قال الشافعي ﵁: (وَإِنْ أَعْطَاهُمْ قِيمَةَ الطَّعَامِ عَرَضًا أَجْزَأَ فَإِنَّهُ أَتْرَكَ مَا نَصَّتِ السُّنَّةُ مِنَ الْمِكْيَلَةِ فَأَطْعَمَ سِتِّينَ صَبِيًّا أَوْ رِجَالًا مَرْضَى أَوْ مَنْ لَا يُشْبِعُهُمْ إِلَّا أَضْعَافُ الْكَفَّارَةِ فَمَا يَقُولُ إِذَا أُعْطِيَ عَرَضًا مَكَانَ الْمِكْيَلَةِ لَوْ كَانَ مُوسِرًا يُعْتِقُ رَقَبَةً فَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا فَإِنْ أَجَازَ هَذَا فَقَدْ أَجَازَ الْإِطْعَامَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الرَّقَبَةِ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا رَقَبَةٌ فَلِمَ جَوَّزَ الْعَرَضَ وَإِنَّمَا السُّنَّةُ مِكْيَلَةُ طَعَامٍ مَعْرُوفَةٌ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ هَذَا أَنْ يُحِيلَ الصَّوْمَ وَهُوَ مُطِيقٌ لَهُ إِلَى الضِّدِّ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا قَالَهُ احْتِجَاجًا فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ فِي غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ أنه أَحَلَّهَا يُكَفِّرْ بِهَا وَلَمْ يَجُزْ إِخْرَاجَ الْقِيمَةِ فِي الْعِتْقِ.
فَإِنْ قَالُوا: وَالْمَعْنَى فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِلْعَبْدِ وَلَيْسَ فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ، فَإِذَا أَخْرَجَ قِيمَتَهُ صَارَتْ مَصْرُوفَةً فِي غَيْرِ مُسْتَحَقِّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قِيمَةُ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ لِأَنَّهُ انْصَرَفَ فِي مُسْتَحِقِّ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ. قُلْنَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ غَيْرُهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ الْحَقَّ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ فِي أَنَّهُ يَصْرِفُ الْحَقَّ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ قِيمَتَهُ بَدَلَ حَقِّهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أن يدفعه إلى غيره. فإن قالوا: أوليس الْقِيَاسُ يُجَوِّزُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ قِيمَةَ حَقِّهِ عَنْ تَرَاضٍ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْمَسَاكِينِ قِيمَةَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ عَنْ تَرَاضٍ قِيلَ: لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَتَعَيَّنُ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ التَّرَاضِي عَلَى الْقِيمَةِ وَالْكَفَّارَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لِغَيْرِ مُعِيَّنٍ فَلَمْ يَصِحَّ التَّرَاضِي عَلَى الْقِيمَةِ والله أعلم. نجز كتاب الظهار.
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(مختصر من الجامع من كتابي لعان جديد وقديم وما دخل فيهما من الطلاق من أحكام القرآن ومن اختلاف الحديث)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اللِّعَانُ فَمَأْخُوذٌ مِنَ اللَّعْنِ: وَهُوَ الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ، يُقَالُ: لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا، أي أبعده الله وطرده.
قال الشَّمَّاخُ:
(ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ)
أَيِ الطَّرِيدَ الْبَعِيدَ: فَسُمِّيَ اللِّعَانُ لِعَانًا؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِبُعْدِ أَحَدِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْقَطْعِ بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
وَقِيلَ بَلْ سُمِّيَ لِعَانًا لِمَا فِيهِ مِنْ لَعْنِ الزَّوْجِ لِنَفْسِهِ، وَيُقَالُ الْتَعَنَ الرَّجُلُ، إِذَا لَعَنَ نَفْسَهُ، وَلَاعَنَ، إِذَا لَاعَنَ زَوْجَتَهُ، وَيُقَالُ: رَجُلٌ لَعَنَةٌ - بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ - إِذَا كَانَ كَثِيرَ اللَّعْنِ، وَرَجُلٌ لَعْنَه - بِتَسْكِينِ الْعَيْنِ - إِذَا لَعَنَهُ النَّاسُ كَثِيرًا وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ "، وَمَعْنَاهُ احْذَرُوا الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ عَلَى الطُّرُقَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى لعن الناس له.