في تحريم الزكاة بين القوة واليسار؛ فقال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة قوي".
[ ٦ / ٣٧٨ ]
والثاني: يستحق؛ لأنه محتاج غير كسوب؛ كالزمن.
وقيل: القولان في الوالدين، أما الأولاد-: فلا يستحقون النفقة مع القوة؛ لأن حرمة الوالد أعظم من حرمة الولد.
فَصْلُ فِي اجْتِمَاعِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمُ النَّفَقَةُ
إذا كان للمحتاج قريبًا موسران- فلا يخلو: إما إن استويا في الجهة، أو اختلفا: فإن استويا في الجهة- لا يخلو: إما إن كانوا في المولودين أو في الوالدين:
فإن كانا في المولودين- نظر: إن استويا في الدرجة-: فنفقته عليهما نصفان؛ مثل: إن كان له ابنان، أو ابنتان، أو ابنا ابن، وإن كانا مختلفين في قدر اليسار بأن كان أحدهما يملك أموالًا كثيرة، والآخر يملك فضلًا عن قوت اليوم، وكذلك إن كان أحدهما موسرًا، والآخر محترفًا بقدر أن ينفق بحرفته-: فهما سواء.
وإن كان أحدهما حاضرًا، والآخر غائبًا-: يؤخذ النصف من الحاضر، والنصف من مال الغائب، فإ، لم يكن له مال حاضر-: يستدان عليه.
وإن كان له ابن وبنت- فيكون عليهما سواء، وكذلك: ابن الابن وبنت الابن، وبنت البنت: يستويان، وإن اختلفا في الدرجة؛ مثل: إن كان له ولد وولد ولد-: فيجب على الأقرب، ذكرًا كان أو أنثى، وارثًا كان أو غير وارث.
هذا هو المذهب.
وقيل: يعتبر بالميراث، فإن كان له ابن وبنت-: يجب ثلثا النفقة على الابن، والثلث على البنت، وإن كان أحدهما وارثًا-: تجب على الوارث؛ مثل: إن كان له ابن ابن، وابن بنت-: فتكون على ابن الابن، وكذلك: ابن ابن الابن مع ابن البنت، فتكون على ابن ابن الابن.
فإن كانا وارثين أو لم يكونا وارثين-: فعلى الأقرب، وقيل: تجب على الذكر منهما؛ لأنه أقوى على الكسب، حتى لو كان له بنت وابن-: فيكون على الابن؛ وكذلك: بنت وابن ابن وابن بنت-: فعلى ابن الابن، أو ابن البنت؛ كما أن الأب أولى من الأم.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
والأول المذهب؛ أنه لا تعتبر الذكورة ولا الميراث؛ بدليل أنها تجب مع اختلاف الدين، ولا توارث مع اختلاف الدين؛ ولأن كل واحد لو انفرد كان الكل عليه، وإن لم يكن له كل الميراث، وإن كان القريبان الموسران من جهة الوالدين؛ مثل: إن كان له أب وجد، أو أم وجدة- فتجب على الأقرب، وإن كان له أب وأم-: فالمذهب: أن النفقة على الأب؛ وبه قال أبو حنيفة؛ كما في حال الصغر.
وقيل: تكون عليهما، فعلى هذا هل يسوى بينهما أم يكون على قدر ميراثهما؟
فيه وجهان؛ كما ذكرنا في المولودين.
والأول المذهب؛ لأن الأب أولى من الأم.
وإنما اختلفوا في الجد أب الأب مع الأم.
فمن أصحابنا منرقال: الجد أب الأب، وإن علا أولى بالوجوب عليه من الأم وآبائها وأمهاتها؛ فتكون على الأقرب منهم.
فإن لم يكن جد هو عصبة-: فحينئذ على أجداد الأم وجداتها: يقدم الأقرب فالأقرب.
فإن استووا في الدرجة-: فهم سواء.
ومن أصحابنا من قال: إذا استوى شخصان في الدرجة-: استويا في الإنفاق، سواء كانا من جهة الأب أو من جهة الأم، أو أحدهما من جهة الأب، والآخر من جهة الأم، حتى أن أب الأب وأب الأم [وأم الأب] وأم الأم سواء فيه.
فإن اختلفا في الدرجة-: فعلى الأقرب؛ كما في الأولاد، حتى أن الأم أولى من الجد أب الأب، وهذا مطرد إلا في الأب والأم، فإن الأب أولى بالوجوب عليه من الأم مع استوائهما في الدرجة.
ومن أصحابنا من قال: وإليه ذهب صاحب "التلخيص"-: يقدم عنه؛ الاستواء من يدلي بالأب؛ كما يقدم الأب على الأم؛ فيقدم أولًا الأب، ثم الأم، ثم الجد أب الأب، ثم الجد أب الأم، ثم أم الأب، ثم أم الأم، وعلى هذا القياس إذا اجتمع أم الأب [وأم الأم]؛ فعلى أم الأب؛ لأن إدلاءهما بالأب؛ ولأن لها حقًا في الحضانة دون أب الأم.
ومن أصحابنا من قال: الاعتبار بالميراث.
ومنهم من قال: الاعتبار بالذكورة.
[ ٦ / ٣٨٠ ]
قال الشيخ: يخرج على هذا: أنه إذا كان له أم أم، وأم اب: فإن قلنا: الاعتبار بالقرب، أو بالميراث، أو بالذكورة-: فهما سواء.
وإن قلنا: بالإدلاء-: فيجب على أم الأب، وإن كان له أب أم، وأم أب.
إن قلنا: الاعتبار بالقرب-: فهما سواء.
وإن قلنا: بالذكورة-: فيجب على أب الأم.
وإن اختلفا في الجهة: فإن كان له أب وابن-: ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وبه قال صاحب "التلخيص"-: يجب على الابن، لأن حق الأب أعظم، فالابن أولى بوجوب النفقة عليه من الأب.
والثاني: تجب على الأب؛ لأن وجوب نفقة الولد على الأب منصوص عليه؛ قال
[ ٦ / ٣٨١ ]
النبيﷺ- لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ"
والثالث: تكون عليهما.
فإن قلنا: تجب على الابن، فهل يعتبر فيه القرب؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يعتبر، وهو قول أبي حنيفة؛ بل نفقة الولد وولد الابن، وإن سفل، ذكرًا كان أو أنثى-: أولى بالوجوب عليه من الأب، وما دام يوجد أحد من المولودين، وإن سفلوا، موسرًا-: لا تجب على الوالدين.
والثاني: يعتبر القرب، حتى يقدم الابن على الجد، ويقدم الأب على ابن الابن، وإذا اجتمع الجد مع ابن الابن-: فعلى الأوجه الثلاثة؛ كالأب مع الابن، وكذلك: إذا كان له أب وبنت، أو أم وابن، أو أم وبنت، وإذا كان له ابن وجد-: فالمذهب أنها على الابن؛ لأنه أقرب.
وقيل: هو كالأب مع الابن، فحيث قلنا: يجب عليهما في هذه المسائل-: فهل يعتبر الإرث في مقدار ما يجب على كل واحد منهما، أو إذا كان أحدهما وارثًا دون الآخر؛ فيكون على الوارث؟ فيه وجهان.
وكل موضع أوجبنا النفقة على أقرب القريبين؛ فإذا أعسر الأقرب، أو مات-: أخذ من الأبعد.
وإن غاب الأقرب: أخذ من ماله، إن كان له مال حاضر، وإن لم يكن-: يستدان عليه، فإن لم يوجد-: يؤخذ من الأبعد، ثم إذا حضر الأقرب-: رجع الأبعد عليه، والله أعلم.
فَصْلُ فِي اجْتِمَاعِ المُسْتَحِقِّينَ لِلنَّفَقَةِ
وإذا كان له عدد من الوالدين والمولودين معسرين، نظر: إن كان ماله أو كسبه يسع
[ ٦ / ٣٨٢ ]
لنفقة الكل-: يجب عليه نفقة جميعهم، قريبهم وبعيدهم فيه سواء.
[ ٦ / ٣٨٣ ]
وإن لم يسع- نظر: إن فضل عن قوت بدنه، وقوت عياله نفقة شخص، وله ابنان، أو ابن وبنت معسران-: فهما سواء.
ولو كان له ولد وولد ولد، أو أب وجد-: فالأقرب أولى؛ كما لو كانا موسرين، وهو معسر-: كانت نفقته على أقربهما.
وقيل: هما سواء؛ لأن النفقة بالقرابة، وكذلك: لا يسقط أحدهما الآخر، إذا قدر على نفقتهما، وإن كان الأبعد زمنًا دون الأقرب-: فالزمن أولى.
وإن كان له أب وأم، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: الأم أولى؛ لأنها أضعف، وحقها أعظم.
روي أن رجلًا سأل النبيﷺ- قال: "مَنْ أَبَرُّ"؟ فَقَالَ: "أُمَّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أَبَاكَ".
والثاني: الأب أولى؛ لأن نفقة الولد في حال الصغر عليه.
والثالث: هما سواء؛ فيكون بينهما لاستوائهما في القرابة والقرب.
وإن كان له أب وابن- نظر: إن كان الابن صغيرًا-: فهو أولى، وإن كان كبيرًا-: ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الابن أولى، كما في حال الصغر.
والثاني: الأب أولى؛ لأن حقه أعظم.
والثالث: هما سواء، وكذلك الأم والابن. [قال الشيخ]: وكذلك إذا كان له جد وابن ابن.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
وإن كان له جدان- نظر: إن استويا في الدرجة، وأحدهما عصبة-: فهو أولى، مثل: أب الأب أولى من أب الأم.
وإن لم يكن واحد منهما عصبة-: فهما سواء.
وإن اختلفا في الدرجة-: فأقربهما درجة أولى، إن استويا في العصوبة، أو عدم العصوبة؛ كما أن الأب أولى من أب الأب، وكذلك: أب الأم أولى من أب أب الأم، ومن أب أم الأم.
وإن كان الأبعد عصبة دون الأقرب-: فهما سواء؛ لأن في أحدهما قوة القرب، وفي الآخر قوة العصوبة.
ولا تقدير لنفقة القريب، بل يجب تقدير الكفاية، وكذلك: تجب كسوته، وزكاة فطره، وسكناه، وإن احتاج إلى من يخدمه-: تجب عليه نفقة خادمه، وتجب على الولد نفقة زوجة الوالد المعسر، وكسوتها، ولا يجب على الوالد نفقة زوجة الولد؛ لأنه يجب على الولد إعفاف الوالد، فإذا لم ينفق على زوجته، ففسخت النكاح-: فلا يحصل مقصود الإعفاف، ولا يجب على الوالد إعفاف الولد؛ فلا يجب عليه نفقة زوجته. ولو كانت للأب زوجتان: لا يجب على الابن إلا نفقة واحدة، لأن الإعفاف لا يجب إلا بامرأة واحدة.
وقيل: يجب نفقة زوجة الولد؛ كما يجب نفقة زوجة الوالد.
ولا يجب على الولد الإدام لزوجة الوالد، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقده لا يثبت فسخ النكاح، ولأن الإدام لا يجب للقريب على قريبه، ونفقة القريب لا تصير دينًا في الذمة، حتى لو مضى يوم، ويكلف المستحق فيه نفقته من موضع آخر، أو بات طاويًا-: لا يجب على قريبه نفقة ذلك اليوم.
ولو دفع إليه النفقة، فسرق منه، أو تلف، أو أتلفه-: يجب عليه الإبدال وإن كان قد أتلفه يجب عليه ضمان ما أتلفه إذا أيسر.
وإذا وجبت نفقة الأب أو الجد على ولده الصغير أو المجنون-: له أن يأخذ بنفسه؛ لأنه يلي ماله.
أما الابن إذا وجبت نفقته على الأب المجنون-: فلا ياخذه إلا بإذن الحاكم؛ لأنه لا يلي مال والده، وكذلك: الأم لا تأخذ نفقتها من مال الولد الصغير، أو المجنون إلا بإذن الحاكم.
والابن الصغير إذا أطاق العمل-: فللأب أن يؤاجره لعمل يطيق الدوام عليه، ويأخذ من أجرته نفقة نفسه، وإن كان الأب معتوهًا ذا صناعة-: فللحاكم أن يولي ابنه القيام عليه، فيؤاجره الابن، وينفق عليه من ماله، ولا يأخذ نفقة نفسه منه إلا بإذن الحاكم، وكذلك: ينفق
[ ٦ / ٣٨٦ ]
الابن على أولاده الزمني المعسرين من مال الأب المجنون بعد إذن الحاكم، وإن كان الذي عليه- النفقة غائبًا- فالقاضي يأمر من يستقرض؛ فينفق عليه، ثم على الغائب قضاؤه، إذا رجع.
ولو استقرض المستحق، فأنفق على نفسه ليرجع على الغائب- نظر: إن فعل بأمر القاضي-: رجع، وإن فعل دون أمره، [وفي البلد قاض]-: لا يرجع، وإن لم يكن في البلد قاض-: هل يرجع؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التلخيص": نفقة القريب لا تصير دينًا إلا ههنا، وهو: أن يكون من عليه غائبًا أو ممتنعًا، فيأمر القاضي المنفق عليه أن يستقرض، فينفق على نفسه، ثم على من عليه، قضاؤه.
والولد الصغير المعسر تكون نفقته وكسوته وخدمته على الأب، وكذلكك رضاعة ما لم يبلغ مبلغًا يمكنه الكسب، ولا يجب على الأم؛ لقوله ﵎: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ولو غاب الأب تستدين الأم عليه، وهل تحتاج إلى إذن الحاكم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل هو حق يثبت لها بالشرع.
والثاني: بلى؛ لأنه لا ولاية لها على الولد.
فإن قلنا: لا تحتاج إلى إذنه، أو قلنا: تحتاج، ولكن لم يكن في البلد حاكم: فإن أشهدت-: رجعت؛ وإلا فعلى وجهين.
وإن أنفقت من مال نفسها متبرعة-: لا ترجع، وإن نوت الرجوع، وأشهدت-: رجعت، وإن لم تشهد-: فوجهان:
وإن كان الأب معسرًا-: هل تلزمه نفقة الصغير؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه من تتمة مؤنة الاستمتاع، كنفقة الزوجة؛ فعلى هذا يستدان على الأب حتى يوسر، ولا يجب على الجد، ولا على الأم.
والثاني: وهو الأصح عندي-: لا يجب على الأب المعسر؛ كنفقة القريب البالغ، بل يجب على الجد، أو على الأم، إذا كانا موسرين.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
فَصْلُ
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
إذا أتت المرأة بولد في نكاح-: لا يجب على الأم إرضاع الولد إلا اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش بدونه، ولا يغني من غيرها، بل على الأب أن يستأجر امرأة لإرضاع الولد، إلا ألا توجد مرضعة؛ فيجب عليها الإرضاع.
وقال أبو ثور: تجبر المرأة على إرضاع الولد.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كانت المرأة دنيئة-: يجب عليها الإرضاع، وإن كانت شريفة- لا يجب.
قلنا: أجمعنا على أنه إذا طلقها-: لم يملك إجبارها على إرضاع الولد، وكذلك: في حال بقاء النكاح؛ فإن رغبت المرأة في الإرضاع-: فعلى الزوج تمكينها من ذلك، ولم يكن له أن ينزع الولد منها إلى غيرها؛ لأن الولد يستمرئ لبن أمه، وينتفع به أكثر من انتفاعه بلبن غيرها.
وقيل: له منعها منه، وتسليمه إلى غيرها، كما يمنعها من أن تؤاجر نفسها؛ لإرضاع ولد الغير؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في جميع الأوقات، إلا في وقت العبادة؛ فلا يجوز لها تفويته عليه بالرضاع.
وإذا رضيا بإرضاعه، هل يزاد في نفقتها المقدرة بسبب الإرضاع والحضانة؟ فيه وجهان:
أحدهما: قاله أبو إسحاق-: يزاد؛ لأنها تحتاج في حال الرضاع إلى أكثر مما تحتاج إليه في غيره.
والثاني: وهو الأصح، وعليه أكثر الأصحاب-: لا يزاد؛ لأن قدر النفقة يعتبر بحال الزوج لا بحالها؛ كما لا يزاد بسبب كونها أكولة.
وإذا رغبت المرأة في الإرضاع، وطلبت الأجرة عليه-: يجب على الزوج أجرتها، ويجوز للزوج استئجارها على إرضاع الولد؛ وكذلك: على مهن البيت من الكنس والطبخ ونحوهما.
وقال أبو حامد: لا يجوز لها أخذ الأجرة على الإرضاع في حال بقاء النكاح؛ لأن أوقات الرضاع مستحقة للزوج للاستمتاع، وقد استحقت في مقابلتها عوضًا، وهي النفقة؛ فلا تستحق عوضًا آخر.
والمذهب هو الأول؛ كما يجوز لها طلب الأجرة بعد البينونة.
[ ٦ / ٣٨٨ ]
ولو أرضعت بالأجرة في حال بقاء النكاح: فإن كان اشتغالها بالإرضاع يقطع استمتاعه، أو ينقصه-: فلا نفقة لها؛ وإلا فتجب مع الأجرة.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز استئجار المرأة على إرضاع الولد في حال بقاء النكاح، وكذلك على مهن البيت؛ لأنها مستحقة عليها عرفًا؛ فصار كالمستحق عليها شرعًا، والآية حجة عليه، ونقيس على إرضاع ولد الغير، وعلى حال المفارقة.
وإن كانت الأم تطلب أكثر من أجرة المثل، والزوج يجد من ترضع بأجرة المثل، أو تتبرع به-: فللزوج نقله إلى من تتبرع أو ترضع بأجرة المثل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].
وإن كانت الأم تطلب أجرة المثل، والزوج يجد من تتبرع به، أو ترضع بأقل من أجر المثل-: فقولان:
أحدهما: الأم أحق- وهو اختيار المزني- بأجر المثل؛ لأن الإرضاع لحق الولد، وإلا أشفق عليه، فإرضاعها أنفع له.
والثاني: الأب أحق به؛ لأن الإرضاع في حق الصغير كالنفقة في حق الكبير.
ثم لو وجد الابن الكبير من يتبرع عليه بالإنفاق-: سقطت نفقته عن الأب؛ فكذلك: إذا تبرعت أجنبية بإرضاع الصغيرة-: سقطت الأجرة عن الأب؛ فعلى هذا: لو اختلفا؛ فقال الأب: وجدت من تتبرع بالإرضاع، وأنكرت-: فالقول قوله مع يمين؛ لأنها تدعي استحقاق الأجرة، وهو ينكر، والله أعلم.
فَصْلُ
لا يجب على العبد نفقة ولده، بل إن كانت الأم حرة-: فالولد حر، ونفقته عليها، وإن كانت أمة-: فالولد رقيق لمالك الأمة، ونفقته على مالكه، وكذلك: المكاتب إذا كان له ولد من حرة أو أمة.
فإن استولد المكاتب أمة نفسه-: يتكاتب الولد عليه، وعليه أن ينفق عليه من كسب نفسه، حتى يبلغ الولد محل الكسب، فينفق عليه من كسبه ويستعين بالفضل على أداء النجوم وإذا أتت المكاتبة بولد، فلا تجب نفقته على الأب، سواء كان حرًا أو عبدًا أو مكاتبًا.
وفي الولد قولان:
أحدهما: أنه رقيق لمولى الأم؛ فعلى هذا: تكون نفقته على مولى الأم.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
والثاني: يتكاتب على الأم؛ وعلى هذا: إذا قتل-: فقيمته لمن تكون؟ فيه قولان:
أحدهما: لمولى الأم؛ فعلى هذا النفقة عليه.
والثاني: القيمة للأم؛ تستعين بها على أداء النجوم، فعلى هذا: نفقته في كسب الأم.
وإن كان الولد حرًا، والأبوان رقيقان-: فنفقته في بيت المال، والله أعلم.
بَابُ أَيُّ الوَالِدَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَوْلُودِ.
رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَبْدِ الله بْنِ عَمْروٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: "يَا رَسُولُ الله، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيَيِ لَهُ سِقَاءً، وَحَجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي".
إذا افترق الأبوان، ولهما ولد صغير دون سبع سنين أو مجنون-: فالأم أولى بحضانته من الأب؛ لأنها أشفق وأهدى إلى الحضانة؛ ولكن: لا يجب عليها، وإن رغبت لها طلب الأجرة، وإن امتنعت-: فعلى الأب حضانته؛ فلو جف لبن الأم، أو امتنعت من الإرضاع-: لا يبطل حقها من الحضانة، فعلى الأب: أن يستأجر امرأة ترضعه عند الأم.
وقيل: إن امتنعت من الإرضاع-: بطل حقها من الرضاعة.
والأول أصح، وإنما تكون الأم أولى، إذا كانت مسلمة حرة عاقلة مأمونة.
وإن كانت أمة أو مجنونة أو فاسقة، أو كانت كافرة، والأب مسلم-: فلا حق لها في الحضانة، والأب أولى به؛ لأن الأمة منفعتها للمولى؛ فلا تتفرغ للحضانة، والمجنونة لا
[ ٦ / ٣٩٠ ]
تهتدي إليها، والفاسقة والكافرة لا حظ للصبي في حضانتهما، لأنه ينشأ على طبعهما، فإن أسلمت الأم أو عتقت، وحسن حالها-: كان الحق لها.
وهذا إذا كان الأبوان في بلد واحد، أو في بلدين بينهما أقل من مسافة القصر، وإن كان بينهما مسافة القصر-: فالأب أولى بالولد، حتى لايضيع نسبه؛ لأن حفظ النسب، وتعهد الأب انظر للصبي من حسن حضانة الأم، وإنما تكون الأم أولى ما لم تنكح، فإذا نكحت-: سقط حقها، وكان الحق للأب؛ لأنها إذا اشتغلت بحق الزوج-: لا تتفرغ للحضانة؛ بخلاف الأب إذا نكح لا يسقط حقه؛ لأن شغله بالزوجة لا يمنعه من تعهد الولد.
ولو نكحت الأم عم الصبي-: لا يسقط حقها من الحضانة، وهي أولى من الأب؛ قاله صاحب "التلخيص"؛ تخريجًا، وإنما خرجه من نص الشافعي﵁- أن الجدة إذا نكحت جد الصبي-: لا يبطل حقها.
فمن أصحابنا من وافقه، وقال: إذا نكحت الأم عم الصبي-: لا يبطل حقها؛ لأن للعم له حقًا في الحضانة كالجدة، إذا نكحت جد الصبي.
ومنهم من قال: يبطل حق الأم؛ بخلاف الجدة إذا نكحت جد الصبي؛ لأن الجد أب، وله ولاية على الولد، والعم لا ولاية له على ابن الأخ.
فإذا سقط حق الأم بالنكاح، فطلقها زوجها-: عاد حقها، سواء كان الطلاق رجعيًا أو بائنًا.
وقال أبو حنيفة: إن طلقها رجعيًا-: لا يعود حقها، وهو اختيار المزني.
قلنا: سقوط حقها بالنكاح كان اشتغالها بحق الزوج، وارتفع ذلك بالطلاق، رجعيًا كان
[ ٦ / ٣٩٣ ]
أو بائنًا؛ فعاد حقها في الحالين.
وإذا ماتت الأم، أو فسقت، أو كانت رقيقة أو كافرة، أو جنت أو نكحت-: فأم الأم، وإن علت، أولى من الأب.
قضى أبو بكر على عمر﵄- بأن جدة ابنه أحق به منه.
ويقدم أقربهن، ما لم تنكح، وإن نكحت-: كان الحق للأب، إلا أن تنكح الجدة جد الصبي أبا أبيه، أو أبا أمه، إن أثبتنا له الحضانة أو عمه؛ على أحد الوجهين؛ فلا يسقط حقها.
ولو رضي الأب يكون الولد عند الأم بعد ما نكحت، ورضي به زوجها، فلا حق للجدة؛ على أصح الوجهين؛ بل يكون عند الأم.
وقيل: لا يسقط حق الجدة برضا الأب.
ولو غابت الأم، أو امتنعت من الحضانة-: فالحق ينتقل إلى الأب، أو إلى الجدة؟ فيه وجهان:
أصحهما: إلى الجدة؛ كما لو جنت الأم، أو ماتت.
والثاني: ينتقل إلى الأب، بخلاف ما لو جنت، أو ماتت؛ لأنها بالجنون والموت سقط حقها من الحضانة، وبالغيبة والامتناع-: لم يسقط إلا أنها تركت حقها؛ كما في ولاية التزويج: إذا جن الولي الأقرب، أو مات-: يزوجها الأبعد، ولو غاب الأقرب، أو عضل-: لا يزوجها الأبعد، إنما يزوجها السلطان، أما الأب إذا غاب-: فالحق للجد؛ كما لو جن أو سق-: فلا ينتقل إلى السلطان؛ بخلاف التزويج؛ لأن الغائب يمكنه التزويج إلا أنه تعذر الوصول إليه؛ فناب عنه السلطان، والغائب لا يمكنه الحضانة، فكانت الغيبة كالموت والجنون.
وإذا بلغ المولود سبع سنين أو ثمان سنين، وعقل عقل مثله-: يخير بين الأبوين، فأيهما اختاره يكون عنده، سواء كان المولود ذكرًا أو أنثى، وقولنا: سبع سنين، أو ثمان سنين - تنويع؛ فإن من الصبيان من يعقل لسبع، ومنهم من يعقل لثمان.
والدليل عليه: ما روي عن أبي هريرة - ﵁-: "أن النبيﷺ- خير غلامًا بين أبيه وأمه".
[ ٦ / ٣٩٤ ]
وعن عمارة الجرمي قال: "خيرني علي بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع سنين، [أو ثمان سنين].
وعند أبي حنيفة: لا يخير، بل إن كان المولود ذكرًا-: يكون مع الأب، وإن كان أنثى-: فمع الأم؛ والحديث حجة عليه.
فإن كان أحد الأبوين رقيقًا أو مجنونًا، أو كافرًا أو فاسقًا-: فلا يخير الولد، بل يكون عند الثاني.
وإذا أفاق الآخر، أو عتق، أو أسلم أو حسن حاله-: يخير؛ وكذلك: إذا نكحت الأم، أو انتقل الأب إلى مسافة القصر-: فلا يخير، بل يكون الأب أولى به.
وإذا خيرناه، فاختارهما، أو لم يختر واحدًا منهما-: يقرع بينهما، لأنه لا يمكن اجتماعهما على كفالته، ولا يمكن تركه، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
فإذا خيرناه، فاختار الأم-: يجب على الأم نفقته، ويلزمه أجرة الحضانة، إن طلبت الأم.
وإن اختار أحدهما، ثم رجع، فاختارالآخر-: يحول إلى الآخر.
وإن عاد، واختار الأول من غير إطالة-: أعيد إليه؛ لأن هذا الاختيار ليس بلازم؛ لأنه لو كان لازمًا-: لما صح من الصبي، بل هو إلى شهوته، وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت، وعند الآخر في وقت.
فإن كان يكثر التردد-: يستدل به على نقصان عقله، فتكون الأم أولى به؛ كما لو بلغ سبع سنين، وهو مجنون-: كانت الأم أولى به، وكذلك: إذا بلغ ما لم تنكح يكون عند الأم.
وكل موضع أثبتنا حق الحضانة للأم: إما قبل سبع سنين أو بعده اختار الأم-: فليس لها منع الأب من تأديبه وإخراجه إلى الكتاب والصناعة، إن كان من أهلها، ويأوي بالليل إلى الأم.
وإن اختار الأب-: لم يكن له منعه من زيادة الأم في بعض الأيام، ولا منع الأم من
[ ٦ / ٣٩٥ ]
زيارته، إلا أن تكون أنثى-: فله منعها من الخروج إلى الأم، ولا يمنع الأم من زيارتها، فإن مرضت الأم-: أذن لها في عيادتها دون التمريض؛ لأنها لا تهتدي إليه، وإن مرض الولد-: لا تمنع الأم من تمريضه في بيت الأب أو في بيتها؛ لأنه بالمرض: صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره، وكانت الأم أحق بتمريضه.
وإذا مات لا يمنعها من حضور غسله وتجهيزه.
وإذا بلغ الصبي، وكان رشيدًا-: يلي أمر نفسه، ولا يخير، إذا كان ذكرًا: أن يكون عند واحد من الأبوين؛ غير أن المستحب له أن يبرهما، ولا يفارقهما إلا بإذنهما.
وإن لم يكن رشيدًا-: فليس له أن يفارق الأبوين، وإن كانت جارية: فإن كانت متزوجة-: تكون عند الزوج.
وإن كانت خلية- نظر: إن كانت بكرًا-: كانت مع أحد أبويها من شاءت منهما، والأب أو الجد عند عدمها أولى بضمها إلى نفسه؛ لأنه وليها إلى أن تتزوج، وتزف إليه.
وهل يثبت حق الضم للأخ والعم؟ فيه وجهان:
وإن كانت ثيبًا-: سكنت حيث شاءت، غير أن الاختيار ألا تفارق أحد الأبوين، [وإن كانت بريئة-: ضمها إلى نفسه أحد الأبوين أو أي الأولياء، كان جدًا أو أخًا أو عمًا، والله أعلم.
فَصْلُ فِيمَنْ تَثْبُتُ لَهُ الحَضَانَةُ وَتَرْتِيبِهِمْ
تثبت الحضانة للمحارم من نساء القرابة، سواء كانت ممن ترث أو لا ترث؛ كالخالة والعمة وبنات الأخ والأخت، وتثبت لرجال العصبة؛ كالأب والجد أب الأب، وإن علا، والأخ وابن الأخ، والعم وابن العم.
وقيل: لا يثبت حق الحضانة لرجال العصبة إلا للأب أو الجد؛ لأن لهما ولاية وشفقة، وليست لسائر العصبات.
والأول المذهب؛ أنه يثبت للكل إلا أنهم إذا امتنعوا لا يجبرون عليه إلا الأب والجد [عند عدم الأب] فإنهما يجبران عليه؛ كما يجبران على الإنفاق، وكما لا تجبر الأم على الحضانة والنفقة مع الأب.
أما رجال العصبة الذين لا محرمية لهم؛ مثل: ابن العم ومن هو أبعد منه-: فلهم الحق إن طلبوا، إن كان المولود ذكرًا، أو كانت صغيرة لا تشتهى.
[ ٦ / ٣٩٦ ]
وإن كانت أنثى ممن يشتهى مثلها-: فلا تسلم إليه، فإذا أراد تسليمها إلى امرأة ثقة، وهو يعطي الأجرة-: فله ذلك.
أما من لا يكون عصبة من رجال القرابة؛ مثل: أب الأم والأخ من الأم والأخوال وبنيهم وبني العمات وبني الخالات، وبني الإخوة للأم والأعمام للأم-: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: لهم الحق؛ لأن لهم رحمًا وقرابة؛ فهم أولى من الأجانب.
ومنهم من قال: لا حق إلا لمن تكون أنثى أو عصبة من الرجال.
وهذا هو المذهب: أن الأنثى لها معرفة بالحضانة، والعصبة لها قوة القرابة بالميراث.
وإن قلنا: لا يثبت لأب الأم-: فلا يثبت لكل أنثى تدلي به؛ مثل: أم أب الأم، بخلاف ما لو كانت الأم أمة أو مشركة-: لا حق لها في الحضانة، ويثبت لأمها؛ كما يثبت لها الميراث.
وإن قلنا: يثبت لهم الحق-: فلا حق لهم ما دام أحد من نساء القرابة أو رجال العصبة موجودًا، وإنما يثبت إذا كان محرمًا، أو كان المولود ذكرًا، وإن كان المولود أنثى-: فلا حق لابن الخال، وابن الخالة، وابن العمة، إلا أن يريد تسليمها إلى امرأة ثقة، ويعطي الأجرة.
وإذا اجتمع جماعة من أهل الحضانة، وتنازعوا- فلا يخلو: إما إن اجتمع النساء على الانفراد أو الرجال [على الانفراد، أو الرجال] مع النساء:
فإن اجتمع النساء على الانفراد-: فأولاهن الأم، ثم أم الأم، وإن علت لمشاركتهن الأم في الولادة والميراث: يقدم الأقرب فالأقرب منهن، ثم أم الأب، ثم أمهاتها وإن علون، ثم أم الجد أب الأب وإن علت، ثم أم أب الجد، ولا حق لأم الأب، ما دامت واحدة من أمهات الأم موجودة، وإن بعدت.
وكذلك: لا حق لأم الجد ما دامت واحدة من أمهات الأب موجودة، وإن بعدت.
ثم بعد الجدات: الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة للأب، ثم الخالة للأم، ثم العمة، على هذا الترتيب.
وقال ابن سريج: تقدم الأخت للأم على الأخت للأب؛ لأن إحداهما تدلي بالأم، والأخرى تدلي بالأب؛ فيقدم من يدلي بالأم؛ كما تقدم الأم على الأب؛ وكذلك على قياس قوله: تقدم الخالة والعمة من الأم على الخالة والعمة من الأب.
والأول المذهب؛ لأن الأخت من الأب أقوى في الميراث من الأخت من الأم؛ فكانت
[ ٦ / ٣٩٧ ]
أولى بالحضانة، والخالة أولى من [بنت] الأخت؛ لأنها أشفق، وبنت الأخت أولى من العمة، والعمة أولى من بنت الخالة، وبنت الخالة أولى من بنت العمة.
هذا قوله الجديد، وهو الأصح.
وقال في القديم: تقدم الأخت الخالة على أمهات الأب، فبعد أمهات الأم، يكون الحق للأخت للأب والأم، ثم للأخت للأم، ثم للخالة، ثم أمهات الأب، ثم للأخت للأب، ثم للعمة.
وإنما قدمنا الخالة؛ لما روي عن البراء في قصة "عمرة القضاء" قال: "خرج النبيﷺ- فتبعته بنت حمزة، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر﵃ أجمعين- قال علي﵁-: هي ابنة عمي، وقال جعفر﵁-: هي ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد﵁-: هي ابنة أخي، فقضى بها النبيﷺ- لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم".
ولأن الخالة تدلي بالأم، وأم الأب تدلي بالأب، والأم تقدم على الأب، وكذلك: من تدلي بالأم تقدم على من تدلي بالأب.
أما إذا اجتمع الرجال على الانفراد-: فأولاهم الأب، ثم الجد أب الأب، وإن علا: يقدم الأقرب فالأقرب، ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب، ثم العم للأب وللأم، ثم العم للأب، ثم ابن العم من الأب والأم، ثم ابن العم للأب؛ لأن الحضانة تثبت لهم لعصوبتهم، وقوة قرابتهم بالإرث، فيتقدم من يقدم في الإرث.
أما إذا اجتمع الرجال والنساء من أهل الحضانة-: فالأم أولى من الأب، وكذلك: أم الأم، وإن علت، [أولى من الأب].
قضى أبو بكر﵇على عمر﵁- بأن جدة أبيه أحق به منه.
والأب أولى من أمه، فإن لم يكن له أب-: فأم الأب، ثم أم أم الأب، وإن علت أولى من الجد أب الأب وأمهاته، ثم بعد أمهات الأب-: فالجد أب الأب أولى من أم نفسه.
فإن لم يكن جد فأم الجد وأم أمه، وإن علت، ثم أب الجد، ثم أمهاته، ولا حضانة لأب الأم.
[ ٦ / ٣٩٨ ]
قال الإصطخري: الأخت من الأب والأم، أو من الأم، والخالة-: أولى من الأب، وليس بصحيح؛ للاتفاق على أن أم الأب أولى من الأخت والخالة، وهي تسقط بالأب، فالأخت والخالة أولى بالسقوط.
فإن قلنا بقوله القديم: إن الأخت الخالة أولى من أم الأب-: كانتا أولى من الأب.
والمذهب: أن الأب مقدم على الكل بعد أمهات الأم.
فإن لم يكن أحد من الأمهات والآباء-: ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: النساء أحق بالحضانة من العصبات؛ فتقدم الأخت والخالة والعمة، على الأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم؛ لأن النساء أهدى إلى الحضانة والتربية.
والثاني: العصبات أحق؛ لاختصاصهم بالنسب، والقيام بتأديب الولد.
والثالث: كل من من كان أقرب من الفريقين-: فهو أولى، فإن استويا في القرب-: تقدم النساء؛ لاختصاصهن بالتربية، وإذا استوى اثنان في القرابة والإدلاء؛ كالأخوين والأختين أو الخالتين أو العمتين-: يقرع بينهما.
فإن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء، وله أقارب من رجال ذوي الأرحام ومن يدلي بهم-: ففيه وجهان:
أحدهما: أنهم أحق من السلطان؛ لأن لهم رحمًا؛ كالعصبات.
والثاني: السلطان أحق؛ كما في الميراث؛ وهذا أصح.
وإذا بلغ اصبي سبع سنين أو ثمان سنين-: فقد ذكرنا أنه يخير بين الأبوين، فإن لم يكن له أب، وله جد وأم-: يخير بينهما؛ لأن الجد كالأب في الحضانة في حال الصغر.
فإن لم يكن محرمًا؛ مثل: ابن العم: فإن كان الولد ذكرًا-: يخير بينه وبين الأم، وإن كان أنثى-: فلا تخير، بل تكون عند الأم حتى تبلغ، والله أعلم.
[ ٦ / ٣٩٩ ]
فَصْلُ
إذا أثبتنا حق الحضانة للأم، أو خيرناه بعد سبع سنين، فاختار الأم، ثم أراد الأب سفرًا، وحمل الولد مع نفسه- نظر: إن ل م يكن سفر نقلة، بل خرج لغزو أو حج أو تجارة أو نزهة-: لا ينزع الولد من الأم.
وإن أراد سفر نقلة- نظر: إن أراد الخروج إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة-: فلا يبطل حق الأم؛ لأنهما كالمقيمين في محلتين من بلد واحد.
وإن أراد الخروج إلى مسافة القصر- نظر: إن كان الطريق مخوفًا أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفًا-: فلا يبطل حق الأم، فإن كان الطريق والموضع آمنًا-: فالأب أولى به يحمله مع نفسه، حتى لا يضيع نسبه، إلا أن تخرج الأم معه، فلا ينزع منها.
ولو قال الأب: أريد النقلة، وقالت: بل تسافر لحاجة-: فالقول قول الأب؛ لأنه أعلم بنيته، وهل يحلف؟ فيه وجهان:
ولو أرادت الأم سفرًا إلى مسافة القصر، والأب مقيم-: كان الأب أولى به.
وإن كان سفرها سفر حاجة؛ لأنه لا حظ للولد في حمله ورده.
وكذلك: يثبت حق النقلة لكل عصبة محرم؛ كالأخ وابن الأخ والعم؛ مراعاة للنسب.
وإن لم يكن محرمًا؛ مثل: ابن العم: فإن كان المولود ذكرًا-: يثبت له حق النقلة، وإن كان أنثى-: فلا يثبت، ويترك عند الأم، ولا يثبت للخال ولا للأخ للأم، ولا للعم للأم؛ لأنهم ليسوا من أهل نسبه.
ولا يثبت للمعتق ولا للمحرم بالرضاع حق الحضانة، ولا حق التخيير ولا النقلة.
ولا يثبت حق الحضانة والتخيير والنقلة ممن بعضه رقيق من الأبوين؛ كما لو كان كله رقيقًا.
وإن كان الآخر حرًا-: فالحق له؛ وإلا فهو كما لو كانا رقيقين، فإن كان الولد حرًا فحضانته في بيت المال؛ كالنفقة، فيستأجر الإمام امرأة لتحضنه.
وإن كان الولد رقيقًا لرق الأم-: فعلى السيد حضانته، ولا يثبت للأبوين.
وإن كانت الأم حرة، والولد رقيق-: فهل للسيد نزعه من الأم؟ فيه وجهان؛ بناء على جواز التفريق بين الأم والود فيه قولان:
[ ٦ / ٤٠٠ ]
وإن كان الولد بعضه حرًا: إن كان الأب حرًا-: فعلى الأب قدر حريته من الحضانة، والباقي على المولى.
بَابُ نَفَقَةِ المَمَالِيكِ
روي عن أبي هريرة﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: "المملوك له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
يجب على المولى نفقة مملوكه وكسوته، سواء فيه القن، وأم الولد، والمدبر، والمرهون، ومن كان في إجارة الغير، ولا تجب عليه نفقة مكاتبه؛ لأنه كالخارج عن الملك؛ بدليل أنه لو قال: مماليكي أحرار-: لا يعتق المكاتب.
ويجب على المكاتب نفقة مملوكه، ولو كان العبد مشتركًا بين رجلين-: فعليهما نفقة كل واحد بقدر ملكه، ولا تتقدر نفقة المملوك؛ بل تجب بقدر الشبع من معروف نفقة دقيق بلده: حنطة كانت، أو شعيرًا، أو ذرة، أو تمرًا، أو أقطًا.
وكذلك: تجب كسوتهم من معروف لباسهم: صوفًا، أو قطنًا، أو كتانًا.
فإن كان المولى من المتنعمين بلبس الثياب المرتفعة، وبأكل الأطعمة الشهية فوق ما يأكله ويلبسه عامة أهل البلد-: فيستحب أن يطعم ويلبس رقيقه مثل ذلك.
ولكن: لا يجب فوق ما يأكل ويلبس عامة أهل البلد، وما روي أن النبيﷺ- قال: "إخوانكم خولكم؛ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس" فذلك خطاب مع العرب، وكانت أطعمتهم ولباسهم متقاربة.
فإن كان الرجل يقتات دون قوت أمثاله: إما شحًا أو تزهدًا-: فهل يلزمه أن يطعم رقيقه ويلبسه فوق ذلك من عامة طعام رقيق البلد ولباسهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه؛ كزكاة الفطر: تكون من غالب قوت البلد، وإن كان هو يقتر على نفسه.
[ ٦ / ٤٠١ ]
والثاني: لا يلزمه فوق ما يأكل ويلبس؛ لأنه ليس من المعروف أن يزاد طعام العبد على طعام المولى.
وإن كانت له جارية ذات جمال وفراهة: يزاد في حسن لباسها، وطيب طعامها، سواء كانت يتسرى بها أو لا يتسرى بها؛ لأنه المعروف بين الناس؛ بخلاف العبد يسوي فيه بين الحسن والقبيح؛ لأنه لا يراد منه ما يراد من الجارية، وإذا ولي واحد من عبيده إصلاح طعامه-: يستحب أن يجلسه ليأكل معه: فإن لم يفعل-: يعطيه منه لقمة أو لقمتين، ويخصه من بين سائر الأرقاء؛ لأنه إذا تولى إصلاحه ربما اشتهى منه، وأقل ما يرد به شهوته لقمة؛ والدليل عليه: ما روي عن أبي هريرة عن النبيﷺ- قال: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حره وعمله-: فليقعده، فليأكل معه، وإلا فليناوله أكلة من طعام".
وإذا زمن رقيقه أو عمي-: يجب عليه نفقته وكسوته أو بيعه أو إعتاقه: فإن لم يفعل-: باعه السلطان عليه، وإذا أتت أمته أو أم ولده بولد-: لم يكن له إجبارها على إرضاع ولد الغير إلا أن يفضل عن ري ولدها، أو يغتذي ولدها بطعام آخر يقيم بدنه- فحينئذ: له إجبارها على إرضاع ولد الغير، ويجوز له إجبار أمته وأم ولده على فطام ولدها قبل الحولين، إذا كان الولد يغتذي بالطعام، وله إجبارها على الإرضاع بعد الحولين، وإن كان يغتذي بالطعام، إذا لم يضر بالأم؛ بخلاف الحرة: إذا أراد أحد الأبوين الفطام قبل الحولين-: فللآخر إكمال الحولين، أيهما أراد الفطام-: له ذلك إذا كان الولد يغتذي بالطعام، إلا أن يتفقا على أن يزيدا-: فيجوز.
ولا يجوز للمولى أن يكلف رقيقه من العمل ما لا يطيق؛ بل يضرب عليه عملًا يطيق الدوام عليه؛ فإن كان يطيقه يومًا أو يومين، ثم يعجز-: فهو تكليف ما لا يطيق، فإذا عمل بالنهار-: تركه للراحة بالليل، وإذا عمل بالليل-: تركه يستريح بالنهار؛ فإن كان في الشتاء-: عمل بالنهار، ومن أول الليل، وفي السحر.
وإن كان في الصيف-: تركه للقائلة؛ كما هو العادة.
وإن كان للعبد زوجة-: تركه للاستمتاع بالليل، ولا يجوز أن يخارج مملوكه إلا برضاه؛ كما لا يكاتبه إلا برضاه، وهو أن يضرب عليه خراجًا معلومًا يؤديه، وإن طلب العبد ذلك-: لا يجبر الولي عليه؛ كما لا يجبر على الكتابة؛ فإن اتفقا عليه-: جاز، إذا كان له كسب.
[ ٦ / ٤٠٢ ]
ويحصل ما ضرب عليه من الخراج من كسبه ويفضل عن نفقته وكسوته؛ فإن لم يفضل: كانت نفقته وكسوته على المولى، وإن ضرب عليه ما لا يحصل بكسبه-: لا يجوز، وإن حصل يوم أقل، ويوم أكثر-: يجبر النقصان بالزيادة؛ لما روي عن عثمان﵁- قال: "لا تكلفوا الصغير الكسب؛ فيسرق، ولا الأمة غير ذات الصنعة؛ فتكتسب بفرجها".
فَصْلُ فِي نَفَقَةِ الدَّوَابِّ
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ- قَالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأةُ فِي هِرَّةٍ؛ أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الجُوعِ؛ فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا، وَلاَ تُرْسِلُهَا فَتَاكُلَ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ".
من ملك دابة-: يجب عليه علفها وسقيها، فإن لم يفعل أجبره السلطان على علفها أو بيعها أو ذبحها، إن كان مأكول اللحم، فإن لم يفعل-: أنفق عليها السلطان من ماله، فإن لم يكن له مال-: باعها عليه أو جزءًا منها، أو أكراهًا، إن أمكن إكراؤها، وأنفق عليها من الكراء حتى لو زمن أو عمي حماره، فلم يشتر-: عليه أن يعلفه، فإن لم يفعل-: باع عليه السلطان ماله في علفه، فإن لم يكن له مال-: أنفق عليه من بيت المال، ولا يجوز تضييعه؛ كالرقيق.
ولا يجوز أن يحمل عليها ما لا يطيق، ولا يحلب لبن ذات الدر ما لم يفضل عن ري ولدها.
فإن كانت الدابة مما ترعى، والأرض مخصبة-: فعليه علفها أو إرسالها للرعي، وإن كانت الأرض مجدبة: فإن كانت الدابة مما ترعى في الأرض المجدبة؛ كالنعم، وفي الأرض متعلق-: عليه أن يرسلها أو يعلفها، وإن كانت الدابة مما لا ترعى في الأرض المجدبة؛ مثل: ذوات الحوافر، أو لم يكن في الأرض متعلق علف أو موقع ثلخ-: عليه أن يعلفها في البيت.
أما غير ذي الروح من الأموال؛ كالزروع والثمار-: فلا يجبر على سقيها، ويكره ترك سقيها عند الإمكان؛ لما فيه من إضاعة المال، ولا يجب الإنفاق على عمارة الذور والعقار، ولا يكره بقدر الحاجة، والزيادة على قدر الحاجة رغبة في الدنيا-: يكره.
[ ٦ / ٤٠٣ ]
روي عن عبد الله بن مسعود﵁- عن النبيﷺ- قال: "لا تتخذوا الضيعة؛ فترغبوا في الدنيا".
تم الجزء السادس، ويليه الجزء السابع
وأوله: "كتاب القصاص"
[ ٦ / ٤٠٤ ]
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء السابع
يحتوي على الكتب التالية
القصاص- الديات- القسامة- قتال أهل البغي- الحدود
صول الفحل- السير- الجزية
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
[ ٧ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الاستعانةُ