فَإِنْ عُلِمَ ذَهَابُ عَقْلِهِ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْقَذْفِ مِنْ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَا تَقُومَ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ لِمَنِ ادَّعَى الْقَذْفَ، فَقَالَ كَانَ هَذَا الْقَذْفُ مني وأنا ذاهب العقل، أن قَالَ: قَذَفْتُكِ هَذَا الْقَذْفَ وَأَنَا ذَاهِبُ الْعَقْلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ جَنْبَهُ حِمًى، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ قَذْفٌ يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ بَيِّنَةٌ، فَقَالَ عِنْدَ ثُبُوتِهَا عَلَيْهِ: كُنْتُ عِنْدَ قَذْفِي هَذَا ذَاهِبَ الْعَقْلِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِالْقَذْفِ، أَنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْعَقْلِ عِنْدَ قَذْفِهِ، فَالْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِدَعْوَاهُ تَأْثِيرٌ فِي سُقُوطِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِيمَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ عِنْدَ قَذْفِهِ، فَيُحْكَمُ بِهَا إِذَا شَهِدَتْ بِذَهَابِ عَقْلِهِ فِي قَذْفٍ قَذَفَهَا بِهِ وَلَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا قَذْفَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي صِحَّةٍ، وَالْآخَرُ فِي مَرَضٍ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يُقِيمَ الْمَقْذُوفُ بَيِّنَةً عَلَى صِحَّةِ عَقْلِهِ عِنْدَ الْقَذْفِ، وَلَا يُقِيمَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً عَلَى ذَهَابِ عَقْلِهِ عِنْدَ الْقَذْفِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ:
[ ١١ / ٢٢ ]
لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ مَشْرُوطٌ بِصِحَّةِ الْعَقْلِ وَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، فَصَارَتْ شُبْهَةً فِي إِدْرَائِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَقْذُوفِ مَعَ يَمِينِهِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ فِي الصِّحَّةِ، وَيُحَدُّ الْقَاذِفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجًا فَيُلَاعِنُ، وَهَذَا قَوْلٌ مُخَرَّجٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِهِ.
فَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ هو مخرج اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي قَطْعِ الْمَلْفُوفِ فِي ثَوْبٍ إِذَا ادَّعَى قَاطِعُهُ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، وَادَّعَى وَلِيُّهُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا.
وَقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: هُوَ مُخَرَّجٌ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي اللَّفْظِ إذا قذف وادعى أنه عبد.
والفرق بين أن يقر بالقذف من غير بينة ويدعي فيه ذهاب العقل فيقبل قولًا واحدًا، وبين أن يدعيه بعد قيام البينة عليه فلا يقبل في أحد القولين، أن البينة قد تقررت بشهادة توجب الحد والإقرار له بتجرد عن دعوى تسقط الحد والحدود تدرأ بالشبهات بخلاف الحقوق والله أعلم.