قال الشافعي ﵁: (كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ طَعَامِ بَلَدِهِ الَّذِي يَقْتَاتُ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ أَرُزًّا أَوْ سُلْتًا أَوْ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ أَقِطًا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ مَا يُعْطَى كُلُّ مِسْكِينٍ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَغَيْرِهَا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إِلَى أَنَّهُ يُعْطَى مُدًّا وَاحِدًا بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ َ - وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ مِنَ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ إِذَا قِيلَ بِدُخُولِ الْإِطْعَامِ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَطْءُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَالْأَيْمَانُ إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى وَحْدَهَا فِي الْحَجِّ فَإِنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جَمِيعُ الْكَفَّارَاتِ سَوَاءٌ وَيَخْتَلِفُ الْمِقْدَارُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْوَاتِ، فَإِنْ كَانَ بُرًّا أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ قَدْرُهُ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ وَإِنْ كَانَ شَعِيرًا أَوْ تَمْرًا أَعْطَاهُ صَاعًا قَدْرُهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَعَنْهُ فِي الزَّبِيبِ رِوَايَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: نِصْفُ صاع كالبر والآخر صاعًا كَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ الْأَقْوَاتِ سَوَاءٌ وَيَخْتَلِفُ الْمِقْدَارُ بِاخْتِلَافِ الْكَفَّارَاتِ فَيُعْطَى فِيمَا سِوَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِنْ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ مُدًّا بِمُدِّ النبي - ﷺ َ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُعْطَى فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مُدًّا بمد هشام وهو الحجاجي وقدره مد وثلثًا بمد النبي - ﷺ َ -.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قَالَ: تَظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي فأتيت النبي - ﷺ َ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (أَعْتِقْ رَقَبَةً) قُلْتُ: لَا أَجِدُ فَقَالَ: (صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ فَقَالَ: (أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ) قَالَ: لَا أَمْلِكُ فَقَالَ: اذْهَبْ إلى صدقة بني زريق فخذها وأطعم منها سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا. قَالُوا فَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعًا. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِإِطْعَامٍ فَلَمْ يُجْزِ فِيهِ الْمُدُّ كَالْكَفَّارَةِ فِي الْأَذَى.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى ﴿فإطعام ستين مسكينا﴾ فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِطْعَامِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ إِلَّا مَا خَصَّهُ الْإِجْمَاعُ وَهُوَ مَا نَقَصَ عَنِ الْمُدِّ.
وَحَدِيثُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: تَظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي فأتيت النبي - ﷺ َ -: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (أَعْتِقْ رَقَبَةً) قُلْتُ: لَا أَجِدُ فَقَالَ: (صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَقُلْتُ: لا أستطيع
[ ١٠ / ٥١٥ ]
فَقَالَ: (أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) فَقُلْتُ: لَا أَمْلِكُ قَالَ: فَأَعْطَانِي خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ وَقَالَ: (أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا وَاحِدًا لِأَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا سِتُّونَ مُدًّا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّعِيرَ وَالْبُرَّ سَوَاءٌ لِأَنَّ أَقَلَّ مِنْ مُدِّ بُرٍّ لَا يُجْزِئُ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا عَانَهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِيُتَمِّمَ بَاقِيَهُ مِنْ عِنْدِهِ. قِيلَ: هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وَرَوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا آتِي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ َ - يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ: هَلِكْتُ وَأَهْلَكْتُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ َ - (مَا الَّذِي أَهْلَكَكَ) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ: (اعْتِقْ رَقَبْةً) فَقَالَ: لَا أَجِدُ فَقَالَ: (صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ فَقَالَ: (أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) فَقَالَ: لَا أَمْلِكُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ َ - بعرق من تمر فقال: (خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: (كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُكَ) .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَالْعَرَقُ ما بين خمسة عشرة صَاعًا إِلَى عِشْرِينَ صَاعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِسْكِينُ صَاعًا وَلَا نِصْفَهُ، وَالْعَرَقُ كَالزِّنْبِيلِ مِنْ خُوصٍ لَيْسَ لَهُ عُرًى.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مد من حنظة وَبِغَيْرِ إِدَامِهِ، وَوَافَقَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِإِطْعَامٍ فَلَمْ يَتَقَدَّرْ حَقُّ الْمِسْكِينِ بِصَاعٍ، كَالْبُرِّ، وَلِأَنَّهُ حَبٌّ مُخْرَجٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَوَى فِي قَدْرِهِ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ مَا تَقَدَّرَتْ بِهِ النَّفَقَةُ جَازَ أَنْ تَتَقَدَّرَ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَالدَّيْنِ.
وَمِنَ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا بَدَلًا مِنْ صِيَامِ سِتِّينَ يَوْمًا فَجَعَلَ مَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْإِطْعَامِ فِي مُقَابَلَةِ مَا كَانَ يُعَانِيهِ وَيَنْزِفُهُ فِي الصِّيَامِ وَالَّذِي كَانَ يُعَانِيهِ جُوعُهُ فِي صِيَامِهِ فِي نَهَارِهِ تَرَفُهُ فِيهَا بِغَدَائِهِ فَلَزِمَ أَنْ يَسُدَّ جَوْعَةَ الْمِسْكِينِ بِمِثْلِهِ وَالْغَدَاءُ الَّذِي يَسُدُّ الْجَوْعَةَ فِي الْأَغْلَبِ مُدٌّ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ هذا القدر المدفوع إلى كل مسكين أن هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي كَانَ يُتْرِفُهُ بِهِ فِي صِيَامِهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي إِفْطَارِهِ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أَوْسِ بن الصامت فتستعمل الْحَدِيثَيْنِ وَنَسْتَعْمِلُ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَدَفْعَ الْوَسْقِ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ
[ ١٠ / ٥١٦ ]
يَدْفَعَ مِنْهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَيَأْكُلَ الْبَاقِيَ، وَحَدِيثُ أَوْسٍ على أن اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى الْقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَى أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَدْ رَوَى حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّهُ دُفِعَ إِلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا.
أَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى كَفَّارَةِ الْأَذَى فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا قَلَّ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ فِيهَا جَازَ أَنْ يَزِيدَ قَدْرُ الطَّعَامِ فِيهَا وَلَمَّا كَثُرَ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ جَازَ أَنْ يَقِلَّ قَدْرُ الطَّعَامِ فِيهَا. وَأَمَّا مَالِكٌ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ يُوجِبُ تَقْدِيرَهُ بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ َ - قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.