قال الشافعي ﵁: (وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ جُمْلَةَ سِتِّينَ مُدًّا أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ أَخْذَهُمُ الطَّعَامَ يَخْتَلِفُ فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَأْخُذُ أَقَلَّ وَغَيْرَهُ أَكْثَرَ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ َ - إِنَّمَا سَنَّ مِكْيَلَةَ طَعَامٍ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ كَفَّارَةٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَدَفْعُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ حُمِلَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْطِيَهُمْ وَلَا يُمَلِّكَهُمْ إِيَّاهُ بِالسَّوِيَّةِ وَيَقُولُ: خُذُوهُ أَوْ كُلُوهُ فَلَا يُجْزِئُهُ لَا يَخْتَلِفُ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ خُذُوهُ فَقَدْ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ فَلَا تُحْتَسَبُ الزِّيَادَةُ وَيَأْخُذُ بَعْضُهُمْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ فَلَا يُجْزِيهِ النُّقْصَانُ، وَإِنْ قَالَ: كُلُوهُ فَمَا مَلَّكَهُمْ وَإِنَّمَا أَبَاحَهُمْ وَالتَّكْفِيرُ يُوجِبُ تَمْلِيكَ الْفُقَرَاءِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُمَلِّكَهُمْ ذَلِكَ وَيُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ فِيهِ فَيَدْفَعُ إِلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا سِتِّينَ مُدًّا وَيَقُولُ: قَدْ مَلَّكْتُكُمْ هَذَا بَيْنَكُمْ بِالتَّسْوِيَةِ فَاقْتَسِمُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ:
[ ١٠ / ٥١٧ ]
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطِّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي إسحاق المروزي أنه يجزئه، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ قَدْ حَصَلَ وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ قَدْ وُجِدَتْ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقِسْمَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّفَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ لا يجزيه حَتَّى يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَهُوَ مُدٌّ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْإِشَاعَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَيَحْتَاجُ إِلَى مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّفَهَا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ رُطَبًا لِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ مُؤْنَةِ تَجْفِيفِهِ وَلَا سُنْبُلًا لِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ مُؤْنَةِ دياسته وتصفية.