بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ [التوبة: ٦٠]
الآية.
جعل الله زكاة الأموال لثمانية أصناف، يجب صرفها إليهم، إذا كانوا موجودين، ولا يجوز حرمان بعضهم.
فأحد الأصناف: الفقراء، والثاني المساكين.
واسم "الفقير" إذا أفرد يتناول الفقير والمسكين، وكذلك اسم "المسكين" إذا أفرد يتناولهما جميعًا؛ لأن الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة، وضعف الحال.
وإذا ذكر الاسمان معًا، كان لكل واحد منهما معنى سوى الآخر؛ فالفقير: من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعًا.
والمسكين من له شيء من المال، أو حرفة تقع منه موقعًا؛ ولكن لا تغنيه وعياله، ولا يفي دخله بخرجه على الدوام.
والفقير - عندنا -أسوأ حالًا من المسكين.
وعند أبي حنيفة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير، وما قلنا أولى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] أثبت لهم ملكًا ودخلًا مع اسم المسكنة.
فإن كان له كسب تحصل منه كفايته وكفاية عياله، أو ضيعة موقوفة عليه يدخل منها
[ ٥ / ١٨٩ ]
كفايته-: وهو كما لو كان له مال يفي بكفايته.
ولا يجوز صرف سهم الفقراء والمساكين إليه، فإذا حصل اسم الفقر والمسكنة في شخص، تحل له الزكاة زمنًا كان أو غير زمن، سائلًا كان أو غير سائل.
وقال في القديم: يشترط أن يكون الفقير زمنًا غير سائل.
والأول المذهب، لأن السائل قد يكون بين قوم يقل معطوهم، والمتعفف بين قوم أغنياء يبدؤونه بالعطاء، فلا عبرة بالسؤال والتعفف.
ثم يجوز أن يدفع إلى الفقير والمسكين قدر ما تزول به حاجته، وهم مختلفون فيه. منهم من قال: تزول حاجته بقليل، ومنهم من قال: لا تزول حاجته إلا بكثير.
فمن كان محترفًا، ولكن لا آلة له؛ يُدفع إليه قدر ما يشتري به آلة حرفته، وهم متفاوتون في الآلات؛ فإن كان خياطًا: يُدفع إليه قدر ما يشتري به إبرة ومقراضًا، وإن كنا محتطبا فقدر ما يشتري به فأسًا وحبلًا، وإن كان حائكًا أو حدادًا لا يجد آلة حرفته إلا بمال كثير-: فيدفع إليه ذلك القدر، وإن كان يحسن التجارة، ولكنه لا يمكنه أن يتجر إلا بألف درهم أو أكثر-: فيدفع إليه قدر ما يمكنه أن يتجر فيه، فإن لم يكن له مال، ولا حرفة، وله عيال، ولا تزول حاجته إلا بكثير من المال-: فيعطى إليه كفاية سنة، [وإن كان يملك ألفًا، وذلك لا يكفي إلا لنصف سنة-: يُعطى ما يتم به كفاية سنة]، وإن كان له كسب لا يحصل منه نصف كفايته-: يعطى ما تتم به كفايته.
فإن كان له كسب يفي بكفايته، لكنه شغل نفسه بنوافل العبادات، فمنعه ذلك عن الكسب-: لا تحل له الزكاة؛ لأن اكتساب ما يكفيه واجب عليه.
وإن كان مشتغلًا بتعلم العلم، واشتغاله بالكسب يمنعه عن التعلم-: جاز له أخذ الزكاة؛ لأن تعلم العلم فريضة: ما فرض عين أو فرض كفاية.
والدار التي يسكنها والثوب الذي يلبسه متجملًا به-: لا يسلبه اسم الفقر.
وقال أبو حنيفة: من ملك نصابًا من أحد النقدين: لا يجوز له أخذ الزكاة، فإن لم يمل نصابًا-: جاز له أخذها، وإن كان مكتسبًا.
فإن كان الرجل فقيرًا، ولن له أب أو ابن غني تجب نفقته عليه-: هل يجوز للغير صرف سهم الفقراء إليه أو المرأة الفقيرة إذا كان لها زوج غني-: هل يجوز لغير الزوج دفع سهم الفقراء إليها؟ فيه وجهان:
[ ٥ / ١٩٠ ]
أحدهما: يجوز، لأنهما فقيران لا كسب لهما.
والثاني: لا يجوز؛ لأنهما غنيان بمال القريب والزوج.
فإذا جاء رجل يطلب الصدقة، ورآه رب المال قويًان فقال لا كسب لي-: قُبل قوله، وهل يحلف؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يحلف؛ لما رُوي: أن رجلين أتيا رسول الله - ﷺ- يسألانه الصدقة؟ فقال: "إن شئتما، ولا حظ فيها لغني ولا لي مرة مكتسب"، فأعطاهما بعدما أخبرهما من غير تحليف.
والثاني: يحلف، لأن الظاهر قدرته على الكسب، فغذا ادعى أن له عيالًا لا يُقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر؛ فإن عرف له مال، فادعى ذهاب ماله-: لا يُقبل إلا ببينة.
والصنف الثالث من المستحقين: هم العاملون عليها، وأراد أن العامل على الصدقة له سهم منها، وغن كان غنيًا، وذلك: أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقات؛ لأن النبي - ﷺ - والخلفاء من عبده كانوا يبعثون السعاة، ولأن من أرباب الأموال من لا يعرف مايجب عليه وما يجب له، ومنهم من يبخل بماله فلا يعطى، فيبعث الإمام الساعي ليصل الحق إلى المستحقين، ولا يبعث إلا حرًان عدلًا ثقة فقيهًا، يعرف ما يجوز له أخذه ومن يجوز الدفع إليه، فهذا الساعي هو العامل عليها، فله سهم من الصدقة، فالإمام بالخيار بين أن يستأجره بأجرة معلومة، ثم يُعطاها من الزكاة، وبين أن يبعثه من غير شرط، ثم يعطيه من الصدقة أجر مثل عمله، وأجر من يحتاج إليه من محاسب، وكاتب، وحافظ، فإن وجد من يتطوع به-: لا يعطي أحدًا شيئًا، وإن لم يجد من يتطوع-: فلا يعطي أكثر من أجر المثل.
[ ٥ / ١٩١ ]
ولا حَظَّ فيه لوالي الإقليم ولا للإمام؛ لأن الله تعالى جعله للعامل لا للإمام، وأجرة الإمام إن لم يتطوع من خُمس الخمس سهم المصالح.
رُوي أن عمر شرب لبنًا، فأعجبه، فأخبر أنه من نعم الصدقة، فأدخل إصبعه فاستقاءه.
فإن فضل من سهم العامل- وهو الثمن - شيء-: يُرد إلى سائر الأصناف، وإن لم يف سهمه بأجرة عمله يكمل من مال الصدقة على أصح القولين، وفيه قول آخر: أنه يكمل من خُمس الخمس سهم المصالح، الأول أصح؛ كما أن أجرة من يقوم بحفظ مال اليتيم وجمعه تكون من مال اليتيم.
ومن أصحابنا من قال: الإمام بالخيار، إن شاء أكمل من خمس الخمس، وإن شاء من الصدقة.
ومنهم من قال: إن بدأ بسهم العامل فمن مال الصدقة، وإن بدأ بالأصناف، فأعطاهم، ثم وقع في سهم العامل نقص-: أتمه من مال المصالح؛ لأنه يشق استرجاعه من الأصناف، وفي أجرة الكيال وجهان:
قال أبو إسحاق: تكون من الصدقة؛ كأجرة العامل.
وقال ابن أبي هريرة: تكون على رب المال؛ لأنها تجب للإيفاء، والإيفاء على رب المال، فتكون أجرته عليه.
وإن لم تقع الكفاية بعامل واحدٍ، يزيد بقدر ما يحتاج إليه، وإن ولى الإمام واحدًا بلدًا وأهل الصدقات يحملون إليه صدقاتهم من غير احتياج إلى عامل، أو حملوا بأنفسهم إلى الإمام-: سقط سهم العامل؛ كما لو دفع رب المال الزكاة بنفسه.
والصنف الرابع: هُم المؤلفة قلوبهم، وهم قسمان: مسلمون، وكُفار:
أما المسلمون: فأقسام: قسم دخلوا في الإسلام، ونيتهم ضعيفة، فيؤلفهم الإمام بمالٍ أعطاهم لتتقوى نيتهم في الإسلام؛ كما أعطى النبي - ﷺ عنبسة بن بدر، والأقرع بن حابسن وأبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية.
أو كانت نيتهم قوية، ولهم شرف في قومهم، فأعطاهم؛ ترغيبًا لأمثالهم في الإسلام؛ كما أعطى النبي - ﷺ- عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر.
وهل يعطى هذان الفريقان بعد النبي - ﷺ-؟ فيه قولان
أحدهما: لا يُعطون؛ لأن الله تعالى أغنى الإسلام عن أن يتألف عليه رجالٌ.
[ ٥ / ١٩٢ ]
والثاني: يُعطون؛ لأن المعنى الذي به أعطوا قد يُوجد بعد النبي - ﷺ - فعلى هذا. من أي مال يعطون؟ فيه قولان:
أحدهما: من سهم المؤلفة من الصدقات.
والثاني: من خمس الخمس سهم المصالح.
وقسم آخر من مؤلفة المسلمين: جماعة بإزاء قوم كفار لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة وهم إن أعطيناهم جاهدوا، أو جماعة بإزاء قوم فيه مانعي الزكاة، إن أعطيناهم مالًا قاتلوا مانعي الزكاة، وأخذوا منهم الزكاة؛ فهؤلاء يعطون قولًا واحدًا.
ومن أي مال يعطون فيه أربعة أقوال:
أحدها: من سهم المؤلفة.
والثاني: من سهم سبيل الله من الصدقة.
والثالث: من خمس الخمس سهم المصالح؛ لأن فيه مصلحة للإسلام.
والرابع: قال الشافعي: يُعطون من سهم المؤلفة، وسهم سبيل الله.
وأصحابنا اختلفوا في تفسيره على هذا القول:
منهم من قال: لا يجوز أن يُعطى أحد من السهمين جميعًا من مال واحد، وأراد الشافعي - ﵁-: إن قاتل مانعي الزكاة-: أُعطى من سهم المؤلفة، وإن قاتل الكفار-: أعطى من سهم سبيل الله.
ومنهم من قال: لنا قولان في أنه هل يجوز أن يعطى واحد من سهمين؛ وهذا جواب على الجواز.
ومن أصحابنا من قال: لا يُجمع له بين السهمين؛ ولكن الإمام بالخيار إن شاء أعطاه من سهم المؤلفة؛ وإن شاء من سهم سبيل الله.
رُوي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكرٍ- رضيا لله عنه- بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه، فأعطاه أبو بكر ثلاثين بعيرًا.
أما مؤلفة الكفار: منهم من له ميل في الإسلام: فيعطى؛ ترغيبًا له في الإسلام، ومنهم من يُعطى، حذارًا من شره؛ كان النبي - ﷺ- يُعطيهم من خمس الخمس سهم المصالح، أما اليوم-: فلا يُعطون أصلًا، لأن اله تعالى أعز الإسلام، وقوي أهله، ولم يعط الخلفاء بعد رسول الله - ﷺ - أحدًا من الكفار على هذا المعنى شيئًا.
الصنف الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون، فيؤدي إلى المكاتب من الزكاة قدرها
[ ٥ / ١٩٣ ]
يعتق به، لا يُزاد عليه، فإن كان في يده ما يعتق به-: لايُعطى لأنه غير محتاج إليه.
وعند مالك: يشتري بسهم الرقاب عبيدًا يعتقون.
وهل يجوز أن يعطى إلى المكاتب قبل حلول النجم عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا حاجة به إليه.
والثاني: يُعطى؛ لأنه لو عجل الأداء قبل المحل-: جاز.
والأولى: أن يعطى سهم المكاتب إلى السيد بإذن المُكاتب، ولو دفع إلى السيد بغير إذن المكاتب-: لم تحسب عن الزكاة؛ لأن المستحق هو المكاتب، ولم يدفع إليه؛ ولكن يسقط عن المكاتب بقدره من النجوم؛ مكن أدى دين الغير بغير إذنه، تبرأ ذمة المديون.
ولو دفع إلى المكاتب بغير إذن السيد-: جاز، ويسقط فرض الزكاة عنه، لو أخذ المكاتب سهم الزكاة، ثم أعتقه المولى، أو أبرأه عن النجوم، أو أدى عنه غيره النجوم قبل أداء ذلك المال إلى المولى، أو أدى نجومه بغير ذل المال، أو عجز نفسه، وذلك المال قائم في يده-: يسترده رب المال، لأنه دفعه إليه ليصرفه في عتقه، ولم يفعل، وفرض الزكاة عنه غير ساقط.
ولو دفعه إلى المولى، وبقيت عليه من النجوم بقية، فعجزه المولى، وذلك المال قائم في يد المولى-: هل يسترده؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يسترده؛ لأن المكاتب صرفه فيما عليه.
والثاني، وهو الأصح عندي: يسترد، لأنه دفع إليه ليحصل له العتق، ولم يحصل، والفرض عنه لم يسقط.
قال الشيخ﵀-: نظيره: لو عجل الزكاة، فخرج المسكين عن الاستحقاق-: هل يستردُّ؟ فيه خلاف، فكل موضع قلنا: يسترد-: من العبد أو من السيد؟
قال الشيخ﵀-: فإن هلك في يده-: يُغرم قيمته؛ كما في تعجيل الزكاة، ون هلك في يده قبل العتق، ثم عتق-: لا يُغرم، ولا يجوز للسيد أن يدفع زكاة ماله إلى ملك نفسه؛ لأنه يعود إليه.
الصنف السادس: هم الغارمون، وهم قسمان: قسم أدانوا لمصلحة أنفسهم، وقسم أدانوا لإصلاح ذات البين:
أما الذين أدانوا لأنفسهم - نظر: إن كان دينه في غير معصية: إما في طاعة أو مباح-: فإنه يُعطى من سهم الغارمين، إذا كان فقيرًا لا يملك ما يقضي به دينه، فإن ملك ما يقضي به
[ ٥ / ١٩٤ ]
دينه من أي صنف من المال-: كان لا يُعطى؛ على أصح القولين، وهو المذهب.
وإن كان ماله يفي بعض ديونه-: يُعطى بقدر مايفي.
وقال في القديم: يُعطى مع الغني كمن أدان لإصلاح ذات البَيْنِ.
وإن كان دينه مؤجلًا-: هل يُعطى؟ فيه وجهان:
أحدهما: يُعطى؛ لأنه غارم.
والثاني: لا يعطى؛ لأنه غير مطالب به.
فإن قلنا: يُعطى: فإن كان له وقف يُغل، فإن كانت العلة تدرك قبل حلول الأجل-: لا يُعطى، وإن كانت تدرك بعد حلول الجل، وكان الدين حالًا يعطى.
وإن كان الدين في معصية-: لا يُعطى إن لم يتب، فإن تاب-: فوجهان:
أحدهما: لا يُعطى؛ لأن الصدقة لا تُصرف إلى المعاصي.
والثاني: يُعطى لأنه تائب، وعليه دين، كان الدين لزم بسبب مباح.
فأما إذا كان دينه لإصلاح ذات البين؛ بأن كان بين فريقين ثائرة، فاستدان مالًا؛ لتسكين تلك الثائرة، أو تحمل مالًا؛ ليسنها- نظر: إن كانت تلك الثائرة في ذمته، فتحمل الذمة-: فيُعطى من سهم الغارمين، ما يؤدي به ذلك الدين، فقيرًا كان أو غنيًا؛ لما رُوي عن النبي - ﷺ- أنه قال:"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: الغازي في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني"، وإن كانت تلك الثائرة في مال، فاستدان وأدى فيها، أو تحمل لتسكينها-: فهل يعطى مع الغنى؟ فيه وجهان:
أحدهما: يُعطى؛ لأنه تحمل؛ لإصلاح ذات البين؛ كما في الدين.
والثاني: لا يُعطى إلا أن يكون فقيرًا؛ بخلاف الدم؛ لأن فتنة الدم أعظم.
وإن ضمن دية على إنسان، هل يُعطى الضامن أم لا؟ نُظر: إن كان الضامن والمضمون عنه جميعًا معسرين-: فنه يعطى، وإن كان الضامن معسرًا، والمضمون عنه موسرًا، نُظر: إن ضمن بغير إذن المضمون عنه-: يُعطى، وإن ضمن بإذنه -: لا يعطى؛ لأنه إذا أذن يرجع على المضمون عليه.
وإن كان الضامن موسرًا، والمضمون عنه معسرًا، أو كانا موسرين، ولكن ضمن بغير إذن-: فهل يعطى؟ فيه وجهان، وإن كانا موسرين، وضمن بإذنه-: لا يعطى؛ لأنه إذا أدى-: رجع على المضمون عنه.
[ ٥ / ١٩٥ ]
والأولى-: أن يدفع سهم الغارم إلى رب الدين بإذن المديون، فلو دفع إلى رب الدين بغير إذن المديون-: لم يُحسب من الدين، ولأن المستحق المديون، ولم يُدفع إليه، ولكن سقط عن المديون بذلك القدر من الدين؛ كمن أدى دين الغير بغير إذنه، وإن دفع المديون بغير إذن رب الدين، جاز.
ولا يعطى الغارم إلا بقدر ما تُقضى به الديون، فإن أخذ الغارم سهم الصدقة، ثم أبرأه رب الدين، أو أدى عنه غيره الدين، وما أخذ قائم في يده-: يسترد؛ كالمكاتب إذا أعتق بغير ما أخذ.
الصنف السابع: قال الله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وأراد به الغازي المتطوع، له سهم من الزكاة، فقيرًا كان أو غنيًا، أما المرتزقة الذين أسماؤهم في ديوان الغزو-: فلا حَظَّ لهم؛ لأنهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء، ويعطى الغازي نفقة، للذهاب والرجوع والمقُام هناك في الثغر، وإن طال مقامه-: يعطى جميع ذلك؛ ولا يختص بما زاد بسبب السفر، ويعطى ما يشتري به فرسًا، عن كان يقاتل فارسًا، وما يشتري به السلاح وآلة القتال، ويملك ما دُفع إليه، وإن استأجر به فرسًا-: يجوز، وإن كان يقاتل راجلًا-: لا يُعطى الفرس، لكن يعطى حمولة يحمل عليها زاده، ويركب عليها في الطريق، وإنما يعطى حالة الخروج؛ ليصرفه إلى أسباب خروجه، فإن أخذ، ولم يصرف-: استرد منه، وإن خرج ومات في الطريق، أو امتنع من الصرف-: يسترد منه ما بقي، فإن غزا ورجع، وفي يده منه بقية-: لا يسترد.
الصنف الثامن: ابن السبيل، وهو الذي يريد سفر طاعة أو سفرًا مباحًا، سواء كان ممن ينشئ السفر ابتداء أو ممن دخل في طريق فيريد الخروج إلى طريق آخر، وإن كان سفره في معصية-: لا يُعطى؛ لأن إعطاءه إعانة على المعصية.
ويشترط ألا يكون له مال بالبلد المنتقل عنه، وسواء كان له بالبلد المنتقل إليه مالٌ أو لم يكنن ثم إن كان له في البلد المنتقل إليه أو في الطريق مال-: لا يعطى إلا قدر ما يصل إلى ماله، وإن كان له في البلد المنتقل عنه مال-: لا يعطى ما لم يخرج عن بلد المال، وإذا خرج-: أعطي، ويُعطى نفقة الذهاب، ولا يُعطى الحمولة إن كان الرجل قويًا، والمسافة دون مسافة القصر، وإن كان الرجل ضعيفًا، والمسافة فوق مسافة القصر-: يُعطى الحمولة، ويعطى نفقة الرجوع، إن لم يكن له بالبلد المنتقل ليه مال، وهو يريد الرجوع، ولا يعطى نفقة المقام إلا مقام المسافرين؛ بخلاف الغازي: يُعطى نفقة المقام في الثغر، وإن طالت مدة مقامه؛ لأنه يحتاج إليه لحصول الفتح، ولا يزول عنه الاسم بطول المقام، وإذا أخذ السهم، ثم مات في الطريق، أو أقام-: يسترد منه ما بقي، ولو ذهب ورجع، وقد بقي منه
[ ٥ / ١٩٦ ]
شيءٌ-: يسترد؛ بخلاف الغازي، إذا غزا ورجع، وفي يده منه بقية-: لا يسترد؛ لأن الغازي أعطيناه لحاجتنا إليه، فإذا قضى حاجتنا، وابن السبيل أعطيناه لحاجته إلينا، فإذا فضل عن حاجته-: يسترد.
فصل فيما لو ادعى شخص أنه يستحق الصدقة
إذا جاء رجلٌ يطلب الصدقة، وادعى أنه من هذه الأصناف- نُظر: إن كان استحقاقه لمعنى في المستقبل-؛ كالغازي، وابن السبيل، إذا قال: أنا أريد الخروج-: أعطى بلا بينة ولا يمين، ثم إن لم يخرج-: يسترد، فلو قال ابن السبيل لا مال لي في بلدي-: فالقول قوله، وهل يحلف فهو كالفقير-: يدعي الفقر.
أما من يستحق لمعنى موجود في الحال- نظر: إن قال: أنا فقير أو مسكينٌ أو غر كسوب-: يُقبل قوله بلا بينة، فإن اتهمه الإمام-: حلفه، واليمين مستحب أم واجب؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: واجب: فإن نكل-: لم يُعط، وإن قلنا: يستحب-: يعطى-:
وإن قال: أنا غارمٌ أو مكاتب-: لا يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدمه، فإن صدقه الغريم، أو صدق السيد المكاتب-: هل يعطى؟ فيه وجهان:
أصحهما: يعطى؛ لأن التهمة قد زالت.
والثاني: لا يعطى؛ لأنهما بما تواطأ على ذلك.
ولو ادعى العامل أنه قد عمل-: لا تقبل إلا ببينة، وإن ادعى أنه من المؤلفة فإن قال: قلبي غير مطمئن بالإيمان-:
يقبل؛ لأن قوله هذا يدل على ضعف إيمانه، وإن ادعى أنه شريف قومه-: لا يقبل إلا ببينة، والله أعلم.
باب: كيف تفريق قسم الصدقات
رُوي عن رافع بن خريج قال: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: "العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله، حتى يرجع إلى بيته".
[ ٥ / ١٩٧ ]
يجب على الإمام وعلى الساعي ن فوض إليه أمر تفريق الصدقات: أن يأمر بإحصاء أهل السهمان في عمله، حتى يكون فراغه من قبض الصدقات بعد معرفة أسمائهم وأحوالهم، ثم يبدأ فيخرج سهم العامل، وإن كان الساعي يقسمه: يأخذ عمالته حتى إن فضل من أجر عمله شيء-: رد إلى الباقين، وإن احتاج إلى زيادة-: كمله، ثم يقسم الباقي بين الأصناف السبعة، وإن حمل رب المال بنفسه إلى الإمام، أو قسم بنفسه-: سقط سهم العامل؛ فيقسم المال على سبعة أصناف: إن كانوا موجودين، ويجب أن يسوى بين الأصناف، لا يفضل صنفًا على صنف، فإن وجد بعض الأصناف؛ مثلُ: أن وجد أربعة أصناف، ولم يجد ثلاثة-: قسم بين الموجودين على السواء، وإن كان عدد بعض الأصناف أكثر، وحاجتهم أشد-: فلا يجوز أن يصرف إليهم من نصيب صنف آخر، ما دام فيهم مستحق، ويستحب أن يصرف نصيب ل صنف إلى جميع أهل ذلك الصنف، إن أمكن. فإن كانوا محصورين في البلد، فهل يجب؟ إن قلنا: لا يجوز نقل الصدقة-: يجب أن يُصرف إلى جميعهم، وإن لم يمكن تعميمهم بأن لم يكونوا محصورين، أو كانوا محصورين، ولكن جوزنا النقل، فصرف على بعضهم-: يجوز، ولكن لا يجوز إلى أقل من ثلاثة منهم، إذا وجدوا، لأن- الله تعالى- ذكر بلف الجمع، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
وأقل الجمع ثلاثة، ثم يجوز أن يفاوت بين الثلاثة من كل صنفن فيعطى بعضهم أقل وبعضهم أكثر؛ بخلاف الأصناف: يجب التسوية بينهم؛ لأن الأصناف محصورة.
فيمكن التسوية بينهم، والعدد من كل صنف غير محصور، ولذلك: سقط تعميمهم، فسقط اعتبار التسوية بينهم، فلو دفع إلى اثنين، وحرم الثالث مع وجوده-: يجب عليه الغرم، وكم يغرم؟ فيه قولان:
أحدهما: يُغرم الثلث؛ لأنه حظ ثلاثةٍ؛ وتعدى في نصيب واحد.
والثاني: يُغرم أقل ما لو دفع إليه: كان جائرًا؛ لأنه لم يُفرط لا في ذلك القدر فإن لم يجد شيئًا من بعض الأصناف إلا واحدًا-: دفع إليه جميع ذلك السهم، ما لم يخرج عن حد
[ ٥ / ١٩٨ ]
الاستحقاق، فإن فضل منه فضل-: رده إلى سائل الأصناف سواء.
وحُكم زكاة الفطر حكم زكاة المال في أنه يجب صرفها إلى هذه الأصناف.
وقال الإصطخري يجوز صرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء، لأنها قليلٌ، إذا دفع إليهم-: لا تقع منهم موقعًا.
والأول المذهب.
فإن تعذر قسمتها-: يجتمع جماعة يجمعون صدقاتهم، ثم يقسمونها على المستحقين.
وقال أبو حنيفة: يجوز صرف جميع الزكاة إلى صنف واحد، وإلى شخص واحد مع وجود الباقين.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية أصناف الصدقات إلى ثمانية أصناف بلام التمليك؛ لا يجوز حرمان بعضهم؛ كما لو قال: هذا الثوب لفلان وفلان-: فلا يعطى إلى أحدهما؛ يؤيده أنه قال في آخر الآية: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو يرجع إلى أصل الأداء، وإلى صفة الأداء جميعًا، وإذا اجتمع في شخص واحد سببان للاستحقاق، فهل يُعطى من زكاة مال واحد بالسببين جميعًا؛ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما- وهو قول أبي حنيفة-: يعطى بهما؛ لأن الله تعالى جعل للفقير سهمًا، وللغارم سهمًا، وهذا فقير غارم.
والثاني: لا يُعطى إلا لسبب واحد، يقال له: اختر أيهما شئت؛ فنعطيك به؛ لأنه شخص واحد؛ فلا يأخذ سهمين من مال واحد، كما لو انفرد بمعنى واحدٍ.
ومن أصحابنا من قال: إن كان السببان من جنس واحدٍ؛ كالفقر والغُرم [إذا كان لمصلحة نفسه].
لا يُعطى بهما؛ لأن الفقير والغارم لمصلحة نفسه-: يستحقان؛ لحاجتهما إلينا؛ وكذلك: الغازي والغارم لإصلاح ذات البين-: يستحقان؛ لحاجتنا إليهما، فإذا اجتمعا في شخص واحدٍ-: لا يعطى بهما.
[ ٥ / ١٩٩ ]
وإن كان السببان مختلفين بأن كان غازيًا غارمًا-: يعطى؛ لأن استحقاق الغازي لحاجتنا إليه، واستحقاق الغارم لحاجته إلينا: إذا كان غرمه لمصلحة نفسه؛ كما في الميراث-: إذا اجتمع في شخص واحد جهتا فرض-: لا يعطى بهما، وإذا اجتمع فيه جهة فرض، وجهة تعصيب-: يعطى بهما، وإن كان العامل على الصدقة فقيرًا-: هل يُجمع له بين سهم الفقراء وسهم العاملين؟ على قولنا: إنه لا يعطى بسببين-: فيه وجهان، وأصل الوجهين: أن ما يأخذه العامل أجرة عمله أم صدقة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أجر عمله؛ لأنه يستحقه بالعمل؛ فعل هذا: يُجمع له بين السهمين.
والثاني صدقة؛ لأن الله تعالى ذكره في المستحقين للصدقة؛ فعلى هذا: لا يُجمع له بينهما.
فصل فيمن يقوم بتفريق زكاته
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية زكاة الأموال الباطنة هي: زكاة الذهب والفضة، وزكاة التجارة، وصدقة الفطر، وحق الركاز-: يجوز لرب المال أن يُفرقها بنفسه، ويجوز أن يدفعها على الإمام؛ لأنه نائب المستحقين، والأفضل-: أن يفرقها بنفسه؛ ليكون على يقين من وصولها إلى المستحقين.
أما زكاة الأموال الظاهرة، وهي: المواشي، والزروع، والثمار، وحق المعيرين-: هل يجوز أن يفرقها بنفسه أم يجب دفعها إلى الإمام؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو قوله الجديد-: يجوز أن يفرقها بنفسه؛ كزكاة الأموال الباطنة، إلا أن الأفضل ههنا أن يدفع إلى الإمام.
وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: يجب دفعها إلى الإمام؛ حتى لو فرق بنفسه-: لا تُحسب، ويلزمه الضمان؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولأن النبي - ﷺ- والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة لأخذها.
فإن قُلنا: يجب الدفع إلى الإمام-: فذلك إذا كان الإمام عادلًا، فإن كان جائرًا-: هل يجب الدفع إليه؟ فيه وجهان:
[ ٥ / ٢٠٠ ]
أحدهما لا يجب؛ لأن الظاهر منه أنه لا يوصله إلى المستحقين؛ بل الأولى أن يدفع بنفسه، ولو ودفع إليه-: جاز.
والثاني- وهو الأصح-: يجب؛ لأنه لا ينعزل بالجور وإذا دفع إليه-: سقط الغرض عنه، وإن لم يوصلها إلى المستحقين.
فحيث قلنا: يجب الدفع إلى الإمام-: فما دام يُرجى مجيء الساعي: لا يجوز أن يعرف بنفسه، وإن كان لا يرجو-: جاز.
ثم إن جاء الساعي، ولم يصدقه-: فالقول قول رب المال مع يمينه، وهذه اليمن واجبة أم مستحبة؟ فيه وجهان:
إن قلنا: مستحبة: فإن نكل-: لا شيء عليه.
وإن قلنا: واجبة-: فإن نكل-: أخذت الزكاة منه لا بنكوله، ولن لأن الزكاة كانت واجبة عليه، والأصل بقاؤها عليه.
وإذا امتنع رجل عن أداء الزكاة-: للإمام أن يأخذها منه كرهًا.
وعند أبي حنيفة: لا يأخذها كُرهًا.
وإذا امتنع جماعة-: قاتلهم الإمامُ؛ كما فعل الصديق، ﵁.
وقد ذكرنا أن رب المال إذا دفع الزكاة بنفسه-: يجب أن يقسمها على الأصناف الموجودة على السواء، وإذا كان له أنواع من الأموال التي يجب فيها الزكاة؛ كالمواشي والدراهم والدنانير-: يجب أن يقسم زكاة كل نوع منها بانفراده على الأصناف الموجودة على السواء.
أما إذا اجتمع عند الإمام صدقات قوم-: فلا يجب عليه أن يضع صدقة كل واحد من الأصناف الثمانية على السواء؛ بل [له] أن يضع صدقة رجل في صنف واحد، وفي نفس واحدة؛ على ما يرى، ولكن لا يجوز أن يحرم من جملة الصدقات صنفًا أو يفضلهم على صنف آخر، فالإمام في قسمة جميع الصدقات: كرب المال في قسمة صدقة نفسه.
ولا يجوز للساعي ولا للإمام أن يتصرف فيما يجتمع عنده من مال الزكاة حتى يوصلها إلى أهلها؛ لأن الفقراء أهل رُشدٍ لا يولى عليهم، فإن باع منه شيئًا-: فالبيع باطل، ويسترد إن قدر عليه، وألا غرم من مال نفسه.
فإن وقعت ضرورة بأن خاف هلاك بعض المواشي، أو خاف الساعي خطر الطريق، أو
[ ٥ / ٢٠١ ]
احتاج إلى رد جُبران، أو احتاج في نقله إلى مؤنة لطول الطرق إلى الإمام، أو أخذ نصف شاة، فتعذر نقله أو نحو ذلك-: جاز له بيعها.
وإذا اجتمع حق أهل السهمان في بعير واحد، أو بقرة، أو شاة أو دينار-: فليس لرب المال بيعه، بل يشترك المستحقون فيه، ثم بعد ما ملكوا: لو وكلوا ببيعه-: يجوز، أما الإمام إذا رأى أن يشركهم فعل، وإن رأى أن يبيع باع وفرق الثمن عليهم، وكذلك: كل ما يكال ويوزن.
فصل فيمن لو أخطأ الإمام في المدفوع إليه
ولو دفع الإمام الزكاة إلى رجل، ثم ظهر أن المدفوع إليه: كان عبدًا، أو كافرًا، أو غنيًا-: فالفرض عن رب المال ساقط؛ لأنه دفع إلى الإمام الذي هو نائب عن المساكين.
وهل يجب الضمان على الإمام؟ نظر: إن بان غنيًا-: لا يجب، بل إن كان المال قائمًا في يد المدفوع إليه-: يسترده وإن كان تالفًا-: يغرمه قيمته، عن قدر عليه، ويصرفه إلي المستحقين، سواء شرط عند الدفع إليه أنه زكاة، أو لم يشرط:
وإن بان عبدًا أو كافرًا-: هل يلزمه الضمان؟ فيه قولان:
أصحهما: لا؛ كما لو بان غنيًا.
والثاني: يجب؛ بخلاف ما لو بان غنيًا؛ لأن الغنى مما يخفى، فقل التوصل إلى معرفته، والكفر والرق مما لا يخفى، ويمكن التوصل إلى معرفتهما، وكان مفرطًا بترك (التفحص) والقولان يُبنيان على أن خطأ الإمام على عاقلته، أم في بيت المال؟
إن قلنا: على عاقلته-: لا يجب.
وإن قلنا: في بيت المال-: فيجب في بيت المال.
أما إذا أعطى رب المال الزكاة بنفسه، ثم بان المدفوع إليه، عبدًا أو كافرًا-: فالغرض باقٍ في ذمته، ويسترد من المدفوع إليه ما دفع إليه، إن كان قائمًا. وإن كان تالفًا-: فيمته، ويتعلق بذمة العبد.
وإن بان غنيًا- فقولان:
أصحهما- وهو قوله الجديد-: لا يسقط الغرض عنه؛ كما لو [بان] عبدًا، وهل
[ ٥ / ٢٠٢ ]
يسترد ما دفع إليه- نظر: إن ذكر عند الدفع إليه أنها صدقة واجبة-: تسترد إن كانت قائمة، وإن كانت تالفة-: تسترد قيمتها.
وإن لم يذر أنها صدقة واجبة-: فلا تسترد، وتقع تطوعًا؛ بخلاف الإمام: يسترد، وإن لم يُخبره؛ لأن الظاهر من حاله أنه لا يعطى إلا الزكاة، ورب المال قد يُعطى من ماله الفرض والتطوع وإن لم يخبر-: يحمل على التطوع.
وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: يسقط الفرض عنه؛ لأن الغنى لا يخفى، ولايمكن الوقوف عليه؛ كما لو بان من دفع إليه أنه غني.
والأول أصح؛ أنه غير ساقط عنه؛ لأنه كان يمكنه أن يسقط الفرض عنه بيمين؛ بأن يرفعها إلى الإمام، فإذا لم يفعل-: فقد فرط؛ والإمام ليس فوقه من يرفعه غليه، فلم يكن مفرطًا، وكذلك: حكم زكاة الفطر والكفارة، إذا بان أن المدفوع إليه غير مستحق؛ على التفصيل الذي ذكرنا.
فصل في نقل الصدقة
رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: "أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة أموالهم؛ تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم".
نقل الصدقة من بلد المال إلى بلد آخر عند عدم المستحقين في بلد المال-: فرض، أما عند وجود مستحقين-: هل يجوز النقل أم لا فيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الله تعالى أقام الصدقات للفقراء؛ فلم يخص به فقير بلد المال، وكما قلنا في الكفارة: لايختص أداؤها ببلد الوجوب؛ وهذا قول أبي حنيفة.
والثاني: وهو الأصح-: لا يجوز؛ لحديث معاذٍ؛ حيث قال النبيﷺ-: "تؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم"، ولأن صدقة كل قوم تكون لفقراء ذلك القوم، ولأن طمع مساكين البلد قد يستحكم في صدقات أرباب الأموال؛ ففي نقله إيحاشُهُمْ.
ومن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: لا يختلف القول أن النقل لا يجوز، والقولان إذا نقل، وأدى هل يسقط الفرض عنه؟ فيه قولان-: أصحهما: لا يسقط، وعليه الإعارة، واختلف أصحابنا في موضع القولين
منهم من قال: القولان فيما إذا نقل إلى مسافة القصر، أما إذا نقل إلى ما دون مسافة
[ ٥ / ٢٠٣ ]
القصر في حكم البلد، فصار كما لو نقل في البلد من محلة إلى محلة: جاز.
ومنهم من قال: سواء قربت المسافة أو بعدت بعد ما أخرجها من البلد؟ فيه قولان، وهو الصحيح، نص عليه في "الأم".
وأما إذا كان البلد فرسخين في فرسخ وأكثر فجميع ما فيها من المساكين سواء في الاستحقاق، فإن كان أطرافها أبعد من بعض القرى؛ فإن قلنا: لا يجوز النقل، فإن كان المال ببلد، والمالك ببلد آخر- نظر:
إن كان عُشر تمر وزرع-: صُرف إلى فقراء بلد الأرض؛ لأن الزرع والتمر قد حصل من ذلك البلد، وإن كان مال التجارة-: صُرفت صدقتها إلى فقراء البلد الذي يحول الحول عليه فيه، وإن حال الحول، وهو في مفازة أو بادية-: صُرف إلى فقراء أقرب البلاد، فإن كانت أمواله ببلدان متفرقة-: صرفت زكاة كل طائفة من المال إلى مساكين البلد الذي به المال، ولا اعتبار للبلد الذي به المالك؛ لأن المساكين مطلعون إلى المال لا إلى المالك.
وفي صدقة الفطر: إن كان هو ببلد وماله ببلدٍ آخر-: فيه وجهان:
أحدهما: تصرف إلى فقراء بلد المال؛ لأن وجوبها بسبب المال.
والثاني: وهو الأصح-: إلى فقراء بلد صاحب المال؛ لأنها صدقة البلد.
وإذا قلنا: إن النقل لايجوز-: فلا تُحلوا أهل الصدقات: إما أن كانوا مقيمين في بلد، أو كانوا أهل بادية، وإن كانوا مقيمين في مصر أو قرية: فإن كان المستحقون فيها محصورين واتسع المال-: يجب أن يُصرف إلى جميعهم، وإن لم يكونوا محصورين: صُرف على بعضهم سواء فيه المستحقون المقيمون، ومن وجد بها من الغرباء: لايجوز الإخراج عنها، وإن نقل- أعاد؛ على الأصح من القولين.
وإذا كان فقراء البلد محصورين-: لا يجب التسوية بينهم وإن وجب تعميمهم؛ بخلاف ما لو أوصى بفقراء بلد نفسه؛ وهو محصورون، تجب التسوية بينهم لأنه ثبت لهم الحق على التعيين؛ بدليل أنه لو لم يكن فيها فقير-: تبطل الوصية، وههنا: لم يثبت لهؤلاء الحق على التعيين؛ بدليل أنه إذا لم يكن في البلد فقير-: ينقل، فمن حيث إنهم محصورون-: يجب تعميمهم، ومن حيث إنه لم يثبت على التعيين؛ إنما تعينوا لعقد غيرهم-: لم يجب التسوية بينهم، وإن لم يكن في البلد مستحقون-: يُنقل إلى بلد آخر، ثم إن كان على أقل من مسافة القصر-: فهو في حكم أهل البلد، لا يُنقل إلى ما فوقها.
أما أهل البادية: فضربان:
[ ٥ / ٢٠٤ ]
أحدهما: أن يكونوا مقيمين في مواضع لا يرحلون عنها، شتاء ولا صيفًا-: فهم كأهل بلدة واحدة.
والثاني: ألا يكونوا مستقرين؛ بل كلما أجدب انتقلوا إلى موضع آخر؛ فهم على ضربين:
أحدهما: قوم أخلاط لا يتميز بعضهم عن بعض، ولا يتفرقون في منزل ورعي، والاعتبار في صدقتهم بالموضع الذي تجب فيه، والجوار في حقهم: أن تجمعهم في موضع لا تقصر إليه الصلاة، وكل من كان على أقل من مسافة القصر من موضع المال-: كان في حكم البلد-: لا ينقل عنهم الصدقة، إلا أن الشافعي﵁- أومأ إلى أنه إذا كان في جوارهم قوم يظعنون بظعنهم، ويقيمون بإقامتهم: أنهم أولى بصدقتهم ممن يفارقهم في الظعن والإقامة من جيرانهم، وهذا على طريق الاستحباب، فأما في الاستحقاق: فالكل سواء، وأن كان أهل البادية يتميز بعضهم عن بعض؛ مثل قبائل العرب: كل جبلة متميزة عن الأخرى-: فاختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: أهل كل قبيلة بمنزلة أهل بلدٍ؛ لا يجوز النقل من قبيلة إلى أخرى؛ لأنهم متميزون.
ومنهم من قال: الكل واحد، وهو كالضرب الأول؛ يُصرف إلى الجوار، وهو من كان على أقل من مسافة القصر.
وإذا عدم بعض الأصناف- نظر:
إن عدم في جميع البلاد؛ كالمؤلفة قلوبهم وغيرهم من الأصناف، إذا عدموا-: تُصرف الزكاة إلى الموجودين منهم؛ كما ذكرنا.
أما إذا عدم في بلد المال، ويوجد في غيره من البلاد: فإن قلنا: نقل الصدقة-: يجوز أن ينقل نصيب الباقين إلى بلدهم، وإذا وُجد في بلد قريب: جاز نقله إلى أبعد.
وإن قلنا: نقل الصدقة لا يجوز-: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: يُنقل إلى بلدهم، ولا ترد إلى الأصناف الموجودين في بلد المال؛ لأن حق كل صنف منصوص عليه، وحكم المكان-: ثبت بالاجتهاد، فيقدم ما ثبت بالنص.
والثاني- وهو الأصح- يرد على الأصناف الموجودين في بلد المال، ولا ينقل؛ كما
[ ٥ / ٢٠٥ ]
لو لم يجد في البلد من كل صنف إلا اثنين: يرد نصيب الثالث إلى الاثنين، ولا ينقل، فحكم الأصناف حكم أقل الأعداد من كل صنفٍ، ولأن عدم الشيء في موضعه كالعدم بكل حالٍ، وإن وُجد في غيره- كمن عدم الماء في موضع: صلى بالتيمم، وإن كان يوجد في غير ذلك الموضع.
وإن قلنا: ينقل-: فينقل على الصنف الآخر بأقرب البلاد إلى بلد المال، فإن نقل إلى أبعد، أو لم ينقل، ورد إلى الأصناف في بلد المال-: ضمن.
وإن قلنا: لا يُنقل-: يرد إلى الأصناف الموجودين ببلد المال، فنقل-: ضمن، وكذلك: إذا كانت الأصناف موجودين، فقسمنا عليهم-: فينقص نصيب بعضهم عن كفايتهم؛ فإن اعتبرنا بلد المال-: صُرف الفضل إلى من نقص نصيبهم، وإن اعتبرنا بالأصناف: صُرف الفاضل إلى الصنف الذي فضل منهم بأقرب البلاد.
وإذا كان لرجل أربعون من الغنم: عشرون ببلد، وعشرون ببلد آخر، فأدى شاة في أحد البلدين-: قال: كرهت، وأجزأه.
قال أبو حفص بن الوكيل: هذا جواب على قول جواز نقل الصدقة، فإن لم يجوز انقل-: يجب أن يؤدي في كل بلد نصف شاة، والمذهب: جوازه ههنا على القولين جميعًا، لمعنيين:
أحدهما: لأن له في كل بلدٍ مالًا.
والثاني: أن الواجب عليه شاة؛ فلا ينتقص.
وفائدته تظهر فيما إذا كان له مائتان من الغنم: مائة ببلد، ومائة ببلد أخرى، فأدى شاتين في احد البلدين- هل يجوز أم لا؟:
إن قلنا: نقل الصدقة جائز-: فيجوز.
وإن قلنا: النقل غير جائز-: ففيه وجهان:
إن قلنا بالمعنى الأول-: يجوز.
وإن قلنا بالثاني- وهو الأصح-: لا يجوز، بل يجب أن يؤدي في كل بلد شاة.
قال الشافعي﵁-: وإنما يستحق أهل السهمان حقهم يوم يكون السم سوى العاملين، يعني: العامل يستحق بعد العمل، وأهل السهمان بعد القسم.
وقال في "قسم الفيء": إنهم يستحقون يوم الوجوب، وهو عند حلول الحول،
[ ٥ / ٢٠٦ ]
وليس على قولين، بل هو على اختلاف حالين: فإن كان المستحقون محصورين في بلد أو قرية، وقلنا: نقل الصدقة لا يجوز-: فهؤلاء يستحقون بيوم وجوب الزكاة؛ حتى لو مات واحد منهم بعد الوجوب قبل القسمة-: فيدفع نصيبه إلى وارثه، وإن غاب-: لا يسقط حقه بغيبته.
وإن كان فقيرًا يوم الوجوب فأيسر قبل القسمة-: دُفع إليه.
وإن دخل ذلك البلد واحدٌ من أهل السهمان بعد الوجوب قبل القسمة-: لا يشارك من فيه.
أما إذا لم يكونوا محصورين أو كانوا محصورين في البلد، وقلنا: نقل الصدقة جائز-: فإنهم يستحقون بيوم القسمة حتى لو مات واحد منهم بعد الوجوب، أو غاب، أو أيسر قبل القسمة-: فلا حق له فيه، وإن وُجد غريب-: يُشاركهم فيه.
فصل في تحريم الصدقة على نبينا ﷺ وأقاربه
رُوي عن أنس قال: مر النبي - ﷺ- بتمرة في الطريق، فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة-: لأكلتها".
الصدقة المفروضة كانت محرمة على رسول الله - ﷺ - وعلى أقاربه من بني هاشم، وبني المطلب؛ قال النبي - ﷺ -: "إن هذه الصدقات نما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد".
أما الهدية كانت حلالًا لرسول الله - ﷺ - قالت عائشة - ﵂-: "كان النبي - ﷺ - يقبل الهدية، ويثيب عليها"، وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدى إلى ذراع لقبلت".
أما صدقة التطوع كان النبي -ﷺ- لا يأخذها وهل كانت تحل لبني هاشم وبني المطلب؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن النبي - ﷺ - كان لا يأخذها.
والثاني- وهو الأصح-: تحل، لما رُوي عن جعفر بن محمد، عن أبيه؛ أنه كان يشرب من سقايات [بين] مكة والمدينة، فقيل له في ذلك؟ فقال: "إنما حرمت علينا
[ ٥ / ٢٠٧ ]
الصدقة المفروضة"، والنبي - ﷺ - كان لا يأخذها تنزيها لا تحريمًا.
أما موالي النبي - ﷺ - وموالي بني هاشم وبني المطلب: تحل لهم صدقة التطوع.
وهل تحل لهم الصدقة المفروضة؟ فيه قولان:
أحدهما: تحل لأنهم لا يستحقون خمس الغنيمة، وخمس الغنيمة لأقارب الرسول - ﷺ - عوض عن الصدقة.
والثاني- وهو الأصح-: لا تحل، لما رُوي عن أبي رافع، أن رسول الله - ﷺ - بعث رجلًا على الصدقة، فقال لأبي رافع: أصحبني، كيما نصيب منها فانطلق إلى رسول الله - ﷺ - فسأله؟ فقال: "إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم".
ولو استعمل على أخذ الصدقات واحدٌ من بني هاشم، أو بني المطلب-: فهل له أن يأخذ سهم العاملين؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه أجرة عمله.
والثاني- وهو الأصح-: لا يجوز؛ كما لو كان الهاشمي أو المطلبي غارمًا أو غازيًا: لا يجوز أن يأخذ من الصدقة.
والدليل عليه: ما روي أن عبد المطلب بن ربيعة، والفضل بن عباس قالا للنبي - ﷺ -: جئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فتؤدي إليك، كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون؛ فقال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
وكذلك: أهل الفيء لاتحل لهم الصدقة، فإن كان عاملًا-: هل يأخذ العمالة؟ فيه وجهان:
إن جعلناها أجرة العمل-: يأخذ، وإن جعلناها صدقة-: فلا.
ولو احتاج المسلمون إلى من يغنيهم أمر الكفار، وليس مع الإمام مال الفيء-: فهل يجوز أن يعطى المرتزقة من مال الصدقة؟ فيه قولان:
أصحهما: لا؛ كما [لا يصرف] الفيء إلى أهل الصدقات.
والثاني: يجوز أن يعطيهم من سهم سبيل الله؛ لأنه للغزاة، والمرتزقة غزاة.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
فصل في فضل صدقة القريب
رُوي عن رسول الله - ﷺ- أنه قال: "الصدقة على المسكين صدقة [وهي] على ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة".
الأفضل: أن يدفع الرجل صدقته المفروضة التطوع والكفارة إلى أقاربه الذين لا يلزمه نفقتهم، إذا كانوا مستحقين، وأقربهم له أولاهم بصدقته؛ فيبدأ بذي الرحم المحرم؛ كالإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، ثم بذي الرحم غير المحرم؛ مثل: أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، ثم بالمحرم بالراضع، ثم بالمحرم بالمصاهرة، ثم بالولاء، ثم بالجوار، فمن كان أقرب دارًا من الجيران إليه-: فهو أولى.
رُوي أن عائشة﵂- قالت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا".
فإن كان معه في البلد أقارب وبعداء مستحقون-: فالأقارب أولى بصدقته، وإن كان البعداء في جواره، والأقارب أبعد: وإن كان البعداء معه في البلد، والأقارب خارج البلدة إن قلنا-: نقل الصدقات لا يجوز-: فالبعداء أولى، وإن قلنا: يجوز-: فالأقارب الخارجون أولى.
وكذلك: أهل البادية؛ إذا جعلنا ما دون مسافة القصر كالبلد لهم فإن كان الأقارب كالبعداء دون مسافة القصر، فالأقارب أولى، وإن كانوا أبعد دارًا، وكذلك: إن كانا جميعًا ممن فوق مسافة القصر.
أما إذا كان البعداء دون مسافة القصر، والأقارب فوقها-: فإن جوزنا نقل الصدقة-: فالأقارب أولى، وإلا فالبعداء أولى.
ولا يجوز دفع الزكاة المفروضة وصدقة الفطر والكفارة إلى أهل الذمة؛ لأنها لتطهير المسلم، والكافر نجس، لا يحصل التطهير بالصرف إليه.
وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر والكفارة إليهم، ولم يجوز زكاة المال.
[ ٥ / ٢٠٩ ]
ولا يجوز صرف سهم الفقراء والمساكين من زكاة المال وصدقة الفطر إلى من تلزمه نفقته من الوالدين والمولدين، وكذلك: الكفارة؛ لأنهم أغنياء بوجوب نفقتهم عليه.
ويجوز أن يصرف إليهم سهم الغارمين وسهم ابن السبيل؛ لأنه لا يجب عليهم أداء دينهم، ولا حملهم إلى بلد آخر.
وكذلك: إذا كان واحدٌ من أقاربه مكاتبًا-: يجوز صرف سهم المكاتبين إليه.
وكذلك: إذا لم يكن القريب زمنًا، ولكنه فقير، وقلنا: لا تجب نفقة القريب، إلا أن يكون زمنًا-: يجوز أن يُصرف إليهم سهم الفقراء والمساكين والكفارة.
ولو صرفت المرأة إلى زوجها الزكاة-: يجوز، ولو صرف الزوج إليها سهم الفقراء والمساكين-: لا يجوز؛ لوجوب نفقتها عليه، فإن كانت ناشزة-: يجوز؛ لأنه لا نفقة لها عليه.
وفيه وجهٌ آخر: أنه يجوز للزوج أن يدفع إلى زوجته سهم الفقراء والمساكين؛ لأن استحقاقها النفقة عليه بطريق المعاوضة؛ كما لو استأجر أجيرًا فقيرًا-: جاز له صرف الزكاة إليه مع استحقاق الأجرة.
ولا يجوز أن يدفع الصدقة إلى صبي، ولا إلى مجنون؛ لأن قبضهما لا يصح، فإن دفع عنهما إلى قيمتهما-: يجوز.
ولو دفع إلى عبد من جهة سيده، وسيده مستحق-: جاز، والله أعلم.
باب وسم الدواب
رُوي عن أنس - ﵁- قال: "عدوت إلى رسول الله - ﷺ - بعبد الله بن أبي طلحة فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة".
وسم الدواب مباح في الجملة، وهو في نعم الجزية والصدقة مسنون.
وعند أبي حنيفة﵁- غير جائز، والحديث حجة لمن أجازه.
وفائدة الوسم: أن يتميز أحد المالين عن الآخر؛ لأن مستحقهما مختلف، ويتميز مال الصدقة والجزية عن غيرهما، وأن يعرفها من تصدق بها؛ فلا يشتريها، فلم يكن للرجل أن يتصدق بشيء، ثم يشتريه.
[ ٥ / ٢١٠ ]
ويسم الإبل والبقر على أفخاذها، ويسم الغنم في أصول آذانها؛ لأن الغنم لها أوبار وأشعار على الأفخاذ؛ فلا يظهر عليها أثر الوسم، ولا يجوز أن يسم على الوجه؛ لما روي عن جابر - ﵁- قال: "نهى رسول الله - ﷺ- عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه".
وميسم الغنم ألطف من ميسم الإبل، ويكتب على ميسم الزكاة "زكاة"، وعلى ميسم الجزية: "جزية أو صغار"، ولا يجوز إخصاء دابةٍ لا يؤكل لحمها، ويجوز إخصاء المأكول في الصغر؛ لأن فيه غرضًا؛ فإن لحم الخصي أطيب، ولا يجوز بعد الكبر، ويقال: إخصاء الفرس يزيده قوة، وإخصاء الحمار ينقص قوته؛ والله أعلم بالصواب.
تم الجزء الثاني، يتلوه إن شاء الله تعالى في الثالث "النكاح".
والحمد لله رب العالمين
[ ٥ / ٢١١ ]