قال الشافعي ﵁: (وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ عُتِقَ بِمِلْكِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الَّذِينَ يُعْتِقُونَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَهُمُ الْوَالِدُونَ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَالْمَوْلُودُونَ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَأَوْلَادِ الْبَنِينَ وَأَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَلَا يُعْتَقُ مَنْ عدا هذين الطرفين من الأقارب والعصبات فإن اشْتَرَى أَحَدَ هَؤُلَاءِ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ عَتَقُوا عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إِذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمْ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ أَجْزَأَهُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهَا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ صَادَفَتْ نِيَّةَ الْحُرِيَّةِ بِسَبَبِ الْعِتْقِ فَوَجَبَ أَنْ تُجْزِئَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ بِالْمِلْكِ أَقْوَى مِنَ الْعِتْقِ بِالْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُتَحَتِّمٌ وَبِالْمُبَاشَرَةِ مُخَيَّرٌ فَلَمَّا أَجْزَأَهُ عِتْقُ الْمُبَاشَرَةِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُجْزِيَهِ عِتْقُ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ بِالْمِلْكِ قُرْبَةٌ وَعِتْقَ الْكَفَّارَةِ قُرْبَةٌ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ فَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ، وَلِأَنَّ تَرَادُفَ الْقُرَبِ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا بِصَوْمٍ فَاعْتَكَفَ شَهْرَ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ وَعَنْ نَذْرِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رقبة﴾ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ وَهَذَا عِتْقٌ بِغَيْرِ تَحْرِيرٍ فَلَمْ يُجْزِهِ لِإِخْلَالِهِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ ثَبَتَ بِحَقِّ الِاسْتِيلَاءِ فَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ فَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْإِرْثِ فَنَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ مَعَ الْإِرْثِ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ الْمُسْتَحَقَّ بِسَبَبٍ إِذَا صُرِفَ بِالنِّيَّةِ عَنْ ذِكْرِ السَّبَبِ إِلَى الْكَفَّارَةِ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ نَوَى قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ أَنْ يَصِيرَ بِدُخُولِهَا حُرًّا عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ تَكْفِيرٌ
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى الْوَالِدِ كَالطَّعَامِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ بِأَنَّهَا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ فَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّهَا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ كَمَا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ثُمَّ يَنْتَقِضُ بِمَنْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ مَلَكْتُ سَالِمًا أَنْ أُعْتِقَهُ فَمَلَكَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَهُوَ سَلِيمٌ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُ فَجَازَ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبْقِيَ أَبَاهُ عَبْدًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعِتْقَ بِالْمِلْكِ أَقْوَى مِنْهُ بِالْمُبَاشَرَةِ لِانْحِتَامِهِ فَهُوَ فَسَادُهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ ثُمَّ حَقُّ الْمُبَاشَرَةِ بِالْعِتْقِ أَقْوَى لِأَنَّهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى التَّطَوُّعِ إِنْ شَاءَ وَإِلَى الْوَاجِبِ إِنْ أَحَبَّ وَلَيْسَ كَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ الَّذِي لَا يَقِفُ عَلَى خِيَارِهِ فِي التَّطَوُّعِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَى خِيَارِهِ فِي الْوُجُوبِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا قُرْبَتَانِ فَلَمْ يَتَنَافَيَا فَهُوَ فَسَادُهُ بِمَا ذَكَرْنَا فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ سَالِمٍ إِنِ اشْتَرَاهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ وَإِنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ قُرْبَتَانِ، وَمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِصَوْمٍ فَاعْتَكَفَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بِأَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ مُجْزِيًا عَنْ رَمَضَانَ دُونَ نَذْرِهِ.