بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وقال تعالى: ﴿َاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ١].
الفيء: اسم لما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين من غير إيجاف خيل ولا ركاب مثل: جزية أهل الذمة وخراج أراضيهم، أو يُصالح الإمام أهل بلد على خراج يؤدونه، أو ضريبة يؤدونها إذا دخلوا بلاد الإسلام لتجارة أو غيرها، أو انجلى الكفار عن بلد، فتركوا أوطانهم وأموالهم لضر أصابهم، أو سمعوا خبر المسلمين فانجلوا خوفًا منهم، أو يموت واحد من أهل الذمة ولا وارث له، أو يموت مرتد أو يقتل؛ فماله يكون فيئًا يوضع في بيت المال.
والغنيمة: ما صار إلى المسلمين من أموال الكفار بإيجاف خيل وركاب سواء أخذوا منهم قهرًا أو هزموهم في القتال، فتركوا أموالهم؛ فاستولى عليها المسلمون.
[ ٥ / ١٣١ ]
والفيء والغنيمة يسمى كل واحد باسم الآخر، ويتميزان بما ذكرنا؛ كالفقير والمسكين: يسمى كل واحد باسم الآخر؛ لاتفاقهما في الحاجة، ثم يتميزان: فكل واحد من المالين مخموس؛ فخمسه لخمسة أصناف على ما نطق به القرآن، وأربعة أخماس الغنيمة للغانمين.
أما أربعة أخماس الفيء كانت خالصة لرسول الله - ﷺ- في حياته، فيعد منها نفقة سنة له ولعياله، ويجعل الفضل مع ما فضل من خمس خمس الغنيمةن والفيء في الكُراع والسلاح عدة في سبيل الله؛ قال النبي - ﷺ-:"مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردودٌ فيكم".
وبعد وفاته - ﷺ- سهمه من خمس خمس الغنيمة، وخمس خمس الفيء لمصالح المسلمين، وفي أربعة أخماس الفيء قولان
أصحهما: أنها للمرتزقة الذين كتب أساميهم في ديوان الغزو؛ فتركوا أشغالهم ولزموا الثغور والمواضع التي إذا استنفروا منها إلى جهة احتيج إليهم للغزو نفروا ذلك؛ لأنها كانت للنبي - ﷺ - لأن الرعب كان منه للكفار، وبعده يحصل الرعب من المرتزقة؛ فيكون المال لهم.
[والثاني: هي للمصالح ويبدأ بالأهم؛ فالأهم هم المرتزقة؛ لأن كل سهم] كان للنبي - ﷺ - في حياته: يكون بعده للمصالح؛ كخمس الخمس، وذكر في "القديم": أن مال المرتد لا يخمس، اختلف أصحابنا فيه:
[ ٥ / ١٣٢ ]
منهم من قال في مال الفيء قولان:
في "الجديد": يخمس؛ كالغنيمة.
وفي "القديم": لا يخمس؛ لأنه لم يُقاتل عليه؛ كما لو صالحهم على الضيافة؛ لم يكن لأهل الخمس فيه حق، بل يستبد بها الذين يمرءون عليهم من المسلمين.
ومنهم من قال: ما أخذ منهم بالرعب مثل أن خافوا فهربوا، وتركوا ديارهم وأموالهم: يخمس، كالغنيمة، وما لم يؤخذ بالرعب؟ مثل: مال المرتد، ومال من مات ولا وارث له: فيه قولان:
في الجدية يُخمس.
وفي القديم: لا يخمس.
فحيث قلنا: لا يخمس: فحكم جميع ذلك المال حكم أربعة أخماس الفيء، حيث يخمس، وفي مصرفه قولان.
بابُ: الأنفال
رُوي عن أبي قتادة؛ أن رسول لله - ﷺ- قال يوم حنين: "من قتل قتيلًا له عليه
[ ٥ / ١٣٣ ]
بينةٌ -: فله سلبه".
[ ٥ / ١٣٤ ]
ورُوي أن النبي - ﷺ - أعطى سلب مرحب يوم خيبر من قتله.
إذا قتل مسلم مكلف حر ذكرٌ في حرب الكفار مشركًا مقيلًا على القتال-: يستحق سلبه، سواء قتله في المبارزة أو في غير المبارزة، وسواء نادى الإمام بأن من قتل قتيلًا فله سلبه، أو لم يُناد؛ لما روي عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ - يوم حُنين فرأيت رجلًا من المشركين علا رجلًا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه ضربةً، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني، فقال رسول الله - ﷺ- من قتل قتيلًا له عليه بينة-: فله سلبه، فقمت
[ ٥ / ١٣٦ ]
فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فقال رسول الله - ﷺ-: "فأعطه إياه فأعطانيه".
وقال مالك وأبو حنيفة: - رحمة الله عليهما-: لا يستحق القاتل السلب إلا بعد نداء الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه، والحديث حجة عليهما؛ لأن قتل أبي قتادة المشرك: كان قبل النداء، وأعطاه النبي - ﷺ - سلب قتيله.
والشرط أن يكون الكافر مقبلًا على القتال، وإن لم يكن مشتغلًا به في تلك الحالة، فلو انهزم الجيش، فقتل واحدًا في الهزيمة-: لا يستحق سلبه، أما إذا قاتله، فهرب من بين يديه، فقتله مُدبرًا أو ولى هره متحرفًا لقتال أو متميزًا إلى فئة، فتبعه، وقتله-: ليستحق سلبه، ولو قصد كافر مسلمًان فجاء مسلم آخر من ورائه، فقتله-: يستحق سلبه؛ بدليل حديث أبي قتادة.
ولو رمى منهما من بُعدٍ إلى صف الكفار، فقتل واحدًا-: لا يستحق سلبه، لأنه لم
[ ٥ / ١٣٧ ]
يُخاطر معه بروحه، أما إذا خرج من الصف، وخرج في مقابلته كافرٌ، فلما قَرُبَ منه، رماه فقتله-: يستحق سلبه.
[ ٥ / ١٣٨ ]
ولو قتله، وهو غير مُقبلٍ على القتال، بأن كان أسيرًا عنده، أو مثخنًا زمنًا، أو كان نائمًا، أو مشتغلًا بأكل-: لا يستحق سلبه.
وقال أبو ثورٍ: يستحق سلبه؛ كيفما قتله؛ وهذا لا يصح؛ لأن ابن مسعود قتل أبا جهل بعدما أثخنه غلامان من الأنصار، فلم يدفع النبي - ﷺسلبه إلى ابن مسعود.
ولو اشترك اثنان في قتل مُشركٍ: يكون السلب بينهما، ولو ضربه رجل، فأزمنه، أو قطع يديه ورجليه جميعًا، ثم قتله آخر-: فالسلب للأول؛ لأنه كفاه شره بالإزمان أو قطع الأطراف، ولو قطع الأول إحدى يديه أو إحدى رجليه، أو جرحه ولم يُزمنه، وقتله الآخر: فالسلب للثاني، ولو قطع الأول يديه أو رجليه أو إحدى يديه مع إحدى رجليه، ثم قتله الثاني: ففيه قولان:
أحدهما: السلب للأول؛ لأنه عطله وجعله كالهالك بقطع الطرفين؛ كما لو فقأ عينيه؛ ثم قتله الآخر-: كان السلب للأول؛ لأنه عطله.
والقول الثاني: يكونُ السلب للثاني؛ لأن امتناعه لا يزول إلا بقطع الأطراف الأربعة؛ فنه بعد قطع اليدين يمكنه أن يعدو يهرب ويجلب، وبعد قطع الرجلين: يمكنه أن يركب فيقاتل بيديه، ولو أسر كافرًا حيًا-: لم يكن له أن يقتله، بل يدفعه إلى الإمام، والإمام فيه بالخيار بين أن يقتله أو يسترقه، أو يمن عليه، أو يُفاديه: فإن من عليه أو قتله-: فهل يستحق الذي أسره سلبه؟ فيه قولان.
أحدهما: لا يستحق؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "من قتل قتيلًا، فله سلبه"، وهو لم يقتله.
والثاني: يستحق؛ لأنه كفى شره بما هو أصعب عليه؛ لأن أسره أشد عليه من قتله.
وإن استرقه الإمام أو فاداه بماله-: فهل تكون رقبته ومال الفداء لمن أسره أم تكون في الغنيمة؟ فعلى هذين القولين.
ولو كان قاتل المُشرك في الحرب صبيًا أو عبدًا أو امرأة-: هل يستحق السلب؟ فيه وجهان:
[ ٥ / ١٣٩ ]
أحدهما: يستحق؛ كالحر البالغ.
والثاني: لا يستحق؛ كما لا يستحق السهم من الغنيمة.
فإن قُلنا يستحق: فإن كان عبدًا-: يكون لسيده، وإن قلنا: لا تستحق المرأة: فإن كان خُنثى-: يوقف حتى يتبين حاله.
وإن كان القاتل ذميًا- نُظر: إن حضر بغير إذن الإمام-: فلا يستحق السلب؛ كما لا يستحق الغنيمة، وكذلك: كل من حضر مخذلًا.
وإن حضر الذمي بإذن الإمام: فإن قلنا: (يرضخه) من بيت المال-: فلا يستحق السلب، وإن قلنا: من الغنيمة-: فكالعبد.
وإن كان المقتول الكافر عبدًا أو امرأة أو مراهقًا: فإن كان لا يقاتل: لا يستحق قاتله سلبه، وإن كان يقاتل-: فعلى وجهين:
أصحهما: يستحق قاتله سلبه؛ لأنه كفى شر قتاله.
والسلب الذي يستحقه القاتل هو: ما عليه من ثياب بدنه مع الخف (والرانين)، وما كان عليه من جُبة الحرب كالدرع والمغفر، وما في يده من السلاح والمركوب الذي يُقاتل عليه، وما عليه من السرج واللجام والمقود ونحوه، أما الجنيبة التي تُقاد بين يديه والدابة التي عليها ثقله والحقيبة وما فيها من الدراهم والأمتعة، والأسلحة التي في رحله -: فلا يستحقها.
[ ٥ / ١٤٠ ]
أما إذا كان نازلًا عن فرسه ممسكًا بلجامه، فقاتل راجلًا-: فهو من السلب؛ لأن الراجل يقاتل تارة راكبًا، وتارة راجلًا.
أما ما كان عليه مما لا يُقاتل به؛ كالطوق والسوار والخاتم والمنطقة وما في وسطه من الدنانير للنفقة-: فهل يستحقها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يستحقها؛ لأنها على بدنه كالثياب.
والثاني: لا يستحقها؛ لأنها للزينة، وليس من جبة الحرب.
وقيل في الجنيبة وجهان.
وهل يخمس السلب؟ فيه قولان.
أصحهما: لا يخمس؛ لأن النبي - ﷺ - جعله للقاتل، فقال: "من قتل قتيلًا، فله سلبه"؛ فكما اختص القاتل به من بين الغانمين: يختص به من بين أهل الخمس.
والثاني: يخمس؛ كسائر الغنيمة، فخمسه لأهل الخمس، والباقي للقاتل.
فصل في هل للأمير أن ينفل بعض الغزاة
رُوي عن ابن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ-"كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش".
[ ٥ / ١٤١ ]
يجوز للإمام أو لأمير الجيش: أن ينفل بعض الغزاة من الغنيمة باجتهاده؛ لزيادة غنى أو كفاية تكون فيهم مثل: أن [يأجر واحدا] بقتل كافر، أو جماعة بفتح حصن أو حفظ ممكن، أو تجسس خبر، أو دلالة على طريق؛ فيعطيهم شيئًا زائدًا من الغنيمة على ما يعطى القوم؛ سواء عين واحدًا أو جماعة [لذلك الأمر]، أو لم يعين، بل قال: من تقدم في سرية كذا-: فله كذا، أو من فتح الحصن الفلاني-: فله كذا. وإنما يجوز ذلك، إذا دعت الحاجة إليه؛ فإن كان من المسلمين قلة، وفي الفار كثرة؛ فيحتاج إلى بعث السرايان وحف المكامن، فإن لم يحتج إليه؛ لكثرة المسلمين وقوتهم-: فلا ينفل، بل يتلقاهم ويتأخرهم.
وليس للنفل تقدير؛ بل تقديره إلى اجتهاد الإمام: يشترطه على قدر عمل العامل؛ فقد رُوي عن عبادة بن الصامت؛ أن النبي - ﷺ-: "نفل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث".
[ ٥ / ١٤٢ ]
فالبداءة: أن يقصد الإمام دخول دار الحرب؛ فيبعث قومًا أمام الجند ينظرون لهم.
والرجعة: أن يرجع عن دار الحرب، فيرد قومًا إلى العدو يحفظونهم عن اتباع المؤمنين والكيد بهم، وجعل النفل في الرجعة أكثر؛ لأن خوفهم أكثر، وبلاءهم أشد؛ لانصراف الإمام عنهم، وشوفهم على أوطانهم أكثر؛ لطول المقام، وفي البداءة؛ يكون افمام وراءهم؛ فلا يكون عليهم من الخوف ما يكون في الرجعة.
ويجوز أن يزيد على الثلث، وينقص عن الربع على ما يراه باجتهاده، ويجوز شرط النفل من مال المسلمين، ويجوز من المال الذي يؤخذ من المشركين، وإن شرط النفل من مال المسلمين-: فيكون من خُمس الخمس سهم النبي - ﷺ - لأنه للمصالح.
قال سعيد بن المسيب: كان الناس يعطون النفل من الخمس.
ويشترط أن يكون معلومًا، ولا يجوز مجهولًا؛ لأنه عوض في عقد، وإن كان من مال الكفار، ومما يغنم-: يجوز مجهولًا؛ كما جعل النبي - ﷺ - الربع والثلث في البداءة والرجعة.
ويكون ذلك من الخمس أو من رأس الغنيمة؟ فيه قولان
أحدهما: من الخمس؛ لحديث سعيد قال الشيخ - ﵀-: معنى الحديث: نفل الثلث والربع من سهم المصالح من الخمس.
والثاني أن يكون النفل من رأس مال الغنيمة، [ثم يُخمس الباقي.
وقيل: من أربعة أخماس الغنيمة]، ومعنى الحديث: شرط لهم ثلاثة أربعة أخماس الغنيمة، أو ربعها، فعلى هذا: يكون الباقي للغانمين.
أما إذا قال الإمام قبل الحرب: من أخذ شيئًا-: فهو له بعد الخمس [أومأ فيه] إلى قولين.
أحدهما: يصح الشرط؛ وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النبي -ﷺ - قال يوم بدرٍ: "من أخذ شيئًا: فهو له".
[ ٥ / ١٤٣ ]
والثاني وهو الأصح-: لا يصح هذا الشرط، بل يشترك فيما أخذ جميع من شهد الوقعة، والحديث غير ثابت، ولئن ثبت-: كانت الغنائم يوم بدر لرسول اللهﷺ- خاصة يفعل فيها ما يشاء.
باب: تفريق الغنيمة
قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [الأنفال: ٤١]. الآية.
ما أخذ المسلمون من الكفار من الأموال بإيجاف الخيل والركاب-: يجب إخراج الخمس منه بعد أن يُعطى السلب للقاتل، ثم يقسم الباقي بين الغانمين، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، منقولًا كان أو عقارًا.
وعند أبي حنيفة: يتخير الإمام في العقار بين أن يقسمه كالمنقول، وبين أن يرده إليهم، وبين أن يقفه على المصالح؛ فظاهر القرآن حجة عليه.
[ ٥ / ١٤٤ ]
أما الآدميون: إذا وقعوا في الأسر- نُظر: إن كان صبيًا أو مجنونًا أو رقيقًا أو امرأة، صاروا أرقاء بنفس الأسر، ولا يجوز قتلهم، ويقسمون كسائر الأموال؛ فإن النبي - ﷺ-[قسم] سبي بني المصطلق، واصطفى صفية من سبي خيبر.
[ ٥ / ١٤٦ ]
أما الرجال الأحرار [العاقلون] البالغون: لا يصيرون أرقاء بنفس الأسر، ثم يُنظر: إن كانوا عجمًا-: يتخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء، سواء كانوا من أهل كتاب أو من أهل الأوثان: إن شاء قتلهم، وإن شاء استرقهم، وإن شاء من عليهم فخلى سبيلهم، وإن شاء فاداهم، وليس هذا باختيار شهوة، بل اختيار اجتهاد؛ فيجتهد حتى يختار ما هو الأنظر للمسلمين، فن وقف به الاجتهاد-: حبسهم إلى أن يرى فيهم رأيه، وإن كانوا عربًا: فهل يجوز استرقاقهم؟ فيه قولان:
قال في الجديد: يجوز استرقاقهم، وهو الصحيح؛ لأن من جاز المن عليه والمفاداة في الأسر-: جاز استرقاقه كغير العربي.
وقال في "القديم":- لا يجوز استرقاق العربي؛ لما رُوي أن النبي - ﷺ - قال يوم حُنين: "لو كان الاسترقاق ثابتًا على العرب: لكان اليوم؛ إنما هو إسارٌ وفداء".
وعند أبي حنيفة: إذا وقع الرجال في الأسر-: جاز قتلهم واسترقاقهم، ولا يجوز المن والفداء.
وقال أبو يوسف: لا يجوز المن، ويجوز الفداء.
والدليل على جوازه قوله ﷿: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ورُوي: "أن النبي - ﷺ- من على أبى عزة الجُمحي يوم بدر، وقتله يوم أحد، ومن بعده على ثمامة بن أثالٍ الحنفي. ورُوي عن عمران بن حصين؛ قال: أسر أصحاب رسول الله - ﷺ - رجلًا من بني عقيل، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي - ﷺ - ففداه رسول الله - ﷺ - بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف".
[ ٥ / ١٤٧ ]
فإن اختار القتل-: قتلهم بحز الرقبة، بلا قطع عضو؛ لقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وقتل النبي - ﷺ - يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، ورُوي عن بُريدة أن رسول الله -ﷺ - كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا" وإن استرقهم فهم كسائر أموال الغنيمة.
وهل يجوز أن يسترق من شخص واحدٍ بعضه؟ فيه وجهان؛ بناء على أن أحد الشريكين إذا استولد الجارية المشتركة، وهو معسر هل يكون الولد كله حرًا أم يكون بقدر نصيب الشريك رقيقًا؟ فيه قولان.
فإن لم نجوز: فإذا ضرب الرق على بعضه-: كان كله رقيقًا.
وإن اختار الفداء-: يجوز أن يفديهم بالمال، سلاحًا كان أو غيره، ويجوزُ بأسارى المسلمين فيرد مشركًا بمسلم، أو مشركين بمسلم، وإن كانت أسلحتنا في أيديهم-: جاز أن يفديهم بها، وإن كانت أسلحتهم في أيدينا-: لا يجوز ردها بالمال؛ كما لا يجوز بيع السلاح [منهم]، وهل يجوز ردها بأسارى المسلمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن السلاح يعينهم على قتالنا، والمسلم لا يعينهم.
والثاني: يجوز؛ لأن استعمالهم السلاح في قتالنا موهوم، ومذلة المسلم في أيديهم يقين، وإذا فاداهم بالمال-: يكون ذلك المال من الغنيمة، وإن وقع في الأسر واحدٌ منهم،
[ ٥ / ١٤٨ ]
فشك الإمام في بلوغه-: يكشف عن مؤتزره: فإن أنبت فهو بالغ، وألا فهو صبي؛ رُوي عن عطية القُرظي، قال: "عُرضنا على النبي - ﷺ- يوم قريظة، فكان من أنبت قُتلن ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلى سبيله".
فإن وجد واحد قد أنبت فقال: إني لم أبلغ، وأنبت بالعلاج-: قُبِلَ قوله مع يمينه، وإنما قبلنا يمينه، وهو يزعم أنه صبي، والصبي لا يمين له؛ نظرًا للمسلمين؛ ليون خولًا لهم، ولأن معه أماره البلوغ، وهو الإنبات، وهذا بخلاف ما لو ادعى على مراهق شيئًا، أو ادعى أنه بالغ، وهو ينكر بلوغه-: لا يحلف لأنه لا دليل على بلوغه، ولو لم يحلف-: لا يثبت عليه شيء، وههنا: إنباته دليل بلوغه، ويحكم [عليه]، لو لم يحلف.
قال أصحابنا: وهذا على قولنا: إن الإنبات في الكفار علامة البلوغ، فإن جعلناه حقيقة البلوغ-: فلا يقبل قوله، ويجري عليه حكم البالغين.
ولو أسلم واحدٌ منهم-: قُبل أن يقع في الأسر-: فهو حُر، وقد أحرز جميع ماله، عقارًا كان أو منقولًا، سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام، وأحرز أولاده الصغار والمجانين؛ فلايجوز سبيلهم، ويحكم بإسلامهم تبعًا [له]؛ لما رُوي "أن النبي - ﷺ - حاصر بني قريظة، فأسلم ابنا سعيه: ثعلبة وأُسيدٌ؛ فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار".
وهل يحرز ولد ولده؟ فيه وجهان:
وقيل: الوجهان فيما إذا كان أبوه حيًا؛ فإن كان أبوه ميتًا-: يحرز، وإن كان له ولد بلغ عاقلًا، ثم جُن-: هل يحرزه؟ فيه وجهان:
الأصح: يحرزه؛ كالذي بلغ مجنونًا.
وعند أبي حنيفة: يُحرز من أمواله المنقول دون العقار.
فأما إذا أسلم واحد منهم بعد ما وقع في الأسر قبل أن يرى الإمام فيهم رأيه-: حَرُمَ قتله.
أما الاسترقاق: فقد قال الشافعي -﵁ - في كتاب "السير": وإن أسلموا بعد الإسار -: رقوا، اختلف أصحابنا فيه.
[ ٥ / ١٤٩ ]
منهم من قال: يصير رقيقًا بنفس الإسلام، لأنه أسير حرم قتله؛ فكان رقيقًا؛ كالصبيان والنسوان.
ومنهم من قال: لا يصير بنفس الإسلام رقيقًا، وهو الأصح؛ لأنه بالغ عاقل، ولكن للإمام استرقاقه إن شاء، وإن شاء من عليه، وإن شاء فداه؛ لما روي أن الأسير العُقيلي قال بعد الإسار: يا محمد، إني مسلم، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو قُلتها وأنت تملك أمرك-: أفلحت كل الفلاح"، ففداه بالرجلين من المسلمين اللذين أسرتهما ثقيف، ولأن الخيار إذا ثبت بين أشياء، فإذا سقط احد لا يبطل الخيار في الباقي؛ كما في كفارة اليمين، إذا عجز عن العتق: لا يبطل الخيار بين الإطعام والكسوة.
ومعنى قول الشافعي -﵁-: "رقوا أي: قربوا من الرق؛ فعلى هذا: إذا اختار الفداء-: لم يجز أن يُفاديه إلا أن يكون له عشيرة يأمن معهم على دينه ونفسه، فإن استرقه أو فداه بمال-: كان ذلك في الغنيمة، وإن من عليه: فما أخذ من ماله-: لا يرد إليه؛ بل يكون غنيمة، وإن كانوا أهل كتاب، فقبل واحد منهم الجزية بعدما وقع في الأسر-: هل يحرم قتله؟ فيه قولان:
أحدهما: يحرم قتله، لأن قبول الجزية حاقن للدم؛ كما لو قتل قبل وقوعه في الأسر.
والثاني: لا يحرم قتله، ولا استرقاقه، والإمام فيه بالخيار بين أحد الأشياء الأربعة كما كان؛ بخلاف ما لو قبل الجزية قبل الإسار؛ لأن ثم يجب عرض الجزية عليه، فإذا بذل، وجب القبول، وبعد الأسر بخلافه.
قال الشيخ - ﵀-: فإن قلنا: يحرم قتله-: جعلوا في استرقاقه وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ بل يجب تقريره بالجزية، كما لو بذل قبل الأسر.
والثاني- وهو الأصح عندي-: يجوز استرقاقه؛ لأن قبول الجزية دون الإسلام.
ولو أسلم بعد الإسار-: جاز استرقاقه؛ كذلك: إذا قبل الجزية؛ وكذلك: ماله الذي وقع في أيدينا: يون غنيمة، سواء قلنا: يحرم قتله، أو: لا يحرم.
ولو أسر جماعة، فقالوا: نحن مسلمون، أو أهل الذمة- نُظر: إن أخذوا من دار الإسلام-: قُقبل قولهم مع أيمانهم، وإن اخذوا في دار الحرب-: لا يُقبل قولهم؛ لأن الدار تشهد عليهم.
[ ٥ / ١٥٠ ]
ولو أسلمت امرأة قبل الأسر-: فقد أحرزت نفسها ومالها وأولادها الصغار.
وقال مالك: لا تحرز أولادها؛ وهو قول الشافعي- رحمة الله عليه-.
وإن أسلمت بعد الأسر-: فهي رقيقة، ما معها من الأموال غنيمة، ولا يجوز للإمام أن يرد شيئًا من أموال الكفار إليهم، ولا من صبيانهم ونسوانهم بعدما غنموها، وإن أسلموا إلا بطيبة أنفس الغانمين؛ لأنهم ملكوها بالاغتنام، [والدليل عليه: ما رُوي] مروان، والمسور بن مخرمة؛ أن رسول الله - ﷺ- جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "مع من ترون؟ فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال"، قالوا: فإنك تختار سبينا، فقام رسول الله - ﷺ- في المسلمين، فأنثى على الأهل بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم: فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل"، فقال الناس: قد طبنا ذلك يا رسول الله.
ولو أُسر عبد منهم، فرأى أن يمن عليه-: لم يجز إلا برضا الغانمين، وإن رأى قتله لشدته وقوته قتله، وضمن قيمته للغانمين.
ولو أسلم حربي، بعد تقصي الحرب، قبل حيازة الغنائم-: هل يرد إليه ماله فيه وجهان: الأصح: لا يُرد.
وإذا استولى الكفار على أموال المسلمين-: لم يملكوها، عقارًا كان أو منقولًا، فإذا أسلموا، والمال في أيديهم-: يجب رده إلى المسلمين، وإذا غنمها المسلمون-: يجب ردها إلى أربابها، سواء كان قبل القسمة أو بعدها، ثم إن كان بعد القسمة-: يُعوض الإمام من وقع ذلك المال في قسمته من بتي المال، فإن لم يكن في بيت المال مال-: يعيد قسمة الغنيمة بعد رد مال المسلم إليه؛ روى عمران بن حصين، أن المشركين أغاروا على سرح المدينة، وذهبوا بالعضباء، وأسروا امرأة، فانفلتت ذات ليلة فأتت العضباء فقعدت في عجزها، ونذرت أن لو نجاها الله عليها لتنحرنها؛ فلما قدمت المدينة- ذكرت ذلك، لرسول الله - ﷺ- فقال: "بئس ما جزيتها؛ لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا
[ ٥ / ١٥١ ]
فيما لا يملك العبد".
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا استولى الكفار على أموال المسلمين، وأحرزوها بدار الحرب-: ملكوها، فإن أسلموا، والمال في أيديهم-: لا تسترد منهم، وإن غنمها المسلمون-: فمالكه أولى به. قبل القسمة، وإن كان بعد القسمة-: أخذه بالقيمة.
وبالاتفاق لو أبق عبد من عبيد المسلمين إليهم، أو غار فرس، فأخذوه-: لا يملكونه، وبالاتفاق: لو أنهم، استولوا على مكاتبينا، وأمهات أولادنا-: لا يملكونها؛ كما لا يملكون رقاب أحرارنا، وإن كان المسلمون يملكونها عليهم؛ كذلك: سائر الأموال يملكها المسلم عليهم، وهم لا يملكونها على المسلم.
ولو هلك [في أيديهم] ما أخذوا من المسلمين قبل الإسلام، أو قبل عقد الذمة، أو أتلفوه-: فلا ضمان عليهم بالاتفاق؛ [كما لو قتلوا مسلمًا أو مكاتبًا أو أم ولد المسلم-: لا ضمان عليهم]، ولو أن مسلمًا أعتق عبدًا كافرًا، فنقض العتيق العهد، والتحق بدار الحرب؛ فلا يُسترق، ولا يبطل ولاء المسلم؛ ما لا يبطل ملكه.
ولو تزوج المسلم حربية، أو حربي أسلم، وله زوجة كافرة-: هل تُسبى زوجته؟ فيه وجهان:
أحدهما لا تسبى؛ كما لا يسبي عتيقه.
والثاني-: وهو الأصح، والمنصوص عليه-: تسبى وينفسخ النكاح؛ لأن النكاح يبطل بأسباب لا يبطل بها الولاء.
فإن قلنا: تسترق زوجته: فإن كانت حاملًا من مسلم-: لم يجز استرقاق الحمل؛ لأنه مسلم، وهل يجوز استرقاق الأم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز [كما لا يجوز] بيع الأمة الحامل دون الحمل.
والثاني: يجوز؛ لأنها مربية؛ كما لو لم تكن حاملًا.
ولو استأجر مسلم حربيًا، فسبى الأخير، هل تبطل الإجارة فقد قيل: فيه وجهان؛ كالنكاح-: هل يبطل؟ فيه وجهان: والمذهب: أنه لا تبطل الإجارة وجهًا واحدًا؛ كما لا يبطل ملكه على المال، بخلاف منفعة البضع: فإنها ليست كالمال؛ بدليل أنها لا تضمن
[ ٥ / ١٥٢ ]
بالغصب، ومنفعة المال تضمن بالغصب كالمال.
ولو أعتق حربي عبدًا-: يسترق عتقه، ويبطل ولاؤه؛ كما تسترق رقبته.
ولو أعتق ذمي عبدًا كافرًا، فنقض العتيق العهد-: هل يسترق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسترق؛ ما لو نقض السيد العهد.
والثاني: لا يسترق، ولا يبطل ولاؤه؛ لأن له عهدًا؛ كما لا يغنم عبده وماله.
ولو أعتق ذمي عبدًا، ثم نقض السيد العهد، والتحق بدار الحرب، فاسترق-: فالمذهب: أن ولاءه على عتيقه-: لا يُبطل حتى لو عتق: يكون ولاؤه باقيًا عليه، ويثبت لمعتقه الولاء على عتيقه، ولو ملكه عتيقه، فأعتقه-: يكون لكل واحد منهما الولاء على الآخر.
وقيل: إذا استرق السيد-: بطل ولاؤه على عتيقه؛ كما يبطُل ملكه على عبده.
ولو كان لمسلم [على] حربي دينٌ، فاسترق الحربي: لا يسقط دين المسلم، إن سبى مع ماله، أو غنم ماله بعد استرقاقه-: يُقضى منه دين المسلم، ويقدم على الغنيمة؛ كما يقدم [على] الوصية، وإن زال ملكه بالرق كالمرتد-: يؤدي ديونه من ماله وإن حكمنا بزوال ملكه.
وإن غنم ماله قبل استرقاقه-: فالمال للغانمين، والدين في ذمته إلى أن يعتق، فيؤدي.
وإن كان الدين مؤجلًا-: هل يحل الأجل بالاسترقاق؟
فيه وجهان؛ بناء على المفلس إذا حجر عليه-: هل تحل ديونه المؤجلة؟ فيه وجهان.
وإن كان الدين للسابي-: هل يسقط؟ فيه وجهان؛ بناء على ما لو كان في ذمة الغير دين، فملكه-: هل يسقط أم لا؟ فيه وجهان.
ولو كان لذمي على حربي دين، فاسترق الحربي-: هل يسقط الدين؟ فيه وجهان، ولو كان لحربي على حربي دينٌ، فاسترق أحدهما-: يسقط؛ لزوال ملكه.
[ ٥ / ١٥٣ ]
ولو أسلم من عليه الدين، أو دخل إلينا بأمان-: لا يسقط الدين؛ كما لو تزوج امرأة، وأصدقها مهرًا، ثم أسلما، أو ترافعا إلينا، بأمانٍ-: يؤخذ من الزوج المهر، فإن كان قد قهر رب الدين في دار الحرب بمنعه منه-: فقد سقط؛ لأن الدار دار قهر، حتى لو قهر العبد سيده-: يصير حرًا، ويصير السيد عبدًا.
ولو قهرت المرأة زوجها-: يرتفع النكاح؛ فقد نص الشافعي - ﵁- على أنه لو تزوج حربي حربية، فدخل بها، فماتت، وأسلم الزوج، أو دخل إلينا بأمان، فجاء وارثها يطلب الصداق -قال: لا شيء له؛ فهذا يدل على أن الدين يسقط.
قال ابن سريج: الأول أصح، وتأويل هذه المسألة: أن يكون الحربي تزوجها بلا مهر.
ولو سبى الزوجان معًا، أو أحدهما-: ينفسخ النكاح، سواء كان الزوجان صغيرين، أو كبيرين، قبل الدخول كان أو بعده.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: إن سبيا معًا: يدوم النكاح بينهما.
والدليل على ما قلنا: ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساء يوم أوطاس، فكرهنا أن نقع عليهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فاستحللناه.
ورُوي أن النبي - ﷺ - قال: يومئذٍ: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض"، ولم يفصل بين ذات الزوج وغير ذات الزوج، وكان في ذلك السبي جميع ذلك.
وإن كان الزوجان مملوكين، فسُبيا أو أحدهما-: فالصحيح: أن النكاح لا ينفسخ؛ لأنه لم يحدث بالسبي رق؛ وإنما حدث انتقال الملك، والنكاح لا ينفسخ بانتقال الملك؛ كما لو انتقل بالبيع.
[ ٥ / ١٥٤ ]
ومن أصحابنا من قال: ينفسخ النكاح؛ لأنه حدث [بسبي موجبٍ للاسترقاق]، فصار كحدوث رق آخر.
قلت: الدليل عليه: أنها لو كانت أم ولد تصير قنة.
ولو سُبيت امرأة مع ولدها صغيرًا دون سبع سنين، أو ثمان سنين-: يجتهد الإمام عند القسمة؛ حتى يجعلهما لرجلٍ واحدس، ولا يُفرق بينهما، فإن لم يمكن يشرك فيهما رجلين.
ولا يجوز التفريق بين الأم والولد الصغير في بيع ولا قسمة، فإن فعل-: فلا يصح البيع ولا القسمة على قوله الجديد.
[وقال في] "القديم": يصح، وبه قال أبو حنيفة، والأب مع الولد الصغير كالأم؛ على أصح الوجهين.
وفيه وجه آخر: أن التفريق بين الأب والولد: يجوز؛ لأنه لابد وأن يفارقه في الحضانة؛ لأنه لا يتولى حضانته بنفسه، بخلاف الأم، ويجوز التفريق بين الأخوين، والمستحب ألا يفعل إن أمكن.
ولو دخل حربي دار الإسلام بلا أمان-: جاز قتله واسترقاقه، واغتنام ما معه من
[ ٥ / ١٥٦ ]
الأموال والأولاد، وإن رأى الإمام المَنَّ أو الفداء يجوز كالأسير: وإن دخلت امرأة بلا أمان-: جاز استرقاقها، ولو دخل إلينا بأمانٍ، أو عقد ذمة-: فهو وما معه من المال والأولاد في أمان، فإن كان له في دار الحرب مالٌ وولدٌ-: فلا أمان لما في دار الحرب، ويجوز اغتنامُها؛ لأنه يجوز أن يفترق المالك والمملوك في الأمان، حتى لو بعث حربي مالًا إلى دار الإسلام على يدي مسلم أو ذمي-: ايتعرض لماله؛ لأنه في أمان [بأمانٍ] من معه وإن لم يكن للمالك أمان.
ولو دخل حربي إلينا بأمان أو رسالة أو عقد ذمة، وله أولاد عندنا، فنقض العهد، والتحق بدار الحرب، أو عاد إليها للإقامة-: فهو نقض للعهد، ولو ترك عندنا أولاده لا يُسبى أولاده، وإن مات الأب: فإن بلغوا، أو قبلوا الجزية-: تُركوا، وإن لم يقبلوا-: يبلغون المأمن.
ولو أن هذا الذمي أو المستأمن أودع عندنا مالًا، أو باع واشترى، وترك أموالًا، وعاد إلى دار الحرب ناقضًا للعهد-: فماله في أمانٍ عندنا لا يُغنم ما دام حيا فإن مات في دار الحرب، أو قُتِلَ، أو بعث حربي ماله إلى دار الإسلام على يد مسلم، ومات هو في دار الحرب: فهل يكون ماله فيئًا؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المُزني: لا يكون فيئًا؛ بل يُبعث إلى وارثه في دار الحرب؛ لأنه كان في أمان في حياته، فإذا مات-: قام وارثه مقامه؛ كما لو مات في دار الإسلام.
والثاني: يكون فيئًا: خُمسه لأهل الخمس، والباقي لأهل الفيء؛ لأنه صار لمن لم يكن له أمان.
وعند أبي حنيفة: إن كان ماله دينًا على الناس-: يسقط عنهم، وإن كان عينًا-: كان فيئًا، ولو لم يمت صاحب المال، ولكن سُبي واسترق فما حكم ماله؟ يُبنى على الموت إن قلنا: إذا مات يون ماله فيئًا: فههنا قولان: أحدهما يكون فيئًا؛ كما لو مات، لأن بالرق يزول الملك، كما يزول بالموت. والثاني: يوقف لأنه يرجى له ملك، بخلاف ما لو مات، فعلى هذا إن عتق، فهو له، وإن مات في الرق-: يكون فيئًا.
وإن قلنا: إذا مات يكون لوارثه-: فههنا: يوقف: فإن عتق: فهو له، وإن مات في الرق-: فعلى قولين:
أحدهما: يُصرف إلى وارثه؛ كما لو مات حُرا.
والثاني- وهو الأصح-: يكون فيئًا؛ لأن الرقيق لا يُورث منه. أما إذا عاد الذمي إلى
[ ٥ / ١٥٧ ]
دار الحرب لتجارة أو رسالة غير ناقض للعهد، فمات-: فهو كما لو مات في دار الإسلام: يكون ماله لوارثه. ولو دخل مسلم دار الحرب بأمانٍ، فسرق منهم مالًا أو استقرض منهم مالًا، وعاد إلى دار الإسلام، ثم جاء صاحب المال إلى دار الإسلام بأمان-: وجب على المسلم رد ما سرق أو استقرض؛ لأن الأمان يوجب ضمان المال من الجانبين جميعًا.
فصل في قسمة الغنيمة
إذا أراد الإمامُ أو أمير الجيش قسمة الغنيمة-: يبدأ، فيدفع السلب إلى القاتل، أن قلنا: لا يُخمس.
ثم يُعطى المؤن التي لزمت الغنيمة من أجرة الحامل والحافظ ونحوها.
ثم ما بقي منها يجعلها خمسة أقسام مستوية، ويقطع [خمس] رقاع صغار، يكتب على واحدة: "لله تعالى"، وعلى أربعة: غنيمة، ويجعلها في بنادق طين: مستوية، ويجففها، ثم يخرج على كل قسم واحدة؛ فأيها خرج عليها سهم الله تعالى-: جعله بني أهله على خمسة أسهم، و[قسم] الباقي بين الغانمين، [فيسهم] للرجال الأحرار المسلمين البالغين: للراجل منهم سهمًا واحدًا، وللراكب ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لأجل فرسه؛ [لما روي] عن ابن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ- ضرب للفرس سهمين، وللفارس سهمًا، فيكون للراكب ثلاثة أسهم، وهذا قول أكثر أهل العلم.
[ ٥ / ١٥٨ ]
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: للراكب سهمان: سهم له، وسهم لفرسه.
ويستوي في استحقاق السهم من قاتل ومن لم يقاتل؛ لاستوائهما في إرهاب العدو.
وأما الصبيان والنسوان والعبيد: إذا [حضروا الوقعة يُرضخ لهم].
والرضخ: أقل من السهم، ولا تقدير له، بل هو إلى اجتهاد الإمام، ولا يبلغ سهم الراجل؛ ما أن التعزير-: لا يبلغ الحد [قط]، والحكومة: لا تبلغ أرش العضو، والذمي إذا حضر القتال بغير إذن الإمام-: لا يستحق شيئًا، وإن رأى الإمام تعزيره، إذا حضر دون إذنه-: له ذل؛ ما لو دخل مسجدًا بغير إذن-: عزره إن رأى؛ بخلاف المسلم إذا حضر بغير إذن الإمام-: يستحق الغنيمة؛ لأن المسلم غير متهم بموالاة الكفار، والكافر متهم بموالاة أهل دينه، وقد يون خرج إلى دارهم؛ ليكون عونًا لهم؛ فلا يستحق شيئًا.
[ ٥ / ١٦٤ ]
وإن حضر بإذنه: فإن استأجره-: فليس له إلا الأجرة، وإن لم يستأجره-: فله الرضخ، وإن خرج نساء أهل الذمة بإذن الإمام-: هل يرضخ لهن؟ فيه وجهان:
الأصح: يرضخ؛ كنساء المسلمين.
ومن قاتل أكثر من غيره-: فللإمام أن يرضخ له مع السهم.
ويزيد رضخ العبيد على رضخ النساء والصبيان؛ لأن البأس من العبيد أشد.
وإذا حضر العبد فارسًا-: هل يجوز أن يزاد رضخه على سهم الراجل، [أو يبلغ سهم
[ ٥ / ١٦٥ ]
الراجل]؟ فيه وجهان؛ بناء على أنه هل يجوز أن يبلغ التعزير حدًا أم لا؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز، ولا يبلغ ثلاثة أسهم.
ومن أين يرضخ للعبيد والنسوان والصبيان؟ فثلاثة أوجه:
أصحهما: يكون من أربعة أخماس الغنيمة؛ كالسهام؛ لأنه يستحق بحضور الوقعة.
والثاني: يكون من رأس [مال] الغنيمة قبل إخراج الخمس؛ كالمؤن التي تلزم الغنيمة في النقل والمع والحفظ [تكون من رأس مال الغنيمة].
والثالث: من خمس الخمس سهم النبي - ﷺ-.
وفي رضخ الذمي وجهان.
أصحهما: كرضخ العبيد.
والثاني: يكون من خُمس الخمس سهم النبي، -ﷺ-؛ لأنه للمصالح.
فإن قلنا: يكون من رأس مال الغنيمة-: فهو كالسلب-، إذا جعلناه من رأس الغنيمة، فيبدأ الإمام إذا أراد القسمة، فيعطى السلب على القاتل، ويرضخ لأهل الرضخ، ثم يُخمس الباقي؛ كما ذكرنا، ومن حضر بفرسين-: فلا يسهم إلا لفرس واحدٍ، لأنه لا يقاتل إلا على واحد.
وفيه قول آخر: أنه يُسهم لهما، ولا يسهم لأكثر من ذلك، وهو قول الأوزاعي:
والأول المذهبُ؛ لما روي عن ابن عمر: "أن الزبير حضر يوم حنين بأفراس، فلم يُسهم النبي - ﷺ- إلا لفرس واحد".
[ ٥ / ١٦٦ ]
وسهم الفرس يستوي فيه العتيق، وهو: الذي أبواه عربيان، والمُقرف، وهو: الذي أمه عربية، وأبوه عجمي، والهجين، وهو: الذي أمه عجمية، وأبوه عربي، والبرذون، وهو: الذي أبواه عجميان؛ لأن النبي - ﷺ- قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير على يوم القيامة-: الأجر، والمغنم"، واسم الخيل يتناول الكل.
[ ٥ / ١٦٧ ]
وفيه قول آخر: أنه لا يسهم للبرذون، بل يرضخ له؛ لأنه لا يعمل عمل العربي، وليس بصحيح؛ لأنه من جنس الفرس، وإن اختلفا في قدر العناء والقوة؛ [كالرجلان:
[ ٥ / ١٦٨ ]
الضعيف، والقوي]: يستويان في استحقاق السهم، إذا حضرا القتال.
ولا يسهم لدابة سوى الخيل، فإن حضر رجل على بعير أو فيل أو بغل أو حمار يُسهم للراجل ويرضخ لهذه الدواب؛ لأنها لا تصلح للكرِّ والفرِّن كما تصلح الخيل؛ ويجعل رضخ الفيل أكثر من رضخ البغل، ورضخ البغل أكثر من رضخ الحمار، ولا يبلغ سهم الفرس.
ويجوز أن يزاد على رضخ العبيد.
ومن استأجر فرسًا أو استعار، فحضر عليه القتال: يستحق سهمه، ويكون له، وإن حضر على فرس مغصوب-: يسهم له وللفرس، وسهم الفرس لمن يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: يون لمن قاتل عليه؛ لأن الفرس لا يستحق بنفسه شيئًا، إنما يستحق بالراكب؛ لأن العناء والقوة منه.
والثاني: يون للمالك؛ لأن الراكب ما أبلى بنفسه وحده، إنما أبلى به وبالفرس، فله سهمه، ولمالك الفرس سهم الفرس.
ونظير هذا: إذا اصطاد بجارحة مغصوبة-: فالصيد لمن يكون؟ فيه وجهان.
وعلى الإمام أن يتعاهد الخيل، إذا أراد دخول دار الحرب؛ فلا يُدخل إلا فرسًا شديدًا، ولا يدخل حُطمًا، [وهو الكسير]، ولا قمجًا وهو: المُسن الضعيف، ولا ضرعًا وهو: الصغير الضعيف، ولا أعجف رازحًا.
فلو أدخل رجل منها شيئًا - نظر: إن كان الإمام قد نهى عنه-: فلا يستحق له شيئًا، وإن لم ينه أو لم يسمع صاحبه نهيه-: فهل يسهم له؟ فيه قولان:
أحدهما: يُسهم له؛ كالشيخ الضعيف، إذا حضر: يستحق السهم.
[ ٥ / ١٦٩ ]
والثاني- وهو الأصح-: لا يسهم له؛ لأنه لا يغنى عناء الخيل، بل يكون كلا على صاحبه؛ بخلاف الشيخ؛ فإنه يستعان برأيه.
وقال أبو إسحاق: إن أمكن القتال عليه: يسهم [له]؛ وإلا فلا.
وإن كان القتال في حصن وبيت لا يحتاج فيه إلى الفرس-: يستحق صاحبه سهم الفرس؛ لأنه يحتاج إليه إذا أخرجوا.
ومن حضر القتال مُخذلًا، أو كان يرجف بالمسلمين-: فلا شيء له من الغنيمة؛ لأن في حضوره مضرة للمسلمين.
ومن حضر الوقعة مريضًا- نُظر إن كان مرضًا يرجى زواله-: يستحق السهم، وإلا فلا.
ولو حضر صحيحًا، فمرض [في الحرب]، أو أثخن بالجراحة، بحيث لا يمكنه القتال-: نُظر: إن كان [يرجى زواله: يستحق السهم، وإن كان] لا يرجى زواله-: فعلى قولين:
أصحهما: يستحق؛ لأنه معذور بترك القتال؛ كما لو مرض مرضًا يرجى زواله.
والثاني: لا يستحق؛ لأنه خرج عن أن يكون منه قتال؛ كما لو مات.
ولو حضر الوقعة أجيرًا- نظر: إن استؤجر للجهاد-: لا يصح؛ لأنه يفترض عليه الجهاد، إذا حضر الوقعة، وإذا حضر-: لا يستحق الأجرة، ولا السهم، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه لم يحضر مجاهدًا.
وإن استؤجر لسياسة الدواب، وحفظ المتاع، أو لعمل آخر مدة معلومة، فحضر القتال- نظر: إن لم يقاتل: لا يستحق من الغنيمة شيئًا.
وإن قاتل-: ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: له الجرة لجميع المدة، ويرضخ له من الغنيمة؛ لأن منفعته مستحقة لغيره؛ كالعبد إذا حضر القتال: يرضخ له.
والثاني يسهم له مع الجرة؛ لأن الجرة تجب بالتمكين، والسهم بحضور الوقعة، وقد وُجِدَ الكل.
[ ٥ / ١٧٠ ]
والثالث: يُخير بين السهم والأجرة؛ فإن اختار الأجرة-: فله الأجرة، ويرضخ من الغنيمة، فإن اختار السهم-: أسهم له من الغنيمة، وجعل كأنه خرج للجهاد، وسقطت الأجرة؛ لأن المنفعة الواحدة لا يستحق بها حقان، فن اختار السهم، وأسقطنا أجرته-: فمن أي وقت سقط؟
فيه وجهان:
أحدهما: من وقت دخول دار الحرب، ويصير مجاهدًا من ذلك الوقت بدخوله دار العدو.
والثاني: من وقت حضور الوقعة؛ لأن استحقاق السهم بحضور الوقعة، فإذا اشتغل بالقتال: سقطت أجرة زمان اشتغاله بالقتال؛ فأما أجرة ما قبله وما بعده-: فلا يسقط هذا، إذا كانت [الأجرة على] مدة معلومة.
فإن كانت في الذمة كأنه استأجره لخياطة ثوب، فخرج وجاهد-: فله السهم، لا يختلف القول فيه، ويتأخر ما في الذمة من العمل إلى أن يعمل.
فإن قلنا: يستحق الأجير السهم: [فإن قتل كافرًا-: يستحق سلبه، وإن قلنا: لا يستحق السهم]-: فهل يستحق سلب القتيل فعلى وجهين؛ كالعبد.
ولو خرج للتجارة، فحر الوقعة، فإن لم يُقاتل-: لا يستحق السهم، وإن قاتل فعلى قولين، وكذلك: تجار الجيش.
أحدهما: لا سهم لهم؛ لأنهم لم يحضروا للجهاد.
والثاني: يسهم لهم؛ لأنهم قاتلوا مشاهدة.
وأما من خرج للجهاد، فحمل مع نفسه بضاعة ليبيعها، فحضر الوقعة-: يستحق السهم، قاتل أو لم يقاتل.
فإن قلنا: لا يسهم للتاجر، فهل يرضخ له؟ فيه وجهان.
أصحهما: يرضخ له؛ كالعبد.
ولو أفلت أسيرٌ من أيدي الكفار، والتحق بصف المسلمين، وحضر القتال-: فإن كان من هذا الجيش-: استحق السهم، قاتل أو لم يقاتل، وإن كان من جيش آخر: فإن قاتل-: ستحق السهم، وإن لم يقاتل-: فعلى قولين:
[ ٥ / ١٧١ ]
أحدهما: يستحق بحضوره الوقعة.
والثاني: لا يستحق، لأنه لم يقصد الجهاد.
ولو أسلم كافر منهم، والتحق بالمسلمين-: استحق السهم، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه قصد إعلاء كلمة - الله تعالى- بالإسلام، وحضور الوقعة.
فصل في استحقاق الغنيمة
رُوي عن أبي بكر وعمر ﵄- أنهما قالا: "الغنيمة لمن شهد الوقعة".
استحقاق الغنيمة - عندنا- بحضور الوقعة على نية الجهاد، وتُملك بالاستيلاء والحيازة-.
وعند أبي حنيفة: الاستحقاق بدخول دار الحرب على عدم القتال، والملك بالاحتراز بدار الإسلام.
ونعني بقولنا: تُملك بالاستيلاء والحيازة: أنه ينقطع حق الغير عنه، ولا يتوقف على النقل إلى دار الإسلام؛ لأنهم يملكونها- ملكًا حقيقيًا.
واختلفوا في أنهم هل يملكونها قبل القسمة.
قال ابن سريج وجماعة: يملكونها، ولكنهم [ملكوا إن تملكوا]؛ بدليل أنهم لو تركوا حقوقهم-: يترك.
ويجوز للإمام: أن يخص كل طائفة بنوع ولو ملكوا-: لم يجز إبطال حقهم عن بعض الأجناس.
ومنهم من قال: ملكوا ملكًا ضعيفًا، ولذلك لم تجب فيه الذكاة قبل القسمة.
أما إذا أفرز الإمام الخمس، وأفرز نصيب كل واحد منهم، أو أفرز لكل طائفة شيئًا معلومًا، واختاروا التملك: ملكوه ملكًا حقيقًا، حتى لا يُترك بالترك، وبعد الإفراز قبل اختيار التملك-: هل يملكون؟ وجهان:
الأصح: لا يملكون، حتى لو ترك بعضهم حقه-: يتركُ إلى الباقين، ولو تركوا جميعًا يُترك إلى أهل الخمس.
ويتفرع على هذا الأصل الذي ذكرنا: مسائل مختلفٌ فيها:
[ ٥ / ١٧٢ ]
[منها] أن قسمة الغنائم يجوز في دار الحرب، ولا تُكره؛ لأن النبي -ﷺ- قسم غنائم بدر لشعب من شعاب الصقراء قريب من بدر، وقسم غنائم بني المصطلق على مياههم، وقسم غنائم حنين بأوطاس، وهو وادي حنين.
وكره أبو حنيفة قسمة الغنائم في دار الحرب.
ومنها: أنه إذا دخل دار الحرب فارسًا، فمات فرسه قبل حضور الوقعة، وحضر الوقعة راجلًا-: لا يستحق سهم الفرس.
وعند أبي حنيفة: يستحق.
وبالاتفاق: لو باع الفرس، أو كان قد استعاره، ورده، وحضر راجلًا-: لا يستحق سهم الفرس، ولو مات صاحب الفرس قبل حضور الوقعة-: لا يستحق، فإذا فات سهمه بالموت-: فسهم فرسه أولى.
ومنها: لو دخل دار الحرب راجلًا، فاشترى فرسًا، أو استأجر، أو استعار، وحضر الوقعة-: يستحق سهم الفرس، وعنده: لا يستحق.
ومنها: أنه لو لحق المسلمين مدد بعد انقضاء الحرب، وحيازة الغنيمة قبل دخول دار الإسلام-: لا يستحقون شيئًا، وعندهم: يستحقون.
وبالاتفاق: لو لحقوا قبل تقضى الحرب، وحيازة الغنيمة-: يستحقون قل حضورهم أو كثروا.
ولو لحقوا بعد تقضي الحرب قبل حيازة الغنيمة-: فعلى وجهين.
أصحهما: لا يستحقون؛ لأنهم لم يحضروا الوقعة؛ كما لو حضروا بعد حيازة الغنيمة.
والثاني: يستحقون؛ لأنهم لحقوا قبل كمال الاستيلاء.
وكذلك: الأسير إذا أفلت إلينا بعد تقضي الحرب وقبل حيازة الغنيمة-: هل يستحق السهم؟ فعلى وجهين.
ولو لحقوا قبل تقضي الحرب، وقد أحرزوا الغنيمة أو بعضها-: فإنهم يشتركون فيما أحرزوا بعد حضورهم.
وهل لهم شركة فيما أحرزوا من قبل؟ فيه وجهان: الأصح: أنهم يستحقون منه؛ لأنهم حضروا الوقعة، ولو مات واحدٌ من الغانمين بعد تقضي الحرب وحيازة الغنيمة قبل
[ ٥ / ١٧٣ ]
دخول دار الإسلام: يورث منه سهمه، ولو مات فرسه: يستحق سهمه كله، وعند أبي حنيفة؛ إذا مات لا يورث سهمه.
ولو مات بعد تقضي الحرب قبل حيازة الغنيمة-: هل يورث سهمه؟ أو مات فرسه-: هل يستحق سهمه؟ فعلى وجهين: أصحهما: يورث ويستحق.
ولو مات واحدٌ منهم في حال القتال قبل تقضي الحرب، أو قتل-: فلا حق له في القسمة، ولا يورث منه.
ولو مات فرسه في خلال القتال: فالقياس أنهلا يستحق سهمه.
وفيه قول آخر: أنه يستحق سهم فرسه؛ بخلاف ما لو مات الفارس؛ لأنه متبرع وقد فات.
ولو غار فرسه إلى أن تقضي الحرب-، فالمذهب: أنه لا ستحق سهمه.
ولو هرب واحدٌ في خلال القتال، ولم يعد حتى تقضي الحرب-: فلا حق له في الغنيمة، وإن عاد قبل تقضي الحرب-: يعطي مما يُحاز بعد عودة، ولا يعطى مما حيز من قبل.
ولو ولى متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة-: لا يبطل حقه، ولو هرب ثم ادعى أني كنت متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة: فإن لم يعد إلا بعد تقضي الحرب-: لا يُقبل قوله؛ لأن الظاهر جبنه وهربه، وإن عاد قبله-: قُبل قوله مع يمينه، فإن حلف-: أُعطِي من الكل، وإن نكل-: لا يُعطى إلا مما يُحاز بعد عدة، وإذا دخل الإمام فيدار الحرب، وفرق الجيش في النواحي، وغنموا-: فجميع الجيش مع الإمام شركاء فيها، وكذلك: لو غنم بعضهم دون بعض-: فكلهم شركاء فيه؛ لأن بعضهم كان ردءًا للبعض، وقد تفرقت خيل المسلمين، فغنمت بأوطاس وأكثر العسكر بحنين، فشركوهم، وجاء في الحديث: "تُرد سراياهم على قعيدتهم".
وكذلك: لو بعث الإمام قائدًا إلى دار الحرب، ففرق القائد جيشه في نواحي دارِ الحرب-: فهم مع القائد شركاء فيما أخذوا.
أما من كان مقيمًا في دار الإسلام-: فلا شركة لهم فيما غنموا، وإن كانوا قريبًا منهم؛ فإن السرايا كانت تخرج من المدينة، فتغنم-: فلا شاركهم أهل المدينة.
[ ٥ / ١٧٤ ]
وكذلك: لو أقام الإمام في دار الإسلام، وبعث السرايا-: فما غنموا لا يشركهم الإمام ولا من معه فيه.
ولو بعث سريتين إلى جهتين-: فما غنمت أحداهما-: لاتشركها الأخرى فيه، فإن بعثهما إلى جهة واحدة-، نظر: إن أميرًا واحدًا-: يتشاركون فيما غنموا، وإن أمر على كل سرية أميرًا-: فلا يتشاركون إلا أن تكون إحداهما قريبة من الأخرى، بحيث يكون بعضهم عونًا لبعض: فيشتركون فيما غنموا.
ولو غزت طائفة بغير إذن الإمام-: يُكره لهم ذلك؛ لأنهم إذا خرجوا بإذنه يتفحص عن حالهم، ويُعينهم بالمدد، فإذا فعلوا دون إذنه، وغنموا-: يخمس ما غنموا، سواء قل عددهم أو كثر، فالخمس لأهل الخمس، والباقي لهم، حتى لو دخل رجل واحد دار الحرب، فقاتل حربيًا، وأخذ منه مالًا-: يخمس، والباقي بعد إفراز الخمس-: له.
ولو دخل دار الحرب، فأخذ من حربي شيئًا على جهة (السوم)، ثم جحد-، وهرب-: فهو له خاصة، ولا يخمس.
وعند أبي حنيفة: إن دخل جماعة، وغنموا: فإن كثر عددهم-: يخمس ما غنموا، وإن قل عددهم-: فلا يخمس، إلا أن يكون دخولهم بإذن الإمام، وظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] حجة لمن أوجب التخميس؛ إذ ليس في الآية فصل بين العدد القليل والكثير، وبين أنيون خروجهم بإذن الإمام أو دون إذنه.
ولو غزت جماعة من العبيد، فغنموا-: يخمس، والباقي بعد الخمس لساداتهم، سواء خرجوا بإذن السادات أو دون إذنهم، وكذلك: لو غزت جماعة من المراهقين، أو من النساء، فغنموا-: بخمس، والباقي- بعد الخمس-: لهم، فإن كان معهم رجل بالغ-: فللصبيان والنسوان الرضخ، والباقي للرجل البالغ؛ لأنا وجدنا ههنا من يأخذ الباقي بعد الرضخ؛ بخلاف ما لو كان الكل صبيانًا ونساء.
وفيه وجه آخر: أن النساء والصبيان إذا غزوا وغنموا، ليس معهم رجل-: فلهم
[ ٥ / ١٧٥ ]
الرضخ، والباقي لبيت المال.
ولو غزت جماعة من المراهقين، فغنموا، وسبوا، وفي السبي صغار-: يحكم بإسلامهم تبعًا للصبيان الغانمين.
وكذلك: المجنون إذا سبى.
أما الذمي: إذا غنم مالًا من أهل الحرب-: فلا يخمس، لأن الخمس حق واجب على المسلمين؛ كزكاة المال.
فصل فيما يحل في الوقعة من التبسط في الغنيمة
رُوي عن ابن عمر؛ أن قال: "كُنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله" ولا يرفعه.
إذا دخل جيش المسلمين دار الحرب، وأصابوا غنائم، وفيها أطعمة-: جاز لهم أن يتناولوا منها قبل القسمة ما يحتاجون إليه لنفقتهم، ونفقة من معهم، ويأخذوا علف دوابهم من غير عوض، فمن كانت له دابة؛ يأخذ علفها، ومن كانت له دابتان أو أكثر: يأخذ أكثر، والزهيد: يأخذ أقل من الأكول، سواء كان ذلك الطعام قُوتًا أو فاكهة أو حلاوة.
وجُوز ذلك لهم؛ لأجل الضرورة ومساس الحاجة إليه؛ فإن الغالب عزة الطعام في دار الحرب؛ لأن الكُفار إذا أحسوا بقدوم الغزاة-: يُخبئون الأطعمة، فأبقى الشرع الطعام في
[ ٥ / ١٧٦ ]
حقهم على أصل الإباحة.
وإذا ظفروا بشيء منها-: كان لهم تناوله، وإن تفاوتوا فيه؛ كالقوم يتناهدون في السفر: جُوز لهم ذلك مع تفاوتهم في الأكل، وهل يجوز لهم أن يأكلوا من غير حاجة؛ بأن كنا حمل مع نفسه طعامًا؟ فيه وجهان:
قال ابن أبي هريرة: لا يجوز؛ كما لا يجوز في غير دار الحرب أكل مال الغير لغير حاجة.
والمذهب: أنه يجوز؛ وهو قول أكثر الأصحاب؛ لما رُوي عن عبد الله بن مغفل قال: "أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت: لا أعطي من هذا أحدًا شيئًا، فالتفتن فإذا رسول اللهﷺ- يبتسم.
ولو لم يجز أن يتناول أكثر من قدر الحاجة-: لنهاه عن ذلك، وليس كطعام الغير في غير دار الحرب؛ لأنه يأكله بعوض؛ فشرط فيه الاضطرار الحقيقي، وههنا: يتناوله بغير عوض؛ وذلك لما قلنا: إن الطعام بقي في حقهم على الإباحة للمعنى الذي ذكرنا، كمن أضاف جماعة، وقدم إليهم طعامًا-: جاز لهم التناول مع التفاوت، وإن كان مع واحد طعام حمله مع نفسه.
ولا يجوز أن يبيع شيئًا منه؛ لأن حاجته إلى الأكل لا إلى البيع، فإن باع شيئًا منه -نظر: إن باعه من غير الغانمين، وسلمه: يجب على المشتري رده إلى الغنيمة، وإن باعه من بعض الغانمين، وسلمه-: كان المشتري أحق به؛ لأنه من الغانمين، وقد حصل في يده ما يجوز له أخذه فإن رده إلى البائع-: صار البائع أحق به، حتى لو تبايع رجلان من الغانمين صاعًا بصاعين-: لم يكن ربا، وصار كأن الذي أعطى صاعين أثر صاحبه على نفسه مما دفع إليه، هذا كما لو كان في يد عبده طعام، فتبايعا صاعًا بصاعين-: لم يكن لذلك البيع معنى، ولا ربا فيه.
ويجوز لهم التزود من ذلك الطعام؛ لقطع المسافة، ولا يجوز أن يأخذ منه كسوته، ولا مطعومًا يؤكل نادرًا؛ كالفانيذ والسُّكر.
[ ٥ / ١٧٧ ]
ولا يجوزُ أن يدهن شعره بدهن الغنيمة؛ لأنه لا حاجة إليه، ولا يجوز تناول ما يصاب من الأدوية، إذا اعتل، فإن دعت الحاجة إليه-: تناوله ويضمن قيمته؛ لأنه ليس من الأطعمة التي يحتاج إليها في العادة، ويجوز ذبح ما يؤكل من الحيوان للأكل؛ لأنه مما يؤكل في العادة، ولا يجوز أن يعمل من إهابها حذاء ولا سقاء، فإن اتخذ شيئًا من ذلك-: يجب رده في المغنم، وإن زادت قيمته بالصنعة-: لم يكن له في الزيادة حق، وإن نقص-: لزمه أرش ما نقص كالغاصب.
ولو أتلف شيئًا من مال الغنيمة-: لزمه الضمان، وإن لبس منه ثوبًا-: تلزمه أجرته، رُوي عن رويفع بن ثابت الأنصاري؛ أن رسول الله - ﷺ- قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر-: فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردها، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر-: فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده".
وإذا لحق مدد بعد تقضي الحرب-: لا يجوز أن يطعموا منه؛ كغير الضيف: لا يأكل مع الضيف من طعام المضيف، فإذا اضطروا-: أطعمهم الإمام من بيت المال، وإذا دخل دار الإسلام ومعه بقية من الطعام الذي أخذه من الغنيمة-: هل يجب رده؟ فيه قولان"
أصحهما يجب رده؛ لأنا إنما جوزنا أخذه في دار الحرب للحاجة، وقد زالت بدخول دار الإسلام.
والثاني: لا يجب؛ لأن ما خص به من الغنيمة-: لا يجب ردها؛ كالسلب.
وقيل: إن كان كثيرًا-: يجب رده قولًا واحدًا.
والقولان في القليل.
ولو خرجوا من دار الحرب، ولم يبلغوا بعد عمران دار الإسلام-: فهل لهم أن يتناولوا من طعام الغنيمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لهم ذلك؛ لأن المعنى الذي أبيح به تناوله في دار الحرب، وهو ضيق الطعام - ههنا- موجود. والثاني: ليس لهم ذلك؛ لأنهم أحرزوا الغنيمة بدخول دار الإسلام؛ فمن تناول منه شيئًا- لزمه الضمان.
ولو أصاب المسلمون شيئًا من كتبهم، فإن كان منها شيءٌ مباح من طب أو شعر-: فهو غنيمة، وإن كان فيه كُفرٌ-: لم يجز تركها على حالها؛ لأن قراءتها والنظر إليها معصية.
[ ٥ / ١٧٨ ]
وإن أصابوا التوراة والإنجيل الذي في أيديهم- لم يجز تركه على حاله؛ لأنه مبدل لا حرمة له، بل يُغسل ويمحى وينتفع بأوعيته، ويكون من الغنيمة.
وإن أصابوا خمرًا-: وجب إراقتها، وإن أصابوا خنزيرًا-: يُقتل، وإن أصابوا كلبًا عقورًا-: قتل.
وإن كان كلبًا فيه منفعة-: دفع إلى من ينتفع به من أهل الخمس والغانمين، فإن لم يكن منهم من يحتاج إليه-: خُلي؛ لأن اقتناءه لغير حاجة حرام.
وإن أخذوا واحد منهم شيئًا من المباحات التي لم تكن ملكًا لأحد، كالحطب، والحشيش، والصيد، والحجر-: فهو لمن أخذه، كما لو أخذه في دار الإسلام.
وإن كان عليه أثر الملك، كالأثواب المصبوغة والأحجار المنحوتة، والصيد المفرط وغير ذلك من الأشياء المملوكة؛ كالسيف والقوس-: فإن أمكن أن يكون لمسلم بأن كان في الدار مسلمون يحتمل أن يكون لهم، ويحتمل أن يكون للكفار-: فهو لُقطة تُعرف سنة، فإن لم يظهر طالبه-: يتملكه، وإن لم يكن في الدار مسلمون-: فهو غنيمة.
ولو وجد ضالة في دار الحرب لحربي-: فهو غنيمة؛ فالخمس لأهله، والباقي له ولمن معه.
ولو وجد ضالة لحربي في دار الإسلام-: لا يختص هو به؛ بل يكون فيئًا لأهل الفيء.
وكذلك؛ لو دخل صبي أو امرأة منهم بلادنا، فأخذه رجل-: يكون فيئًا، وإن دخل منهم رجلٌ، فأخذه مسلم-: يكون غنيمة؛ لأن لأخذه مؤنة، فللإمام أن يرى فيه رأيه، فإن رأى أن يسترقه-: يكون الخمس لأهله، والباقي لمن أخذه؛ بخلاف الضالة: فإنها مال من أموال المشركين وقع في أيدينا من غير قتال.
فصل في الغلول من الغنيمة
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] الآية.
إذا غل واحدٌ من الغانمين شيئًا من الغنيمة-: غُرر، وإن سرق نصابًا-: لا قطع عليه، لأن له فيه حقًا، ويسترد ما سرق إن كان قائمًا، وإن كان تالفًا-: يغرم قيمته، ويجعل في الغنيمة؛ وقد رُوي عن سالم، عن أبيه: "أن رجلًا غل من الغنيمة، فأحرق النبي - ﷺ- رحله".
[ ٥ / ١٧٩ ]
وقال الشافعي: إن ثبت الحديث- قلت به، وهذا الخبر ضعيف؛ فإن الغلول قد كان على عهد النبي - ﷺ - من غير واحد؛ فلم يثبت من وجه أنه أحرق على أحدٍ رحله، ولعله إن صح الحديث: إنما فعل في أول الإسلام فطمًا لهم عن عادة الجاهلية؛ كما رُوي من تضعيف الغرامات.
ولو وطيء واحدٌ من الغانمين جارية من المغنم لا حد عليه؛ لأن له فيها شركًا بل يعزر، إن كان عالمًا بالتحريم، وإن كان جاهلًا يُنهي عنه ولا يُعزر، فإن عاد عُزر وعليه المهر.
ثُمَّ إن كان الغانمون محصورين، أو كان الإمام قسم الغنيمة، وأفرز لكل طائفة شيئًا معلومًا، وكانت الجارية في قسمة طائفة، والواطيء منهم: فبقدر حصته لا تجب، والباقي يؤخذ لسائر الغانمين.
وإن كانوا غير محصورين يُؤخذ جميع المهر ويوضع في الغنيمة-: فيقسم معها؛ لأنهم إذا كانوا غير محصورين-: لا يُدرى قدر نصيبه، حتى يسقط، فإذا قسمت الغنيمة، فوقعت هذه الجارية في سهمه-: لايُرد إليه المهر؛ لأنه يصير كأن ملكه تحدد عليها بعد وجوب المهر، وإن وطئها وأحبلها-: فالنسب ثابت.
وعند أبي حنيفة: لا يثبت النسب، والولد مملوك، فنقول: وطءٌ لم يجب به الحد؛ فيثبت به النسب كوطء الشبهة، ثم لا يخلو الواطيء إما إن كان موسرًا أو معسرًا؛ فإن كان موسرًا-: فالولد حر، وصارت الجارية أم ولد له؛ لأن له فيها حقًا؛ كالأب يستولد جارية الابن: تصير أم ولد له، عليه قيمتها.
ثُمَّ إن كانوا محصورين وأفرز نصيب كل طائفة-: يؤخذ الفاضل من حصته لسائر الغانمين، وإن كانوا غير محصورين-: يؤخذ الكل، فيوضع في الغنيمة، ثم يقسم، وهل تجب قيمة الولد؟ يبنى على أن أحد الشريكين، إذا استولد الجارية المشتركة، وهو موسر-: متى يملك نصيب الشريك؟ وفيه قولان:
إن قلنا: يملك بنفس العلوق-: لا يجب.
وإن قلنا: بأداء القيمة-: يجب، ثم هو كقيمة الجارية.
وإن كان الواطيء مُعسرًا- نُظر: إن كان محصورين-: صارت الجارية بقدر حصته أم ولد له، والولد هل يون له حرًا أم بقدر حصته يكون حرًا، والباقي يكون رقيقًا فيه قولان؛ كما في الجارية المشتركة.
[ ٥ / ١٨٠ ]
إن قلنا: كله حر-: فيجب عليه من القيمة بقدر حصة الباقين.
وإن قلنا: الباقي رقيق-: فهو للباقين من الغانمين، ولا قيمة عليه.
وإن كانوا غير محصورين-: لا تصير الجارية أم ولد له في الحال، أما الولد: إن قلنا: المعسر إن استولد الجارية المشتركة يكون الولد كله حرًا-: فالولد حر، ويؤخذ منه قيمته، وتوضع في الغنيمة، ثم تقسم على الكل.
وإن قلنا في المشتركة: الغنيمة تخلق بعضه حُرًا-: فههنا: يون الكل رقيقًا، ثم الإمام-، عند السمة- يجتهد حتى تقع الأم والولد في حصة الواطيء، فإن وقعا في حصته-: كانت الجارية أم ولدٍ له، والولد حر، وإن وقع البعض في ملكه-: صارت بقدره أم ولد، وعتق من الولد بقدر ما ملك.
هذا إذا وطيء قبل إفراز الخمس، أو بعد إفراز الخمس وطيء من الأربعة الأخماس، فإن وطيء من الخُمس-: فهو كوطء الأجنبي، وإن كان الواطيء أجنبيًا-: وطيء جارية من الغنيمة، نُظر: إن وطيء قبل إفراز الخُمس أو بعد إفراز الخمس وطيء من الأربعة الأخماس: فإن كان له من الغانمين ولدٌ-: فلا حد عليه، وعليه المهر.
وإن لم يكن له فيهم ولد-: يجب عليه الحد، ويجب المهر، ويوضع في الغنيمة ويقسم.
أما إذا وطيء جارية من الخمس بعد إفرازها-: فعليه الحد، سواءٌ كان الواطيء من الغانمين أو لم يكن، كما لو وطيء جارية الغير؛ بخلاف ما لو سرق من الخُمس شيئًا-: لا قطع عليه، كما لو سرق مال بيت المال: لا قطع عليه؛ لأنه يستحق النفقة منه، ولا يستحق الإعفاف.
وإن كان في السبي من يعتق على بعض الغانمين من الآباء وإن علوا أو الأولاد وإن سفلوا-: نص أنه لا يعتق عليه، حتى يقسم، فإذا قُسم، ووقع في نصيبه، واختار تملكه-: عتق عليه.
وإن وقع بعضه من نصيبه-: عتق عليه ذلك القدر، ويقوم عليه الباقي، إن كان موسرًا.
وكذلك: لو أعتق واحدٌ من الغانمين عبدًا- من الغنيمة-: فهو كعتق القريب، وقد ذكرنا أنه إذا استولد جارية من المغنم-: تصير أم ولد له.
قال المزني: وجب ألا تصير أم ولد له؛ كما لو لم يعتق القريب.
[ ٥ / ١٨١ ]
فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين بالنقل والتخريج.
أحدهما: في الموضعين: تنفذ، وتؤخذ القيمة، فتوضع في المغنم.
والثاني: لا تنفذ ما لم يتعين حقه فيهما.
ومنهم من فرق بينهما فقال: ينفذ الاستيلاد؛ لأنه أقوى، ولا ينفذ العتق؛ كالأب إذا استولد جارية ولده: ينفذ استيلاده، ولو أعتقها: لا ينفذ، فحيث قلنا: يعتق-: فإن كان الولد صغيرًا: يعتق؛ لأنه صار رقيقًا بنفس الأسر، وإن كان بالغًا-: فلا، حتى يرى الإمام فيه رأيه، فإن أرقه-: عتق.
وهذا الاختلاف فيما إذا كان قبل القسمة، أما بعد القسمة-: إذا أفرز الإمام نصيب كل واحد أو نصيب كل طائفة، واختاروا التملك-: لا يختلف القول في عتق القريب، ونفوذ الاستيلاد ولو استولد: إما بعد القسمة قبل اختيار التملك، أو قبل القسمة، أو كانوا محصورين قبل اختيار التملك-: فقد قيل: هو كما بعد اختيار التملك.
والصحيح: أنه ما لو كان قبل القسمة، وهم غير محصورين؛ لأنهم لو تركوا حقوقهم في هذه الحالة-: يترك إلى الباقين من الغانمين.
باب: تفريق الخمس
قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية.
الله تعالى- أضاف هذا المال إلى نفسه؛ لشرف هذا المال، ولقطعه عمن كان يأخذه قبل مبعث النبي - ﷺ- فإن الملوك كانوا يأخذونها لأنفسهم.
ثم جعلها لخمسة أصناف، اعلم: أن خمس القيمة لخمسة أصناف: سهم كان لرسول الله - ﷺ- وبعده هو لمصالح المسلمين.
وأهم المصالح ما يؤول إلى تحصين الإسلام، وحفظ المسلمين: من سد الثغور، وإصلاح الحصون، ثم الأهم فالأهم.
وسهم منه لأقارب الرسولﷺ - وهم بنو هاشم، وبنو المطلب: يسوى فيه بين الفقير والغني؛ لأن النبي - ﷺ- كان يُعطى منه العباس، وكان موسرًا يعول عامة بني عبد المطلب، ويسوى بين القريب والبعيد، ويشترك فيه الرجال والنساء، يفضل الذكر على الأنثى، فيجعل للكر مثل حظ الأنثيين: فقال أبو ثور والمزني: يسوى بين الذكر والأنثى-: ويُصرف إلى من كان أبوه هاشميًا أو مُطلبيًا، ولا يُعطى أولاد البنات، ولا يُعطى بني عبد
[ ٥ / ١٨٢ ]
شمس ونوفل؛ لما روي عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله - ﷺ - سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب-: أتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء إخواننا من بني هاشم، لا ننكر فضلهم لمكان الذي وضعك الله فيهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتننا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة؟! فقال رسول الله - ﷺ-: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه".
ويُروى: أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام.
ولا يفضل فيه من حضر القتال على من لم يحضر، إلا أن من حضر القتال-: يستحق السهم من الأربعة الأخماس، ويعطى القاصي والداني.
وقال أبو إسحاق: ما كان في كل إقليم يعطى إلى من فيه سهم؛ لأنه سبق النقل.
والمذهب الأول؛ لأن الله تعالى عم ولم يخص.
وسهم من الخمس لليتامى، وهو: كل صغير لا أب له، ويشترط أن يكون فقيرًا.
وقيل: يجوز أن يُصرف إلى اليتيم، وإن كان غنيًا.
والمذهب هو الأول.
ولا حظ فيه لبالغ ولا لصغير له أب، لأنه لا يسمى يتيمًا.
[ ٥ / ١٨٣ ]
وسهم للمساكين وهو كل محتاج، فقيرًا كان أو مسكينًا؛ لأن اسم "المسكين" إذا أفرد يتناول الفريقين جميعًا.
وسهم لابن السبيل، وهو كل من يريد الخروج إلى سفر مباح، ولا يجد أهبة الخروج، ولا يشترط أن يكون اليتيم والمسكين وابن السبيل من المرتزقة.
ولا يجوز أن يُعطى إلى كافر منه شيء؛ لأنه عطية من الله تعالى-: كالزكاة.
وتجب التسوية بين هذه الأصناف، ولا يجوز تفضيل بعضهم على بعض عند وجودهم.
وإذا فُقِد بعض هذه الأصناف-: صُرفَ سهمه إلى الموجودين كالزكاة، إلا سهم النبي -ﷺ - فإنه للمصالح.
وعند أبي حنيفة: خُمس الغنيمة لثلاثة أصناف، وسهم رسول الله - ﷺ - وسهم ذوي القربى ساقطان.
والعامة على خلافه؛ لأن الخلفاء الراشدين بعد رسول الله - ﷺ- كانوا يُعطونه، والله أعلم.
باب: تفريق أربعة أخماس الفيء
قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] الآية.
ورُوي عن مالك بن أوس بن الحدثان؛ أنعمر قال: "ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه إلا ما ملكت أيمانكم".
أربعة أخماس الفيء كانت لرسول الله - ﷺ - وبعده لمن يكون؟ فيه قولان:
أصحهما: للمرتزقة.
والثاني: للمصالح، ويبدأ بالأهم فالأهم والأهم هم المرتزقة.
فإذا أراد الإمام قسمها على المرتزقة: يأمر بإحضار من في البلدان من المقاتلة، وهم الرجال العاقلون البالغون الأصحاء الأحرار، ويحصى ذراريهم ونساءهم، ويتعرف أحوالهم، ويعرف قدر نفقاتهم ومؤناتهم، فيعطي كل واحد منهم ما يحتاج إليه من نفقته، ونفقة من
[ ٥ / ١٨٤ ]
تلزمه نفقته من النساء والذُرية، وكسوتهم لسنة في مثل بلده وزمانه من رخص السعر وغلائه، ويعطي نفقة أقاربه الذين تلزمه نفقتهم.
وإن كان لواحد أربع نسوة-: يعطي نفقة الكل، ويعطى ذا المروءة أكثر ممن دونه، ويعطى المقاتل الفرس أو قيمته ومؤنته والسلاح.
ومن لا زوجة له إذا تزوج، أو من له زوجة فتزوج أخرى، أو حدث لواحد ولد-: زاد في عطائه، ويزيد للمولود على مر الأيام بقدر حاجته؛ ولا يفضل من كانت له سابقة بالإسلام أو الهجرة أو غيرها من الخصال الحميدة.
كان أبو بكر يسوى بين علي وغيره في العطاء، ولا يفضل بالسابقة، فقال له عمر: تجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهاجروا من ديارهم: كمن إنما دخل في الإسلام كُرها، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ.
وكان عمر يفضل بالسابقة حتى كان يفضل أقران ابنه، ويقول: هاجر بك أبوك، ويفضل عائشة على حفصة، ويقول: كان أبوها أحب إلى رسول الله - ﷺ - من أبيك.
واختار الشافعي المطلبي التسوية؛ كما يسوي في سهم الغنيمة بين الشجاع والجبان، وفي الميراث: بين الولد البار والعاق.
ولا يُعطى من الفيء صبي، ولا مجنون، ولا عبد، ولا امرأة، ولا أعمى، ولا زمن؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد، فإن كانوا في عيلة مقاتل-: فهم تبع له، فيعطى المقاتل بسببهم.
وإن مرض واحد من المقاتلة-: فإن كان مرضًا يُرجى زواله-: يعطى، لأن الإنسان لا يخلو من عارض، وإن كان مرضًا لا يرجى زواله أوعمى أو زمن -: سقط حقه، والتحق بالذرية.
وإن مات واحد من المقاتلة، وله ولد أو زوجة-: فهل يرزق ولده وزوجته بعد موته؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يرزق؛ لأنه كان يأخذه تبعًا للمقاتل؛ وقد ذهب الأصل.
والثاني: يرزق الولد إلى أن يبلغ، والزوجة إلى أن تنكح؛ لأن فيه مصلحة؛ فإن المجاهد إذا علم انقطاع الرزق عن ولده وزوجته بعد موته-: اشتغل بالكسب لعياله، ويُعطل أمر الجهاد؛ فعلى هذا: إذا بلغ الولد، وأثبت اسمه في الديوان-: يعطى كما يعطى المقاتلة.
[ ٥ / ١٨٥ ]
وإن لم يُثبت-: فلا يعطى، وإن بلغ، وهو غير صالح للقتال، بأن كان أعمى أو زمنًا، يُعطى كما يعطى قبل البلوغ.
وإذا تزوجت المرأة-: سقط حقها؛ لأنها استغنت بالزوج الثاني، فخرجت عن تبعية الأول.
ويُخرج الإمام العطاء في كل عام مرة أو مرتين، ويجعل له وقتًا معلومًا لا يختلف عليهم.
ولا يعطى في كل شهرٍ، ولا في كل أسبوع؛ لأن ذلك يشغلهم عن الجهاد.
فإن مات واحدٌ منهم بعد الحول، أو دخول وقت العطاء واجتماع المال-: دفع نصيب إلى وريثه، وإن مات قبل اجتماع المال-: فلا حق له فيه، وإن مات بعد اجتماع المال قبل الحرب-: هل يعطي بقدر ما مضى من الحول؟ فيه قولان؛ بناء على ما لو مات ذمي في أثناء الحول: هل يؤخذ من الجزية بقدر ما مضى من الحول؟ فيه قولان: وإن فضل عن المقاتلة شيء من مال الفيء، فإن قلنا: إنها للمرتزقة يُصرف الكل غليهم، وإن زاد على قدر حاجتهم؛ فتقسم بينهم على قدر مؤناتهم.
وإن قلنا: إنها للمصالح-: صُرفَ الفضلُ إلى المصالح، ولا يعطى من مال الفيء شيء إلى أهل الصدقات؛ ما لا تعطى الصدقة إلى أهل الفيء.
ونعني بأهل الصدقة: من لم يكن اسمه في ديوان الغزو، فإن غزا واحدٌ منهم-: من سهم سبيل الله من الصدقة، وإن أخرج واحد من أهل الفيء اسمه من الديوان-: سقط حقه من الفيء فإن غزا أعطى من سهم سبيل الله.
ولو جاء رجل، فطلب أن يكتب اسمه في الديوان-: فإن رأى الإمام فيه غناء، أو في المال سعة-: أثبت اسمه فيه؛ وألا لم يفعل ذلك، ويجب على أهل العطاء إذا استنفروا أن ينفروا، ويغري الإمام كل طائفة إلى من يليهم من الكفار لخفة المؤنة، فإن استغنت تلك الناحية عن الغزو؛ لقلة الكفار، أو لكثرة المجاهدين فيها-: أغراهم إلى ناحية أخرى من أقرب المواضع إليهم، وتُعطى مؤنتهم على بعد مغزاهم، ويعطي من مال الفيء رزق الحُكام الذين يحكمون بينهم، وولادة الأحداث الذين يعلمون الأحداث الفروسية والرماية، والذين يلون الصلاة لأهل الفيء، وكل من قام بأمر الفيء من والٍ، وكاتبٍ، وجندي ممن لا غناء لأهل الفيء عنهم.
كما يُعطى العامل على الصدقة سهمًا منها، وإن وجد أمينًا يتطوع به-: فلا يُعطى أحدًا شيئًا، وإن وجد من يعمل بأقل-: لا يعطى من يطلب أكثر.
[ ٥ / ١٨٦ ]
وإذا اجتمع مالُ الفيء-: فالاختيار أن تُعجل قسمتها، ولا تؤخر؛ خوفًا من أن ينزل بالمسلمين نازله، فيحتاج إليه، لأنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ونعوذ بالله منه- فيجب على كافة المسلمين القيام بها.
وإذا غشيهم عدوٌ في دارهم-: وجب على كل من غشيهم النفير، سواء كانوا من أهل الفيء، أو لم يكونوا.
أما أراضي الفيء -: فخمسها لأهل الخمس، أما أربعة أخماسها-: قال الشافعي: هي وقف للمسلمين: تستغل، وتقسم غلتها في كل عام.
اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: تصير وقفًا بنفسها.
ومنهم من قال يقفها الإمام، ثم تصرف غلتها إلى أهل الفيء.
وفي قول: إلى المرتزقة.
وفي الآخر: إلى المصالح.
ومن أصحابنا من قال: إنها للمصالح: تكون وقفًا.
فإن قلنا: للمرتزقة-: يقسمها بينهم- كما قلنا- في أربعة أخماس الغنيمة.
والأول أصح، أنه وقف على القولين جميعًا؛ يصرف الإمام غلتها إلى مصالحهم؛ لأن للإمام الاجتهاد في مال الفيء.
وكذلك: يجوز أن يُفضل بعضهم على بعضٍ؛ بخلاف الغنيمة: فإنه لا يجوز للإمام تفضيل بعضهم على بعض بالاجتهاد.
فصل في التأمير في الحرب
رُوي أن رسول الله - ﷺ - جعل على كل عشرة عريفًا، وجعل للمهاجرين شعارًا، وللأوس شعارًا، وعقد الألوية للقبائل قبيلة قبيلة، ورُوي أن عمر - ﵁- لما دون الدواوين، قال بمن ترون أن أبدأ؟ فقيل له: ابدأ بالأقرب فالأقرب بك، قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله - ﷺ -.
ينبغي للإمام أن يُدون أسماء المقاتلة، ويُعرف على كل طائفة عريفًا، ويكتب قدر أرزاقهم؛ ليعلم من حضر ومن غاب، ويسهل جمعهم إذا احتاج إليهم.
[ ٥ / ١٨٧ ]
ويقوم العريف بأمورهم وجمعهم، ويبدأ في الديوان بالأقرب فالأقرب من رسول الله - ﷺ- كما فعل عمر﵁- لأن الناس كلهم عباد الله، فأولاهم بالتقديم أقربهم لخيرة الله من خلقه محمد سيد المرسلين- صلوات الله عليه وعليهم أجمعين-: فيقدم قريشًا؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "قدموا قريشًا" ويقدم من قريش بني هاشم، وبني المطلب؛ لقول النبي - ﷺ-: "بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد".
ويقدم منهم الأسن، فإن كان الأسن في الهاشمي قدمه، وإن كان في المطلبي قدمه، ثم يقدم بني عبد شمس على بني نوفل؛ لأن عبد شمس أخو هاشم من أبيه وأمه، ونوفل أخوه من أبيه.
ثم بعد بني نوفل: يقدم بني عبد العُزى على بني عبد الدار؛ لأنهم أصهار رسول الله - ﷺ - فإن خديجة كانت منهم، وكان فيهم حلف المطيبين، وحلف الفضول، وهما حلفان في قوم من قريش اجتمعوا فيها على نصر المظلوم، ومنع الظلم.
فعلى هذا: يُقدم الأقرب فالأقرب.
فإن استوى اثنان في القرب: يقدم أسهمًا، فن استويا في السن فأقدمهما هجرة، ثم بعد قريش يقدم الأنصار على سائر القبائل؛ لما لهم من السابقة، والأثار الحميدة في الإسلام، ثم يقدم سائر العرب على العجم، ولا يقدم العجم بعضهم على بعض إلا بالسن والسابقة دون النسب والله أعلم.
[ ٥ / ١٨٨ ]