قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
الباغي: هو الذي يخرج على الإمام العادل؛ بتأويل.
فنبدأ بذكر فصلٍ في الإمامة، ثم نرتب عليه حكم من يخرج على الإمام.
[ ٧ / ٢٦٣ ]
فنقولُ: خلق الله تعالى العباد، وكلفهم العبادة، ولم يتركهم سُدى، وبعث إليهم الرسل؛ أئمة يهدونهم على سواء الصراط، ويعلمونهم الشرائع، وختمهم بسيد المرسلين محمد - ﷺ-، [وعليهم أجمعين]- ثم بعده لم يكن للناس بُدٌّ من راعٍ يرعاهم، ووازعٍ يزعهم، وساعٍ يسعى في إحياء أمر الدين وإقامة السُّنة، وينتصف للمظلومين؛ لما في طباع الناس من التنافر؛ فاتفقت الصحابة - ﵃ - على خلافة أبي بكر الصديق ثم استخلف أبو بكر بعده عمر، ثم كانت الخلافة بعد عمر لعثمان، ثم لعلي - ﵃-، ثم تتابعت الولاة هلم جرا إلى زماننا، فإذا أتى على الناس زمانٌ لم يكن فيه إمامٌ -: يجب على أهل الحل والعقد [منهم] أن يجتمعوا فينصبوا إمامًا يقوم بإعلاء كلمة الله تعالى، وأمر الجهاد، ورعاية أمر الرعية، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإنكاح الأيامى، وغير ذلك، ثم على الناس كافة طاعته في [طاعة] الله، لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وأراد بـ "أولى الأمر": الولاة.
ويشترط فيمن ينصب للإمامة أربع خلالٍ:
العلم، والورع، والشجاعة، والنسب.
ينبغي أن يكون عالمًا مجتهدًا يهتدي إلى الأحكام، ويعلمها الناس.
ويكون عدلًا؛ لأن الولاية أمانةٌ، والفاسق غير أمينٍ؛ لأنه لا ينظر لدينه، فكيف ينظُرُ لغيره.
[ ٧ / ٢٦٤ ]
ويكون شجاعًا، يغزو بنفسه وبسراياه، ويحمي بيضة الإسلام عن الأعداء.
ويكون من قريش؛ لقول النبي - ﷺ-: "الأئمة من قريش".
فإن لم يكن قرشيًا، فكنانيٌّ، فإن لم يكن: فمن نسل إسماعيل - ﵇ - فإن لم يكن، فمن العجم.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
وتثبت الإمامة بأحد الأشياء الثلاثة: إما بالبيعة مثل إمامة الصديق وتثبت الإمامة أبي
[ ٧ / ٢٦٦ ]
بكر؛ كانت بيعة من الصحابة، - ﵃-.
أو باستخلافٍ من قبل الإمام؛ كغمامة عمر؛ كانت باستخلاف أبي بكر إياه.
[ ٧ / ٢٦٧ ]
ولو جعل الإمام الأمر شورى بين جماعة، فاختاروا واحدًا منهم للإمامة كان كالاستخلاف؛ كما أنعمر -﵁ - جعل الأمر شورى بين ستة نفر بين عليٍّ، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاصٍ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وقال: "فليعين خمستكم سادسكم" فاتفقوا على عثمان.
[ ٧ / ٢٦٨ ]
وإما بالقهر والغلبة، فإن من ظهر بشوكته، وقوته، وقهر العباد بالسيف، وتسلط عليهم-: كان واليًا، عربيًا، كان أو عجميًا، وإن كان عاصيًا بالقهر -: تجبُ طاعته في طاعة الله، ولا يجوز الخروج عليه بالسيف، ورُوي عن عوف بن مالكٍ، عن النبي - ﷺ - قال:
[ ٧ / ٢٦٩ ]
"من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعته".
وإذا ثبتت الإمامة لرجل، فخرج عليه باغٍ فقهره، وغلب عليه - نُظر: إن ثبتت ولايته بالبيعة أو بالاستخلاف-: لا ينعزل بالقهر، وإن ثبتت بالقهر-: ينعزل، ويصير القاهر
[ ٧ / ٢٧٠ ]
واليًا؛ لأن ولايته ثبتت بالغلبة، فزالت بزوالها.
واختلفوا في العدد الذين تنعقد ببيعتهم الإمامة.
قيل: لابد من أربعين رجلًا فيهم مجتهدٌ؛ لأنه أمرٌ عظيم الخطر؛ كانعقاد الجمعة تكون بأربعين رجلًا، وهل يشترط أن يكون المجتهد زائدًا على الأربعين؟ فيه وجهان:
[ ٧ / ٢٧١ ]
كالإمام في الجمعة، وشرطنا المجتهد؛ ليعلم أن المولى هل يصلح للإمامة؟
ولا يشترط أن يكون الكل من أهل الاجتهاد؛ لأنه يتعذر وجود ذلك.
ويشترط أن يكونوا جميعًا عُدولًا من أهل الشهادة.
وقيل: تنعقد ببيعة مجتهد واحدٍ، فإن عمر - ﵁- هو الذي بايع الصديق أولًا، ثم بايعه الصحابة.
وقيل: لابد من مجتهدين؛ لأن أقل الجمع إثنان.
وقيل: يشترط ثلاثة من المجتهدين؛ لأن مطلق الجمع ثلاثة.
وقيل: أربعةٌ من المجتهدين؛ لأن الأربع أكثر عدد الشهادات.
والأصح؛ أنه يشترط مبايعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء أهل العدالة دون الفسقة من البلاد المتقاربة، ثم إذا بلغ الخبر إلى البلاد البعيدة-: يجب عليهم الانقياد والطاعة.
[ ٧ / ٢٧٣ ]
ولا يجوز نصب إمامين في عصرٍ واحدٍ؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة والمقاتلة، بخلاف النبوة، حيث جاز نبيان فأكثر في عصر واحدٍ؛ لأن الأنبياء معصومون عن الفتن والمشاحنة، فلو نصبوا إمامين معًا -: لا ينعقد لواحد منهما، فإن فعلوا على التعاقب-: فالأول إمامٌ،
[ ٧ / ٢٧٥ ]
ولا تنعقد إمامة الثاني؛ رُوي عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم؛ فن الله سائلهم عما استرعاهم" وعن أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما".
وإذا بايعوا رجلًا-: ينصب خليفة من جهة الله تعالى، حتى لا يقدرون على عزله.
والاستخلافُ: أن يجعله الإمام خليفة في حياته، ثم يخلفه بعد موته، فلو أوصى، له
[ ٧ / ٢٧٧ ]
بالإمامة من بعده -: فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز؛ كما لو استخلفه في حياته.
والثاني: لا يجوزُ؛ لأنه بالموت يخرج عن الولاية؛ فلاتصح منه تولية الغير.
ولا تنعقد الإمامة لفاسقٍ ولا مفضولٍ، إلا للتقية عند خوف الفتنة، وتشتيت أمر الدين.
وقيل: تنعقد.
ولا تنعقد لصبي، ولا لعبد ولا امرأة، ولا أعمى، ولا أخرس؛ لأنهم لا يصلحون للقضاء؛ فكيف يصلحون للإمامة، وهي فوق القضاء؟!
وإذا فسق الإمام الأعم-: لا ينعزل على اهر المذهب، لما في عزله من وقوع الفتنة، بخلاف القاضي: ينعزل بالفسق.
[ ٧ / ٢٧٨ ]
ولو خلع الإمام نفسه - نظر: إن كان بعذر من هرم أو علةٍ -: ينعزلن ثم إن ولي غيره قبل أن خلع نفسه-: انعقدت الإمامة للثاني.
وإن لم يول-: فالناس يجتمعون على تولية غيره.
وإن لم يهر به عذرٌ - نُظر: إن لم يول الغير-: لاينعزل، وكذلك: إن ولي الغير، وكان الثاني دونه، وإن كان صالحًا للإمامة.
وإن ولي الغير، وكان الثاني مثله، أو فوقه-: فهل ينعزل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينعزل؛ لأنه لا عذر له؛ فعلى هذا: إذا مات استحكمت ولاية من ولاه؛ كما لو استخلفه.
والثاني: ينعزل؛ لأنه ربما علم من باطنه ما لا يصلح معه للإمامة-: فعلى هذا: لو شككنا أن الثاني [هل] يصلح للإمامة-: أم لا؟ يحمل على أنه صالح، وأن الإمام نظر فيه للمسلمين، إذا ثبت.
فصلٌ
الإمام الباغي هو الخارج على الإمام العادل.
ولا يثبت لهم حكم أهل البغي إلا بثلاث شرائط:
أحدها: أن يكون لهم قوةٌ ومنعةٌ وعدة وشوكة، ولا يقدر عليهم إلا بجيش وقتال ونكاية.
والثاني: أن يكون لهم تأويل محتمل في الخروج على الإمام.
والثالث: أن ينصبوا إمامًا مطاعًا ويخرجوا عن قبضة الإمام، وقيل نصب الإمام ليس بشرط بعد أن خرجوا عن قبضة الإمام وولايته.
فإذا اجتمع فيهم هذه الشرائط: فهم بغاةٌ لا يحكم لهم بكفر ولا فسق، حتى تقبل شهادة شاهدهم، وينفذ قضاء قاضيهم، ويقاتلهم الإمام على بغيهم مع كونهم مسلمين، لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
وكما قاتل الصديقُ - ﵁ - ما بغي الزكاة؛ وكانوا يمنعونها بتأويل لا يوجب الكفر.
وقاتل عليٌّ -﵁ - أهل البصرة يوم الجمل.
[ ٧ / ٢٧٩ ]
وقاتل أهل صفين والخوارج بالنهروان" مع كونهم مسلمين؛ ليردهم عما هم عليه من البغي.
فإذا فقد شرط من هذه الشرائط؛ بأن لم يكن قوة، ولا منعةٌ، وإن تمسكوا بتأويل، أو لهم قوة ومنعة، ولا تأويل لهم، أو لم يخرجوا عن قبضة الإمام ولا ولايته، ولم ينصبوا إمامًا؛ فهؤلاء يقروا إن لم يقاتلوا، ولا يتعرض لهم، وإن كانوا يتجنبون جماعات المسلمين، ويكفرون الإمام، ويظهرون رأي الخوارج إلا أنهم [إذا] صرحوا بسب الإمام وسب غيره من أهل العدل-: عُزروا، وإن عرضوا فلا؛ لأن عليًا -﵁- لم يُعزر من قال: "لا حكم إلا لله".
وقيل: يعزرون على التعريض، حتى لا يرتقوا إلى التصريح.
وإن قاتلوا فهم فسقة وأصحاب نهبٍ؛ فحكمهم حكم قطاع الطريق؛ عليهم ما على قطاع الطريٌ.
رُوي أن عليًا سمع رجلًا من الخوارج يقول: "لا حكم إلا لله ولرسوله"، فقال عليٌّ: "كلمة حق أريد بها باطل" لكم علينا ثلاثٌ؛ لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال".
وإذا اجتمع الشرائط الثلاث في قوم، وثبت لهم حكم البغي: لا يبتدئهم الإمام شبهة كشفها لهم، وإن لم يظهروا نصحهم، ووعظهم، وقال لهم: ارجعوا إلى طاعتي، ودعوا ما أنتم عليه؛ لتكون كلمتكم وكلمة أهل دين الله على الأعداء واحدة، فإن لم يسمعوا دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يُجيبوا إليها أو ناظروا، وظهر الأمر عليهم، فأصروا على بغيهم أخبرهم: "إنا مقاتلوكم"، فإن سألوا النظرة مدةً قريبةً يومًا أو يومين-: أنظرهم؛ لعلهم يرجعون، وإن طلبوا أكثر من ذلك كالشهر والشهرين: فإن رأى الإمام المصلحة في إنظارهم؛ بأن كان بأهل العدل ضعفٌ، حتى يتقووا، أو وقعت لأهل البغي شبهةٌ، فربما تزول-: أنظرهم، وإن خاف الإمام اجتماعهم، وشوكتهم، ومكرهم في الإنظار-: لم ينظرهم.
وإن أعطوا على الإنذار رهائن من الأولاد والنساء-: لم تقبل؛ لأنه لا يؤمن أن يكون
[ ٧ / ٢٨٠ ]
ذلك مكرًا، وإن بذلوا مالًا لم يُقبل؛ لما ذكرنا؛ ولأنه يشبه ضرب الجزية على المسلمين.
وإذا بدأ الإمام بقتالهم -: يقصد به دفعهم عما هم عليه، لا قتلهم؛ فيقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.
والفيئة: العود إلى الطاعة، فمن عاد إلى طاعة الإمام أو قعد وألقى سلاحه-: حرم قتاله.
وكذلك: إذا ولى واحدٌ منهم ظهره منهزمًا -: لا يتبع؛ لأنه أمر بقتاله لا بقتله، والقتال يون مع من يقاتل إلا أن يولي ظهره متحرفًا لقتالٍ أو متحيزًا إلى فئة [قريبة]، فإنه يتبع؛ رُوي عن عبد الله بن مسعود؛ أن النبي - ﷺ قال: "يا بن أم عبدٍ، ما حكم من بغى على أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: لا يقتل مدبرهم، ولا يُجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم".
وقيل: إذا ولى متحيزًا إلى فئة -: لايتبع؛ لظاهر الخبر: لا يتبع مدبرهم، ولا يُقتل المثخن، ولا الأسير، ونادى منادي عليٍّ يوم الجمل: "لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريح.
وعند أبي حنيفة: يقتل المثخن، والمنهزم، والأسير في حال قيام الحرب.
وكذلك عندنا: لا يجوز الاستمتاع بدواب أهل البغي، وأسلحتهم، إذا وقعت في أيدينا.
وعند أبي حنيفة: يجوز ما دام الحرب قائمة.
وبالاتفاق: لا يجوز الانتفاع بسائر أموالهم، إذا وقعت إلينا.
ولا يجوز أخذ مالهم، لأن قتالهم أبيح للدفع، والرد إلى الطاعة، فبقي حكم المال على التحريم؛ كما في قطاع الطريق: لا يجوز أخذه، فإن وقعت ضرورة بأن لم يجد ما يدفع عن نفسه إلا سلاحهم، أو وقعت ضرورة بأن لم يجد ما يدفع عن نفسه إلا سلاحهم، أو وقعت هزيمةٌ، ولم يجد إلا دابة من دوابهم-: يجوز ركوبها،
[ ٧ / ٢٨١ ]
كما يجوز أكل مال الغير عند الضرورة.
ولو أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى مالًا أو نفسًا قبل نصب القتال-: يجب الضمان، ويجب القود في النفس، وإن أتلفت في حال القتال- يُنظر:
إن أتلف العادل على الباغي -: لا يجب عليه الضمان، مالًا كان أو نفسًا.
وإن أتلف الباغي على العادل- نظر:
إن أتلف عليه مالًا -: فهل يجب عليه الضمان؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة-: لا يجبُ؛ لأنهما يقاتلون عن تأويل فتأويلهم لما لم يمنع قبول شهادتهم، فيوجب سقوط الضمان عنهم؛ كأهل العدل.
والقول الثاني: يجب عليهم الضمان؛ لأنهما طائفتان من المؤمنين اقتتلتا، فيجب على المبطلة ضمانُ ما أتلفت على المحقة، كقطاع الطريق: يجب عليهم ضمان ما أتلفوه على أهل الرفقة.
هذا في ضمان المال أو ضمان النفس (بالكفارة والدية، أما القصاص) هل يجب على الباغي بقتل أهل العدل؟ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه قولان؛ كضمان المال.
ومنهم من قال: القصاصُ لا يجب قولًا واحدًا؛ لأنه يسقط بالشبهة، ولا خلاف أن ما [كان] في يد كل واحدٍ من الطائفتين من مال الأخرى بعد انقضاء الحرب -: يجب رده، فإن أتلفه: يجب عليه ضمانه، ولو أن واحدًا من أهل البغي والخوارج أخذوا أمةً من إماء أهل العدل، أو من أمهات أولادهم، وجامعها-: فهو زنى؛ يجب عليه الحد، [وإذا أولدها]: فالولد رقيقٌ غير ثابت النسب؛ وكذلك: أهل الحرب إلا أن الحربي لا يحد؛ لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام، وهل يجب المهر، إن كانت مكرهة؟ قيل: فيه قولان؛ بناءً على ضمان المال.
قال الشيخ: وجب أن يجب المهر قولًا واحدًا، وإن كانت مكرهة، كما لو أتلف مالهم بعد الانهزام، وكذلك: ما أخذ من أموالهم-: لا يجوز إتلافه؛ إنما الخلاف فيما أتلفوا في القتال.
[ ٧ / ٢٨٢ ]
فصلٌ: فيما على الإمام
لو أن رجلًا منع الزكاة، أو منع حق رجلٍ من: قصاص أو مالٍ-: يأخذه الإمام قهرًا، فإن امتنع جماعةٌ من غير أن يكون لهم حكم البغاة-: قاتلهم الإمام، وإن أتى القتال على أنفسهم؛ وكذلك: لو أن نفرًا يسيرًا نابذوا الإمام يعلم أن قتلهم لا يمتنع أو كانوا كثيري العدد، غير أنهم لم يتميزوا عن أهل العدل، وكانوا في قبضة الإمام، وإن كان لهم تأويلٌ فيما أتلفوا من مال أو نفس-: عليهم الضمان والقصاص، وإن فعلوا في حال قتالٍ -: عليهم ما على قطاع الطريق.
قتل ابن ملجم عليًا - ﵇ - متأولًا، فرأى عليٌّ - ﵇- عليه القود؛ لأنه لم يكن في متعة، وقال لولده: إذا قتلتم، فلا تمثلوا به، فقتله الحسني بن علي -﵄ - وفي الناس بقيةٌ من أصحاب النبي - ﷺ- فلم يُنكر عليه أحد.
ولو أن الإمام بعث واليًا إلى هؤلاء الذين لم تجتمع فيهم شرائط أهل البغي، فقتلوه-: يجب عليهم القود، فإن عليًا - ﵇ - بعث واليًا على النهروان، فقتلوه، فأرسل إليهم: أن ادفعوا إلينا قاتله نقتله به، فقالوا: كلنا قتله، فبعث إليهم أن استسلموا يحكم عليكم، فقالوا: لا، فصار إليهم بنفسه، فقاتلهم، فأصاب أكثرهم، وإنما فعل ذلك؛ لأنهم كانوا في قبضته وحكمه.
وهل يتحتم قتل هؤلاء أم يكون على التخيير؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتحتم؛ لأنهم شهروا السلاح، وقتلوا.
والثاني: لايتحتم بخلاف قطاع الطريق؛ فإن قصدهم أخذ المال والفساد، وهؤلاء قصدوا غير هذا.
فصلٌ: في هل يتعرض لصبيان ونساء أهل البغي
إذا حضر مع أهل البغي نساؤهم وصبيانهم وعبيدهم -: فلا يتعرض لهم، إن لم يقاتلوا، فإن قاتلوا-: يقتلون مقبلين، ويتركون مدبرين كالرجال؛ وكما يجوز دفعهم للقتل، إذا قصدوا قتل إنسان في غير] حال القتال إلا أنهم يخالفون في الأسر؛ فالرجال إذا وقعوا في الأسر تُعرض عليهم البيعة، فمن بايع منهم طوعًا خُلي سبيله، ومن لم يبايع-: يحبسهم الإمام في حال القتال، وبعده إلى أن يبايعوا الإمام، والمراهقون، والعبيد والنسوان، إذا
[ ٧ / ٢٨٣ ]
كانوا يقاتلون-: يحبسهم إلى انقضاء القتال ثم يخلي سبيلهم؛ لأنهم لا يطلب منهم البيعة إلا على الإسلام وإن كانوا لا يقاتلون-: لا يُحبسون أصلًا، وكذلك: حكم من لا يقاتل من الرجال، كالشيوخ والزمنى.
وقيل: يحبسون جميعًا زمان القتال؛ كالرجال والشبان؛ لأن في ذلك كسر قلوبهم.
والأول أصح.
ويكره أن يقصد قتل ذي رحم من أهل البغي؛ كما في قتال أهل الحرب، فإن النبي - ﷺ - كف أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه يوم بدرٍ، وكف أبا بكر عن قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحدٍ.
فإن قاتله قريبه لم يكره؛ كما إذا قصد قتله في غير القتال.
فصلٌ: فيما لو استعان أهل البغي بأهل الحرب
ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب على قتال أهل العدل، أو عقدوا لهم أمانًا أو ذمة على المعاونة-: لا ينعقد؛ [لأن من شرط الذمة والأمان ألا يقاتلوا المسلمين؛ فلا ينعقد] على شرط القتال، ويجوز لأهل العدل قتل أهل الحرب مقبلين ومدبرين واسترقاقهم بعدما وقعوا في السر وقبله، وهل ينعقد لهم الأمان في حق أهل البغي؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح: ينعقد؛ لأن أهل البغي في أمانٍ منهم؛ فعلى هذا: لا يجوز لأهل البغي قتلهم واسترقاقهم، ويبلغون المأمن.
والثاني: لا ينعقد؛ لأن الأمان على قتال أهل الإسلام لا يصح؛ كما في قتال أهل العدل؛ فعلى هذا: لا يجوز لأهل البغي أن يكروا عليهم فيقتلوهم ويسترقوهم، إلا أن يكونوا جاهلين بأنه لا يحل لهم إعانة المسلمين بعضهم على بعض؛ فيبلغون المأمن.
وكذلك في حق أهل العدل، إذا قالوا ظننا أنه يحل لنا إعانة بعض المسلمين على بعض.
أو قالوا: ظننا أنهم يستعينون بنا على قتال أهل الكفر؛ فليس لأهل العدل قتلهم مدبرين واسترقاقهم، بل يبلغون المأمن.
قال الشيخ - ﵀-: وما أتلف الحربي على أهل العدل-: لا يجب ضمانه، وما اتلفوا على أهل البغي؛ عن جعلناهم في أمان منهم-: ضمنوا؛ وإلا فلا.
ولو استعان أهل البغي بأهل الذمة - نُظر:
[ ٧ / ٢٨٤ ]
إن كان أهل الذمة عالمين بأنهم يستعينون بهم على قتال المسلمين، وأنه لا يجوز لهم ذلك-: صاروا ناقضين للعهد.
وإن قالوا: كنا مكرهين-: يقبل قولهم، ولا ينقض عهدهم.
وإن قالوا: ظننا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على قتال بعض - نُظر:
إن كان الإمام شرط عليهم في عقد الذمة الكف عن قتال المسلمين -: صاروا ناقضين للعهد، وإن لم يشرط-: فعلى قولين:
أحدهما: لا ينتقض عهدهم، للجهل.
والثاني: ينتقض؛ لأن مقتضى عقد الذمة الكف عن القتال، فحيث قلنا: صاروا ناقضين للعهد -: انتقض أمانهم في حق أهل العدل والبغي جميعًا.
ولا يجب [عليهم] ضمانُ ما أتلفوا من نفس أو مالٍ؛ كأهل الحرب، وماذا يفعل بهم؟ فيه قولان:
أحدهما: يبلغون المأمن.
والثاني: يقتلون أو يسترقون، فعلى هذا: يجوز في القتال قتلهم مدبرين.
وإن قلنا: لا ينتقض عهدهم -: لا يتبع مدبرهم، ولا يُذفف على جريحهم؛ كأهل البغي، غير أنهم لو أتلفوا مالًا أو نفسًا على أهل العدل -: يجب عليهم ضمان الكل؛ بخلاف أهل البغي: لا يجب عليهم ضمان ما أتلفوا في قول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩].
والعدلُ: هو التسوية ولا تسوية بين المسلم والكافر، ولأن في تضمين أهل البغي تنفيرهم عن الدخول في الطاعة، فأسقطنا عليهم الضمان، ترغيبًا لهم في الدخول في طاعة الإمام؛ بخلاف أهل الصذمة: فإنا قد أمناهم على هذا القول؛ فلا يخاف بقاؤهم على الثغور، وإن استعانوا بمن لهم أمانٌ على مدة انتقض أمانهم، فإن ادعوا أنهم كانوا مكرهين: فإن أقاموا عليه بينةً -: فهم على العهد، وإن لم يقيموا بينة على الإكراه-: انتقض أمانهم قولًا واحدًا؛ بخلاف أهل الذمة؛ لأن الأمان المؤقت ينتقض بخوف الخيانة، فانتقض بالمعاونة، وعقد الذمة لا ينتقض بخوف الخيانة؛ فلا ينتقض بالمعاونة.
ولا يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال أهل البغي؛ لما فيه من تسليط الكفار على أهل الإسلام؛ وكذلك؛ لا يجوز أن يتخذ جلادًا كافرًا لإقامة الحدود على
[ ٧ / ٢٨٥ ]
المسلمين، ولا لمن له القود على مسلم أن يوكل كافرًا باستيفائه.
أما إذا استعان بالمشركين على قتال أهل الشر -: يجوز إذا كان بالمسلمين قوة، بحيث لو انضم المستعان بهم إلى أهل الحرب-: قاومهم الإمام، ثم بعد انقضاء الحرب: يبلغون المأمن، فإن لم يكن بالمسلمين تلك القوة-: لا يجوز أن يستعين بهم، ولا يجوز للإمام أن يستعين على قتال أهل البغي بمن يرى قتلهم مدبرين.
قيل: أراد به أعداءهم.
وقيل: أراد به من يجوز قتل أهل البغي بعد الانهزام وقتل أسراهم؛ فلا يستعين بهم على قتالهم إلا أن يكون للإمام قوة ونجدة يعلم أنه يقدر على منعهم من أهل البغي، فإذا ولوا مدبرين ولا يجد من يقوم مقامهم في القتال حينئذٍ: يجوز أن يستعين بهم، وإذا اقتتل فئتان من أهل البغي-: لا يعين الإمام إحداهما على الأخرى، إلا أن تدخل أحداهما في طاعته، فيعينهم على الأخرى.
هذا إذا كان الإمام يقدر على قهر كل واحدة منهما، فإن لم يقدر على قهرهما، ولم يأمن أن يجتمعا على قتاله-: ضم أقربهما إلى الحق إلى نفسه، فاستعان بهم على الأخرى، وإن استويا-: اجتهد رأيه فيهما، ولا يقصد به معاونة أحداهما على الأخرى، بل يقصد الاستعانة بها على الأخرى، فإذا انهزمت الأخرى لم يقاتل الذي ضمه إلى نفسه حتى يُدعوا إلى الطاعة؛ لأنها دخلت في أمانة بالاستعانة.
ولا يجوز للإمام أن يفعل بأهل البغي ما فيه استئصالهم من الرمي بالنار، والمنجنيق، والتغريق، بخلاف أهل الحرب؛ إلا أن يفعله أهل البغي، أو يحيطوا بأهل العدل؛ بحيث يخاف استئصال أهل العدل؛ فيجوز أن يفعل بهم ذلك، دفعًا عن أهل العدل.
فصلٌ: فيما لو أخذوا صدقات البلد وأقاموا الحدود
ولو أن أهل البغي غلبوا على بلدٍ، فأخذوا صدقات أهلها، وخراج أراضيها، وجزية أهل الذمة فيها، وأقاموا الحدود، ثم ظهر عليهم الإمام-: كان ما أخذوا منهم محسوبًا، ولا شيء عليهم؛ فإن عليًا - ﵇ - قاتل أهل البصرة، ولم يتبع ما أخذوه؛ ولأنهم فعلوه بتأويل محتمل، كالقاضي إذا قضى بالاجتهاد-: لا ينقضه غيره بالاجتهاد، وإذا عاد البلد إلى أهل العدل، فادعى من عليه الزكاة دفعها إلى أهل البغي-: فالقول قوله مع يمينه، واليمين مستحبة أم واجبة؟ فيه وجهان.
وإن ادعى واحدٌ من أهل الذمة دفع الجزية إليهم-: لا يقبل إلا بحجة؛ كمستأجر الدار: إذا ادعى أداء الأجرة: لا يقبل قوله إلا ببينة.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
وإن ادعى من عليه الخراج أداءه إليهم، هل يقبل قوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يُقبل؛ لأنه مسلمٌ، كما لو ادعى أداء الزكاة.
والثاني: وهو الأصح-: لا يقبل؛ لأن الخراج ثمنٌ أو أجرة-: فلا يقبل قول من عليه في الدفع بغير حجة؛ كثمن المبيع وأجرة الدار.
ولو نصب أهل البغي قاضيًا في بلدٍ - نظر:
إن كان ممن يستبيح دماء أهل العدل، وأموالهم-: لم يُنفذ حكمه؛ لأن من شرط القضاء العدالة، وهذا ليس بعدلٍ، وإن كان لا يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم-: نفذ حكمه فيما ينفذ فيه حكم قاضي أهل العدل، فإن حكم بما يخالف نص كتاب أو سنةٍ أو إجماع أو قياس جلي-: فهو مردودٌ، حتى لو وقع واحدٌ من أهل العدل في أسرهم، فقضى قاضيهم عليه بضمانٍ [ما أتلف في الحرب-: لا ينفذ قضاؤه.
وكذلك: لو حكم بسقوط ضمان] ما أتلفوا في غير حال القتال-: يُرد حكمه، وإن حكم بسقوط ضمان ما اتلفوا في حال القتال: نفذ حكمه.
وإن كتب قاضيهم على قاضي أهل العدل-: يستحب أن يرده؛ استهانة وكسرًا لقلوبهم، فلو قبله ونفذه-: جاز.
ولو سمع قاضيهم شهادة، ولم يحكم، فكتب إلى قاضي أهل العدل-: هل يحكم؟ فيه قولان:
أحدهما: يحكم؛ كما ينفذ القضاء المبرم.
والثاني: لا؛ لأنه إنشاء حكم على خلاف عقيدته؛ بخلاف الحكم المبرم؛ كالحنفي إذا قضى بالشفعة للجار، أو بانقطاع الرجعة في لفظ البينونة، وكتب على قاضٍ شفعواي -: نفذه، ولو نقل الشهادة-: لايحكم.
وتقبل شهادة شاهد أهل البغي، كما ينفذ قضاء قاضيهم، فلو وقع في أيدي أهل البغي أسرى من أهل العدل، وطلبوا الصلح من أهل العدل، والحرب قائمة، وضمنوا تخلية من عندهم من الأسارى، وأعطوا بذلك رهائن:
قال الشافعي - ﵁-: قبلت الرهائن، واستوثقت للمسلمين، ثم ينظر: ن أطلقوا من في أيديهم من الأسارى-: أطلقنا أسراهم، فإن قتلوا الأسرى-: لم تقتل أسراهم؛ لأن القاتل غيرهم، ثم إن كانت الحرب قائمة-: لا نطلقهم، فإذا انقضت أطلقناهم؛ كسائر الأسارى، والله أعلم.
[ ٧ / ٢٨٧ ]
ولو أمن واحدٌ من أهل العدل رجلًا من أهل البغي-: نفذ أمانه، سواء كان العدلي رجلًا أو امرأة، حرًا أو عبدًا؛ كأمان الحربي.
وحُكمُ دارِ البغي حكم دار الإسلام، حتى تقام فيها الحدود.
ولو امتنع أهل البغي بدارهم، وفعلوا فيها ما يوجب الحد: فإذ ظهر الإمام عليهم-: أقام الحد.
وعند أبي حنيفة: لا حد، وعنده حكم دار البغي حُكمُ دار الحرب.
باب حكم المرتد
رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله - ﷺ - قال:"من بدل دينه، فاقتلوه".
إذا ارتد [مسلمٌ] مكلفٌ عن الإسلام، إلى أي دينٍ كان، من دين أهل الكتاب، أو من دين أهل الأوثان، أو إلى الزندقة، والتعطيل-: يجب قتله، رجلًا كان أو امرأة، حرًا كان أو عبدًا، وسواءٌ كان مسلمًا أصليًا فارتد، أو كان كافرًا فأسلم، ثم ارتد.
وقال أبو حنيفة: لا تقتل المرأة بالردة، بل تحبس، وتضرب على أن تموت أو تُسلم.
والخبر حجةٌ عليه؛ ولأن من تقتل بالزنا بعد الإحصان-: تقتل بالكفر بعد الإيمان؛ كالرجل.
يستتاب المرتد، وهل تجب استتابته أم تستحب؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ لعله يتوب.
والثاني: يستحب؛ لأنه عرف الإسلام.
فإن قلنا: يجب أو يستحب، فهل يمهل ثلاثًا؟ فيه قولان:
أصحهما: يستتاب، فإن لم يتب قتل في الحال؛ لما رُوي عن جابر، أن امرأة يُقال لها أم رومان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي - ﷺ - أن تُستتاب فن تابت وإلا قتلت".
والثاني: يمهل ثلاثًا، وهو قول مالك وأحمد - ﵄ - لما روي؛ "أن رجلًا
[ ٧ / ٢٨٨ ]
قدم على عمر بن الخطاب - ﵁- من قبل أبي موسى الأشعري، فسأل هل كان فيكم من مغربة خبر؟ فقال: نعم، رجلٌ كفر بعد إسلامه قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه، فضربنا عنقه، فقال: هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًان واستتبتموه لعله يتوب، اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني".
وعلى الأقوال كلها: لو قتله قاتلٌ قبل الاستتابة-: لا ضمان عليه، ولا كفارة.
وإذا عاد المرتد إلى الإسلام-: يسقط عنه القتل؛ سواء أكانت ردته إلى كفر ظاهر، أو إلى كفر يستتر مثلُ: كفر الباطنية، وسواء أكان مولودًا على الإسلام، فارتد ثم أسلم، أو كان كافرًا أصليًا، فارتد بعدما أسلم ثم أسلم، وكذلك: الكافر الأصلي إذا أسلم-: يصح إسلامه، وتسقط عنه عقوبة الكفر؛ سواءٌ أسلم عن كفر ظاهر أو كفر باطن لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقال مالك وأبو يوسف: من تاب عن كفر يستتر -: لا تقبل توبته.
وقال الشيخ القفال الشاشي - ﵀-: إن كان داعيًا إلى كفر الباطنية-: لا تقبل توبته.
وكان أبو إسحاق الإسفراييني - ﵀- يقول: إن جاء تائبًا ابتداءً -: تقبل توبته، وإن تاب بعدما أخذ ليقتل-: لاتقبل.
ولو ارتد، ثم أسلم، ثم ارتد، ثم أسلم-: قُبِلَ إسلامه، وإن تكرر ذل منه مرارًا، غير أنه إذا ارتد ثانيًا، ثم أسلم-: يعزر في الثانية، وما بعدها؛ لأنه يجوز أن يكون له شبهة في الأولى، فإذا عاد عُزر على تهاونه بالدين.
وقال أبو حنيفة: يُحبس في الثانية تعزيرًا.
وقال أبو إسحاق: إذا ارتد ثانيًا، ثم أسلم-: لا تقبل منه.
والمذهب: أنه يقبل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
فصلٌ: في حكم مال المرتد
من ارتد، وله مال-: هل يزول ملكه بالردة؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يزول ملكه، فإذا أسلم: يعود ملكه؛ لأنه بالإسلام عصم دمه وماله، فإذا زال
[ ٧ / ٢٨٩ ]
بالردة الإسلام [زال عصمة دمه، وكذلك، عصمة ماله؛ ولأنه أحد الملكين؛ فيزول بالردة، كملك النكاح.
والثاني: لا يزول ملكه، وهو اختيار المزني، لأن الكفر لا ينافي الملك؛ كالكفر الأصلي، ولأن إباحة الدم لا توجب زوال الملك؛ ما لو زنى، وهو محصنٌ: [جاز] قتله، ولا يزول ملكه.
والثالث - وهو الأصح-: يكون موقوفًا: فإن مات، أو قُتل في الردة-: بان أن ملكه كان زائلًا بالردة، وإن عاد إلى الإسلام-: بان أنه لم يزل ملكه.
وكذلك: الأقوال الثلاثة في حصول الملك له ابتداء بالاحتطاب والاصطياد.
فإن قلنا: مله باقٍ -: حجر عليه، أو قلنا: موقوفٌ: فالقاضي يحفظ عليه ماله، ويؤاجر عبيده، وينفق عليه من كسبهم، وإن رأى بيع الحيوان دفعًا لمؤنة النفقة-: فعل.
وعلى الأقوال كلها: لا يعتق بالردة مدبرة وأم ولده؛ لأن عتق المدبر معلقُ بالموت، وعتق أم الولد متعلق باليأس عن الاستفراش، ولم يوجد واحدٌ منهما.
وعلى الأقوال كلها: يقضي من ماله ديونه التي لزمته قبل الردة، ونفقة زوجته التي لزمت قبل الردة، حتى لو مات أو قُتل في الردة-: يقضي من تركته هذه الحقوق، وإذا كان ببعض الديون رهنٌ-: لا ينفك الرهن، كما لو مات في غير الردة، فكذلك: ما يلزم من الديون بعد الردة من ضمان المتلفات وأروش الجنايات ونفقة الزوجة إلى يوم نكاحها، ونفقة الأقارب -: تؤدي من ماله؛ كما لو حفر بئرًا عدوانًا، ثم مات، فوقع فيها شيءٌ، فهلك-: يؤخذ الضمان من ماله، وإن زال ملكه بالموت.
ولو قتل المرتد إنسانًا-: يجب عليه القصاص، ويقدم قتل القصاص؛ لأنه حق الآدمي، ومبناه على الشح، فلو عجل الإمام فقتله عن الردة، أو مات المرتد، أو عفى المجني عليه عنه على الدية-: تؤخذ دية القتيل من ماله، وإن كان قتله خطأ-: تؤخذ الدية من ماله في ثلاث سنين، فإن مات أو قتل-: فالردة تؤخذ من تركته عاجلًا؛ لأن الآجل يسقط بموت من عليه الدين.
وقال الإصطخري: إذا قلنا ملكه زائلٌ-: لا يجب ضمان ما أتلف بعد الردة ولا نفقة الزوجة والقريب، ابتداء.
الأول المذهب: أنها تجب على الأقوال كلها.
وفائدة هذه الأقوال: تبين في تصرفاته: فإن تصرف المرتد في ماله ببيع أو شراء أو
[ ٧ / ٢٩٠ ]
هبةٍ أو صدقةٍ أو عتقٍ أو كتابةٍ أو تدبير أو وصيةٍ-: هل ينفذُ أم لا؟
إن قلنا: ملكه زائل-: لا يصح شيءٌ منها؛ لأنه يصير محجورًا عليه بنفس الردة.
وإن قلنا: ملكه باقٍ-: فلا يصير محجورًا عليه، حتى يحجر عليه القاضي، فقبل الحجر: تنفذ تصرفاته، [وبعد الحجر: هل تنفذ]؟ هذا مبنى على أن حجره حجر السفه، أو حجر الإفلاس؟ وفيه وجهان:
أحدهما: حجر السفه؛ لأن الردة أعظم أنواع السفه.
والثاني- وهو الأصح-: حجره حجر الإفلاس؛ لأنه تعلق بماله حق المسلمين؛ كما تعلق حق الغرماء بمال المفلس.
فإن قلنا: حجره حجر سفه - فلا تنفذ تصرفاته؛ كما لا تنفذ تصرفاته السفيه، وإذا أقر بدين، عليه لا يقبل.
وإن قلنا: حجره حجر الإفلاس: ففي تصرفاته قولان:
أحدهما: باطلٌ.
والثاني: موقوفٌ: فإن أسلم-: بان أنه وقع صحيحًا، وإن أقر بدين-: ففيه قولان:
أحدهما: يقبل.
والثاني: إن أسلم قُبِلَ؛ وإلا فلا.
وإن قلنا: ملك المرتد موقوفٌ، فكل تصرف يقبل الوقف؛ كالعتق] والتدبير، والوصية-: يكون موقوفًا: فإن ألم نفذ، وإن مات أو قُتِلَ في الردة-: فباطل.
أما بيعه وهبته وكتابته -: فعلى قولي وقف العقود.
في الجديد: لا يصح.
وفي القديم: توقف: فإن أسلم صح؛ وإلا فلا.
وعند أبي حنيفة: تصرف المرتد موقوفٌ-: فإن أسلم جاز، وإن التحق بدار الحرب أو قتل في الردة-: فباطل.
وتصرف المرتد عنده جائز.
وعند أبي يوسف تصرف المرتد نافذٌ.
[ ٧ / ٢٩١ ]
وقال صاحب "التلخيص": تصرفات المرتد على ثلاثة أقوال:
أحدها: جائزة.
والثاني: باطلة.
والثالث: موقوفة: فإن أسلم جازت؛ وإلا فلا، إلا في مسألة واحدةٍ، وهي الخلع؛ فإنه موقوفٌ: فإن أسلم في العدة جاز؛ وإلا بطل، والأمر كما قال، فإن المرتد إذا خالع زوجته نتوقف: فإن جمعهما الإسلام صح الخلع بالمسمى؛ وإلا كان باطلًا؛ لأن المقصود منه الطلاق الذي يقبلُ التعليق بالحر؛ ألا ترى أن رجلًا لو قال لامرأته: متى أعطيتني ألفًا، فأنت طالقٌ، فأعطت-: طُلقت، وملك الزوج الألف، فهو كما لو طلق امرأته-: يتوقف؛ فإن جمعهما الإسلام-: وقع؛ وإلا فلا.
ولا يصح نكاح المرتد قولًا واحدًا، سواءٌ تزوج بنفسه، أو زوج غيره، وسواءٌ نكح مسلمةً أو كافرةً؛ لأنه لا يقر على دينه، والنكاح يراد للدوام، وقيل: إذا قلنا: ملكه لا يزول، ولم يكن حجر عليه السلطان-: يجوز له تزويج أمته؛ كما تصرف في ماله؛ وليس بقوي.
ولو ارتد، وعليه دينٌ مؤجل.
إن قلنا: زال ملكه-: حل الأجل؛ كما لو مات.
ولو قلنا: موقوفٌ: فإن عاد إلى الإسلام-: بان أنه لم يحل، وإن مات أو قتل-: بان أنه قد حل بالردة، فيقضي من ماله.
وإن قلنا: لا يزول ملكه وحجر عليه، فإن قلنا: حجره حجرُ السفه: لا يحل الأجل، وإن قلنا حجر الفلس -: فعلى قولين؛ كدين المفلس، وإذا استولد المرتد جاريته: إن قلنا: ملكه باقٍ-: فهو نافذٌ، وإن قلنا: زائلٌ-: فلا ينفذ، فإذا أسلم-: هل ينفذ، فعلى قولين، كالمشتري إذا أجل المشتراة في زمان الخيار، وقلنا: الملك للبائع لا ينفذ، فإذا تم البيع-: ففيه قولان.
وإن قلنا: الملك موقوف-: فإن لم يعد إلى الإسلام-: لم ينفذ، وإن أسلم-: نفذ، وإذا التحق المرتد بدار الحرب-: لا يسترق، ولا يسبى أطفاله؛ وكذلك المرتدة؛ فلا تُسبى؛ لأن المرتدة لا يجوز تقريرها على الكفر، وحكم الردة لا يثبت في الأولاد حتى لو ارتدت [المرأة] وهي حاملٌ-: لا يحكم بردة الولد، ولو خرج فبلغ، وأعرب عن الكفر-: يكون مرتدًا بنفسه، فيقتل.
[ ٧ / ٢٩٢ ]
وعند أبي حنيفة: المرتدة، إذا التحقت بدار الحرب-: [تسترق، والمرتد إذا التحق بدار الحرب]-: تسبى أطفاله، ويكون كموته حتى يورث ماله، ويعتق مدبره وأم ولده عنده، فإذا عاد يُرد إليه ماله، ولا يرد العتق.
أما إذا حدث الولد في حال الردة، وانفصل في الردة - نظر:
إن كان أحد الأبوين مسلمًا، والآخر مرتدًا-: فالولد له محكومٌ بالإسلام؛ كالمتولد بين المسلمين.
وإن كان الأبوان مرتدين-: ففي الولد قولان.
واختلف أصحابنا في كيفية القولين.
منهم من قال: أحد القولين: أنه كافر أصلي؛ كولد الحربيين؛ لأنه متولد بين كافرين، ولم يباشر الردة، حتى يجعل مرتدًا.
والقول الثاني: يحكم له بالردة؛ لأنه يحكم للولد بحكم الأبوين، غير أنه لا يقتل، ما لم يبلغ، فإذا بلغ يُستتاب، فإن لم يتب قتل.
ومنهم من قال: لا يجعل مرتدًا قولًا واحدًا، بل فيه قولان:
أصحهما: وهو الذي ذكره صاحب "التلخيص"-: أن الولد مسلمٌ؛ لأن حرمة الإسلام باقية في المرتد، ولذلك: لا يقر بالجزية، ويطالب بأحكام الإسلام من الصلاة وغيرها؛ فعلى هذا: إذا بلغ، وأعرب عن الكفر-: يجعل مرتدًا، ويقتل، وله حكم المسلمين في حال الصغر، حتى يجري التوارث بينه وبين أقاربه المسلمين، ويجوز إعتاقه عن الكفارة، إن كان عبدًا.
والقول الثاني: هو كافرٌ أصلي؛ لأنه متولد من كافرين، [كالمتولد بين كافرين] أصليين؛ فعلى هذا: إذا بلغ الولد، ولم يسلم-: يلتحق بالمأمن، ولا يجوز تقريره بالجزية؛ لأنه ليس له حرمة الكتاب.
وإذا وقع في الأسر -: يجوز للإمام أن يمن عليه، وأن يفاديه ويجوز استرقاقه، والهدنة معه، بخلاف الأبوين: لا يقران بالاسترقاق، والهدنة؛ لتركهما الإسلام بعد الإقرار به.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
وقال أبو حنيفة: إن ولد في دار الإسلام-: لا يسترق، وإن ولد في دار الحرب-: يسترق، وإن كان أحد الأبوين كافرًا أصليًا والآخر مرتدًا.
قال الشيخ﵀-: إن قلنا: إذا كان الأبوان مرتدين: يكون الولد مسلمًا، فههنا: الولد يكون مسلمًا؛ كما لو كان أحد الأبوين مسلمًا.
وإن قلنا هناك: يكون الولد مرتدًا أو كافرًا أصليًا فههنا: يكون الولد كافرًا أصليًا؛ يجوز تقريره بالجزية، إذا كان الأصلي ممن يُقر بالجزية؛ كما لو كان أحد الأبوين مجوسيًا، والآخر وثنيًا-: يجوز تقرير الولد بالجزية؛ اعتبارًا بخير الأبوين وإذا كان الأصلي كتابيًا: تكون ديته دية أهل الكتاب؛ لأن الاعتبار في الدية بخير الوالدين.
وإن كان الأب كتابيًا، والأم مرتدة، هل تحل ذبيحته ومنكاحته؛ فعلى قولين، كما لو كان الأب كتابيًا والأم وثنية.
ولو أن ذميًا أو مستأمنًا نقض العهد، والتحق بدار الحرب، وترك- عندنا - أولادًا لا تُسبى أولاده، وإن مات الأبُ.
فإن بلغ الأولاد، وقبلوا جزية آبائهم-: تركوا، وإن لم يقبلوا-: لا يُكرهوا عليه، بل يبلغون المأمن، وعند أبي حنيفة﵀-: يُكرهون على قبول الجزية.
فصلٌ: في حكم السكران
حُكم السكران حكم الصاحي فيما لو وعليه؛ هذا هو المذهب، حتى لو ارتد في حال سكره، أو أقر به-: يجب عليه القتل، ولو زنى أو أقر به-: يجب عليه الحد، ولكن لا يُقتل، ولا يحد حتى يفيق فيعرض عليه الإسلام، إذا كان قد ارتد.
وهل تصح استتابته في السكر؟:
قيل: تصحُّ؛ كما تصح ردته، ويستحب أن يؤخر.
وقيل: لا تصح، ويؤخر؛ لأن شبهته لا تزول في السكران، فلو قتله رجل فيحال سكره-: لاشيء على عاقلته، ولو عاد إلى الإسلام في حال سكره-: يصح إسلامه، فلو قتله رجل بعده-: يجب عليه القود، إلا على قول من يقول: قول السكران صحيحٌ فيما عليه دون ماله؛ فحينئذٍ: لايصح إسلامه في السكر.
ولنا قول أنه لا حكم لقول السكران، فلا تصح ردته، ولا إسلامه؛ فعلى هذا: لو ارتد
[ ٧ / ٢٩٤ ]
في حال سكره، فقتله قاتلُ-: يجب عليه القود، وقيل: لاقود عليه للشبهة، وتجب الدية.
والأول المذهب: أنه كالصاحي.
وقد قال الشافعي -﵁- في"الأم": لو ارتد، وهو مفيق، ثم شرب، فسكر، فأسلم، وهو سكران: صح، ولا أطلقه، حتى يفيق فأعرض عليه الإسلام، فإن قبل؛ وإلا قتلته.
أما ما كان من حقوق العباد؛ من قصاص، أو حد قذف: يقام عليه في حال السكر، إذا طلب صاحبه، سواءٌ ثبت عليه ببينة أو بإقراره في حال الإفاقة، أو في حال السكر، إذا طلب صاحبه، سواءٌ ثبت عليه ببينة أو بإقراره في حال الإفاقة، أو في حال السكر، وكذلك: الحقوق المالية لله تعالى أو للعباد، إذا لزمته، أو أقر بها في حال الإفاقة، أو في حال السكر: يستوفي إلا على القول البعيد الذي يقول: لا حكم لقول السكران، فما أقر به في حال السكر -: لا يلزمه.
ولو ارتد رجل، أو أقر على نفسه بالزنا، ثم جُن-: لا يقتل، ولا يقام عليه الحد؛ لأنه قد يسلم، فيسقط عنه قتل الردة، ويرجع عن إقراره بالزنا، فيسقط حد الزنا؛ بخلاف ما لو أقر على نفسه بقصاص، أوحد قذف، ثم جن-: يستوفي منه في جنونه؛ لأنه لا يسقط بالرجوع، ولو قامت عليه بينة بالردة، فجُن-: لا تقبل في جنونه، ولو قامت عليه بينة بالزنا فجن-: يحد لأن قتل الردة يسقط بالإسلام، وقتل الزنا إذا ثبت بالبينة-: لايسقط إلا على قول من يقول: يسقط بالتوبة؛ فلا يقام في حال الجنون.
قال الشيخ - ﵀-: وهذا كله على طريق الاحتياط، فلو قتل في حال الجنون، أو أقيم عليه الحد، فمات-: لا يجب [عليه] شيء.
فصلٌ: فيمن يقتل المرتد
قتل المرتد يكون إلا الإمام، فلو قتله غيره بغير أمره-: يعزر؛ لتفويته على الإمام، ولا قود عليه ولا دية، ولا كفارة؛ لأن قتله مباح، ودمه هدرٌ.
ولو ارتدت جماعةٌ، وامتنعت بمنعه-: يجب على الإمام أن يقاتلهم؛ كما قاتل أبو بكر -﵁- ويبدأ بقتالهم على قتال غيرهم من الكفار؛ لقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]؛ وكذلك: فعل أبو بكر - ﵁- لأن جنايتهم أغلظ؛ لأنهم أنكروا بعد الاعتراف؛ ولذلك: لا يُقرون على كفرهم لا باسترقاق، ولا جزية، ولا هدنة، وهم أهدى إلى عورات المسلمين، ويتبع في القتال مدبرهم، ويُزفف
[ ٧ / ٢٩٥ ]
على جريحهم، ثم من ظفر به منهم يستتيبه: فإن تاب وألا قتل، وفي الإمهال ثلاثًا قولان.
وما أتلف المسلمون عليهم في حال القتال من نفس ومالٍ-: لا يجب ضمانه.
أما ما أتلف أهل الردة على المسلمين في حال القتال-: هل يجب عليهم ضمانه؟ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه قولان؛ كما في أهل البغي.
ومنهم من قال: هذا يرتب على أهل البغي: إن قلنا هناك: يجب الضمان -: فههنا أولى، وإن قلنا هناك: لا يجب الضمان-: فههنا قولان
أصحهما: وهو اختيار المزني -:يجب الضمان؛ لأنهم جنوا على الإسلام بلا تأويل، وكذلك: لا ينفذ قضاء قاضيهم؛ فهم كقطاع الطريق بخلاف البغاة.
ومنهم من عكس الترتيب، فقال إن قلنا هناك: لا يجب الضمان فههنا: أولى؛ وإلا فقولان.
والفرق: أن أهل الردة كفار؛ فلا يجب عليهم ضمان ما أتلفوا في القتال؛ كأهل الحرب، وروي أن أبا بكر قال لقوم من أهل الردة، [جاءوا تائبين]: "تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم" فقال عمر - ﵁-"لا نأخذ لقتلانا دية" فيحتمل قول عمر - ﵁-: لا نأخذ لقتلانا دية أي: لا يجب، أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى غليه اجتهاد أبي بكر، ويحتمل أن يكون رأيه موافقًا لرأي أبي بكر، غير أنه قال: لا نأخذ؛ استمالة لقلوبهم، وترغيبًا لهم في الإسلام.
أما ما أتلف بعضهم على بعض في غير حال القتال من المال-: يجب ضمانه، أما النفس-: فلا يجب على المسلم ضمان بقتل المرتد، ويجب على المرتد القصاص بقتل المسلم.
فلو قال المرتد: ناظروني واكشفوا عني وعن حجتي-: لا يناظر؛ لأن حجة الإسلام ظاهرة؛ فلا يجحدها إلا متعنت.
وقيل: يناظر.
فصل: فيما يصير به الكافر مسلمًا
رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى
[ ٧ / ٢٩٦ ]
يقولوا: "لا إله إلا الله" فمن قال: "لا إله إلا الله"-: عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله".
إذا أسلم كافرٌ أو تاب مرتد-: شرط الشافعي -﵁- أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويتبرأ من كل دين يخالف الإسلام.
وذكر في موضع: أنه إذا أتى بالشهادتين-: حكم بإسلامه:
وذلك يختلف باختلاف عقائدهم: فإن كان الكافر وثنيًا أو ثنويًا، لا يقر بالوحدانية: فإذا قال: "لا إله إلا الله"-: يحكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول سائر الأحكام؛ وفيهم: قال النبي - ﷺ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: "لا إله إلا الله".
والتبرؤ عن كل دين يخالف الإسلام مع الإتيان بالشهادتين-: مستحب في حق هذا.
وإن كان يقر بالوحدانية غير أنه ينكر رسالة محمد - ﷺفلا يحكم بإسلامه، بمجرد كلمة التوحيد، حتى يقول: محمد رسول الله"، فإذا قال-: يحكم بإسلامه، إلا أن يكون من الذين يقولون: "محمد مبعوث إلى العرب خاصة"، أو يقول: "إن محمدًا نبي سيبعث بعد هذا غير هذا" فحينئذٍ: لا يحكم بإسلامه، حتى يقول: "محمد رسول الله بعثه إلى كافة الخلق"، أو يتبرأ من كل دين خالف الإسلام.
ويستحب أن يمتحن بالإيمان بالبعث كل كافر يسلم، وإن كانت ردته بجحود فرض، أو استباحة محرم-: فلا يصح إسلامه، حتى يأتي بالشهادتين، ويرجع عما اعتقده؛ لأنه كذب الله تعالى ورسوله بما اعتقده.
ولو قال الكافر: أنا ولي محمد، أو: أنا أحب محمدًا-: لا يكون إسلامًا؛ لأنه يحبه للخصال الحميدة التي كانت فيه؛ وكذلك: لو قال: أنا مثلكم، أو: أنا مؤمن، أو: مسلم، أو: أسلمت، أو: آمنت: لا يحكم بإسلامه؛ لأنه يريد: أنا بشر مثلكم، أو: أنا مؤمن بموسى أو بعيسى، أو أنا مسلم، أي: منقاد.
ولو قال: أنا من أمة محمد، أو دينكم حق يحكم بإسلامه، ولو أقر بركن من أركان الإسلام على خلاف عقيدته؛ مثل إن أقر بفرضية الصلوات الخمس، أو بفرضية واحدة منها، أو بتحريم الخمر والخنزير، وكان يعتقد إباحتها-: يحكم بإسلامه؛ لأن المسلم لو جحده-: يكفر، ثم إذا حكمنا بإسلامه-: يجبر على قبول سائر الأحكام، فإن لم يقبل-: قُتل؛ كالمرتد.
[ ٧ / ٢٩٧ ]
وجملته: أن ما كان من شرائع الإسلام، ويصير به المسلم كافرًا إذا جحده-: يصير الكافر به مسلمًا، إذا اعتقده، وإذا أقر اليهودي برسالة عيسى في قول-: يجبر على الإسلام؛ لأن المسلم لو جحده-: يكفر، ولو أن مسلمًا جحد رسالة واحدٍ من الأنبياء، أو كذب بآية من القرآن، أو أنكر فرضية ركعة من الصلوات المس، أو فرضية ركن من أركان الإسلام، أو استحل شيئًا من محارم الشرع مما اجتمعت عليه الأمة-: يكفر.
ولو أكره كافرٌ على كلمة الإسلام، فتكلم نظر:
إن كان الكافر حربيًا أو مرتدًا-: يحكم بإسلامه؛ لأنا نقتلهم على الكفر، ولا إكراه فوق القتل، وإن كان ذميًا-: ففيه وجهان:
أحدهما: يحكم بإسلامه؛ لأن الإسلام فرض عليه؛ كالحربي.
والثاني: وهو الأصح-: لا يحكم بإسلامه؛ لأن المكره غير محق في إكراهه، فإن علينا ألا نتعرض له في دينه بعد بذل الجزية؛ كما [لو أكره إنسانٌ على الطلاق، فطلق -: لا يقع].
ولو أكره مسلم حتى تكلم بكلمة الكفر-: لا يحكم بكفره؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
ويجوز له أن يتكلم بكلمة الكفر، إذا أكره عليه، ولكن الأفضل ألا يتكلم؛ لما رُوي عن خباب بن الأرت؛ أن النبي ﷺ - قال: "كان الرجل ممن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنين، وما يصده عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب وما يصده ذلك عن دينه".
ومن أصابنا من قال: إن كان ممن يرجو-: من نفسه النكاية في العدو، والقيام بأحكام الشرع-: فالأفضل أن يتلفظ به؛ ليدفع القتل عن نفسه؛ لما في بقائه من صلاح المسلمين، وإن كان لا يرجو ذلك-: فالأفضل أن يختار القتل.
ولو شهد شاهدان على رجل بالردة، فأنكر المشهود عليه، وقال: أنا مسلمٌ -: لا يقنع منه بهذا، حتى يقر بما يصير به الكافر مسلمًا؛ بخلافه ما لو شهد أربعة على رجل أنه قد أقر بالزنا، فأنكر المشهود عليه-: لا يحد؛ لأنه إذا رجع عن إقراره بالزنا-: يسقط عنه الحد،
[ ٧ / ٢٩٨ ]
وإنكاره رجوع عن إقراره، وقيل: المرتد لا سقط بقوله: "رجعت"، فلم يسقط بالإنكار بعد شهادة الشهود.
فلو ادعى المشهود عليه؛ أني كنت مكرهًا على التلفظ بكلمة الكفر - نظر.
إن كان أسيرًا في أيدي الكفار-: يقبل قوله مع يمينه، وإن كان مخلي-: لا يقبل قوله، سواء كان في دار الإسلام، أو في دار الحرب.
ولو دخل مسلم دار الحرب، فكان يأكل معهم لحمر الخنزير، ويشرب الخمر، ويعم آلهتهم-: لا يحكم بكفره، فإن كان يسجد للصنم، أو يتكلم بكلمة الكفر-: فيحكم بكفره، فإن ادعى:"أني كنت مكرهًا فيه"- نظر: إن كان يفعله في مكان خال-: لا يقبل قوله؛ كما لو فعله في دار الإسلام، وإن كان يفعله بين أيديهم-: يقبل من الأسير، ولا يقبل ممن دخل في دارهم تاجرًا، وهذا بخلاف الكافر إذا صلى-: لايحكم بإسلامه؛ لأنه قد يفعله استهزاء، والمسلم لو فعل ما يفعله الكافر استهزاء-: يكفر حتى لو تنعل بنعله، ولو تقلنس بقلنوسة المجوس هزءًا-: يحكم بكفره.
ولو مات رجل عرف إسلامه، وله ابنان مسلمان، فقال أحدهما: مات الأب مسلمًا، وقال الآخر: بل مات كافرًا؛ لأنه كان يسجد للصنم-: يرث منه الابن الذي يدعي إسلامه؛ لأن الأصل بقاء إسلامه، ولا يرثه الآخر؛ لأنه أقر بكفره، بل نصيبه فيء يصرف على بيت المال.
ولو قال أحدهما: مات مسلمًا، وقال الآخر: بل مات كافرًا؛ لأنه كان يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير-: يرث منه الذي أقر بإسلامه، وهل يرثه الآخر؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه أقر بكفره.
والثاني: يرثه: لأنه فسره بما يتبين خطؤه في اعتقاد الكفر؛ كما لو قال: مات الأب كافرًا؛ لأنه كان يعتقد الاعتزال-: لا يحرم به عن الميراث.
ولو أطلق، وقال: مات كافرًا، ولم يفسر-: هل يرث؟ قولان:
ولو أكره مسلم مسلمًا على الكفر-: يحكم بكفر المُكرِه.
ولو أكره كافرٌ كافرًا على الإسلام-: لا يحمك بإسلام المُكرِه.
وكذلك: لو قال مسلم: أنا أكفر غدًا-: يكفر في الحال، ولو قال كافر: أنا أسلم غدًا-: لا يصير مسلمًا؛ لأن الرضا بالكفر كفرن والرضا بالإسلام لا يكون إسلامًا، والله أعلم.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم