بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
الوديعة: اسم لعين مالٍ يضعها مالها عند آخر؛ ليحفظها له.
والمستحب لمن أودع منه وديعة، وهو يقدر على حفظها وأداء الأمانة فيها: أن يقبلها، لقول النبي ﷺ: "الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه".
[ ٥ / ١١٥ ]
وما كان عاجزًا عن حفظها، أو لا يأمن من أن يخون فيها: لا يجوز أن يقبلها، وانعقادها يكون بالقبول، والقبول بالفعل؛ كالوكالة، فيقول المودع: أودعتك هذا، فيأخذه المُودع.
وقيل: يشترط أن يقول بلسانه: "قبلتُ" ما قالوا في الوكالة؛ فلو لم يأخذها المودع بيده، فوضعها المالك بين يديه- نُظر: إن لم يقل المودع شيئًا: لم يكن إيداعًا، حتى لو ذهب، فترك، لا ضمان عليه، وإن قال المُودع: قبلت، أوضع فوضعها بين يديه-: كان إيداعًا؛ كما لو أخذها بيده، فوضعها بين يديه، فلو قام المودع، فذهب وتركها- نُظِرَ:
إن كان صاحبها حاضرًا صار رادًا لها، ولا ضمان عليه، وإن تركها بعدما غاب صاحبها- ضمنها.
ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف في المال، فلو أودعه صبي أو سفيه لا يجوز أن يقبل، فإن أخذها - كان ضامنًا وإن خاف أنه إن لم يأخذه منه، استهلكه، فأخذه-: هل يضمن؟ فعلى وجهين؛ بناء على المحرم بمكة: إذا أخذ صيدًا من جارحة ليتعهدها-، هل يضمن؟ فيه وجهان.
ولا يصح الإيداع إلا عند جائز التصرف، فلو أودع صبيًا أو سفيهًا: لم يصح الإيداع؛ لأن القصد من الإيداع الحفظ، وهما ليسا من أهل الحفظ، فلو أودع واحدًا منهما، فتلف عنده-: لم يضمن؛ لأنه لا يلزمه حفظه؛ فإن أتلفه: هل يضمن؟ فيه قولان:
أحدهما: يضمن؛ كما لو دخل دار إنسان، فأتلف ماله: يضمن.
والثاني: لا يضمن؛ لأن المالك منه من إتلافه بدفعه إليه؛ كما لو باع من صبي أو سفيه شيئًا، وسلمه غليه، فأتلفه-: لا ضمان عليه، وكذلك: لو أودع من عبدٍ شيئًا، فتلف عنده:- لا ضمان عليه، وإن أتلفه: يجب الضمان، ويتعلق برقبته أم بذمته؟ فعلى قولين:
أحدهما: يتعلق برقبته؛ كما لو دخل دار إنسان، فأتلف ماله: يضمن.
والثاني: لا يضمن؛ لأن المالك مكنه من إتلافه بدفعه إليه؛ كما لو باع من صبي أو سفيه شيئًا، وسلمه إليه، فأتلفه-: لا ضمان عليه، وكذلك: لو أودع من عبدٍ شيئًا، فتلف عنده:- لا ضمان عليه، وإن أتلفه: يجب الضمان، ويتعلق برقبته أم بذمته؟ فعلى قولين:
أحدهما: يتعلق برقبته؛ كما لو دخل دار إنسان، فأتلف ماله.
والثاني: يتعلق بذمته؛ كما لو اشترى شيئًا، فهلك في يده: يتعلق الضمان بذمته، وبه قال أبو حنيفة. وبعضنا استنبطوا من هذا أن الإيداع هل هو عقد أم لا؟
وفيه جوابان:
إن جعلناه عقدًا - فلا ضمن الصبي، ويتعلق بذمة العبد، وإن لم نجعله عقدًا-، يضمنه الصبي، ويتعلق برقبة العبد، ويخرج منه أن دابة الوديعة، إذا ولدت: هل يكون الولد وديعة، حتى يجوز له إمساكه؟ فيه وجهان:
إن جعلناه عقدًا - فهو وديعة كالأم، وإن لم نجعله عقدًا-: فليس بوديعة، وهو كثوب
[ ٥ / ١١٦ ]
ألقته الريحُ في دار: - يكون أمانة عليه رده، إن تمكن من الرد، فإن لم يرد ضمن، فإن لم يتمكن من الرد، فتلف عنده:- لم يضمن.
وإن جعلناه عقدًا-: فهو من العقود الجائزة؛ كالوكالة، فلكل واحد منهما الخروج متى شاء؛ فمتى أراد المودع أخذها: لم يكن للمودع منعها، ومتى أراد المودع الرد:- لم يكن للمودع الامتناع من قبولها.
وتنفسخ بالعزل والجنون والإغماء، والموت؛ كالوكالة؛ لأنه وكالة في الحفظ؛ كالوكالة في البيع والشراء.
وللوديعة أمانة في يد المودع يجب أن يحفظها، حيث يكون حرزًا لمثلها، فلو تعدى فيها: فإن استعملها، أو رفعها من مكانها بنية الاستعمال، وإن لم يستعمل أو وضعها حيث لا تكون حرزًا لمثلها:- صار ضامنًا، يجب عليه قيمتها، إذا تلفت في يده، وإذا بقيت في يده مدة بعد التعدي:- يجب عليه أجر مثل تلك المدة.
ولو نوى استعمالها، ولم يأخذها من مكانها، أو كانت في صندوق غير مقفل، فرفع رأس الصندوق بهذه النية، ولم يأخذ ما فيه، أو نوى ألا يرد، إذا طُولب: - لا يضمن بالنية؛ على الأصح.
وقال ابن سريج يضمن؛ كما لو أخذ في الابتداء بهذه النية، أو أخذ اللقطة بنية الاختزال: يضمن.
والأول أصح، لأنه لم يحدث مع نية التعدي فعلًا؛ بخلاف ما لو أخذ بهذه النية؛ لأنه أحدث هناك فعل الأخذ، مع نية التعدي؛ وكذلك في اللقطة.
ولو دفع المودع الوديعة إلى غيره؛ ليحفظها، من غير ضرورية: - صار ضامنًا؛ لأن المالك لم يرض بأمانة غيره.
وكذلك: لو دفعها إلى عبده، أو خازنه، أو امرأته؛ لتحفها: - يضمن، على الأصح.
وعند أبي حنيفة: إن دفعها إلى من يعوله من عبد أو ولد أو زوجة:- لم يضمن.
أما إذا استعان بغيره، في حملها ونقلها إلى الحرز: لا يضمن؛ كما لو أودعه دابة، فاستعان بغيره، في سقيها وعلفها: - لم يضمن؛ لأن العادة قد جرت بالاستعانة في مثله.
ولو سافر بالوديعة- نظر:
عن كان المالك أودعه في السفر، أو أودع عند واحد من أهل النجعة، فانتجع
[ ٥ / ١١٧ ]
بها-:لم يضمن؛ - لأن المالك قد رضي به حيث أودع، وإن أودع عند مقيم-: لا يجوز أن يسافر بها من غير ضرورة، فإن فعل ضمن؛ لأنه يعرض الوديعة للهلاك.
وعند أبي حنيفة لا يضمن، فإن عرض له سفرٌ؛ رد الوديعة.
فإن دفعها إلى الحاكم أو إلى أمين- نظر:
إن كان المالك أو وكيله حاضرًا، ضمن سواء أراد سفرًا أو لم يرد.
ولو دفع إلى الوكيل مع حضور المالك-: جاز، سواء كان الوكيل فيه خاصًا أو عامًا في أموره، ولو لم يظفر بالمالك، ولا بوكيله، بأن كان غائبًا أو محبوسًا، لا يصل إليه- نظر:
إن كان لا يريد سفرًا، فرفع إلى أمين أو إلى الحاكم-: ضمن؛ لأنه تولى حفظها، ولا ضرورة به إلى الدفع إلى غيره.
وقيل: إن دفع إلى الحاكم-: لا يضمن، وعلى الحاكم القُبول، إن دفع إليه؛ لأنه المنصوب لحفظ أموال الناس.
وإن كان يريد سفرًا: فإن وضعها عند الحاكم:- لم يضمن، وعلى الحاكم قبولها، إذا دفع إليه، وإن وضعها عند أمين- نظر:
إن كان ثَمَّ حاكمٌ - يضمن؛ لأن الحكام هو المنصوب لحفظ الأمانات.
وقال أبو إسحاق: لا يضمن؛ لأنه أمين؛ كالحاكم.
والأول أصح؛ بخلاف الحاكم؛ لأنه نائب عن الغائب؛ فهو بمنزلة وكيل الغائب.
ولو كان الوكيل حاضرًا، فأودعها أمينًا-: ضمن، كذا ههنا، وإن لم يكن ثَمَّ حاكم، فأودعها أمينًا-: لم يضمن ولو لم يجد في البلد أمينًا-: يضعها عنده، فسافر بها-: لم يضمن، على ظاهر المذهب، وكذلك: لو وقعت ضرورة بأن انجلى أهل البلد، فأخرج الوديعة معهم، أو وقع في البلد حريق، أو نهب، أو غارة، فسافر بها-: لم يضمن؛ لأنه يجب عليه إخراجها، ولو أراد سفرًا، فدفنها في حرز - نُظر:
إن لم يعلم به أحد أو أعلم فاسقًا-: ضمن، وإن أعلم أمينًا، حيث جوزنا له الإيداع من الأمين- نظر:
إن كان ذلك الأمين لا يساكنه في البيت الذي فيه الوديعة-: ضمن؛ لأنه لم يودعه،
[ ٥ / ١١٨ ]
بل أعلمه، وإن كان يساكنه: لا يضمن؛ لأن يد الأمين ثابتةٌ على ما في البيت؛ فهو كما لو أودعه.
ولو دفن الوديعة في غير حرزٍ -: ضمن، ولو دفنها في حرزٍ، فنسي مكانها-: ضمن.
ولو نقل الوديعة عن مكانها إلى مكان آخر- لا يخلو: إما أن نقل من قرية إلى قرية أخرى، أو من بيت إلى بيت آخر: فإن نقل من قرية إلى أخرى- نُظر:
إن نقل من قرية أهله إلى قرية غير أهله، أو نقلها إلى قرية أهله، لكن الطريق بينهما مخوفٌ، أو غير أهل، أو كان آهلًا، ولكن بينهما مسافة القصر-: يضمنُ، وإن كان بينهما أقل من مسافة القصر-: فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن، كما لو نقل من دار إلى دار من بلد واحد.
والثاني: يضمن، إلا أن تتصل العمارة بني القريتين.
هذا إذا كانت القرية الثانية أحرز من الأولى أو مثلها، فإن كان دونها في الحرز-: ضمن بكل حال.
وكذلك: لو نقل من محلة إلى محلة دون الأولى في الحرز-: ضمن.
أما إذا نقل من بيت إلى بيت آخر في دار واحدة أو خان واحد- نُظر:
إن كان الثاني حرزًا لمثله، وإن كان دون الأول-: لم يضمن؛ بخلاف ما لو نقل من قرية إلى أخرى، وهي دون الأولى في الحرز-: ضمن؛ لأن النقل من القرية لا يخلو عن خوف.
هذا إذا أطلق الإيداع، أما إذا أودعه، وقال: أحفظها في هذا البيت، فنقلها إلى بيت دونه في الحرز، وإن كان حرزًا لمثله: - ضمن، وإن نقلها إلى بيت أحرز منه أو مثله: لم يضمن، إلا أن يأتي التلف من ناحية المخالفة، بأن انهدم عليه البيت الثاني، أو سرق منه؛ فيضمن.
ولو قال: احفظها في هذا البيت، ولا تخرجها منه، فإن نقلها إلى بيت آخر لغير ضرورة-: ضمن، وإن كان الثاني مثل الأول، أو أحرز منه، وإن نقلها لضرورة من وقوع حريق أو نهب-: لم يضمن، إذا نقلها إلى حرز، وإن كان دون الأول، إذا لم يجر أحرز منه، لأنه لو تركها فيه-: ضمن.
فلو اختلفا، فقال المال: نقلتها لغير ضرورة، وقال المودع: بل لضرورة-: فالقول قول المودع مع يمينهن إذا عرف ذلك بتلك البلدة، واحتمل ما يدعيه.
[ ٥ / ١١٩ ]
ولو قال: احفظها في هذا البيت، ولا تنقلها، ون حدث النهب والحريق وخوف الهلاك، فإن لم يخرجها حتى هلكت-: لم يضمن؛ لأن المالك رضي به؛ كما لو قال: أتلف مالي، ففعل-: لم يضمن، وإن نقلها لغير ضرورة-: ضمن، وإن نقلها لضرورة-: فوجهان:
أحدهما: ضمن؛ للمخالفة، والثاني-: لا يضمن، وهو الأصح؛ لأنه قصد الإصلاح.
ولو نقلها من خريطة إلى أخرى، أو من صندوق إلى آخر، فكانت الخريطة أو الصندوق للأمين-: فهو كالبيت؛ لا يضمن، إذا كان الثاني مما يجوز حفظ مثله فيه، وإن كان دون الأول، أما إذا كانت الوديعة في صندوق وخريطة للمودع، أو استعار من المودع أو غيره، فأودع فيه - نظر:
إن لم يكن الصندوق مقفلًا، ولا الخريطة مختومة، فنقلها - نظر:
إن نقلها إلى صندوق أو خريطة أحرز من الأولى أو مثله-: لم يضمن، وإن كان دونه، ضمن، وإن كان حرزًا لمثله؛ كالبيت.
وقيل: يضمن بكل حال، لأنه ليس له تفتيش الوديعة وتمييز بعضها عن بعض.
والأول أصح، لأنه أودعه شيئًا وخريطة. فحفظ أحدهما في حرز والآخر في حرز آخر، كما لو أودع خريطتين، فحفظ أحدهما في بيت والأخرى في بيت آخر-: لا يضمن، فأما إذا كان الصندوق مقفلًا أو الخريطة مختومة، ففتح القُفل أو فض الختم، ونقل ما فيه-: ضمن بكل حال، وإن فتح القفل، وفض الختم، ولم ينقل ما فيه-: هل يضمن؟ وجهان.
أصحهما: يضمن ما فيه بفض الختم والقفل-: هل يضمن الصندوق والخريطة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضمن؛ ما يضمن ما فيه.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه لم يقصده، إنما قصد ما فيه.
أما إذا كان رأس الخريطة مسدودًا بخيط أو أودع الثياب معكومة بحبل فحله-: لا
[ ٥ / ١٢٠ ]
يضمن؛ لأنه ليس القصد بهذا الشر أن يكون مكتومًا عنه، إنما القصد منه ألا ينتشر.
ولو أودع في كيس مختوم، فخرق الكيس - نظر:
إن خرق فوق موضوع الختم- لم يضمن إلا نقصان الخرق، وإن خرق دونه: هل يضمن ما فيه؟ فعلى وجهين؛ كفض الختم.
ولو أودعه شيئًا مدفونًا، فنبشه-: فهو كفض الختم.
ولو قال: احفظ- الوديعة في هذا البيت، ولا تدخل فيه أحدًا، فأدخل، أو لا تستعين على حفظه بالحراس ففعل - نُظر.
إن جاء التلف من ناحية المخالفة بانهدام البيت، أو وقوع حريق أو نحوه-: لا يضمن.
ولو أودعه شيئًا في صندوق، وقال: لا ترقد عليه، فرقد عليه- نُظر:
إن جاء التلف من ناحية المخالفة؛ بأن انكسر رأس الصندوق، فهلكت الوديعة، أو كان في صحراء، فرقد عليه فخلى جوانبه، فسرق-: ضمن، وإن جاء التلف لا من ناحية المخالفة-: لا يضمن.
وعند مالك: يضمنُ؛ لأن فيه إغراء اللصوص عليه.
قلنا: ليس فيه إلا زيادة الاحتياط في الحفظ؛ كما لو قال: لا تقل عليه، فأقفل، أو قال: لاتقفل قفلين، فأقفل قفلين-: لا يضمن.
ولو أودعه دراهم وشيئًا في طريق أو سوق مطلقًا، ولم يقل: أمسكها في يدك، أو أربطها في كُمك، فربطها في كمه، ومسكها بيده-: فقد أحرزها؛ فإن تلفت-: لا ضمان عليه، وإن أمسكها في يده، ولم يربطها في كمه، فتلفت - نُظر:
إن كان التلف بانتزاع غاصب من يده-: لم يضمن؛ لأن الكف أحرز في مثل هذه الحالة، وإن غفل أو نام، فسقط منه-: ضمن؛ لأن الربط أحرز في هذه الحالة.
ولو وضعه في كمه، ولم يربطه فسقط، نُظر:
إن كان خفيفًا، إذا سقط لا يعلم-: ضمنه؛ لأنه مفرط في حفظه.
وإن كان ثقيلًا إذا سقط وعلم به-: لم يضمن.
ولو وضعه في جيبه: فإن كان مزرورًا أو ضيقًا-: لم يضمن.
[ ٥ / ١٢١ ]
وإن كان واسعًا غيره مزرورٍ-: ضمن؛ لأنه تناله اليد، ولو وضعه في رأس منديله، ولم يشده-: ضمن.
ولو قال له: اربطها في كمك، فربطها في كمه، ولم يمسكها بيده-: لا يضمن، وإن أمسك بيده-: فقد زاد حفًا، ولو لم يربطها، وأمسكها بيده- نُظر:
إن غفل أو نام، فسقط -: ضمن؛ لأن التلف جاء من ناحية المخالفة؛ فإن الربط في الكم أحرز من الأخذ بالكف في هذه الحالة.
وإن أخذ ظالم كرهًا-: لم يضمن؛ لأن الأخذ من الكم أسهل.
ولو قال اربطها في كمك داخلًا، فربطها خارجًا- نُظر:
وإن طره الطرار، ضمن، وإن انحلت العقدة فتناثرت-: لم يضمن، إذا كان قد بالغ في الشدُ، وعلى عكسه: لو قال اربطها خارجًا، فربطها داخلًا إن انحلت العقدة-: ضمن، وإن أخذها الطرار-: لم يضمن، وكذلك: لو قال: اربطها في كمك مطلقًا فربط داخلًا أو خارجًا على هذا التفصيل، ولو قال: أمسكها في كُمك، فأمسك في جيبه-: لم يضمن؛ لأن الجيب أحرز.
ولو قال أمسك في جيبك، فوضع في كمه-: ضمن.
ولو أودعه شيئًا في البيت، وقال: احفظها في البيت، فشده في ثوبه، وخرج-: ضمن؛ لأن البيت أحرز.
ولو دفعها إليه في السوق، وقال: احفظها في البيت، فإن قام في الحال، ومضى إلى البيت، فأحرزها-: لم يضمن، وإن لم يقم، وتوانى - ضمن.
ولو أودعه خاتمًا، فتختم به قالت الحنفية: إن تختم به في بنصره-: لم يضن وإن جعله في خنصره؛ لأنه مستعمل، وكان القاضي الإمام -﵀يقول: هذا محتمل، ويحتمل ألا يضمن؛ لأنه في الخنصر أحفظ إلا أن ينوي الاستعمال: فيضمن.
ولو أمره أن يجعله في البنصر، فجعله في الخنصر-: يضمن؛ لأن ما يثبت في أسفل البنصر يكون واسعًا في الخنصر؛ فيكون إلى السقوط أسرع، فإن كان لا يصل إلى أسفل البنصر، فنقله إلى أسفل الخنصر، ليكون أحرز-: لا يضمن، ولو قال: اجعله في الخنصر، فجعله في أسفل البنصر-: لم يضمن؛ لأن البنصر أغلظ؛ فيكون أحرز، فإن لم يصل إلى
[ ٥ / ١٢٢ ]
ويجوز إجارة المشاع في نصف دار، ونصف عبد، سواء أجر من شريكه أو من غيره، وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجوز من غير شريكه، وجوزه صاحباه.
والإجارة تنعقد بلفظ "الإجارة" و"الكراء"؛ تقول: أكريت منك هذه الدار بكذا، أو أجرت منك هذه الدار بكذا، وإن قال: أجرت منك منفعة هذه الدار: يجوز.
وقيل: لا يجوز حتى يقول: أجرتك هذه الدار.
وإن كان في الذمة، فقال: أكريت ذمتك بكذا: جاز، وإن لم يتلفظ بواحد من اللفظين.
ولو قال بلفظ التمليك والبيع- نُظر: إن قال: بعت منك هذه الدار: لا يصح؛ لأنه لتمليك العين، وإن قال: بعت منك، أو ملكتك منفعة هذه الدار شهرًا بكذا: ففيه وجهان:
قال ابن سريج: يصح؛ لأن الإجارة صنف من البيوع.
[ ٥ / ١٢٣ ]
أحدهما: يضمن؛ كما لو كان عالمًا.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه لم يكن مأمورًا بعلفها قبل مضى زمانه.
وإذا علفها المودع - نُظر:
إن أمره المالك بعلفها-: رجع عليه، وإن لم يأمره، بل أطلق الإيداع - نظر:
إن أنفق من مال نفسه، أو استدان بنفسه دون إذن الحاكم-: فهو متبرع، لا يرجع، إن كان هناك حاكم، وإن لم يكن حاكم، فإن أشهد-: رجع؛ وإلا فلا يرجع، وإن أنفق بأمر الحاكم- نُظر:
إن أمره ليستقرض، فينفق رجع، وإن أمره لينفق من مال نفسه، ففعل -: هل يرجع؟ فيه وجهان.
ولو أودعه، ونهاه عن سقيها وعلفها-: فلا يجوز له أن يُضيعها بقوله، فلو لم يسقها ولم يعلفها، حتى ماتت جوعًا أو عطشًا-: أثم هو والمالك جميعًا، ولكنه لا ضمان عليه؛ كما لو قال: اقتل دابتي، فقتلها -: لا ضمان عليه، أما إذا كان بها علة من قولج أو تخمة، فنهاه عن علفها، فعلف قبل زوال العلة، فماتت -: ضمنها.
وإذا أخرج الدابة عن الدار للعلف، والسقي، أو بعثه على يد عبده أو تلميذه- نُظر:
إن كان الذي بعثه على يده غير أمين، أو كان في الطريق خوف-: يُضمن، وإن كان أمينًا، ولا خوف في الطريق- نُظر:
إن كانت داره ضيقة-: لا يضمن؛ لأنه مضطر إلى الإخراج، وإن كانت واسعة بحيث يسقى دوابه في داره -: فعلى وجهين:
أحدهما- وهو المنصوص-: يضمن؛ لأنه أخرج الوديعة - من حرزها لغير ضرورة.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق-: لا يضمن، وإن كان لسقي دوابه في داره؛ لأن العادة قد جرت بإخراج الدواب عن المنزل للسقي، والنص محمول على ما إذا كان الخارج غير أمين.
ولو ركبها في السقي -: ضمن، إلا أن تكون جموحًا لا تنقاد إلا بالركوب: فلا.
ولو أودعه ثوبًا من صوف -: عليه حفه من الدُّودِ ونفضه عند الحاجة؛ كما يفعل بماله، فلو لم يفعل حتى أفسده الدُّود -: ضمن، سواء أمره المالك بالنفض أو لم يأمره،
[ ٥ / ١٢٤ ]
ولو نهاه عن النفض -: يكره له تركه ليفسد، غير أنه لو ترك-: لم يضمن، ولو نفض-: لم يضمن.
ولو كان الصوف في صندوق مقفل، ففتح القفل لينفضه-: هل يضمن؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يضمن.
وإذا صارت الوديعة مضمونة بالتعدي: فلا يبرأ بترك التعدي وردها إلى مكانها.
وقال أبو خليفة يبرأ، ووافقنا فيما لو جحدوا الوديعة، وصار ضمانًا لها بالجحود، ثم أقر أنه لا يبرا.
فنقول: وديعة ضمنت بالتعدي، فلا يرتفع ضمانها إلا باستئمان جديد من المالك؛ كما لو جحد، ثم أقر، فلو ردها إلى المالك بعد التعدي، ثم أودعه مرة أخرى: لم يكن مضمونًا عليه؛ لأن الضمان قد زال بالرد، ولو لم يردها، بل قال المالك: أودعتك أو أستأمنتك أو أبرأتك عن الضمان، أو أذنت لك فيحفظها-: هل يبرأ عن الضمان؟ فيه وجهان:
أصحهما: يبرأ؛ لأن الضمان لحقه فيسقط بإسقاطه؛ كما لو أخذها، ثم أودعها منه ثانيًا.
والثاني: لا يبرأ؛ لأن الوديعة لم تعد إلى المالك؛ فلا معنى لاستئمان عارٍ عن التسليم.
فصل فيمن مات وعنده وديعة
كل من حضره الموتُ، وعنده وديعة-: فعليه أن يوصي بها؛ فإن لم يفعل حتى مات: ضمن، إلا أن يختطف فجأة، فلا يضمن، وكذلك لو جلس ليقتل فلو لم يوص بها-: ضمن، وإن أوصى إلى أمين-: لم يضمن، وإن أمكن الرد إلى المالك؛ لأنه لا يدري متى يموت، ولو أوصى إلى غير أمين-: ضمن؛ كما لو لم يوص، فإذا أوصى بها-: يجب أن يعين الوديعة بالإشارة إليها أو ببيان وصفها، فإن لم يبين الجنس، بل قال: لفلان عندي وديعة-: ضمن، ولو عين وأشار إليها، أو بين جنسها ووصفها: فإن وجدت بذلك الوصف-: ردت إلى المالك، وإن لم توجد تلك العين، أو وصف، ولم توجد بذلك الوصف: فلاضمان، وتُحمل على أنها تلفت، ولو بين الجنس، ولم يصف؛ بأن قال: عندي ثوب لفلان، فإن لم يوجد، في تركته إلا ثوب واحد-: حمل عليه، ودفع إلى المالك، وإن وجد في تركته ثيابٌ-: فهو ضامن بترك التعيين، أو الوصف، كما لو خلط الوديعة بغيرها، وإن لم يكن في تركته ثوب-: ففيه وجهان.
[ ٥ / ١٢٥ ]
أصحهما: يضمن، وصاحب الوديعة يضارب الغرماء بالقيمة لأنه مفرط بترك البيان.
وقال أبو إسحاق-: لا يضمن، إذا لم يكن من تركته من جنسه، ويُحمل على أنه قد تلف؛ لأن الوديعة- أمانة؛ فلا تضمن بالشك، فحيث أوجبنا الضمان -: تكون من رأس المال.
وعند أبي حنيفة: تكونُ من الثلث.
وإذا مات رجلٌ، ووجد في تركته كيس مكتوب عليه: وديعة فلان أو وُجد في تركته: لفلان عندي وديعة، بيَّنَ وصفها-: فلا يجب على الوارث تسليمها إليه بهذا القدر، حتى تقوم بينة، أو يقر الوارث؛ لجواز أن تكون العلامة بخط غيره، ويجوز أن يكون قد اشتراها بعد العلامة، فلم يمح العلامة.
وإذا مات عن وديعة-: لا يجوز لوارثه إمساكها؛ لأن المالك لم يرض بأمانته، فإن هلكت في يد الوارث قبل أن يتمكن من الرد-: لم يضمن، وإن هلكت بعد التمكن؛ على أصح الوجهين، وإن كان المالك غائبًا-: دفعها إلى الحاكم؛ فإن أمره الحاكم بحفظها-: فهو استحفاظ جديد؛ وكذلك: لو مات المالك-: فعلى المودع الرد إلى وارثه، فإن هلكت قبلا لتمكن من الرد-: لم يضمن، وبعد التمكن وجهان، فإن لم يظفر بالوارث-: دفعها إلى الحاكم، وإذا أودع الوديعة عند غيره من غير ضرورة-: قد ذكرنا أنه يضمنها، فإن هلكت عند الثاني-: جاز لمالكها أن يضمن أيهما شاء؛ لأن الأول، سلم ما لم يكن له تسليمه والثاني أخذ ما لم يكن له أخذه، ثم إن كان الثاني عالمًا بالحال-: فقرار الضمان يكون عليه، فإن ضمنه الأول-: رجع عليه، وإن ضمنه الثاني-: لا يرجع على الأول، ون كان الثاني جهلًا-: فقرار الضمان على من يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: على الثاني؛ كما ذكرنا؛ لأن الهلاك كان في يده والثاني: يكونُ على الأول؛ لأن الثاني أخذ على الأمانة؛ فعلى هذا: إن ضمن الأول-: لم يرجع على الثاني، وإن ضمن الثاني-: رجع على الأول، ولو أخذت الوديعة من المودع كرهًا، أو سرق من خزانته-: لا ضمان عليه.
ولو أكره، حتى حمل بنفسه-: فالضمان على الآخر، وهل يكون المودع طريقًا؟ فيه وجهان.
ولو أخبر بها السلطان، فأخذها منه كُرهًا-: ضمن؛ لأنه متعد بالإخبار ولو أخبر اللصوص، فسرق-: إن عين الموضع-: ضمن؛ وإلا فلا، ولو أمر المالك المودع بدفع الوديعة إلى إنسان معين، فدفع إليه-: لم يضمن. وإن هلك في يده قبل الدفع إليه- نظر:
إن لم يتمكن من الدفع إليه-: لم يضمن، وإن تمكن، فلم يدفع-: فيه وجهان، وإذا
[ ٥ / ١٢٦ ]
دفع إليه هل يجب الإشهاد؟ فيه وجهان.
أصحهما: يجب حتى لو لم يشهد-: ضمن؛ كما لو أمره بقضاء دين-: يجب الإشهاد.
والثاني: لا يجب؛ لأنه أمانة، وقول المدفوع إليه مقبول في التلف والرد؛ فلا يكون في الإشهاد فائدة. بخلاف الدين؛ فنه مضمون، وإنما ينكر الأخذ-: فلا تحصل البراءة إلا بالإشهاد.
ولو طالبه المالك برد الوديعة-: فعليه التخلية بينهما وبين المالك.
ومؤنة الرد على المالك، فلو أخر من غير ضرورة بعدما طلبه-: ضمن، فإن كان مشغولًا بطهارة أو صلاة أو أكل أو كان ملازمًا لغريم يخاف هربه فأخر حتى يفرغ، أو كان بالليل فأخر حتى يدخل النهار-: لم يضمن.
فصل في الاختلاف
إذا ادعى المودع تلف الوديعة، أو ردها إلى المالك، وأنكر المالك-: فالقول قول المودع من يمينه؛ لأنه أمين، ويدعي الرد على من ائتمنه؛ فلو مات المودع قبل أن يحلف-: حلف وارثه.
ولو وقع الاختلاف بعد تلف العين؛ فقال المالك: طالبتك بردها، فأخرت بلا عذر، فقال: ما طالبتني، أو قال طالتبني، فأخرت بعُذر-: فالقول قول المودع مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء أمانته، والمدعي يدعي زوالها، فلو وقع الاختلاف بعد موت المودع بين المالك ووارثه-: نُظر:
إن قال الوارث: رد إليك مورثي، أو تلف في يده-: قُبل قوله، مع يمينه، وإن قال الوارث: أن رددته إليك، وأنكر المالك-: فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأنه يدعي الرد على غير من ائتمنه، وإن قال: تلف في يدي، ولم أتمكن من الرد-: فيه وجهان
أحدهما: القول قول المالك؛ كما في الرد.
والثاني: قول الوارث مع يمينه؛ لأنه أمين.
وكذلك: لو مات المالك، فقال المودع: رددت إلى المودع، أو تلف في يدي في حياته، وأنكر الوارث-: فالقول قول المودع مع يمينه، وإن قال للوارث: رددته إليك، وأنكر الوارث-: فالقول قول الوارثُ؛ لأنه لم يأتمنه، وإن قال تلف في يدي بعد الموت قبل التمكن-: فعلى وجهين.
ولو دفع المُودع الوديعة إلى أمين، ثم اختلفا، فقال المالك ما أمرتك به، وقال
[ ٥ / ١٢٧ ]
المُودعُ: بل أمرتني به-: فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأن الأصل أنه لم يأمره فإذا حلف-: ضمن أيهما شاء وأيهما ضمنه- لا رجوع له على الآخر؛ لأنه يقول المالك: ظالم فيما يأخذ مني؛ فلا رجوع له على غير من ظلمه.
ولو قال المالكُ: أمرتُك بالدفع إليه، ولكنك لم تدفع، وكذلك يقول المأمور بالدفع إليه: إنه لم يدفع: فإن قلنا: الإشهاد واجب-: فالمودع ضامن من غير يمين؛ لأنه مفرط بترك الإشهاد، وإن قلنا: لا يجب الإشهاد-: فقد قيل: القول قول المودع مع يمينه؛ لأنه أمين.
والمذهب: أن القول قول المالك مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الدفع.
فإن قلنا: القول قول المالك، فقال الثاني: قد دفع إليَّ، وهلك في يدي-: لا يقبل قوله على المالك، بل يحلف المالك، ويضمن الأول، وإذا اتفقا على أنه دفع إلى الثاني، فادعى الثاني الرد إلى المالك، أو التلف -: قُبِلَ قوله مع يمينه.
هذا إذا عين المالك المدفوع إليه، فإن لم يعين، بل قال: ادفع إلى أمين، فدفع، ثم ادعى الأمين التلف-: قُبل قوله مع يمينه، وإن ادعى الرد إلى المالك-: لا يُقبل بل القول قول المالك مع يمينه؛ لأنه يدعي الرد إلى غير من ائتمنه.
وكذلك: لو أراد المودع سفرًا، فوضع الوديعة عند أمين، فادعى الأمين التلف؛ يُقبل.
ولو ادعى الرد إلى المالك: لا يُقبل.
ولو ادعى على رجل وديعة، فأنكر-: فالقول قول المنكر مع يمينه، فلو أقام المدعي البينة، فادعى المودع التلف، أو الرد- ينظر في إنكاره: فإن قال: ما لك عندي شيء، أو لا يلزمني تسليم شيء إليك، فأقام المدعي بينة على الإيداع، فقال المدعى عليه: كنت قد رددتها قبل الإنكار، أو تلف في يدي-: يُقبل قوله مع يمينه؛ لأنه صدف في إنكاره؛ أنه لا شيء ل عندي بعد التلف والرد، وإن قال في الإنكار: ما أودعتني شيئًا، فأقام المدعي بينة على الإيداع، فقال المدعي عليه: صدقت البينة، ولكنها كانت تلفت في يدي، أو رددتها-: لا يقبل قوله؛ لأن قضية قوله: "ما أودعتني": أنه لم يرد إليه شيئًا، ولم يتلف له عنده شيء، فلو أقام بينة على التلف أو الرد قبل الإنكار-: هل يسمع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسمع؛ لأنه المدعي لو صدقه يسقط عن الضمان؛ فكذلك إذا أقام البينة.
والثاني: لا يسمع، لأن إنكاره السابق يكذب بينته.
[ ٥ / ١٢٨ ]
ولو ادعى رجلان عينًا في يدي رجل، فقال كل واحدٍ: أنا أودعتكها، فقال المودع: هل لأحدهما، ولا أدري لأيُكما هي- نُظر: إن لم يدع علمه-: أخذت العين منه، وهي كعين في أيديهما، يتداعيانها، فأيهما أقام البينة-: قُضِيَ له، فإن لم تكن بينة: فإن حلفا أو نكلا-: تكون بينهما، وإن حلف احدهما، ونكل الآخر-: قضى بها للحالف، وإن ادعيا علمه-: حلف يمينًا واحدة بالله؛ لا يعلمُ أنها لأيهما، فإذا حلف-: أخذت العين منه، وتكون كعين يتراعيانها؛ كما ذكرنا، وإن نكل المدعي عليه عن يمين العلم-: حلف كل واحد منهما على علمه، وأخذ منه العين وقيمتها، ويكون لكل واحد نصف العين، ونصف القيمة، إذا حلفا أو نكلا، وإنما غرمناه القيمة؛ لأن كل واحد ثبت عليه بيمين الرد جميع العين، وإذا جعلنا العين بينهما-: لا يكون لكل واحد إلا نصفها، وإذا أقام أحدهما البينة- أخذ جميع الوديعة، وردت القيمة إلى المودع، وإن لم تكن بينة، وحلف أحدهما-: أخذ الحالف جميع العين، ورد نصف القيمة إلى المودع، ولا يجب على الناكل رد نصف القيمة؛ لأنه ثبت له ذلك بيمينه على المودع، ونكوله كان في حق صاحبه؛ لأن حق المودع، وإن كان مثل هذا.
الدعوى في الغصب
ادعى رجلان أنه غصب مني هذه العين، فقال المدعى عليه: غصبت من أحدهما، ولا أدري أيهما هو-: فيجب أن يُحلف على "البتِّ" لكل واحد منهما أنه لم يغصب منه، فإذا حلف لأحدهما-: تعين المغصوب للثاني، ولا يحلف له.
ولو أقر المدعي عليه بالعين لأحدهما، أو قال لأحدهما: ليست هذه لك -: كان إقرارًا للآخر؛ بتسلم العين إليه، وخصومة الآخر تكون مع المقر له، وهل له أن يدعي القيمة على المدعي عليه هذا يبني على أنه لو أقر للثاني بعدما أقر للأول-: لا تُنتزع العين من يد الأول، وهل يغرم القيمة للثاني؟ فيه قولان:
أحدهما: يغرم؛ فعلى هذا: له أن يدعي عليه قيمة العين.
والثاني- وهو الأصح-: لا يغرم؛ فعلى هذا هل يدعي القيمة؟ يبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة إقرار المدعي عليه أم بمنزلة بينة المدعي؟ وفيه جوابان:
إن قلنا: بمنزلة الإقرار-: ليس له دعوى القيمة، وإن قلنا: بمنزلة البينة -: له الدعوى، فإن حلف-: بريء، وإن نكل-: حلف المدعي، واخذ القيمة، ولا خلاف أن العين لاتنتزع من يد المُقر له، وإن جعلنا النكول ورد اليمين بمنزلة البينة؛ لأنه البينة في حق المتداعيين فحسب، ولو أقر المدعي عليه لهما جميعًا-: كان كشيء في أيديهما
[ ٥ / ١٢٩ ]
يتداعيانه، فإن حلف أحدهما-: قُضي له، ولا خصومة للناكل مع المودع؛ لأنه أبطل حقه بالنكول، وإن حلفا-: كان العين بينهما.
وهل لكل واحدٍ منهما أن يدعي نصف القيمة على المودع؟ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا، والله أعلم.
[ ٥ / ١٣٠ ]