باب ما جاء في أمر النبي - ﷺ-
وأزواجه في النكاح
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].
اعلم أن الله - تعالى- لما خص رسوله بالوحي، خصه بأشياء، باين بينه وبين خلقه؛ تبيينًا لفضيلته؛ وإظهارًا لرامته، ورفعًا لدرجته.
[ ٥ / ٢١٢ ]
وجملة خصائص رسول الله - ﷺ - على أربعة أقسام: منها: ما أوجبه الله عليه، وخففه على غيره.
[ ٥ / ٢١٤ ]
ومنها: ما حرمه عليه، وأباحه لغيره. ومنها ما أباحه له، وحرم على غيره.
ومنها: ما أكرمه به دون غيره.
أما ما أوجبه عليه: فمنها: صلاة الليل، والوتر، والسواك. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. أي زيادة لك في الفرائض.
وروي عن عائشة - ﵂- أن النبي - ﷺ - قال: "ثلاث على فريضة، وهي لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل" وقيل: قيام الليل صار وجوبه منسوخًا في حقه؛ كما في حق الأمة.
وقيل: الأضحية كانت واجبة عليه دون غيره.
[ ٥ / ٢١٥ ]
ومنها: أنه كان يجب عليه تغيير منكر رآه، ولا تسعة التقية، كما تسع غيره؛ لأن الله - تعالى- ضمن له العصمة، فقال: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
ومنها: أنه كان يجب عليه مصابرة العدو، وإن كان كبيرًا عددهم، ولا يجب في حق غيره، إذا كان في مقابلة كل مسلم أكثر من مشركين، وكان يلزمه بلبس اللأمة ما يلزم غيره، قال النبي - ﷺ - في حرب أُحُدِ: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمَتَهُ أن يضعها حتى يقاتل".
وقيل على هذا المعنى: كان لا يبتديء تطوعًا، إلا لزمه إتمامه.
ومنها: أنه كان يجب عليه قضاء دين من مات من المسلمين، ولا وفاء له.
رُوي عن أبي هريرة؛ أن النبي - ﷺ- قال: "إنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء؛ فعلى قضاؤه".
ولا يجب على أحد من الأئمة قضاء دين الغير من مال نفسه، وهل يجب من مال بيت المال؟ فيه وجهان:
ومنها في النكاح: أوجب الله عليه تخيير نسائه بين المقام معه، وبين مفارقته، واختيار الدنيا؛ فقال جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].
وأما ما حرمه عليه، وأباحه لغيره: فمنها: الصدقة المفروضة، كانت محرمة عليه؛ قال النبي - ﷺ- "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا
[ ٥ / ٢١٦ ]
لآل محمدٍ" وهل كان يحرم عليه صدقة التطوع؟ فيه قولان
ومنها: أنه يحرم عليه الخط والشعر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال جل ذكره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]
وقيل: كان يُحسن الخط، ولا يكتب، ويحسن الشعر، ولا يقوله.
والأصح: أنه كان لا يُحسنها، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه؛ وقال للنابغة الجعدي حين أنشد قصيدته: "لا فض الله فاك".
ومنها: أنه كان يحرم عليه خائنة الأعين؛ روي أن عثمان - ﵁- جاء بعبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح؛ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا؛ كل ذلك يأبى؛ فبايعه بعد ثلاثة؛ ثم أقبل على أصحابه فقال: "ما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا بعينيك. قال: "إنه لا ينبغي لنبي خائنة الأعين".
والمراد من خائنة الأعين: أن يشير إلى مباح من ضرب أو قتل مما لا يحل أن ينطق به [و] يُسمى خائنة الأعين؛ لأنه يشبه بالخيانة من حيث إنه يخفيه ولا يظهره؟ ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور. ثم أبيح له إذا أراد سفرًا أن يُوري بغيره، بخلاف هذا.
قال صاحب "التلخيص": وفي تحريم خائنة الأعين كالدليل على أنه لم يكن في الحرب خدعة، وليس ذلك، بل كان له ذلك؛ ما لكافة الناس، وكالتورية بغيره في الغزو.
ومنها: أنه كان يحرم عليه إذا لبس لأمته أن ينزعها؛ حتى يلقى العدو، وقال النبي - ﷺ - يوم أحد: "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل".
ومنها: أنه كان - ﵇- لا يأكل متكئًا. قيل: كان حرامًا عليه أن يأكل متكئًا، ولم يكن حرامًا على غيره.
[ ٥ / ٢١٧ ]
وقيل: لم يكن مخصوصًا به، بل [هو] مستحب لكل أحد؛ ليكون أقرب إلى التواضع، وأبعد من التكبر.
ومنها: أنه كان لا يأكل الثوم، والبصل، والكرات. فقيل: كان حرامًا عليه دون غيره. وقيل: لم يكن حرامًا، ولكن كان يمتنع من أكله تنزهًا حتى لا يتأذى به الملك.
رُوي عن جابر؛ أن النبي - ﷺ - أتى بقدر فيه خضراوات من بقول، فوجد لها ريحًا؛ فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه. وقال: "كُلْ؛ فإني أناجي من لا تناجي".
ومنها في النكاح: حرم الله عليه التزويج على نسائه والتبدل بهن حين اخترنه، قال الله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وكان السبب في ذلك أنه جرت وحشة بين رسول الله - ﷺ - وبين أزواجه، فألى ألا يدخل عليهن شهرًا؛ فأقامه في مشربة له، ثم أنزل الله - ﷺ - وبين أزواجه، فآلى ألا يدخل عليهن شهرًا؛ فأقامه في مشربة له، ثم أنزل الله - تعالى- آية التخيير؛ قالت عائشة - ﵂-: فبدأ بي رسول الله - ﷺ - فقال: إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك؛ وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ثم قال: "إن الله - تعالى- قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى تمام الآيتين. قلت: أوفى هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وأسأل ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله - تعالى- لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا". ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة؛ فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، كافأهن الله - تعالى - وحرم على رسول الله التزويج عليهن، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ثم أراد الله - تعالى- أن تكون المنة لرسول الله - ﷺ - عليهن، فأباح له النساء؛ لتكون المنة له بترك التزويج عليهن. قالت عائشة﵂-: ما مات رسول الله - ﷺ - حتى احل له النساء؛ تعني: اللاتي حُظرنَ عليه. وقال أنس: مات على التحريم.
[ ٥ / ٢١٨ ]
واختلفوا في أنه؛ هل كان للرسول - ﷺ - مفارقتهن بعد ما اخترنه والدار الآخرة.
منهم من قال: يجوز؛ كما أن واحدًا منا لو أراد تطليق زوجته، كان له ذلك.
ومنهم: من قال: كان لا يجوز؛ كما لو اختارت الدنيا، ورغبت عنه، لم يكن يحل له إمساكها، وهذا كان من خصائصه أيضًا؛ فإن واحدًا منا لو خير زوجته لم ينو الطلاق، ورغبت عنه - لا يجب عليه تطليقها، وكان يجب عليه ذلك؛ لأن الله - تعالى- وعدهن أنه يطلقهن لو اخترن الدنيا؛ ولأن كل من رغبت عنهن وجب عليه تركها؛ لما رُوي أنه تزوج امرأة، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "لقد عُذت بعظيم، الحقي بأهلك".
ولو تصور اختيار واحدة منهن الدنيا، هل كان يقع الفراق بنفس الاختيار؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كواحد منا لو خيرت زوجته؛ فاختارت نفسها، طلقت.
والثاني- وهو الأصح-: لاحتى يُسرحها النبي - ﷺ - لأن الله - تعالى - قال بعد التخيير: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] أمر بالتسريح بعد الاختيار؛ لأنه تخيير بين الدنيا والآخرة، ولو خير واحد منا زوجته بين الدنيا والآخرة، فاختارت الدنيا - لم يقع الفراق.
وهل كان جوابهن على الفور؟ فيه وجهان:
إن قلنا: كان يقع الفراق بنفس الاختيار - كان جوابهن على الفور-؛ كواحد منا؛ لو خير زوجته، كان جوابها على الفور.
وإن قلنا: كان لا يقع الفراق بنفس الاختيار- وهو الأصح- كان جوابهن على التراخي؛ لأن النبي - ﷺ - قال لعائشة: "ولا عليك أن تستعجلي؛ حتى تستأمري أبويك" فجوز لها تأخير الجواب [إلى إمرة الأبوين].
[ ٥ / ٢١٩ ]
فأما ما أبيح له دون غيره: فمنها: الصفي من الغنيمة؛ وهو أن يختار من رأس الغنيمة ما شاء، ومن جملة صفاياه: صفية بنت حيي بن أخطب؛ اصطفاها من رأس الغنيمة، وأعتقها، وتزويجها.
ومنها: خُمس خمس الغنيمة والفيء كان مباحًا له؛ قال الله - تعالى-: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] وكان أربعة أخماس الفيء له في حياته.
وأبيح له الحِمَى لنفسه؛ قال النبي - ﷺ-: "لا حِمَى إلا لله ورسوله". ولم يكن لأحد من الأئمة بعده أن يحمي لنفسه؛ وهل له أن يحمي لمصالح المسلمين؟ فيه قولان.
ومنها: الوصال في الصوم كان مباحًا له؛ وهو أن يصوم أيامًا من غير أن يطعم بالليل شيئًا؛ روي أنه - ﷺ - نهى عن الوصال، فقيل له: عن تواصل. فقال: "إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت يطعمني ربين ويسقيني".
ومنها: أنه أبيح له أخذ الماء من العطشان، والطعام من الغرثان، وكان على الرجل إذا علم به حاجته أن يحمله غليه، ويؤثر على نفسه، ويجب أن يقي [أحدنا] رُوحه ﵇ بروح نفسه؛ لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولأن في بقائه بقاء العالم.
ومنها: إباحة قتل من سبه وهجاه؛ رجلًا كان أو امرأة؛ لأن سبه كفر، وكذلك بغضه، وسب غيره لا يوجب قتلًا ولا كفرًا. ورُوي عن أبي بُرزة أن رجلًا سب أبا بكر الصديق - ﵁ - فقلت: ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا ليست هذه لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ.
ومنها: أنه أبيح له الحكم لنفسه؛ وقبول شهادة من شهد له بقوله؛ فإن خزيمة بن ثابت شهد لرسول اللهﷺ - بقوله فأجازه، وجعل شهادته بمنزلة شهادة رجلين، وكما جاز له أن يحكم لنفسه، جاز له أن يحكم لولده. وعلى قياس هذا يجوز أن يشهد لنفسه ولولده.
ومنها: أنه كان يجوز له أن يقضي بعلم نفسه، ولا يجوز لغيره من القضاة؛ على أحد القولين. وأبيح له في النكاح أشياء منها: الزيادة على أربع نسوة؛ فإنه - ﵇ - مات عن تسع نسوة يقسم لثمان منهن.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
وهل كان يجوز له أن يزيد على تسع نسوة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، والتسع في حقه كالأربع في حق الأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان يجوز له ذلك.
وهل كان يجب عليه القسم بين نسائه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١].
والثاني - وهو الأصح-: أنه كان يجب عليه القسم؛ بدليل أنه كان يُطاف به عليهن في مرضه ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك، وأنت أعلم بما لا أملك" يعني: قلبه؛ ولولا وجوبه عليه، لكان لا يتكلف ذلك في المرض، ولا يستعيذ من ميل القلب.
وفيه دليل: على أنه كان مطالبًا في السر بأكثر منا، فالله - تعالى- خفف عنا- لضعفنا وعجزنا.
ومنها: أنه كان يحل النكاح في حقه بمعنى الهبة؛ حتى ينحها بلا مهر، ثم لا يجب لك لا بالعقد، ولا بالدخول.
وهل كان ينعقد بلفظ الهبة؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة، والمراد من الآية: النكاح بمعنى الهبة؛ بدليل أنه قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ دل على لفظ النكاح شرط.
فإن قلنا: كان ينعقد بلفظ الهبة، فهل كان يشترط لفظ النكاح من جهته ﵇؟ فيه وجهان:
أحدهما لا؛ كما في جانب المرأة.
والثاني: يشترط؛ لظاهر الآية؛ فإن جوزنا، كان لا يجب المهر؛ لا بالعقد، ولا بالدخول؛ لأن ذلك قضية الهبة.
وهل كان ينعقد نكاحه بغير ولي، ولا شهود؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما في حق الأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان ينعقد؛ لأن الولي شرط؛ لطلب الكفاءة؛ وهو كان أكفأ الأكفاء، وشرط الشهود؛ للخوف من الجحود، وكان لا يُخشى ذلك منه.
وهل كان ينعقد نكاحه في حال الإحرام؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه رُوي أنه نكح ميمونة محرمًا.
[ ٥ / ٢٢١ ]
والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة وأكثر الرواة أنه نكح ميمونة حلالًا، وكالوطء لم يكن له حلالًا في حال الإحرام؛ كغيره.
وقيل: كان لا ينحصر عدد طلقاته بالثلاث؛ وليس بصحيح بل كان ينحصر بالثلاث؛ كما في حق الأمة.
وبعض أصحابنا قالوا: كان النكاح في حقه بمنزلة التسري في حق الأمة، حتى يصح بلا ولي، ولا شاهد، وبلف الهبة، وفي حال الإحرام، وأن يزيد على التسع، ولا يلزمه القسم، ولا ينحصر عدد الطلاق فيه.
ومنها: أنه كان أبيح له بتزويج الله [له]؛ كما قال جل ذكره في حق زينب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكان تزويجها في السماء، ولم يكن في الأرض.
وقيل: يحل بلا عدة.
ومنها: نه كان إذا رغب في نكاح امرأة، يجب عليها الإجابة، ويحرم على غيره خطبتها، وإذا رغب في ذات زوج يحرم على زوجها إمساكها؛ وكان يجوز له تزويج المرأة من نفسه من غير استئمارها، واستئمار وليها، ويتولى طرفي العقد، وكان يجوز له تزويجها ممن شاء من غير إذنها، وإذن وليها؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فروى أنه - ﵇- "أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها".
واختلفوا في اختصاصه فيه: قيل: اختصاصه من حيث إنه أعتقها على هذا الشرط، فلزمها ذلك، ولم يكن لها الامتناع، وغيره لو أعتق جارية؛ على أن ينكحها؛ فقبلت - عتقتهن ولا يجب عليها أن تنكحه، وعليها قيمة رقبتها للمولى.
وقيل: اختصاصه من حيث إنه كان يجوز له أن يجعل نفس العتق صداقًا، ولا يجوز ذلك لغيره؛ وكان لا يحل له نكاح الأمة المسلمة؛ لأن خوف العنت شرط لجواز نكاحها للحر، وهو - ﵇ - كان آمنًا منه، وكان يباح له التسري بالأمة المسلمة؛ لأنه استولد جاريته مارية بملك اليمين.
وهل كان يباح له نكاح الحرة الكتابية، أو التسري بالأمة الكتابية؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما كان مباحًا للأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان لا يباح له ذلك؛ لما رُوي أنه قال: "زوجاتي في الدنيا
[ ٥ / ٢٢٢ ]
زوجات في الآخرة". والكافرة لا تدخل الجنة، ولأن ماءه أعز من أن يتضمنه رحم كافرة، فأما ما أكرمه الله تعالى به فذلك مما لا يُحصى كثرة.
فمنها: ما رُوي عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - قال: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرُّعبِ مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيما رجلً من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
وعن أبي هريرة﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "فُصلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون". وقال: "بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، ووُضعت في يدي".
وعن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ - "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زوى لي منها، أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض". وعن أبي هريرة - ﵁- أن النبي - ﷺ - قال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع مُشفع".
وعن أنسٍ أن النبي - ﷺ - قال: "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة".
ومنها: أنه أُيدت شريعته، ونُسخت الشرائع بشريعته، وجعل كتابه - وهو القرآن -[مُعجزة له، ولم تكن كتب الأنبياء معجزة لهم، وبقيت معجزته في الأمة بعد مُفارقته الدنيا - وهي القرآن-] حتى يكون حجة على من جاء بعده، وضمن الله حفظه عن التبديل والتحريف؛ قال الله - تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وجعلت أمته خير الأمم؛ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ومنها: أنه كان [يرى خلفه كما] يرى أمامه. رُوي عن أبي هريرة﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم، ولا سجودكم؛ إني لأراكم من وراء ظهري".
[ ٥ / ٢٢٣ ]
ومنها: أنه كان لا ينام قلبه حتى كان يجوز له أن يصلي بعدما نام مُضطجعًا قبل أن يتوضأ؛ قال ابن عباس: "ثُمَّ نام حتى سمعت غطيطه، ثم خرج إلى الصلاة". وقالت عائشة - ﵂ -: "قلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر". قال: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي".
ومنها: أن صلاته التطوع قاعدًا كصلاته قائمًا، وإن لم تكن به علة، وفي حق غيره صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ قال عبد الله بن عمرو بن العاص: أتيت رسول الله -ﷺ - فوجدته يصلي جالسًا. فقلت: يا رسول الله، حدثت أنك قلت: "صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة" وأنت تصلي قاعدًا. قال:"أجل، ولكني لست كأحد منكم".
ومنها: أنه كان يجب على المصلي إجابته إذا دعاه في الصلاة، لا تبطل به صلاته؛ رُوي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي، فدعاني النبي -ﷺ - فلم اجبه حتى صليت، ثم أتيت فقال: "ما منعك أن تأتي" قلت: إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ومنها: أنه يخاطب في الصلاة بقوله: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، ومثل هذا الخطاب مع غيره يقطع الصلاة.
ومنها: أنه كان لا يجوز لأحدٍ أن يرفع صوته فوق صوته، ولا ينادي بعدما دخل حجرته حتى يخرج؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. وكان لا يجوز لأحدٍ أن يدعوه باسمه، فيقول: يا محمد يا أحمد، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، على وجه التعظيم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
قال الشيخ: ومنها: ما روي عن النبي - ﷺ - قال: "سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي".
وكان الشافعي -﵁ - يقول: ليس لأحدٍ أن يتكنى بأبي القاسم، سواء كان اسمه مُحمدًا أو أحمد، أو لم يكن؛ لظاهر الحديث.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
ورخص بعضهم فيه، كره الجمع بين اسمه وكُنيته.
ومنها: أنه لو شتم أو لعن إنسانًا جعل لعنه وشتمه قربة للمسلمين، رُوي عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تُخلفينه، فنما أنا بشرٌ، فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه إليك يوم القيامة".
ومنها: أن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة إلا نسبه. قال النبي - ﷺ -:"كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة غلا نسبي وسببي".
قيل: أراد به أن أمته يوم القيامة يعرفونه، وينتسبون إليه دون سائر الأمم، فإنها لا تُنسب إلى أنبيائها.
وقيل: لا ينتفع أحد بنسبه يوم القيامة؛ كما قال الله - تعالى-: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤، ٣٥] إلا نسبه؛ فإن له الشفاعة بإذن الله ﷿.
ومنها: أنه بعد موته كالحي حتى لا يُورث ماله، وماله قائم على ملكه يُصرف على زوجاته، ويصرف على من كان يصرفه إليه في حياته، ولم ينقطع خطاب الأمة معه بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته.
ومنها أن أم أيمن شربت بول رسول الله - ﷺ - فلم يُنكر عليها، وقال: "إذن لا تُنجع بطنُك".
[ ٥ / ٢٢٥ ]
وعن ابن الزبير قال: إن النبي - ﷺ - احتجم، وأعطاني دمه، وقال: "اذهب فواره حيث لا يبحث عنه سبعٌ". قال: فتنحيت فشربته، ثم أتيت فقلت: صنعت الذي أمرتني. قال: "ما أراك إلا شربته". قلت: نعم. ولم ينكر عليه.
وعن سفينة: أنه قال: احتجم النبي - ﷺ - قال: "خذ هذا الدم فادفنه من الدواب". قال: فتغيبت فشربته. ثم سألني فأخبرته أني شربته فضحك.
وكل ذلك لما كانوا يرون فيه من الشفاء والتبرك به، وليس في دم غيرهن ولا بوله ذلك، ومن هذا قسمته شعره بين أصحابه.
ومما أُكرم بهﷺ - في النكاح تحريم زوجاته على غيره من بعده، فقال جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهذا التحريم في حق من كانت تحت النبي - ﷺ - حين فارق الدنيا، ومن استحل نكاح واحدة منهن فر؛ لأنه محرم بنص الكتاب.
ولو تصور أن يختار واحدة منهن الدنيا حين خيرهن، كان يحل لها أن تنكح زوجًا غيره؛ للوصول إلى نعيم الدنيا في الأصل؛ لأنها اختارت فراقه لذلك، فأما من فارقها النبي - ﷺ - في حياته، فإنه رُوي أنه تزوج امرأة من بني عمرو بن كلاب، فوجد بكشحها بياضًا فطلقها، ولم يدخل بها، وتزوج أخت بني الجُون الكندي، فاستعاذت منه؛ فقال: "لقد عُدت بعظيم، فالحقي بأهلك" فطلقها، ولم يدخل بها. فهل كان يجوز لغيره نكاح هؤلاء؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا؛ لظاهر القرآن: [﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولأنه - ﵇أب الأمة، ويحرم زوجة الأب بنفس العقد.
والثاني: يجوز، لأن النبي - ﷺ - أعرض عنها بالفراق، فانقطعت الوصلة بينه وبينها.
والثالث: إن كان قد دخل بها لم يحل لأحدٍ نكاحها، وإلا حلت؛ فإنه رُوي أن المستعيذة تزوجها الأشعث بن قيس في زمان عمر - ﵁ - فهم برجمها، فأخبر
[ ٥ / ٢٢٦ ]
أن النبي - ﷺ - فارقها قبل أن يمسها فترك.
وأما الموطوءة بملك اليمين إن قلنا: تَحِلُّ امرأته التي فارقها بعد الدخول، ففي الموطوءة بملك اليمين وجهان؛ سواء مات عنها، أو أعتقها، أو باعها:
أحدهما: لا تحل؛ كالمنكوحة التي فارقها.
والثاني: تحل؛ لأن مارية غير معدودة في أمهات المؤمنين.
ومن خصائصه ﵇ تفصيل زوجاته على سائر النساء بجعل ثوابهن على الطاعة ضعف ثواب نساء الأمة، وعقوبتهم على المعصية ضعف عقوبة نساء الأمة؛ كالحرائر مع الإماء. قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠، ٣١]. وجعلهن أمهات المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وأمهات المؤمنين منهن من ماتت تحت النبي - ﷺ -[أو مات النبي - ﷺ - وهي تحته. فمن ماتت تحته - ﵇] خديجة بنت خويلد.
قال الشيخ: وزينب بنت خزيمة؛ وهي أم المساكين تُوفيت تحتهن فلم تلبث معه إلا يسيرًا. أو مات النبي - ﷺ - عنهن؛ وهن تسعٌ: عائشة بنت أبي بكر الصديق - ﵄ - وحصة بنت عمر -﵄- وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت [أبي] أمية، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث خالة عبد الله بن عباس - ﵃، وصفية بنت حُيي بن اخطب، وجُويرية بنت الحارث المصطلقية -﵅ - فهؤلاء أمهات المؤمنين في معنى الإكرام والتفضيل، وفي تحريم نكاحهن، ووجوب طاعتهن.
أما النظر إليهن والخلوة والمسافرة بهن، فلا يجوز، ويجوز نكاح بناتهن، وأخواتهن.
ولا يطلق على بنات زوجاته أنهن أخوات المؤمنين، ولا على آبائهن ولا أمهاتهن أنهن أجداد المؤمنين وجداتهم، ولا على إخوانهن أنهم أخوال المؤمنين وخالاتهم. وقول الشافعي - ﵁-: إن النبي - ﷺ - زوج بناته وهن أخوات المؤمنين - أخرجه مخرج الإنكار، يعني: أنه يرى أنهن أخوات المؤمنين، وهن كن أمهات الرجال من المؤمنين دون النساء.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
روي ذلك عن عائشة - ﵂.
أما النبي - ﷺ - فكان أبا الرجال والنساء جميعًا.
ومن خصائصهن: أنه كان لا يحل للرجال أن يسأل واحدة من نسائه شيئًا إلا من وراء حجاب أما مشافهة فلا بخلاف غيرهن. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والحكمة في إيجاب الأشياء، وتحريمها على الرسول - ﷺ - حصول زيادة الثواب؛ لأن فعل الفرائض أكثر ثوابًا من فعل النوافل، والامتناع من المحرمات أعظم أجرًا من الامتناع من المباحات؛ قال النبي - ﷺ - يقول الله تعالى: ﴿لن يتقرب المتقربون إلي بمثل ما افترضت عليهم﴾. يجب المراجعة
وعن أبي هريرة، عن رسول اللهﷺ - قال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس" والحكمة في إباحة الأشياء له، وإكرامه بها إظهار كرامته، وتبيين فضيلته، فإن الواحد من ملوك الدنيا إذا أحب عبدًا، واختاره على غيره من عبيده يُبيح له في ملكه، ولا يبيح لغيره، ويُكرمه بما لا يكرم به غيره. وهو - ﷺ - كان أكرم الخليقة على الله - ﷿- وأعظمهم قدرًا لديه، فخصه من بينهم بما أظهر به أمره، ورفع به ذكره، وله الحمد والمنة.
باب الترغيب في النكاح
قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾ [النور: ٣٢] الآية.
الناس في النكاح قسمان: منهم من تتوق نفسه إلى النكاح، فيستحب له أن ينكح
[ ٥ / ٢٢٨ ]
إن وجد أهبة؛ سواء كان مقبلًا على العبادة، أو لم يكن، ولكن [لا] يجب أن ينكح. فإن لم يجد أهبة يكسر شهوته بالصوم؛ لما رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن
[ ٥ / ٢٢٩ ]
للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.
ومنهم من لا تتوق نفسه إلى النكاح؛ فينظر فإن كان ذلك لعلة به من كِبرٍ، أو مرضٍ، وعجز يكره أن ينكح؛ لأنه يلتزم ما لا يُمكنه، ولا يقدر على القيام بحقه، وكذلك لو كان لا يقدر على النفقة.
وإن لم يكن به عجز، وكان قادرًا على القيام بحقه فلا يُكره له النكاح، ولكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله - تعالى-.
وإن لم يكن مشتغلًا بالعبادة فوجهان:
أصحهما: الأفضل أن ينكح حتى لا يحمله الفراغ على الفساد.
وقيل: تركه أفضل.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: النكاح أفضل.
قلنا: النكاح من باب قضاء الشهوة، فلا يكون أفضل من العبادة؛ كأكل الأطعمة الشهية، ولبس الثياب البهية.
ويكره للرجل أن يحتال لقطع الشهوة.
وإذا أراد النكاح يختار ذات الدين؛ لما روي عن أبي هريرة - ﵁- عن النبي - ﷺ- قال: "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
فإن استوت المرأتان في الدين، اختار الحسنة؛ لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "إياكم
[ ٥ / ٢٣١ ]
وخضراء الدمن". قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء من منبت السوء".
ويختار ذات العقل؛ لأن النكاح للعشرة وطيب النفس، ولا يون ذل إلا مع وفود العقل. وكذلك يختار من يستحسنها، فيكون أطيب، ويختار الولود؛ لما رُوي عنه - عليه
[ ٥ / ٢٣٢ ]
السلام - قال: "تزوجوا الودود الولود، فإني أكاثر بكم الأمم".
[ ٥ / ٢٣٣ ]
ويستحب أن يختار من الأجانب؛ لما روي أنه - ﵇- قال: "لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يُخلق ضاويًا" معناه: أن شهوته لا تتم على قريبته، فيحصل الولد نضو الخلق ضعيفًا.
ويختار البكر إذا لم يكن له عذر؛ لما روي أن النبي - ﷺ - قال لجابر وقد تزوج ثيبًا "هلا [تزوجت] بكرًا تلاعبها وتلاعبك".
وإذا أراد أن ينكح امرأة يستحب أن ينظر إليها، ويكرر النظر متأملًا؛ بإذنها وبغير إذنها؛ لما روي عن المغيرة أنه خطب امرأة، فقال النبي - ﷺ -: "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
وقال مال -﵀ -: لا ينر إليها بغير إذنها. وليس في الحديث فصل بين الحالتين، فإنه ينظر إليها قبل الخطبة؛ لأنه إذا نظر إليها بعد الخطبة، فلم تعجبه فتركها، شق عليها ذلك.
ولا يجوز أن ينظر إلا إلى وجهها وكفيها؛ لأن ما سواهما عورة لا يجوز النظر إليه من غير ذات محرم.
ولو بعث إليها امرأة؛ حتى تأملتها ووصفتها له، جاز؛ لما روي أن النبي - ﷺ- بعث أم سليم إلى امرأة، وقال: "انظري على عرقوبيها، وشُمي معاطفها".
[ ٥ / ٢٣٤ ]
وكذا المرأة إذا أرادت أن تتزوج تنظر إليه قبل النكاح؛ لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها. قال عمر - ﵁-: لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم؛ فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن.
فصل في بيان العورات ونظر الآدميين بعضهم إلى بعض
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".
[أما] العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجلن وعورة الرجل مع المرأة.
أما الرجل مع الرجل: فجائز نظره إلى جميع بدنه إلا على عورته، وعورته: ما بين السُرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: الركبة عورة. وقال مالك: الفخذ ليس بعورة.
والدليل على أنها عورة: ما روي عن جرهد؛ أن النبي - ﷺ - مرَّ به في المسجد - وهو كاشف عن فخذه- فقال ﵇: "غط فخذك؛ فإنها من العورة"، وقال لعلي - ﵁ -:"لا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حتى ولا ميت".
وإن كان في نظره إلى وجهه، وسائر بدنه خوف فتنة بأن كان أمرد، لا يحل النظر غليه.
ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان كل وحاد في جانب من الفراش؛ لحديث أبي سعيد.
وتكره المُعانقُّ وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة، وتستحب المصافحة؛ لما روي عن أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال:
[ ٥ / ٢٣٥ ]
أفيلتزمه، ويقبله؟ قال: "لا". قال: أفيأخذ بيده، ويصافحه؟ قال: "نعم".
ويجوز للرجل دلك عورة الرجل، ودلك فخذه فوق الإزار إذا لم يخش فتنة.
أما عورة المرأة مع المرأة فكالرجل مع الرجل، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز المضاجعة.
والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة، وأن تدخل معها الحمام؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنها عورة كالمسلمة مع المسلمة.
والثاني - وهو الأصح-: لا يجوز، وهي كالرجل الأجنبي؛ لأنها أجنبية في الدين، والله يقول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وليست الذمية من نسائنا.
أما عورة المرأة مع الرجل: فلا يخلو: إما أن كانت المرأة أجنبية منه، أو ذات محرم له، أو مستمتعة.
فإن كانت أجنبية، نظر: إن كانت حُرَّةً فجميع بدنها عورة لا يجوز له أن ينر إلى شيء منها إلا إلى الوجه والكفين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
قيل: ما ظهر منها الوجه والكفان؛ لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء؛ وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف: هرها وبطنها إلى الكوعين.
وقيل: ظهر الكف عورة.
وفي أخمص القدم وجهان:
أصحهما: عورة كظهر القدم.
وفي صوتها وجهان:
[ ٥ / ٢٣٦ ]
أصحهما: ليس بعورة؛ لأن نساء النبي - ﷺ - كن يروين الأخبار للرجال. وكل عضو هو عورة منها، فإذا انفصل منها مثل ساعدها وشعر رأسها وقلامة رجلها، هل يجوز النظر إليه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كما قبل الانفصال.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا يكون من العضو المُبان فتنة، فلا يعطى له حكم الجملة؛ ما يجوز النظر إلى دمها وريقها، وكذلك الذكر المقطوع عن الرجل وشعر عانته إذا حُلق هل يجوز النظر إليه؟ فيه وجهان.
ويجوز النظر إلى قلامة يد المرأة؛ لأن يدها ليست بعورة.
ويجوز أن يُعيد النظر إلى الأجنبية إذا كان له غرض صحيح؛ بأن يريد نكاح امرأة؛ فينظر إلى وجهها وكفيها، أو شراء جارية؛ فينظر إلى ما ليس بعورة منها، أو عند المبايعة معها ينظر إلى وجهها مثلًا حتى يعرف عند الحاجة. وينظر إليها عند تحمل الشهادة، وينظر إلى غير الوجه؛ لأن المعرفة تحصل به.
وإذا كان بعورة المرأة علة يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها؛ للمعالجة؛ كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون؛ لأنه موضع ضرورة.
ويجوز أن يعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرأة لتحمل الشهادة على الرضاع، وهذا هو الصحيح.
وقال الإصطخري: لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، إلا أن يقع بصره عليه؛ لأنه في الزنا مندوب إلى الستر، وفي الولادة وفي الرضاع تُقبل شهادة النساء؛ فلا حاجة إلى الرجال للشهادة.
وقيل: يجوز في الزنا دون غيره؛ لأن الزاني قد هتك حُرمة الله بالزنا، فجاز هتك حرمته بالنظر إلى عورته، ولم يوجد ذلك في غير الزنا.
وقيل: يجوز في غير الزنا، ولا يجوز في الزنا؛ لأن حد الزنا مبناه على الدرء والإسقاط.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
ولا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير عرض، فإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].
وقيل: يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة﵀-.
ولا يجوز أن يُكرر النظر إليها؛ لما رُوي عن بريدة؛ أن النبي - ﷺ - قال: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة".
وعن جابر قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أيصرف بصري".
ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفوًا، قصد أو لم يقصد.
ولا يجوز أن يخلو بالمرأة الأجنبية، ولا أن يُسافر بها؛ لما رُوي عن عمر - ﵁- أن النبي - ﷺ - قال: "لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما".
وإن كانت [الأمة أجنبية]، ففي عورتها وجهان:
أصحهما: ما بين السرة والركبة؛ كالرجل.
والثاني: عورتها ما لا يبدو عند الفضلة والمهنة خرج منه أن رأسها، وعنقهان وساعديها، وموضع خناقها من النحر والصدر ليس بعورة.
وفي ظهرها، وبطنها، وما فوق الساعدين وجهان.
ولا يجوز له أن يمسها، ولا لها أن تمسه بحال، لا لحجامة ولا اكتحال، ولا غيره؛ لأن اللمس أقوى من النظر، بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم، وبالنظر لا يفطره.
[ ٥ / ٢٣٨ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليها من المحارم، ولا يجوز من الحرة الأجنبية.
وإن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية، فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجال.
وقيل: ما يبدو عند الفضلة والمهنة، وبه قال أبو حنيفة﵀ - والأول أصح.
ويجوز أن يخلو بها، ويسافر بها، ولا بأس للمرأة أن تنكشف للطفل الأجنبي الذي لم يظهر على عورات النساء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].
فإن كان مراهقًا لا يجوز أن تنكشف له، ولكن يجوز له الدخول عليها، ويستأذن في الأوقات الثلاثة التي تضع فيها ثيابها؛ كالمحارم؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَاذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ﴾ الآية.
وهل يجوز للمراهق الأجنبي أن ينظر إليها فُضلًا؛ كالمحارم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز كالبالغ [لقوله تعالى: ﴿أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ ﴾ [النور: ٣١] الآية، وهذا ليس بطفل].
والثاني: يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وهذا غير بالغ.
وحكم البالغ الممسوح حكم المراهق.
وقيل: هو الفحل فأما إذا كان مجبوبًا، أو مسلول الأنثيين والذكر باقٍ، فهو كالفحل.
وإذا كان للمرأة عبد فهل يكون محرمًا لها؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون محرمًا لها؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
وروي عن أنس أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة - ﵂ - بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة - ﵂ثوبٌ إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم
[ ٥ / ٢٣٩ ]
يبلغ رأسها. فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما تلقى: قال:"إنه ليس عليك باسٌ، إنما هو أبوك وغلامك.
والثاني: لا يكون محرمًا لها؛ لأن الملك لو كان يثبت المحرمية، لكان لا يزول كالرضاع؛ وبه قال أبو حنيفة.
وإن كانت المرأة مستمتعة؛ كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها، غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذلك إلى فرج نفسه؛ لأنه رُوي أنه يورث الطمس.
وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة، أو مدبرة، أو أم ولد، أو مرهونة، فإن كانت مجوسية، أو مرتدة، أو وثنية، أو مشتركة بينه وبين غيره، أو مزوجة، أو مكاتبة، فهي كالأجنبية؛ لما روي عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة.
أما عورة الرجل مع المرأة [نظر] إن كان أجنبيًا منها، فعورته منها ما بين السرة والربة على أصح الوجوه.
وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.
وقيل: مالا يبدو، عند الفضلة والمهنة، والأول أصح، بخلاف المرأة في حق الرجل؛ لأن بدن المرأة في ذاته عورة، بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.
ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا تكرير النظر إلى وجهه؛ لما روي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله - ﷺ - وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه. فقال رسول الله - ﷺ-: "احتجبا منه". فقلت: يا رسول الله؛ أليس هو أعمى لا يبصر؟ قال: "أفعمياوان أنتما، ألستما تُبصران؟! " فإن كان محرمًا لها، فعورته معها ما بين السرة والركبة.
[ ٥ / ٢٤٠ ]
وإن كان زوجها أو سيدا الذي يحل له وطؤها، فلها أن تنظر إلى جميع بدنه؛ حتى إلى فرجه غير أنه يُكره النظر إلى الفرج، كهو معها.
ولا بأس بالنظر إلى عورة صبي أو صبية لم تبلغ محل الشهوة وإن كان أجنبيًا، ولا ينظر إلى الفرج فإن بلغ محل الشهوة لم يجز وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين، يجب التفريق [بين أخيه وأخته] وأمه وأبيه في المضجع. قال النبي - ﷺ -: "مُروا صبيانكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع".
ولا يجوز للرجل أن يجلس عُريانًا في بيت خالٍ، وله ما يستر عورته؛ لأنه روي؛ أن النبي - ﷺسئل عنه فقال: "الله أحق أن يستحي منه".
وروي أنه - ﵇- قال: "إياكم والتعري؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يُفضي الرجل إلى أهله؛ فاستحيوهم وأكرموهم".
باب ما على الأولياء وإنكاحهم
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٣٣٢] وروي عن علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئًا".
[ ٥ / ٢٤١ ]
[و] الحرة العاقلة البالغة إذا خطبها كُفء لها، ورغبت فيه، وطالبت الولي بالتزويج منه - وجب على الولي تزويجها، فإن امتنع كان عاضلًا آثمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
والمرأة لا تملك تزويج نفسها، لأنها لو ملكت تزويج نفسها لم يكن لنهي الولي عن العضل معنى.
ولا ينعقد النكاح بعبارتها. سواء زوجت نفسها أو غيرها بإذن الولي، أو دون إذنه؛ وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس - ﵃- وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بعبارتها؛ [سواء زوجت نفسها، أو غيرها؛ بإذن الولي، أو دون إذنه] ثم إن زوجت نفسها من غير كفء، فللولي رده.
وقال أبو ثور، ومحمد بن الحسن: إن زوجت نفسها بإذن الولي يصح، وبغير إذنه لا يصح.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
وقال مالك: إن كانت دنيئة جاز، وإن كانت شريفة لا يجوز.
والدليل على أنه لا يصح: ما رُوي عن أبي موسى الأشعري - ﵁- أن النبي - ﷺ - قال: "لا نكاح إلا بولي".
[ ٥ / ٢٤٨ ]
وعن عائشة - ﵂ - أن رسول اللهﷺ - قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بهان فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له".
[ ٥ / ٢٥١ ]
فالنبي - ﷺ - حكم ببطلان النكاح بغير إذن الولي، وأكده بالتكرار، ونقل الولاية إلى السلطان عند اختلاف الأولياء؛ ولأن المرأة مولى عليها في النكاح، بدليل أنها لو وضعت نفسها فيمن لا يكافئها يثبت للولي الاعتراض.
ولو لم يكن موليًا عليها لما ثبت حكم الاعتراض على عقدها؛ كالرجل إذا نكح دنيئة لا يعترض عليه، والمرأة إذا باعت مالها بالبخس لا يعترض عليها؛ لأنه غير مولى عليها في المال.
إذا ثبت أنها مولى عليها، فلا ينعقد نكاحها؛ كالصغيرة، والأمة، والمكاتبة.
ولو وكل الولي امرأة؛ حتى وكلت رجلا بتزويج وليته ففعلت، نظر إن قال: وكلي عن نفس لم يجز، وإن قال: وكلي عني أو أطلق، فوجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن عبارتها غير صالحة للناكح.
والثاني: يصح؛ لأنها سفيرة بين الوكيل ليست مباشرة للعقد.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
ولو أن امرأة نكحت بلا ولي فأصابها، لا حد عليها، سواء فعله من يعتقد إباحته أو تحريمه؛ لتعارض الأدلة، واختلاف العلماء في الإباحة، إلا أن من اعتقد تحريمه من الزوجين يُعزر عليه، ومن لم يعتقد لا يعزر، بخلاف ما لو شرب النبيذ يجب عليه الحد - وإن اختلف العلماء في إباحته - سواء كان ممن يعتقد إباحته، أو تحريمه؛ لأن الأدلة فيه غير متعارضة كتعارضها في النكاح بغير الولي، ولأن من يقول بإباحة النبيذ لا يقول بإباحته على الإطلاق، فإنه يحرم السكر منه، وليس له حد.
ومن أباح النكاح بلا ولي أباحه على الإطلاق، ولو نكح حنفي بلا ولي، ثم رُفع إلى حاكم شفعوي رده، ولو رفع أولًا إلى حاكم شفعوي رده ولو رفع أولًا إلى حاكم حنفي، فنفذه، ثم رفعه إلى شفعوي فلا يرده؛ لأنه مجتهد فيه، فاتصل به قضاء القاضي فلا يرده، بخلاف ما لو اشترى حنفي نبيذًا وحكم حاكم بصحته، ثم رفع إلينا ننقضه؛ كما يحد الحنفي بشربه.
وقال الإصطخري: يرد النكاح بلا ولي، وإن حكم حاكمهم بصحته؛ لأن بطلانه يثبت بالنص.
ولو نكح بلا ولي فطلقها ثلاثًا، جاز له بعد ذلك أن ينكحها من غير زوج آخر؛ لأن النكاح إذا لم يصح لا يقع عنه الطلاق.
وقال أبو إسحاق: يقع الطلاق، وإن طلق ثلاثًا لا يحل له إلا بعد زوج آخر؛ لأنه إن كان عالمًا فقد فعله باجتهاده، وإن لم يكن فقد قلد فيه علماء "الكوفة"، فلا يكون لغوًا.
فصل في صفة تزويج الأولياء
رُوي عن ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "الثيب أحق بنفسها من
[ ٥ / ٢٥٣ ]
وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُماتها".
[ ٥ / ٢٥٤ ]
الأولياء قسمان: كامل الشفقة، وقاصر الشفقة. أما كامل الشفقة: فالأب، والجد [أب الأب] وإن علا.
وقاصر الشفقة ثلاثة: قريب يزوج بعصوبة النسب؛ كالأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم.
والثاني: المعتق وعصباته يزوجون بحق الولاء.
والثالث: السلطان يزوج بالولاية العامة.
والنساء الحرائر قسمان: بكرٌ وثيبٌ، فالبكر يجوز للأب والجد تزويجها دون إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، غير أنه يستحب أن يستأذن [إن كانت] بالغة، وإذنها صُماتها.
فلو [لم يستأذن] وزوجها جبرًا يصح؛ حتى لو اختارت هي كفئًا ودعت إليه، فزوجها الأب والجد من كفءٍ آخر جاز.
وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة- رحمة الله عليهم-: لا يجوز لأحد إجبار البكر البالغة على النكاح؛ لقوله ﵇: "والبكر تستأذن" وذلك عند من جوز محمول على استطابة النفس، لا أنه شرط لصحة العقد؛ كما قال النبي - ﷺ- لنعيم في تزويج ابنته: "وآمر أم ابنتك". وذلك على سبيل الاستحباب، واستطابة النفس، لا أن مؤامرة أم البنت
[ ٥ / ٢٥٥ ]
شرط لصحة النكاح، فنقول: يجوز للأب تزويجها لحق الأبوة ساكتة، فيجوز تزويجها ساخطة؛ كالصغيرة.
وأما غير الأب والجد من الأولياء، فلا يصح تزويجهم في حال صغر المنكوحة؛ لظاهر الخبر، ويجوز لهم التزويج بعد بُلوغها إذا استؤذنت، والاستئذان واجب، ويكتفي بسكوت البكر؛ لظاهر الحديث؛ لأنها تستحي من أن تنطق به صريحًا.
وفيه وجه آخر: أنه يشترط صريح نطقها؛ كما في الثيب، والحديث محمول على ما إذا كان الولي أبًا أو جدًا، والأول هو الأصح. وإن كانت المرأة ثيبًا، فلا يجوز لحد من الأولياء تزويجها في حال الصغر، أبًا كان أو غيره؛ لقول النبي - ﷺ-: "الثيب أحق بنفسها من وليها".
وجوز أبو حنيفة تزويج الثيب الصغيرة، والحديث حُجة عليه بعد البلوغ لا يجوز لأحدٍ تزويجها بالاتفاق إلا بإذنها، ويشترط صريح نطقها؛ لأنها اختبرت الرجال فلا تستحي من إظهار الرغبة في النكاح، وسواء ثابت بنكاح، أو يملك يمين، أو وطء شبهة، أو بالزنا.
وعند أبي حنيفة﵀- المُصابة بالزنا في حكم الأبكار، والحديث حجة عليه؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وهذه ثيب بدليل أنه إذا أوصى للثيب تدخل هذه في الوصية، ولأنها حرة عاقلة ثابت بالجماع؛ كالمصابة بالنكاح، ووطء الشبهة، وإن زالت بكارتها بأصبع، أو وثبة، أو طول تعنيس، فهي في حكم الأبكار على ظاهر المذهب؛ لأنها لم تختبر الرجال.
وقيل: هي في حكم الثيب؛ لزوال العذرة.
وإن أصيبت في دبرها فوجهان:
أصحهما: في حكم الأبكار؛ لبقاء العذرة؛ كما لو فأخذها رجلًا لا تزول البكارة.
والثاني: هي في حكم الثيب؛ لأنها أصيبت بالوطء؛ كما لو أزيلت بكارتها بالجماع، فعادت عذرتها.
وقال أبو حنيفة: يجوز لجميع الأولياء تزويج الصغيرة بكرًا كانت أو ثيبًا، غير أن تزويج الأب والجد يلزم، وتزويج غيرهما لا يلزم، ولها رده بعد البلوغ. والدليل عليه: ما روي عن النبي - ﷺ - قال: "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن".
[ ٥ / ٢٥٦ ]
واليتيم اسم لصغيرٍ لا أب له، فدل على أنه لا يجوز تزويجها حتى يزول عنها اسم اليُتم بالبلوغ، وتستأمر، ولأن من لا يلزم إنكاحه الصغيرة مع عدم النقائص لا ينعقد إنكاحه كالخال والأجنبي.
ولو زوج الولي المرأة الثيب دون رضاها لا ينعقد.
وعند أبي حنيفة - ﵀- يتوقف على إجازتها، فإن أجازت جاز. والدليل على أنه لا يتوقف: ما روي أن خنساء بنت خذام زوجها أبوها- وهي ثيبٌ- فكرهت، فأتت رسول الله - ﷺفرد نكاحها. أي: حكم بالرد ولم يقل لها: أجيزي ما فعل أبوك.
فصل في صفة الأولياء والشهود
روي عن عمران بن حصين؛ أن النبي - ﷺ- قال: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل".
لا ينعقد النكاح إلا بمحضر شاهدين عدلين وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو ثور: ينعقد بغير الشهود، ويُروى ذلك عن عليٍّ، وابن الزبير - ﵄-.
[ ٥ / ٢٥٧ ]
وقال مالك: الإعلان شرط دون الإشهاد.
فإن تواصوا بالكمان، وإن أشهدوا لم ينعقد؛ لما رُوي عن عائشة - ﵂- أن النبي - ﷺ- قال: "أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف". وضرب الدف على طريق الاستحباب عند الآخرين، والإعلان يحصل بالإشهاد.
أما الكلام في صفة الولي، خلاف أنه لا ولاية للرقيق، ولا الصغير، ولا المجنون، ولا المحجور عليه بالسفه، ولا الشيخ المفند، ولا الضعيف الذي لا عِلم له بمواضع الحظ.
أما الفاسق هل يكون وليًا؟
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة﵀-: يكون وليًّا؛ لأنه ممن يعقد النكاح لنفسه بنفسه؛ كالعدل.
والثاني: لا يكون وليًّا. قال ابن عباس: لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل.
ولأن الفسق نقص يؤثر في الشهادة، فيمنع ولاية النكاح؛ نقص الرق.
وقيل يكون وليًّا قولًا واحدًا.
والمراد من المرشد المسلم في قول ابن عباس.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
وقيل: إن كان الفاسق أبًا أو جدًا في حق البكر، فلا ولاية له؛ لأنه ممن يجبر، فربما يميل إلى رفيقه الفاسق، فيزوجها منه، ويترك النظر للوالد وإن كان ممن لا يجبر فيكون وليًّا؛ لأنه لا يزوج إلا بإذن المرأة، فإن ترك هو النظر لها فهي تنظر بنفسها.
والأصح أن الفسق لا يزيل الولاية؛ لأن العضل فسق.
ولم ينقل الشافعي - ﵁- به الولاية.
فإن قلنا: الفاسق لا يكون وليًا، فهل له تزويج أمته [منه]؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لا يُزوج ابنته وأخته.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يتصرف في ماله؛ كما يتصرف فيها بالبيع والإجارة.
وإذا تاب الفاسق جاز تزويجه في الحال، ولا يشترط مُضي مدة لاستبراء حاله؛ لأنه يكتفي فيه بالعدالة الظاهرة، بخلاف قبول الشهادة فيه مُضي مدة لاستبراء حالِه.
والإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق، فيجوز له تزويج بناته وبنات غيره بالولاية العامة.
والأعمى يكون وليًّا؛ على ظاهر المذهب، ولأن شعيبًا﵇ - زوج ابنته من موسى - ﵇بعد ما كُفَّ بصره.
[ ٥ / ٢٦١ ]
وقيل: لا يكون وليًّا؛ لأنه نقص يؤثر في الشهادة كالصغر.
وفي الأخرس وجهان:
أحدهما: يكون وليًا، ويزوج بالإشارة، كما يصح منه سائر العقود بالإشارة.
والثاني: لا يزوج؛ لأنه ينفذ قوله على الغير، فلا يصح منه بالإشارة كالشهادة.
أما صفة الشهود فيشترط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والعدالة في الشاهدين، ولا ينعقد بشهادة فاسقين معلني الفسق، ولا رجل وامرأتين.
[ ٥ / ٢٦٢ ]
وقال أبو حنيفة - ﵀ -: ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ وهو قول أحمد، وإسحاق.
وعند أبي حنيفة: ينعقد بشهادة فاسقين معلنين بالفسق، وبالاتفاق لا يثبت النكاح بين يدي القاضي بشهادة فاسقين، والحديث حجة عليهم.
وينعقد [النكاح] بشهادة مستورين بالاتفاق، والمستور من يكون عدلًا في الظاهر، ولا تُعرف عدالة باطنه، بخلاف الحكم لا يجوز بشهادة المستور؛ لأن الحكم يكون إلى الحاكم؛ فيمكنه الرجوع إلى المزكين في التفحص عن العدالة الباطنة، والنكاح أمرٌ يتولاه العوام بأنفسهم؛ فيتعذر عليهم البحث عن العدالة الباطنة، فيسقط اعتبارها، واكتفى بالعدالة الظاهرة.
ولا ينعقد بشهادة من لا تُعرف عدالة ظاهره، ولا من لا يُعرف حاله في الإسلام والحرية؛ ظاهرًا وباطنًا.
ولو عقد بشهادة مستورين، ثم بان أنهما كانا فاسقين يوم العقد، فالنكاح مردود؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: فيه قولان؛ كما قلنا في القاضي إذا قضى بشهادة رجلين، ثم بان فسقهما هل ينقض القضاء؟ فيه طريقان.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
ولا يقبل قول الشاهدين إن كانا فاسقين، إنما يثبت ذلك ببينة تقوم على فسقهما، أو بتقار الزوجين، وهل ينعقد بشهادة الأعمى؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا ينعقد؛ كشهادة الصم الذي لا يسمع قول العاقد؛ لأن المعاينة فيه شرط كالسماع.
والثاني: ينعقد؛ لأن المأمور به حضور عدلين وقد وجد.
وفي الأخرس أيضًا وجهان وهل ينعقد بشهادة من هو من أهل الحرف الدنيئة وجهان؛ ناء على الحكم بشهادتهم.
وقيل: في ثبوت ولاية النكاح لهم وجهان على قول من لا يثبت الولاية للفاسق. والمذهب أن يكون وليا وجهًا واحدًا.
ولا ينعقد بشهادة الأعجمي الذي لا يعرف لسان المتعاقدين، ولا بشهادة المغفل الذي لا يعقل شيئًا، وينعقد بشهادة من يحفظ وبنسي عن قريب.
وهل ينعقد بشهادة من كان عدوًا لأحدهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن قوله على عدوه غير مقبول.
والثاني - وهو الأصح-: ينعقد؛ لأنه لا تهمة في حضوره، وكذلك بشهادة ابني أحدهما، أو بشهادة أب الزوج، وجد المرأة [فيه] وجهان:
أصحهما: أنه ينعقد، فأما شهادة أب المراة لا تنعقد؛ لأنه يكون وليًا.
ولو وكل بالتزويج، وحضر شاهدًا لم يجُز؛ لأن فعل الوكيل فعل الموكل.
ومن قام بركن في النكاح لا يقوم بركن آخر؛ كالزوج لا يكون شاهدًا.
وقيل: ينعقد بشهادة ابني أحدهما؛ لأنه يمكن إثبات النكاح بشهادتهما إذا جحد الآخر.
أما شهادة الاثنين منهما، أو أحدهما من الزوج، والآخر من الزوجة، أو بشهادة أب الزوج، وابن المرأة فيه وجهان:
وكذلك في العدوين إذا كانا لأحدهما ينعقد؛ لأنه يمكن الإثبات بقولهما إذا كانا
[ ٥ / ٢٦٤ ]
الجُحُودُ من العدو، فإن كانا عدوين لهما، أو أحدهما عدو الزوج، والآخر عدو المرأة فيه وجهان.
فصل في تزويج المولى عليه
قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية.
الحر العاقل البالغ لا يجوز لأحد أن يقبل له النكاح دون إذنه، فلو قبل فباطل.
وعند أبي حنيفة: موقوف على إجازته. أما الصغير العاقل يجوز للأب والجد عند عدم الأب أن يقبل له النكاح.
وهل له أن يُزوجه أكثر من امرأة واحدة؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز أن يقبل له نكاح أربع إذا رأى النظر فيه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يلزمه المهر والنفقة مع الاستغناء عنه.
ولا يجوز لغير الأب والجد أن يقبل النكاح له بحال.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
والمحجور عليه بالسفه لا يجوز له أن يتزوج بغير إذن الولي؛ لأن النكاح يفتقر إلى مؤن مالية، وهو محجور عليه في المال، ولا يجوز لوليه أن يقبل له النكاح دون أمره؛ لأنه حُرٌّ مكلف.
فإن قبل له النكاح بإذنه، أو أذن له في النكاح فنكح، هل يجوز أم لا؟
نظر: إن لم يكن محتاجًا إليه لا يجوز؛ لأن فيه إتلاف ماله فيما لا نظر له فيه.
وإن كان محتاجًا إليه لشهوة، أو يحتاج إلى ذات محرم تتولى خدمته يجوز.
ولا يكتفي بقوله في حاجته؛ حتى يعرف ذلك من طبعه؛ لأنه قد يزيد به إفساد المال.
ولا يجوز أن يزوجه أكثر من امرأة واحدة؛ لأن الحاجة تنسد بواحدة؛ بخلاف الصبي يجوز للأب أن يقبل له نكاح أربع؛ لأن تزويجه لا يتوقف على الحاجة، بل المُراعى فيه النظر، وقد يكون النظر والغبطة له في جمعهن.
ثم إذا قبل الولي للسفيه النكاح بإذنه، فإن قبل بمهر المثل، أو أقل - ثبت، وإن قبل بأكثر - فالنكاح صحيح؛ على الصحيح من المذهب، والفضل مردود.
وكذلك لو قبل النكاح لابنه الصغير، أو للمجنون بأكثر من مهر المثل صح؛ على الصحيح، ورُدَّ الفضل، وإن أذن الولي للسفيه بالنكاح فنكح، جاز؛ لأنه أهلٌ للقبول
[ ٥ / ٢٦٥ ]
بالنكاح؛ كما أنه أهل للطلاق، سواء قال: انكح من شئت، أو عين امرأة، أو سمي، وقال: تزوج منهن؛ كما لو أذن لعبد في النكاح.
وقيل: يجب أن يعين امرأة؛ أو يسمى المهر، بخلاف العبد؛ لأن الحجر على العبد لحق السيد، فإذا أطلق الإذن فقد بخس حق نفسه، والحجر على السفيه لحق نفسه، ولا يجوز للولي أن بخس بحقه، والأول المذهب.
ثم إن أذن مطلقًا فتزوج امرأة بمهر المثل أو أقلن صح، ولزم المُسمى.
وإن نكح بأكثر فالنكاح صحيح بمهر المثل، والفضل مردود، وكذلك إن سمى امرأة ولم يسم مهرًا، فنكحها بمهر المثل ثبت.
وإن نكح بأكثر رُدَّ الفضل.
وإن نكح غير من سمى قال الشيخ: لا يصح النكاح.
ولو سمي الولي المهر، ولم يسم المرأة، وقال: انكح امرأة بألف فنكح بألف، نظر إن كان مهر مثلها ألفًا فأكثر، صح النكاح، ولزم المسمى، وإن كان مهر مثلها أقل من ألف، صح النكاح بمهر المثل [والفضل مردود.
وإن نكح امرأة بألفين نُظر: إن كان مهر مثلها ألفًا أو أقل، صح النكاح بمهر المثل].
وإن كان مهر مثلها أكثر من الألف لا يصح النكاح؛ لأن الولي لم يأذن بأكثر من الألف، والمرأة لا ترضى بدون مهر المثل، فلا وجه إلا الرد.
ولو عين امرأة، وسمى المهر وقال: انكح فلانة بألف. قال الشيخ ﵀: إن لم يكن مهر مثلها ألفًا لم يصح الإذن، وإن كان ألفًا فنكح بألف أو أقل صح، وإن نكح بأكثر فالفضل مردود، وإن كان مهر مثلها أكثر من ألف، فإن نكحها بألف صح، وإن نكح بأكثر لا يصح النكاح؛ كما ذكرنا.
ولو نكح السفيه بغير إذن الولي فباطل، ويُفرق بينهما، فإن دخل بها قبل التفرق، فلا حد عليه، وهل يجب المهر؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو الأصح: لا يجب؛ كما لا يجب عليه دين المعاملة.
والثاني: يجب؛ لأنه أتلف البُضع؛ كما لو أتلف مال إنسان يلزمه الضمان.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
وقيل: إن لم نوجب المهر، يجب أقل ما يُستباح به البُضع؛ ليقع التمييز بينه وبين السفاح، وليس بصحيح.
ولو طالب السفيه الولي بالتزويج عند الحاجة، يجب على الولي الإجابة، فلو لم يفعل فتزوج بغير إذنه- فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه محجور عليه.
والثاني: يصح؛ لأنه حق ثبت له على الولي، فإذا تعذر استيفاؤه منه فعل بنفسه؛ كما أن رب الدين يستوفي الدين من مال الجاحد.
ولو أقر السفيه على نفسه بالنكاح لا يصح؛ لأنه ليس ممن يُباشر بنفسه، أما المحجور عليه بالفلس لو تزوج جاز، وليس له أن ينفق من المال الذي في يده، بل مما يكسب.
والعبد إذا نكح بغير إذن المولى لا يصح نكاحه، فإن أذن له مولاه فنكح صح، سواء كان المولى رجلًا أو امرأة؛ لأن العبد من أهل قبول النكاح وامتناعه لكونه مملوكًا، فإذا أذن المالك صح.
ولو أجبره المولى على النكاح- وهو بالغٌ- ففيه قولان.
قال في القديم، وهو قول أبي حنيفة - ﵀-: يصح؛ كما لو زوج أمته جبرًا صح.
وقال في الجديد- وهو الأصح-: لا يصح؛ لأن المُتصرف فيه وهو بضع العبد غير مملوك له، بدليل أنه لا يملك استيفاءه ولا بدل له بملك المولى، بخلاف الأمة فإن بُضعها مملوك له، بدليل أنه يملك استيفاء منفعته.
وإن لم يملك استيفاءه؛ بأن كانت الجارية محرمًا له، فيكون بدله له إذا وُطئت.
فإن جوزنا إجبار العبد على النكاح، فإن شاء السيد قبل عليه بغير إذنه، وإن شاء أكرهه حتى يقبل فيصح؛ لأنه غير مبطل فيه.
وإن قلنا: لا يجوز إجبار العبد البالغ على النكاح.
فإن كان العبد صغيرًا أو مجنونًا فقبل السيد له نكاح امرأة - فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كالعبد البالغ؛ لأن المتصرف فيه غير مملوك له.
والثاني: يجوز؛ لأنه غير مكلفٍ؛ ما يقبل النكاح لابنه الصغير، ولا يقبل البالغ.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
فإن قلنا: يجوز الإجبار، فلو زوج أمته من عبده الصغير، أو من عبده البالغ، فهل يتولى طرفي العقد؟
فيه وجهان، بناء على أن الجد إذا زوج إحدى نافلتيه من الأخرى، وتولى طرفي العقد هل يجوز؟ فيه وجهان.
وإن لم نجوز الإجبار فأذن العبد لمولاه في تزويجه، فزوجه أمته، وتولى طرفي العقد، لا يجوز، لأنه نائب، والنائب لا يتولى طرفي العقد؛ كالوكيل.
فإن قلنا: يتولى طرفي العقد، فعل يحتاج إلى لفظين؟ فيه وجهان.
ولو أقر المولى على عبده بالنكاح والعبد مُنكر، فإن قلنا: يملك إجباره على النكاح، يقبل إقراره عليه، وإلا فلا، وكذلك كل من يملك إجبار امرأة على النكاح؛ كالأب في حق البكر، والمولى في حق الأمة يقبل إقراره عليها.
ولو دعا العبد سيده إلى تزويجه، يستحب أن يُزوجه، وهل يجب؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب عليه تزويج أمته إذا طلبت، ولا يبع مملوكه إذا طلب.
والثاني: يجب تزويجه؛ كما يجبر المولى على تزويج المحجور عليه بالسفه إذا طلب، واحتاج إليه.
فإن قلنا: يجب تزويجه، فإن كان السيد محجورًا عليه بالسفه، يجب على وليه تزويج عبده إذا طلب.
وإن قلنا: لا يجب تزويجه، فلا يجوز لوليه تزويجه؛ لأنه لاحظ للسفيه فيه؛ كما لا يجوز تزويج عبد الصبي؛ لأنه يقطع مكاسبه وبعض منافعه عنه.
وحكم المُدبر والمعلق عتقه بالصفه حكم العبد القن.
فأما من بعضه حُرٌّ وبعضه رقيق لا يجوز للسيد إجباره على النكاح؛ لأن بعضه حر، ولا له أن ينكح دون إذن المولى؛ لأن بعضه مملوك، فإن أذن له فنكح جاز.
ولو أنه دعا السيد إلى تزويجه، هل يجب عليه الإجابة؟ حكمه حكم العبد القن.
وأما المُكاتب لا يجبره السيد على النكاح؛ لأنه خارج عن تصرفه، وليس له أن ينكح دون إذن المولى؛ لأن مِلكه عنه لم يزل.
ولو نكح بإذن المولى قيل: فيه قولان؛ بناء على جواز تبرعاته بإذن المولى؛ لأنه يحتاج إلى صرف مكاسبه إلى مؤن النكاح.
وقيل- وهو الأصح-: يصح قولًا واحدًا؛ لأنه يعطى المهر والنفقة من مكاسبه بمقابلةِ
[ ٥ / ٢٦٨ ]
عِوَضِ يصل إليه وهو البُضع، وفيه منفعة وعفافه؛ كما لو اشترى طعامًا فأكله، أو ثوبًا فلبسه، فلو طالب المكاتب مولاه بتزويجه، وقلنا: يصح تزويجه بإذنه، فهل يجب على المولى الإجابة؟ فيه قولان؛ كالعبد القن.
أصحهما: لا يجب.
وإذا أذن السيد لعبده في النكاح مطلقًا جاز، ثم إن شاء نكح حرة، أو أمة.
ولو نكح من بلدٍ آخر يجوز، ولن للسيد منعه من الخروج إليها.
ولو أذن له في نكاح امرأة بعينها فنكح غيرها، أو في نكاح حرة فنكح أمة، أو في نكاح أمة فنكح حُرة، أو في أن ينكح من بلد فنكح من بلد آخر - لم يصح؛ لأنه غير مأذون فيه.
وإن نكح العبد بإذن المولى، تعلق المهر والنفقة بكسبه؛ لأنه لما أذن له في النكاح يلزم به المهر والنفقة، فكأنه أذن له في صرف مكاسبه إليه.
ويتعلق بما يكتسب بعد النكاح من الأكساب العامة والنادرة جميعًا، ولا يتعلق بما اكتسب قبل النكاح، فعليه أن يصرف كل يوم كسبه إلى النفقة، فإن فضل شيء، فإلى المهر حتى يتم المهر، ثم بعده ما فضل عن النفقة لا يدخره، بل يدفعه إلى المولى. وإن كان لمهر مؤجلًا، فالمهر يتعلق بما يتكسبه بعد حلول الأجل، فإن نكح العبد بأكثر من مهر المثل، فقدر مهر المثل يتعلق بكسبه، والفضل يتعلق بذمته حتى يعتق، وكذلك لو قدر السيد له مهرًا فزاد عليه، تتعلق الزيادة بذمته.
ولو قال له: انكح بكم شئت، فنكح بأكثر من مهر المثل، يتعلق الكل بكسبه.
وهل للعبد أن يؤاجر نفسه للمهر والنفقة
فيه وهان؛ بناء على جواز بيع المؤاجرة.
وفيه قولان إن جوزنا جاز، وإلا فلا يجوز؛ لأنه يتضمن حجرًا على المولى في بيع رقبته.
وإذا نكح [العبد] بإذن السيد، [فلا يكون السيد] ضامنًا للمهر والنفقة، إلا أن يضمن صريحًا. وقال في القديم. المهر والنفقة على المولى، وهو الصحيح، فلا يطالب
[ ٥ / ٢٦٩ ]
به العبد، وإن أعتق أو أفلس السيد.
وإذا أبرأنا السيد برئًا جميعًا، والأول المذهب أنه في كسب العبد.
فإن لم يكن للعبد كسبٌ ففيه قولان:
أحدهما: في ذمة العبد حتى يعتق، لأنه دين لزمه برضا من له الدين؛ كما لو استقرض شيئًا يتعلق بذمته.
والثاني: على السيد؛ لأنه لما أذن له في النكاح مع أنه لا كسب له، فكأنه التزم المؤن، والمذهب الأول.
وكذلك إذا عجز العبدُ عن الكسب لمرض أو غيره، فلا شيء على السيد لامرأته، والمرأة بالخيار إن شاءت فسخت النكاح لإعساره، وإن شاءت أقامت معه وحقها في ذمته.
وإن كان العبد مأذونا في التجارة، فنكح بإذن المولى، فبماذا يتعلق المهر والنفقة؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحهما: يتعلق بجميع ما في يده من رأس المال والربح؛ سواء حصل قبل النكاح أو بعده؛ لأنه دين لزمه بعقد مأذون فيه كدين التجارة؛ وهذا لنه لما أذن له في النكاح فكأنه رضي بأدائه مما في يده.
والثاني: يتعلق بالربح دون رأس المال؛ لأن رأس المال لم يحصل بكسبه.
والثالث: يتعلق بربح حصل بعد النكاح، فإن لم يكن له ربح يفي به، فعلى السيد؛ لأنه مشغول بعمله، وماذا يجب عليه؟ فيه وجهان:
أصحهما: أقل الأمرين من أجر مثل عمله، أو كمال المهر والنفقة.
والثاني: كمال المهر، ونفقة تلك المدة، بناء على العبد الجاني إذا فداه المولى بماذا يفدي؟ فيه قولان:
أصحهما: بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته.
ولو نكح العبد بغير إذن المولى، فالنكاح باطل، ويفرق بينهما، فإن وطئها قبل التفريق لا حد عليه للشبهة، ويعزر، ويجب مهر المثل، وبماذا يتعلق؟ فيه قولان:
أصحهما: بذمته؛ لأنه وجب برضا من له الحق كدين المعاملة.
والثاني: يتعلق برقبته يُباع فيه كدين الإتلاف، هذا إذا نكح حُرة برضاها، أو أمة برضا مولاها. فإن نكح أمة دون إذن مولاها فوطئها: من أصحابنا من قال- وبه قال ابن الحداد ها
[ ٥ / ٢٧٠ ]
هنا-: يتعلق المهر برقبته قولًا واحدًا؛ لأنه لم يُوجد الرضا ممن له الحق، فكان كدين الإتلاف.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا؛ لأن المهر - وإن كان للسيد، ولم يوجد منه الرضا- فقد سقط ذلك بفعل الأمة، فإنها إذا ارتدت، أو أرضعت قبل الدخول سقط الصداق، فجاز أن تتأخر هاهنا وإن لم يرض السيد.
وإن أكره العبد أمةً على الزنا يتعلق [المهر برقبته].
وإذا أذن لعبده في النكاح، فنكح نكاحًا فاسدًا يُفرق بينهما، فإن وطئها قبل التفريق يجب المهر؛ وهل يتعلق المهر بكسبه؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ لوجود الإذن من المولى.
والثاني وهو الأصح-: لا يتعلق بكسبه؛ لأنه أذن له في عقد صحيح، فلا يتناول الفاسد، فعلى هذا يتعلق بذمته أو برقبته؟
فيه قولان؛ كما لو نكح بغير إذن المولى.
وقوله في باب نكاح العبد: يعطي من مالٍ إن كنا له مال فهو منقول عن القديم.
وفي القديم: يملك العبد بالتمليك، وإن أذن لعبده في النكاح فنكح وطلق، ليس له أن ينكح أخرى إلا بإذن جديد؛ لأن إذنه الأول يتناول نكاحًا واحدًا، فإن نكح فاسدًا، فهل له أن ينكح أخرى بالإذن الأول؟
فيه وجهان؛ بناء على أن إذنه هل يتناول الفاسد؟
إن قلنا: لا يتناول، له أن ينكح.
وإن قلنا: يتناول، فلا ينكح إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن الأول قد ارتفع بالنكاح الفاسد.
وإذا نكح العبد بإذن المولى، فللمولى أن يستخدمه بالنهار، ويُخلي بينه وبين زوجته بالليل، وإنما يستخدمه إذا ضمن حق المرأة من المهر والنفقة.
فإن لم يضمن عليه أن يرسله بالنهار؛ ليكتسب النفقة، وبالليل للاستمتاع.
وكذلك له أن يُسافر بالعبد، وإن كان فيه منعه عنها بالليل؛ لأنه مالك رقبته؛ ما لو زوج أمته لم يملك منع زوجها من الاستمتاع بها، وله أن يُسافر بها. وإن كان في ضمنه المنع.
[ ٥ / ٢٧١ ]
ثم إن سافر المولى [بالعبد] فللعبد أن يُسافر بامرأته معه، وكراء مركبها في كسبه.
فإن طلب العبد زوجته أن تخرج معه ولم تخرج، أو كانت أمة فمنعها سيدها - لا نفقة لها؛ كما لو نشزت.
وإن لم يطلبها بالخروج معه، فلا يسقط حقها باستعمال العبد في حقه، والسيد ضامن لحقها، فعليه أقل الأمرين من أجر مثل المدة التي يشغله، أو كمال المهر، ونفقة تلك المدة؛ على أصح الوجهين.
والثاني: عليه مال المهر، والنفقة لتلك المدة.
فصل فيما لو ملك أحد الزوجين صاحبه
إذا ملك أحد الزوجين صاحبه بأي سبب كان ينفسخ النكاح؛ لأن الزوج إن ملك زوجته، فقد ملك بُضعها بأقوى الملكين، وهو ملك اليمين، فيرتفع الأضعف.
وإن ملكت المرأة زوجها، فلو أبقينا ملك النكاح مع ملك اليمين لتناقضت الأحكام؛ لأنها تطالبه بنفقة النكاح، وهو يطالبها بنفقة ملك اليمين، وهو يقول: أنا أسافر بك إلى بلد كذا، لأنك زوجتي، وهي تقول: أخرج إلى بلد كذا؛ لأنك عبدي، ومتى دعاها إلى فراشه لحق الزوجية، لها أن تبعثه في شغلها لحق الملك، فلم يمكن الجمع بينهما فأثبتنا الأقوى؛ وهو ملك اليمين؛ لأنه يملك به الرقبة والمنفعة جميعًا، فأبطلنا الأضعف، وهو ملك النكاح؛ لأنه لا يُملك به إلا نوع مخصوص من المنفعة.
ثم إن اشترى الزوج زوجته بعد الدخول، فعليه المهر للبائع، وإن اشترت المرأة زوجها بعد الدخول، وقد ملكته ولها عليه المهر، فهل يسقط بالملك؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط؛ لأن المولى لا يثبت له على عبده دين ابتداء وكذلك لا يدوم.
والثاني - وهو الأصح-: لا يسقط، بل يكون في ذمته، لأن الدوام أقوى من الابتداء؛ كما أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح، ولا ترفع دوامه.
أما إذا ملك أحدهما صاحبه قبل الدخول - نظر: عن ملكت المرأة زوجها، فلا مهر لها؛ لأن سبب الفسخ من قبلها، وإن ملكها الزوج، نص على أنه يجب لها نصف المهر، ونص فيما إذا كانت مفوضة، فملكها الزوج لا مُتعة لها، فقد قيل: فيهما قولان.
والصحيح من المذهب: الفرق بينهما، وهو أنه يجب نصف المهر للبائع إذا كان في
[ ٥ / ٢٧٢ ]
العقد مسمى، لأن المهر وجب بالعقد، والعقد كان في ملك البائع، فوجب له نصف المهر، وفي التفويض لا تجب المتعة؛ لأنها تجب حيث تجب بالفراق، والفراق كان في ملك المشتري هاهنا، فلو أوجبنا لوجب له على نفسه، ألا ترى أنه لو باعها من غير الزوج، ثم طلقها الزوج قبل الدخول- يجب نصف المهر للبائع، وإن كانت مفوضة تجب المُتعة للمشتري.
ولم نكح رجل جارية للأب، أو جارية للأخ، ثم مات المالك قبل الدخول، وملكها الزوج بالإرث - انفسخ النكاح.
قال ابن الحداد: ولا صداق لها، وإن كان الأب قد أخذ واستنفق يسترد من التركة؛ لأنه لا صُنع من جهته في الفسخ.
وأصحابنا قالوا: يجب عليه نصف الصداق؛ لأن الفسخ لم يكن من قبلها، كما لو وطيء أب الزوج أو ابنه زوجته قبل الدخول بالشبهة - يرتفع النكاح، ويجب على الزوج نصف الصداق، وكما لو أرضعت الزوجة الكبيرة الصغيرة ينسخ النكاح، ويجب للصغيرة نصف الصداق؛ لأنه لا صُنع من قبلها في الفسخ، وإن لم يكن من الزوج صُنعٌ.
ومن نصفه حرٌّ ونصفه رقيق إذا اشترى زوجته نظر؛ إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، فاشتراها بمال من كسبه بإذن سيده، ملك نصفها، وبطل النكاح.
وإن فعل بغير إذن سيده لم يصح في نصيب سيده، وفي نصيبه قولًا تفريق الصفقة.
فإن صححنا في نصيبه، بطل النكاح، وإلا فلا.
وإن كان بينه وبين السيد مهايأة، فإن اشترى في يوم نفسه بخالص ماله، صح وبطل النكاح.
وإن اشترى في يوم سيده بما خلص لسيده بإذنه، صح النكاح بحاله، وكذلك الأمة التي نصفها حر إذا اشترت زوجها.
ولو نكح العبد بإذن سيده بألف، وضمن عنه السيد تلك الألف لها- جاز؛ لأنه ضمان حق واجب، ثم إن لم يكن للعبد كسبٌ، فلها مطالبة السيد به، وإن كان له كسب، فلها مطالبة أيهما شاءت.
فلو باعه السيد من زوجته بألفٍ، نظر إن كانت الزوجة أمة، فاشترته بإذن مولاها، أو كانت مأذونة في التجارة فاشترته - صح الشراء والنكاح بحاله؛ لأن الملك يقع للمولى؛ سواء كان قبل الدخول أو بعده، وسواء باع بألف الصداق، أو بألفٍ أخرى، غير أنه إذا باع بألف الصداق سقط الضمان عن المولى.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
قال الشيخ -﵀-: ويُسقط عن العبد أيضًا؛ لان الضامن إذا أدى الدين برئت ذمة المضمون عنه عن حق المضمون له، ولا رجوع للمولى على العبد؛ ما لو ضمن عن عبده دينًا، فأدى في حال رقه قال ﵁: وإن باعه بألف مطلقًا، هل يسقط الصداق عن الزوج؛ لأنه صار ملكًا لمستحق الصداق، وهو مالك الأمة؟
فيه وجهان:
فإن قلنا: يسقط يبرأ البائع عن الضمان؛ لبراءة الأصل، وعلى المشتري الثمن.
فإن قلنا: لا يسقط، فلسيد الأمة على البائع ألف الضمان، وللبائع عليه ألف الثمن، فيتقاصان.
قال ﵀: فإذا تقاصا، سقط حق المشتري عن ذمة العبد؛ لأنه استوفى حقه من البائع بهذا التقاص، ويصير كما لو ضمن عن عبده دينًا، ثم أدى عنه بعد بيعه، فلا رُجوع له.
فأما إذا كانت الزوجة حُرة باعه السيد منها؛ نُظر: إن باعه بغير ألف الصداق، أو بألف مطلقًا - صح البيع، وانفسخ النكاح، ثم إن كان قبل الدخول، سقط صداقها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، ويجب عليها الثمن، ويبرأ السيد عن الضمان بسقوط الصداق عن العبد، وإن كان بعد الدخول، ولا يسقط المهر بانفساخ النكاح، وهل يسقط بملكها الزوج؟ وجهان:
فإن قلنا: يسقط، يبرأ البائع عن الضمان، وعليها الثمن.
وإن قلنا: لا يسقط - وهو الأصح- فيتقاصان.
وإن باعه منها بألفٍ الصداق؛ نظر: إن كان قبل الدخول لا يصح البيع؛ لأنا لو صححنا البيع انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح سقط الصداق، وإذا سقط الصداق بطل الثمن، ولا يصح البيع بلا ثمن، ففي تصحيح البيع إبطاله؛ فلم يصح.
وكذلك لو دفع دينارًا إلى عبده؛ لينكح عليه امرأة، ففعل، ثم اشترت المرأة زوجها بعين ذلك الدينار قبل الدخول - لا يصح؛ لما ذكرناه.
وإن كان بعد الدخول باعه منها بألف الصداق -فالمذهب أن البيع صحيح؛ لأن المهر قد استقر بالدخول، فلا يسقط بانفساخ النكاح، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وهذا صحيح على المذهب الصحيح الذي يقول: إنه إذا كان له على عبد الغير دين، فملكه، لا يسقط.
أما إذا قلنا: يسقط، ففي صحة البيع وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الملك يُوجب
[ ٥ / ٢٧٤ ]
سقوط الصداق، وفي سقوط الصداق سقوط اليمين.
والثاني- وهو الأصح-: يصح، بخلاف ما قبل الدخول؛ لأن سقوط الصداق تم بانفساخ الناكح؛ بدليل أنه إذا كان مقبوضًا يجب رده، فإذا جعله ثمنًا لم يجز سقوط الصداق هاهنا ليس بانفساخ النكاح، بل بحدوث الملك في الرقبة؛ إذ لا يجوز أن يكون للمالك في رقبة عبده دين، بدليل أنه إذا مقبوضًا لا يجب رده.
وإذا جعل الصداق ثمنًا، صار كأنها استوفت الصداق قبل انبرام البيع، فحصل الملك، ولا شيء لها عليه.
وكيف يسقط؟
قال الشيخ﵀-: فإذا لم يكن السيد ضامنًا، فباعه بألف الصداق، لا يصح؛ لأنه يبيع العبد بما في كسبه.
وإذا نكح العبد بإذن المولى، ثم باعه المولى من أجنبي، ثم طلق العبد امرأته قبل الدخول فإن كان قبل أداء المهر، فنصف المهر لها في كسبه، وإن كان بعد الأداء يجب عليها رد نصف المهر.
ولمن يكون؟ فيه أوجه.
وكذلك إذا ارتدت قبل الدخول أو فسخ أحدهما النكاح بعيب وجد بصاحبه، أو عتقت واختارت الفسخ- فإلى من يعود كل الصداق؟ فيه أوجه:
أصحها - وهو قول أكثر الأصحاب-: يكون للمشتري؛ سواء أدى العبد ذلك قبل البيع أو بعده، أو أداه البائع من مال نفسه؛ لأنه ملك يحدث بالطلاق، والطلاق كان في ملك المشتري:
والثاني - قاله ابن الحداد -: إن أداه بعد البيع، فيكون للمشتري، وإن أدى قبل البيع، فللبائع؛ لأنه أداه من ملكه، وقد يكون للبائع بكل حالٍ؛ لأنه لزمه في ملكه، فإذا باعه، فكأنه استثنى لنفسه.
ولو أعتقه المولى، ثم طلقها قبل الدخول بها؛ فحيث قلنا في البيع: يعود إلى المشتري - ففي العتق يكون الزوج.
وإن قلنا في البيع: يعود إلى البائع، ففي العتق يكون للمولى.
والأصح: أنه للزوج.
[ ٥ / ٢٧٥ ]
وكذلك لو ضمن السيد المهر عن عبده، وأدى بعد عتقه لا يرجع بما أدى على العبد؛ لأن حكم الضمان سبق العتق.
ولو طلقها الزوج بعد العتق قبل الدخول، وقد أدى السيد المهر، فيجرع نصفه إلى الزوج؛ على الصحيح من المذهب، وصار كأنه ملكه، ثم أدى عنه.
وقيل: إلى المولى.
وقيل: إن أدى قبل عتق العبد يرجع إلى المولى، وإن أدى بعده، فإلى الزوج.
ولو أذن لعبده في أن ينكح، ويجعل لنفسه صداقًا ففعل، أو قبل له المولى بنكاح امرأة بإذنه، وجعل رقبته صداقًا - نظر: إن نكح حُرة لم يصح؛ لأن العقد والفسخ يقعان معًا.
وإن نكح أمة صح، صار الزوج ملكًا لمالك الأمة، ثم إذا طلقها قبل الدخول، أو ارتد، أو فسخ النكاح بعيب تكون رقبة العبد ملكًا لمالك الأمة- كما كان - على المذهب الصحيح الذي يقول في الصداق. يعود إلى المشتري.
فإن قلنا في البيع: يكون نصف الصداق للبائع، فهاهنا بالطلاق عاد نصف رقبة العبد إلى الأول، وبالردة والفسخ بالعيب، يعود جميع العبد إليه.
ولو قبل نكاح أمةٍ لعبده الصغير، وجوزنا؛ على أن تكون رقبة العبد صداقًا لها، ثم الأمة أرضعت الزوج- انسخ النكاح، والعبد لمالك الأمة لا يعود إلى السيد المُزوج؛ على الوجه الأصح.
وعلى الثاني: يعود إلى السيد المزوج.
ولو أعتق مالك الأمة العبد، ثم طلقها قبل الدخول - يجب على مالك الأمة نصف قيمة العبد.
وإن ارتدت، أو فسخ النكاح بعيب، فعليه جميع قيمة العبد، ويكون للزوج الذي عتق؛ لأنه ملك نفسه بالعتق؛ على الصحيح من المذهب الذي يقول: يعود نصف الصداق إلى المشتري في البيع، وعلى الآخر يكون للسيد الأول.
ولو باع مالك الأمة العبد، ثم طلقها قبل الدخول - فعلى الوجه الأصح: لا شيء عليه.
وعلى الوجه الآخر: يجب على مالك الأمة نصف قيمة العبد، وفي الردة والفسخ جميع القيمة للسيد المزوج؛ لأن العبد خرج عن ملكه، فيغرم قيمته.
[ ٥ / ٢٧٦ ]
ولو باع مال الأمة ثم طلقها العبد قبل الدخول - فعلى الوجه الأصح: العبد باقٍ على ملك بائع الأمة، وكذلك في الردة ولا شيء عليه.
وعلى الوجه الآخر: يعود نصف العبد في الطلاق، وفي الردة والفسخ كله إلى السيد المزوج.
فصل في عتق الأمة بشرط النكاح
رُوي عن أنس؛ أن النبي - ﷺ - أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.
إذا قال الرجل لأمته: أعتقتك على أن تنكحيني، أو على أن أنكحك، فلا تعتق؛ حتى تقبل في الحال؛ سواء قال: وعتقك صداقك، أو لم يقل.
وكذلك لو قالت الأمة ابتداء: أعتقني على أن أنكحك؛ سواء قالت: عتقي صداقي، أو لم تقل فقال: أعتقتك عتقت، ولا يجب عليها أن تنكحه، لأنه سلم في عقد؛ كما لو قال: أعطيتك ألفًا على أن تنكحيني لايصح، ولكنها عتقت للشرط. وتجب عليها قيمة رقبتها للمولى؛ لأنه لم يرض بإعتاقها مجانًا، وهذا بخلاف ما لو قالت المرأة لعبدها: أعتقتك على أن تنكحني يعتق بلا قبول، ولا شيء عليه.
والفرق: أن بُضع العبد غير متقوم، فهي لم تشترط عليه شيئًا بل وعدت له وعدًا جميلًا؛ وهو أن تكون زوجة له؛ كما لو قال: أعتقتك على أن أعطيك ألفًا تعتق، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وبُضع الأمة متقوم، وقد شرط عليها النكاح، وهو عقدٌ لا يثبت في
[ ٥ / ٢٧٧ ]
الذمة، ففسد العوض، ولزمها قيمة الرقبة؛ كما لو أعتقها على عوضٍ فاسد، ويجب عليها للمولى قيمة رقبتها.
قال الأوزاعي [وابن أبي ليلى]: يجب على الأمة أن تنكحه؛ كما لو أعتقها على خياطة ثوبٍ، أو عمل معلوم، ويلزمها ذلك.
قلنا: الخياطة عمل، والعمل يثبت في الذمة، والنكاح عقدٌ، فلا يثبت في الذمة، فالعتق على النكاح؛ كالمسلم فيه.
ولو أسلم رجل دراهم إلى امرأة ليتزوجها، لم يَجُز ذلك، كذلك هذا.
وقال أحمد: إذا أعتقها على أن تنكحه، تعتق، وتصير زوجة له؛ لحديث صفية، ولا حجة له فيه؛ لأن النبي - ﷺ - أعتقها بلا شرط، ثم تزوجها بعد، وكان مخصوصًا بأن يجعل العتق الماضي صداقًا كما كان يجوز له أن ينكح بلا مهر.
فإذا أعتقها على أن تنكحه، ورغبت فيه، فلا يجب ذلك على السيد، وله طلب القيمة، فإن رغبت فيه، فلا يجب ذلك على السيد، وله طلب القيمة، فإن رغبت ونكحها، أو جعل القيمة التي له عليها صداقًا - صح النكاح.
ثم إن كانا عالمين حالة النكاح بقدر قيمتها، سقط عنها القيمة، وإن كانا جاهلين [أو أحدهما]، فسدت التسمية، ولها عليه مهر المثل، وله عليها القيمة.
ولو نكحها وجعل الصداق صداقًا لها، صح النكاح، ولها مهر المثل؛ لأن العتق الماضي لا يمكن أن يُجعل صداقًا؛ لأنه سبق النكاح والصداق ما يلزمه بالعقد؛ كما لو نكحهاعلى أن يُعتق عبده عن كفارتها لا يصح المسمى؛ لأنه لا يلزم الإعتاق بنفس العقد.
وقال ابن خيران: الحيلة في أن يلزمها أن تنكحه وإن لم تنكح لا يعتق- أن يقول لها: إن كان في علم الله أني إذا أعتقتك أنكحك أو تنكحيني - فأنت حرة. فإذا نكحته علمنا أنها حرة باللفظ، وإن لم تنكح علمنا أنها لم تعتق لعدم الشرط.
والمذهب: أن هذا لا يصح، فلا يحصل به العتق، ولا يصح النكاح؛ لأنه شاك حالة النكاح أنها حرة أو أمة؛ كما لو قال لأمته: إن دخلت الدار فأنت حرة قبله بشهر، ثم أراد أن ينكحها في الحال لا يجوز، وكما لو بُشر بمولود فقال لجليسه: إن كان أنثى فقد زوجتكها فقبل، فبان [أنها] أنثى - لم يصح.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
وإذا لم يصح النكاح الذي هو شرط، لم يحصل العتق. وحكم المدبرة، وأم الولد، والمكاتبة، والمعتق بعضها حكم القنة في الإعتاق على أن تنكحه.
ولو قال لرجل: اعتق عبدك، أو أمتك عنك؛ على أن أنكحك ابنتي؛ ففعل - عتق، ولا يجب على السائل تزويج ابنته منه.
وهل يجب عليه قيمة العبد؟ فيه وجهان؛ كما لو قال: اعتق عبدك عنك، ولك عليَّ ألفٌ، ففعل - عتق، وهل يستحق الألف؟ فيه وجهان.
الأصح: أنه لا يستحق؛ لأنه لا يقع للقائل، بل يعود إليه. والله أعلم.
باب اجتماع الولاة
رُوي عن عمر - ﵁ - أنه قال: لا تُنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذوي الرأي من أهلها، أو السلطان.
ولاية النكاح تثبت لعصبات النسب، ولعصبات الولاء، وللسلطان، فيقدم عصبات النسب، ثم عصبات الولاء، فإن لم يكن أحد منهم فالسلطان يزوج.
وإذا اجتمع أولياء بعضهم أقرب من بعض، فلا يصح تزويج الأبعد مع وجود الأقرب، والأقرب لا يحتاج في التزويج إلى إذن الأبعد. وترتيب عصبات النسب في التزويج كترتيبهم في الميراث، إلا في ثلاث مسائل:
إحداها: أن الابن عصبة في الميراث، وليس له ولاية تزويج الأم بحق البنوة، إلا أن يكون ابن ابن عم الأم، أو مُعتقًا لها، أو قاضيًا، وليس لها ولي أقرب، فحينئذ يُزوج الابن ببنوة العم، أو بالولاء، أو بالقضاء.
وإن كان ابنها ابن أخيها، أو ابن عمها، ويكون ذلك في أنساب المجوس، أو بالوطء، بالشبهة فله أن يزوجها به.
وقال أبو حنيفة: للابن التزويج بحق البنوة، وهو أولى من الأب.
قلنا: ولاية التزويج تثبت لعصبات النسب، لدفع العار عن النسب، ولا مشاركة بين الأم والابن في النسب، فلا يثبت له ولاية التزويج؛ كالخال.
وإن كان بينهما مشاركة في النسب ببنوة العم؛ كما ذكرنا - فحينئذ تثبت.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
والمسألة الثانية: هي أن الجد مع الأخ يشتركان في الميراث، وفي النكاح: الجد وإن عملًا أولى بالتزويج من الأخ؛ لأن طريقه طريق الولاية المحضة، والأخ لا ولاية له في مال الأخت بحال، والجد له ولاية التزويج، والمال جميعًا؛ فيرجح جانبه.
والثالثة: هي أن الأخ [للأب والأم] أولى في الميراث من الأخ للأب، وفي النكاح قولان: أصحهما وهو قوله الجديد، ومذهب أبي حنيفة - رحمة الله عليه - الأخ [للأب والأم] أولى؛ كما في الميراث.
وقال في القديم: هما سواء؛ لأن أخوة الأم لا أثر لها في ولاية التزويج، فلا يقع بها الترجيح، وأخوة الأم يثبت بها الميراث، فجاز أن يقع بها الترجيح، وهذا لا يصح، لأن العم للأبوين يُقدم في الميراث على العم للأب، وإن كان لا يورث بعمومة الأم، وكذلك في ميراث الولاء الأخ [للأب والأم] أولى من الأخ للأب، وإن كان الأخ للأم لا يرث بالولاء.
وكذلك القولان في ابني أخ، أو في عمين، أحدهما: لأب وأم، والآخر، لأبن وفي أثبتهما أصحهما: أن الذي هو [لأب وأم] أولى؛ وكذلك لو كان لها ابنا عم، أحدهما: أخوها ولأمها أو ابنا عم: أحدهما: ابنها، أو ابنا معتق: أحدهما: ابنها ففي الجديد يقدم الابن والأخ وفي القديم، هما سواء.
ولو كان لها ابنا عم أحدهما: [لأب وأم] والآخر: لأب ولكنه أخوها- ففي الجديد: الذي هو أخ لأم أولى؛ لأنه يدلي بالأم، وصاحبه بالجد؛ وكذلك ابنا عم: احدهما: ابنها والآخر: أخوها لأمها- فالي هو ابن أولى، لأن الابن أقرب من الأخ.
وفي القديم: هما سواء، ولا ولاية لأب الأم، ولا لأب أم الأب، ولا لوصي الأب، لأنه لا مشاركة بينهم وبينها في النسب، فإن لم يكن أحد، من عصبات النسب وعليها ولاء، فولاية التزويج للمعتق إن كان رجلًا ثم لعصبات المعتق، ثم لمعتق المعتق، ثم لعصباته كترتيبهم في الميراث سواء؛ وترتيب عصبات الولاء في التزويج تكرتيب عصبات النسب، إلا في ثلاث مسائل:
إحداها: ابن المعتق تثبت له الولاية، ولا تثبت لابن النسب.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
الثانية: أن في النسب الجد أولى من الأخ، وفي الولاء، قولان؛ كالميراث:
أحدهما: سواء.
والثاني: الأخ أولى.
الثالثة: أن في النسب الأخ [للأب والأم] مع الأخ للأب فيه قولان، وفي الولاء الذي هو [للأب والأم] أولى قولًا واحدًا.
وقيل: فيه أيضًا قولان؛ كالسب.
فأما إذا كان المعتق امرأة، فلا ولاية لها على المعتقة.
وقال صاحب "التلخيص": لا ولاية أيضًا لأولياء المعتقة، بل يزوجها السلطان. والمذهب: أن الولاية على المعتقة لمن تزوج المعتقة ما دامت المعتقة حية، لأن الولاء بمنزل الملك؛ ألا ترى أنه لا يُسترق معتق المسلم؛ كما لا يغنم عبده.
ثم قيل: الاعتاق يزوجها ولي السيد، كذلك بعد الاعتاق.
ويشترط رضا المعتقة، ولا يشترط رضا المعتقة.
وقيل: يشترط إذنها؛ وليس بصحيح؛ ولا ولاية لابن المعتقة ما دامت هي حية؛ لأنه لا يزوج المعتقة إنما الولاية لأبيها وجدها وسائر أوليائها، فإذا ما تشاء المعتقة تثبت الولاية لابن المعتقة، ويتقدم على ابنها وسائر عصباتها، ثم يُراعى فيه ترتيب عصبات الولاء؛ لأن التزويج في حياة المعتقة بالنيابة عنها؛ لولائها عليها، كما تزوجها في حال رقها، لملكها عليها، فإذا ماتت صار الولاء إلى العصبة، فيزوجها من هو أحق بالولاء.
أما من نصفها حُر ونصفها رقيق، فيزوجها مالك نصفها مع ولي لها من جهة النسب، إن كان برضاها، فإن لم يكن لها ولي نسب، فيزوجها مال نصفها مع معتق النصف أو عصباته، وإن كان المعتق امرأة، فمالك النصف مع ولي معتقة النصف.
فصل في اجتماع الأولياء
إذا اجتمع لامرأة أولياء في درجة واحدة، كالإخوة أو الأعمام أو بنيهم - فالمستحب. أن يزوجها أفقههم وأورعهم وأسنهم برضا الباقين، لأن الأسن أكثر تجربة، والأورع أحرص على طلب الحق، والأفقه أعلم بشرائط النكاح.
فإن زجها أدناهم برضاها من كفءٍ، صح، ولا اعتراض للباقين؛ بخلاف ما لو ثبت القصاص لجماعة، لا ينفرد واحد بالاستيفاء، لأن مبنى القصاص على الدرء والسقوط،
[ ٥ / ٢٨١ ]
بدليل أن واحدًا لو عفا سقط، ولا استيفاء للباقين، ومبنى النكاح على اللزوم، بدليل أن واحدًا لو عضل، فللباقين التزويج فلو اشتجر الأولياء، نظر: - إن قال كل واحد: أنا لا أزوج، وكل واحد كفءٌ خاطب فالاختيار إلى المرأة، فإن اختارت أحدهما زوجها منه من رضي به من الأولياء، فإن رضيت بهما جميعًا، فإن السلطان ينظر في الأصلح منهما؛ فيزوجها.
أما إذا قال كل واحد منهم: أنا أزوج، والخاطب واحد، فليس هذا بعضلٍ، ويُقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة زوجها، ولا يحتاج على رضا الباقين، بخلاف ما لو ثبت القصاص لجماعة، فأقرع بينهم لا يستوفيه من خرجت له القرعة إلا برضا الباقين، للفرق الذي ذكرناه فلو بادر غير من خرجت له القرعة، فزوجها برضاها، فالمذهب الصحيح: أن العقد يصح؛ لأن القرعة، لقطع المشاجرة، لا لسلب الولاية.
وقيل: لا يصح؛ لأن في تصحيحه إبطال حكم القرعة، هذا إذا أذنت لكل واحد منهما فزوجها، فإن أذنت لواحد منهما فزوجها الآخر، لايصح.
ولو زوجها واحد منهم برضاها من غير كفءٍ، نظر: إن زوجها برضا الباقين، يصح وإن زوجها دون رضا الباقين ففيه قولان:
أصحهما: لا ينعقد؛ لأن الكفاءة حق للكل، وقد بخس حق الباقين.
والثاني: ينعقد، ويثبت للآخرين حق الاعتراض والرد؛ لأن العقد صدر ممن له الولاية، وللآخرين حق في الكفاءة؛ فثبت لهم الرد، وعند أبي حنيفة، يلزم العقد، ولا اعتراض للباقين.
قلنا: الأولياء لهم حق في كفاءة الزوج؛ فلا يجوز [تفويت حقهم]، عليهم، فنقول: كل ولي لو طُولب بالتزويج من غير كفء له الامتناع، وإذا زوجت دون رضاه من غير كفءٍ، له الاعتراض؛ كالأبعد يزوج مع وجود الأقرب، كان للأقرب حق الاعتراض عليه.
ولو زوجها واحد برضاها ورضا الباقين من غير كفءٍ، فاختلعت نفسها، ثم زوجها واحد منهم من ذلك الرجل برضاها دون رضا الباقين، ففيه وجهان:
أحدهما: [يصح، ولزم العقد]، لأنهم قد رضوا به أو لمرة.
والثاني: هذا عقد جديد يعتبر فيه رضا جديد.
وعلى الوجهين: إن أبوا فلهم ذلك؛ فلو زوجها واحد منهم برضاها من كفءٍ بأقل من
[ ٥ / ٢٨٢ ]
مهر المثل- لا اعتراض للباقين؛ لأن المهر حقها.
وأما إذا كان الأولياء من جهة الولاء؛ نظر: إن كان المعتق واحدًا، وقد مات عن بنين أو إخوة، فهم كأولياء النسب لو زوجها واحد منهم برضاها من كفءٍ دون رضا الباقين صح ولزم.
ولو مات أحد ابني المعتق، زوجها الابن الآخر دون سائر العصبات.
وإن كان قد أعتقها جماعة، فيشترط رضا جميعهم في صحة النكاح، لأن الولاية تثبت لهم بولاء صدر عن الملك، والملك كان لجميعهم، ولم يكن ينفرد واحد منهم بتزويجها قبل العتق، وكذلك بعد العتق، فلو مات أحد المعتقين عن اثنين، أو عن أخوين؛ فزوجها أحد ابنيه، أو أحد أخويه مع المعتق الآخر، جاز.
ولو مات المعتقان جميعًا، ولكل واحد ابنان، فزوجها أحدُ ابني هذا مع أحد ابني ذاك جاز. وإن لم يكن لأحدهما عصبة، زوجها السلطان مع أحد ابني الآخر.
فصل فيما يُوجب نقل الولاية
لا ولاية لأبعد العصبات مع وجود الأقرب، فإن كان الأقرب صغيرًا أو رقيقًا، أو مجنونا ًجنونًا مطبقًا، أو شيخًا مفندًا أو محجورًا عليه بالسفه أو اختلط عقله، بحيث لا يعرف مواضع الحظ، أو به ألم شديد شغله عن النظر، أو كان - فاسقًا وقلنا: لا ولاية للفاسق - أو كان أعمى - وقلنا: لا يكون وليًا- يزوجها الولي الأبعد.
فإن حسُنت حالة الأقرب كان التزويج إليه.
فلو زوج الأبعد [بعد] ما أفاق المجنون، وتاب الفاسق، ولم يعلم بحسن حال الأقرب، ففي صحة النكاح وجهان؛ بناء على الوكيل بالبيع إذا باع بعد ما عُزل ولم يعلم هل يصح البيع؟ قولان:
الأصح: أنه لا يصح.
وإن كان الأقرب يُجن يومًا ويفيق يومًا - لا يزوج حتى يفيق الولي؛ فيزوج، أو يُوكل بالتزويج.
ويشترط بقاؤه مفيقًا؛ حتى يفرغ الوكيل من العقد، وكذلك البنت البالغة إذا كانت تُجن يومًا، تفيق - لايجوز تزويجها، حتى تُفيق وتأذن، وتبقى على الإفاقة، حتى يفرغ الولي من العقد.
[ ٥ / ٢٨٣ ]
وقيل: هو كالجنون المُطبق لو زوجها الأبعد في يوم جنونها، جاز. وإن كان مُغمى عليه، ينتظر إفاقته، لأنه لا يدوم؛ كالنائم ينتظر انتباهه، والسكران، أو من شرب دواء أزال عقله، ينتظر إفاقته.
وإن كان الأقرب مُحرمًا فهو كما لو كان غائبًا؛ يزوجها السلطان.
وقيل: تزول به الولاية؛ فيزوجها الأبعد؛ كما لو جُنَّ.
وإن كان الأقرب غائبًا على مسافة القصر، زوجها السلطان؛ لأن الغائب على ولايته، بدليل أنه لو زوجها في الغيبة يجوز، والتزويج حق توجه عليه وقد تعذر الاستيفاء منه، فالسلطان ينوب فيه منابه.
وإن كان على أقل من مسافة القصر، لا يجوز لغيره تزويجها، بل يُكاتب حتى يحضر، فيزوج، أو يوكل بالتزويج وقيل: إن كان على مسافة لو خرج بُكرة لا يمكنه أن يأتي أهله ليلًا، زوجها السلطان والأول أصحُّ.
وقال أبو حنيفة: إن غاب غيبة منقطعة، زوجها الأبعد.
قلنا: الغيبة لا تخرجه عن الولاية، فلا تنقل الولاية، كالعضل، والأولى أن يأمر السلطان الأبعد، حتى يزوج؛ للخروج عن الخلاف.
ولو عضل الولي الأقرب، زوجها السلطان لا الأبعد بالاتفاق، ولا يتحقق العضل حتى يمتنع بين يدي القاضي؛ وهو أن يحضر الخاطب ويطلب المرأة، فيأمره القاضي بالتزويج، فيقول: لا أفعل، أو يسكت - حينئذ يزوجها القاضي بإذنها.
ولو دعته إلى تزويجها من غير كفءٍ، له أن يمتنع، ولا يكون عاضلًا.
ولو قال الولي: إن الخاطب ليس بكفءٍ؛ فعلى المرأة إثبات الكفاءة.
ولو دعته إلى تزويجها من كفءٍ بأقل من مهر المثل - يجب التزويج، فإن امتنع كان عاضلًا؛ لأن المهر حقها، لا حق للأولياء فيه؛ بخلاف الكفاءة.
وعند أبي حنيفة نقص المهر كنقص الكفاءة، لا يجب على الولي أن يزوج بمهر ناقص؛ وبالاتفاق: لو رضيت ببخس خسيس من المهر تجب الإجابة.
وكل امرأة جعلنا تزويجها إلى السلطان يستحب أن يحضر أولياؤها الأباعد، ويستشيرهم في أمرها، ويقول: هل تنقمون شيئًا؟ لأنهم أحرص على التفحص عن الكفاءة، احفظ نسبهم، فإن لم يفعل وزوج صح.
ولا يُتصور انتقال الولاية إلى السلطان في حق الصغيرة؛ لأن طلبها فيه شرط، وحيث
[ ٥ / ٢٨٤ ]
قلنا: ينتقل إلى الأبعد، فإنما تنتقل إذا كانت المرأة ممن يجوز للأبعد تزويجها؛ حتى لو كان الأبعد أخًا، وهي صغيرة لا يجوز له تزويجها، وإن كان جدًا يجوز.
فصل في التوكيل في النكاح
رُوي أن النبي - ﷺ - تزوج أم حبيبة وكان وكيل النبي - ﷺ - عمرو بن أمية الضمري ويجوز التوكيل بالتزويج، وبقبول النكاح، ثم إنها يصح التوكيل ممن يملكه بنفسه؛ وإنما يصح توكيل من يكون من أهل مباشرة مثل ذلك العقد بنفسه، فلو وكل بالتزويج عبدًا، أو صبيًا، أو سفيهًا، أو امرأة - لا يجوز.
ولو وكل فاسقًا لا يجوز، على قولنا: إن الفاسق لا يكون وليًا.
ولو وكل فاسقًا، أو عبدًا، أو سفيهًا بقبول النكاح يجوز - وهل يحتاج إلى إذن السيد في توكيل العبد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى إذنه، كما لو وكل عبدًا بالبيع، لا يجوز إلا بإذن السيد.
والثاني: لا يحتاج إلى إذنه، كما لو وكله بتطليق زوجته، لا يحتاج إلى إذن المولى، بخلاف البيع والشراء، لأن العهدة في البيع والشراء تتعلق بالوكيل، وفي النكاح لا يتعلق بالوكيل عهدة.
قال الشيخ: وكذل لو وكل سفيهًا هل يحتاج إلى إذن الولي؟ وجهان:
ولو وكل السفيه أو العبد رجلًا بقبول النكاح له، يجوز بعد إذن الولي والمولى لهما بالنكاح، وقبل إذن الولي والمولى لهما في النكاح، لايجوز.
ولو وكل أخا المرأة، ليقبل له نكاح أخته من الأب، يجوز.
وإذا وكل الولي رجلًا بالتزويج، هل يحتاج إلى إذن المرأة، نظر: إن كان الولي ممن يجبر، فلا يحتاج إلى إذنها، وله التوكيل، وإن أبت المرأة، وإن كان ممن لا يجبر كغير الأب، والجد والأب والجد في حق الثيب - فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى إذنها، كالتوكيل لا يُوكل بغير إذن الموكل، حتى لو أطلقت الإذن له أن يزوج بنفسه، ولا يجوز أن يوكل.
والثاني- هو الأصح: لايحتاج إلى إذنها، لأن مُتصرف بالولاية، كالقيم والوصي، يوكلان من غير إذن.
ولا خلاف: أنها لو نهت عن التوكيل، لا يجوز أن يوكل.
ولو قالت: وكل بتزويجي فله أن يوكل، وهل يجوز له أن يزوج بنفسه؟ فيه وجهان:
[ ٥ / ٢٨٥ ]
أحدهما: لا، بل يوكل؛ كما لو قالت.
والثاني: يجوز، لأنها رضيت بالتزويج، فإذا جاز له التوكيل جاز أن يفعل بنفسه، فلو وكل قبل الاستئذان منها في التزويج، لا يجوز، لأنه لا يملك المباشرة بنفسه، فلا يملك التوكيل وقيل: يجوز؛ فيستأذن بعده الولي أو الوكيل للمولى عليها فيزوج؛ والأول المذهب.
ولو استأذن الوكيل لنفسه منها، لا يجوز.
وإذا وكل بالتزويج، لا يشترط ذكرُ المهر.
وله يشترط تعيين الزوج؟ فيه وجهان وكذلك الثيب إذا أذنت للولي في التزويج هل يشترط تعيين الزوج فيه وجهان:
أحدهما: لا يشترط، كما لا يشترط تعيين المشتري.
والثاني: يشترط؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الأزواج، ولا تختلف باختلاف المشتري، لأن المقصود منه حصول الثمن، ولا خلاف أن الولي إذا عين رجلًا؛ فزوجها الوكيل من غيره- لا يصح، وإن كان أكفأ ممن سماه، ولو وكل مطلقًا، وجوزنا، فزوجها من غير كفءٍ لا يصح؛ لأنه تصرف لا على وجه النظر.
وإن خطبها كفئان وأحدهما أكفأ فزوجها من الآخر - لا يصح.
ولو قال الولي: زوجها من زيد، فزوجها من وكيل زيد، فقبل له- جاز، لأن النكاح يحصل لزيد.
وبمثله في البيع لو قال: بع من زيد؛ فباع من وكيله- لا يصح.
وقال الشيخ -﵀-: ما لو حلف ألا ينكح؛ فقيل له وكيله - يحنث؛ ولو حلف؛ لا يشتري؛ فاشترى له وكيله، لايحنث؛ لأن النكاح لا تعلق له بالوكيل؛ بخلاف البيع.
ولو قال للوكيل: زوجها بألف؛ فزوجها بأقل -لا يصح؛ لأنه خالف المُوكل؛ كما لو قال: زوجها غدًا؛ فزوجها اليوم، أو قال: زوجها في المسجد؛ فزوجها في موضع آخر- لا يصح.
ولو وكله بالتزويج مطلقًا، فزوجها بلا مهر، أو زوجها مُطلقًا- ولم يُسم المهر، أو بمهر بخس - هل يصح أم لا؟ فيه قولان؛ كالأب يزوج البكر بلا مهر دون إذنها، هل يصح؟ فيه قولان:
أصحهما: يصح، ويجب مهر المثل.
[ ٥ / ٢٨٦ ]
والثاني: لايصح؛ لأنه بخس حقها.
وقيل هاهنا: لا يصح؛ بخلاف الأب؛ لأنه يُزوج بحكم الولاية، والوكيل يحكم بالنيابة؛ فإن قلنا: يصح؛ فيكمل مهر المثل، فإن رضيت المرأة مع الوكيل بالقدر الذي يسمى؛ وهي من أهل الرضا - صح بما سمى.
ولو قال الولي للوكيل: زوجها ممن شاءت، [بكم شاءت]؛ فزوجها برضاها من غير كفءٍ بدون مهر المثل -صح.
ولو وكل وكيلًا بقبول نكاح امرأة له؛ فقبل نكاح امرأة - قال الشيخ - ﵀-: إن كانت غير كفئة لا يصح، وإن [كان] قبل نكاح كفئةٍ بمهر المثل، أو بأقل - صح، وعلى الزوج المسمى، وإن قبل بأكثر من مهر المثل، أو بغير نقد البلد، أو بعين من أعيان مال الموكل، أو مال نفسه - فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح النكاح؛ كالوكيل بالبيع إذا باع بغير نقد البلد، أو بأقل من ثمن المثل.
والثاني: يصح؛ وبه قال أبو حنيفة، ويجب على الموكل مهر المثل من نقد البلد.
ولو سمي قدرًا فقبل بأكثر، لا يصح.
ولو قال: أقبل لي نكاح فلانة على عبدك هذا؛ فقبل عليه - صح النكاح؛ وهل تملك المرأة العبد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يجب على الزوج مهر المثل؛ لأن الصداق يكون على الزوج.
والثاني: تملك؛ ويكون ذلك قرضًا على الزوج أم هبة له؟ فيه وجهان.
ولا يكون قرضًا، ولا هبة للمرأة.
ولو كانت ابنته في نكاح [زوج] أو في عدة زوج؛ فوكل وكيلًا، وقال: زوج ابنتي إذا طلقها زوجها، أو: إذا انقضت عدتها - جاز التوكيل، كما لو قال: زوجها بعد سنة يجوز، ثم تزوجها بعد الطلاق، وانقضاء العدة.
ولو قال: إذا طلقها زوجها، فقد وكلتك بتزويجها، أو: إذا مضت سنة، فقد وكلتك - ففيه قولان:
أحدهما: يصح، كالأول.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
والثاني: لا؛ لأن الوكالة عقد؛ فلا يصح تعليقه؛ كالبيع والنكاح.
فصل
في تزويج المخالف في الدين
رُوي أن النبي - ﷺوكل عمرو بن أمية الضمري؛ حتى قبل له نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان من ابن عمها: خالد بن سعيد بن العاص؛ وهو مسلم، وأبوها أبو سفيان حي.
لا يجوز للكافر تزويج ابنته المسلمة؛ لقطع الله تعالى- الولاية بينهما، بل إن كان لها ولي أبعد مسلم بنسب، أو ولاء - يزوجها؛ كما زوج خالد بن سعيد بن العاص أم حبيبة - وأبو سفيان حي وهو كافر.
فإن لم يكن لها ولي مسلم، زوجها السلطان؛ وكذلك لا يجوز للمسلم تزويج ابنته الكافرة، بل يزوجها إن كانت كتابية لولي الأبعد الكافر؛ سواء زوجها من مسلم، أو من كافر.
فإن كان الكافر يرتكب في دينه محظور اعتقاده - فهو في التزويج؛ كالفاسق يزوجها بشهود مسلمين؛ سواء زوجها من مسلم، أو من كافر.
وقال أبو حنيفة: يجوز بشهادة ذميين؛ سواء زوجها من مسلم، أو من ذمي.
وقال محمد: إذا زوجها من مسلم، لا يجوز بشهادة أهل الذمة. وقال [الحليمي]: إن زُوجت الكتابية من مسلم، لا يجوز بولي كافرٍ، بل يزوجها حاكم المسلمين، وإنما يزوج القاضي الكافرة إذا كانت كتابية، ولا يجوز تزويج المجوسية والوثنية بحالٍ.
ولو كانت لمسلم أمة كتابية، أو لوليته المسلمة أمة كتابية - يجوز له تزويجها؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه يتصرف بالملك؛ كما يملك بيعها وإجارتها.
وقيل: لا يجوز؛ كما لا يجوز تزويج ابنته الكافرة [ومولاته الكافرة]. فإن جوزنا، فإنما يزوجها من أهل الكتاب؛ لأن الحُر المسلم لا يجوز له نكاح الأمة الكتابية.
وإن كانت الأمة مجوسية، أو وثنية، لا يجوز تزويجها لو كانت مرتدة.
وأما الكافر: لا يجوز له تزويج أمته المسلمة، أو أم ولده المسلمة، على ظاهر
[ ٥ / ٢٨٨ ]
المذهب؛ بخلاف المسلم يزوج أمته الكافرة؛ لأن المسلم له ولاية على الكافرة بالسلطنة؛ فكذلك بالملك، والكافر لا ولاية له على المسلمة بالسلطنة؛ فكذلك بالملك؛ ولأن المسلم يستمتع بالكافرة، والكافر لا يستمتع بالمسلمة.
ولو كانت لامرأة كافرة أمة مسلمة، أو كتابية، لا يجوز لوليها المسلم تزويج أمتها، لأنه لا يُزوج المالكة.
قال الشيخ﵀ - يجوز لوليها الكافر تزويج أمتها الكتابية بإذنها، ولا يجوز تزويج أمتها المسلمة.
ولو وكل مسلم كافرًا بتزويج ابنته المسلمة - لا يجوز، وكذلك لو وكله؛ ليقبل له نكاح مسلمة لا يجوز، ولو وكله؛ ليقبل له نكاح الكتابية يجوز.
فصل في تزويج الوليين
رُوي عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله - ﷺ- قال: "إذا نكح الوليان، فالنكاح للأول منهما".
[ ٥ / ٢٨٩ ]
إذا كان للمرأة أولياء في درجة واحدة؛ فأذنت لواحد في تزويجها؛ فزوجها غيره - لا يصح، ولو قالت: أذنت في فلان، فأي [ولاتي] شاء زوجني منه - فهو إذن منها، فأيهم انفرد بتزويجها منه صح. وإن اختلفوا يُقرع بينهم.
ولو قالت: رضيتُ بأن أزوج، فالمذهب: أنه كذلك.
وقيل: ليس بإذن، لأنها لم تأذن للولي.
فإن قلنا: هو إذن، فإن أذنت بعده لواحد بعينه، لا ينعزل الآخرون؛ كما لو أذنت لواحد، ثم أذنت لآخر، صح ولا يكون رجوعًا عن الأول.
ولو قالت: زوجوني، فهو إذن، فهل ينفرد فيه واحد؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأنه يشق اجتماعهم.
والثاني: لا؛ ما لو وكل بالبيع برجلين، لا ينفرد به أحدهما.
ولو قالت لأحد الوليين؛ زوجني من زيد، وقالت للآخر: زوجني من عمرو، فزوجها [كل واحد] ممن سمت له، أو قالت لكل واحد: زوجني ممن شئت؛ فزوج كل واحد من رجل آخر، أو وكل الأب رجلًا بتزويج ابنته، فزوجها الوكيل من رجُل، وزوجها الأب - من آخر ففيه خمس مسائل: أحدها: إذا سبق أحد الناكحين، وعُرفَ السابق، فالأول صحيح، والثاني باطل، سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل: فإن دخل يجب لها عليه مهر المثل، وعليها العدة.
وقال مالك - ﵀- إن دخل بها الثاني، فهو للثاني؛ والحديث حجة عليه.
وإنما يعرف [السابق بإقرار] أو بشهادة الشهود -[ولو شهد] وليان، أو الوكيل مع الولي لا يقبل لأنه يشهد على فعل نفسه.
قال الشيخ - ﵀ -: فإن شهد الوكيل؛ بأن نكاح هذا كان سابقًا، ولم يُضف إلى نفسه- جاز هذا، إذا شهد وكيل زيد لزيد؛ فإن شهد وكيل زيد بسبق نكاح عمرو، يقبل.
المسألة الثانية: إذا وقع النكاحان معًا، فهما باطلان.
[المسألة] الثالثة: أن يحتمل وقوعهما معًا، ويحتمل سبق أحدهما؛ بأن يقيم كل واحد بينة على أنه نكحها عند طلوع الشمس، فهما باطلان؛ والاحتياط هاهنا أن يقول الحاكم:
[ ٥ / ٢٩٠ ]
فسخت نكاح من سبق، أو يأمرهما الحاكم بالتطليق، أو يطلق أحدهما، ثم يُزوجها من الآخر.
فإذا فسخ القاضي، أو لم يفسخ، فلا نكاح بينهما في الظاهر، وفي الباطن وجهان:
أحدهما: لا يرتفع نكاح من سبق في الباطن؛ حتى لو ظهر بعد ذلك، تكون زوجة له، وإن زوجت من ثالث كان فاسدًا؛ كجمعتين وقعتا في بلد، واحتمل وقوعهما معًا؛ فأعادوا الجمعة، ثم بان سبق إحداهما- فعلى الطائفة الأخرى إعادة الظهر.
والثاني: يرتفع النكاح في الباطن؛ لأنه يقبل الفسخ، بخلاف الجمعة، حتى لو ظهر بعد ذلك سبق نكاح أحدهما، لا تكون زوجة له؛ وإن زوجت من ثالث، تكون زوجة للثالث.
المسألة الرابعة: إذا سبق أحد النكاحين، وعرف السابق منهما، ثم اشتبه - نوقف إلى أن يتبين؛ فلا يجوز لواحد منهما أن يقربها، ولا لثالث أن ينكحها ما لم يطلقاها.
[المسألة] الخامسة: إذا سبق أحدهما، ولم يُعرف السابق منهما - نص على أنهما باطلان؛ كما لو احتمل وقوعهما معًا؛ كالمتوارثين إذا غرقا فماتا، فلا فرق بين أن يحتمل موتهما معًا، وبين أن يسبق أحدهما ولا يعرف السابق في أنهما لا يتوارثان.
وخرج بعض أصحابنا قولًا من الجمعتين إذا أقيمتا في بلدٍ، وسبقتإحداهما، ولم تُعرف السابقة منهما، وفيهما قولان:
أحدهما: أنهم جميعًا يُعيدون الجمعة؛ كما لو احتمل وقوعهما معًا، واحتمل السبق.
وفيه قول آخر: أنهم جميعًا يُعيدون الظهر؛ كما لو عرفت السابقة، ثم اشتبه.
ومن أصحابنا من أنكر هذا التخريج، وحكم ببطلان النكاحين، بخلاف الجمعتين؛ لأن الجمعة لا يلحقها البطلان بعد الصحة، والنكاح يلحقه الفسخ؛ فحيث حكمنا ببطلان النكاحين، يفرق بينهما، ولا مهر [على واحد] منهما. فإن دخل بها أحدهما عليه، لها مهر المثل.
فلو ادعى كل واحد منهما أن نكاحي قد سبق؛ فأيهما أقام البينة، قضى له؛ وإن أقاما بينتين، أو لم يكن لواحد بينة- فلا تسمع دعوى أحد الزوجين على الآخر، بل الدعوى تكون على المرأة؛ لأن الحرة لا تحتوي عليها [اليد، فإن كانا مُقرين أنها لا تعلم؛ بأن كانت غائبة، فلا دعوى عليها وتوقف.
[ ٥ / ٢٩١ ]
وإن ادعيا عليها]، وأنكرت، حلفت أنها لا تعلم، ولا تسمع الدعوى مجهولة، وهو أن يقول: هي تعلم سبق أحد النكاحين، بل يدعي كل واحد منهما؛ أنها تعلم أن نكاحي سابق وتحلف هي يمينين؛ على دعوى كل واحد يمينًا، فإذا حلفت لأحدهما؛ أنها لا تعلم سبق نكاحه، لا يكون إقرارًا بسبق نكاح الآخر، بخلاف ما لو قالت لأحدهما: لم يسبق نكاحك، كان إقرارًا للآخر، وإنما حلفناها على العلم؛ لأن المُدعي يدعي علمها، ولأنه يمين توجهت عليهما في أمر فعله غيرها.
وقال الشيخ القفال - ﵀-: إذا حضر الزوجان معًا، وادعيا علمها، حلفت لهما يمينًا واحدة؛ أنها لا تعلم سبق أحد النكاحين؛ ولو أنها نكلت عن يمين العلم، فلا يحلفان على علمها، ويوقف.
ولو أنها أقرت لأحدهما، كانت منكوحة له؛ وهل تُسمع دعوى الثاني عليها، أم لا؟
فيه قولان؛ بناء على أنها لو أقرت للثاني بعد ما أقرت للأول، لا تكون منكوحة للثاني، وهل تغرم له المهر؟ فيه قولان؛ بناء على ما لو كانت في يده عين فقال: هذه لفلان لا بل لفلان - يسلم إلى الأول، وهل يُغرم قيمتها للثاني؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يغرم؛ لأن إقراره للثاني صادف ملك العين؛ فلم يصح.
والثاني: يغرم؛ لأنه أتلف بإقراره الأول حق الثاني.
فإن قلنا: يغرم، فتسمع دعوى الثاني عليها؛ رجاء أن يقر؛ فيغرم المهر للثاني.
وإن قلنا: لا يُغرم، فهل له تحليفها؟ فيه قولان؛ بناء على أن يمين المُدَّعِي بعد نكول المدعي عليه بمنزلة إقرار المدعي عليه، أم بمنزلة إقامة البينة من المدعي؟ فيه قولان.
فإن قلنا: بمنزلة الإقرار - وهو الأصح- لا تُسمع دعواه عليها؛ لأن غاية ما فيه أن يقر، أو ينكل عن اليمين؛ فيحلف المدعي؛ فيكون كالإقرار، ولا يجب به شيءٌ. وإن قلنا: كالبينة، له تحليفها؛ فإن حلفت تسقط دعوى الثاني، وإن نكلت ردت اليمين إلى الثاني، وإن نكل استقر النكاح للأول، وإن حلفت فقد قيل يحكم بالنكاح للثاني؛ كما لو أقام بينة؛ لأن البينة تقدم على الإقرار.
والصحيح من المذهب: أنها منكوحة للأول، وتُغرم للثاني المهر؛ لأن النكول ورد اليمين بمنزلة البينة في حق المتداعيين، لا في إبطال حق الأول؛ لأنه أضعف من البينة؛ فحيث قلنا: تغرم المهر، فكم تغرم؟ فيه قولان:
[ ٥ / ٢٩٢ ]
أحدهما: كمال المهر؛ لأنه قيمة البُضع.
والثاني: نصفه؛ بناء على شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول، كم يُغرمون؟ فيه قولان:
أحدهما: كمال مهر المثل.
والثاني: نصفه.
فصل في الولي يتزوج وليته
رُوي عن ابن عباس، أنه قال: لا نكاح إلا بأربع، خاطب، وولي، وشاهدين.
ويروي عن أبي هريرة مرفوعًا.
وإذا أراد الوليُّ أن يتزوج وليته، كابن [عم يريد أن يتزوج ابنة] عمه، والمعتق يتزوج مولاته لأنه إن لم يكن لها ولي أقرب منه لا يجوز له أن يزوجها من نفسه، فيتولى طرفي العقد، أذنت أو لم تأذن، ولا أن يوكل وكيلًا بتزويجها منه؛ لأن فعل وكيله كفعله، ولا لمن أبعد منه أن يُزوجها منه؛ لأنه لا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب، بل إن كان لها ولي آخر في درجته زوجها منه، وإن لم يكن زوجها القاضي منه.
ولو كان له ابنا عم؛ أحدهما [لأب وأم] والآخر: لأب، فإن أراد منهو لأب أن يتزوجها، زوجها من هو [لأب وأم] منه، وإن أراد الآخر الذي هو [لأب وأم] أن يتزوجها، فإن قلنا بقوله القديم: إنهما في الولاية سواء، زوجها الذي هو لأب منه.
وإن قلنا: الذي هو [لأب وأم] أولى بالولاية؛ فلا يزوجها الآخر منه، بل يُزوجها القاضي.
ثم هل يجوز للقاضي أن يزوجها منه بالإذن الذي حصل منها للخاطب في التزويج.
رأيت لبعض أصحابنا: أنها إن قالت للخاطب: زوجني من نفسك، فالقاضي يُزوج به، لأنها رضيت به.
وإن قالت: له زوجني ممن شئت، أو قالت: زوجني مطلقًا- فلابد من إذن جديد للقاضي، لأنها إذا قالت: زوجني من نفسك فقد رضيت بأن يزوجها الغير منه، لأنه لا يعقد لنفسه.
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وإذا لم تقل: من نفسك فقد أمرته بالوضع في غيره؛ فلا يكون إذنًا بالوضع فيه.
قال الشيخ: والذي عندي أن قولها: زوجني من نفسك ليس بإذن؛ لأنها خاطبته بالتزويج؛ فلا يصح تزويج غيره بدليل أنها لو أطلقت فقالت: زوجني، لا يجوز تزويج غيره وتزويجها من نفسه لا يصح؛ فلغا الإذن.
وقال أبو حنيفة: يجوز للولي تزويجها من نفسه، وكذلك الوكيل من الجانبين عنده يتولى طرفي العقد، والحديث حجة عليه، ولأن من كان زوجًا في النكاح لا يقوم بركن آخر فيه، كما لا يكون شاهدًا.
ولو أراد القاضي أن يتزوج امرأة لا ولي لها، لا يجوز أن يزوجها من نفسه، بل يستخلف من يزوجها منه، إن كان مأذونًا في الاستخلاف أو يرفع إلى الإمام أو يخرج إلى قاضي بلد آخر حتى يزوجها منه والإمام الأعظم إذا أراد أن يتزوج امرأة لا ولي لها فقد قيل: يجوز أن يزوجها من نفسه، ويتولى الطرفين لأنه ليس فوقه من يزوجها منه، والأصح: أنه لا يجوز، بل يأمر من يزوجها منه على طريق التولية، حتى لو قال لرجل: وكلتك، أو قال: زوجها مني لا يجوز، لأنه توكيل، بل يفوض إليه، بحيث لا ينعزل بموته.
ولو زوج العم وليته من ابنه البالغ يجوز سواء، سواء قالت: زوجني ممن شئت أو أطلقت الإذن على قولنا: إن تعيين الزوج ليس بشرط.
ولو أراد تزوجيها من ابنه الطفل، لا يجوز؛ لأنه لا يقبل للطفل غيره، فيحتاج إلى أن يتولى طرفي العقد، كما لو وكل وكيلًا بتزويج ابنته من ابنه البالغ، فيجوز، ومن ابنه الطفل لا يجوز ولو زوج الجد إحدى نافلتيه من الأخرى، وتولى طرفي العقد، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن الحداد: يجوز؛ كما يبيع ماله من نفسه.
والثاني: لا يجوز، قاله صاحب التلخيص لأن النكاح لا ينعقد بأقل من أربع؛ كما جاء في الحديث فإن قلنا: ينعقد هل يحتاج إلى لفظين؟ فيه وجهان.
وإن قلنا: لا يجوز، فلو بلغت المرأة والزوج صغير، فلا يجوز للجد أيضًا تزويجها بنفسه.
ولو أذنت المرأة للقاضي؛ حتى يزوجها من ابن عمه، وقبل الجد لنافلته - يجوز؛ كما لو أراد الرجل أن يتزوج وليته، زوجها القاضي منه؛ فلو وكل الجد بتزويج الصغيرة، وقيل: هو لابن ابنه الصغير، أو وكل رجلًا بالقبول عن الصغير، وزوج هو بالولاية، أو وكل رجلين: أحدهما: بالتزويج، والآخر: بالقبول -لا يجوز؛ لأن فعل وكيله فعله.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
ولو وكل رجلًا ليقبل له نكاح امرأة؛ فزوجه الوكيل ابنته - لا يجوز.
فصل في تزويج المغلوب على عقولهم
قد ذكرنا أنه يجوز للأب، أو الجد أن يقبل النكاح للصغير العاقل، ولا يجوز ذلك لغير الأب والجد.
أما المجنون ينظر: إن كان صغيرًا، لا يجوز لأحدٍ أن يقبل له النكاح، لأنه لا حاجة به إليه في الحال، وبعد البلوغ لا يحتاج إليه للسكن والألفة ولا يُدرى هل يحتاج إليه للجماع؛ أم لا؟ بخلاف الصغير العاقل.
[يجوز للأب والجد أن يقبل له النكاح] لأنه يحتاج إليه بعد البلوغ، للاستمتاع، أو للسكن والألفة؛ فإذا بلغ المجنون، نظر: فإن لم يظهر منه رغبة في النساء؛ بأن كان مجبوبًا لا يجوز تزويجه؛ لأنه لا يلزمه المهر والنفقة بلا منفعة تحصل له؛ بخلاف المجنونة لا يشترط في تزويجها ظهور الرغبة في الرجال، لأن لها فيه نفعًا من اكتساب المهر والنفقة وربما يكون فاسقًا فإن ظهر من المجنون البالغ الرغبة في النكاح، بأن كان يحوم حولهن، واحتاج إلى امرأة للتعهد والخدمة، ولم يكن له من المحارم امرأة تتولى ذلك، ومؤنة النكاح أخف من شراء الأمة حينئذ يجوز للأب أو الجد تزويجه ولا يجوز لغيرهما من أولياء النسب؛ فإن لم يكن له أب ولا جد زوجها السلطان؛ لأنه الذي يلي ماله، ويذكر للمرأة أنه مجنون وهل يحتاج السلطان إلى مشورة الأقارب؟ فيه وجهان.
وإن كان يُجن يومًا، ويفيق يومًا، فلا يجوز لأحد تزويجه، حتى يفيق، ويأذن ويبقى مفيقًا إلى أن يُفرغ من العقد، وإن عاوده الجنون قبل التزويج، بطل الإذن، وإن كان مغلوبًا على عقله بمرض، ينتظر إفاقته، وإن أطبق عليه، ولم يُرجى إفاقته فهو كالمجنون.
ولا يجوز تزويج الصغير المجنون لحاجته إلى الخدمة؛ لأنه يجوز لغير ذوات المحارم من النساء خدمته.
وأما المجنونة يجوز للأب والجد تزويجها، صغيرة كانت، أو كبيرة، بكرًا أو ثيبًا؛ بخلاف البنت الصغيرة العاقلة لا يجوز تزويجها؛ لأنها بالبلوغ تصير من أهل الإذن، ولبلوغها أوان منتظر، وليس لإفاقة المجنونة أوان منتظر.
وقيل: لا يجوز تزويج البنت الصغيرة المجنونة؛ كالعاقلة؛ والأول أصح.
[ ٥ / ٢٩٥ ]
وأما غير الأب والجد لا يجوز لهم تزويج المجنونة الصغيرة؛ لأن تزويجها إجبار، وليس لغير الأب والجد ولاية الإجبار، فإن بلغت زوجها السلطان بمشورة أوليائها من الإخوة والإعمام، وغيرهم، إن كانوا لها، أو يأذن لهم في تزويجها.
[وتلك المشورة مستحبة، أم واجبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: مستحبة؛ لأن تزويجها بالإذن].
فإن لم تكن المرأة من أهل الإذن، فلا ولاية لهم.
والثاني - وهو الأصح-: أنها واجبة؛ لأنهم أولياء، والسلطان يقوم مقام المجنونة فيمن يكون إذنها شرطًا؛ ما أنه يلي أمر مالها؛ ولا خلاف أن أولياء النسب سوى الأب والجد ينفردون بتزويجها.
وقيل: الأب يحتاج إلى إذن السلطان في تزويج المجنونة البالغة الثيب بدلًا عن إذنها.
وإن كانت البنت تُجن يومًا، وتفيق يومًا، فلا يجوز تزويجها؛ حتى تفيق، فتأذن، وتبقى على الإفاقة؛ حتى يفرغ من التزويج؛ فإن عاودها الجنون قبل الفراغ من العقد، بطل الإذن؛ كالوكالة تبطل بالجنون والإغماء؛ وإذا قبل الرجل لابنه الصغير، أو لابنه المجنون نكاح امرأة -فليس له أن يخالع عنه؛ كما لا يطلق عنه، ولا يفسخ عنه؛ بخلاف النكاح؛ فإنه من مصالح [ابنه]؛ كالإنفاق عليه.
وقال عطاء: يجوز أن يطلق عليه.
وقال الزهري، ومالك: يجوز بالعوض.
ولو ادعت المرأة عنه زوجها المجنون، لا تُضرب له المدة، لأن الزوج لو كان عاقلًا بما يدعي الإصابة، وإن كانت بكرًا فربما يدعي عليها الامتناع من التمكين بخلاف ما لو كان به عيب آخر، لها الفسخ.
ولو زوج ابنته المجنونة ثم اختلعها بمال نفسه، صح الخلع، ولزم المال، لأن الطلاق بيد الزوج، ثم إن لم يكن لها فيه نظر أثم فإن اختلعها على مالها وقع رجعيًا، ولايجوز للأب أن يبرأ عن شيء من صداق ابنته المجنونة.
ولو هربت المجنونة من الزوج، وامتنعت، لا نفقة لها، ولا قسم؛ العاقلة إذا نشزت.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
ولو آلى عن زوجته المجنونة، لا يضيق الأمر على الزوج بعد مُضي المدة؛ لأن طلبها فيه شرط، ولا يصح منها الطلب، بل يُقال له: اتق الله فيها أو طلق.
وإذا قذف زوجته المجنونة، فلا حد عليه، بل يُعزر إذا أفاقت وطلبت، إلا أن يُلاعن لإسقاطه.
فصل في الكفاءة
رُوي عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.
شرائط الكفاءة ستة: الإسلام، والحرية، والعدالة، والنسب، والحرفة، والسلامة من
[ ٥ / ٢٩٧ ]
العيوب؛ وهي العيوب الأربعة التي فُسخ بها النكاح، وهي: الجنونن والبرص، والجب. أما العُنة فلا تؤثر؛ لأنها لا تتحقق، وفي اليسار وجهان:
أحدهما: لا يُعد من الكفاءة؛ لأن النبي - ﷺ - اختار الفقر؛ ولأن المال غادٍ ورائح، فلا يفتخر به ذوو المروءة.
وقيل: يشترط في قدر المهر والنفقة؛ فإذا وجد، فهو كفء لصاحب الألوف.
وقيل: هو شرط على الإطلاق؛ فعلى هذا الاستواء في المال ليس بشرطٍ؛ حتى يقال: صاحب التسعة الآلاف لا يكون كفئًا لصاحب العشرة الآلاف، بل الناس طبقات: فقير وغني ووسط، وكل طبقة بعضهم أكفأ من بعض، إذا اشتركوا في اسم الغنى وإن تفاوتوا في القدر.
وعند أبي حنيفة - ﵀ - اليسار والحرفة غير شرط.
قال الشيخ القفال ﵀: النسب يُراعى في العرب دون العجم؛ لأن العرب تحفظ أنسابها، وتفتخر بها.
والأصح: أنه يراعى في الكل، خرج منه أن الكافر لا يكون كفئًا للمسلمة، ولا العبد للحرة؛ سواء كانت حرة أصلية أو معتقة ولا المعتق للحرة الأصلية.
وإن كانا حُرين، لكن جرى الرق على واحد ممن يرجع النسب للرجل إليه دون المرأة، أو جرى الرق في آبائهما، ولكن في الرجل في أب أقربه، لا يكون كفئًا لها، وكذلك من أسلم بنفسه لا يكون كُفئًا لمن له أبوان، أو ثلاثة في الإسام، والعجمى لا يكون كفئًا للعربية، ولا العربي غير القرشي للقرشية وقريش هل لهم أكفاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ وبه قال أبو حنيفة؛ كما في الخلافة.
والثاني: لا، بل يتفاضلون، فغير الهاشمي والمطلبي منهم لا يكون كفئًا للهاشمية والمطلبية؛ لأن النبي - ﷺ- قال: "إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم".
أما بنو هاشم وبنو المطلب هم أكفاء؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد".
والاعتبار بالأب، فإن كان الأب قرشيًا، والأم أعجمية - فهو قرشي، وإن كان الأب عجميًا، والأم قرشية - فهو عجمي.
والفاسق لا يكون كفئًا للعفيفة، وصاحب الحرفة الدنيئة لا يكون كفئًا لاهل الحرفة
[ ٥ / ٢٩٨ ]
الرفيعة، والمحترفُ لا يكون كفئًا لابنة العالم، والكناس والحجام والراعي لا يكون كفئًا لابنة الخياط، ولا الخياط لابنة التاجر والبياع.
ومن كان به عيب من العيوب الأربعة لا يكون كفئًا للسليمة، وإن كان بكل واحد منهما عيب، نظر إن كانا مختلفين؛ بأن كان به جنون، وبها جُذام أو برص، أو به جب، وبها برص - لا يتكافآن.
وإن اتفق العيبان نظر؛ إن كان بالرجل أكثر - فليس بكفءٍ لها، وإن استويا أو كان بها أكثر - فوجهان، بناء على أنه هل يثبت به فسخ النكاح؟ فيه وجهان.
وكذلك إذا كان به جب، وبها رتق فيه وجهان:
فلو زُوجت المرأة من غير كفءٍ نظر؛ إن زوجت مسلمة من كافر لا ينعقد، وإن رضيت به المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. أما في سائر الشروط؛ بأن زُوجت حرة من عبدٍ، أو حرة أصلية من معتق، أو عربية من عجمي أو [قرشية من غير قرشي]، أو عفيفة من فاسق، أو سليمة من معيب بشيء من العيوب الأربعة فسخ، نظر إن زوجها بغير رضاها لا ينعقد حتى لو زوج الأب ابنته البكر الصغيرة من غير كفءٍ- لا ينعقد.
وإن كانت بالغة فاستأذنها فسكتت: فيه وجهان.
وفيه قول آخر: إن الأب أو الجد إذا زوج البكر الصغيرة، أو البالغة بغير رضاها من غير كفءٍ يصح، والمرأة بالخيار إذا بلغت.
وهل للأب أن يفسخ في صغرها إذا كان جاهلًا بالحال؟ فيه وجهان:
فإن زوجها من خصي أو خنثى دون رضاها، فإن قلنا: يثبت لها الخيار، فهو كالجب.
وإن قلنا: لا يثبت فيصح، وكذلك في البالغة إذا أذنت في التزويج مطلقًا فزوجت من خصي أو خنثى.
وعند أبي حنيفة: إذا زوج ابنته الصغيرة من غير كفءٍ يصح، أما إذا زُوجت المرأة
[ ٥ / ٢٩٩ ]
من غير كفءٍ برضاها- نظر؛ إن كان المُزوج وليها بنسبٍ أو ولاءٍ - يصح، حتى لو زوجها
[ ٥ / ٣٠٠ ]
الأقرب برضاها من غير كفءٍ فلا اعتراض للأبعد؛ لما رُوي أن فاطمة بنت قيس قالت لرسول الله -ﷺ -: "أن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال لها رسول الله -ﷺ -: "أنكحي أسامة فنكحته"، وفاطمة قرشية، وأسامة من الموالي.
وإن زوجها السلطان برضاها من غير كفءٍ فيه قولان:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه يزوج بالنيابة عن أولياء النسب؛ فلا يجوز ترك نظرهم.
والثاني: يصح ولي النسب والولاء.
ولا تقابل خصال الكفاءة بعضها ببعض، حتى لو زُوجت أمة عفيفة من حر فاسق، أو حرة فاسقة من عبد عفيف، أو عجمية عفيفة من عربي فاسق، أو عربية فاسقة من أعجمي عدل، أو دنية سليمة من نسيب معيب دون رضاه- لا يصح؛ لما في الزوج من النقص.
ولو زوج السيد أمته من عبد، أو دني النسب دون رضاها - يصح؛ لأنهما متكافئان؛ لأن نسب الحر - وإن كان دنيًا - فلا يكون دون العبد.
وإن زوجها من غير كفءٍ أو ممن به عيب من العيوب الأربعة - لم يجز دون رضاها؛ لأن الحق في الاستمتاع بها؛ بدليل أن الفسخ بسبب العيوب إليها.
وقيل: يصح، ولها الخيار؛ كما ذكرنا في الحرة تُزوج من غير كفءٍ، والأول المذهب، فإن رضيت فزوجت ممن به عيب - لا امتناع لها من التمكين.
[ ٥ / ٣٠١ ]
ولو باعها ممن به عيب من هذه العيوب الأربع بغير رضاها - يصح؛ لأن الشراء لا يُراد للاستمتاع، ثم هل لها الامتناع من التمكين؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن الوطء في ملك اليمين بعقد النكاح.
والثاني: لا؛ لأنها مملوكته، وتصرفه فيها بحق الملك.
ولو كان بكل واحد من الزوجين عيب، فالكالحرة على وجهين. [ولو زوج أمته بمهر بخس - يصح ولا يزاد، وإن زَوَّجها بلا مهر فهو تفويض صحيح] ولو زوج الأب أو الجد ابنته البكر الصغيرة، أو البالغة دون رضاها، أو ابنته المجنونة بمهر بخس، أو بلا مهر، سواء صرح بأن لا مهر لها أو سكت عن ذكره - ففيه قولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة: يصح النكاح، ويجب مهر المثل بالعقد؛ لأن المهر من جملة الزوائد، فتركه لا يمنع صحة العقدِ.
والثاني: لا يصح؛ لأنه بخس حقها؛ كما لو زوجها من غير كفءٍ.
ولو قبل الأب لابنه الصغير نكاح امرأة معيبة بجنون، أو جُذام، أو قرن، أو برص، أو رتق - لا يصح على الصحيح من المذهب.
وفيه قول آخر: يصح، ويثبت الخيار إذا بلغ كما ذكرنا في تزويج الصغيرة من غير كفءٍ، وإن قبل له نكاح خنثى، فإن قلنا: يثبت به الخيار، فكالمجنونة، وإن قلنا: لا يثبت فالكعمياء.
ولو قبل له نكاح امرأة ذمية، [أو كتابية]، أو امرأة عمياء، أو مقطوعة يد أو رجلٍ، أو عجوز فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن هذه الخصال لا تثبت بالخيار، فلا يمنع العقد.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا نظر له فيه.
ولو قَبِلَ له نكاح الأمة؛ لا يصح لأنه لا يخاف العيب، وإن قبل لابنه المجنون نكاح الأمة، وهو معُسرٌن ويخشى منه العنت- جاز؛ فإن قبل له نكاح معيبة بعيب آخر؛ فكالصغيرة.
[ ٥ / ٣٠٢ ]
قال الشيخ: ﵀-: لو قبل الوكيل المطلق للموكل نكاح أحد من هؤلاء- يصح؛ لأنه يتصرف بالنيابة.
ولو قبل لابنه الصغير، أو المجنون نكاح امرأة بمهر المثل، أو بعين من أعيان مال الابن قيمتها مهر المثل - يصح، وتملكها المرأة.
فإن قبل بأكثر من مهر المثل، أو بعين [من أعيان مال الابن] قيمتها أكثر من مهر المثل - فيه قولان:
أصحهما: يصح النكاح، ولا يجب إلا مهر المثل.
والثاني: لا يصح؛ لأنه بخس بحقه.
ولو قبل بصداق من مال نفسه - صح، عينًا كان أو دينًا، قدر مهر المثل أو أكثر، ولها المسمى؛ لأنه لا ضرر على الابن فيه.
فصل في تزويج الإماء
لا يجوز تزويج الأمة لأحدٍ من أقاربها، ووليها سيدها، وله تزويجها جبرًا، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، صغيرة أو مجنونة، أو عاقلة بالغة، ولا فرق فيه بين القنة والمدبرة، والمعلق عتقها بصفة، لأنه تصرف بحق الملك؛ كالبيع، والإجارة.
ويجوز تزويج أم الولد جبرًا على أصح الأقوال؛ لأنها مملوكة، كما يجوز إجارتها، وفيه قولان آخران:
أحدهما: يزوجها برضاها، ولا يزوجها دون رضاها، لاختلاف مله عليها.
والثاني: لا يجوز تزويجها أصلًا؛ لأن ملك المولى عليه مختل هي [لا تملك] أمرها، فلا يتم لأحدٍ عليها ولاية.
ولو طلبت الأمة وأم الولد سيدها - بتزويجها لا تجب الإجابة، لأنه ينقص قيمتها، ولأنه ربما يريد أن يستمتع بها.
وقيل: إن كانت الأمة محرمًا له يجب تزويجها، وكذلك المعتق بعضها لأنها لا تحل له بحال، بخلاف المشتركة بينه وبين غيره - لا يجب تزويجها بطلبها، لأنه قد يخلص له فتحل، والمذهب الأول أنه لا يجب.
[ ٥ / ٣٠٣ ]
أما المُكاتبة: لا يجوز لها أن تنكح دون إذن المولى، ولا للمولى تزويجها بغير إذنها، لاختلال ملكه عليها، وإن زوجها المولى برضاها يصح.
وقيل: لا يصح تزويجها أصلًا، لأن ملك المولى عليها مختل، وهي لا تملك أمرها، فلا يتم لأحد عليها ولاية؛ والأول أصح.
ولو طلبت المكاتبة مولاها بالتزويج، هل يجب الإجابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأنه يحصل لها المهر، فتستعين به في أداء النجوم.
والثاني: لا؛ لأنها تشتغل بحق الزوج، ولا تتفرغ لتحصيل النجوم، وربما تعجز، وتعود إليه ناقصة القيمة.
وإن كانت الأمة لامرأة يزوجها ولي المرأة بإذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، مجنونة أو عاقلة، ولا يشترط رضا الأمة، سواء كان المولى ممن يجبر السيدة على النكاح، أو لا يجبر؛ كالأخ، والعم.
وصريح نطق السيدة شرط، وإن كانت بكرًا؛ لأنها لا تستحي من تزويج أمتها حتى تكتفي بسكوتها، فإن كنت الأمة صغيرة، أو سفيهة، أو مجنونة - فهل يجوز تزويجها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لا يجوز تزويج عبده، لأنه ينتقص به قيمتها، وربما تحبل فيخشى هلاكها.
والثاني: يجوز، وبه قال أبو حنيفة، لأن النظر هو اكتساب المهر، وإسقاط النفقة عنه بخلاف العبد، فإن في تزويجه ضررًا عليه من صرف أكسابه إلى المهر والنفقة.
فإن قلنا: يجوز تزويجها. فإنما [يجوز] أن يزوجها ولي نكاحها الذي يلي المال، وهو الأب أو الجد دون غيرهما ممن يلي المال، لأن ولاية النكاح تقتضي ولاية سوى المال، ولا ولاية على الصغيرة لغير الأب والجد، حتى لو كانت الصغيرة ثيبًا لا يجوز للأب والجد تزويج أمتها، لأنه لا يزوجها، وإن كانت البنت مجنونة - جاز.
قال الشيخ: وإن كانت الأمة للسفيه يشترط إذن الولي، لأن الولي لا يُزوجها دون إذنه.
وقيل: يجوز لولي المال تزويج أمة الصغير والمجنون، نسيبًا كان، أو وصيًا، أو قيمًا؛ لأنه بمنزلة المتصرف في المال.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وقيل: هذا الوجه في تزويجه عبده، وليس بصحيح.
والعبد المأذون في التجارة إذا اشترى أمةٍ - نظر؛ إن لم يكن على المأذون دين يجوز للسيد تزويج تلك الأمة، وبيعها، وهبتها، وإعتاقها، ووطئها بغير إذن العبد.
وإن اشترى طعامًا جاز للسيد أكله.
وقيل: لا يجوز شيء من ذلك بغير إذن العبد ما لم يحدث حجرًا؛ والأول أصح.
ثم البيع، والهبة، والإعتاق؛ يتضمن حجرًا عليها فيهان والتزويج لا يتضمن، والوطء حجرٌ إن لم يعزل، وإن عزل فلا.
فإن كان على المأذون دينٌ بسبب التجارة، سواء كان يستغرق ماله، أو لا يستغرق، - فلا يجوز للسيد شيء من هذه التصرفات قبل قضاء الدين؛ لأنه بعد الحجر عليه لا يجوز أيضًا قبل قضاء الدين؛ لتعلق حق الغرماء بماله، فلو زوجها المولى بإذن العبد والغرماء - يجوز، ولا يجوز تزويجها دون إذن المولى، ولو زوجها المولى دون إذن العبد - فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الحق فيها للغرماء، وقد أذنوا.
والثاني: - وهو الأصح- لا يجوز؛ لأن حق الغرماء يتعلق بذمة العبد، والعبد لم يرض به، وكذلك لو زوجها بإذن العبد دون إذن الغرماء - فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأن الغرماء لم يرضوا بتأخير حقهم، وتعلقه بذمة العبد إلى أن يُعتق؛ وكذلك لو رهنها العبد بإذن المولى - فوجهان:
الأصح: لا يجوز.
ولو وطئها المولى بإذن العبد والغرماء - يجوز، ولو وطئها بإذن الغرماء دون إذن العبد - فوجهان
أحدهما: يجوز، كما يجوز للراهن وطء الجارية المرهونة بإذن المرتهن.
وإذا وطئها بغير إذنهم، هل يجب عليه المهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا [يجب]؛ كما لو وطيء المرهونة.
والثاني: يجب بخلاف المرهونة، لأن منفعة المرهونة للراهن، ومنفعة عبد عبده المأذون لا تكون للمولى إذا كان عليه دين.
ولو أحبلها المولى، فالولد حر، ثم إن كان موسرًا تصير أم ولدٍ له وعليه قيمتها،
[ ٥ / ٣٠٥ ]
فيصرف في الدين، وإن كان مُعسرًا لا تصير في الحال أُمَّ ولد له وتُباع في الدين، فإذا بيعت، ثم ملكها فهل تصير أم ولد له؟ فكالمرهونة.
وكذلك الجارية الجانية إذا استولدها المولى وهو معسر، والوارث إذا استولد جارية من التركة، وهو معسر، وعلى الميت دين لا تصير أم ولد له، فإذا ملكها بعده فالكمرهونة، وحيث لم نجعلها أم ولد له في الحال -[لا] يجب عليه قيمة الولد في جارية العبد المأذون، وفي جارية التركة، ولا يجب في الجانية والمرهونة، لأن ولد المرهونة خارج من الرهن.
ولو أعتق عبد عبده المأذون، وعليه دين، أو الوارث عبدًا من التركة، - وعلى الميت دينٌ - قيل في نفوذ عتقه قولان: كالمرهونة.
قال الشيخ: المذهب؛ أنه إن كان معسرًا لا ينفذ عتقه، وإن كان موسرًا ينفذ كالاستيلاد، وعليه الأقل من الدين أو قيمة العبد كإعتاق الجاني.
ولو كان للمكاتب عبدًا وأمة - لا يجوز للمولى تزويجه بغير إذن المكاتب، ولا للمكاتب بغير إذن المولى، فإذا أذنان ففيه قولان كتبرعاته.
فصل
في الغرور
إذا شُرط في عقد النكاح في أحد الزوجين نسب ريفٌ، أو حرفة، فلم يكن، سواء كان كفئًا للآخر أو لم يكن- ففي صحة النكاح قولان:
أحدهما: لا يصح النكاح؛ لأن النكاح عقد وصف؛ فالخلف فيه كالخلف في العين؛ كما لو أذنت في زيد، فزوجت من عمرو - لا يصح.
والقول الثاني - وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة﵀-: يصح النكاح؛ لأن فقد الوصف لا يمنع صحة العقد؛ كما لو اشترى عبدًا على أنه كاتبٌ فلم يكن؛ يصح العقد.
وكذلك كل وصف شرط في أحدهما ففقدن سواء كان ذلك وصف كمال من إسلام، أو يسار، أو جمال، أو شباب، أو شرط في المرأة أنها بكرٌ، فلم تكن.
أو كان ذلك وصف نقص من قبح، أو كبر، أو طول، أو قصر.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
أو شرط في المرأة أنها كاتبية، أو ثيبٌ؛ فكانت مسلمة، أو بكرًا- ففي صحة النكاح قولان:
فإن قلنا: النكاح باطل يفرق بينهما، ولا شيء على الزوج إن كان قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول بها، فلا حد عليه بشبهة الاختلاف، عالمًا كان أو جاهلًا، وعليه مهر المثل، وعليها العدة، ولا سُكنى لها، ولا نفقة إن كانت حائلًا.
وإن كانت حاملًا فقولان، بناء على أن النفقة للحمل، أو للحائل.
فإن قلنا: للحائل - وهو الأصح- لا يجب.
وإن قلنا: للحمل يجب. فإن قلنا: النكاح صحيح، فهل يثبت للمغرور الخيار في فسخ النكاح، أم لا؟ نظر إن كان المشروط وصف نقصٍ؛ بأن شرط في أحدهما بأنه رقيقٌ، أو دني النسبن فبان حرًا شريفًا، أو شرط في المرأة بأنها كتابية فبانت مسلمة، أو ثيب فبانت بكرًا، أو شرط في أحدهما أنه قبيح، أو مسن، فبان حسنًا شابًا، - فلا خيار؛ كما لو اشترى عبدًا على أنه غير كاتب، فبان كاتبًا - لا خيار له.
وإن كان المشروط صفة كمالٍ، بأن شرط في أحدهما حرية أو نسبًا شريفًا، أو جمالًا أو يسارًا، ولم يكن، أو شرط أن المرأة مسلمة فلم تكنن أو بكرٌ فكانت ثيبًان - ثبت للآخر الخيار في الجملة.
ويشترط أن يكون الغرر في العقد، حتى يصير على قولين، فإن كان قد تقدم، فلا يؤثر في العقد لا في الصحة، ولا في الخيار.
ثُمَّ الكلام في تفصيل الخيار وفي الغرور بالنسب وبالحرية، فنقول: لا يخلو إما إن كان الغرور بالنسب، أو بالحرية، فإن كان بالنسب لا يخلو، إما إن كان من جهته، أو من جهتها.
فإن كان من جهته بأن شرط أنه نسيبٌ، ولم يكن، نظر إن كان نسبه دون نسبها - فلها الخيار، فإن لم يفسخ فلأوليائها الفسخ، لأنهم يُعيرون بدناءة نسبه، وإن كان نسبه مثل نسبها أو فوق نسبها ولكنه دون المشروط، - فهل لها الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا خيار لها؛ لأنه لا عار عليها في مقامها تحته.
والثاني: يثبت لأجل الغرورن فعلى هذا إن اختارت، فلا خيار لأوليائها؛ لأنهم لا يُعيرون به، وإنما يثبت لها الخيار لأجل الغرور.
وإن كان الغرور من جهتها، بأن شرط أنها شريفة فلم تكن، - فله له الخيار؟ نظر إن كان نسبها دون نسبه، ففيه قولان:
[ ٥ / ٣٠٧ ]
أصحهما- وهو المذهب، واختيار المزني: يثبت له الخيار؛ كما يثبت لها إذا كان المغرور من جهته.
والثاني: لا خيار له لمعنيين:
أحدهما: لأن الطلاق بيده يمكنه مفارقتها.
والثاني: لأنه لا ضرر عليه في دناءة نسبها.
فإن قلنا: يثبت الخيار، فإن كان نسبها مثل نسبه أو فوقه، ولكنه دون المشروط، - فهل له الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يثبت، فحيث أثبتنا الفسخ ينفرد به من له الخيار من غير حاكم، ولا رضا خصم؛ كفسخ البيع بالعيب.
وإذا أُجير العقد، فللمرأة الصداق، أو المسمى في العقد، وإذا فسخ العقد، فإن كان قبل الدخول، فلا شيء للمرأة، لا نصف مهر ولا منفعة؛ لأن الفسخ كان من قبلها، فهي الفاسخة؛ فلا مهر لها.
وإن كان الفسخ من قبله فهو بِغُرور كان من جهتها.
وإن كان بعد الدخول، فلها المهر.
وأي مهر يجب؟ فيه قولان:
المنصوص: أن لها مهر المثل، سواء كان أقل من المسمى أو أكثر؛ لأنه فسخ بغرور كان ي العقد؛ فصار كأن الوطء عرى عن العقد.
والقول الثاني - وهو مخرج، وهو القياس: أن لها المسمى؛ لأنه بسبب وطء وجد في نكاح صحيح، صح فيه المسمى، ويجب عليها العدة، ولا سُكنى لها، ولا نفقة إن كانت حائلًا.
وإن كانت حاملًا وقلنا: النفقة للحمل تجب.
وإن قلنا: للحامل، وهو الأصح، لا تجب.
وإن كان الغرور بالحرية فلا يخلو؛ إما إن كان من جهته أو من جهتها.
فإن كان من جهته شرط أنه حر، فبان رقيقًا، أو بعضه رقيقًا، فينظر إن كانت المرأة حرة، فلها فسخ النكاح؛ فن لم تفعل، فلأوليائها الفسخ؛ لأنهم يعبرون برقه.
وإن كانت المرأة رقيقة، فهل لها الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا خيار لها.
[ ٥ / ٣٠٨ ]
والثاني: يثبت لأجل الغرور.
وإن كان الغرور من جهتها ولا يتصور ذلك من سيدها؛ لأن السيد إن شرط حريتها تعتق، إنما يتصور منها بأن تقول: أنا ابنة السيد؛ أو من وكيل السيد - فينظر؛ إن كان الزوج حرًا، وهو ممن يحل له ناح الأمة، فهل له الخيار؟ يبني على الغرور بالنسب إذا كان الغرور من جهتها.
إن قلنا هناك: يثبت له الخيار، فهاهنا يثبت للزوج الخيار، وهو المذهب.
وإن قلنا هناك: لا يثبت، فهاهنا وهان، بناء على المعنيين، إن قلنا هناك: لا خيار له؛ لأن الطلاق بيده - فهاهنا أيضًا لا خيار له.
وإن قلنا: لا ضرر عليه، فهاهنا له الخيار؛ لأنه يتضرر بكون زوجته رقيقًا، من حيث إن السيد لا يئويها معه بيتًا، وإن ولده منها يكون رقيقًا.
وإن قلنا: يثبت له الخيار إذا كان حرًا، فإذا كان رقيقًا هل يثبت له الخيارُ؟ فيه قولان:
أصحهما: لا؛ لأنهما لا يتكافآن.
والثاني: يثبت لأجل الغرور، فحيث قلنا: لا خيار، أو أثبتنا الخيار فاختار، والزوج عبد عليه المسمى، ويتعلق بكسبه. وإن فسخ العقد، فإن كان قبل الدخول لا شيء لها، وإن كان بعد الدخول يجب عليه مهر المثل، أو المسمى؟ فيه قولان؛ كما ذكرنا:
أظهرهما: مهر المثل.
وأقيسهما: المسمى، وبماذا يتعلق إذا كان الزوج عبدًا؟
فيه ثلاثة أقوال، سواء كان الغرور من جهته، أو من جهتها وهو عبدٌ، أو سأله الخيار، ففسخ -أحدهما يتعلق بكسبه، والثاني برقبته، والثالث بذمته.
وكذلك إذا قلنا: النكاح باطلٌ [أو كان قد] وطيء-، فمهر المثل بماذا يتعلق؟ فعلى هذا الأقوال.
ومهما كان الغرور من جهة المرأة، وغرم الزوج المهر، فهل يرجع به على الغار أم لا؟ نظر، إن أجاز العقد، فلا يرجع.
وإن فسخ، قلنا: النكاح باطلٌ، أو كان قد وطيء - فقولان:
[ ٥ / ٣٠٩ ]
أحدهما: يرجع، كما يرجع بقيمة الأولاد في الغرور بالحرية.
والثاني - وهو الأصح-: لايرجع؛ لأنه قد استوفى منفعة البضع بمقابلة ما غرم من المهر، ولأنه شرع في العقد على أن يتقدم عليه البضع دون الولد، فإن قلنا: يرجع على الغار، لم يكن له أن يرجع إلا بعد أن يغرم، ثم إن كان الغرور بالنسب، فإن كان من وليها، أو وكيل وليهان - رجع بعد ما غرم للمرأة بجميعه على الولي، أو الوكيل، وإن كان الأولياء جماعة غروه- رجع على جميعهم، وكذلك في كل صفة غروه بها سوى النسب، فإن كان الغرور من جهة المرأة، فلا مهر عليه، وهل يجب أقل ما يُستباح به البضع؟ فيه وجهان، بخلاف ما لو كان الغرور من جهة الولي يرجع بجميع المهر، لأنه قد غرم لها المهر، فلا يخلو الوطء عن المهر.
وإن كان الغرور بالحرية من جهة وكيل السيد - غرم الزوج المهر للسيد، ثم يرجع على الوكيل، وإن كان من جهة الأمة، - رجع عليها بعد العتق بجميعه.
وإن كان الزوج عبدًا فإن قلنا: يتعلق المهر بذمته، فبعدما عتق وغرم - رجع على الغار. وإن قلنا: يتعلق بكسبه، أو رقبته، فبعد الأداء من السب، أو من الرقبة - رجع السيد على الغار.
وإذا ذكرت الأمة للوكيل: أنها حرة، وذكر الوكيل للزوج رجع الزوج على الوكيل بعدما غرم للسيد في الحال، ورجع الوكيل على الأمة بعدما عتقت، وإن ذكرت ذلك للوكيل ثم للزوج، والرجوع عليها دون الوكيل، فإن ذكره الوكيل للزوج، لأنها لما شافهت الزوج خرج الوكيل من الوسط، وإن تواطأ على أن غرا الزوج - فالضمان عليهما نصفان، فيرجع على الوكيل بالنصف في الحال، وبالنصف عليها بعد العتق.
وقيل: له أن يرجع على أيهما شاء بالكل.
قال الشيخ: ثم هو يرجع على الآخر بالنصف، والأخذ منها لا يكون إلا بعد العتق، وحيث أثبتنا الرجوع، فإنما يرجع بما أدى، حتى لو أبرأ عن المهر لا يرجع بشيء، وإن أبرأ عن بعضه لا يرجع بما أبرأ عنه، وإن أوجبنا عليه المسمى، فأدى-، رجع به لا بمهر المثل، نص الشافعي -﵁- على أنه لو نكح امرأة على أنها مسلمة، فإذا هي كتابية - فله الخيار. ولو نكحها على أنها حرة، فإذا هي أمة، - فلا خيار له، فمن أصحابنا من قال: المسألة الأولى في الشرط، والثانية في الظن.
ومنهم من قال: كلاهما في الظن، ومنهم من جعل في ثبوت الخيار فيهما بالظن- قولين: بالنقل، والتخريج:
أصحهما: لا خيار.
[ ٥ / ٣١٠ ]
والثاني: يثبت؛ كما في العيوب الخمس إذا ظن أنها مسلمة، ولم تكن، فله الخيار، ومنهم من فرق على ظاهر النص، وقال: إذا ظن أنها مسلمة فبانت كتابية له الخيار؛ لأن ولي الكافرة كافر، وكان عليه إظهار زي الكفار، فإذا لم يفعل فقد غَرَّ، وولى الأمة لا يجب عليه تغيير زيه، فلا غرور من جهته، فلا خيار للزوج.
والأصح الأول، وبالظن لا يثبت الخيار.
باب الكلام الذي ينعقد به النكاح
رُوي عن جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فزوجهن بكلمة الله".
ولا ينعقد النكاح إلا بلفظ الإنكاح، والتزويج.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: ينعقد بكل لفظٍ يوضع للتمليك؛ كالبيع، والهبة،
[ ٥ / ٣١١ ]
والتمليك، فنقول: لفظ ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به النكاح؛ كلفظ الإباحة والتحليل.
وهل ينعقد بالفارسية، أو بلسان آخر سوى العربية بصريح معنى اللفظين كقوله: بزنى كردم؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحهما: ينعقد كسائر العقود.
والثاني: لا ينعقد إن كان العاقد لا يحسن العربية، فيفوض إلى من يحسن.
[ ٥ / ٣١٢ ]
والثالث: إن كان لا يُحسن العربية ينعقد، وإن كان يحسنها فلا ينعقد بغيرها؛ كالتكبير في الصلاة، فلو قال الولي: بيور آدم بخيدبني فقال: بدير فيم - لا يصح؛ لأنه لم يوجد معنى النكاح، ولو قال الولي: زوجتك ابنتي، أو قال: أنكحتك، فقال: تزوجت، أو نكحت، أو قبلت تزويجها أو نكاحها - صح.
واتفاق اللفظين ليس بشرط، حتى لو قال أحدهما بلفظ التزويج، والآخر بلفظ النكاح- جاز، وكذلك لو ابتدأ الخاطب فقال: تزوجت، أو نكحت ابنتك، فقال الولي: زوجتك، أو أنكحتك - جاز.
ولو قال الولي: زوجتك، أو أنكحتك، فقال الخاطب: قبلت، ولم يقل: نكاحها، أو تزويجها - فهل ينعقد؟
نص هنا على أنه يقول: قبلت نكاحها.
واقتصر في "الإملاء" على قوله: قبلت وقد قيل: فيه قولان.
وقيل ينعقد قولًا واحدًا، وحيث قال: يقول: قبلت نكاحها أراد به تأكيدًا.
وقيل: لا ينعقد قولًا واحدًا، وحيث أطلق محمول على المفيد في الموضع الآخر.
وقيل: لا ينعقد قولًا واحدًا، وحيث أطلق محمول على المفيد في الموضع الآخر.
وقيل: إذا قال: زوجتك ابنتي فقبلته؟ فقال: نعم، أو قال الخاطب: زوجني ابنتك بكذا، قال: نعم - هل ينعقد؟ فعلى هذا الاختلاف.
والأصح: لا ينعقد؛ لأن الانعقاد حصوله باللف لا بما يُفهم؛ كما لو قال: أتزوجني ابنتك، فقال: نعم، فقال: قبلت- لا يصح.
[وكذلك لو قال: زوجتك ابنتي، فقال: نعم - لا يصح].
ولو قال الخاطب: زوجت ابنتك مني أو قال: أتزوجني ابنتك؟ فقال الولي: زوجتك فلا ينعقد حتى يقول الخاطب بعده: تزوجت.
[وكذلك لو قال الولي أولا تزوجت - ابنتي، فقال: تزوجت لا ينعقد حتى يقول: زوجت].
لأن الأول استفهام، فلا يقوم مقام الإيجاب والقبول، أما إذا قال بلفظ الأمر: زوجني ابنتك بكذا، فقال: [قبلت] زوجتك - ينعقد، ولا يحتاج إلى القبول؛ لأن الأعرابي الذي
[ ٥ / ٣١٣ ]
خطب الواهبة قال للنبي - ﷺ - زوجنيها فقال: زوجتكها، ولم يوجد بعده قبول.
وكذلك لو قال الولي أولًا تزوج ابنتي، فقال: تزوجت - ينعقد.
وإن لم يقل الولي بعده: زوجت.
وكذلك حكم البيع، والخلع، وغيرهما من العقود إذا قال: بع مني عبدك بكذا، فقال: بعت- تم البيع، وإن لم يقل: اشتريت، أو قال البائع: اشتر مني عبدي بكذا، فقال: اشتريت- تم البيع، وإن لم يقل بعده: بعت.
ولو قال: أتبيعني عبدك بكذا؟ فقال: بعتُ- فلا ينعقد، حتى يقول: اشتريت.
وإن قال البائع: أتشتري عبدي بكذا؟ فقال: اشتريت - لا ينعقد، حتى يقول بعده: بِعتُ.
وعند أبي حنيفة في البيع إذا قال: يعني، فقال: بعتُ- يحتاج إلى القبول، بخلاف النكاح، ومثله قولٌ بعيد لنا؛ لأن الناكح يكثر فيه التسيب، فينزل منزلة القبول، والأول المذهب؛ لأن الاستحباب على وه الأمر بمنزلة القبول؛ كما في البيع.
ولو قال أجنبي للولي: أزوجت ابنتك من فُلان؟ فقال: زوجتُ، ثم أقبل على الخاطب، فقال له: قبلت نكاحها؟ فقال: قبلت- يصح.
وقيل: لا يصح؛ لأنه لم يوجد الخطاب بين المتعاقدين؛ وكذلك الخلع والبيع.
ولو كتب بالتزويج إلى غائب: أن زوجت ابنتي، ولم يتلفظ - لا يصح؛ لأن الكتابة كناية، والنكاح لا ينعقد بالكناية، ولأن الشهادة فيه شرط، والشاهد لا يطلع على ما في القلب.
[ ٥ / ٣١٤ ]
ولو خاطب غائبًا بلسانه بمحضر شاهدين: أن زوجتك ابنتي، ثم كتب، فبلغه، الكتابُ، أو لم يبلغه الخبرُ، فقال: تزوجت، أو قبلت نكاحها بمحضر الشاهدين الذين سمعا فيه مخاطبة الولي، أو قال الخاطب في غيبة الولي: زوجني ابنتك بمحضر شاهدين، فلما بلغ الخبرُ الولي، فقال: زوجتُ بمشهدهما - ففيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن القبول تراخى عن الإيجاب.
والثاني: يصح، وجعل كأنه خاطبه حالة ما أتاه الكتاب، أو الخبر، حتى لو فارق المجلس الذي بلغه فيه الخبر.
ثم قيل: لا يصح.
ولو قبل بمحضر شاهدين آخرين غير من حضر خطاب الولي - لا يصح، وكذلك حكم البيع والهبة في الغيبة إذا كتب على غائب: بعتك كذا، أو وهبتك كذا، فلما أتاه الكتاب، قال: اشتريت، أو قبلت. هل يصح أم لا؟ فيه وجهان.
فصل فيما يجب على الوكيل بالتزويج
يجب على الوكيل بالتزويج أو بالقبول تسمية الزوجين، فقول وكيل الولي: زوجت بنت فلان من فلان، ويسمى الزوج، ويقول وكيل الزوج: قبلت نكاحها له، فلو قال قبلت نكاحها ولم يقل فيه وجهان؛ بناء على ما لو قال: قبلت، ولم يقل: نكاحها.
ولو ابتدأ وكيلُ الزوج فقال: قبلت نكاح فلانة بنت فلان منك بقوله لوكيل للولي، ويقول وكيل الولي: زوجتها من فُلانٍ، فلو قال: زوجت، ولم يقل: من فلان، فعلى هذين الوجهين.
وكذلك أبو الطفلين إذا زوج أحدهما ابنته من ابن الآخر ويُشترط تسمية الزوجين، فيقول- زوجت ابنتي من ابنك، فقال أبو الزوج قبلت نكاحهما، فلو قال الولي لوكيل الزوج: زوجت ابنتي منكن فقال- قبلت لفلان لا يصح؛ لأنه لم يزوجها من فُلان.
ولو قال: قبلت نكاحها ولم يقل لفلان - يقع العقد للوكيل.
وكذلك إذا قال: أبو الطفل: زوجت ابنتي منك فقال: قبلتُ لابني - لا يصح ولو لم يقل: لابني لا يصح، ولو لم يقل: لابني يقع للابن ويحرم على الابن على التأبيد وهذا بخلاف البيع.
ولا يحتاج الوكيل فيه إلى تسمية الموكل، حتى لو قال البائع لوكيل المشتري بعتُ منك، فقال: ابتعت، ونوى لفلان - يصح لفلان - لأن ملك الثمن يقبل النقل من محل إلى
[ ٥ / ٣١٥ ]
محل، فيجوز أن يقع العقد للوكيل ثم ينتقل على الموكل، والنكاح لا ينتقل ولهذا قلنا: لو قَبِلَ رجُلٌ نكاح امرأةٍ بوكالة رجلٍ، ثم أنكر الموكل الوكيل لا يصح النكاح.
ولو اشترى بوكالة رجل شيئًا، ثم أنكر الموكل التوكيل - يقع العقد للوكيل، ولو قال البائع لوكيل المشتري: بعت من فلان، فقال: قبلت له - لا يصح؛ لأنه لم يخاطب العاقد، ولو قال: بعت منك، فقال: ابتعت لفلان - فيه وجهان.
ولو قال الولي لرجل: زوجتك ابنتين ولم يُسمها - يصح إذا كانت له بنت واحدة، فإن كانت له ابنتان - فلا يصح حتى يُميز بينهما بتسمية، أو إشارة، أو وصف، فيقول: زوجتك ابنتي فاطمة، أو ابنتي هذه، أو ابنتي [الكبرى]، أو ينويا بقلبهما واحدة بعينها، وكذلك العم إذا كان يُزوج ابنة أخيه، وهن جماعة، يجب أن يميز - وإن ذكر اسمها يجب أن يرفع في نسبها إلى أن تميز من غيرها.
ولو قال: زوجتك فاطمة، ولم يقل: ابنتي، وله ابنة واحدة - لم يصح؛ لأنه لم يُميز ابنته من غيرها، فإن نوياها - جاز.
ولو قال: زوجتك ابنتي فاطمة، وله بنت واحدة اسمها: عائشة- صح؛ لأن قوله: ابنتي صفة لازمة لا تتعدى، فاعتبارها أولى من اعتبار الاسم الذي يتعدى.
وقيل: لا يصح. والأول أصح؛ كما لو أشار إليها فقال: زوجتك هذه فاطمة، وكان اسمها عائشة- صح؛ لأن الإشارة ألزم، فالخطأ في الاسم لا يضر، وكذلك إذا كانت له ابنتان اسم الكبرى: فاطمة، واسم الصغرى عائشة، فقال: زوجتك ابنتي الكبرى عائشة، أو قال: ابنتي الصغرى فاطمة- صح على من وصفها بالصغرى والكبرى، لا على من سماها اعتبارًا بالدوام.
ولو قال: زوجت ابنتي فاطمة، وهو ينوي الصغيرة، فقبل الزوج، ونوى الصغيرة، صح العقد على الصغيرة؛ لاتفاق نيتهما، ولغت التسمية.
[ولو قال الأب: زوجتك ابنتي فاطمة، ونوى الصغيرة]، ولو قبل الزوج، ونوى الكبيرة، - صح العقد في الظاهر على الكبيرة؛ لأن الأب قد سماها ونواها الزوج، ولا يصح في الباطن.
ولو بُشر بمولودٍ فقال لجليسه إن كانت أنثى فقد زوجتكها، وكانت أنثى - لا يصح.
[ ٥ / ٣١٦ ]
وكذلك لو قال: إن كان قد مات زوج ابنتي، فقد زوجتكها، ثم بان موته - لا يصح.
وخرج وجهٌ فيما لو باع مال أبيه على اعتقاد أنه حي، فبان ميتًا - هل يصح أم لا؟ فيه قولان.
ولو بُشر رجلٌ ببنت، فقال لرجل: إن صدق الخبر، فقد زوجتكها - صح، ولا يكون ذلك تعليقًا، بل هو تحقيقٌ، كما لو قال لامرأته: إن كنت زوجتي، فأنت طالق، فيون تنجيزًا للطلاق، حتى لو حلف ألا يحلف بالطلاق [يحنث] بهذا، وتكون "إن" بمعنى "إذ"؛ كقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
وكذلك لو كان لرجل أربع نسوة، فأخبر بموت إحداهن، فقال لرجل: إن صدق الخبرُ، فقد نكحت ابنتك، فقال: زَوَّجْتُكَهَا - يصح.
فصل في خطب النكاح
رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل كلامٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله - فهو أجذم".
وعن عبد الله بن مسعودٍ﵁ - قال إذا أراد أحدكم أن يخطب خطبة الحاجة فليبدأ - وفي رواية أخرى: في خطبة الحاجة من النكاح وغيره، فليقل: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يقرأ هذه الآيات الثلاث: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ - حتى بلغ - ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
ورفعه بعضهم عن عبد الله قال: علمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة، فذكر نحوه.
[ ٥ / ٣١٧ ]
ويستحب لمن خطب امرأة؛ أن يُقدم بين يديه خطبة، فيحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي - ﷺ - ويوصي بتقوى الله، ثم يقول: جئتم راغبًا في كريمتكم.
وفي الجواب: يفعل الولي كذلك، فيحمد الله، ويُصلي على النبي - ﷺ - ويُوصي بتقوى الله، ثم يقول: لست بمرغوب عنك، أو نحو ذلك.
وعند العقد أيضًا يخطب الولي، أو الزوج، أو أجنبي، فيحمد الله، ويُصلي على النبي - ﷺ - ويُوصي بتقوى الله - ﷿-، ويُرغب في النكاح.
فلو خطب الخاطب، ثُمَّ قال: تزوجت ابنتك، فالولي حمد الله، وصلى على النبي - ﷺ - ووصى بتقوى الله - ﷿- ثم قال: زوجت -، فتخلل هذه الكلمات بني الإيجاب والقبول هل يمنع العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يمنعُ؛ لأنها ليست من العقد؛ كما لو اشتغل بلام آخر.
والثاني: لا يُمنع، وهو الأصح، إذا لم يُطل؛ لأنها من مصلحة العقد؛ كالإقامة بين صلاتي الجمع، والتيمم مع طلب الماء.
فإن أطال الخطبة بينهما - لم يصح، ويستحب أن يقول ما قال [عمر]: أنكحتكها على ما أمر الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وترك الخطبة لا يمنع صحة العقد؛ لأن النبي - ﷺ - قال للأعرابي الذي خطب الواهبة: "زوجتكها بما معك من القُرآن"، بلا خطبةٍ.
ويستحب أن يُدعى للزوجين بعد العقد.
رُوي عن أبي هريرة - ﵁- أن النبي - ﷺ - كان إذا رفا الإنسان - أي:
[ ٥ / ٣١٨ ]
تزوج- قال: "بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خيرٍ".
باب مما يحل من الحرائر
قال الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
ولا يجوز لأحدٍ من الأمة أن ينكح أكثر من أربع نسوة، وكان ذلك من خصائص النبي - ﷺ -.
ثم الحر يجوز له أن ينكح أربع حرائر مسلمات، أو كتابيات، أو بعضهن مسلمات، والبعض كتابيات.
وإن نكح أمة، فلا يجوز أن ينكح أكثر من واحدة، فإن كان تحته أمةٌ - يجوز أن ينكح عليها ثلاث حرائر.
فأما العبدُ فلا يجوز أن ينكح أكثر من امرأتين مسلمتين، أو كتابيتين حرتين، [أو أمتين]، وإنما جاز له نكاح أمتين؛ لأنهما فيمثل حاله.
وقال مالك: يجوزُ للعبد أن ينكح أربعًا؛ لظاهر القرآن، والمراد من الآية الحر، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ ْ [النساء: ٣] والعبد لا يملك مُل اليمين.
ولو كانت تحت حر أربع حرائر، فطلقهن ثلاثًا، أو خالعهن - يجوز أن ينكح أربعًا سواهن في عددهن، وإن طلق واحدة ثلاثًا، أو خالعها، أو فسخ نكاحها - يجوز أن ينكح أختها في عدتها، كذلك لو وطيء امرأة بالشبهة - فيجوز أن ينكح أختها، وأربعًا سواها في عدتها.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز، فيقول: هذه المطلقة أجنبية منه؛ بدليل أنه لو وطئها عالمٌ بالحال - يجب عليه الحد، بل هي أبعد من الأجانب؛ لأن الأجنبية لا تحل له في الحال بالعقد، والمطلقة ثلاثًا لا تحل له إلا بعد زوج آخر.
وإذا كانت أجنبية، فلا يحرم عليه نكاح أختها، وأربع سواها؛ كما بعد انقضاء عدتها.
[ ٥ / ٣١٩ ]
فأما إذا طلق [زوجته طلاقًا] رجعيًا - فلا يجوزُ نكاح أختها، وأربع سواها في عدتها بالاتفاق؛ لأنها في حُكم نكاحه، بدليل [بقاء] خصائص النكاح بينهما، حتى يلحقها طلاقه.
ويصح إيلاؤه وظهاره عنها، وأيهما مات ورثه الآخر، فلو قال الزوج: أخبرتني الرجعية بانقضاء عدتها، فقالت: لم أخبره ولم تنقض عدتي - يجوز للزوج نكاح أختها، وأربع سواها؛ لأن بزعمه أنها ليست في العدة.
ولو طلقها لا يقع، ولو وطئها يجب الحد.
وقيل: لا يجوز له نكاح أختها وأربع سواها؛ لأن القول قولها في بقاء العدة، فعلى هذا لو طلقها يقع، ولو وطئها لا حد عليه؛ والأول أصح.
أما النفقة والسكنى؛ فلا تسقط بالاتفاق؛ لأن قوله في سقوط حقها لا يُقبل.
ولو طلق امرأته الأمة طلاقًا رجعيًا، ثم اشتراها، أو اشتراها قبل أن يُطلقها - له أن ينكح أختها في الحال، أو أربعًا سواها؛ لأن فراشها قد زال.
فصل
المنكوحة إذا هلكت بعد الدخول - لا يسقط مهرها؛ لأنه استقر بالدخول، حرة كانت أو أمة، ماتت، أو قتلت نفسها، أو قتلها غيرها.
أما إذا هلكت قبل الدخول؛ نظر إن ماتت، أو قتلها أجنبي، أو قتلها زوجها - استقر مهرها ولا يسقط، حرة كانت أو أمة.
ولو قلتها مستحق المهر، نُص في الأمة إذا قتلت نفسها، أو قتلها سيدها - أن لا مهر لها. وقال في "الأم": إن قتلت الحرة نفسها قبل الدخول - لا يسقط شيء من مهرها.
قال ابن سريج: المسألة على قولين:
أحدهما: يسقط في الموضعين؛ لأن قطع النكاح قبل الدخول كان من قبلها؛ كما لو ارتدت قبل الدخول.
والثاني: لا يسقط؛ لأنها فرقة وقعت بانقضاء المدة؛ كما لو ماتت.
فإن قلنا: يسقط، ففي الأمة سواء قتلت نفسها أو قتلها سيدها [يسقط]؛ لأن السيد
[ ٥ / ٣٢٠ ]
يستحق المهر، فيسقط بفعله، والأمة - وإن لم تكن مالكة لمهرها، ولكن قد يسقط المهر [بصنعها]. فإنها لو ارتدت أو أرضعت الزوج قبل الدخول - يسقط مهرها.
وفي الحرة إن قتلت نفسها يسقط، وإن قلتها وليها لا يسقط؛ كما لو قتلها أجنبي.
وفرق الشيخ أبو إسحاق بين الحرة والأمة على ما نص - وهو الأصح- فقال: مهر الحرة لا يسقط بالقتل، ومهر الأمة إذا قتلت نفسها، أو قتلها سيدها - يسقط.
والفرق أن الحرة تصير المسلمة إلى الزوج بالعقد؛ بدليل أنها إذا أرادت السفر، كان للزوج منعها، والأمة لا تصير مسلمة بالعقد؛ بدليل أن للسيد أن يُسافر بها، فلم يستقر مهرها إلا بالدخول.
وقال الإصطخري: الأمة إذا قتلها أجنبي، أو مات قبل الدخول - يسقط لهذا المعنى، وهي كالسلعة المبيعة إذا تلفت قبل التسليم - يسقط الثمن، والمذهب أنه يسقط؛ لأن انتهاء النكاح بالموت كانتهاء الإجارة بمضي المدة.
قال الشيخ﵀: إذا قلنا بظاهر المذهب: إن السيد إذا قتل أمته يسقط مهرها.
وإذا تزوج رجل أمة أبيه؛ ثم وطئها الأب قبل دخول الابن بها - وجب أن يسقط مهرها؛ لأن قطع النكاح وجد من مستحق المهر قبل الدخول؛ كما لو قتلها سيدها.
وحكى المزني قولًا آخر: لا يسقط مهر الأمة، سواء قتلت نفسها، أو قتلها سيدها؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ كما لا يسقط مهر الحرة.
وقال أبو حنيفة: إذا قتلها سيدها سقط، وإن قتلت نفسها فلا يسقط.
فصل
إذا قبضت الحرة الصداق - يجب عليها تسليم نفسها إلى الزوج، إن كانت محتملة الجماع. أما الأمة المزوجة فلا يجب على المولى أن يئويها مع الزوج، ثم إن آواها مع الزوج ليلًا ونهارًا- يجب على الزوج له الصداق، وتمام النفقة، وإن منعها عنه ليلًا ونهارًا، لا نفقة عليه، ولا يُسلم المهر [ويجب تسليمها].
ولو زوج أمته، ثم باعها - يصح، والنكاح بحاله؛ لأن عائشة اشترت بريرة بإذن النبي - ﷺ - وكان لها زوج، فخيرها النبي - ﷺ - بعد ما عُتقت.
[ ٥ / ٣٢١ ]
ثم إن باعها حيثُ لا يقدر الزوج عليها - فلا نفقة على الزوج ما لم يسلمها المشتري إليه، ولا يجب تسليم المهر إن كان قبل الدخول، وإن كان قد سُلم يُسترد.
ثم المهر لمن يكون؟ نظر إن كان قد سمى لها صداقًا في العقد، صحيحًا أو فاسدًا - فالمهر للبائع، سواءٌ دخل بها بعد البيع، أو قبله، حتى لو طلقها الزوج بعد البيع قبل الدخول؛ فيكون نصف المهر للبائع.
وإن تزوجها مفوضة، ففرض لها قبل البيع؛ فيكون المفروض للبائع كالمسمى في العقد، وإن دخل بها قبل البيع والفرض -[فمهر المثل للبائع.
وأما إذا باعها قبل الفرض والدخول، ثم فرض لها بعد البيع، أو دخل بها - فالمفروض] ومهر المثل لمن يكون؟
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان؛ بناء على أن المفوضة إذا دخل بها زوجها، أو فرض لها، يجب المهر بالدخول والفرض، أم يتبين أنه وجب بالعقد؟ فيه قولان:
إن قلنا: يجب بالدخول والفرض، فيكون للمشتري؛ لأنه وجد في ملكه.
وإن قلنا: يتبين أنه وجب بالعقد؛ فيكون للبائع.
ومن أصحابنا من قال: يكون للبائع قولًا واحدًا؛ لأن البضع دخل في ضمانه بالعقد، فالعقد هو السبب. وكذلك كان لها المطالبة بالفرض قبل الدخول، والعقد كان في ملك البائع.
ولو مات أحدهما بعد البيع قبل الدخول- قلنا: يجب المهر؛ فالمهر لمن يكون؟
فعلى هذا الاختلاف.
أما إذا طلقها بعد البيع قبل الفرض والمسيس - فالمتعتة تكون للمشتري؛ لأنها تجب بالطلاق، والطلاق كان في ملك المشتري.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
ولو أعتقها السيدُ بعد ما زوجها، فكل موضع قلنا: يكون المهر في البيع للبائع؛ ففي العتق يكون للمعتق.
وإن قلنا هناك: يون للمشتري، ففي العتق يكون للمرأة، ثم حيث جعلنا المهر للبائع، أو للمعتق، وكان قبل الدخول - فليس لها، ولا للبائع، ولا للمعتق، ولا للمشتري حبسها لاستيفاء الصداق؛ لأن البائع والمعتق لا ملك لهما عليها، والمشتري والمرأة غير مالكين للصداق.
وإن قلنا: المهرُ للمشتري، أو لها في العتق، فيجوز للمشتري، ولها في العتق حبس نفسها لاستيفاء الصداق، وحيث جعلنا المهر للمعتق، فأوصى لها بذاك المهر ومات، وقبلت الوصية - لم يكن لها حبس نفسها لاستيفائه؛ لأن استحقاقها ليس بالنكاح، بل بالوصية؛ فعليها تسليم نفسها، وتطالبه بالصداق بحكم الوصية.
وكذلك لو زوج أم ولده، ثم مات قبل دخول الزوج بها وعتقت، وصار الصداق للوارث - ليس لها، ولا للوارث حبسها لاستيفائه، وكذلك إن أوصى لها بالصداق.
ولو زوج أمته تزويجًا فاسدًا، ثم باعها، فإن وطئها الزوج قبل البيع - فمهر المثل للبائع، وإن وطئها بعد البيع - فللمشتري؛ لأنه يجب بالوطء لا بالعقد، وإن أعتقها، فإن وطيء قبل العتق - فالمهر للمعتق، وإن وطيء بعده- فللمرأة.
ولو زوج أمته من عبده، فلا صداق لها، فلو أعتقها السيد، أو أعتق واحدًا منهما، ثم دخل بها- فلا يجب؛ لأن العقد لم يكن يجب به الصداق.
فصل هل يجب الإعفاف على بيت المال
إذا كان الرجل محتاجًا إلى النكاح - وهو معسرٌ - لا يجب إعفافه من بيت المال، ولا على المسلمين، ولا يجب على الأب إعفاف الابن، ويجب على الولد إعفاف الأب إذا كان مُعسرًا محتاجًا إلى النكاح؛ لأن دم الأب محقون بدم الولد؛ لأنه لا يقتل بولده، فلأن يكون محقونًا بماله أولى، ولم نوجب عليه تزويجه، فربما يقع في الزنا فيقتل به، سواء كان الولد ذكرًا أو أنثى، وكذلك ولدُ الولدِ - وإن سفل - يستوي فيه أولاد الابن، وأولاد البنت؛ كما في وجوب النفقة.
وفيه قول مخرجٌ: أنه لا يجب على الولد إعفاف الأب؛ كما لا يجب على الأب إعفاف الابن، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني والأول المذهب؛ لأنه أخذ ما به قوام
[ ٥ / ٣٢٣ ]
العالم، فيجب للوالد على الولد [كالنفقة].
وإن كان الأب معسرًا غير زمنٍ، ففي وجوب إعفافه قولان؛ كالنفقة.
وقال أبو إسحاق: يجب الإعفاف، وإن لم تجب النفقة؛ لأنه إذا لم يُنفق أنفق عليه من بيت المال، وإذا لم يعف لم يكن له جهة أخرى يتعفف بها.
وإذا اجتمع جدان محتاجان، فإن اتسع مال الولد - وجب إعفافهما ونفقتهما، وإن لم تتسع، نظر إن استويا في الدرجة، وأحدهما عصبةٌ- فهو أولى؛ مثل أب الأب أولى من أب الأم، وإن لم يكن واحد منهما عصبة، فهما سواء، وإن اختلفا في الدرجة فأقربهما درجة أولى، وإن استويا في التعصيب أو عدم التعصيب، كما أن الأب أولى من أب الأب، وكذلك أب الأم أولى من أب أب الأم، ومن أب أم الأم، وإن كان الأبعد عصبة دون الأقرب، فهما سواءٌ.
ونعني بالإعفاف أن يعطيه مهر امرأة حرة، مسلمة أو كتابية، أو يقول له: تزوج وأنا أعطي المهر [من عندي] أو يملكه جارية، أو ثمن جارية، لا أنه يقبل عليه العقد دون إذنه؛ لأنه لا ولاية له عليه، ولا يعقد إلا بوسط من النساء.
فلو أراد أن يُزوجه بامرأة عجوز، أو شوهاء، أو دنيئة - فله ألا يرضى.
ولو أراد الأب امرأة في غاية الشرف والجمال - ليس له ذلك، ثم على الابن أن يُنفق على زوجته، أو على أمته إن ملكه أمة، وهل يجوز للأب أن يتزوج أمةً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه معسر يخاف العنت.
والثاني: لا يجوز وهو الأصح؛ لأنه لما أوجب على الابن إعفافه، فهو موسرٌ بمال الابن.
ولو ملكه الابن جارية، ثم أيسر الأب - لا رجوع للابن فيها؛ كما لو دفع إليه النفقة، ثم أيسر والنفقة باقية - لا يرجع.
ولو زوجه امرأة، فطلقها الأب بلا عُذر، أو خالعها، أو ملكه أمة، فأعتقها - لا يجب عليه الإبدال؛ لأنه مفرط.
وإن ماتت، أو فارقته بعيبٍ، أو فارقها الأب بعذرٍ من عيبٍ وُجدَ بها، أو طلقها لشقاقٍ، أو نُشوزٍ يجب أن يُبدل؛ كما لو دفع إليه نفقة، فسرق منه - يجب الإبدال.
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وإن كان الفراقُ بائنًا يجب أن يبدل في الحالِ، وإن كان طلاقًا رجعيًا، فحتى تنقضي عدتها، ولا يجب قبل ذلك؛ كما لا يجب قبل مفارقتها.
ويجوز للابن أن ينكح جارية الأب، والولد يخلق رقيقًا للجد، ثم يعتق عليه بحكم النسب، ولا يجب على الابن قيمة الولد؛ لأنه لم يمنع الرق، بل يعتق على الجد بحكم الملك.
ولو وطيء الابن جارية الأب، فهو كالأجنبي يطؤها، وإن كان [وطئها] بشبهة ظنها زوجته الحرة، أو أمة مملوكة - فالولد حرٌّ لا ولاء عليه، على أصح الوجهين، وعليه قيمة الولد للأب يوم سقط، [وإن ظنها زوجته الأمة، فالولد يُخلق رقيقًا، وعتق على الجد؛ ولا يجب قيمته].
وإن وطئها عالمًا بالتحريم، فهو زنًا عليه الحد، بخلاف ما لو سرق مال الأب لا قطع عليه؛ لأن له شبهة في ماله بوجوب النفقة؛ كالعبد يسرق مال سيده لا قطع عليه.
ولو زنا بارية سيده يُحد، ويجب المهر إن كانت مُكرهة، وإن طاوعت، فلا يجب على أصح الوجهين، ولو أتت بولدٍ، فهو رقيقٌ للأب، ولا يعتق عليه؛ لأن النسب غير ثابتٍ.
فأما الأب إذا وطيء جارية الابن - فلا يخلو، إما أن كان الابن قد وطئها، أو لم يطئها، فإن لم يطئها فلا حد على الأب لشبهة المِلك.
قال النبي - ﷺ - "أنت ومالك لأبيك"؛ لأنه قد يستحق على الابن من جنس ما استوفاه؛ لأن على الولد إعفاف الأب؛ كما لو سرق مال الابن لا قطع عليه؛ لأنه يستحق عيه النفقة عند الحاجة.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
وكذلك لو وطيء رجلٌ جارية ابنته أو جارية واحدٍ من أولاد أولاده- وإن سفلوا من الذكور والإناث - سواء كان الابن مسلمًا أو ذميًا، موسرًا كان أو معسرًا - ويجب عليه المهر، وحُرمت على الابن على التأبيد.
ثم إن لم يُحبلها الأب لا يزول ملك الابن، ولا شيء على الأب بسبب تحريمها على الابن؛ كما لو أرضعت امرأة الرجل بلبنه جارية له صغيرة - تحرم عليه، ولا يجب عليها شيء، بخلاف ما لو أفسد نكاحه بوطء شبهة؛ بأن وطيء زوجة ابنه، أو زوجة أبيه بشبهة - ينفسخ النكاح، [ويغرم المهر؛ كما لو أفسدت النكاح بالإرضاع على رجل - غرمت المهر؛ لأن الحل في النكاح] متقومٌ؛ إذ ليس فيه إلا الحِل، وفي ملك اليمين غير متقوم؛ بدليل أنه لو اشترى جارية فوجدها أخته - لا رد له، وإن أحبلها الأب، فهل تصير أمَّ ولد له فيه قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة: تصير أم ولدٍ له؛ لأنها علقت [منه] بحر في شبهة الملك؛ فتصير أم ولدٍ له؛ كالجارية المشتركة يستولدها أحد الشريكين - وهو موسر - تصير أم ولدٍ له.
والثاني - وهو اختيارُ المزني: لا تصير أم ولدٍ له؛ لأنه لا مل له فهيا وقت الإحبال؛ كما لو استولد جارية بالنكاح، ثم اشتراها - لا تصير أم ولد له.
ولا فرق على القولين بين أن يكون الأب موسرًا، أو معسرًا، بخلاف الجارية المشتركة بين اثنين، إذا استولدها أحدهما، وهو معسر لا يصير نصيب الشريك أم ولد له؛ لأن تنفيذ الاستيلاد هناك لدفع الضرر عن الشريك، فلو نفذنا في حال الإعسار - تعلق حقالشريك بذمة خربة، وفيه ضرر عليه، ولا يزال الضرر بالضرر، ونفوذ الاستيلاد هاهنا لشبهة الملك، فاستوى فيه حالة الإعسار واليسار في حقيقة الملك.
فإن قلنا: تصير أم ولدٍ له، فالولد حُرٌّ لا ولاء عليه، ولا يجب على الأب قيمته؛ لأنا نحكم بانتقال الملك إليه قبل العلوق، وعلى الأب قيمة الجارية مع المهر للابن.
[ ٥ / ٣٢٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا يجب المهر، ويدخل في القيمة، فنقيس على الجارية المشتركة يستولدها أحد الشريكين؛ يجب عليه نصف المهر مع نصف القيمة، ولا يدخل نصف المهر في نصف القيمة؛ كذلك هاهنا لا يدخل كل المهر في كل القيمة.
ولو اختلفا في قيمة الجارية، فالقول قول الأب مع يمينه؛ لأنه غارمٌ.
وقيل: فيه قولان؛ كما لو اشترى عبدين، فهلك أحدهما، ووجد بالثاني عيبًا، وقلنا: يجوز له رده، فإن اختلفا في قيمة الهالك، فالقول قول من يكون؟ فيه قولان.
وإن قلنا: لا تصير الجارية أم ولد له- فالولد غير ثابت النسب، وهل يجب عليه الولاء - فيه وجهان:
الأصح: أن لا ولاء عليه، ويجب على الأب قيمة الولد للابن، باعتبار يوم السقوط، لأن الرق امتنع فيه بسببه؛ فكأنه أتلف الرق، ويجب عليه المهر، ولا يجب عليه قيمة الجارية؛ لأن ملك الابن باقٍ عليها، وإن كانت محرمة عليه، ولا يجب عليه بسبب التحريم شيء، ولا يجوز للابن بيع تلك الجارية ما لم تضع الحمل، لأن في بطنها ولدًا حُرًا.
وهل يجب على الأب قيمة الجارية للحيلولة إلى أن تضع الحمل، ثم يسترد بعد الوضع؟ - فيه وجهان:
الأصح: لا يجب؛ لأن الجارية في يد الابن يستخدمها، وكذلك حكم الجارية المغرور بحريتها، والموطوءة بشبهة إذا حبلت.
وإذا ملك الأب هذه الجارية بعده، هل تصير أم ولد له - فيه قولان؛ كالموطوءة بالشبهة.
فأما إذا كانت الجارية قد وطئها الابن، ثم وطئها الأب عالمًا بالحال - فهل عليه الحد - فيه قولان؛ كمن ملك أخته بالنسب أو بالرضاع فوطئها.
أصحهما: لا يجب؛ لشبهة الملك.
والثاني: يجب؛ لأنها محرمةٌ عليه على التأبيد، وكذلك لو اشترى جارية وابنتها، فوطيء الأم - حُرمت البنت على التأبيد، فلو وطيء البنت بعده عالمًا، هل عليه الحد - فيه قولان:
فإن قلنا: يجب الحد، فإذا استولدها الأب في هذه المواضع - لا تصير الجارية أم ولد له.
والولد رقيق للابن غير ثابت النسب، ولا تحرم الجارية على الابن، ويجب المهر على
[ ٥ / ٣٣٠ ]
الأب إن كانت الجارية مكرهة، وإن طاوعت فلا يجب على الأصح؛ كما لو زنا بجارية أجنبي.
وإن قلنا: لا حد عليه، أو كان جاهلًا - فعليه المهر، والجارية محرمة عليهما جميعًا على التأبيد، وإذا استولدها الأب هل تصير أم ولد له - نظر؛ إن كان الابن استولدها فلا تصير أم ولد؛ لأن أم الولد لا تنتقل من ملك على ملكٍ، وإن لم يكن الابن قد استولدها، فهل تصير أم ولد للأب فعلى قولين، كما ذكرنا فيما إذا لم يكن الابن قد وطئها:
أظهرهما: تصير أم ولدٍ له.
وإن قلنا: تصير أم ولد له- فعليه قيمة الجارية للابن، ولا يجب قيمة الولد ولا ولاء عليه، وإن قلنا: لا تصير أم ولد له - عليه قيمة الولد ولا يجب عليه قيمة الجارية، وهل على الولد ولاءٌ - فيه وجهان:
الأصح: أن لا ولاء عليه.
ولو كانت جارية الابن في نكاح الغير، ولم يرتفع النكاح، فوطئها الأب وأحبلها - صارت أم ولدٍ للأب على أظهر القولين؛ كما لو لم تكن في نكاح الغير، ولا يرتفع النكاح بانتقال الملك إلى الأب؛ كما لو وطئها سيدها وأحبلها - صارت أم ولد له، ولا ينفسخ النكاح، ولا يجوز للزوج أن يقربها، حتى تضع الحمل، وتطهر من النفاس.
ولو وطيء الأب مكاتبة ابنه، واستولدها - هل تصير أم ولد له - فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن المكاتبة لا تقبل النقل من ملك على ملك؛ كأم الولد.
والثاني: وهو الأصح؛ أنها كالقنة؛ لأن الكتابة تقبل الفسخ، بخلاف الاستيلاد.
ولو استولد جارية مشتركة بين أبيه وبين أجنبي - فنصيب الابن يصير أم ولدٍ على القول الأظهر، ثم إن كان موسرًا سرى إلى نصيب الشريك، والولد حر لا ولاء عليه، وعليه كمال المهر، وكمال قيمة الجارية للابن والأجنبي.
وإن كان معسرًا فنصيب الشريك لا يصير أم ولدٍ له، والولد نصفه حر ونصفه رقيق على أصح القولين، وإن كان الأب رقيقًا استولد جارية ابنه - لا تصير أم ولدٍ له؛ لأنه لا ملك له ولاتصير جارية ولا حد عليه للشبهة، والولد ثابت النسب، وهل يكون حرًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: هو رقيقٌ لرق الأبوين.
والثاني: وبه أفتى الشيخ القفال؛ أنه حر كولد المغرور، وقيمته في ذمته إلى أن يعتق، والمهر يتعلق برقبته إن كانت مُكرهة، وكذلك لو أكره العبد حرة فوطئها، وإن كانت طائعة - فقولان؛ كما لو وطيء العبد أجنبية بالشبهة:
[ ٥ / ٣٣١ ]
أحدهما: يتعلق برقبته.
والثاني: بذمته، وكذلك من نصفه حر ونصفه رقيق، إذا استولد جارية ابنه - لا تصير أم ولد له، والولد نصفه حر، وفي النصف الآخر فيه وجهان.
قال الشيخ - ﵀ -: فإن قلنا: كله حر، فعليه كمال قيمة الولد، نصفها في كسبه، ونصفها في ذمته.
وإن قلنا: نصفه حر، فعليه قيمة نصفه، ويكون في كسبه.
ولو استولد المكاتب جارية ابنه، فهل تصير أم ولدٍ؟
فيه وجهان، بناء على ما لو استولد جارية نفسه، هل تثبت أمومة الولد؟ - فيه قولان.
ولو تزوج الأب جارية الابن، فهل يصح أم لا؟ - نظر؛ إن كان الأب رقيقًا - يصح؛ لأنه لا يجب على الابن إعفافه.
وإن كان حرًا - موسرًا أو معسرًا - بحيث يجوز له نكاح الأمة.
فإن قلنا: يجب على الابن إعفافه - لا يجوز.
وإن قلنا: لا يجب إعفافه، أو كان الابن معسرًا - لا يجب عليه الإعفاف للأب، فيبني على أن استيلاد الأب هل ينفذ أم لا؟
إن قلنا بظاهر المذهب: إنه ينفذ - لا يجوز؛ لأن كل جارية ينفذ استيلادها- لا يجوز له أن يتزوجها كجارية نفسه.
وإن قلنا: لا ينفذ فيجوز.
ولو تزوج رجل جارية، ثم ملكها ابنه - نظر؛ إن كان الأب رقيقًا لا ينفسخ النكاح، وإن كان حرًا، وقلنا بظاهر المذهب: إنه لا يجوز أن ينكح جارية الابن - فهل ينفسخ النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ؛ كما لو تزوج جارية، ثم اشتراها -[ينفسخ النكاح].
والثاني: وهو الأصح: لا ينفسخ النكاح؛ لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء؛ كما أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح، ولا ترفع دوامه.
وإن قلنا: لا ينفسخ النكاح، أو جوزنا له أن يتزوجها ابتداءً، فاستولدها - لا تصير أم ولدٍ له؛ لأنها علقت برقيقن بخلاف ما لو أحبلها بغير النكاح.
وعند أبي حنيفة: يجوز للأبِ أن يتزوج جارية الابن.
[ ٥ / ٣٣٢ ]
فصل في تسري المملوك
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [الحج: ٥، ٦].
والمراد من الآية: الأحرار.
قال ابن عمر - ﵄-: "لا يطأ الرجل إلا وليدة، إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء صنع بها ما شاء".
ولا يجوز للعبد أن يتسرى؛ لأنه لا ملك له، فلو ملكه السيد مالًا، وقبل، ففيه قولان:
في الجديد: لا يملك.
وفي القديم: يملك.
فعلى هذا لا يملك التصرف فيه إلا بإذن السيد، وإن كانت جارية ليس له أن يطأها، فإن أذن له السيد في وطئها - جاز له أن يطأها على قوله القديم.
ولو وطأها على هذا القول دون إذنه لا حد عليه لشبهة الملك، ولو استولدها فالولد مملوك للعبد، غير أنه لا يعتق عليه لنقصان ملكه، فإن أعتق عتق الولد، والمذهب الأول أنه لا يملك، ولا يحل الوطء، وإن أذن السيدُ، بخلاف سائر الأملاك من: اللبس، والأكل، والطيب؛ يحل للعبد بإذن السيد، لأن الإباحة تجري فيها، ولا تجري في البضع.
ولو وطئها، واستولدها - يكون الولد رقيقًا للمولى، وكذلك حكم المُدبر، والمعلق عتقه بالصفة.
أما من نصفه حر، ونصفه رقيق إذا حصل له مال بنصفه الحر، فاشترى به جارية - يملكها، ولكن لا يجوز له وطؤها دون إذن السيد، فإن أذن له السيد يجوز له وطؤها على القول القديم، ولا يجوز على قوله الجديد؛ لأن بعضه مملوك، وما فيه من الملك يمنع التسري.
وأما المكاتبُ: فلا يجوز له التسري بغير إذن الولى، وهل يجوز بإذنه؟ فيه قولان؛ بناء على تبرعاته، هل تنفذ بإذنه؟
فعلى قولين.
[ ٥ / ٣٣٣ ]
وقيل: يبني المكاتب على العبد إن قلنا: العبدُ لا يتسرى؛ فالمكاتب أولى.
وإن قلنا يتسرى ففي المكاتب قولان، بناء على تبرعاته.
فصل في نكاح الزانية
رُوي أن رجلًا قال للنبي - ﷺ-: "إن امراتي لا ترد يد لامس". فقال: "طلقها". قال: إني أحبها. قال: "أمسكها".
إذا زنت امرأة تحت زوج - لا ينفسخ النكاح، ولو نكح عفيف زانية - يصح، ويُكره. وقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] نزلت في بغي كافرة يقال لها؛ عناق.
وقال سعيدُ بن المسيب: الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: ٣٢]، فلو نكح رجل حاملًا من الزنا يجوزُ؛ لأنه لا عدة عليها، ولكن لا يطؤها ما لم تضع الحمل.
وقيل: يجوز أن يطأها؛ لأنه لا حرمة لماء الزنا.
وقال أبو يوسف: لا يجوز نكاح الحامل من الزنا.
وقال مالك: لا يجوز نكاح الزانية ما لم تنقض عدتها.
[ ٥ / ٣٣٤ ]
باب نكاح العبد وطلاقه
قال ابن عمر - ﵄ -: "إذا طلق العبد امرأته اثنتين - حُرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره"، ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من امرأتين، يستوي فيه القن، والمدكر، والمكاتب، ومن بعضه رقيقٌ، لا يملك على زوجته أكثر من طلقتين، سواء كانت زوجته حرة، أو أمة، ويملك الحر على زوجته الأمة ثلاث طلقات اعتبارًا بالزوج؛ لأنه المالك للطلاق.
وعند أبي حنيفة: الاعتبار في الطلاق بالمرأة، والعبد يملك على زوجته الحرة ثلاث طلقات، والحر لا يملك على زوته الأمة إلا طلقتين.
[ ٥ / ٣٣٧ ]
ودليلنا: ما رُوي أن نُفيعًا سأل عثمان وزيدًا، فقال: طلقت امرأة لي حرة طلقتين، فقال: حرمت عليك، وكان نفيعٌ عبدًا.
وكذلك من بعضه رقيق. والله أعلم بالصواب.
باب ما يحرم ويحل من نكاح الحرائر والإماء
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية.
أسباب الوصلة المحرمة للنكاح ثلاثة: نسبٌ، ورضاعٌ، ومصاهرة، والمحرماتُ بهذه
[ ٥ / ٣٣٨ ]
الأشياء أربع عشرة: سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، وأربع بالمصاهرة، وواحدة بسبب الجمع.
أما بالنسب: فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾.
فكل امرأةٍ ولدتك، أو ولدت من ولدك من الذكور والإناث - وإن علا فهي من الأمهات، وكل امرأة ولدتها، او ولدت من ولدها من الذكور والإناث - وإن سفل. فهي
[ ٥ / ٣٣٩ ]
من البنات. وكل امرأة ولدها أحد أبويك فهي أختك. وكل امرأةٍ ولدها من ولدَ
[ ٥ / ٣٤٠ ]
آبائك، أو أحدٌ من أجدادك - وإن علا - فهي من العمات، وكل امرأةٍ ولدها من ولد أمك، أو واحدة من جداتك، فهي من الخالات، وكل امرأة ولدها أخوك، أو أحد من أولاد أخيك - وإن سفل فهي من بنات الأخ، سواء كان الأخ [لأب وأم]، أو لأبٍ أو لأم، وكل امرأةٍ ولدتها أختك، أو واحد من أولاد إخوتك - وإن سفل، فهي من بنات الأخت، من أي جهة كانت.
وجملة ما قاله أبو إسحاق الإسفراييني: يُحرم على الرجل أصوله، وفصوله، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده.
[ ٥ / ٣٤١ ]
أما المحرمات بالرضاع: قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
[ ٥ / ٣٤٢ ]
ورُوي عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "يحرم من [الرضاع] ما يحرم من الولادة".
[ ٥ / ٣٤٥ ]
وتفصيله: كل امرأة أرضعتك، أو أرضعت واحدًا من آبائك، أو أجدادك، أو جدادتك - وإن علا- فتلك المرضعة وأمهاتها، وأمهات الفحل الذي هو صاحب اللبن جداتهما - وإن علون - من الرضاع والنسب - في معنى الأمهات، وأخوات المرضعة، وأخوات صاحب اللبن وأخوات آبائهما وأجدادهما أو جداتهما - وإن علون - من الرضاع والنسب - في معنى العمات والخالات، وبنات المرضعة، وبنات، صاحب اللبن من الرضاع والنسب - أخواتك وبنات أولادهما - وإن سفلن من الرضاع والنسب - في معنى بنات الأخ والأخت.
وكل امرأة أرضعتها امرأتك بلبنك، أو واحدة من بناتك، أو بنات أولادك، أو امرأة بلبن واحدٍ من بنيك، أو بني أولادك - وإن سفلوا - فهي أو بناتها أو بنات أولادها من الرضاع والنسب - في معنى البنات.
وكل امرأة أرضعتها أمك، أو امرأة بلبن أبيك - فهي أختك وبناتها أو بنات أولادها من الرضاع والنسب - وإن سفلن - في معنى بنات الأخت.
وإن كان الرضيع ذكرًا، فبناته وبنات أولاده من الرضاع والنسب في معنى بنات الأخ. وكل امرأة أرضعتها أختك، أو امرأة بلبن أخيك - فهي وبناتُها وبناتُ أولادها - وإن سفلن - من الرضاع والنسب - في معنى بنات الأخ والأخت.
وكل امرأةٍ أرضعتها واحدةٌ من جداتك، أو امرأة بلبن واحدٍ من أجدادك - وإن علا - من الرضاع والنسب - فهي في معنى العمات والخالات.
وأربع من النسوان يتصورن حلالًا في الرضاع، ولا يُتصور وود ذلك في النسب - أم أختك، وأم نافلتك، وجدة ولدك، وأخت ولدك، فهؤلاء في النسب حرام؛ لأن أم أختك، إما أن تكون أمك، أو زوجة أبيك.
وأم نافلتك؛ إما أن تكون ابنتك، أو زوجك ابنك.
وجدة ولدك؛ إما أن تكون أمك، أو أم امرأتك.
وأخت ولدك: إما أن تكون ابنتك أو ربيبتك.
[ ٥ / ٣٤٦ ]
ففي الرضاع تتصور أم أخت لا تكون أمًا ولا زوجة أب؛ مثل: أن أرضعت امرأة أختك أو أخاك - لا تحرم تلك المرأة عليك، وإن كانت أمًا لك، أو زوجة لأبيك من الرضاع - تحرم.
وتتصور أم نافلة لا تكون ابنتك ولا زوجة ابنك؛ مثل: أن أرضعت امرأة نافلتك - لا تحرم عليك، وإن كانت ابنتك أو زوجة ابنك من الرضاع - حُرمت عليك.
وتتصور جدة ولدك [لا تكون أمك] ولا أم امرأتك؛ بأن أرضعت [امرأة] ولدك - فأمها لا تحرم [عليك].
فإن كانت أمك وأم امرأتك من الرضاع - حُرمت عليك.
وتتصور أخت ولدك لا تكون ابنتك من الرضاع، ولا ربيبت؛ بأن أرضعت امرأة ولدك - فلا تحرم عليك أخت ابنتها، وهي أخت ولدك، وإن كانت أخت الولد ابنتك من الرضاع، أو ربيبتك - حُرمت عليك، ولا تُحرم عليك أخت أخيك؛ لا من النسب، ولا من الرضاع.
بيانه: من النسب: رجلٌ له أخ من أبٍ، وأختٌ من أم - يجوز لأخيه من الأب أن ينكح أخته من الأم.
وبيانه من الرضاع: امرأة أرضعت غُلامًا وجارية أجنبيين، وللغلام أخ من النسب - يجوزُ لذلك الأخ أن يتزوج الجارية التي هي أخت الغلام بالرضاع.
أما المحرمات بالمصاهرة: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وقال: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، فيحرم على الرجل حليلة الأب بنفس العقد.
[ ٥ / ٣٤٧ ]
وكذلك حلائل أجداده - وإن علوا - من قبل الأب الأمن سواء كان الأب من الرضاع، أو من النسب.
وكذلك تحرم حليلة الابن، وحلائل أبناء أولاده - وإن سفلوا - من النسب، أو
[ ٥ / ٣٤٩ ]
الرضاع، وكذلك تحرم على الرجل أم زوجته، وأمهاتها، وجداتها من قبل أبيها، أو من قبل أمها من النسب، ومن الرضاع.
ويحرم هؤلاء بنفس العقد، حتى لو فارق المرأة، أو مات عنها قبل الدخول - لا يحل له نكاح هؤلاء.
[ ٥ / ٣٥١ ]
والرابعة: ابنة الزوجة تحرم على الرجل بعد الدخول بالأم، وكذلك بنات أولادها - وإن سفلوا - من النسب والرضاع جميعًا.
فإن مات عنها، أو فارقها قبل الدخول بها- يحل له نكاح ابنتها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وقال مالك: لا تحرم الربيبة، إلا أن تكون مرباة في حجره.
قال علي: أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت.
وعامة العلماء على خلافه؛ لأن تحريم الأم مطلقٌ، وتحريم الربيبة مقيدٌ بالدخول بالأم.
وقال داود: لا تحرم حليلة الابن من الرضاع؛ لأن الله - تعالى- قال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
[ ٥ / ٣٥٢ ]
قلنا: التقييد بابن الصلب؛ ليعلم أن زوجة المتبني لا تُحرم، ولا تحرم أم حليلةِ الأب، ولا أم حليلة الابن، ولا حليلة الراب والربيب، وكل من يحرم بعقد النكاح من هؤلاء يحرم بالوطء بملك اليمين، أو بالشبهة.
فصل في تحريم الجمع
قال الله - تعالى-: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
رُوي عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها".
[ ٥ / ٣٥٣ ]
لا يجوزُ الجمعُ بين الأختين في النكاح، سواء كانتا من أب وأم واحدة، أو من أبوين وأم واحدة، أو من أمين وأبٍ واحدٍ، وسواء كانتا أختين من النسب أو من الرضاع.
[ ٥ / ٣٥٩ ]
وكذلك لا يجوز الجمع بين العمة وبنت الأخ، أو بنات أولاد الأخ - وإن سفلن، ولا بين الخالة وبنت الأخت، أو بنات أولاد الأخت - وإن سفلن - من الرضاع والنسب جميعًا.
والمعنى فيه بعد الخبر أن هذه قرابة تجب صلتها، والجمع بينهما يسبب القطيعة؛ لما يكون بين الضرتين [من المنافسة] والخشونة.
والحد فيه: أن كل امرأتين لو قدرت أحداهما ذكرًا حرمت الأخرى عليه - يحرم الجمعُ بينهما في النكاح، وهذا في النسب والرضاع دون المصاهرة، حتى يجوز الجمع بين
[ ٥ / ٣٦٠ ]
المرأة وزوجة أبيها، وكذلك بين المرأة وزوج ابنها، وإن كُنا لو قدرنا إحدهما ذكرًا حرمت الأخرى.
وكذلك يجوز الجمع بين المرأة وربيبة زوجها من امرأة أخرى، وبين بنت الرجل وربيبته، لأنا لو قدرنا أحداهما ذكرًا لا تحرم الأخرى عليه.
ولو نكح رجل أختين معًا، فالنكاحان باطلان، وإن نكح واحدة، ثم نكح الأخرى قبل أن أبان الأولى - فنكاح الثانية باطل.
فإذا وطيء الثانية جاهلًا بالحكم يجب عليه مهر المثل، وعليها العدة.
ويجوز له وطء الأولى في عدة الثانية، غير أن المستحب ألا يطأها ما لم تنقض عدة الثانية.
ولو نكح أمًا وابنتها معًا، فنكاحهما باطلٌ، وإن نكح أحداهما بعد الأخرى - فنكاحُ الثانية باطل.
وإن وطيء الثانية جاهلًا حرمت الأولى عليه على التأبيد.
وهل يجوز نكاح الثانية؟ نُظر؛ إن كان بعد الدخول بمنكوحته - لا يحل أبدًا، وإن كان قبل الدخول بها - نظر؛ إن كانت المنكوحة هي البنت فلا تحل؛ لأن الأم حرمت بالعقد على البنت، وإن كانت المنكوحة هي الأم يجوز له نكاح الثانية.
فصل في الجمع بملك اليمين
سُئل عثمان -﵁- عن الأختين في ملك اليمين، هل يُجمع بينهما؟
قال: أما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك.
وقال عليٌّ - ﵁ -: لو كان إليَّ من الأمر شيء، ثم وجدت أحدًا فعل ذلك - جعلته نكالًا.
كل امرأتين لا يجوز الجمع بينهما بعقد نكاح، فإذا اشتراهما رجل يصح العقد؛ لأنه ليس المقصود منه الاستمتاعح بدليل أنه يجوز ان يشتري من لا يحل له وطؤها، ولكن لا
[ ٥ / ٣٦١ ]
يجوز أن يجمع بينهما وطئًا؛ لأن الوطء في ملك اليمين بمنزلة عقد النكاح.
فلو اشترى أمةً وابنتها، فوطيء إحداهما - حُرمت الأخرى على التأبيد.
فلو وطيء الأخرى بعده - نظر؛ إن كان جاهلًا بالتحريم حرمتا على التأبيد، وإن كان عالمًا، فهل عليه الحد بوطء الثانية؟ - فيه قولان:
فإن قلنا: لا حد عليه، حرمتا عليه.
وإن قلنا: يجب الحد. فلا تحرم الأولى عليه.
ولو اشترى أختين، أو جارية وعمتها، أو خالتها، فإذا وطيء أحداهما، فلا يجوز له وطء الأخرى ما لم - يحرم الموطوءة على نفسه، فإذا حرمها ببيع، أو هبة، أو تسليم، أو إعتاق، أو تزويج، أو كتابةٍ، أو باع بعضها - جاز له وطء الأخرى.
قال أبو حنيفة - ﵀-: بالتزويج والكتابة لا يحل له وطء الأخرى، ولو كانت إحدى الأختين مجوسية، أو أخته من الرضاع، فوطئها بالشبهة - جاز له وطء الأخرى؛ لأن تحريم هذه مؤبدة، والمجوسية يقر عليه، بخلاف المرتدة.
فلو حرمت الموطوءة، أو وُطئت بالشبهة حتى لزمتها العدة، أو ارتدت - لا تحل له الأخرى.
ولو باع الموطوءة، ثم ردت عليه بعيب، أو استغلها أو كاتبها، ثم عجزت، أو وبها من ابنه، ثم استرجعها -لا يحل له وطء الأخرى قبل الاستبراء.
فإذا استبرأها نظر؛ إن لم يكن وطيء الثانية بعد تحريم الأولى، فله أن يطأ أيتهما شاء، ثم لا يطأ الأخرى.
وإن كان قد وطئها لم يكن له وطء هذه التي عادت إليه ما لم تحرم الأخرى على نفسه.
فلو أنه وطيء أحداهما ثم وطيء الأخرى قبل تحريم الأولى على نفسه - لا حد عليه لشبهة الملك، ولا يجوز له أن يعود على وطء الثانية حتى تحرم الأولى على نفسه، وله أن يستخدمها.
ويجوز له وطء الأولى، غير أن المستحب ألا يطأها حتى يستبرئ الثانية.
ولو ملك عبدًا مع ثلاث أخوات متفرقات - يجوز له الجمع في الوطء بين أخته من أبيه، وبين أخته من أمه؛ لأنهما أجنبيان، ولا يجوز أن يجمع بين واحدةٍ منهما مع التي هي لأبٍ وأم.
ولو اشترى أمة، ثم نكح أختها أو عمتها أو خالتها- يجوز، وإن كان بعد وطء
[ ٥ / ٣٦٢ ]
الأمة، ثم لا يجوز له الوطء بملك اليمين بعده، وإن تقدم ملك اليمين على ملك النكاح؛ لأن ملك النكاح يراد للوطء؛ بدليل أنه لا يجوز أن ينكح من لا يحل له وطؤها، فيقدم الوطء فيه على ملك اليمين.
باب الزنا لا يحرم الحلال
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
إذا وطيء امرأة بملك النكاح، أو بملك اليمين - ثبتت المصاهرة، وهو أنه تحرم على الواطيء أم الموطوءة، وابنتها، وتحرم الموطوءة على أب الواطيء، وابنه.
ولا يتعلق بوطء النكاح إلا تحريم الربيبة؛ لأن سائر المحرمات تثبت بنفس العقد، ويتعلق الكل بالوطء بملك اليمين.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
وكذلك إذا وطيء امرأة بشبهة [ملك] النكاح، أو بملك يمين، أو وطيء جارية ابنه المشتركة بينه وبين غيره - تتعلق به هذه المحرمات.
ولو نكح مشرك امرأة على اعتقادهم، هل تثبت حرمة المصاهرة بالعقد؟
فيه وجهان: فإن قلنا: أنكحة المشركين يحكم لها بالصحة - ثبت وهو الأصح، وألا فلا يثبت ما لم يوجد الوطء، والوطء بملك النكاح وملك اليمين، كما يثبت الحرمة يثبت المحرمية، حتى يجوز للواطيء أن يخلوا بأم الموطوءة وابنتها، ويسافر بهما، [ويجوز] لأبي الواطيء وابنه الخلوة بالموطوءة، والمسافرة بها.
فأما وطء الشبهة هل يثبت المحرمية؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت، كما يثبت الحرمة والنسب.
والثاني: لا يثبت، وهو الأصح؛ قاله في "الإملاء"؛ لأن ثبوت الحرمة فيه بسببٍ غير مُباحٍ.
[ ٥ / ٣٦٤ ]
إذا زنا بامرأةٍ لا تثبت به حرمة المصاهرة، حتى يجوز للزاني أن ينكح أم المزني بها وابنتها، ويجوز لأب الزاني وابنه - نكاح المُزني بها؛ لأن ثبوت حرمة المصاهرة نعمةٌ من الله - تعالى - فلا يثبت بالزنا؛ كما لا يثبت به النسب، وكما لا تحرم المزنى بها بوجوب العدة على سائر الناس؛ وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: تثبت بالزنا حرمة المصاهرة.
وإن كان أحدهما زانيًا دون الثاني، ففيه وجهان:
[ ٥ / ٣٦٥ ]
أحدهما: وهو الأصح: الاعتبار بالرجل، وإن كان الرجل جاهلًا وهي عالمة - تثبت حرمة المصاهرة؛ كما يثبت النسب، ولا تجب العدة، ولا يجب لها المهر.
وإن كان الرجل عالمًا وهي جاهلة، أو نائمة، أو مكرهة - فلا تثبت حرمة المصاهرة؛ كما لا يثبت النسب، ولاتجب العدة، ويجب المهر.
والوجه الثاني: في أيهما كانت الشبهة حرمة المصاهرة، وكذلك العاقلة البالغة إذا مكنت مجنونًا أو مراهقًا.
ولو أتى امرأته في دبرها، أو أجنبية بالشبهة - ثبتت حرمة المصاهرة؛ كما لو أتاها في القُبُل، ويثبت به النسب، وتجب العدة.
ولو قبل امرأة، ولمسها بشهوة، أو فاخذها في موضع الشبهة - هل تثبت به حرمة المصاهرة؟
وفي الزوجية، هل تحرم الربيبة؟ فيه قولان:
أصحهما - وهو قول أكثر أهل العلم: تثبت؛ لأنه استمتاع يُوجب الفدية على المحرم كالوطء.
[ ٥ / ٣٦٦ ]
والثاني: لا تثبت؛ لأنه لا يوجب العدة؛ كاللمس بغير الشهوة، أو بالنظر بالشهوة. فأما إذا لمس أجنبية بالشهوة، أو فاخذها عالمًا - فلا تثبت كالزنا.
فإن قلنا: تثبت، فلو قبلت امرأة ابن زوجها بالشهوة عالمةً وهو جاهل - يرتفع النكاح بينها وبين زوجها.
وإن كان الابن عالمًا وهي جاهلة - لا يرتفع على أصح الوجهين.
ولو نظر إلى امرأة بالشهوة - لا تثبت الحرمة، وسواء نظر إلى وجهها، أو إلى فرجها.
قال أبو حنيفة، والثوري: إن نظر إلى فرجها تثبت.
ولو تلوط بغلام لا تحرم على الفاعل ابنته.
وقال الأوزاعي، وأحمد: تثبت.
ولو استدخلت امرأة مني زوجها، أو مني أجنبي بالشبهة - يثبتُ به النسب، وحرمة المصاهرة، وتجب العدة، ولا يحصل به الإحصان، والتحلل.
وفي تقرير المهر ووجوبه للمفوضة، وفي وطء الشبهة، ووجوب الغسل، وثبوت الرجعة في الزوجة - وجهان، سواء أنزل الزوج باحتلام، أو استمناء:
أصحهما: لا تثبت.
وفي الأجنبي إن كان أنزل بزنا لا يثبت النسب.
وإن استدخلت ماء زوجها، ولكن الزوج أنزله بزنا - قيل: لا يثبت به النسب، ولا المصاهرة؛ ولا تجب العدة، ولا يجب المهر.
قال الشيخ: وجب أن يثبت؛ كما لو وطيء زوجته على اعتقاد أنه يزني بأجنبية. ولو زنا بامرأة، فأتت منه بولد - فلا يثبت به النسب ولا شيء من أحكامه، حتى لو أتت منه ببنت يجوز للزاني أن ينكحها، والورع ألا يفعل.
وقال أبو حنيفة: [يجوز] أن ينكحها.
قال بعض أصحابنا: إن تحقق أنها من مائه - لا يجوز أن ينكحها.
[ ٥ / ٣٦٧ ]
باب نكاح حرائر أهل الكتاب ومائهم وإماء المسلمين
قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
الكفارُ على ثلاثة أقسام: قسمهم لهم كتابٌ، وقسم لهم شبهة كتابٍ، وقسم لا كتاب لهم.
فأما الذين لهم كتاب: فهم اليهود والنصارى، فمن كان منهم من نسل بني إسرائيل يُقرون بالجزية، ويحل له نكاح حرائرهم، وأكل ذبائحهم؛ لأن الكتاب أنزل في آبائهم.
فأما من دخل في دينهم من غير نسلهم - نظر؛ إن دخلوا في دينهم قبل التبديل والنسخ- يقرُّ أولادهم الذين جاءوا من بعد بالجزية، وهل يحل نكاح حرائرهم، وأكل ذبائحهم؟
فيه قولان: أحدهما - وهو الصحيح من المذهب: يحل؛ كما يقرون بالزية.
والثاني: لا يحل اعتبارًا بالنسب، وقررناهم بالجزية تغليبًا للحقن.
والأول المذهب؛ لأن كل من دخل في دين في وقت كان حقًا، فتثبت له حرمة أهله؛ كمن دخل اليوم في الإسلام.
وإن دخلوا في دينهم بعد التبديل - نظر؛ إن دخلوا في دين قوم لم يبدل - كان كمن دخل قبل التبديل، وإن دخلوا في دين المبدلين، أو دخلوا فيه بعد النسخ - فلا فضيلة لهم، ولا يقرون بالجزية، ولا يحل منكاحتهم، ولا ذبيحتهم؛ لأن تلك الحرمة قد سقطت بالتبديل؛ كما بالنسخ.
أما هم أنفسهم: فن بدلوا بقيت لهم تلك الحرمة؛ لأنهم من أولاد من ثبتت لهم تلك الفضائل، [وهؤلاء ليسوا من أولاد من ثبتت لهم تلك الفضائل].
ومن شككنا أنهم دخلوا في دينهم قبل التبديل أو بعده، فإنهم يقرون بالجزية تغليبًا للحقن، ولا يحل منكاحتهم وذبيحتهم تغليبًا للحرمة؛ كما حكم الصحابة في نصارى العرب.
أما الصابئون من النصارى، والسامرة من اليهود- يقرون بالجزية، وهل يحل نكاح حرائرهم، وأكل ذبيحتهم؟
[ ٥ / ٣٦٨ ]
نظر إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصل دينهم - فلا يحل؛ كالمجوس.
[ ٥ / ٣٦٩ ]
وإن كانوا يوافقونهم في أصل الدين، ويخالفون في الفروع - فيحل.
ونعني بأهل الكتاب أهل التوراة والإنجيل. أما من تمسك بكتب أنزلت على سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم - مثل: صحف شيث، وزبور داود - فلا يقرون بالجزية، ولا يحل مناكحتهم وذبيحتهم.
واختلفوا في تعليله: فمنهم من قال: لأنه لم يكن في تلك الكتب أحكام، وإنما كانت مواعظ وقصصًا.
والأحكامُ في هذه الكتب الثلاثة: التوراة، والإنجيل، والفرقان، فاختص القرآن من بينهما بالإعجاز.
ومنهم من قال: إن تلك الصحف لم تكن من كلام الله - تعالى - بل كانت وحيًا؛ كما قال النبي - ﷺ -: "أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي؛ أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية".
[ ٥ / ٣٧١ ]
فأما من لهم شبهة كتابٍ: فهم المجوس، كان لهم كتابٌ، فبدلوا، فأصبحوا وقد
[ ٥ / ٣٧٣ ]
أُسْرِيَ فقدوا كتابهم؛ قاله علي - ﵁- فإنهم يقرون بالجزية، ولكن لا يحل مناكحتهم وذبائحهم؛ لما رُوي عن عبد الرحمن بن عوفٍ؛ أن النبي - ﷺ - قال في المجوس: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم".
[ ٥ / ٣٧٧ ]
وقال أبو ثور: ويحل مناكحتُهم، وذبائحهم.
وعامة الصحابة والعلماء على خلافه.
وأما من لا كتاب له؛ مثلُ عبدة الأوثان وما يستحسنون، ومثل عبدة الشمس، والزنادقة، والمعطلة، والباطنية - فلا يقرون بالجزية، ولا يحل مناكحتهم وذبائحهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقال: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٣١].
وإذا كان أحد أبوي الكافر كتابيًا، والآخر مجوسيًا أو وثنيًا - يقر بالجزية أي الأبوين كان كتابيًا تغليبًا للحقن.
وهل يحل مناكحته، وذبيحته؟
نظر إن كانت الأم كتابية، فلا يحل مناكحته وذبيحته.
وإن كان الأب كتابيًا فعلى قولين:
أحدهما- وهو قولُ مالك: يحل؛ لأن النسب إلى مُنكاحته وذبيحته، إلى الآباء.
والثاني: وهو الأصح: لا يحلُّ؛ لأن فيه جزءًا ممن لا تحل ذبيحته؛ كالحيوان المتولد بين ما يؤكل لحمه، وبين ما لا يؤكل لا يحل أكله أي الأبوين كان مأكولًا، بخلاف ما لو كان أحد أبويه مسلمًا، والآخر مجوسيًا - حلت ذبيحته ومناكحته؛ لأنه محكومٌ [له] بالإسلام، ولأن الإسلام يعلو الأديان كُلها، فلا يشركه الشرك.
والمتولد بين الكتابية والوثني غير محكوم له بالكتابية؛ إذ الشرك يشركه الشرك؛ فلا يترجح جانبٌ على الآخر.
فإن قلنا: لا يحل، فلو بلغ ودان دين أهل الكتاب.
[ ٥ / ٣٧٨ ]
قال الشافعي -﵁ - في موضع: لا تحل ذبيحته، ومناحته.
ومن أصحابنا من قال: هذا قول الشافعي - ﵁-: إن المتولد بني من تحل ذبيحته ومن لا تحل، إذا بلغ ودان دين أهل الكتاب تحل ذبيحته؛ لأن فيه شعبة من كل واحد منهما، إلا أنا غلبنا جانب الحظر ما دام محكومًا بحكم الأبوين، فإذا بلغ فله حكم نفسه، وله أن يختار دين أي الأبوين شاء.
وإذا اختار دين أهل الكتاب - حلت ذبيحته.
ولا فرق على هذا بين أن يكون الأب كتابيًا أو الأم، بخلاف المتولد بين المجوسيين، إذا بلغ ودان دين أهل الكتاب - لا تحل ذبيحته؛ لأنه تمخض ممن لا تحل ذبيحته.
ومن أصحابنا من قال - وهو المذهب: إنا إذا قلنا: لا تحل ذبيحته قبل البلوغ؛ فإذا بلغ ودان دين أهل الكتاب - لا يحل أيضًا المتولد بين المجوسيين.
وحملوا النص على ما إذا كان أحد أبويه يهوديًا، والآخر نصرانيًا، فإذا بلغ ودان دين أحد الأبوين - حلت ذبيحته؛ لأنه متولد بين أبوين تحل ذبيحة كل واحد منهما.
وعند أبي حنيفة - ﵀ -: أي الأبوين كان كتابيًا، والآخر وثنيًا أو مجوسيًا - تحل ذبيحته ومناكحته، وهذا تغليبًا لأفضل الدينين.
فصل فيما يجب على المسلم في نكاح الكتابية
إذا نكح مسلم كتابية - يجب لها عليه ما يجب [على المسلم] من المهر، والنفقة، والقسم، ويجب عليها من التمكين ما يجب على المسلمة، غير أنهما لا يتوارثان لاختلاف دينهما.
فإذا طهرت من الحيض أو النفاس - له إجبارها على الغسل؛ كما يجبر المسلمة؛ لأنه لا يحل وطؤها قبل الغسل، ثم بعده يحل له وطؤها، بخلاف المسلمة تغتسل بلا نية - لا يحل وطؤها؛ لأنه لا ضرورة إليه.
وقال أبو حنيفة: لا يجبرها على غُسل الحيض؛ لأن عنده يحل له وطؤها بعد ما طهرت قبل الغسل، وله أن يُجبر المسلمة على غُسل الجنابة.
وهل يجبر الذمية عليه؟ فيه قولان:
[ ٥ / ٣٧٩ ]
أحدهما: بلى؛ كما يجبرها على الغسل من الحيض.
والثاني: لا؛ لأن الاستمتاع بها جائز قبل الغسل.
وقيل: لا يجبرها، إلا أن تطول المدة؛ لأنه تعاف النفس منها، إذا طالت المدة على الجنابة، وله إجبار المسلمة والذمية على التنظيف بالاستحداد، وقلم الأظفار إن طالت وقبح منظرها.
وإن طالت قليلًا ولم تجاوز الحد فعلى قولين.
وكذلك هل يجبرها على التنظيف من الوسخ والدرن؟ - فعلى قولين بناء على أنه هل يجبرها على غسل الجنابة أم لا؟
وله منعها من كل ما يتأذى بريحه؛ مثل: الثوم، [والبصل]، والكراث، ويمنع الذمية عن شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والمسلمة عن شرب النبيذ.
وإن كان يعتقدُ إباحته.
ويمنع الذمية عن لبس جلد الميتات، وعن لبس كل ثوب مُنتنن ولا يمنعها من لبس ما يلبسون على عادتهم مما يحل في الإسلام.
وقيل: هل له منع المسلمة عن شرب النبيذ بقدر ما لا يُسكر إذا كان كانا حنفيين، أو منعُ الذمية عن أكل لحم الخنزير، وعن شرب الخمر قليلًا بحيث لايسكر، وعن أكل الثوم والبصل؟ - فيه قولان كالتنظيف من الوسخ.
وجملته: أن كل ما لا يمنع الاستمتاع، ويمنع كماله - هل يجبرها عليه؟
فيه قولان.
وله منع الذمية عن الخروج إلى الكنائس، والبيع؛ كما يمنع السلمة عن الأعياد، المساجد.
وقوله - ﷺ -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" في حق الخلية.
فصل فيما إذا انتقل الكافر من دين إلى دين
في انتقال الكافر من دين إلى دين آخر [غير الإسلام].
[ينظر] إن انتقل من دين أهل الكتاب إلى دين أهل الكتاب؛ كاليهودي يتنصر، أو
[ ٥ / ٣٨٠ ]
النصراني يتهود، فهل يقر بالجزية؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقر؛ لأنه استحدث دينًا باطلًا بعدما كان معترفًا ببطلانه؛ كالمسلم يرتد.
والثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة - ﵀-: يُقر؛ لأن كلا الفريقين يقر بالجزية؛ كالنصراني ينتقل من مذهب إلى مذهب، وليس كالمسلم يرتد؛ لأنه ترك دين الحق، وهذا ترك دين الباطل.
فإن قلنا: يقر بالجزية تحل ذبيحته، وإن كانت امرأة لا يحل للمسلم نكاحها، وإن فعلت في دوام نكاح مسلم - لا يضر النكاح.
وإن قلنا: لا يقر لا تحل ذبيحته، [وإن كانت امرأة لا يحل نكاحها]، وإن كانت تحت مسلم، فإن كان قبل الدخول تتنجز الفرقة بينهما، وإن كان بعده تتوقف على انقضاء عدتها؛ كالمسلمة ترتد، فعلى هذا القول هل يقنع منه بالعود إلى الدين الأول، أم لا يقبل منه إلا الإسلام؟ فيه قولان:
أحدهما: يقنع بالعود إلى الأول؛ لأنه كان مقرًا عليه.
والثاني: لا يقبل منه إلا الإسلام؛ لأنه أقر ببطلان الدين الأول، وإن لم يرجع إلى الدين الأول، أو لم يسلم على القول الآخر - ما يُفعل له؟ فيه قولان:
أحدهما: يُقتل كالمرتد.
والثاني: يبلغ المأمن، ثم هو حزبٌ لنا، وإن ظفرنا به قتلناه، وإن خرج إلى دار الحرب، ثم عاد إلينا - فلا نقره إلا بما كنا نقره في الابتداء من العود إلى الدين الأول، أو الإسلام.
ولو انتقل الكافر من اليهودية أو النصرانية إلى دين المجوس - فهل يقر على الجزية؟ فعلى القولين.
فإن قلنا: لا يقر، فهل يقنع بالعود إلى الدين الأول، أم لا؟ - فيه قولان.
وعلى القولين جميعًا: لا تحل ذبيحته ومناحته ما دام على التمجس.
ولو فعلته كتابية تحت مُسلمٍ، فإن كان قبل الدخول - تتنجز الفرقة، وإن كان بعد الدخول تتوقف إلى انقضاء العدة، فإن أسلمت أو عادت إلى الدين الأول على قولنا: إنه يقنع منها به على انقضاء العدة - فهما على النكاح، وإلا بان أن الفُرقة وقعت بينهما بتبديل الدين.
[ ٥ / ٣٨١ ]
ولو تمجست يهودية تحت يهودي - نظر إن كانوا لا يعتقدون جواز نكاح المجوسية - فهو كما لو تمجست تحت مسلم، وإن كانوا يعتقدون جوازه، فلا نتعرض له؛ فإن أسلما جميعًا أقرا عليه.
ولو انتقل مجوسي إلى يهودية، أو نصرانية - فهل يقر عليه فيه قولان:
فإن قلنا: لا يقر، فهل يقنع بالعود إلى الأول؟ فيه قولان.
ولا خلاف أنه لا تحل ذبيحته، ولا مناكحته؛ لأن الكافر إذا انتقل من دين إلى دين - يبقى له على أحد القولين فضيلة هي موجودة في الدينين جميعًا، أما ما هو موجود في أحدهما - فلا يثبت له.
وعند أبي حنيفة: يجوز فضيلة المنتقل إليه.
ولو توثن يهودي أو نصراني، أو تزندق - فلا يقر عليه، وهل يقنع بالعود إلى الدين الأول؟ - فيه قولان: فإن فعلته يهودية تحت مسلم؛ فكالمسلمة ترتد.
ولو لم ينتقل إلى الدين الأول، بل انتقل إلى دين آخر -[لا يقر] عليه؛ بأن توثن يهودي ثم تنصر، أو نصراني توثن ثم تهود - فهل يقر عليه؟ فيه قولان؛ كاليهودي يتنصر.
ولو توثن مجوسي لا يقر عليه، وهل يقنع بالعود إلى الأول؟ فيه قولان.
ولو أن وثنيًا تهود، أو تنصر، أو تمجس - لا يقر عليه، ولا يقبل منه إلا الإسلام المرتد؛ لأن التقرير لمي ن في الدين المنتقل عنه؛ فلا يحصل له بالانتقال.
فصل في نكاح الإماء
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [النساء: ٢٥] الآية.
لا يجوزُ للحر نكاح الأمة المسلمة إلا بشرطين:
أحدهما: ألا يجد صداق حرة:
الثاني: أن يكون خائفًا على نفسه من العنت، وهو الزنا؛ لأن الله - تعالى- قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾، وقال في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أباح للحر نكاح الأمة بشرطين؛ فلا يجوز إلا بعد وجودهما.
[ ٥ / ٣٨٢ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز مع فقد الشرطين، إلا أن يكون في نكاحه حرة؛ فحينئذ لا يجوز نكاح الأمة، والآية حجة عليه.
فإن كان في ملكه أمة تحل له وطؤها، أو قادرًا على أن يشتري أمة - لا يحل له أن ينكح الأمة؛ لأنه مستغتن عن إرقاق ولده بما معه.
وإن كان في ملكه أمةٌ لا يحل له وطؤها نُظر: إن كنات قيمتها تفي بمهر حرة، أو بثمن أمة يحل له؛ فلا يحل له نكاح الأمة، وإلا فيحل.
وإن كان قادرًا على صداق حرة كتابية، فهل له نكاح الأمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الله - تعالى- قال: ﴿أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ [النساء: ٢٥] وهذا غير قادر على طول حرة مؤمنة.
والثاني - وهو الأصح: لا يجوز؛ لأنه قادر على نكاح حرة؛ كما لو كانت في نكاحه حرة ذمية -لا يجوز له نكاح الأمة.
وذكر الإيمان في المحصنة في الآية ليس على سبيل الشرط، بل ذكره تشريفًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية.
ثم المسلمة والذمية في هذا الحكم سواءٌ، وهو أن لا عدة عليها إذا طلقت قبل الدخول، وإن خاطب المؤمنين به.
وإن كانت تحته مجنونة، أو مجذومة، أو برضاء - لا يحل له نكاح الأمة، وإن كانت في نكاحه حرة فطلقها -[نظر؛ إن طلقها] رجعيًا - لا يجوز له نكاح الأمة ما دامت في العدة؛ لأنه يمكنه مراجعتها، وإن طلقها بائنًا؛ فيجوز عند وجود الشرطين.
قال الشيخ: وإن كانت تحته حرة رتقاء، أو قرناء - لا يجوز له نكاح الأمة، وكذلك إن كانت تحته صغيرة، أو مضناة لا تحتمل الجماع؛ لأنه قادر على الأصل، وإن لم يحصل مقصودة يمكنه مفارقتها، وإن كان واجدًا لصداق رتقاء، أو قرناء، أو صغيرةٍ - يجوز؛ لأنه لم يأمن معها العنت.
وإن كانت تحته حرة - وهي غائبة - لا يجوز له نكاح الأمة؛ لأنه يمكنه أن يُطلقها.
ولو كان ماله غائبًا يجوز؛ لأنه لا يمكنه إزالة ملكه عن المال، ولو كان معه طول حرة
[ ٥ / ٣٨٣ ]
وتلك الحرة غائبة، أو كان صداق الحرائر ببلد آخر أرخص، وهو واجد لذلك؛ فإن لم تلحقه مشقة الخروج إليها- لا يجوز له نكاح الأمة، وإلا فيجوز، ولو لم يكن في بلد الآخرة واحدة، وهي تغالي في المهر، وهو واجد له - لا يجوز له نكاح الأمة، وكذلك رقبة الكفارة إذا بيعت بمالٍ غالٍ، وهو واجد له - لا ينتقل إلى الصوم، بخلاف التيمم يجوز إذا بيع الماء بثمن غالٍ؛ لأنه يتكرر.
قال الشيخ: وعندي فيه نظر، لو لم يكن له مالٌ، ورضيت الحرة بمهر نسيئة، أو أقرضه رجلٌ المهر -فهل له نكاح الأمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه قادر على نكاح الحرة.
والثاني: يجوز؛ لأن ذمته تشتغل بقضائه، وربما لا يجدُ ما يقضيه.
ولو وُهب رجلٌ مالًا أو جارية قبول لا يلزمه - الهبة، وله نكاح الأمة.
ولو رضيت المرأة بمهر بخس ومعه ذلك - فالمذهب لا يجوز له نكاح الأمة؛ كما لو بيع الماء بثمن بخس- لا يجوز له التيمم.
ولو نكح حر أمةً عند وود الشرطين، ثم أيسر - لا ينفسخ نكاح الأمة، وكذلك لو نكح حرة بعده لا يرتفع نكاح الأمة؛ لأن الإعسار يشترط في الابتداء لا في الدوام؛ كما أن خوف العنت يزول في الدوام، ولا يبطل نكاح الأمة.
أما العبدُ فيجوز له نكاح الأمة، وإن كانت تحته حرة؛ لأن العبد في مثل حالها، فلا يهر نقصها في حقه.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز للعبد أن ينكح الأمة إذا كانت تحته حرة كالحر، ولا يجوز للحر أن يتزوج أمتين.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
ولا يجوز للمسلم الحر نكاح الأمة الكتابية بحالٍ؛ لأن الله - تعالى- قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أباح نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة، وأباح نكاح الكتابية بشرط أن تكون حرة.
قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يعني: الحرائر.
وعند أبي حنيفة: يجوز للحر المسلم نكاح الأمة الكتابية، والآية حجة عليه.
وكذلك العبد المسلم لا يجوز له عندنا نكاح الأمة الكتابية على ظاهر المذهب؛ لأن
[ ٥ / ٣٨٤ ]
المنع لحق الدين، فيستوي فيه الحر والعبد؛ كالمرتدة والمجوسية.
فأما الحر الكتابي: هل يجوز له نكاح الأمة الكتابية؟ - فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز للحر المسلم.
والثاني: يجوز؛ كما يجوز للمسلم نكاح الأمة المسلمة.
فأما العبد الكتابي: هل يجوز له نكاح الأمة الكتابية؟
يترتب على الحر الكتابي، فإن جوزنا للحر، فالعبد أولى، وإلا فوجهان.
والأصح: جوازه.
والفرق أنهما مع العبودية متكافآن؛ كالحر المسلم لا ينكح الأمة إلا بشرطين، وينكحها العبد مع عدم الشرطين.
ويجوز للمسلم وطء أمته الكتابية بملك اليمين، ولا يجوز وطء الأمة المجوسية، ولا الوثنية؛ كما لا يجوز وطء المرتدة؛ لأن كل صنف لا يجو نكاح حرائرهم؛ لا يجوز وطء إمائهم بملك اليمين.
ولا يجوز للمولى إجبار أمته المجوسية، ولا الوثنية على الإسلام؛ لأنها دخلت في الأمان للاسترقاق؛ كالمستأمنة لا تجبر على الإسلام، وكالعبد المجوسي والوثني لا يُجبران على الإسلام.
ويجوز للمسلم نكاح الحرة الكتابية، ذمية كانت، أو مستأمنة، أو حربية، غير أنه يُكره؛ لأنه ربما يميل قلبه إليها، فتكون فتنة على دينه، والكراهية في الحربية أكثر؛ لأنه بالإقامة فيما بينهم يكثر سوادهم، وربما تسترق زوجته وهي حامل منه، ولا يقبل قولها: إن حملي من مسلم، فيسترق ولده.
وإذا نكح الحر أمة، فأتت بولدٍ- يكون الولد رقيقًا لمالك الأمة.
وإن كان الحر عربيًا، ففيه قولان:
أصحهما: أن الولد رقيق أيضًا؛ كما لو لم يكن عربيًا.
وقال في القديم: الولد يكون حرًا، والرق لا يجري في العرب، ولا ولاء على الولد؛ لأنه حر الأصل، فعلى هذا هل يجب على الأب قيمة الولد؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ كما يجب في الغرور، لو نكح امرأة على أنها حرة، فبانت أمة - يكون الولد حرًا، ويجب عليه قيمته.
والثاني: لا يجب؛ لأن السيد قد رضي به حيث زوجها من العربي.
[ ٥ / ٣٨٥ ]
فصل في الجمع
إذا نكح رجلٌ حرة [وأمة] معًا - نظر إن كان عبدًا يجوز، وإن كان حرًا لا يصح نكاح الأمة، وهل يصح نكاح الحرة؟ - نُظر: إن كان ممن لا يحل له نكاح الأمة - ففي صحة نكاح الحرة قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: يصح.
والثاني: لا يصح؛ لأنه عقدٌ واحدٌ، فإذا فسد بعضه فسد كله.
وإن كان ممن يحل له نكاح الأمة، فإن كان قادرًا على نكاح ذمية، أو سمحت الحرة بالمهر، وجوزنا له نكاح الأمة - فاختلفوا:
قال صاحب "التلخيص": لا يصح ناح الأمة، وفي نكاح الحرة قولان؛ كالأول.
قال الشيخ أبو زيد: لا يصح واحدة منهما؛ لأن نكاح كل واحدة على الانفراد -جائز، والجمع لا يجوز، وليس أحدهما بأولى من الآخر؛ كما لو مع بين أختين، فحيث قلنا لا يصح فذاك، إذا جمع بينهما إيجابًا وقبولًا.
فإن فرق بينهما؛ بأن قال: زوجت ابنتي بألفين، وأمتي بخمسمائة، فقال الزوج: قبلت نكاح هذه، ونكاح تلك - فيحص نكاح الحرة قولًا واحدًا.
وإن فرق بينهما في الإيجاب دون القبول، أو في القبول دون الإيجاب - ففيه وجهان: حيث قلنا: يجوز نكاح الحرة إذا جمع بينهما؛ ففي المهر أقوال:
أصحها: يجب لها مهر المثل؛ لأنه إذا بطل ذكر بعض المهر؛ بطل كله.
والثاني: يوزع المسمى على مهور أمثالهما، فبقدر ما يقابل مهر الحرة يجب.
والثالث: يجب لها جميع المسمى، وذلك لو جمع بين نكاح مسلمة ومجوسية، أو نكاح خلية ومعتدة، أو بين نكاح أخته وأجنبية - ففي صحة نكاح المسلمة والأجنبية والخلية قولان.
ولو مع بين نكاح خمس نسوة - فنكاح الكل باطل؛ لأنه لا مزية للبعض [على البعض]، فيحكم بصحة نكاحها؛ كما لو جمع بين أختين.
ولو جمع بين خمس فيهن أختان - فنكاح [الأختين] باطل، وفي الثلاث قولان.
ولو مع بين سبع فيهن أختان - فنكاح الكل باطل.
[ ٥ / ٣٨٦ ]
ولو جمع بين أختين وأمة، فإن كان ممن لا يحل له نكاح الأمة - فنكاح الكل باطل، وإن كان ممن يحل له نكاح الأمة - بطل نكاح الأختين، وفي الأمة قولان، وحُكم المهر ما ذكرناه.
ولو قال: زوجتك ابنتي، وبعتك هذا الزق من الخمر بكذا، فقبل فيهما - فقد قيل في صحة النكاح قولان.
وقيل: يصح هاهنا النكاح قولًا واحدًا وهو الأصح؛ لأنهما عقدان مختلفان، ففساد أحدهما لا يُوجب فساد الآخر.
ولو قال: زوجتك ابني وابنتي، أو ابنتي وحماري، أو ابنتي وزق خمرٍ - فالمذهب أن النكاح صحيح؛ لأن ما ضم إليه لا يقبل النكاح، فيلغو ذكره.
وقيل: فيه قولان.
فإن قلنا: يصح النكاح، فما حكم المهر؟ هذا يبني على ما إذا جمع بين نكاح امرأتين، وإحداهما لا تقبل العقد.
إن قلنا هناك: يجب لمن صح نكاحها مهر المثل؛ فها هنا كذلك.
وإن قلنا يجب لها جميع المسمى، فهاهنا مثله.
وإن قلنا: يوزع المسمى على مهور أمثالهما، فهاهنا التوزيع لا يمكن؛ لأنه لا مهر للمضموم إليها، فيجب جميع المسمى.
وقيل: إن كان قد جمع بين ناكح امرأة وخمر، وقلنا في البيع: إذا باع عصيرًا أو خمرًا - يقدر الخمر عصيرًا، أو يوزع الثمن عليهما - فهاهنا يوزع المسمى عليهما كذلك، وحيث قلنا: يجب جميع المسمى في الجمع بين المرأتين، وكان الزوج جاهلًا بالحال - فله الخيار في فسخ الصداق، لا في رد النكاح، فإن شاء أجاز، وإن شاء فسخ الصداق، وعليه مهر المثل.
وإن قلنا: يوجب مهر المثل - فلا خيار له؛ لأنا لو أوجبنا مهر المثل، وإذا فسخ لا يجب إلا ذلك. وإن قلنا: يوزع المسمى على مهور أمثالهما - فهل يلزمه الخيار؟ نظر إن كان الصداق مما يقبل القسمة؛ الحنطة ونحوها - فلا خيار له، وإن كان مما لا يقبل القسمة من عبد ونحوه - فله الخيار؛ لأنه [لا يتضرر] بالتشقيص، فإن فسخ فعليه مهر المثل؛ ذكره الشيخ أبو علي.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
باب التعريض بالخطبة
قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
يجوز خطبة المرأة الخلية الفارغة تعريضًا وتصريحًا، ولا يجوز خطبة المزوجة تصريحًا ولا تعريضًا، وكذلك الرجعية.
أما سائر المعتدات لا يجوز لغير صاحب العدة خطبتهن تصريحًا، وهل يجوز تعريضًا؟ - نر إن كان في عدة الوفاء يجوز.
وكذلك كل معتدة لا يحل لمن بانت منه نكاحها؛ كالبائنة منه باللعان، والرضاع، والطلاق الثلاث.
أما البائنة التي يجوز للزوج نكاحها؛ كالمختلعة، والمفسوخ نكاحها، فيجوز لصاحب العدة خطبتها تعريضًا وتصريحًا، وهل يجوز لغيره خطبتها تعريضًا؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ كالمطلقة ثلاثًا؛ لأن سُلطان الزوج مرتفع عنها.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يجوز لصاحب العدة نكاحها؛ كالرجعية.
وإن كانت في عدة وطء الشبهة، فقد قيل فيه قولان؛ كالمختلعة.
وقيل- وهو الأصح: يجوز قولًا واحدًا؛ لأنه لم يكن لصاحب العدة عليها حقيقة نكاح، فيثبت فيه هذا الحق، ويجوز لصاحب العدة خطبتها تعريضًا وتصريحًا.
والتصريح في الخطبة أن يقول: إني أريد أن أنكحك، أو لا تفوتي على نفسك إذا حللت، أو لفظًا لا يحتمل غير النكاح.
والتعريض بما يحتمل النكاح وغيره؛ مثل أن يقول: رُب راغب فيك، ورب طالب لك، أنت جميلة، إذا حللت فآذنين، من يجد مثلك [لست بمرغوب عنك، لا تبقين أيما]، ونحو ذلك.
وكل موضع جوزنا له التعريض، فالمرأة عن رغبت فيه تجيبه بمثله في الجواب، كهو في الخطبة فيما يحل ويحرم، وحيث جوزنا التعريض يجوز سرًا وعلانية.
ومعنى قوله تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] فالمراد منه: الجماعُ، وهو أن يصف نفسه بالقوة في ذلك الأمر.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
[رُوي عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ -: قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه].
إذا خطب الرجل امرأة، فأجابت - لا يوز لغيره خطبتها ما لم يترك الأول، أو يأذن، غير أنه لو خطب ونكح - صح.
ولو ردت الأول يجوز للغير خطبتها، وكذلك لو سكتت، أو لم يُدر أنها أجابت، أو ردت - نجيز للغير خطبتها.
والدليل عليه: أن فاطمة بنت قيس مات عنها زوجها، فقال لها النبي - ﷺ-: "إذا حللت فآذنيني". فلما حلت، أخبرته أن معاوية، وأبا جهم خطباني، فقال النبي - ﷺ-: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، أنكحي أسامة". ومعلوم أن فاطمة لم تكن أذنت لواحد منهما؛ إذ لو أذنت لم يخطبها النبي - ﷺ - على غيرهما، بل كانت سكتت.
وقوله في أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه" قيل: أراد به كثير السفر.
وقيل: كثير الضرب للنساء. ولم يكن ذلك من باب الغيبة؛ لأن الغيبة أن يذكر مساويء رجلٍ من غير عرض، فإن كان لغرض بأن شاوره رجلٌ في مواصلة إنسان، فأخبره بما عرف منه؛ فهو من باب الحسبة. وإن لم تُجب الأول صريحًا، ولكن وجد منها ما يدل عليه؛ بأن قالت: استشر في هذا، أو قالت: أنت مرغوب فيك، أو أحدث في شرط العقد - فيه قولان:
في القديم: لا يجوز للغير خطبتها.
وفي الجديد - وهو الأصح: يجوز؛ لأنها لم تصرح بالإجابة كما لو سكتت، والاعتبار برد المرأة وإجابتها، لا برد وليها وإجابته، وإن كانت ثيبًا أو عن كانت بكرًا، ووليها غير الأب والجد؛ فإن كانت بكرًا ووليها أبوها أو جدها - فالاعتبار برد الأب أو الجد وإجابتهما، ولا اعتبار برد المرأة وإجابتها.
وفي المجنونة: الاعتبار برد السلطان وإجابته، وفي الأمة برد السيد وإجابته. والله أعلم.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
باب نكاح المُشرك
رُوي عن سالم، عن أبيه؛ أن غيلان أسلم - وعنده عشر نسوة- فقال له النبي - ﷺ -: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن".
إذا أسلم مشرك، وتحته كتابية، أو أربع كتابيات - يدوم النكاح بينهم؛ لأن نكاح الكتابية في الإسلام جائز.
وإن أسلم، وتحته مجوسية أو وثنية وتخلفت، أو أسلمت المرأة وتخلف الزوج على أي دين كان- فإن كان قبل الدخول تتنجز الفرقة بينهما، وإن كان بعد الدخول تتوقف على انقضاء العدة، فإن أسلم المتخلف قبل انقضاء عدتها - فهما على النكاح، وإن لم يُسلم حتى
[ ٥ / ٣٩٠ ]
انقضت عدتها - بان أن الفرقة وقعت بإسلام الأول، وخرجت عن العدة.
وإن أسلما معًا دام النكاح بينهما، سواء كان قبل الدخول أو بعده، والاعتبار باختتام كلمة الإسلام معًا لا بافتتاحها، ولا يختلف الحكم عندنا باختلاف الدار.
وعند أبي حنيفة - ﵀ -[الاعتبار] بالدخول وعدم الدخول، بل إن كانا في دار الإسلام وأسلم أحدهما - لا تقع الفرقة حتى يعرض الإسلام على المتخلف ثلاثًا، فيأبى، أو يلتحق بدار الحرب ناقضًا للعهد.
وإن كان في دار الحرب، فحتى يلتحق المسلم بدار الإسلام، أو يمضي لها ثلاثة أقراءٍ، وإذا مضت [لها ثلاثة أقراءٍ] تقع الفرقة الآن، حتى يجب عليها العدة إن كانت مدخولًا بها.
وكذلك عنده لو دخل كافرٌ دار الإسلام لعقد الذمة، وزوجته في دار الحرب - تقع الفرقة بينهما، وهذا لا يصح؛ لأن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل هربا كافرين إلى الساحل عام الفتح، وأسلمت امرأتاهما بمكة، وأخذتا الأمان لزوجيهما، فقدما، وأسلما؛ فرد النبي - ﷺ - إليهما امرأتيهما مع وجود اختلاف الدار.
ولو قبل الكافرُ لابنه الطفل نكاح صغيرة، ثم أسلم الأبوان - حكم بإسلام الوالدين وهما على النكاح، وإن أسلم أحدهما قبل الآخر، بطل النكاح، وإن قبل لابنه الطفل نكاح بالغة، ثم أسلم أبو الطفل معها - بطل النكاح؛ لأن إسلام الولد يحصل عقيب إسلام الأب، فيتقدم إسلام المرأة على إسلام الزوج.
وإن أسلمت المرأة عقيب إسلام الأب في الحال - بطل أيضًا؛ لأن إسلام الولد يحصل
[ ٥ / ٣٩١ ]
حكمًا وإسلامها يحصل بالقول، فالحكمي يكون سابقًا؛ فلا يتصور وقوع إسلامهما معًا.
فلو أسلم مُشرك وتحته أكثر من أربع نسوة، فأسلمن معه أو تخلفن وهن كتابيات، أو كن مجوسيات، أو وثنيات، فأسلمن قبل انقضاء عدتهن، وكان بعد الدخول - فعلى الزوج أن يختار منهن أربعًا، ويفارق البواقي، سواء نكحن في الشرك معًا أو على الترتيب.
وإذا نكحن على الترتيب يجوز له إمساك الأواخر.
وكذلك لو أسلم وتحته أختان، أو امرأة وعمتها وخالتها؛ فأسلما معه، أو جمعهما الإسلام معه في العدة - إن كان بعد الدخول بهما يختار واحدة منهما، ويفارق الأخرى، سواء نكحهما معًا، أو على الترتيب؛ وله أن يختار التي نكحها آخرًا.
وقال أبو حنيفة: [إن أسلم وتحته أكثر من أربع أو أختان] فإن نكحهن معًا، فنكاح الكل باطل، وإن نكحهن على الترتيب تعينت الأوليان، وفي الأختين تتعين الأولى، وخبر غيلان حجة عليه؛ لأن النبي -ﷺ- أمره بإمساك أربع من غير تفصيل.
ورُوي أن نوفل بن معاوية أسلم - وعنده خمس نسوة - فقال له النبي - ﷺ-: "فارق واحدة، وأمسك أربعًا" قال: "فعمدت إلى أقدمهن، ففارقتها".
وروي أن فيروزًا الديلمي أسلم وعنده أختان، فقال النبي - ﷺ -: "احتر أيهما شئت، وفارق الأخرى".
ولو كان تحته ثمان نسوةٍ، ولم يدخل بهن؛ فأسلم معه أربع منهن؛ قررن تحته، وارتفع نكاح المتخلفات.
وإن كان بعد الدخول بهن فاجتمع إسلام أربع منهن في العدة - قررن تحته؛ مثل أن أسلم أربع منهن، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن، وتخلفت الأخريات حتى انقضت عدتهن من وقت إسلام الزوج، أو مُتنَ في الشرك - تعينت الأوليات.
[ ٥ / ٣٩٢ ]
ولو أسلم أربع منهن، ولم يسلم الزوج حتى انقضت عدتهن، أو مُتن في الإسلام، ثم أسلم الزوج، وأسلمت الأخريات في العدة - تعينت الأخريات.
وإن أسلم أربع منهن، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن، ثم أسلمت الخريات قبل انقضاء عدتهن من وقت إسلام الزوج - فهو بالخيار؛ إن شاء اختار الأوليات، وإن شاء اختار الأخريات، وإن شاء اختار بعض هؤلاء، وبعض أولئك، حتى لو أسلم أربعٌ، ثم أسلم الزوج في عدتهن، ثم مات بعض من أسلمن ثم أسلمت الأخريات في العدة - فله أن يختار الميتات، ويرث منهن، والاختيار بعد اجتماع الإسلامي، في العدة يكون على التراخي، حتى لو وقع بعد انقضاء العدة - يجوز، ويجوز بعد الموت؛ لأنه ليس بابتداء عقدٍ.
وذكر في "الأم" صفة الاختيار، فقال: لو قال: اخترت هذه، أو اخترت عقد هذه، أو أمسكت هذه، أو أمسكت عقد هذه، أو ثبت هذه أو ثبت عقد هذه - كان اختيارًا لها.
وإن اختار أربعًا للزوجية، انفسخ نكاح البواقي، ولا يحتاج إلى التصريح بالفسخ، وإذا اختار أربعًا للفسخ، فقال: اخترت فراق هذه - تعينت الأخريات للإمساك، وإن لم يُصرح بالإمساك، ولا معنى لاختياره قبل اجتماع الإسلاميين، وإن أسلم مع أربع، فاختارهن - صح، وارتفع نكاح المتخلفات، وإن فسخ نكاح المتخلفات صار مختارًا للمسلمات.
وإن أسلم مع أربع، فاختار فسخ نكاحهن - لا يجوز؛ لأن الفسخ بعد الإسلام إنما يجوز فيما زاد على الأربع.
ولو أسلم مع واحدةٍ، فاختارها - صح اختيارها، حتى لو أسلمت البواقي في العدة- لا يختار من البواقي إلا ثلاثًا.
ولو أسلم الزوج مع واحدة، ومات الزوج، ثم أسلمت البواقي - تعينت التي أسلمت معه، وورثت منه.
ولو أسلم مع ثمان نسوة فطلق أربعًا منهن على التعيين - صار مختارًا لهن، وبِنَّ منه بالطلاق، وارتفع نكاح الأخريات جملة بلا طلاق.
ولو طلق أربعًا منهن لا على التعيين يؤمر بالتعيين، فإذا عين أربعًا بن منه بالطلاق، وارتفع نكاح الأخريات.
ولو ظاهر أو آلى عن أربع منهن، فلا يكون اختيارًا؛ لأنه يمينٌ على الامتناع من الوطء، وهي بحال الأجنبية أليق.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
ثم إن اختارهن تبين أنهن زوجاتٌ، وصح ظهاره وإيلاؤه، وإلا فلا حكم له.
ولو وطيء أربعًا منهن، هل يصير مختارًا لهن؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأنه [فرع] الاختيار.
الثاني - وهو الأصح: لا؛ كما لا تحصل الرجعة بالوطء، وهذا بناء على ما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ثم وطيء أحداهما، هل يتعين الطلاق في الأخرى؟ فيه قولان.
فلو وطيء الكل، إن قلنا: الوطء اختيار، صار مختارًا للأوليات، وعليه المهر للأخريات.
وإن قلنا: ليس باختيار يختار منهن أربعًا، ويغرم المهر للبواقي.
ولو أسلم مع أربع، فطلقهن قبل إسلام البواقي - صار مختارًا لهن، وبن بالطلاق، وارتفع ناكح الأخريات؛ كما لو اختار المسلمات صريحًا.
ولو قال للمسلمات [معه] فسخت نكاحهن، إن أراد بالفسخ الطلاق؛ فهكذا، وإن أراد حله بلا طلاق- لا يصح؛ لأن الفسخ حله بلا طلاق، ولا يجوز إلا فيما زاد على الأربع؛ وعدد المسلمات لم يزد على الأربع.
فإن لم تسلم المتخلفات يمسك هؤلاء الأربع، وإن أسلمت المتخلفات في العدة، يختار من الكل أربعًا، ثم للمتخلفات إذا أسلمن أن يدعين عليه أنك أردت بالفسخ الطلاق؛ فصرت مختارًا للأوليات، ويحلفنه، ولمن أسلم معه أيضًا الدعوى عليه أنك أردت به الطلاق، وبنا منك، ويحلفنه.
وقيل: اختيار الأوليات لا يجوز، بل يمسك الأخريات؛ لأن بإسلام الأخريات بان أن الفسخ كان صحيحًا في الأوليات، والأول المذهب.
ولو أسلم الزوج - وهن متخلفات - فأسلمن على الترتيب في عددهن -فالزوج يقول لكل واحدة بعد إسلامها: فسخت نكاحكن فإن أراد بالفسخ الطلاق، صار مختارًا للأربع الأوليات، وبن منه بالطلاق، وارتفع نكاح الأخريات حلًا بلا طلاق، وإن أراد بالفسخ حلًا بلا طلاق - صار مختارًا للأوليات، وقررن تحته، وارتفع نكاح الأخريات حلًا بلا طلاق.
ولو أسلم [الزوج]- وهن متخلفاتٌ - وقال: كلما أسلمت واحدةٌ منكن، فقد
[ ٥ / ٣٩٤ ]
اخترتها - لا يصح؛ لأن تعليق الاختيار لا يجوز كتعليق النكاح والرجعة.
ولو قال: كُلما أسلمت واحدة منكن، فقد طلقتها، فقد قيل: لا يجوز؛ لأن الطلاق اختيار، وتعليق الاختيار لا يجوز، وليس بصحيح، بل المذهب جوازه تغليبًا للفظ الطلاق؛ كما أن تعليق الإبراء لا يجوز.
ولو علق عتق المكاتب: يجوز وإن كان إبراء؛ لغلبة لفظ العتق.
وإذا أسلمت واحدة، صار مختارًا لها، وطلقت، ثم الثانية هكذا إلى تمام الأربع، وارتفع نكاح الباقيات حله بلا طلاق.
ولو قال: كلما أسلمت واحدة منكن، فقد فسخت نكاحها؛ فإن أراد بالفسخ الطلاق؛ فهكذا يصح، وإن أراد حله بلا طلاق، لا يصح لمعنيين:
أحدهما: لأن تعليق الفسخ لا يصح.
والثاني: لأن أوان الفسخ بعد إسلام عدد لا يجوز إمساكهن في الإسلام، ولم يوجد.
ولو أسلم الزوج مع خمسٍ، فقال: فسخت ناكحهن - إن أراد به الطلاق، صار مختارًا لأربع منهن، وبن بالطلاق؛ فعليه التعيين، وارتفع نكاح الأخريات.
وإن أراد بالفسخ حله بلا طلاقٍ، انفسخ نكاح واحدةٍ لا بعينها، فإذا أسلمت المتخلفات في العدة يختار من الخمس أربعًا.
ولو قال: فسخت نكاح واحدة منكن، وأراد به الطلاق - صار مختارًا لواحدةٍ لا بعينها؛ فيعينها، وتبين منه، ويختار من البواقي ثلاثًا، وإن أراد حله بلا طلاق، صح، فيعينها، ويختار من البواقي أربعًا.
فإن فسخ نكاح اثنتين حله بلا طلاق، ينفسخ نكاح واحدة فيعينها ويختار من البواقي أربعًا.
وإن عين اثنتين من الخمس، فقال: فسخت نكاحكما حله بلا طلاقٍ - ينفسخ نكاح واحدة منهما، يعين، ثم له اختيار أخرى مع ثلاثٍ.
ولو قال للخمس: اخترت نكاح أربع منكن، أو قال: اخترتكن - تعينت المنكوحات فيهن، فيختار منهن أربعًا، وبانت المتخلفات.
فصل فيما لو نكح مُشرك أمًا وابنتها
إذا نكح مشرك أمًا وابنتها، ثم أسلموا معًا - نظر؛ إن كان قد دخل بهما، فهما محرمتان عليه على التأييد؛ وإن لم يكن دخل بواحدةٍ منهما - ففيه قولان:
[ ٥ / ٣٩٥ ]
أحدهما: يختار أيتهما شاء؛ كما لو أسلم وتحته أختان، اختار أيتهما شاء؛ لأن عقد الشرك إنما ثبت له حكم الصحة إذا انضم إليه الاختيار، فأيهما اختار حكم بصحة نكاحها، وبطلان نكاح الأخرى.
فعلى هذا إذا اختار البنت كانت الأم محرمة عليه على التأييد، وإذا اختار الأم ثم طلقها قبل الدخول - جاز له نكاح البنت.
والقول الثاني - وهو الأصح، واختيار المزني: تتعين البنت للإمساك، ويجوز إمساك الأم؛ لأن العقد على البنت يُحرم الأم، والعقد على الأم لا يحرم البنت، بخلاف الأختين؛ لأن العقد على كل واحدة منهما لا يحرم الأخرى على التأييد، ولا فرق على القولين بين أن يكون نكاحهما معًا، أو على الترتيب. وقيل: أصل القولين أن أنكحة المشركين هل يُعطى لها حكم الصحة أم لا؟
فيه جوابان:
أصحهما: لها حكم الصحة؛ بدليل أنا نقرهم عليها بعد الإسلام.
والثاني: لا يحكم لها بالصحة حتى يُدركها الإسلام، فيعفى عما مضى.
فإن قلنا: يعطى لها حكم الصحة يختار البنت، وألا فيختار أيتهما شاء، والمذهب أن القولين لا يثبتان على هذا الأصل، وأنكحة الشرك لها حكم الصحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩]، وقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] أضاف إلى الكافر زوجته.
وبدليل أنا نقرهم على ذلك النكاح بعد الإسلام من غير استئناف عقدٍ.
ولو ترافعوا إلينا لا نحكم ببطلانه، وأن المشرك لو طلق امرأته ثلاثًا - لا تحل له إلا بعد زوج آخر، وإن نكح في الشرك زوجًا آخر فأصابها - حلت له.
وإن كان قد دخل بإحديهما ثم أسلموا - نظر؛ إن كان قد دخل بالبنت قرت تحته لا يختلف القول فيه، والأم محرمة عليه على التأييد.
وإن كان قد دخل بالأم، فالبنت محرمة عليه، وهل له إمساك الأم؟ يبنى على القولين فيما إذا لم يكن قد دخل بواحدة منهما.
إن قلنا هناك: يمسك أيتهما شاء، فهاهنا يُمسك الأم.
وإن قلنا هناك: تتعين البنت للإمساك، فهاهنا لا يجوز إمساك الأم؛ لأنها حُرمت بالعقد على البنت، [ولها] مهر المثل بالدخول.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
فرع ابن الحداد، وقال: إذا نكح أمًا وابنتها، فأسلموا قبل الدخول، فن قلنا: يمسك البنت، لا يجب عليه مهر الأم؛ لأن النكاح في حقها لم يرتفع باختياره.
وإن قلنا: يختار أيتهما شاء، فإذا اختار إحديهما غرم نصف المهر للأخرى، وكذلك في الأختين قبل الدخول، إذا اختار إحديهما غرم نصف المهر للأخرى، إن كان قد سمى لها صداقًا، ون لم يسم، فالمتعة؛ لأن النكاح ارتفع في حقها باختياره.
قال أصحابنا: هذا يبني على أن أنكحة الشرك، هل لها حكم لصحة [أم لا]؟
إن قلنا: لها حكم الصحة، فإذا اختار إحدى الأختين، غرم نصف المهر للأخرى، وإن لم نحكم لها بالصحة، فلا مهر عليه للأخرى، وفي الأم والبنت إن لم يُعط لها حكم الصحة فاختار أحداهما - فلا مهر للأخرى.
وإن قلنا: لها حكم الصحة، فيمسك البنت، ويغرم للأم نصف المهر.
وكذلك لو أسلم ذميٌّ وتحته حرة وأمة أسلمتا معه قبل الدخول - تتعين الحرة للإمساك، ولا مهر للأمة عند ابن الحداد.
وعند الآخرين: يبنى على هذا الأصل إن قلنا: أنكحة الشرك لها حكم الصحة يجب نصف المهر للأمة، وإلا فلا.
فصل فيما إذا نكح حر في الشرك أمة
إذا نكح حرٌّ في الشرك أمة، ثم أسلم قبل الدخول، وتخلفت هي - تتنجز الفرقة، سواء كانت كتابية أو مجوسية؛ لأنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية، وهي والوثنية سواءٌ.
فإذا أسلما معًا أو كان بعد الدخول أسلم أحدهما، ثم أسلم الآخر قبل انقضاء العدة - نظر؛ إن كان الزوج وقت اجتماع الإسلاميين معسرًا، يخاف على نفسه العنت- جاز له إمساكها، وإن كان موسرًا، أوغير خائف من العنت - بطل نكاحها؛ لأنه لا يجوز ابتداء نكاحها في هذه الحالة.
قال أبو ثور: يجوز له إمساكها؛ لأنه ليس بابتداء النكاح؛ كما يجوز الرجعة في هذه الحالة.
[ ٥ / ٣٩٧ ]
ولو أسلم أحدهما - وهو موسر - ثم أسلم الآخر- وهو معسرٌ - خائفٌ من العنت - جاز له إمساكها، فإن أسلم الأول - وهو معسر - ثم أسلم الآخر - وهو موسرٌ - لا يجوز له إمساكها؛ لأن الاعتبار بوقت اجتماع الإسلامين، سواء تقدم إسلامه أو إسلامها.
وإن كانت الأمة كتابية فتخلفت، وكان بعد الدخول بها - نظر؛ إن لم يتغير حالها حتى انقضت عدتها - بان أن النكاح ارتفع بإسلامه.
وإن تغير حالها، نظر إن عتقت في العدة ولم تسلم - جاز له إمساكها، وإن أسلمت ولم تعتق فله إمساكها، إن كان وقت إسلامها معسرًا خائفًا من العنت.
ولو نكح حر في الشرك أربع إماء، ثم أسلم وأسلمن معه، واجتمع إسلامه وإسلامهن في العدة، إن كان بعد الدخول، وإن كان وقت اجتماع إسلامه وإسلامهن معسرًا خائفًا من العنت - يختار واحدة منهن، وإن كان وقت اجتماع الإسلامين موسرًا، أو غير خائف من العنت- ارتفع نكاح الكل، سواء تقدم إسلامه أو إسلامهن.
ولو أسلم مع واحدة وهو معسر خائف من العنت، ثم أسلمت الثانية وهو موسر، ثم أسلمت الثالثة وهو معسر، ثم الرابعة وهو موسر-اختار؛ إما الأولى أو الثالثة، وبطل نكاح الثانية والرابعة.
ولو أسلم مع واحدة [وهو معسر] وطلقها - صار مختارًا لها، وارتفع نكاح الأخريات.
ولو قال: فسخت ناكحها وأراد به الطلاق - فكذلك، وإن أراد حله بلا طلاق - لا يصح؛ لأن الفسخ حله بلا طلاق في الإماء؛ إنما يجوز في الزيادة على الواحدة، كما في الحرائر إنما يجوز في الزيادة على الأربع،
فإذا أسلمت البواقي في العدة يختار من الكل واحدة أيتهن شاء.
وقيل: لا يجوز اختيار الأولى إذا أسلمت البواقي، بل يختار من الثلاث واحدة؛ لأن بإسلام البواقي تبينًا أن هذه كانت زائدة، وصح فسخ نكاحها.
فإن لم تسلم البواقي، تعينت هذه بالإمساك، والفسخ باطل والأول المذهب أن الفسخ فيها باطل بكل حال.
ولو نكح في الشرك حرة وأربع إماء ثم أسلموا - نظر؛ إن وجد إسلام الحرة مع الزوج في العدة - تعينت الحرة بالإمساك، وبطل نكاح الإماء، سواء تقدم إسلام الإماء أو تأخر، أو
[ ٥ / ٣٩٨ ]
تخلل بين إسلام الزوج والحرة زمان، حتى لو أسلم الزوج مع الحرة.
[فإذا] أسلمت [معه] في العدة وماتت إن كان بعد الدخول، ثم أسلمت الإماء - لم يكن له اختيار واحدة منهن؛ لأن نكاحهن قد بطل باجتماع إسلام الحرة معه في العدة، وإن لم يجتمع إسلام الحرة معه في العدة بأن أسلم الزوج وماتت الحرة في الشرك، أو انقضت عدتها، أو أسلمت الحرة أولًا، وتخلف الزوج حتى ماتت الحرة، أو انقضت عدتها - فالحرة كالمعدومة فيختار الزوج واحدة من الإماء ممن اتمع إسلامه معها في العدة، إن كان معسرًا خائفًا من العنت وقت اجتماع الإسلامين.
فإن قيل: إن أسلم مع الحرة، وماتت الحرة، ثم أسلمت الإماء، قلتم: لا يجوز إمساك واحدة منهن، وقلتم: لو كان تحته إماء، فأسلم وهو موسر، ثم أعسر وأسلمن - جاز له إمساك واحدة منهن؛ فجعلتم الحرة الميتة كالحية في منع اختيار الأمة، ولم تجعلوا اليسار الفائت قبل إسلامهن كالموجود بعد إسلامهن في منع إسلام الأمة، وسويتم بين وجود طول الحرة، ووجود الحرة في منع نكاح الأمة.
قلنا: جعل ابن خيران في اليسار الفائت قولين، والمذهب أن اليسار الفائت لا يجعل كالقائم؛ لأن المال الذي لا يتعين للمتعة لا يرفع نكاح الإماء، والحرة في نكاحه منعته الاستمتاع؛ [فوقع] نكاح الإماء.
أما في منع [بيان] ابتداء نكاح الأمة - يستوي وجود الحرة في نكاحه، والقدرة على صداقها لضعف الابتداء.
ولو أسلم الزوج مع الإماء، وتخلفت الحرة بعد الدخول - لم يكن له اختيار واحدةٍ من الإماء، ما لم يقع اليأس عن الحرة بموتها، أو انقضاء عدتها، حتى لو أسلم الزوج مع الإماء، ثم عتقت الإماء - لم يكن له اختيار واحدة منهن، ما لم يتبين أمر الحرة، فإن ماتت الحرة في الشرك، أو انقضت عدتها - يختار واحدة من الإماء، إذا كان معسرًا يوم إسلامه وإسلامهن، وإن عتقن؛ لأنهن كُنَّ أرقاء وقت اجتماع إسلام الزوج وإسلامهن.
فلو اختار واحدة من الإماء قبل أن يتبين حال الحرة - نظر إن أسلمت الحرة في العدة، فالاختيار باطلٌ، وإن ماتت في الشرك أو انقضت عدتها.
قال الشافعي - ﵁-: يثبت.
[فمن أصحابنا من قال يثبت، وهو الأصح إن ذلك الاختيار باطل.
[ ٥ / ٣٩٩ ]
وقوله: "يثبت" يعني: باختيار جديدٍ] ومن أصحابنا من قال: يثبت بالاختيار السابق وجعل هذا القائل في وقت الاختيار قولين؛ بناء على ناح المُرتابة، وهذا جواب على قولنا: إن المرتابة إذا نكحت يكون موقوفًا.
وعند المزني: الاختيار موقوف.
وإن ماتت الحرة، أو انقضت عدتها بالشرك - بان أنه كان صحيحًا.
ولو نكح في الشرك أربع إماء وعتقت الإماء - نُظر إن عتقن بعد اجتماع الإسلامين فليس له اختيار واحدة منهن بشرط الإعسار، وخوف العنت وإن عتقن قبل اجتماع الإسلامين بأن عتقن، ثم أسلمن، أو أسلمن أولًا ثم عتقن، ثم أسلم الزوج - له إمساك الكُلِّ، حتى لو كانت تحته حرة وأربع إماءٍ، فعتقت الإماء قبل اجتماع إسلامهن مع الزوج، ثم اجتمع إسلامهن في العدة مع الحرة والزوج - فهو كمن أسلم عن خمس نسوةٍ؛ يختار منهن أربعًا.
ولو أسلم الزوج وعتقت واحدة، ثم أسلمت البواقي وعتقن - تعينت الأولى للإمساك؛ لأنها كانت حرة وقت اجتماع الإسلامين.
ولو أسلم الزوج مع واحدة، ثم عتقت، ثم عتق الباقيات، وأسلمن الأخريات - فليس له إمساك الأولى.
وكذلك لو أسلم الزوج، ثم عتقت منهن اثنتان، ثم أسلمتا، ثم أسلمت الأخريان، ثم عتقتا - يمسك الأوليين، وليس له إمساك الأخريين.
وعلى عكسه لو أسلم [الزوج] ثم أسلمت اثنتان، ثم عتقتا، ثم عتقت الأخريان ثم أسلمتا - تتعين الأخريان للإمساك؛ لأنهما كانتا حرتين وقت اجتماع الإسلامين.
فصل في ناح العبد المشرك
إذا أسلم عبدٌ مشركٌ، وتحته أكثر من امرأتين، فأسلمن معه، أو أسلمت في العدة إن كان بعد الدخول، أو أسلمن أولًا، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن - عليه أن يختار منهن اثنتين، سواءٌ كن حرائر أو إماء، أو بعضهن إماء، فإن شاء اختار حرتين، [وإن شاء] أمتين، وإن شاء حرة وأمة.
ولو عتق العبد، وقد تزوج في الشرك أربعًا، ففيه ثلاث مسائل:
[ ٥ / ٤٠٠ ]
إحداها: أن يتزوج أربع حرائر.
الثانية: أن يتزوج أربع إماء.
الثالثة: أن يتزوج حرتين وأمتين.
فإن تزوج أربع حرائر، نظر؛ إن عتق قبل اجتماع إسلامهن؛ بأن عتق ثم أسلم وأسلمن، أو أسلم وعتق، ثم أسلمن، أو أسلمن وعتق ثم أسلم - فله إمساك الأربع.
ولو أسلم مع واحدةٍ، ثم عتق، ثم أسلمت البواقي - له إمساك الأربع، ولو أسلم مع اثنتين، ثم عتق، ثم أسلمت الباقيتان - ليس له إلا اختيار اثنتين، فإن شاء أمسك الأوليين، وإن شاء أمسك الأخريين وإن شاء واحدة من الأوليين، وواحدة من الأخريين، بخلاف الصورة الأولى إذا أسلم مع واحدة، ثم عتق ثم أسلمت البواقي- جاز له إمساك الأربع، لأن هناك حالة العتق كان قد بقي من عدد الرق واحدٌ.
وإذا أسلم مع اثنتين، ثم عتق، فقد تم عدد الرق قبل العتقِ، فلا يؤثر العتق في زيادة العدد وحده، وهو أنه مهما تغير الحال، وقد بقي شيءٌ من عدد المغير والمغير لمجموعهما - فالمغير يظهر أثره بالتكميل إن كان عتقًا، وبالتنقيص إن كان رقًا، ومهما تغير الحال ولم يبق من عدد أحدهما شيء - فلا يظهر أثر المغير هاهنا.
فإذا أسلم مع واحدة، ثم عتق - فقد جاء المغير وهو الحرية، وقد بقي من عدده ثلاثة، ومن عدد المغير وهو الرق واحدة، فأثر في التكميل لوجود أصل يستند إليه، فإذا أسلم مع اثنتين ثم عتق، جاء المغير، ولم يبق من عدد المغير وهو الرق شيءٌ؛ فلم يظهر أثرُ المغير.
وعلى هذا لو أن عبدًا طلق امرأته طلقه، [ثم نكحها بعد عتقه]- يملك عليها طلقتين؛ لأن العتق المغير جاء وقد بقي من عدد الرق والحرية شيء؛ فأثر في التكميل.
فإن طلقها طلقتين، ثم عتق - لا يملك عليها شيئًا؛ لأن العتق جاء، ولم يبق من عدد الرق شيء، وكذلك الأمة عدتها قرآن، فإن عتقت في خلال القرءين تكمل ثلاثة أقراء؛ لأن المغير وهو العتق جاء وقد بقي شيء من عدة الحرائر والإماء جميعًا، فإن عتقت بعد المقرءين فلا شيء عليها.
وفرع ابن الحداد عليه: لو أن ذميًا طلق زوجته طلقتين، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، فاسترق، ونكح تلك المرأة - يملك عليها طلقة؛ لأن المغير وهو الرق جاء ولم يبق من عدده شيء؛ فلم يؤثر المغير في التنقيص.
[ ٥ / ٤٠١ ]
ولو طلقها طلقةً، ثم نقض العهد واسترق ونكحها - لا يملك عليها إلا طلقة؛ لأن المغير جاء وقد بقي شيءٌ من عدد المغير والمغير جميعًا، فظهر أثر المغير في تنقيص العدد، فالمغير هاهنا هو الرق، فأثر في نقصان العدد.
وفي المسائل المتقدمة المغير هو الحرية، فأثر في التكميل.
المسألة الثانية: إذا تزوج العبد أربع إماءٍ، فإن وجد اجتماع الإسلامين وهو رقيق، ثم عتق يختار منهن اثنتين، وإن كان وقت اجتماع الإسلامين حرًا وهن حرائر - له إمساك الأربع، وإن كان حرًا وهن حرائر - له إمساك الأربع، وإن كان حرًا وهن أرقاء - ليس له إلا إمساك واحدةٍ بشرط الإعسارِن وخوف العنتِ.
بيانه: إذا أسلم وأسلمن، ثم عتق - يمسك اثنتين منهن، سواء عتقن من بعده أو لم يعتقن، ولو عتق وعتقن، ثم أسلم وأسلمن، أو وُجد العتق بين الإسلامين، أو عتق وأسلم، ثم عتقن - فله إمساك الأربع. فأما إذا عتق وأسلم، أو أسلم وعتق، ثم أسلمن وعتقن، أو أسلمن أولًا ثم عتقن - لم يكن له إلا إمساك واحدةٍ بعد أن يكون معسرًا خائفًا من العنت.
ولو أسلم مع واحدةٍ، ثم عتق، ثم أسلمت البواقي، ثم عتقن بعد إسلامهن، أو لم يعتقن - تعينت الأولى، ولو أسلم مع واحدة، ثم عتق، ثم عتقت البواقي، ثم أسلمن - قال الشيخ: يجوز له إمساك الكل؛ لأنه لم يستوف عدد الرق قبل العتق، وحين عتق كانت الأولى قد أسلمت، وكان له إمساكها؛ لأنه كان رقيقًا يوم اجتماع إسلاميهما، والباقيات كُن حرائر يوم اجتماع إسلامه وإسلامهن وهو حر، وكان له إمساكهن؛ لأن إدخال الحرائر على [الإماء]- لا يجوز.
وإن أسلم مع اثنتين، ثم عتق، ثم أسلمت البواقي، ثم عتقن - لم يكن له إلا إمساك الأوليين.
قال [علي]- ﵁ -: ولو أسلم مع اثنتين، ثم عتق الأخريان ثم أسلمتا - لم يكن له إلا إمساك اثنتين؛ لأنه استوفى عدد الرق قبل العتق، ولكن إن شاء أمسك الأوليين، وإن شاء أمسك الأخريين، وإن شاء واحدة من الأوليين، واحد من الأخريين؛ لأن الأخريين كانتا حرتين وقت اجتماع الإسلامين؛ كما لو كان تحته أربع حرائر، فأسلم مع اثنتين ثم عتق ثم أسلمت الأخريان - يختار اثنتين من أيهما شاء.
المسألة الثالثة: إذا نكح العبد [المشرك] حرتين وأمتين- نظر؛ إن وجد اجتماع إسلامهن وهو حر تعينت الحرتان للإمساك؛ مثل إن عتق ثم أسلم وأسلمن، أو أسلم وعتق
[ ٥ / ٤٠٢ ]
ثم أسلمن، أو أسلمن ثم عتق وأسلم - يمسك الحرتين.
وإن أسلم مع حرة وأمة، ثم عتق ثم أسلمت الأخريان فله أن يمسك إحدى الحرتين مع الأمة الأولى، وإنما لم يجز إمساك الاثنتين؛ لأنه استوفى عدد الرق قبل الحرية، وإنما لم يجز إمساك الأمة الثانية؛ لأنه كان حرًا حين أسلمت الأمة الثانية، فلم يجز له إمساك الأمة، وفي حكم نكاحه حرة، وجاز له إمساك الأمة الأولى؛ لأنه كان رقيقًا وقت إسلامها.
قال الشيخ: ولو أراد إمساك الحرتين دون الأمة - يجوز؛ كما لو أسلم مع حرتين ثم عتق، ثم أسلمت الحرتان الأخريان - له أن يختار أي الحرتين شاء.
فصل في خيار العتق
إذا نكح العبد في الشرك أمة، ثم وجد الإسلام، وعتقت الأمة بعد الدخول- فلا يخلو؛ إما أن يتقدم إسلامها، أو إسلام الزوج.
فإن تقدم إسلامها؛ فلا يخلو إما أن أسلمت ثم عتقت، أو عتقت ثم أسلمت، فإن أسلمت ثم عتقت، والزوج متخلف - فإن اختارت المقام معه؛ لا يجوز لمعنيين:
أحدهما: لأنها جارية في البينونة، فاختيار المقام لا يلائم حالها.
والثاني: لأنها مسلمة لا يجوز قرارها تحت الكافر، وبهذا الاختيار لا يبطل حقها من الفسخ. وإن اختارت الفراق في الحال - يجوز؛ لأنه يلائم حالها، ولا تُكلف الصبر حتى يتبين حال الزوج؛ لأنه إذا أسلم في العدة، ثم اختارت الفراق - تطول عليها العدة.
فإذا عجلت الفراق، نظر إن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها من وقت إسلامها - فعدتها من وقت اختيار الفسخ عدة الحرائر، وإن أسلم بعد انقضاء العدة - فعدتها من وقت إسلامها، ولا [عدة] لاختيارها الفُراق؛ لأن البينونة وقعت قبل ذلك.
وعدتها عدة الحرائر أم عدة الإماء.
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: حكمها حم الرجعية إذا عتقت في خلال العدة، ففي الجديد: تكمل عدة الحرائر.
وفي القديم قولان:
وشبهها بالرجعية؛ من حيث إن عدتها تعرض للارتفاع بإسلام الزوج؛ كعدة الرجعية بالمراجعة؛ ولأنا تستحق النفقة في هذه الحالة كالرجعية.
[ ٥ / ٤٠٣ ]
ومنهم من قال: حكمها حكم البائنة إذا عتقت في العدة.
ففي القديم: يقتصر على عدة الإماء. وفي الجديد قولان؛ لأنا نحكم بعد انقضاء العدة بوقوع البينونة من وقت إسلامها؛ كالبائنة لا تكون بينونتها بانقضاء العدة، بخلاف الرجعية؛ فإنها تتبين بعد انقضاء العدة.
ثم هاهنا لا خلاف أنها لا تستأنف العدة من وقت اختيار الفراق؛ لأنه إذا لم يسلم حتى انقضت عدتها - بان أن الاختيار لم يكن صحيحًا، بخلاف الرجعية إذا عتقت، فاختارت الفراق تستأنف العدة في قولٍ؛ لأن ذلك الاختيار صحيح، وله أثرٌ وهو قطع الرجعة.
فأما إذا أرادت تأخير الفسخ إلى أن يتبين حال الزوج - يجوز، [ولا يبطل] به خيارها؛ كالرجعية إذا عتقت في العدة، لها تأخير الاختيار على تبيين حال الزوج، هل يراجعها أم لا؟
ثم إن لم يُسلم الزوج حتى انقضت عدتها سقط الاختيار، وعدتها من وقت إسلامها. وتكون عدة الحرائر [أم عدة الإماء؟ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
وإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها، فلها خيار الفسخ، وعدتها من وقت الاختيار عدة الحرائر]، فأما إذا عتقت ثم أسلمت - والزوج متخلف - لا يجوز لها اختيار المقام؛ لما ذكرنا من المعنيين.
فإذا عجلت الفراق يجوز، ثم إن أسلم الزوجُ قبل انقضاء عدتها، فعدتها عدة الحرائر من وقت الاختيار، فإن أسلم بعد انقضاء عدتها، فعدتها من وقت إسلامها عدة الحرائر، وإن أرادت تأخير الفسخ على تبين حال الزوج - يجوز، ثم إن أسلم قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، فإذا فسخت فعدتها من وقت الفسخ عدة الحرائر، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها - فعدتها من وقت إسلامها عدة الحرائر.
وأما إذا تقدم إسلام الزوج - نظر إن أسلمت بعده ثم عتقت - فلا الخيار في الحال هذه أمة عتقت تحت عبد، ولحكمه باب مفرد، سيأتي إن شاء الله تعالى.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
وإن عتقت قبل الإسلام، فأخرت الاختيار - جاز، ثم عن أسلمت قبل انقضاء عدتها من وقت إسلام الزوج، فاختارت الفراق - فعدتها من الآن عدة الحرائر.
وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها بان أن الفرقة وقعت بإسلام الزوج، وعدتها من ذلك الوقت عدة الحرائر، أم عدة الإماء؟ فعلى ما سبق من الاختلاف.
ولو أنها اختارت المقام، أو الفراق قبل إسلامها - فظاهر النص يدل على أنه لا يجوز واحد منهما.
فذهب بعضُ أصحابنا: إلى ظاهره، وقال: اختيارُ المقام لا يجوز؛ لأنها جارية في البينونة، فالمقام لا يلائم حالها، واختيار الفراق لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يسلم، ثم يختار الفراق، بخلاف ما لو تقدم إسلامها والزوج متخلف - جاز لها اختيار الفسخ في الحال؛ لأن إسلام الزوج [ليس] بيدها.
والصحيح من المذهب أن اختيار المقام لا يجوز، واختيار الفراق يجوز؛ لأنه يلائم حالها؛ كما لو تقدم إسلامها، وتخلف الزوج.
وقول الشافعي - ﵁-: فاخترن فراقه والمقام معه، ثم أسلمن - خُيرنَ.
جوابه: يرجع إلى اختيار المقام.
وقيل: لم يذكر الشافعي - ﵁- "فاخترن فراقه" بل قال: فاخترن المقام معه، فإذا اختارت الفراق، ثم أسلمت قبل انقضاء عدتها - فعدتها من وقت الاختيار عدة الحرائر.
وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها، فعدتها من وقت إسلام الزوج عدة الحرائر، أم عدة الإماء؟ فعلى ما سبق من الاختلاف.
ولو أسلم الزوج العبد، هل يثبت الخيار لزوجته الكافرة، حرة كانت أو أمة، أسلمت أو لم تسلم، وهي كتابية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها رضيت برقِه، ولم يحدث فيها عتق.
والثاني: يثبت وعليه نص حيث قال: ولو كان عنده إماء وحرائرن ولم يخترن فراقه؛ وذلك لأن الرق نقائص في الإسلام ليست في الكفر، وهي لم ترض بها، فمن قال بالأول قال: جوابه يرجع إلى الإماء إذا عتقن.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
فصل فيما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة
إذا أسلم عن أكثر من أربع نسوة، وقعت الفرقة بينه وبين الزيادة على الأربع بنفسه الإسلام؛ فيؤمر بالاختيار، فإن لم يختر حُبس، فإن امتنع من الحبس عُزر، وإن امتنع بعد التعزير عُزر ثانيًا وثالثًا إلى أن يختار؛ لأنه حق وجب عليه، فإن أغمي عليه في الحبس يُخلى سبيله حتى يفيق؛ لأنه خرج عن أن يكون له اختيارٌ، فإذا أفاق رُدَّ إلى الحبس، ولا يختارُ عليه الحاكم؛ لأنه اختيار تشهٍّ ولا يدري الحاكم أيتهن آثر عنده.
وكذلك لا يجوز التوكيل فيه، بخلاف [التوكيل] إذا لم يفِ ولم يُطلق، يُطلق عليه الحاكمُ؛ لأنه حق فرقة ثبتت لمستحقة متعينة، وهاهنا حق الفرقة ليس لواحدةٍ بعينها حتى يوصله إليها، وإلى أن يختار تجب عليه نفقة كلهن؛ لأنهن في حياله وحبسه.
وكل واحدة بفرض أن تكون المزوجة فإذا اختار أربعًا، تبين انقطاع الباقيات من وقت إسلام مُتقدم الإسلام منهما، أعني: من الزوج، وممن يرتفع نكاحها، وعدتهن من أي وقت تكون؟ اختلف أصحابُنا فيه: منهم من قال - وهو الأصح-: من وقت الاختيار.
ومنهم من قال: من وقت الإسلام، إن أسلمن والزوج معًان وإن تقدم إسلام أحدهما، فمن وقت إسلام متقدم الإسلام منهما.
وإن كُنَّ كتابيات، فتخلفن من وقت إسلامه؛ لأن الحيلولة وقعت بينهما من ذلك الوقت - قال الشيخ. ويمكن بناؤه على ما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ثم عين - فعدتها من وقت التعيين، أو من وقت تلفظ بالطلاق؟ فيه قولان:
فإن قلنا هناك: من وقت التعيين - وهو الأصح- فها هنا يكون من وقت الاختيار.
وإن قلنا هناك: من حين تلف فها هنا من حين أسلم السابق منهما. وإن أسلم مع أربع، فاختارهن- جاز، ثم نظر؛ إن لم تُسلم المتخلفات حتى انقضت عدتهن - بان أن النكاح ارتفع بينه وبينهن بإسلامه، وانقضت عدتهن من ذلك الوقت.
وإن أسلمن قبل انقضاء عدتهن، فالفرقة وقعت بينه وبينهن باختيار الأوليات، وعدتهن من وقت الاختيار.
ولو أسلم معهن، أو اجتمع إسلامه وإسلامهن في العدة، فمات الزوج قبل الاختيار
[ ٥ / ٤٠٦ ]
- لا يقوم وارثه مقامه في الاختيار، ثم الكلام في فصلين: في العدة، والميراث.
أما العدةُ: ن لم يكن قد دخل بهن، فعلى كل واحدة أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من وقت موته؛ لأن كل واحدة بين أن تكون أجنبية؛ فلا عدة عليها، وبين أن تكون زوجةً فعليها عدة الوفاة؛ فيحتاط لإيجابها.
وإن كان بعد الدخول بهن، فكل من كانت حاملًا تنقضي عدتها بوضع الحمل.
ومن كانت حائلًا، نظر؛ إن كانت من ذوات الأشهر، فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من وقت الموت، وإن كانت من ذوات الأقراء؛ فعليها أن تعتد بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، فأيهما تم أولًا عليها إكمال الثاني؛ لأن كل واحدة بين أن تكون زوجة فعليها عدة الوفاة، أو مفارقة في الحياة، فعليها أن تعتد بثلاثة أقراء.
غير أن مُضي الأشهر تعين من وقت الوفاة، والأقراء من أي وقت تُعتبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: تعتبر من وقت الموت أيضًا.
والثاني: من وقت إسلام متقدم الإسلام منهما، حتى لو مضى لها قُرءٌ في حياة الزوج بعد الإسلام تعتد بعد حياته بأربعة أشهر وعشر فيهما قُرآن، ولا يتصور في الأم والبنت اجتماعُ العدتين على واحدٍ.
أما الميراثُ: فيوقف لهن ربعُ الميراث، إن لم يكن له ولدٌ، فإن كان له ولد فالثمن، حتى يصطلحن، بخلاف النفقة لا توقف؛ لأن التفريط من جهته بترك الاختيار، ولا تفريط في الموت، فإن كُن ثمانية، فجاءت واحدة أو اثنتان أو ثلاث أو أربعٌ، وطلبن شيئًا من الميراث، لا يعطين؛ لاحتمال أن الزوجات غيرهن.
وإن طلب خمس منهن يُعطى إليهن ربع الموقوف؛ لأنا نعلم أن فيهن زوجتين وإن طلب ست يعطين نصف الموقوف؛ لأنا نعلم أن فيهن زوجتين، وإن طلبا سبع فثلاثة أرباع الموقوف.
وإن كن عشرًا، فجاء خمسٌ أو ست، فطلبن شيئًا - لا يعطين.
فإن جاء تسع وطلبن يعطى إليهن الربع، وهل يعطين من غير إبراء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، حتى ينقطع الخصومة.
والثاني: يعطين من غير إبراءٍ - وهو الأصح؛ لأن منهن من يستحق هذا القدر.
وإن كُنَّ ثمانية فيهن صغيرة، أو مولى عليها، فإن أعطيت الصغيرة ربع الموقوف
[ ٥ / ٤٠٧ ]
فنعما، وإن لم تُعط، فلا يرضى وليها بأقل من ثمن الموقوف؛ لأنهن إذا اقتسمن على التسوية، فيكون لكل واحدةٍ ثمنه، فلا يجوز أن يبخس حق الصغيرة، فيرضى بأقل منه.
ولو كان تحته ثمان زوجاتٍ: أربعٌ تابيات، وأربعٌ مجوسيات أو وثنيات، فأسلم مع المجوسيات أو الوثنيات.
قال الشيخ - ﵀-: أو [كان تحته ثمان نسوة] كلهن كتابيات، فأسلم مع أربع منهن، وتخلفت الكتابيات - فإن شاء اختار الكتابيات، وإن شاء اختار اللاتي أسلمن معه، فلو مات قبل الاختيار:
من أصحابنا من قال: لا يوقف للزوجات شيءٌ، بل تُقسم التركة بين سائر الورثة؛ لأن الوقف حيث يتحقق الاستحقاق، وهاهنا لا يتحقق؛ لأنه يجوز أن تكون الكتابيات هن الزوجات، فلا ترث منه زوجة.
ومنهم من قال: يوقف؛ ما لو أسلمن معه جميعًا، ثم مات؛ لأن الزوجية [حقيقية] الكتابيات.
ولو مات ذمي كتابي أو مجوسي عن أكثر من أربع نسوة.
قال صاحب "التلخيص": كان الربعُ أو الثمن بينهن جميعًا؛ قلته تخريجًا.
وذهب جماعةٌ من أصحابنا إلى أنه لا يرث منهن إلا أربعٌ، فيوقف حتى يصطلحن؛ كما لو أسلم معهن، فمات قبل الاختيار؛ إذ لا فرق بين الإسلام وبين الترافع إلينا، فإن اقتسمن بينهن قبل الترافع إلينا - لا ننقضه.
وقال الشيخ القفال - ﵀- هذا يبني على أن أنكحة الكفار هل يحكم بصحتها أم لا؟
إن قلنا: لا يحكم لها بالصحة، فلا يرث منهن إلا أربعٌ ويوقف.
وإن قلنا: لها حم الصحة، ورث الكل.
أما المجوسي إذا نكح إماء ومات، فهل ترث المرأة منه؟
من أصحابنا من بني على هذا الأصل.
وإن قلنا: لها حكم الصحة ورثت، وإلا فلا.
والمذهب: أنها لا ترث قولًا واحدًا؛ لأنه ليس في شيء من الأديان، ولا يتصور التقرير عليه في الإسلام.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
قال الشيخ﵀ -: وكذلك لو نكح في الشرك في العدة، ومات قبل انقضاء العدة - لا ترثُ؛ لأنه لا يقر عليه لو [أسلم].
فصل فيما لو أسلم وتحته مجوسية
إذا أسلم وتحته مجوسية أو وثنية، فتخلفت، وكان بعد الدخول بها، فنكح أختها المسلمة وأربعًا سواها قبل انقضاء عدتها - لا يصح.
وكذلك لو طلق امرأته في الشرك طلاقًا رجعيًا، ثم أسلم ونكح أختها أو أربعًا سواها في عدتها - لا يصح؛ لأن زوال [النكاح] غير مستيقن.
قال المزني - ﵀-: يكون النكاح موقوفًا، فإن أسلمت المتخلفة في العدة- بان أنه باطل، وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها - بان أنه صحيحٌ، ولا يتكرر وقف النكاح؛ كما ان نكاح المتخلفة موقوفٌ.
قلنا: الوقف في نكاح المتخلفة وقف الحل والزوال، وذلك جائزٌ، وفيما نحن فيه وقف العقد؛ كما أن زوال نكاح الرجعية موقوف على انقضاء عدتها، ولا يجوز نكاح أختها موقوفًا عليه.
فأما إذا أسلمت المرأة، وتخلف الزوج؛ إما في صلب النكاح، أو في عدة الرجعية، فتزوج الزوج المتخلف أختها، أو أربعًا سواها في عدتها، ثم أسلم مع الأخرى - نظر؛ إن أسلم بعد انقضاء عدة من أسلمت أولًا - قرت الأخرى تحته، وإن أسلم في عدتها يختار أيتهما شاء، ون كان قد نكح أربعًا يختار من الكل أربعًا؛ كما لو أسلم وتحته أختان، أو أكثر من أربع نسوة، بخلاف ما لو أسلم الزوج أولًا، ونكح أختها؛ لأنه نكح في الإسلام، وهو يعتقد تحريم نكاح الأخت على الأخت.
ولو أسلم أحد الزوجين، وتخلف الآخر بعد الدخول بها، وطلقها في العدة - فالطلاق موقوفٌ، فإن جمعهما، إسلام في العدة. [بان أن الطلاق واقع وتعتد من ذلك الوقت، وإن لم يجمعهما إسلام حتى انقضت العدة] بان أن الطلاق غير واقعٍ.
وكذلك لو ظاهر عنها أو آلى عنها - فموقوفٌ، وإن لم يجمعهما إسلامٌ فلا ظهار، ولا إيلاء، ولا لعان في القذف، ويعزر إن كانت المرأة هي المتخلفة على القذف، ويُحد إن كان
[ ٥ / ٤٠٩ ]
هو المتخلفُ. وإن جمعهما الإسلام بان أنها زوجته، وصح الظهار والإيلاء، وله اللعان لإسقاط الحد والتعزير.
فصل فيما لو أسلم احد الزوجين بعد الدخول
إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول - فلها المهر؛ لأنه استقر بالدخول، وإن أسلم قبل الدخول، نظر؛ إن أسلم الزوج حيث لا يدوم النكاح بينهما، فعليه نصف المهر المسمى إن كان صحيحًا، وإن كنا فاسدًا فنصف مهر المثل، وإن لم يكن فرض لها شيئًا فالمتعة.
وإن أسلمت المرأة، وتخلف الزوج - فلا مهر لها؛ لأن ارتفاع النكاح إذا كان من قبلها قبل الدخول - فلا يون لها مهرٌ؛ كما لو ارتدت.
فلو اختلفا فقال الزوج؛ أسلمت أولًا فلا مهر لك، فقالت: بل أسلمت أولًا فعليك نصف المهر -فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل وجوب مهرها.
ولو قالت: لا أدري أينا أسلم أولًا، فلا مهر لها، فلو قالت بعده: تذكرت اسلم الزوج أولًا - حلفت، وأخذت المهر.
ولو قالا: لا نعلم أينا أسلم أولًا، فالنكاح ينفسخ لاتفاقهما على سبق إسلام أحدهما.
ثم إن كان: قبل أخذ الصداق، فلا تأخذ المرأة منه شيئًا؛ لاحتمال سبق [إسلام أحدهما] فإن كانت قد قبضت، فليس للزوج أن يسترد منها إلا النصف؛ لاحتمال سبق إسلامه.
ولو اختلفا في بقاء النكاح، فقالت المرأة: أسلم أحدنا قبل الآخر، فلا نكاح بيننا [ولو] كان قبل الدخول، وقال الزوج: بل أسلمنا معًا - فالقول قول من يكون؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المُزني: القول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاحِ.
والثاني: القول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر معها، من حيث إنه ينظر وقوع إسلامهما معًا.
واستنبط أصحابنا من هذا حد المدعي والمدعى عليه، [فجعلوه على جوابين:
[ ٥ / ٤١٠ ]
أحدهما: المدعي من لو سكت تُرك، والمدعى عليه] من لا يترك وسكوته فعلى هذا القول قول الزوج؛ لأن المرأة لو سكتت تُركت، فكانت هي المدعية.
والثاني: المدعي [من يدعي أمرًا باطنًا، والمدعى عليه من يدعي أمرًا ظاهرًا، فعلى هذا القول قولها مع يمينها؛ لأن الرجل يدعي] أمرًا باطنًا، وهو وقع الإسلامين معًا، فكان هو المدعي.
ولو قال الزوج: أسلم أحدنا قبل الآخر، وقالت: بل معًا - ارتفع النكاح بقوله، ودعواها في المهر مسموعة، والقول قول من يكون؟ فعلى القولين.
ولو قالا: لا ندري أسلمنا معًا، أو أحدنا قبل الآخر - فهما على النكاح؛ لأن الأصل بقاؤه.
ولو أسلمت المرأة بعد الدخول، ثم أسلم الزوج، واختلفا، فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء العدة، وقالت: أسلمت بعده- نظر إن اتفقا على وقت انقضاء العدة مثلًا؛ أنها انقضت يوم الجمعة، فقال الزوج: أسلمت يوم الخميس، وقالت: بل يوم السبت - فالقول قولها مع يمينها؛ لأنهما اتفقا على صدقها فيما تدعيه لنفسها، واختلفا في إسلامه، والأصل بقاءُ كفره.
ولو اتفقا على أنه أسلم يوم الجمعة، واختلفا في انقضاء العدة، فقالت المرأة: انقضت عدتي يوم الخميس، وقال: بل يوم السبت - فالقول قوله مع يمينه؛ لاتفاقهما على صدقه فيما يدعيه من إسلامه، واختلفا في انقضاء العدة، والأصل بقاؤها، ولو لم يتفقا على شيء، بل يقول الرجل: أسلمت قبل انقضاء عدتك، والمرأة تقول: انقضت عدتي قبل إسلامك - فالقول قول من سبق بالدعوة، فإن قالت المرأة أولًا: انقضت عدتي قبل إسلامكن ثم ادعى الرجل أنه أسلم قبل انقضاء عدتها - فالقول قولها مع يمينها، ويجعل كأن الزوج أنشأ الإسلام حالة الدعوى.
وإن قال الزوج أولًا: أسلمتُ قبل انقضاء العدة، ثم قالت المرأة: انقضت عدتي قبل إسلامك نظر إن قالت بعده بزمان - فالقول قوله مع يمينه.
وإن قالت ارتجالًا، فالقول قولها مع يمينها، لأنا نجعل قوله: أسلمت كأنه يُنشيء الإسلام الآن؛ لأن إنشاءه يكون بالقول كالإقرار به، ويجعل قولها: انقضت عدتي إخبارًا؛
[ ٥ / ٤١١ ]
لأن انقضاء العدة لا يكون بالقول، فيكون الانقضاء سابقًا على الإخبار، فيصير كأن إسلامه وانقضاء عدتها وقعًا معًا، فلا يكون النكاح باقيًا؛ لأن الإسلام لم يُصادف شيئًا من العدة.
وكذلك لو ارتد الزوج بعد الدخول، وغاب، ثم عاد مسلمًا بعد انقضاء عدتها، فاختلفا - فهو على هذا التفصيل.
وكذلك لو اختلف [الزوجان] في الرجعة، وانقضاء العدة، فقال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك، وقالت: بل بعده.
ونص الشافعي - ﵁ - في الرجعة والردة؛ أن القول قولها مع يمينها، ونص هاهنا أن القول قوله، فمنهم من جعل القول في الكل قولين، [والصحيح] أنه على حالين؛ حيث قال: "القول قوله"، أراد إذا اتفقا على وقت إسلامه ورجعته، واختلفا في وقت انقضاء العدة.
وحيث قال: "القول قولها" أراد به إذا اتفقا على وقت انقضاء العدة، واختلفا في وقت إسلامه ورجعته.
ومنهم من قال على حالين من وجه آخر؛ حيث قال: "القول قوله" أراد به إذا كان هو السابق في الدعوى، وحيث قال: "القول قولها" أراد به إن كانت هي السابقة.
فصل في إمساك عقود المشركين بعد الإسلام
إنما يجوز إمساك المرأة بعد الإسلام بعقد مضى في الشرك، إذا عقدوه في الشرك على وجه، ويعتقدون صحته، ثم وجد الإسلام، والمبطل غير قائم، حتى لو عقدوه بلا ولي ولا شاهد، وبإجبار غير الأب والجد، وبإجبار الثيب، وهم يعتقدونه، ثم أسلموا - يقرون عليه.
ولو قهر رجل امرأة على نفسها، أو طاوعتهن وهم يعتقدونه نكاحًا، فأسلما - يُقران عليه، وإن لم يعتقدوه فلا.
ولو راجع رجعية في القُرءِ الخامس، وهم يعتقدون أن العدة خمسة أقراءِ - يقرون عليه. ولو نكح المطلقة ثلاثًا قبل زوج آخر، ثم أسلما - لا يقران عليه؛ لأن المبطل قائم؛ كما لو نكح أمًا وأختًا ثم أسلما - لا يُقران عليه.
ولو نكح امرأة في عدة الغير، أو بشرط الخيار لهما معًا أو لأحدهما، ثم أسلما بعد
[ ٥ / ٤١٢ ]
انقضاء العدة، ومضى زمان الخيار - يقران عليه، وإن كان قبل انقضاء العدة بزمان الخيار - فلا يُقران؛ لأن المبطل قائم.
ولو أسلم أحدهما - ومدة العدة والخيار باقية - ثم أسلم الثاني بعد انقضائها - لا يقران، وكان شيخي - ﵀- يقول: يُقران، ويشترط بقاء المبطل بعد اجتماع الإسلامين، من وقت إسلامها.
قال الشيخ: وكذلك إذا كنا أكثر من أربعة نسوة فأسلمن - يجوز اختيار الموطوءة في العدة الثانية إذا أسلم الزوج وأحرم، ثم أسلمت المرأة في العدة، نص على أنه يجوز إمساكها في حال الإحرام وإن كان لا يجوز ابتداء النكاح في الإحرام وإن كن أكثر من أربع فأسلمن؛ وهو محرم - له أن يختار أربعًا منهن: اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجوز الإمساك والاختيار في الإحرام؛ كما تجوز الرجعة.
والثاني: لا يجوز كما لا يجوز ابتداء النكاح.
ومنهم من قال: لا يجوز الإمساك والاختيار في الإحرام قولًا واحدًا، بل قد يقع النكاح؛ كما لو يجوز ابتداء النكاح وكما لو أسلم حر، وتحته أمة وهو موسر - لا يجوز إمساكها، كما لا يجوز ابتداء نكاح الأمة مع اليسار.
وحمل النص على ما لو أسلم وأسلمن معه، ثم أحرم قبل الاختيار - جاز أن يختار في حال الإحرام؛ لأن الاختيار ثبت له حاله الإسلام وهو غير محرم في تلك الحالة.
ولو أسلم الزوج بعد الدخول، ثم ارتد نظر إن لم تسلم المرأة؛ حتى انقضت عدتها - بانت منه باختلاف الدين الأول، والعدة من تلك الحالة، وإن أسلمت المرأة قبل انقضاء عدتها.
ولو نكح نكاح متعةٍ، ثم اسلما، إن اعتقدوا تأبيده - أقرا عليه، وألا فيقران عليه، سواء كانت المدة باقية أو منقضية؛ لأنها إن كانت باقية، فالمبطل قائم، وإن كانت منقضية، فاعتقادهم ارتفاع النكاح بانقضائها.
وكذلك لو نكحها على شرط أنهما بالخيار، أو أحدهما أبدًا - لا يُقران عليه.
وكل امرأة جاز نكاحها في الإسلام - جاز إمساكها بعقد مضى في الشرك على اعتقادهم، وكل امرأة لا يجوز - ابتداء - نكاحها في الإسلام، لا يجوز استدامة نكاحها بعد إسلامها بعقد مضى في الشرك إلا في مسألتين.
[ ٥ / ٤١٣ ]
إحداهما: إذا أسلمت [المرأة] بعد الدخول، فوطئت بالشبهة، ثم أسلم الزوج في العدة- له استدامة نكاحها، وإن كان لا يجوز - ابتداء - نكاح المعتدة، ثم إن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها من الزوج بان أن عدتها من وطء الشبهة، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها من الزوج، بان أن عدتها من الزوج، وتستأنف العدة من وطء الشبهة ومن حين انقضت عدة الزوج من وقت إسلامه، سقط حكم العدة الأولى وتستأنف العدة من حين ارتداد الزوج، ويقف النكاح على إسلامه، وانقضاء العدة.
فإن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها من وقت ردته - فهما على النكاح.
وإن لم يُسلم حتى انقضت العدة - بان أن الفرقة وقعت بينهما بارتداده، والعدة من تلك الحالة.
قال الشيخ -﵀-: هذه مسألة ثالثة يفرق فيها حكم الابتداء والاستدامة وأن - ابتداء - نكاح المرتدة لا ينعقد على الوقف، ويوقف في الدوام.
ولو أسلم عن أكثر من أربع بعد الدخول، ثم ارتد، ثم أسلمن في العدة - لا يجوز الاختيار في الردة، وكذلك لو أسلم وأسلمن معه، ثم ارتد قبل الاختيار - لايجوز الاختيار في الردة؛ كما لا تجوز الرجعة في الردة، بخلاف الإحرام، ويجوز فيه الاختيار؛ لأنه لا ينافي الرجعة.
قال الشيخ: بل يتوقف، فإن عاد إلى الإسلام في العدة يختار.
قال - ﵀: ولو قال في حال الردة: طلقت أربعًا منكن- يتوقف، فإن جمعهم الإسلام في العدة تعين النكاح في المطلقات، وبن منه بالطلاق.
وإن كان طلق أربعًا لا على التعيين - يقال: اختر، فإذا اختار أربعًا طُلقن منه، وإن كان الاختيار في الردة لا يصح ولا يتوقف؛ لأن الطلاق له غلبة كما سبق.
قال الشيخ - ﵀-: فإن سخ نكاح أربع أراد حله بلا طلاق- نظر؛ إن لم يعين فلا معنى له، وإن عين يتوقف، فإن جمعهم الإسلام تعينت الأخريات للنكاح، وإن كان الاختيار على الوقف - لا يجوز؛ لأن الاختيار لا يلائم حالها فلم [يعلم] والفسخ يلائم حالها [فعلم]، فبقيت الأخريات منفرداتن فيتوقف نكاحهن؛ ما لو لم يكن تحته إلا أربع.
[ ٥ / ٤١٤ ]
باب ارتداد أحد الزوجين والعياذ بالله
إن ارتد أحد الزوجين أو هما جميعًا نظر إن كان قبل الدخول تتنجز الفرقة بينهما، وإن كان بعد الدخول يتوقف على انقضاء عدتها، فإن جمعهما الإسلام في العدة، فهما على
[ ٥ / ٤١٥ ]
النكاح، وإن انقضت عدتها قبل إسلامها بان أن الفرقة وقعت بنفس الردة.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: إن ارتدا معًا دام النكاح بينهما؛ كما لو أسلم الزوجان معًا، وإن ارتد أحدهما تنجزت الفرقة، سواء كان قبل الدخول أو بعده، وإنما سوينا نحن بين ردتهما وردة أحدهما؛ لأن الحالتين تستويان في منع ابتداء النكاح، فكذلك تستويان في الدوام، بخلاف ما لو أسلما معًا دام النكاح بينهما، ويجوز له وطؤها بعد ما أسلما، ولا يجوز ذلك بعد ردتهما.
ثم إن وُجدت الردة بعد الدخول - وقد استقر مهرها بالدخول -[فلا يسقط بالردة، وإن وجدت قبل الدخول، نظر إن ارتدت المرأة سقط مهرها]؛ لأن الفسخ جاء من قبلها، وإن ارتد الزوج فعليه نصف المهر، [وإن كانت مفوضة فالمتعة كما لو طلقها، وإن ارتدا معًا فوجهان:
أحدهما: عليه نصف المهر]، كما لو خالعها قبل الدخول:
والثاني - وهو الأصح-: لا مهر لها؛ لأنها جانيةٌ بالردة؛ فلا يحال بالحكم على جنايته؛ كما لو قال: اقطع يدي، فقطع - لا ضمان على القاطع، وإن كان القاطع جانيًا فوجود الإذن من جهة المستحق، بخلاف الخلع؛ لأن قطع النكاح فيه يحال على الزوج؛ لأنه ينفرد بالفرقة، وليس من جهتها إلا بذلُ المال، وذلك بمجرده لا يوجب الفرقة.
ولو ارتدا أو أحدهما بعد الدخول - لا يحل له وطؤها، فلو وطئها في العدة.
[لا حد عليه، وعليها الاعتداد بثلاثة أقراء من وقت الوطء.
ثم إن كان وطئها بعد] قُرءٍ، وبقي قُران بعده فلو جمعهما الإسلام، فهما على النكاح، ولا مهر للمرأة بسبب هذا الوطء، وإن لم يجمعهما الإسلام حتى مضى قُران بعد الوطء - بان أن الفرقة وقعت بينهما بنفس الردة، وعليه المهر بسبب ذلك الوطء.
[ ٥ / ٤١٨ ]
وكذلك إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول، ثم وطئها في العدة، فإن جمعهما الإسلام في العدة، فلا مهر لها، وإلا فيجب، بخلاف ما لو وطيء الرجعية، ثم راجعها - يجب المهر في قولٍ؛ لأن ثم أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعة، وهو نقصان [العدة]، فنزل ما بعد المراجعة وقبلها بمنزلة عقدين، وهاهنا يرتفع أثر الردة بالإسلام، والوطء، يصادف العقد الأول، فلم يجب مهر آخر.
ولو ارتدا أو أحدهما بعد الدخول، ثم طلقها في العدة، أو ظاهر منها، أو لاعنها - فموقوف إن جمعهما الإسلام في العدة بان أنها كانت صحيحة؛ فيحكم بوقوع الطلاق، وصحة الظهار والإيلاء، وإلا فلا.
ولو عاد المرتد إلى الإسلام، ثم طلقها قبل الدخول- تعتد من وقت الطلاق؛ لأنه بان أنهما على النكاح. والله أعلم.
باب طلاق المشرك
إذا نكح المشرك على اعتقاده، ثم طلقها - يقع، حتى لو طلقها ثلاثًا، ثم أسلما، لا تحل له إلا بعد زوج آخر، فلو نكحت في الشرك زوجًا آخر وأصابها، ثم طلقها - حلت للزوج الأول بعد الإسلام، ويحصل به الإحصان، وكذلك المسلم إذا طلق زوجته الكتابية ثلاثًا، فنكحت مشركًا كتابيًا، أو وثنيًا على اعتقادهم؛ فأصابها ثم طلقها - حلت للمسلم المطلق.
وإذا طلق الكافر زوجته بعد الدخول - يجب عليها العدة حربية كانت أو ذمية، حتى لو أسلمت في الحال عليها العدة.
وقال أبو حنيفة - ﵀-: لا عدة على الحربية، فأما الذمية، فعليها العدة من المسلم، فأما من الذمي، فلا تجب عند أبي حنيفة، حتى لو طلقها يجوز أن تنكح في الحال.
وعند أبي يوسف، ومحمد: تجب.
وبالاتفاق لو نكحت في العدة في الشرك، ثم أسلما - والعدة منقضية - يُقران عليه.
ولو خرجت حربية إلينا مسلمة، ولها زوج في دار الحرب بعد الدخول - يجب عليها العدة؛ لأن العدة لحق الله - تعالى-، ولصيانة مائة حرمةٌ، وهذه مسلمة يجب عليها مراعاة الحقين.
[ ٥ / ٤١٩ ]
وعند أبي حنيفة: لا عدة عليها.
وكذلك لو ارتدت المعتدة، فالتحقت بدار الحرب، ثم عادت مسلمة - لا عدة عليها؛ لأنها لما التحقت بدار الحرب - صارت كالحربية.
باب عقد نكاح أهل الذمة
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
الكفار إذا عقدوا عقدًا على اعتقادهم، ثم أسلموا، والمبطل غير قائم - يُقرون عليه، ولا يتعرض لما مضى، سواء فيه أهل الذمة وأهل الحرب من أهل الكتاب وغيرهم، حتى لو نكح وثني نصرانية، أو نصراني وثنية أو مجوسية، ثم أسلما- يُقران عليه.
ويفترق الذمي والحربي الذي دخل إلينا بأمانٍ في شيءٍ، وهو أن الحربي لو قهر حربية على نفسها وغصبها - أقرهم الإمام على ذلك، ولم يتعرض لهم، وإن كانوا في دار الإسلام بالأمان.
والذمي لو قهر ذمية على نفسها - منعه الإمام من ذلك؛ لأن عليه أن يمنع أهل الذمة بعضهم عن بعض؛ كما يجب عليه أن يمنع عنهم من يقصدهم من غيرهم، وإنما يلزمه بحكم الأمان منع من تجري عليه أحكام الإسلام عنهم.
أما منعُ بعضهم عن بعضٍ فلا، وعلى هذا لو أن أهل الأمانِ قتل بعضهم بعضًا، أو أخذ بعضهم مال بعضٍ - لا يمنعهم الإمام عن ذلك.
ولو تحاكم غلينا ملمٌ وذمي، أو مسلمٌ ومستأمنٌ - يجب على حاكمنا أن يحكم بينهما؛ لأن عليه استيفاء حق المسلم، وأن يمنعه من الظلم.
ولو تحاكم إلينا ذميان، نظر إن كانا مختلفي الملة؛ كاليهودي مع النصراني - يجب أن يحكم بينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يرضى بحكم حاكم صاحبه.
وقيل: فيه قولان؛ كما لو كانا متفقي الملة، والأول أصح.
وإن كانا متفقي الملة، ففيه قولان:
أصحهما: يجب أن يحكم بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والصغار جريان حكم الإسلام عليهم؛ ولأنه يجب على الإمام أن يمنع عنهم من يقصدهم؛ فيجب أن يحكم بينهم كالمسلمين.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
والثاني: لا يجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فالله - تعالى- خيره بين أن يحكم بينهم، أو يعرض عنهم، فعلى هذا هو بالخيار بين أن يحكم، وبين أن يردهما على حاكمهما، ولا يدعهما يتخاصمان.
واختلفوا في محل القولين.
قيل: لا فرق فيه بين حقوق الله - تعالى- وبين حقوق العباد.
وقيل: القولان في حقوق العباد فأما في حقوق الله - تعالى- يجب أن يحكم؛ لأنه لا مُطالب له فيضيع.
وقيل: القولان في حقوق الله تعالى، فأما في حقوق العباد يجب؛ لأن مبناه على الضيق؛ لأن صاحبه يستضر بسقوطه.
ولو جاء واحدٌ منهم، واستعدى على خصمه منهم، إن قلنا: يجب الحكم يجب الإعداء، ويجب على المعدي عليه الحضور.
وإن قلنا: لا يجب الحكم، لا يجب على الحاكم الإعداء، بل إن شاء أعدى، وإن شاء لم يعد.
فإذا أعدى [فالمعدي] بالخيار، عن شاء حضر، وإن شاء لم يحضر، وليس له إحضاره جبرًا.
ولو تحاكم إلينا مستأمنان لا يجب أن يحكم بينهما، بل هو بالخيار بين أن يحكم، وبين ألا يحكم، سواء كانا مختلفي الملة، أو متفقي الملة؛ لأنهم لم يلتزموا أحكام الإسلام.
وقيل: كالذميين، [وقيل: يجب قولًا واحدا]، والأول أصح.
ولو تحاكم إلينا ذمي ومستأمنٌ، هل يجب الحكم؟ فيه قولان كالذميين.
وقيل: يجب قولًا واحدًا؛ كما لو كانا مختلفي الملة.
فإن قلنا: يجب أن يحكم بينهم، أو اختار الحكم، يجب أن يحكم باعتقاد الإسلام، فن تحاكم إلينا زوجان، والزوجة كتابية- يقرهما عليه، وإن كانت مجوسية أو وثنية-، فالمذهب أنهما يُقران عليه كما لو أسلما؛ لأن كل نكاح جاز التقرير عليه بعد الإسلام - جاز قبله، كنكاح الكتابية.
[ ٥ / ٤٢١ ]
وقال الإصطخري: لا يُقران عليه؛ لأن نكاحهما في الإسلام لا يجوز، وإن كان قد نكح في عدة الغير، فترافعا إلينا - والعدة باقية - يُحكم ببطلانه، وإن كانت متقضية؛ فلا يحكم ببطلانه.
ولو ادعت المرأة على زوجها الذمي؛ أنه طلقها، أو آلى عنها، أو ظاهر منها وقلنا: يجبُ الحكم، أو اختار الحكم -تُسمع دعواها، ونحلفه إن أنكر.
وإن أقر ففي الإيلاء بعد مُضي أربعة أشهر - نفقة حتى يفيء أو يُطلق.
وفي الظهار: نمنعه من قربانها حتى يكفر بإعتاق رقبة مؤمنة، فإن امتنع في الإيلاء من الفيء أو الطلاق - يُطلق الحاكم عليه جبرًا. إن قلنا: يجب عليه الحكم.
وإن قلنا: لا، فلا يطلق عليه إلا برضاه.
وإذا جاءونا لعقد نكاحٍ - فتزوج إن كانت المراة كتابية ولم يكن لها ولي كافرٌ، وتزوج بشهود مسلمين.
ولو أقر ذمي على نفسه بالزنا، أقام عليه الحد جبرًا، إن قلنا: يجب الحكم.
وإن قلنا لا يجب، فلا نقيم، إلا أن يرضى المقر.
وحم الترافع إلينا حكم الإسلام، في أنه لا يتعرض لما مضى، إذا لم يكُن المبطل قائمًا، حتى لو نكح في الشرك على خمر أو خنزير، أو خالع على خمر أو خنزير، ثم ترافعوا إلينا، وأسلموا بعد قبض الفاسد -فلا يوجب شيئًا آخر.
وإن كان قبل القبض يوجب مهر المثل عليه في النكاح، وعليها في الخلع، بخلاف ما لو نكحها، أو خالعها على حر مسلم استرقوه نفسخه ونوجب مهر المثل، سواء كان قبل القبض أو بعده؛ لأن المبطل قائمٌ، فإنا لا نقرهم على استرقاق المسلم، وقبض الفاسد بعد الإسلام - لا يسقط عنه مهر المثل، وإن كان الإسلام والترافع بعد قبض بعض الفاسد - يجب بسقطهما ما لم يقبض فيمهر المثل؛ مثل: أن نكح على زفي خمرٍ، ثم أسلما بعد قبض أحدهما- نوجب نصف مهر المثل، بخلاف ما لو كاتب الذمي عبده على زفي خمر، فقبض أحدهما، ثم أسلما، وأدى الثاني بعد الإسلام - عتق، ويجب عليه مال قيمته، ولا يحط عنه بقدر المقبوض في الشرك؛ لأن العتق هناك يحصل بأداء آخر النجوم؛ لأنه يتوزع على النجوم.
وإذا أخر النجوم -: وجد في الإسلام والنكاح والخلع معاوضة تُوجب التقسيط، فما أدى في الشرك وقع موقعه، وعليه بقدر ما بقي من مهر المثل. [ثم كيفية التقسيط إن كان قد
[ ٥ / ٤٢٢ ]
نكحها على زقي خمر فأدى أحدهما، ثم أسلما عليه نصف المهر] إن استوى الزفَّان، وإن اختلفا فمن أصحابنا من قال: يعتبر مقدارهما من الكيل.
وقال أبو إسحاق: يعتبر العدد، فعليه نصف مهر المثل، وإن اختلف الزفان.
وإن كان أصدقها عشر زقاقٍ، وقبضت واحدًا-، فعليه تسعة أعشار المهر.
وإن كان أصدقها ثلاثة كلابٍ أو ثلاث خنازير، فقبضت واحدًا، ثم أسلما، أو ترافعا إلينا- فعليه بقدر ما بقي من مهر المثل، وكيف يعتبر؟ فيه ثلاثة أوجه:
قال أبو إسحاق: يعتبرُ العدد، فعليه ثُلثا مهر المثل؛ لأنه أدى ثلث العدد.
الثاني: تقدر الكلاب شياهًا، والخنازير بقرًا وتعتبر قيمتها؛ وبه قال ابن سريج، وقيل: تعتبر المنفعة في الكلاب.
ولو أصدقها ستة كلابٍ وثلاثة خنازير وزق خمر، وقبضت بعضها، ثم أسلما - ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يعتبر الجنس، فأي جنس أداه بتمامه، فقد أدى الثلث.
والثاني: يعتبر العددُ، فإن أدى الخمر، فقد أدى العشر، وإن أدى الكلاب، فقد أدى ثلاثة الأخماس، وإن أدى الخنازير، فقد أدى ثلاثة الأعشار.
وقيل: تعتبر القيمة فنقدر الكلاب شياهًا، والخنازير بقرًا والخمر خلًا.
ولو تبايعا ألفًا بألفين، أو تقارضا ألفًا بألفين، ثم أسلما، أو ترافعا إلينا بعد القبض - لا نعترض له ولا نرده.
وإن كان قبل القبض نبطله، وإن كان بعد قبض أحد الألفين سُئل المؤدي، فإن أدى عن الربح عليه رأس المال، وإن أدى عن رأس المال - فلا شيء عليه من الربح، وإن أدى عنهما سقط عنه نصف رأس المال، وعليه نصفه، ولا ربح عليه، وإن أدى مطلقًا فوجهان:
أصحهما: وقع عنهما.
والثاني: له أن يصرفه إلى أيهما شاء فإن صرفه إلى الربح، يجب عليه رأس المال، وإن صرفه إلى رأس المال فلا ربح عليه.
ولو أتلف مي خمرًا على ذمي، فأجبره حاكمهم على أداء القيمة، أو اشترى خمرًا أو خنزيرًا، فأجبره حاكمهم على دفع الثمن، أو ترابيا، فأجبرهما على الأداء، ثم أسلما - لا يكلفا الرد؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله.
[ ٥ / ٤٢٣ ]
وإن ترافعا إلينا في حال الكفر - ففيه قولان:
أصحهما: لا يكلفا الرد؛ كما لو أسلما وكما لو تقابضا من غير حكم، ثم ترافعا إلينا.
والثاني: يبطلُ ويكلفا الرد؛ لأن الترافع لا يجب ما قبله، إلا أنا نعرض عما تراضيا عليه، وهاهنا لم يوجد الرضا فيرد، والترافع كالإسلام، إلا فيما أجبر عليه على هذا الوجه.
وكذلك لو نكح على مهر فاسدٍ، وسلم إليها بحكم حاكمهم، ثم ترافعا إلينا - هل يجعل كما لو أسلم من غير حكم [حاكم] أم يجب مهر المثل؟ فعلى قولين.
والكافر في قبول النكاح لابنه الصغير الكافر، وفي تزويج ابنته؛ كالمسلم حتى لا يُزوج البنت إلا بإذنها، ويُجبر البكر على النكاح، فإن عقدوا على خلاف ذلك وهُم يعتقدونه، ثم أسلموا - لا يتعرضُ لهم. والله أعلم بالصواب.
باب إتيانا الحائض، [وإتيان النساء في أدبارهن]
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
لا يجوز وطء المرأة في خلال الحيض والنفاس ما لم تطهر وتغتسل، ولو كان له إماءٌ، فلا بأس أن يطأهن في ليلةٍ واحدةٍ؛ لأنه لا قسم لهن.
والمستحب إذا وطيء امرأة، وأراد العود، أو أراد وطء امرأة أخرى - أن يتوضأ بينهما، فإن لم يفعل يغسل فرجه؛ فإن لم يفعل جاز.
ولا يجوز في حق الحرائر أن يجمع بين وطء اثنتين بغُسلٍ واحدٍ؛ لأن القسم واجب عليه، فلا يجوز أن يأتي في نوبةٍ واحدةٍ امرأة أخرى إلا بإذنها؛ لما روي عن أنس؛ أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحدٍ؛ وذلك لأنهن حللنه، وكان القسم غير واجبٍ عليه.
ويكره أن يطأ زوجته، وأخرى تنظر إليه؛ لأنه دناءةٌ، وليس من حسن العشرة.
ولا يجوز إتيان النساء في أدبارهن.
رُوي أن النبي - ﷺ - سُئل عن ذلك، فقال: "في أي الخربتين أمِنْ دُبرها في قُبُلِهَا
[ ٥ / ٤٢٤ ]
فنعم، أم من دُبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق؛ فلا تأتوا النساء في أدبارهن".
أما التلذذ بالإيلاج فيما بين الأليتين، والإيلاج في القُبل من جانب الدبر - فجائز.
ولو أتى رجلٌ امرأته أو أمته في دبرها يعصي الله - تعالى- فن علم الإمام نهاه عن ذلك، فإن عاد عزره، ولا يجب الحد لشبهة الملك، ولايحصل له الإحصان، والتحليل للزوج الأول، ولا يخرج به عن الإيلاء، والعنة، ويستقر به المسمى، وتبطل به العبادة، وتجب به الكفارة في الصوم والحج، وتجب به العدة، وهل تثبت به الرجعة؟ وهل يثبت به النسب والصهرية؟ فيه وجهان:
أصحهما: يثبت.
وقيل: في استقرار المهر: وجهان.
ويبطل باللواط إحصان الفاعل، ولا يبطل إحصان المفعول له، رجلًا كان أو امرأة؛ لأن حصول الإحصان بالتمكين في القُبُلِ، والبطلان يكون به أيضًا.
وقيل: إن كانت امرأة يبطل إحصانها، قال الشيخ: يحتمل أن يبطل إحصانها، فقد قال بعض أصحابنا. إذا قال رجل: لاطك فلان يجب عليه الحد، فلولا بطلان افحصان به لكان لا يحد حد القذف على نسبته إليه.
فصل
رُوي عن جابر؛ أنه قال: "كُنا نعزل والقُرآن ينزل" ويروي: فبلغ ذلك النبي - ﷺ - "فلم ينهنا".
العزلُ: هو أن يُولج في الفرج، فإذا [قارب] الإنزال، نزع فأنزل دون الفرج؛ فهذا جائز في مملوكته، حتى لا يذهب ماله، وفي زوجته الأمة حتى لا يكون ولده رقيقًا.
أما في زوجته الحرة يجوز بإذنها، وهل يجوز بغير إذنها؟ فيه وجهان:
[ ٥ / ٤٢٥ ]
أحدهما: لا يجوز؛ لأن لها حقًا في الوطء:
والثاني: يجوز؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال.
وهل يجوز في أم ولده؟ ترتب على الحرة، إن جوزان ثَمَّ فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق انه لا حق لها في الوطء.
قال الشافعي - ﵀ - في "الإملاء": الاستمناء حرامٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] فأوجب حف الفروج إلا في الزوجة، أو ملك اليمين، والاستمناء ليس بواحدٍ منهما.
باب الشغار
رُوي عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - نهى عن الشغار.
[ ٥ / ٤٢٦ ]
والشغار: أن يُزوج الرجل ابنته الرجل على أن يزوج الآخر ابنته، وليس بينهما صداق.
نكاح الشغار غير جائز؛ وهو أن يقول الرجل لغيره: زوجت ابنتي، وتزوجت ابنتك أو أختك، على أن يكون بُضع كل واحدةٍ منهما صداق الأخرى، وقال الآخر مثله؛ فهو باطلٌ.
وكذلك لو قال: زوجت ابنتي على أن تُزوجني ابنتك، على أن يكون بُضعُ كل واحدة صداقًا للأخرى، وقبل الآخر.
ولأي معنى فسد نكاح الشغار؟ فيه معنيان:
[ ٥ / ٤٢٨ ]
أصحهما: للتشريك؛ فنه جعل بعض البُضع منكوحًا، والبضع صداقًا للأخرى؛ كما وزوج امرأة من رجين - لا يصح:
والثاني: للتوقيت؛ أنه قال: لا ينعقد لك نكاح ابنتي، حتى ينعقد لي نكاح ابنتك؛ كما لو قال: زوجتك ابنتي على أنك إذا قبلت لا ينعقد حتى يأتي الغد.
فلو قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، فقبل، ولم يقل: بضع كل واحدةٍ صداقٌ للأخرى، وقال الآخر مثله - صح النكاحان جميعًا؛ لأنه لا تشريك فيه، ويجب لكل واحدٍ مهر المثل؛ كما لو قال: زوجتك ابنتي على أن تبيعني دارك، فقبل - صح النكاح؛ ويجبُ مهر المثلِ.
[ ٥ / ٤٣١ ]
وقيل: إن قصد التوقيت، بطل، ويجيء على قياس هذا، لو قال: زوجتك ابنتي على أن تُزوجني ابنتك ويون بضعُ ابنتك صداقًا لابنتي فقبل - صح الأول؛ لأنه لا تشريك فيه، ولم يصح الثاني للتشريك.
ولو قال: زوجت ابنتي على أن تُزوجني ابنتك، أو قال: زوجتك ابنتي وتزوجت ابنتك، ويكون بضع ابنتي صداقًا لابنتك، فقبل - صح الثاني، وبطل الأول.
ولو سمى لهما أو لأحديهما صداقًا، فقال: زوجت ابنتي بألفٍ على أن تُزوجني ابنتك، على أن يكون بضع كل واحدةٍ صداقًا للأخرى، أو قال: زوجت ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة صداقًا للأخرى، أو قال: ويكون بضع كل واحدة ومائة درهم صداقًا لصاحبتها - فالمنصوص أنه يصح.
ومن أصحابنا من قال: يصح؛ لأنه ليس على صورة الشغار المنهي عنه.
ومنهم من قال: لا يصح؛ لأجل التشريك، والمراد من النص إذا سمى الصداق، ولم يقل: على أن بُضع كل واحدةٍ صداقًا للأخرى؛ بأن قال: زوجتك ابنتي بألفٍ على أن تزوجني ابنتك، أو قال: زوجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ومهرُ كل واحدة مائة درهم، فقبل عليه - صح النكاحان، ووجب مهر المثل لأجل الشرط، وهذا أصح؛ نص عليه في "الإملاء".
وعند مالك: نكاح الشغار فاسدٌ؛ لفساد الصداق، وعنده فساد الصداق يوجب فساد النكاح.
وعند أبي حنيفة: نكاح الشغار صحيح، ويجب مهر المثل للمرأةن والحديث حجة عليه؛ لأن النهي أوجب الفساد؛ كما في نكاح المتعة.
ولو قال: زوجتك ابنتي بمتعة ابنتك - صح النكاح، وفسد الصداق، ولها مهر المثل.
باب نكاح المتعة والمحلل
رُوي عن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عام خيبر عن نكاح المتعة.
صورة نكاح المتعة: أن يتزوج امرأة إلى مدة معلومة، فإذا مضت بانت منه، بأن قال:
[ ٥ / ٤٣٢ ]
زوجتك ابنتي سنة، أو تزوجت ابنتك شهرًا فقبل - فهو باطلٌ، وكان ذلك جائزًا في ابتداء الإسلام، ثم نُسخ.
[ ٥ / ٤٣٧ ]
وحُكي عن ابن عباس: أنه كان يجوزه.
وقيل: إنه رجع.
فلو نكح نكاح متعةٍ، ووُطيء جاهلًا- لا حد عليه، وعليه المهر، وإن كان عالمًا بفساده، هل يجب عليه الحد؟
إن صح رجوع ابن عباس وجب؛ لأنه محرم بالإجماع.
وإن لم يصح رجوعه فيبنى على أن أهل عصر لو اختلفوا في حكم حادثة، ثم اتفق أهل عصر بعدهم على أحد القولين،- هل يصير إجماعًا وجهان إن قلنا: يصير إجماعًا يجب الحد.
وإن قلنا: لا يصير إجماعًا - وهو الأصح-، فلا يجب الحد؛ كما لو نكح بلا ولي.
ووطء الشبهة من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون في الفاعل، بأن يجد على فراشه امرأة ظنها زوجته، أو أمته، أو زُفت إليه غير امرأتهن فوطئها على ظن أنها امرأته - لا حد ولا إثم؛ لقوله -ﷺ -: "يُرفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
[ ٥ / ٤٤٢ ]
ويجب عليه مهر المثل؛ كما لو دخل دارًا فوجد طعامًا ظنه طعام نفسه، فأكله، لم يأثم، وعليه الضمان.
والوجه الآخر: أن تكون الشبهة في الموطوءة، بأن يكون له فيها ملكٌ، أو شبهة ملك؛ كالجارية المشتركة يطؤها أحد الشركيين، أو وطيء جارية ابنه، أو مكاتبته، أو أمة مكاتبه - لاحد عليه؛ لأن الملك يثبت الإباحة، فوجوده في بعضها يُورثُ الشبهة، ووجود شبهة يسقط الحد.
والوجه الثالث: أن تكون الشبهة فيا لطريق بأن يكون حلالًا عند بعض أهل الاجتهاد ممن يقول: اعتبار مثل النكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح المتعة، والشغار، ونكاح المحرم قبيحًا-: تعاطاه من يعتقد إباحته، أو يعتقد تحريمه - فلا حد عليه؛ لأنه لو اتفقوا على الإباحة كان حلالًا، وإذا قال بعضهم بالإباحة، واحتمل ما قال، - صار شبهة في سقوط الحد كوجود بعض المِلك.
فأما من لا يعد خلافه خلافًا مثل الرافضة يقولون: الطلاق الثلاث لا يقع، أو يقع واحدة، وله مراجعتها [بالوطء]- فمثل هذا لا يوجب سقوط الحد.
قال أبو بكر الصيرفي -﵁ -: الوطء في النكاح المختلف فيه يوجب الحد على من يعتقد تحريمه.
ولو زنا رجل بامرأة، أو نكح الأم، فوطئها، أو نكح امرأة في عدة الغير، فوطئها- وهو عالم بكونها معتدة -يجب عليه الحد، ولا عدة عليها.
ولو ادعى الجهل بالتحريم لا يعزرن إلا بأن يكون قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بموضع بعيد عن دار الإسلام، أو كان مجنونًا فأفاق، وزنا قبل أن يعلم الحكام - نقبل قوله، ولا حد.
وإذا قبلنا قوله، وأسقطنا الحد، فهل يثبت النسب؟ وهل يجب المهر؟ وهل يكون لولد حرًا إن [كان] فعل ذلك بأمه؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى، كما يسقط الحد.
والثاني: لا تتعلق به هذه الأحكام، ويسقط الحد لأجل الشبهة، وكذا المجنون إذا زنا هل يثبت النسب؟ فيه وجهان:
[ ٥ / ٤٤٣ ]
الأصح: ثبوته.
قال الشيخ: هل تجب العدة؟ يبنى على ثبوت النسب، وإن أثبتنا يجب، وإلا فلا تجب.
فصل
في نكاح المُحَلِّلِ
رُوي أن النبي - ﷺ - قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
[ ٥ / ٤٤٤ ]
صورة نكاح المحلل: أن يطلق [رجلٌ] امرأته ثلاثًا، فنكحت زوجًا آخر، حتى تحل للأول، فيه ثلاث مسائل:
إحداها: إذا نكحها على أنه وطئها بانت منه؛ فهذا باطلٌ؛ لأنه نكاح متعةٍ، وإذا وطيء في هذا العقد لا يحصل به التحليل.
الثانية: إذا نكحها بشرط أنه إذا وطئها طلقها - ففي صحة النكاح قولان: في الجديد باطلٌ؛ لأنه أخو نكاح المتعة.
والثاني: صحيح؛ قاله في القديم، و"الإملاء"؛ لأنه شرط فاسدٌ، فيفسد به الصداق، ويصح النكاحُ؛ كما لو شرط ألا يسافر بها.
فإن قلنا: لا يصح، فإذا وطئها لا يحصل به التحليل. [وإن قلنا: يصح، فيحصل،
[ ٥ / ٤٤٦ ]
وإذا واطأ عليه قبل العقد، ولم يشترطا في العقد - فالمذهب أن النكاح صحيح، وإذا وطيء فيه يحصل به التحليل].
الثالثة: إذا نكحها مطلقًا في عزمه أن يطلقها بعدما وطئها-، يصح النكاح، غير أنه يكره، إلا أن ينكح نكاح رغبةٍ، إذا وطيء يحصل به التحليل.
باب نكاح المحرم
رُوي عن عثمان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ".
لا يصح النكاح في حال الإحرام، سواء كان الولي محرمًا، أو الخاطب، أو وكيل واحدٍ منهما، أو المرأة، وسواء كان الإحرام بالحج، أم بالعمرة، صحيحًا كان أم فاسدًا.
[ ٥ / ٤٤٩ ]
فإن كان الشاهد محرمًا يصح، ويكره.
وقال الإصطخري: لا يصح، وهذا لا يصح؛ لأن الشاهد ليس بعاقد، ولا معقود له، ولا عليه، فلا يمنع إحرامه العقد.
وقال أبو حنيفة: يصح النكاح في حال الإحرام.
وقال مالك: ينعقد، ويفرق بينهما، والخبر حجة على رده.
فإذا حصل التحلل جاز النكاح، وللعمرة تحلل واحد، وللحج تحللان، فبعد التحللين يجوز، وبين التحللين قولان:
أصحهما: لا يجوز، ويكره الخطبة في حال الإحرام، ولا يحرم، بخلاف العدة، لايجوز فيها الخطبة؛ لأن انقضاء العدة أمر خفي لا يعرف إلا بقولها، فربما تكذب بانقضاء عدتها؛ حرصًا على النكاح، والخروج عن الإحرام أمر ظاهر.
ولو وكل حلالٌ محرمًا ليوكل حلالًا بالتزويج - فيه وجهان:
أصحهما: جوازه؛ لأن المحرم سفير، وليس بعاقد، وتجوز المراجعة في حال الإحرام؛ لأنها استدامة النكاح، فلا يمنعها الإحرام؛ كالإمساك على دوام النكاح.
قال أحمد، وإسحاق: لا يراجع.
ولو وكل بالتزويج، أو بالقبول في حال إحرام الموكل، أو الوكيل، أو المرأة، أو إذا أذنت المرأة للولي بالتزويج في حال الإحرام مطلقًا؛ حيث شرطنا إذنها -؛ صح، ويزوج بعد التحلل؛ كما لو قيد، وقال: زوج بعد التحلل؛ لأن الإحرام لا ينافي الإذن، إنما ينافي العقد؛ كما لو وكل المحرم حلالًا بشراء صيدٍ، فاشترى بعد ما حل - صحت الوكالة.
[ولو وكل أو أذنت المرأة ليعقد في حال الإحرام - لا يصح، ولو قال: إذا حللت فقد وكلتك، فهو تعليق الوكالة].
وفي صحته قولان:
ولو وكل حلالاٌ حلالًا بالتزويج، ثم أحرم واحدٌ منهما، أو أحرمت المرأة قبل التزويج - لا ينعزل الوكيل، وله التزويج بعد التحلل بالوكالة السابقة، وقبل الإحرام كالجنون ينعزل به الوكيل.
وعلى قياس قول هذا القائل: لا يجوز التوكيل والإذن في حال الإحرام.
وهل يجوز للإمام والحاكم بولاية الحكم، التزويج في حال إحرامه -: [فيه] وجهان:
[ ٥ / ٤٥٠ ]
أصحهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز بالولاية الخاصة.
والثاني: يجوز؛ كما يُزوج الكافرة بالولاية العامة، وليزوج المسلم الكافرة بالولاية الخاصة. والله أعلم.
باب العيب في المنكوحة
رُوي عن عبدالله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - تزوج امرأة، فلما أدخلت عليه رأى بكشحها [بياضًا]، فردها إلى أهلها، وقال: "دلستم عليَّ".
يثبت فسخُ النكاح بسبعة من العيوب: ثلاثةٍ توجدُ [منهما جميعًا وهي: الجنون مطبقًا كان أو غير مطبق، والجُذام، والبرص، فأي الزوجين وجد بصاحبه] شيئًا من ذلك - فله فسخ النكاح.
واثنان في الزوج، وهما: الجب والعنة يثبت للمرأة بهما فسخ النكاح.
واثنان في المرأة، وهما: القرن والرتق يثبت للزوج بهما الفسخ.
والقرن: عظم في الفرج يمنع الجماع.
والرتق: التصاق محل الجماع باللحم.
ولو كان بأحدهما قرحةٌ يدعي الآخر أنها جذامٌ، وينكر صاحبها - فعلى من يدعي أنها جذام إثباته بالبينة، ولا يُقبل إلا من رجلين مسلمين عالمين بالطب عدلين، فإن لم تقم بينة، فالقول قول من به ذلك مع يمينه.
وكذلك إذا كان بأحدهما بياضٌ، ويقول الآخر: إنه برصٌ - فالقول قول من هو به، وعلى الآخر البينة.
ولا فرق بين القليل من هذه العيوب والكثير، فإن كان به مرضٌ يغمى عليه، ويغلب على عقله - فلا خيار؛ لأن الحيوان لا يخلو عن المرض، فإن زال المرض، وبي زوال العقل؛ فللآخر الخيار.
والرتق والقرن يثبتان الخيار إذا منعا الجماع، فإن لم يمنع فلا خيار، فإن كن يمنع فأراد الزوج إجبارها على شق ذلك الموضع - لم يكن له ذلك، وإن أرادت هي ذلك لم يمنع؛ لأنه تداوٍ، فن فعلت فأمكنه الوطء؛ فلا خيار.
[ ٥ / ٤٥١ ]
ولو وجدت المرأة زوجها خصيًا، بأن كان موجوء الخصيتين، أو مقطوعهما، فهل لها الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا خيار لها؛ لأنه قادر على الجماع؛ ما لو كان مقطوع بعض الذكر، وقد بقي منه قدر الحشفة - لا خيار لها:
والثاني: لها الخيار؛ لأنه ناقصٌ من الرجال يلحقها العار بالمقام تحته.
ولو وجدها الزوج مفضاة وهي التي دُفِع منه ما بين مخرج البول ومخرج الحيض - فلا خيار له، وكذلك لو وجدها عقيمًا.
ولو وجد أحدهما صاحبه خُنثى، ففيه قولان:
أحدهما: يثبت الخيار للآخر؛ لوجود النقص في آلة الجماع، ولأنه يُعير بالمقام معه:
والثاني: لا خيار له؛ لأنه قادرٌ على الجماع، ومحل الجماع من المرأة سليم.
واختلفوا في محل القولين: منهم من قال - وهو الأصح: القولان فيما إذا كان مشكلًا، فاختار الرجولية فنكح، أو اختارت الأنوثية فنكحت؛ لأنه يتبين بخلافه، وإقدامه على النكاح اختيار تلك الجهة فإن كان واضحًا تبين ذلك بالعلامات فلا خيار؛ كما إذا كان على الرجل عضو زائدٌ، وعلى المرأة شق زائدٌ، أو جراحةٌ - لا يثبت به الخيار.
وقيل: في الكل قولان.
وقال أبو حنيفة-[﵀]-: لا ينفسخ النكاح بشيء من العيوب، إلا أن
[ ٥ / ٤٥٢ ]
المرأة إذا وجدت زوجها مجبوبًا أو عنينًا، ترفع الأمر إلى الحاكم حتى يُفرق بينهما بطلقةٍ.
فنقول: معاوضة تقبل الفسخ، فجاز أن يفسخ بالعيب كالبيع، إلا أن المقصود من البيع المالية، وكل عيبٍ ينقص المالية يثبت حق الفسخ، والمقصود من النكاح الاستمتاع والوصلة، فما يؤثر فيه يثبت الفسخ.
والقرن، والرتق، والجب، والعنة [لا يتنافى] معها الاستمتاع، وكذلك مع الجنون؛ لأنه يخاف على نفسه من صحبةِ [المجنون، وطبعه] ينفر من صحبة المجذوم والأبرص، وقد يعدو إلى النسل. ونسألُ الله العافية.
[ ٥ / ٤٥٣ ]
فلما أثرت هذه العيوب في مقصود العقد، فيثبت بها الفسخ.
أما البخر والصنان والعمى، ونحوها؛ لا يثبت [بها] الخيارُ؛ لأنها لا تخل بالمقصود من الاستمتاع عاجلًا والنسل آجلًان وتزول بالمعالجة.
فإذا اجتمعت أنواع من هذه العيوب، بحيث تخل بالمقصود، أو كانت بأحدهما قروح سيالة، أو كانت المرأة مستحاضة - فقد أثبت بعض المتأخرين من أصحابنا بها الفسخ، والصحيح أنه لا يثبت إلا بما ذكرنا.
ولو كان بكل واحدٍ من الزوجين عببٌ - نظر إن كان به جب أو عُنة، وبها رتقٌ أو قرنٌ؛ فلا فسخ لواحدٍ منهما؛ لأنه لا يصل إلى مقصوده من الغير.
أما العيوب الثلاثة إن كانا مختلفين؛ بأن كان بأحدهما جُذام، وبالآخر برص أو جنونٌ؛ فيثبت لكل واحدٍ منهما الفسخ، فإن رضي احدهما بعيب صاحبهن فلا يلزم في حق الآخر، وله أن يفسخ.
وإن اتفق العيبان، ففيه وجهان:
أصحهما: يثبت لكل واحدٍ منهما الخيار؛ لأن الإنسان لا يعافُ من عيب نفسه، ويعافُ من عيب غيره؛ كالمتبايعين يجد كل واحد منهما بما اشترى عيبًا يثبت لكل واحدٍ منهما حق الفسخ. وقيل: إذا كان به جب، وبها رتقٌ - فيه وجهان أيضًا.
والخيار بسبب العيب على الفور إلا في عب العنة، فإنه يضرب لها مدة سنةٍ.
ونعني بقولنا: "على الفور"؛ أن المطالبة بعد العلم تكون على الفور حسب الإمكان، وفي الحقيقة: لا فرق بين العُنة وسائر العيوب؛ أنه بعدما تحقق يكون على الفور، لأن العنة لاتتحقق إلا بعد مُضي سنةٍ، وسائر العيوب تُعرف على الفور.
وهل ينفرد كل واحدٍ من الزوجين بالفسخ من غير مرافعة الحاكم؟ - فيه وجهان:
أحدهما: ينفردُ؛ كفسخ البيع بالعيب ينفرد به كل واحدٍ من المتبايعين.
والثاني: لا بل يرفعُ إلى الحاكم حتى يفسخ بينهما؛ لأنه مجتهدٌ فيه كالفسخ بعيب العنة، بخلاف فسخ البيع بالعيب؛ لأنه مجمعٌ عليه، نظيره فسخ النكاح بسبب الإعسار بالنفقة.
ثم فسخ البيع بسبب الإفلاس لا يجوز حتى يرفع إلى الحاكم ليفسخ، وعلى الوجهين لو أخر بعد العلم قدر ما يأتي إلى الحاكم، فيفسخ بحضرته - يجوز.
[ ٥ / ٤٥٤ ]
وإذا ادعى أحدهما العيب، وأنكر صاحبه - فالقول قول المنكر مع يمينه، إلا أن يقيم المدعي البينة.
ولو أقر بالعيب، وادعى على صاحبه أنه قد رضي به، وأنكر صاحبه الرضا - فالقول قوله مع يمينه.
ولو كان العيب بها، فوطئها الزوج، وقالت: وطئت مع العلم، قال: لم أعلم، أو كان العيب به، فقال: مُكنت مع العلم، فقالت: لم أعلم، فالقول قول من يقول: لم أعلم مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العلم.
فإذا فسخ النكاح بعيبٍ كان موجودًا يوم العقد - نظر، إن فسخ قبل الدخول لا شيء للمرأة إلا نصف المهر، ولا متعة، سواء كان العيب به أو بها؛ لأنه إن كان به، فهي الفاسخة للعقد، وإن كان بها، فالفسخ لمعنى فيها، وفسخ النكاح قبل الدخول إذا كان بسببها يوجب سقوط المهر.
وإن كان بعد الدخول، فلها مهر المثل على ظاهر المذهب.
وخرج قولٌ آخر أن لها المسمى -كما ذكرنا في الغرور - ولا سُكنى لها في العدة، ولا نفقة إذا كانت حائلًا، وإن كانت حاملًا فقولان - كما ذكرنا في الغرور.
ثم إن كان العيب بالمرأة، فغرم الزوج المهر، هل يرجع به على الغار؟ إن أجاز العقد فلا يرجع، وإن فسخ فقولان:
أصحهما: لا يرجع؛ لأن المهر لزمه مقابلة ما استوفى من منفعة البُضع، وقد قال النبي - ﷺ- فيمن نُكحت بغير إذن الولي: "فإن مسها فلها المهر".
وقضى عمر -﵁ - للتي نُكحت في عدتها بالمهر.
والثاني: يرجع؛ لما رُوي عن عمر [-﵁]- أنه قال: أيما رجلٌ تزوج بامرأة، وبها جنونٌ، أو جُذامٌ، أو برصٌن فمسها - فلها صداقها؛ وذلك لزوجها غرمٌ على وليها.
فإن قلنا: يرجعُ، [فإن كان الغرور من جهة المرأة، فال مهر لهان وهل يجب أقل ما يستباح به البضعُ؟ - فيه وجهان].
[ ٥ / ٤٥٥ ]
وإن كان الغرور من الولي، نظر؛ إن كان عالمًا به، فكتمن يرجعُ عليه الزوج بعد ما غرم للمرأة جميع ما دفع إليها.
وإن كان الولي جاهلًا به، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليه؛ لأنه لا غرر من جهته.
والثاني: يرجعُ؛ لأن ضمان المال لا يسقط بالجهل.
فإن قلنا: لا يرجع على الولي عند الجهل، فذلك إذا كان الولي ممن يخفى عليه كالحاكم والأباعد من العصبات، ويكون الرجوع على المرأة.
وإن كان الولي ممن لا يخفى عليه في الغالب؛ بأن كان محرمًا لها؛ فيرجع عليه، ولا يقبل قوله: إني لا أعلم.
وقيل: لا فرق بين المحرم وغيره في أنه لا يرجع عليه عند الجهل.
وإن كانت المرأة غرت الولي، فالزوج يرجع على الولي، ويرجع الولي عليها.
وإن غره جماعة من الأولياء، رجع على جميعهم.
فإن جهل بعضهم وقلنا لا غرم على الجاهل، فالرجوع على العالمين منهم.
ولو طلقها الزوج قبل الدخول، ثم علم بالعيب - يجب عليه نصف المهر، ولا يرجع به على أحد؛ لأنه التزمه حيث طلق.
فأما إذا حدث العيب بعد عقد النكاح- لا يخلو إما أن حدث بالزوج، أو بالمرأة.
فإن حدث بالزوج، نظر إن حدث به جنون، أو جُذامٌ، أو برص - ثبت لها حق الفسخ، سواء حدث بعد الدخول أو قبله.
وإن حدث به جب أو عُنة، نظر إن كان قبل الدخول - فلها الفسخ، وإن حدث بعد الدخول، نظر إن حدثت العُنة فلا فسخ لها؛ لأنها تحققت قدرته، ووصل إليها حظها من الجماع.
وإن جُبَّ ذكره بعد الدخول، ففيه وجهان:
أحدهما: لا فسخ لها؛ كما لو حدثت العنة.
والثاني - وهو الأصح: لها حق الفسخ؛ لوقوع اليأس عن الجماع، بخلاف العُنة، فإن
[ ٥ / ٤٥٦ ]
ثم لم يقع اليأس عن زوال العنة.
ولو سلت خصيتاه بعد الدخول، وقلنا: ثبت الخيار بسبب كونه خصيًا - ففيه وجهان؛ كما لو جُبَّ ذكره بعد الدخول.
ولو جبتِ المرأة ذر الزوج فهل لها الفسخ؟ ففيه وجهان:
أحدهما: لا، كالمشتري إذا عيب المبيع قبل القبض - لا خيار له.
والثاني- وهو الأصح: لها ذلك كالمستأجر إذا هدم الدار المستأجرة - يثبت له فسخ الإجارة.
فأما إذا حدث العيب بالمرأة بعد العقد من جنون، أو جُذام، أو برصٍ، أو رتقٍ محل الجماع، سواء كان قبل الدخول أو بعده - فهل للزوج فسخ النكاح؟
فيه قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح-: له حق الفسخ؛ كما يثبتُ لها إذا حدث العيبُ به؛ كما في العيب الموجود يوم العقد يثبت لكل واحدٍ منهما الخيار.
وقال في القديم: لا فسخ له؛ لأنه لا تدليس منها، والطلاق بيده يمكنه تخليص نفسه منها، فحيث أثبتنا الخيار لحدوث العيب بأحدهما بعد العقد، ففسخ قبل الدخول - لا مهر لها، وإن فسخ بعد الدخول يجب المهر.
وأي مهر يلزم؟
نظر إن حدث العيب بعد الدخول، فلها المسمى؛ لأن المانع من قرار النكاح وُجِدَ بعد استقرار المسمى.
وإن حدث قبل الدخول، فدخل بها قبل العلم- فهو كما لو كان موجودًا يوم العقدِ؛ فلها مهرُ المثل على الصحيح من المذهب. وقيل: هو كما لو حدث بعد الدخول، فلها المسمى، والأول أصح.
ولا سُكنى لها، ولا نفقة إن كانت حائلًا.
وإن كانت حاملًا فقولان؛ كما لو كان العيب موجودًا يوم العقد.
وإذا حدث العيب بها فغرم الزوج المهر - لا يرجع على أحدٍ؛ لأنه لم يكن في العقد غرورٌ، فإذا أرتق منها محل الجماع بعارضٍ يزول عن قريبٍ بغير علاجٍ [أو بعلاج] يسير - لا خيار له.
[ ٥ / ٤٥٧ ]
فإذا وجدت المرأة زوجها مجنونًا فرضيت به- لأوليائها الفسخ، لأنهم يتعيرون به.
وإن وُجد مجبوبًا أو عنينًا فرضيت به فلا فسخ لأوليائها؛ لأن فقد الاستمتاع ضررٌ يعودُ إليها، لا عار على أوليائها منه.
وإن وجدته مجذومًا، أو أبرصن ورضيت - هل لأوليائها الفسخ؟
فيه وجهان:
وكذلك في الابتداء لو أراد الولي تزويج وليته من مجنون، أو أبرص، أو مجبوبٍ، أو عنينٍ - لها الامتناعُ. ولو أرادت هي التزويج [من مجنونٍ]، فلوليها المنعُ.
وإن رغبت في مجبوبٍ، أو عنينٍ، فليس لوليها المنعُ.
وإن رغبت في مجذوم أو أبرص - فهل لوليها المنعُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الضرر يختص بها، وهو العيافة.
والثاني: له ذل؛ لأنه قد يعدو إليها وإلى النسل، فيلحق العار النسب.
أما إذا حدث شيء من هذه العيوب الخمس بعد العقد، فرضيت به المرأة - فلا فسخ لأولائها؛ لأن حقهم في الكفاءة حالة العقد لاحق لهم في الدوام؛ كما [لو] رغبت المرأة في عبدٍ، لأوليائها المنعُ.
ولو عتقت أمةٌ تحت عبدٍ، فرضيت - لا فسخ لأوليائها.
قال [الشافعي - ﵁-] في "الأم": لو نكح امرأة، فأصاب بها عيبًا، وري به -يسقط خياره، فإن حدث بها عيب آخر كان له الخيار، وإن ازداد الأول وعظم، لا خيار له؛ لأنه عيبٌ واحدٌ فرضاه به رضًا بما يحدث منه.
باب الأمة تغرُّ
إذا تزوج رجلٌ امرأةً بشرط أنها حرة، فبانت أمةً، وإنما يتصور هذا إذا كان المزوج غير السيد؛ لأن السيد إذا زوج بهذا الشرط تعتق الأمة.
فإذا زوجها وكيل السيد بهذا الشرط - نظر إن كان الزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة بأن ان حرًا موسرًا، ولا يخاف العنت على نفسه - لا يصح النكاح.
[ ٥ / ٤٥٨ ]
وإن كان ممن تحل له الأمة، ففي صحة النكاح قولان؛ كما ذكرنا قبل هذا.
وإن قلنا: لا يصح النكاح؛ فإن كان قبل الدخول لا شيء للمرأة؛ لا نصف المهر ولا متعة، وإن كان بعد الدخول فلها مهر المثل، وعليها العدة.
وإن قلنا: يصح النكاح، فإن كان الزوج حرًا، فله الخيار بين فسخ النكاح وإجازته، وإن كان عبدًا فهل له الخيار؟ فيه قولان:
فإن قلنا: له الخيار، فإن فسخ العقد، نظر إن كان قبل الدخول لا شيء لها لا نصف مهر ولا متعة، وإن كان بعد الدخول فلها مهر المثل على الصحيح من المذهب.
وفيه قول آخر: أن لها المسمى، وعليها العدة.
وإن أجاز العقد، فلها المسمى.
وإن كان الزوج عبدًا فالمهر بماذا يتعلق؟ إن قلنا: العقد باطلٌ أو صحيحٌ، وفسخ -فيه [ثلاثة أقوال]: أحدهما: بكسبه.
[والثاني: برقبته.
والثالث: بذمته.
وإن أجاز العقد، فالمسمى يتعلق] بكسبه.
ومهما غرمُ الزوجُ المهر، هل يرجع به على الغار؟ - نظر إن أجاز العقد، فلا فسخ.
وإن قلنا: النكاح باطلٌ، ففيه قولان:
أصحهما: لا يرجعُ به على الغار- كما ذكرنا في فصل الغرور من قبل - والأولاد الذين حصلوا قبل العلم أحرارٌ، سواءٌ فسخ العقد أو أجاز، وسواء كان الزوج حرًا أو عبدًا.
ويجب على الزوج قيمتهم؛ لأن امتناع الرق فيهم لاعتقاده حرية الأم، فيستوي فيه الحر والعبدُ، وتعتبر قيمتهم بيوم السقوط؛ لأنه أول حالة يمكن فيها تقويمهم.
وعند أبي حنيفة: تعتبر قيمتهم بيوم المرافعة إلى الحاكم، حتى لو ماتوا قبله [لا يرجع بشيء عليه]، ويرجع الزوج بقيمة الأولاد بعدما غرمها للسيد على الغار.
ثم إن كان الغرور من جهة وكيل السيد - يرجع عليه بعد ما غرم في الحال، وإن كان الغرور من جهة المرأة، فيغرم الزوج للسيد في الحال، ويرجع على الأمة بعد العتق.
[ ٥ / ٤٥٩ ]
وإن كان الزوج المغرور عبدًا تتعلق قيمةُ الأولاد بذمته، فإذا عتق وغرم، ويرجعُ على الغار.
وعند أبي حنيفة: إذا كان الزوج المغرور عبدًا فالأولاد أرقاء؛ لأن الأبوين رقيقان. قلنا: وإن كانا رقيقين، ولكن الاعتبار في رق الولدين [للأم].
ثم لو كان الأب [حرًا] كان الولد في الغرور حرًا مع كون الأم رقيقةً، كذلك إذا كان عبدًا فنقول: من تلد له الحرة حرًا تلد الأمة عند الغرور حرًا كالحر، وإنما قيمة الأولاد تتعلق بكسب العبد؛ لأن النكاح لا ينفك عن الغرور، فلم يرض به السيد، بخلاف المهر يتعلق بكسبه؛ لأن النكاح لا يخلو عن المهر، فقد رضي اليد بتعلقه بكسبه حين ري بالنكاح، والأولاد الذين يحصلون بعد العلم أرقاء لمالك الأمة.
وحيث أوجبنا قيمة الأولاد إنما تجب قيمة من خرج منهم حيًا وإن مات في الحال.
فأما من خرج منهم ميتًا، فلا تجب قيمته، فلو ضرب ضاربٌ بطنها، فألقت جنينًا ميتًا - يجب على الضارب الغرة، ويجب على المستولد الغُرم لمالك الأمة؛ لأنه لما يقوم الجنين له على الضارب -: يقوم للمالك عليه؛ العبد الجاني إذا مات لا شيء على المولى.
وإن قيل: يتعلق حق المجني عليه بقيمته، ثم إن كانت قيمة الغرة وعشرُ قيمة الأم سواءٌ - فالغرة للأبِ المستولد، وعليه عُشرُ قيمة الأم للسيد.
فإن تفاوتا - ذكر العراقيون - أن على المستولد عُشر قيمة الأم، وإن زاد على الغُرة، ويكون للسيد، وليس على الضارب إلا الغرة.
وإن كانت الغرة أكثر من عشر قيمة الأم - فالفضل موروث من الجنين.
قال الشيخ: على هذا يغرم المستولد [للسيد] قبل أخذ الغرة، وهذا بخلاف عبد الجاني، إذا قيل: يغرمُ السيد للمجني عليه الأقل؛ لأن هناك لا جناية من المولى، وهاهنا المستولد جانٍ يمنع الرق، نظيره لو منع المولى العبد الجاني غرم الأرش بالغًا ما بلغ.
ومن أصحابنا من قال: على المستولد أقل الأمرين من قيمة الغرة، أو عشر قيمة الأم من الغرة؛ كالعبد الجاني إذا قيل: يغرم السيد للمجني عليه أقل الأمرين من قيمته، أو أرش جنايته.
فن كانت الغرة أكثر من عشر قيمة الأم - فالفضل موروث [لوارث] الجنين ولا
[ ٥ / ٤٦٠ ]
وارث له مع الأب إلا الجدة، فإن كانت له جدةٌ، فلها سدس ذلك الفضل، والباقي للأب، ولا يجب على المستولد شيء ما لم تصل إليه الغرة، وكذا العبد الجاني لا يغرم شيئًا ما لم تصل إليه قيمة العبد.
وإن كان الضارب هو المستولد تؤخذ الغرة من عاقلته، وقدر عشر قيمة الأم منها لمال الأمة، والفضل موروثٌ لغير الأب؛ لأنه قاتلٌ.
وإن كانت له جدةٌ، فلها سدس الفضل، والباقي لعصبته إن كان للجنين عصبةٌ، وإلا فلبيت المال.
وإن كان الضارب عبد المستولد، فالغرة تتعلق برقبته يؤدي منها عُشر قيمة الأم إلى مالك الأمة، ويقدر ما يرثه المستولد يسقط.
وإن كان الضارب هو المستولد، ولكنه عبد - فالغرة في رقبته للوارث فيؤدي منها عُشر قيمة الأم.
وإذا تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت مكاتبة، وقلنا: يصح النكاح - فله الخيار، فإن أجاز فعليه المسمى، ولا يرجع به على أحدٍ.
وإن فسخ [وكان] بعد الدخول، وغرم المهر - هل يرجع على الغار؟ فيه قولان:
إن قلنا: يرجع، فإن كان الغرور من جهة الوكيل، غرم الزوج لها المهر، فيرجع بجميعه على الوكيل.
وإن كان الغرور من جهتها، فلا مهر لها، وهل يجب قدر ما يستباح به البضع؟ - فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه غارةٌ:
والثاني: يجب، حتى لا يضاهي نكاح النبي - ﷺ-.
والأولاد الذين حصلوا قبل العلم أحرار، على الزوج قيمتهم.
وتلك القيمة لمن تكون؟
هذا ينبني على أن ولد المكاتبة هل يكون قنًا للسيد، أم يكاتب عليها؟ فيه قولان:
فإن قلنا: يكاتب عليها، فلو قتل ذلك الولد، فالقيمة لمن تكون؟ فيه قولان:
[ ٥ / ٤٦١ ]
أحدهما: للسيد.
والثاني: تكون للمكاتبة تستعين بها في أداء النجوم.
فإن قلنا: الولد قِنٌّ للسيد، أو قلنا: إذا قتل، فالقيمة له، فهاهنا تكون القيمة للمولى، ثم هو بعدما غرم يرجع على الغار، فإن كان الغارُّ هو الوكيل، رجع عليه، وإن كانت هي الغارة أخذ من كسبها، فإن عجزت فحتى تعتق.
وإن قلنا: القيمة لها، فإن كانت هي الغارة، فلا يغرم لها شيئًا، وإن كان الغار غيرها، فيغرم لها القيمة، ويرجع على الغارة.
ونقل المزني أنها كالجانية أراد في حال بقاء الكتابة يتعلق كل واحد بكسبه.
أما بعد العجز فيختلفان، فإن دين الجناية يتعلق برقبته، وهاهنا إن كان الغرور من جهتها، وجعلنا القيمة للمولى، فيرجع عليها بعد العتق.
باب الأمة تعتق وزوجها عبدٌ
رُوي عن عائشة - ﵂-[أنا أعتقت بريرة] فخيرها رسول الله - ﷺ - قالت عائشة، وابن عباس، وابن عمر - ﵃-: كان زوج بريرة عبدًا.
إذا أعتقت أمةٌ تحت زوج عبد، فلها الخيار في فسخ النكاح، وإن عتقت وزوجها حُرٌّ لا خيار لها؛ لاجتماعهما في الكمال؛ كما لو أسلمت كتابية تحت مسلمٍ - لا خيار لها.
وعند أبي حنيفة: يثبت لها الخيار؛ كما لو كان الزوج عبدًا.
قلنا: إذا كان الزوج عبدًا يلحقها أنواعٌ من الضرر من أن السيد يمنعه عنها، ولا نفقة عليه لولدها، ولا ولاية له على ولدها، ولا ميراث لها منه، وقبل العتق لا خيار لها مع وجود هذه المعاني؛ لأنها في مثل حاله.
ثم خيار العتق يكون على الفور بعد ما علمت بالعتق على الصحيح من المذهب؛ لأنه خيار نقيضه؛ كخيار الرد بالعيب في البيع.
وإن علمت ولم تفسخ مع الإمكان - بطل خيارها.
وفيه قولان آخران:
[ ٥ / ٤٦٢ ]
أحدهما: لها الخيارُ إلى ثلاثة أيام؛ لأنها ألفته فحتى تتفكر في أمرها، والثلاث نهاية القلة، فحددنا بها المدة.
والثاني: لها الخيار ما لم يوجد منها صريح الرضا، أو يصيبها زوجها طائعة، وهو قول حفصة. وعند أبي حنيفة: لها الخيار ما دامت في المجلس كالمخيرة.
ولو أصابها الزوج بعد العتق، وهي جاهلة بالعتق - لا يبطل خيارها.
ولو ادعى الزوج علمها، وأنكرت - فالقول قولها مع يمنِها، فإن قالت: علمتُ العتق، ولم أعلم أن الخيار ثابتٌ لي - ففيه قولان:
أحدهما: يبطل خيارها كالمشتري إذا علم بالعيب، ولم يرده، وقال: لم أعلم أن الرد ثابتٌ لي.
والثاني - وهو الأصح: يقبل قولها، ولا يبطل خيارها؛ لأنه مما يخفى على العوام، بخف الرد بالعيب، وحق الشفعة؛ لأنه مما يعرفه العوام الذين نشؤوا فيما بين المسلمين، ويجوز لها الفسخ بنفسها من غير حاكم؛ لأنه ثبت بالنص؛ كالأخذ بالشفعة.
وإذا فسخت العقد قبل الدخول لا مهر لها، ولم يكن لسيدها منعها من الفسخ، وإن كان يسقط به الصداق الذي هو حقه؛ لأنه فسخ ثبت لضررٍ يعود إليها.
وإن فسخ بعد الدخول يكون المهر لسيدها.
وأي مهر يجب؟
نظر إن وُجِدَ الدخول قبل العتق، يجب المسمى.
وإن وُجد بعد العتق - وهي جاهلة بالعتقِ - يجب مهر المثل على ظاهر المذهب - كما ذكرنا في حدوث العيب - إذا وُجد الدخول بعده على غير علم، ثم فسخ العقد - يجب مهر المثل على الصحيح من المذهب؛ لأن الفسخ يستند إلى سببه، وسببه وُجد قبل الدخول، فكان كالعيب الموجود يوم عقد النكاح.
أما إذا أقامت معه، يجب المسمى، سواء كان الدخول قبل العتق، أو بعده، ويكون للسيد، وإن كان العتق قبل الدخول؛ لأنه وجب بالعقد.
ولو طلقها الزوج رجعيًا، فعتقت في العدة - فلها تأخير الفسخ إلى أن يُراجعها، حتى لو اختارت المقام معه في هذه الحالة - لا يبطل خيارها؛ لأنها جارية [إلى بينونة] فإذا راجعها الزوج لها الفسخ.
[ ٥ / ٤٦٣ ]
ولو أرادت الفسخ قبل المراجعة - لها ذلك؛ لأنها إذا أخرت حتى راجعها، ثم فسخت - تطول العدة عليها.
ولو عتقت الأمة، وطلقها الزوج قبل اختيار الفسخ - يقع الطلاق.
وفيه قولٌ آخر: أن الطلاق موقوفٌ، فإن فسخت بان أنه لم يقع، وإن أجازت وقع؛ لأن في إيقاع الطلاق إبطال حقها من الفسخ؛ كما لو طلق في حال الردة يكون موقوفًا، والأول أصح؛ لأن الفسخ بسبب العتق لا يستند على ما قبله حتى يمنع وقوع الطلاق، وارتفاع النكاح بسبب الردة يستند إلى الردة.
فإذا لم يعد إلى الإسلام بان أن الطلاق لم يصادف النكاح، ولم يقع؛ فلذلك جعلناه موقوفًا.
ولو عتقت صبية أو مجنونة تحت عبدٍ، فلها الخيار بعد البلوغ والإفاقة، ولا يقوم الولي مقامها في الفسخ؛ لأنه خيار تشهٍ كخيار العنة، وهي قبل البلوغ والإفاقة في حُكم الزوجات في جميع الأحكام.
ولو عتق بعضُ الأمة لا يثبت لها الخيار ما لم تعتق كلها؛ لأنه لم يثبت لها حكم الكمال؛ بدليل أنها لا ترث ولا تشهد.
ولو كُوتبت لا خيار لها؛ كما لو دُبرت.
ولو عتقت - وزوجُها مكاتب أو بعضه حر وبعضه رقيقٌ - لها الخيار.
ولو عتق الزوجان معًا لا خيار لها، ولو عتقت قبله ولم تعلم بالعتق حتى عتق الزوج، فهل لها الخيار؟ فيه قولان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه كان رقيقًا حالة عتقها.
والثاني - وهو الأظهرُ: لا خيار لها كالمشتري، إذا لم يعلم بالعيب حتى زال العيب، لا فسخ له.
ولو عتق عبد وتحته أمةٌ، لا خيار له؛ لأن الطلاق بيده، ولأنه لا ضرر عليه إلا من حيث إنه ليس تحته فراش كامل، ويمكنه استحداثه.
وفيه وجهٌ آخر: أنه له الخيارُ؛ كما يثبت لها إذا عتقت.
فرع: إذا زوج أمته من عبد رجلٍ، وقبض الصداق واستهلكهن ثم أعتقها في مرض موته، أو أوصى بعتقها، فمات وهي ثلث ماله، أو لم يستهلك الصداق، غير أنه إذا ضُمَّ إلى سائر ماله كانت الأمة ثلث الكل، وكان قبل الدخول بها- فلا خيار لها؛ لأنها لو فسخت النكاح وجب ردُّ المهر من تركة السيدِ، وإذا رد المهر لا يخرج كلها من الثلث، وعتق
[ ٥ / ٤٦٤ ]
البعض لا يثبت الخيار، فإثبات الخيار يجر إلى سقوطه، فإن خرج الثلث دون الصداق، أو كان بعد الدخول - فلها الخيار.
نظيره في المسألة الأولى: رجل أوصى بعتق عبدين هما ثلث ماله، فمات، وعتق العبدان، ثم شهد العبدان على الميت بدين - لا يقبل؛ لأنا لو قبلنا- لم يخرج العتق من الثلث، فإذا بقي فيهما شيءٌ من الرق - امتنع قبول شهادتهما.
ولو أعتق الوارث الأمة بعد موت السيد قبل الدخول، فإن كان الوارث معسرًا - لا خيار لها؛ لأنها إذا فسخت النكاح، يجب رد المهر من تركة الميت.
وإذا كان على الميت دينٌ لا ينفذ إعتاق الوارث المعسر، فإن كان الوارث موسرًا، يجب رد المهر من تركة الميت، وإذا كان على الميت دينٌ لا ينفذ إعتاق الوارث المعسر، فإن كان الوارث موسرًا - فلها الخيار.
وإذا فسخت النكاح، فالوارث يغرم لسيد الزوج الأقل من الصداق، أو قيمة الأمة.
وإن كان على الميت دينٌ، فعلى المعتق قيمةُ الجارية.
وإذا فسخت النكاح، فسيد الزوج يضارب الغرماء بحقه [من] قيمتها.
باب أجل العنين
رُوي عن عمر - ﵁ - أنه أجل العنين سنةً.
وإذا وجدت المرأة [الزوج] عنينًا - وهو الذي لا يقدر على الجماع - ترفعه إلى الحاكم، وتدعي عليه العنة.
ولا تثبت [عليه العُنة] إلا بإقرار من جهته، أو ببينةٍ تقوم على إقراره؛ لأنها ليست مما يمكن الوقوف عليها من غيره.
فإن أنكر العُنة، وقال: تركت جِماعها؛ لأنِّي لا أشتهي-، حلف على ذلك، فإن نكل، حلفت، وثبتت العُنة.
وقال أبو إسحاق: لا تخلف المرأة؛ لأنها لا تقف عليها، فإنه يمتنع من جِماعها
[ ٥ / ٤٦٥ ]
للعجز [وغيره]. والأول أصح؛ لأنها تعرفُ ذلك بالممارسة، خصوصًا إذا طال مقامه معها؛ كما في كنايات الطلاق - إذا ادعت نيته، فأنكر، ونكل عن اليمين - لها أن تحلف على إرادته الطلاق.
فإذا ثبت عجزه إما بإقراره، أو بيمينها بعد نكوله، ضرب الحاكم له مدة سنةٍ يطلبها؛ لأنه قد يكون لعارضٍ من حرارةٍ، أو برودةٍ، أو رطوبةٍ، أو يبوسةٍ.
فإن كان من الحرارة تزول في الشتاءِ، أو من البرودة، تزول في الصيف، أو من الرطوبة تزول في الخريف، أو من اليبوسة تزول في الربيع.
فإذا مضت السنة - ولم تزل - ظهر أنه عجز خلقةٍ، يثبت لها حق الخروج عن النكاح.
وابتداءُ المدة من وقت قضاء القاضي بالأجل، لا من حين العجز والإقرار؛ لأنه مجتهدٌ فيهن بخلاف مدة الإيلاء تكون من وقت اليمين؛ لأنها منصوص عليها؛ [كحجر] السفيه والمفلس يكون من وقت قضاء القاضي، [وحجر] الصبي والمجنون لا يحتاج إلى قضاء القاضي.
ثم بعد مضي المدة لا فسخ لها، حتى يحكم الحاكم بالعنة.
ثم المرأة تفسخ النكاح من دون الحاكم على أحد الوجهين.
والثاني: الحاكم يفسخ بعد طلبها؛ لأنه مجتهدٌ فيه، فيكون إلى الحاكم. وفرقةُ العنة فرقة فسخ لا ينتقص به عدد الطلاق.
وعند أبي حنيفة: يفرق القاضي بينهما بطلقةٍ.
ويستوي في مدة العُنة الحر والعبد لأنه لمعنى يرجع إلى الجبلة؛ كمدة الإيلاء والرضاع.
وعند مالك: يُضرب للعبد نصف سنةٍ.
وإذا جامعها الزوج قبل ضرب المدة، أو في خلالها، أو بعدها في قُبلِها -، خرج عن العُنة.
وأقل ما يزول به حكم العنة - إن كانت بكرًا - أن يقتضيها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيبًا أن يغيب الحشفة.
[ ٥ / ٤٦٦ ]
وإن كان مقطوع بعض الذكر، فإن كان الباقي [أقل] من الحشفة-، فلها حق الفسخ على الفور، بسبب الجَبِّ.
وإن كان الباقي قدر الحشفة، أو أكثر، - فلا خيار لها بسبب الجَبَّ.
فإن عجز عن الإيلاج تُضرب مدة العنة، وإذا غيب من الباقي قدر الحشفة، زال حكم العنة [حتى يغيب الكل؛ لأنه ليس هناك حد يمكن اعتباره]. قد ظهر ضعفٌ في بنية الذكر بقطع بعضه فيشترط زيادة الإيلاج.
وإن كان الرجل خصيًّا أو خنثى، وقلنا: لا خيار لها بسبب هذا النقص، أو قلنا: لها الخيار، فرضيت به، فعجز عن الإيلاج - يضرب مُدة العنة.
وإذا كان الرجل يُصيبها دون فرجها [ولا يقدر على الإيلاج، أو في دُبرها]، فلا تزول به العنة.
ولو كانت له امرأتان يصيب أحديهما، ويعجز عن الأخرى -، تُضرب له مدة العُنة في حق الأخرى.
وإن كانت التي يُصيبها بكرًا والأخرى ثيبًا، فإذا رضيت المرأة بعنة الزوج بعد مضي المدة - يبطل حقها من الفسخ، بخلاف ما لو تركت المطالبة بالوطء في الإيلاء، ثم بدا له؛ فلها الطلب؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة؛ كما لو رضيت بإعسار الزوج بالنفقة، فلها أن تسخ بعده، والعُنة عيبٌ واحدٌ، وإذا رضيت لا فسخ لها بعده كالجب.
ولو رضيت به قبل ضرب المدة، أو في خلالها، فقد قيل: لا فسخ لها بعده؛ كما لو رضيت بعد مُضي المدة.
والصحيح من المذهب: أن خيارها لا يبطلُ؛ لأن حق الفسخ يثبت لها بعد مُضي المدة؛ فلا يبطل بالرضا قبله؛ كما لو أسقط الشفعة قبل البيع-: لا تسقط.
ولو فسخت النكاح بعيب العنة، أو رضيت بعنته، فأبانها الزوج، ثم نكحته ثانيًا، هل يتجدد لها حق الفسخ؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنها نكحت عالمةً بالعيب؛ كما لو اختارت المقام معه لا فسخ لها بعده.
[ ٥ / ٤٦٧ ]
والثاني - وهو الأصح-: لها الخيارُ؛ لأنه نكاح جديدٌ، فيتجدد لها الحق فيه، لأنها قد تقدر زوال عنته في مدة الفراق، فتضرب المدة ثانيًا.
أما إذا نكح امرأة ابتداء، وقد حُكم بعنته في حق امرأة أخرى، وهي عالمةٌ به-، فهل لها الخيار؟
قيل: فيه قولان كالأول.
والمذهب: أن لها الخيار قولًا واحدًا؛ لأن الرجل [يتعنن] عن امرأة، ولا [يتعنن] عن أخرى، فعلمها بعنته في حق الغير لا يكون رضا بعنته في حقها.
ولو طلق امرأة طلاقًا رجعيًا بعد ما رضيت بعنته، ثم راجعها - لا فسخ لها؛ لأنها رضيت بعنته في هذا النكاح.
اعترض عليه المزني، فقال: كيف تتصور هذه المسألة؛ لأن الرجعة إنما تثبت بعد الوطء، [وبالوطء] تزول العنة؟
قلنا: تتصور أن تستدخل ماءه، أو يأتيها في دبرها، ويستدخل ذلك منه فتجب به العدة، وتثبت الرجعة، ولا تزول العُنة.
وعلى قوله القديم: إذا خلا بها تجب العدة، وتثبت الرجعة في طريق، ولا تزول العُنة.
ولو نكح امرأة فأصابها، ثم أبانها ونكحها ثانيًا، فأصابته عنينًا - لها الخيار قولًا واحدًا؛ لأنها لم ترض [بعيبه ولا علمته].
فصل
إذا اختلف الزوجان في الإصابة؛ فالقول قول من ينفيها إلا في ثلاثة مواضع:
إحداها: إذا ادعت العنُة، فقال الزوج: أصبتها، فالقول قوله مع يمينه، سواء كان قبل مضي المدة أو بعده.
الثانية: إذا لاعن زوجته، وطالبته بالفيء أو الطلاق، فقال: قد أصبتها، وأنكرت المرأة - فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تدعي سبب الخروج عن النكاح، والأصل بقاؤه على السلامة.
[ ٥ / ٤٦٨ ]
الثالثة: إذا ادعت المرأة الإصابة، وأنكر الزوجُ، فجعلنا القول قوله، فظهر بها حملٌ؛ نلحقه به، ونحكم بالإصابة.
فإذا ادعت المرأة العنة، وادعى الرجل الإصابة، فقالت المرأةُ: أنا بكرٌ، ترى أربع نسوة عُدولٍ، فإن قلن: هي ثيبٌ، فالقول قوله، وإن ادعت زوال بكارتها بسببٍ آخر حلف الزوجُ، وإن قلن: هي بكرٌ يحكم بعدم الإصابة.
فإن قال الزوج: إني أصبتها، لكن لم أبالغ؛ فعادت العذرة - تُسمع دعواه وله تحليفها، فإذا حلفت ثبتت العنة، وإن نكلت حلف الزوج ولا خيار لها، ولا فرق في دعوى الإصابة بني أن يكون الزوج صحيح الذكر، أو مقطوع بعضه إذا بقي منه قدر الحشفة.
قال أبو إسحاق: إذا كان الزوج مقطوع بعض الذكر، فادعت المرأة عنته، وادعى هو الإصابة - فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الضعف في بنية الذكر ظاهر، فيقوي جانبها.
أما إذا بقي من ذكره ما شككنا أنه يقع منه الجماعُ أم لا؟ - فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر معها.
ولو ادعت امرأة الصبي والمجنون العنة على زوجها - لا تسمع، ولا تضرب المدة؛ لأنه لو بلغ أو أفاق ربما يدعي الإصابة، فقوله فيها مقبولٌ؛ لأن الصبي لا يُجامع في الغالب لصغره؛ فعجزه لا يكون عيبًا.
ونقل المُزني - ﵀- فإن لم يُجامعها الصبي أُجل، وذلك خطأٌ في النقل؛ إنما قال الشافعي﵁ - فإن لم يجامعها الخصي أجل، أجاب على قولنا: أن لا خيار لها بسبب كونه خصيًا.
ولو قلنا: لها الخيار ورضيت به، فوجدته مع ذلك عنينًا - تُضرب المدة.
فرع: إذا نكح امرأة لا يجب أن يطأها أكثر من مرةٍ واحدةٍ، إلا أن يقصد المُضارة بالإيلاء، فيخبر بعد مُضي أربعةِ أشهرٍ على الوطءِ والطلاقِ، وهل يجب على الزوج وطئةٌ واحدةٌ - فيها وجهان:
أحدهما: لا؛ ما لا يجب سائر الوطئات، والوطء حق الزوج:
والثاني: يجب لمعنيين:
أحدهما: لإيفاء حقها من الوطء.
والثاني: ليقرر لها المهر، فإن أبرأته عن الصداق، هل يجب على هذا الوجه أن يطأها - فيه وجهان بناء على المعنيين.
[ ٥ / ٤٦٩ ]
إن قلنا بالأول يجب، وإن قلنا بالثاني فلا يجب، وهل لها الدعوى عليه إن أوجبنا - فلها ذلك، وإلا فلا.
فصل في الخنثى
رُوي عن الشعبي أن معاوية كتب إلى علي - ﵁ - في خنثى ظهر بالشام، فكتب إليه أن يُورث من قبل مبالهِ.
الخنثى نوعان:
أحدهما: من له آلة واحدةٌ - لا تشبه آلة الرجل ولا آلة النساء - يبول منها، فهو مشكل، يوقف أمره إلى أن يبلغ، فيختار لنفسه أحد الأمرين من الذكورة والأنوثة على ميل الطبع، فإن احتلم عليهن ومال طبعه إليهن فهو رجلٌ، وإن كان عكسه فامرأة.
النوع الثاني: أن يكون له آلة الرجال وآلة النساء فيحكم فيه بالبول، وإن كان يبول بآلة الرجال فهو رجل، وإن كان يبول بآلة النساء فهو امرأة، وإن كان يبول منهما يُحكم بأسبقهما خروجًا على الصحيح من المذهب، وبه قال ابن المسيب، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق - ﵀- وقيل: هو مشكلٌ، ولا يُحكم بالسبق، والأول أصح، فإن استويا في الخروج هل يحكم بآخرهما انقطاعًا؟ فيه وجهان:
أصحهما: يُحكم، فعلى هذا لو كان أحدهما أسبق خروجًا، والآخر أبطأ انقطاعًا - فالحكم للأسبق خروجًا، وقيل: هو مشكل، فإن استويا في الخروج والانقطاع، فهل يعتبر بالكثرة - فيه وجهان:
أصحهما: لا تعتبر؛ لأنه يسبق اعتباره فسقط، وهو قولُ الأوزاعي، وأبي حنيفة، وقيل: تعتبر، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وهل يحكم بالتزريق والترسيس - فيه وجهان:
أصحهما: لا يحكم به، فإن تزرق بالفرجين فهو رجلٌ، وإن كان يرسس بهما فهو امرأة، وإن كان يزرق بأحدهما ويرسس بالآخر - فهو مشكلٌ، ولا يحكم بنزول اللبن قل أم كثر، وهل يحكم بُقدر الأضلاع؛ وذلك لأن أضلاع الجنب الأيسر من الرجال أنقص بواحد؛ لأن الله - تعالى - خلق حواء منها.
أصحهما: لا يحم، وقال ابن أبي هريرة: يحكم، وعند الحسن: يقدم ذلك على القول، ولا يحكم بنبات اللحية، ولا بنهود الثدي على ظاهر المذهب؛ لأن اللحية قد تنبت لبعض النساء، والثدي قد يون لبعض الرجال، ويحكم بالمني والحيض، فإن أمتي من آلة
[ ٥ / ٤٧٠ ]
الرجال فهو رجلٌ، وإن أمني من آلة النساء فهو امرأة، وإن أمنى منهما؛ فتعتبر صفة المنيِّ.
فإن أمنى منهما على صفة منيِّ الرجال فهو رجلٌ، وإن أمنى على صفة منيِّ النساء فهو امرأةٌ، وإن أمنى من آلة الرجال على صفة منيِّ الرجالِ، ومن آلة النساء على صفة منيِّ النساء؛ أو على عكسه - فهو مشكل على أي صفة كان المنيُّ.
وإن حاضت من الفرج في سن الحيض قدر أقل الحيض، ولم تمن من الذكر - فهي امرأة، وإن أمنى من آلة الرجال، وحاضت من آلة النساء في سن يحتمل فيه المنيُّ والحيضُ - ففيه [ثلاثة] أوجه.
قال أبو إسحاق: هو امرأةٌ؛ لأن الحيض مختص بالنساء، والمني يشترك فيه الرجال والنساءُ.
وقال أبو بكر الفارسي: هو رجلٌ؛ لأن المني حقيقة، وليس كل دمٍ حيضًا.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: هو مشكلٌ. وهو أعدلُ الوجوه.
وعلى الوجوه كلها يحكم ببلوغه. وإذا أمنى من الذكر بعد عشر سنين مرة أو مرتين - لا يحكم ببلوغه، ولا يزول إشكاله؛ لاحتمال أنه يحيض من الفرج، وكذلك لو رأى الدم من الفرج مرة أو مرتين؛ لاحتمال أنه أمنى من الذكر.
فإذا صار عادة حينئذ يُحكم به، حتى لو احتلم من الذكر، وأقر بمالٍ قبل استكمال خمس عشرة سنة يكون إقراره موقوفًا.
فإن حاض منا لفرج فهو مشكلٌ، سواء حاض بعد خمس عشرة سنة [أو قبله، وبان أن إقراره لم يكن صحيحًا؛ لأنه بالغٌ الآن بالحيض، أو باستكمال خمس عشرة].
فإن لم يحض بان أن الإقرار كان صحيحًا، وكذلك لو رأت الدم من الفرج بعد عشر سنين، فأقر قبل استكمال خمس عشرة - يوقف.
فإن أمنى من الذكر بعد استكمال خمس عشرة، أو قبلها - بان أن إقراره لم يكن صحيحًا، وإن لم يحتلم فصحيحٌ.
أما إذا أقر بعد وجود العلامتين، فإقراره صحيحٌ؛ كما بعد استكمال خمس عشرة سنة.
وكل موضع حكمنا بكونه مشكلًا، فلا يجوز تزويجه في الصغر؛ لأنه لا يُدرى حاله أنه رجل فيزوج امرأة، أو امرأة فينكح رجلًا، فيترك حتى يبلغ فيختار.
[ ٥ / ٤٧١ ]
ولا حكم لاختياره مع وجود شيء من الدلائل الظاهرة؛ كالموجود إذا تنازع فيه رجلان، فألحقه القائف بأحدهما- فلا حم لانتسابه بعد قول القائف.
ولا يرجع في الاختيار إلى هواهن بل يرجع إلى ميل الطبع، فإن اختار معاشرة النساء فهو رجلٌ له أن يتزوج، وإن اختار معاشرة الرجال فامرأة لها أن تنكح.
فإن قال: أميل إليهما، فهو مشكلٌ، وإذا اختار أحدهما لا رجوع له عن ذلك؛ لما فيه من تضاد الأحكام، إلا أن يختار الرجولية، ثم يهر بها حمل تبين بطلان اختياره؛ لأنا لو حكمنا بكونه رجلًا بشيءٍ من الدلائل الظاهرة، ثم ظهر بها حملٌ يبطل ذلك، ويحكم بكونه امرأة.
ووقت اختياره بعد استكمال خمس عشرة سنة، بخلاف الحضانة يُخير فيها الصبي بين الأبوين بعد سبع أو ثمانٍ؛ لأنه ليس بلازم، حتى لو بدا للصبي بعد اختيار أحدهما، له أن يختار الآخر، واختيار الخنثى لازمٌ، فلا حكم له قبل البلوغ كالمولود إذا تداعاه رجلًا لا يصح انتسابه قبل البلوغ.
وإذا اختار الخنثى يقبل اختياره في جميع ما له وعليه من الأحكام، حتى لو قطع طرفه، فاختار الرجولية تجب له دية الرجال.
ولو مات له قريبٌ، فاختار الرجولية، وميراثه به أكثر - يُحكم به، وإذا أخر الاختيار بعد البلوغ، وميل الطبع - يعصي الله - تعالى - ويفسق به.
وإن قال: لا يميل طبعي إلى أحدهما لا يعصي.
فروع: في أحكام الخنثى المشكل.
يؤخذ في أمره باليقين، حتى لا وضوء عليه بمس أحد فرجيه حتى يمسهما.
فلو أولج رجلٌ ذكره في فرجه، فلا غُسل عليه، ولا وضوء، ولا حد عليه، ولا مهر، ولا عدة؛ لاحتمال أنه رجلٌ، وذلك شقٌ زائد.
وكذلك لو أولج هو في فرج امرأةٍ، فلا غُسل على واحدٍ منهما، ولا مهر، ولا عدة؛ لاحتمال أنه امرأة.
[ ٥ / ٤٧٢ ]
وينتقض وضوء المرأة بخروج الخارج من فرجها، وكل موضعٍ لا توجب الغسل لا نحم ببطلان صومه وحجه.
فإن أولج في فرج امرأةٍ أو دبرها، وأولج رجلٌ في فرجه - وجب الغسل على الخنثى؛ لأنه إن كان رجلًا فقد أولج في فرج امرأة، وإن كان امرأة فقد أولج في فرجها رجلٌ؛ وبطل صومه وحجه، ولا كفارة عليه في الصوم، وإن لم يوجب على المرأة إلا احتياطًا.
ولو أمنى الخنثى من آلة الرجال، ورأت الدم من آلة النساء، وحكمنا ببلوغه وإشكاله - فلا يجوز لها ترك الصلاة والصوم لذلك الدم؛ لجواز كونه رجلًا، ولا يمس المصحف، ولا يقرأ القرآن في غير الصلاة، وبعد انقطاع الدم تغتسل؛ لجواز كونه امرأة.
وكذلك في إمنائه من الذكر يمتنع قبل الغسل من قراءة القرآن [ومس المصحف، ويغتسل، ذكر ذلك ابن سريج.
قال الشيخ: القياس أنه لا يجب الغسل بانقطاع الدم، ولا يمتنع من مس المصحف وقراءة القرآن]. كما لا يجوز لها ترك الصلاة لذلك الدم، فإذا أمنى معه حينئذ يجب؛ ما لا يجب الوضوء بمس أحد الفرجين، حتى يمسهما جميعًا.
وما ذكر ابن سريج احتياطٌ، ولا أذان على الخنثى المشكل، ولا يحسب أذانه، ولا يكون إمامًا للرجال.
ولو صلى مكشوف الرأس يجوز كالرجال، ولا يجهر في الصلاة كالنساء، ولا جمعة عليه ولا جهاد، فإن صلى الظهر قبل أن يُصلي الإمامُ الجمعة - فيجوز كالنساء.
وإذا مات مُحرمًا لا يُخمر وجهه، ولا رأسه، وكل موضع أوجبنا في الزكاة من المواشي الأنثى -: لا يجوز الخنثى، لاحتمال أنه ذكر، وإن أوجبنا الذكر-: يجوز الخنثى.
وفي الحج: ليس له لبس المخيط، وستر الرأس، ويكشف الوجه احتياطًا، ثم الاحتياط أن يفدى عن ستر الرأس، وليس المخيط لجواز كونه رجلًا.
قال الشيخ: فإن ستر الرأس والوجه جميعًا وجبت الفدية، ولا رمل على الخنثى، ولا حلق، بل تقصر كالمرأة، ولا يرفع صوته بالتلبية.
ولو أولج البائع أو المشتري ذكره في فرج الجارية المبيعة في زمان الخيار، وهو خنثى، أو المبيع خنثى - فلا يون كالوطء في فسخ البيع وإجازته، فإن اختار الذكورة بعده تعلق به الحكم بالوطء السابق.
[ ٥ / ٤٧٣ ]
وكذلك الراهن والمرتهن إذا أولج في المرهون الخنثى لا يكون كالواطيء، إلا أن يختار الأنوثة، ولا يستحق سهم الغنيمة، إنما يرضخ له، إلا أن يختار الرجولية، ولا ثبت له ولاية التزويج، كالنساء، ويورث بالأقل من كونه رجلًا أو امرأة، ويوقف الفضل، وديته دية المرأة.
ولو ادعى وارثه أنه كان رجلًا، فالقول قول الجاني مع يمينه، إن كان قتله قبل الاختيار، وإن كان بعد اختيار الرجولية، فلا تُسمع دعوى الجاني.
ولا تحمل الخنثى العقل كالمرأة، ولا يختن؛ لأن الجرح على الإشكال لا يجوز.
فإن اختار ختن على اختياره.
ولو أسر حربي خنثى لا يقتل كالمرأة، فإن اختار كونه رجلًا قُتل، ولا تُؤخذ منه الجزية، ويجبر على الاختيار.
فإن اختار الذكورة بعد حول أخذ ما مضى.
ولا يكون قاضيًا، ولا يثبت بشهادته إلا ما يثبت بشهادة النساء، وتقابل شهادة اثنين منهم بشهادة رجلٍ.
ولو كان لرجل مملوك خنثى، فقال: إن كنت ذكرًا فأنت حرٌّ، فإن اختار الذكورة عتق، وإن اختار الأنوثة لم يعتق، وإن مات قبل الاختيار فكسبه تكون لسيده؛ لأن الأصل يفارقه.
وقيل: يقرعُ، فإن خرج سهم الحرية فهو موروث، وإن خرج سهم الرق فلسيده.
[ ٥ / ٤٧٤ ]