روي عن أبي بكرة قال: خسفت الشمس على عهد النبيﷺ- فخرج يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب إليه الناس فصلى بهم ركعتين فانجلت الشمس. فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد وإذا كان كذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم". وذلك أن ابنًا للنبيﷺ- مات يقال له: إبراهيم. فقال الناس في ذلك.
وعن عائشة: أن الشمس خسفت على عهد رسول اللهﷺ- فبعث مناديًا: الصلاة
[ ٢ / ٣٨٦ ]
جامعةً. فتقدم فصلى أربع ركوعات في ركعتين، وأربع سجدات. قالت عائشة ما ركعت ركوعًا قط، ولا سجدت سجودًا قط- كان أطول منه.
صلاة الخسوف سُنَّة فإذا خسفت الشمس أو القمر؛ فيخرج الإمام إلى المسجد الجامع بعد أن يغتسل، ولا يخرج إلى الصحراء؛ لأن النبيﷺ- صلاها في المسجد؛ ولأنه يقع بغتة فلا يحضرها أهل السَّواد، فيسعهم المسجد؛ ولأنه ربما ينجلي إذا امتد الزمان؛ لاجتماع الناس. فإذا حضر الجامع ينادي: الصلاة جامعة؛ بلا أذان ولا إقامة، فيصلي بهم ركعتين في كل ركعة ركوعان وقيامان وسجودان؛ يطول فيهما القراءة والتسبيح؛ سواء وقع الكسوف بعد العصر أو قبله أو وقت الزوال؛ لأنها صلاة لها سبب، فيجوز في جميع الأوقات.
وكيعيتها: أنه يفتتح الصلاة، فإذا فرغ من أم القرآن قرأ سورة البقرة- إن كان يحفظها، أو ثلثمائة آية من موضع آخر- ثم يركع؛ فيمكث فيه بقدر قراءة مائة آية من سورة البقرة- يسبح الله- ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويرفع يديه، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة آل عمران أو قدر مائتي آية من سورة البقرة من موضع آخر، ثم يركع بقدر ثمانين آية من البقرة- يسبح الله ﷿- ثم يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويرفع يديه، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم ويقرأ بأم القرآن وبقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة ثم يركع فيسبح الله- تعالى- بقدر سبعين آية من سورة البقرة ثم يرفع فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويرفع يديه ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم ويقرأ بأم القرآن وبقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة، ثم يرفع
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويقرأ فاتحة الكتاب وبقدر مائة آية من سورة البقرة، ثم يركع فيسبح بقدر خمسين آية، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين ويتشهد ويسلم .. وهل يطيل السجود؟ فيه قولان:
أصحهما: يطيل؛ كالركوع؛ فالسجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني.
والثاني: لا يطيل؛ كما لا يزيد في التشهد، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين، ثم بعد الفراغ من الصلاة يخطب خطبتين.
وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين؛ كسائر الصلوات. وقال أحمد: يصلي ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات. ويروي في الحديث: أنه﵇- صلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات.
ويروي خمس ركوعات.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
فمن أصحابنا: من جمع بين الأخبار، وقال: إن انجلى سريعًا صلى ركعتين؛ كسائر الصلوات، وإن امتد زاد إلى خمس ركوعات.
ومنهم من قال: لا يزيد على ركوعين؛ لأن الحديث فيه أصح وأشهر، فلو زاد في القراءة- على ما ذكرنا- أو نقص؛ فلم يقرأ في كل قيام إلا فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص، أو لم يزد على الفاتحة- جاز.
وصلاة خسوف [القمر] مثل صلاة خسوف الشمس، ويخطب لها؛ كما يخطب لخسوف الشمس إلا أنه يسر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس؛ لأنها صلاة نهار، ويجهر في صلاة خسوف القمر؛ فإن ابن عباس حكى صلاة النبيﷺ- في خسوف الشمس فقال: قرأ نحوًا من سورة البقرة، ولو جهر لكان لا يقدر.
وروي: أنه قال: كنت إلى جنب رسول اللهﷺ- فما سمعت منه حرفًا. وقال أبو يوسف: يجهر في خسوف الشمس.
وقال أبو حنيفة: لا جماعة، ولا خطبة لصلاة خسوف القمر، بل يصلي منفردًا.
وإذا لم يصلِّ حتى تجلى فلا يصلي بعده؛ لما روي عن جابر؛ أن النبيﷺ- قال: "فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا حتى ينجلي" دلَّ على أنه لا يصلي بعد التجلِّي. وإذا انجلت وهو
[ ٢ / ٣٨٩ ]
في الصلاة أتمها، ولو جلَّلها سحاب أو جبل؛ فلم يدر: هل تجلى أم لا؟ فله أن يصلي؛ لأن الأصل بقاؤه.
ولو خسفت الشمس فلم يصلِّ حتى غربت الشمس؛ وهي كاسفة، لا يصلي بعده. وكذلك لو خسف القمر فلم يصل حتى طلعت الشمس، لا يصلي؛ لأن سلطان الشمس النهار، وسلطان القمر الليل؛ وقد ذهب. ولو وقعت الخطبة بعد غروب الشمس أو بعد طلوعها، فلا بأس.
ولو خسف القمر، فلم يصل حتى غاب خاسفًا بالليل- يصلي؛ لأن سلطانه، باقٍ؛ ولو طلع الفجر؛ وهو خاسف، ووجد خسوف القمر بعد طلوع الفجر- هل يصلي؟ فيه قولان.
قال في القديم: لا يصلي؛ لأن سلطان القمر قد ذهب بطلوع الفجر.
وقال في الجديد: يصلي- وهو الأصح- لأن ظلمة الليل في هذا الوقت باقية؛ فينتفع بضوء القمر، ولأنه لا وقت في الليل والنهار إلا وهو صالح لإحدى صلاتي الخسوف.
فإن قلنا: يصلي فلو غاب خاسفًا بعد طلوع الفجر يصلي؛ كما لو غاب بالليل خاسفًا ولو امتد الخسوف، وهو في الصلاة؛ هل يزيد ركوعًا ثالثًا ورابعًا؟ ولو انجلى وهو في القيام هل يقتصر على ركوع واحد؟ وجهان:
أصحهما: لا يتغير حكم الصلاة؛ فلا يزيد ولا ينقص ولو صلى ولم ينجل هل يصلي ثانيًا؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يصلي. ولو أن مسبوقًا أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى، كان مدركًا للصلاة؛ فيسلم مع الإمام ولو أدركه في الركوع الأول من الركعة الثانية، كان مدركًا لركعة؛ فإذا سلم الإمام، قام وصلى ركعة بركوعين. ولو أدركه في الركوع الثاني من الركعة الأولى وفي القيام الثاني، فلا يكون مدركًا لتلك الركعة، ثم يقضي ركعة بركوعين أم بركوع واحد؟ فيه قولان:
أصحهما: بركوعين؛ لأن الركوع الثاني تبعٌ للأول، فلا يكون بإدراكه مدركًا لشيء من الركعة؛ كما لو أدركه في السجود.
وذكر صاحب "التقريب" قولًا: أنه يقضي ركعة بركوع واحد.
ولو اجتمع: عيد وخسوف واستسقاء وجنازة، بدأ بصلاة الجنازة؛ لأنه يخشى على الميت التغير. فإن لم يكن حصرت الجنازة، أو حضرت ولم يحضر وليُّها- فالإمام يفرد
[ ٢ / ٣٩٠ ]
جماعة ينتظرون الجنازة، وهو يشتغل بغيرها. وإذا صلى على الجنازة لا يتبعها، بل يأمر من يتولَّى دفن الميت، وهو يشتغل بغيرها. ثم إن كان يخاف فوت صلاة العيد يبدأ بصلاة العيد، ثم يصلي الخسوف، ثم يخطب لها، ويذكر فيها شأن العيد والخسوف، ولا بأس أن تقع خطبة العيد بعد الزوال. وإن كان لا يخاف فوت صلاة العيد، ففيه قولان:
أصحهما: يبدأ بصلاة الخسوف؛ لأنه يخاف فوتُها بالانجلاء، ثم يصلي صلاة العيد، ثم يخطب لهما. وقال في رواية البويطي: يبدأ بصلاة العيد؛ لأنها آكد ويؤخر الاستسقاء إلى يوم آخر.
ولو خسفت الشمس في وقت الجمعة: نظر إن كان في آخر وقت يخاف فوتها، يبدأ بصلاة الجمعة؛ يخطب لها، ويصلي، ثم يصلي للخسوف، ويخطب. وإن لم يخف فوت الجمعة، فعلى القولين:
أصحهما: يبدأ بصلاة الخسوف؛ لأنه يخاف فوتها؛ فيصلي ركعتين خفيفتين، ثم يخطب للجمعة، ويذكر فيها شأن الخسوف، ولا يخطب لهما؛ لأن التشريك بين الفرض والنفل لا يجوز، بخلاف الخسوف والعيد قلنا: يخطب لهما؛ لأنهما سنتان، وذكر شأن الخسوف في خطبة الجمعة لا يضر؛ كما أن النبيﷺ- استسقى في خطبة الجمعة.
وفي رواية البويطي: يبدأ بالجمعة؛ لأنها آكد.
ولو وجد الخسوف في وقت الوِتر والتراويح، يبدأ بصلاة الخسوف، وإن خاف فوت الوتر والتراويح.
وكذلك إن خاف فوت ركعتي الطواف؛ لأن صلاة الخسوف آكد؛ لأنها إذا فاتت لا تقضى، بخلاف الوتر والتراويح وركعتي الفجر.
وجملته: أنه إذا اجتمع أمران، وخاف فوتهما، أو لم يخف فوت واحد منهما- بدأ بالآكد، وإن خاف فت أحدهما بدأ بالذي يخاف فوته.
ولا يؤمر بالصلاة جماعة؛ لأنه من الآيات سوى الخسوف؛ مثل: الزلازل والصواعق والرياح الشديدة؛ لأنه- لم ينقل؛ أن النبيﷺ- صلى جماعة لآية سواها، لكنه يستحب أن يصلي منفردًا، أو يدعو.
روي عن ابن عباس: قال: ما هبَّت ريح قطُّ إلا جثا النبيﷺ- على ركبتيه. قال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا".
[ ٢ / ٣٩١ ]
قال ابن عباس في كتاب الله ﷿: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦].
روي عن ابن عمر: أن رسول اللهﷺ- كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك".
بابُ: الاستسقاء
روي عن عباد بن تميم، عن عمه؛ أن رسول اللهﷺ- خرج بالناس يستسقي؛ فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما- وحوَّل رداءه، ورفع يديه فدعا واستسقى، واستقبل القِبلة.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
صلاة الاستسقاء سُنَّة عند جدوبة الزمان، وانقطاع الأمطار، أو غور العيون، وانبثاق الأنهار؛ فيخرج الإمام بالناس إلى حيث يصلي العيد؛ لأن النبيﷺ- كان يخرج إلى الصحراء؛ ولأن الجمع يكثر فيه، فلا يسعهم إلا الصحراء. ويستحب أن يأمرهم قبل ذلك بصوم ثلاثة أيام، وبالتوبة، والخروج عن المظالم، والتقرب إلى الله﷿- بما استطاعوا من الخير. ثم يخرج بهم في اليوم الرابع- وهم صيام- وإذا أرادوا الخروج يغتسلون، ويتنظفون بما يقطع الرائحة من سِواك وغيره، ويخرجون في ثبات وتواضع متبذلًا لأنه يوم الخشوع والتضرع ولا يتطيب؛ لأن الطيب للزينة، وليس هذا يوم الزينة، بخلاف يوم العيد.
روي عن ابن عباس في الاستسقاء: قال: خرج النبيﷺ- متبذِّلًا متواضعًا متضرعًا.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
ويستحب: إخراج الصبيان، ويتنظفون، ويخرج كبار النساء من لا يخشى منهن الفتنة. ويستحب إخراج البهائم، فتوقف في جانب؛ لتكثر الضجة والصِّياح؛ فيكون أقرب إلى الإجابة. ويستسقي بأهل الصلاح، وأهل بيت النبوة.
روي عن أنس؛ أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس بن عبد المطلب؛ فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا وتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون.
ويكره إخراج أهل الذمة إلى مصلى المسلمين؛ لأن المسلم إذا خرج يؤمر بالتوبة، والخروج عن المظالم؛ فذنب الشرك أعظم الذنوب فإن خرجوا متميزين عن المسلمين في ذلك اليوم، أو في يوم آخر لم يمنعوا؛ لأن الله- تعالى- يجيب دعوة الكافر؛ تعجيلًا لحظِّه من الدنيا.
قال الشافعي في الكبير: لا أكره من خروج صبيانهم مع المسلمين ما أكره من خروج رجالهم؛ لأن ذنوبهم أقل، ولكن يكره لكفرهم.
ووقته بعد بروز الشمس إلى الزوال مثل صلاة العيد؛ لأن النبيﷺ- فعل في هذا الوقت.
وإذا خرج ينادي: "الصلاة جامعة"، ويصلي بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة؛ كما في العيد؛ يكبر في الأولى سبعًا سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام،
[ ٢ / ٣٩٤ ]
ويرفع يديه حذو منكبيه مع كل تكبيرة، ويقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب بـ ﴿ق﴾، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ﴾ ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الأولى بـ ﴿ق﴾، وفي الثانية سورة نوح؛ لأن فيها ذكر الاستسقاء. قال الله- تعالى- إخبارًا عن نوح: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١] ويجهر بالقراءة، ثم بعد الفراغ من الصلاة يخطب قائمًا خطبتين؛ كما في العيد، إلا أنه يبدأ بالاستغفار بدل التكبير، ويكثر في أثنائها الاستغفار، ويقول: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١].
فإذا قام إلى الخطبة الثانية، وأتى ببعضها- حول وجهه إلى القبلة، وحول رداءه؛ فجعل طرفه الأسفل الذي على شقة الأيسر على عاتقه الأيمن، وطرفه الأسفل الذي على شقة الأيمن على عاتقه الأيسر؛ فيحصل به التقليب والتنكيس. فلو حوله ولم ينكس جاز. هذا وإذا كان الرداء مربعًا؛ فإن كان مثلثًا أو مدورًا جعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، وما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن.
وقال أحمد وإسحاق: كيف ما كان الرداء يجعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين.
روى عبد الله بن زيد قال: استسقى رسول اللهﷺ- وعليه خميصةٌ سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فملا ثقلت عليه قلبها على عاتقه.
ويستحب للناس أن يفعلوا ذلك. وهذا كله للتفاؤل لتقلُّب الزمان إلى الخصب.
وإذا تحول إلى القِبلة رفع يديه، ودعا سرًا والناس كذلك يفعلون.
روي عن أنس: قال: كان النبيﷺ- لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء؛ فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وروي عن أنس: أن النبيﷺ- استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء [والسنة هذا أنه إذا دعا لرفع البلاء يجعل ظهر كفيه إلى السماء]، وإذا سأل الله شيئًا جعل كفيه إلى السماء. ويستحب أن يكون من دعائهم: اللهم أنت أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، فقد دعوناك؛ كما أمرتنا، فأجبنا؛ كما وعدتنا. اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا، وإجابتك في سقيانا وسعة رزقنا. ثم يدعون بما شاءوا من دين ودنيا. ويبدأ الإمام ويبدءون بالاستغفار، ويفصل به كلامه، ويختم به. ثم يُقبل بوجهه على الناس، فيحضهم على طاعة ربهم، ويصلي على النبيﷺ- ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ آية أو آيتين، ويقول؛ أستغفر الله لي ولكم ثم ينزل. ويدعون أرديتهم محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم، فينزعونها مع سائر الثياب. فإن سقاهم الله، وإلا عادوا من الغد بعده للصلاة والاستسقاء حتى يسقيهم الله؛ فإن الله يحب الملحين في الدعاء. فإن سقوا قبل أن يصلوا، صلوا شكرًا وطلبًا للزيادة.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي للاستسقاء، بل يخطب ويدعو، وإن كانت ناحية جدبة والأخرى خصبة، يستحب لأهل الخصبة أن يستسقوا لأهل الجدبة، وللمسلمين، ويسألوا لأنفسهم الزيادة.
ويجوز لأهل البوادي والمسافرين الاستسقاء بالصلاة والخطبة؛ كأهل المصر؛ لأن أهل البوادي أحوج إليه. ويجوز للإمام أن يستسقي بغير صلاة وخلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة.
ولو نذر الإمام أن يستسقي، يلزمه أن يخرج بالناس، ويصلي بهم ولو نذر واحد من عرض الناس أن يستسقي، لزمه أن يصلي منفردًا ويستسقي، فإن نذر أن يستسقي بالناس لا ينعقد؛ لأن الناس، لا يطيعونه، إلا أن ينذره الإمام.
وكذلك لو نذر أن يخطب- وهو من أهله- لزمه [و] هل يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام؟ فعلى وجهين؛ كالصلاة المنذورة. وكان القاضي﵀- يقول: إذا نذر أن
[ ٢ / ٣٩٦ ]
يستسقي، يلزمه الاستسقاء. وهل يلزمه الصلاة؟ قال: يحتمل وجهين.
باب: الدعاء في الاستسقاء
روي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ أن رسول اللهﷺ- كان إذا استسقى قال: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا هنيئًا مريعًا غدقًا مجللًا عامًا طبقًا سحًّا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللاواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الفرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْيَ والجوع واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علينا مدرارًا".
يستحب أن يذكر هذا كله في الخطبة، ويزيد ما شاء من الدعاء.
روي عن عائشة﵂- أن رسول اللهﷺ- كان إذا رأى المطر قال: "صيِّبًا نافعًا".
وروي عن المطلب بن حنطب؛ أن النبيﷺ- كان يقول: "اللهم سقيا رحمةٍ لا سقيا عذاب ولا محقٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ، اللهم على الظِّراب ومنابت الشجر، اللهم حوالينا ولا علينا".
[ ٢ / ٣٩٧ ]
ويستحب أن يبرز لأول المطر.
روي عن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول اللهﷺ- مطر فحسر رسول اللهﷺ- ثوبه حتى أصابه من المطر. فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربِّه".
[ ٢ / ٣٩٨ ]