قال الشافعي ﵁: (وَلَوِ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَأَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ فَإِنْ رَجَعَ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى دَيْنٍ أَدَّاهُ أَوْ قِصَاصٍ أُخِذَ مِنْهُ أَوْ عُقُوبَةٍ عَلَى بَدَنِهِ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ وَلَوْ صَامَ فِي رِدَّتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّ الصَّوْمَ عَمَلُ الْبَدَنِ وَعَمَلُ الْبَدَنِ لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَنْ يُكْتَبُ لَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فِي مِلْكِ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ مَا كَانَ حيًا وتصرفه فيه جائز.
والقول الثاني: أن ملكه زائل عن ملله وَتَصَرُّفَهُ فِيهِ مَرْدُودٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى وَكَذَلِكَ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ عُلِمَ زَوَالُ مِلْكِهِ وَفَسَادُ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عُلِمَ أَنَّ مِلْكَهُ كَانَ بَاقِيًا وَتَصَرُّفَهُ جَائِزًا، وَلِتَوْجِيهِ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَوْضِعٌ مِنْ كِتَابِ الرِّدَّةِ.
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْهَا وَكَانَ عَلَى الْمُرْتَدِّ كَفَّارَةٌ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ ثَابِتٌ وَتَصَرُّفَهُ فِيهِ جَائِزٌ أَوْ قِيلَ إِنَّهُمَا عَلَى الْوَقْفِ وَالْمُرَاعَاةِ جَازَ لَهُ إِخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّ مِلْكَهُ زَائِلٌ وَتَصَرُّفَهُ مَرْدُودٌ فَفِي جَوَازِ تَكْفِيرِهِ مِنْ مَالِهِ وَجْهَانِ:
[ ١٠ / ٤٨٩ ]
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ مَالِهِ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ لِاسْتِحْقَاقِ الْكَفَّارَةِ فِي مَالِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ كَالدُّيُونِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ رِدَّتِهِ وَالْكَفَّارَةَ قَدْ تَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ رِدَّتِهِ.