وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا كَانَ الْأَكْثَرُ جَرِيحًا سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْغُسْلِ؛ فَيَتَيَمَّمُ (٢).
وَدَلِيلُنَا مِنْ طَرِيقِ الْخَبَرِ مَا:
[٨٠٣] أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ (٣) السُّؤَالُ، إِنَّمَا كانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ يَعْصِبَ، شَكَّ مُوسَى - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" (٤).
[٨٠٤] أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا
_________________
(١) انظر: الأم (٢/ ٩٠)، ومختصر المزني (ص ١٥)، والحاوي الكبير (١/ ٢٧٢)، والوسيط في المذهب (١/ ٣٧٢)، والمجموع (٢/ ٣٣١).
(٢) انظر: الأصل للشيباني (١/ ١٢٨)، والمبسوط (١/ ١٢٢)، وتبيين الحقائق (١/ ٤٥)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ١٧١).
(٣) العِيّ: الجهل.
(٤) أخرجه أبو داود في السنن، رواية ابن داسة (ق ٢٦).
[ ١ / ٤٤٨ ]
عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، ثنا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ لَفْظًا، ثنا مُوسى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَلَبِيُّ. فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، وَحَمَلَهَا أَهْلُ الْجَزِيرَةِ. لَمْ (٢) يَرْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ غَيْرُ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَخَالَفَهُ الْأَوْزَاعِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَى (٣) الْأَوْزَاعِيِّ؛ فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَقِيلَ عَنْهُ بَلَغَنِي عَنْ عَطَاءٍ، وَأَرْسَلَ الْأَوْزَاعِيُّ آخِرَهُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (٤): سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ فَقَالَا: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَفْسَدَ الْحَدِيثَ (٥).
أَمَّا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ:
[٨٠٥] فأخبرناه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ، ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلَامٌ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟ " (٦).
_________________
(١) في (د): "أنا".
(٢) في (د): "ولم".
(٣) في (س): "عن".
(٤) العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥١٣).
(٥) سنن الدارقطني، رواية الحارثي (ق ٣٨/ ب).
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٦).
[ ١ / ٤٤٩ ]
كَذَا قَالَ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَهُوَ غَلَطٌ (١)، إِنَّمَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ بَلَاغًا مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ لَهُ مِنْ عَطَاءٍ.
[٨٠٦] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلَامٌ، فَأمِرَ بِالِاغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَكَزَّ (٢) فَمَاتَ، فبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟ ".
قَالَ عَطَاءٌ: فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ، وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ الْجُرْحُ" (٣).
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (٤).
وَرَوَاهُ الْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ. فَذَكَرَهُ (٥).
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ؛ كَمَا:
[٨٠٧] أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، ثنا الْفَارِسِيُّ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ - ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٦)، ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ
_________________
(١) في (س): "وهذا غلط".
(٢) قوله: "فكز" سقط من (ق).
(٣) المصدر السابق (١/ ٤٢٦).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٧٣٣).
(٥) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ٣٥١).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٢٣).
[ ١ / ٤٥٠ ]
- ﷺ - بِنَحْوِهِ (١).
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵀ -: وَفِي الْكِتَابِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَرِيضِ، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في السنن، رواية الحارثي (ق ٣٩/ أ).
[ ١ / ٤٥١ ]