قال الشافعي ﵁: (وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُقَدِّمَ نِيَّةَ الصَّوْمِ قَبْلَ الدُّخُولِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ النِّيَّةُ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ مستحقة قبل الفجر لأنه صوم واجب عليه أَنْ يُجَدِّدَ النِّيَّةَ لِكُلِّ يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ تَتَابُعُ الصَّوْمِ مُسْتَحَقًّا كَمَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ مَعَ نِيَّةِ الصَّوْمِ أَنْ يَنْوِيَ التَّتَابُعَ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ تَتَابُعَ الصَّوْمِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّتَابُعِ كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ ثُمَّ كَانَتْ نِيَّةُ الصَّوْمِ وَاجِبَةً فَكَذَلِكَ نِيَّةُ التَّتَابُعِ، فَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ وَلَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ لَمْ يُجْزِهِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَابَعَةُ صَلَاتَيِ الْجَمْعِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةِ الْجَمْعِ كَذَلِكَ مُتَابَعَةُ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ نِيَّةُ التَّتَابُعِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَلَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الصَّوْمِ بِخُرُوجِ الْيَوْمِ فَلَزِمَهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ التَّتَابُعِ بِخُرُوجِ الْيَوْمِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ التَّتَابُعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ بِحَالٍ لَا فِي جَمِيعِهِ وَلَا فِي أَوَّلِهِ لِأَنَّ تَتَابُعَ الصَّوْمِ مِنْ شروطه وأحكامه والعبادة إذا تضمت شُرُوطًا وَأَحْكَامًا أَجْزَأَتِ النِّيَّةُ لَهَا عَنِ النِّيَّةِ لِشُرُوطِهَا وَأَحْكَامِهَا كَالنِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ تُغْنِي عَنْ أَنْ يَنْوِيَ مَا تَضَمَّنَهَا مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَشُرُوطٍ.
(مسألة:)
قال الشافعي ﵁: (وَلَوْ نَوَى صَوْمَ يَوْمٍ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهِ ثُمَّ أَفَاقَ قَبْلَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَطْعَمْ أَجْزَأَهُ إِذَا دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَهُوَ يَعْقِلُ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّوْمِ وهو يعقل (قال المزني) ﵀: كل من أصبح نائمًا في شهر رمضان صام وإن لم يعقله إذا تقدمت نيته (قال) ولو أغمي عليه فيه وفي يوم بعده ولم يطعم استأنف الصوم لأن في اليوم الذي أغمي عليه فيه كله غير صائم ولا يجزئه إلا أن ينوي كل يوم منه على حدته قبل الفجر لأن كل يوم منه غير صاحبه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْجُنُونُ فَيُبْطِلُ الصَّوْمَ سَوَاءً كَانَ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ أَوْ فِي بَعْضِهِ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ وَيُنَافِي الْعِبَادَةَ.
[ ١٠ / ٥٠٤ ]
وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ فَإِنِ اسْتَدَامَ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ أَبْطَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِالنَّوْمِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا يَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالنَّوْمِ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَبْطُلُ بِالنَّوْمِ كَمَا يَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَصَحُّ وَهُوَ أَنَّ النَّوْمَ صِحَّةٌ مُعْتَادَةٌ إِذَا نُبِّهَ مَعَهَا تَنَبَّهَ فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَقَظَةِ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ وَالْإِغْمَاءُ مَرَضٌ يُزِيلُ التَّمْيِيزَ وَيُفَارِقُ الشَّهْوَةَ وَيُفَارِقُ الْعَادَةَ وَلَا يَنْتَبِهُ إِذَا نُبِّهَ فَصَارَ بِالْجُنُونِ أَشْبَهَ، فَأَمَّا إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ وَأَفَاقَ فِي بَعْضِهِ فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ الظِّهَارِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ وَعِنْدَ طُلُوعِ فَجْرِهِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ بِحُدُوثِ الْإِغْمَاءِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ يَعْقِلُ، وَإِنْ كَانَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ وَعِنْدَ طُلُوعِ فَجْرِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَإِنْ أَفَاقَ مِنْ بَعْدِهِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ يَوْمٍ صَحَّ يَوْمُهُ.
وَقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَلَوْ حَاضَتْ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهَا بَطَلَ صَوْمُهَا فَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا اخْتِلَافُ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِوُجُودِ الْإِغْمَاءِ فِي بَعْضِهِ كَالْجُنُونِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْإِغْمَاءِ إِذَا وُجِدَتِ الْإِفَاقَةُ فِي بَعْضِهِ كَالنَّوْمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَتِ الْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِهِ لَمْ يَبْطُلْ بِحُدُوثِ الْإِغْمَاءِ فِي بَاقِيهِ وَإِنْ كَانَ الْإِغْمَاءُ فِي أَوَّلِهِ لَمْ يَصِحَّ بِحُدُوثِ الْإِفَاقَةِ فِي بَاقِيهِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ مَعَ الْإِغْمَاءِ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ الْإِفَاقَةُ فِي طَرَفَيْهِ فِي أَوَّلِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَفِي آخِرِهِ عِنْدَ الْخُرُوجِ اعْتِبَارًا بِوُجُودِ الْقَصْدِ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَةِ وَآخِرِهَا كَمَا تَلْزَمُ النِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ هَذَا قَوْلًا رَابِعًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَنْكَرَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ تَخْرِيجَهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ وَجَعَلُوهُ مَذْهَبًا لَهُمَا وَفَرَّقُوا بَيْنَ أَوَّلِ الصَّوْمِ وَآخِرِهِ بِأَنَّ أَوَّلَ الصَّوْمِ تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْإِفَاقَةُ وَآخِرَهُ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِفَاقَةُ وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ في كتاب الصيام مستوفاة.