إن كلمة التحقيق - كما يذكر العلّامة عبد السلام هارون - هي الاصطلاح المعاصر الذي يُقْصَد به بَذْلُ عناية خاصة بالمخطوطات، حتى يمكن التثبّت من استيفائها لشرائط معينة، فالكتاب المحقَّق هو الذي صح عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه.
وعلى ذلك فإن الجهود التي تبذل في كل مخطوط ليست بالهينة بحيث يُقْدِم عليها كل من ظن في نفسه قدرة على إخراج كتاب، غيرَ مكترث على أي صورة كان هذا الإخراج.
فالمخطوطات ليست ورقًا عَفَا عليه الزمن، بل إن لها من الشرف والمكانة ما يجعلها قرة عين العلماء والباحثين؛ يغارون عليها كما يغارون على أعراضهم، ويذبون عنها كل عبث أو إهمال، ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل إخراجها للنور على الصورة التي أرادها عليها أصحابُها.
وتزداد المخطوطات شرفًا وأهمية حينما تكون خاصة بكلام سيد المرسلين - ﷺ -، ففي هذه الحال تكمن الخطورة في احتمال إثبات تصحيف أو تحريف، أو إثبات قول إلى سيد الخلق لم يقله - ﷺ - وبالتالي ينبغي أن يلزم كلُّ إنسان الحذرَ حال الإقدام على التحقيق، خاصة هذا القسم من المخطوطات.
لقد استودع المصنِّفون كتبَهم أمانةً في أعناق الأجيال، ومَضَوْا بعد أن أَفْنَوْا أعمارَهم في تقييد السنة النبوية راجين أن يأتي مَن بعدهم ليشرحوا أو يدرسوا أو يعلِّقوا على مصنفاتهم، فيعمّ النفع والفائدة، طالبين من الله - ﷿ - الرحمة والمثوبة جزاء ما أضنوا أنفسهم فيما سخّروها له من خدمة العلم الشريف.
[ ١ / ١٨ ]
ثم آل إلينا هذا الإرث العظيم، ورجونا - إن لم نكمل ما بدءوه - أن نقوم بأدنى من ذلك، وهو نقله للخلف في الصورة التي تركه عليها السلف قدر استطاعتنا، وقد تبعنا في هذا المنهج التالي:
- قمنا بنسخ الكتاب من أدقّ نسخه الخطية - في مواطن تعددها - ثم قابلنا النسخ عدة مرّات حتى يخرج النص خاليًا من السقط.
ومنهجنا فيما نثبته في أصل الكتاب هو ما يسميه البعض بالنصّ المختار، ففي حالة اختلاف النسخ الخطية التي لدينا فإننا نثبت ما يترجح لدينا أنه نص المصنّف، أو الأقرب صورة له.
- حاولنا جهدَنا أن نُخرج الكتاب خاليًا من التصحيفات والتحريفات والأسقاط، فقابلنا الأحاديث متنًا وسندًا على مصنفات البيهقي الأخرى كالسنن الكبير، ومعرفة السنن والآثار، والسنن الصغير، وعلى المصادر الأصلية للمصنِّف مطبوعةً ومخطوطةً، وأشرنا إلى أيةِ خلافاتٍ جوهرية في النصّ.
- قابلنا الكتاب من بداية الجنائز حتى نهايته على نسخة تشستربتي من مختصر الخلافيات لابن فَرْح باعتبارها النسخة الأم من نسخ المختصر، مع الاستعانة بالمطبوع ونسخة دار الكتب المصرية في بعض المواضع.
- إن اتفقت النسخ الخطية جميعًا على الخطأ رجعنا إلى كتب المؤلف ومصادره الأصلية وأثبتنا الصواب منها، وإن أبقينا الخطأ أشرنا في الحاشية، ولم نحِدْ عمَّا في أصولنا الخطية إلا إذا ترجح لدينا بالدليل أنه خطأ من النساخ.
- في حالة إكمال نقص وقع في النسخ الخطية فإننا نضعه بين معقوفين هكذا [] وننبه في الحاشية على المصدر الذي استدركناه منه.
[ ١ / ١٩ ]
- قمنا بوضع علامات الترقيم المناسبة التي تعين على فهم النصّ وتوضحه، فميزنا الآيات القرآنية بالخط العثماني، مع التفريق بين قراءة حفص وغيرها من القراءات، مع تنصيص لفظ النبي - ﷺ - تمييزا لها عن غيره من الكلام، ولا يخفى ما يبذل في ذلك من جهد للوقوف على النصّ خاليًا من الإدراج.
- حرصنا على ضبط السند والمتن بنيةً وإعرابًا، واستثنينا من ذلك صيغ التحديث المختصرة، نحو: (ثنا - أنا - أبنا - نا).
- رجعنا في ضبط الأعلام من الأسماء والكنى والألقاب والأنساب إلى كتب المشتبه والأنساب والبلدان ونحوها، وإلى المعاجم التي اهتمَّتْ بهذا الجانب كالقاموس المحيط وتاج العروس، وإلى كتب التراجم التي قد تشير إلى ضبط الأسماء.
- رجعنا في تشكيل المتن إلى كتب السنة المسندة، وخصوصًا أصل الرواية، مع الاسترشاد بما ذُكر في كتب الشروح من روايات وتقييدات.
- واعتنينا بضبط عبارات الفقهاء واصطلاحاتهم، وقد أفادنا في ذلك كتاب الزاهر للأزهري والمصباح المنير للفيومي، وحواشي المتأخرين على كتب الفقه، وغير ذلك.
- وفي ضبط أقوال الجرح والتعديل وأحكام أئمة الحديث رجعنا إلى تخريجات تلك الأقوال، وإلى كتب مصطلح الحديث.
- وقد صادفَنا في بعض المواضع هفواتٌ بل أخطاء من النساخ، فتعاملْنا مع تلك المواضع بحسبها؛ فإن أمكن إثبات ما نحسب الناسخ وهِم فيه على أنَّ له وجهًا أثبتناه ونبَّهْنا على استشكالنا في الحاشية، وإن تعذَّر أن نُثبِتَ ما وهِم
[ ١ / ٢٠ ]
فيه الناسخُ لظهوره ووضوحه أثبتنا الجادَّة ونبَّهْنا أيضًا في الحاشية.
- فيما يخص منهج التخريج فقد عزونا النصوص إلى أصول رواياتها التي اعتمد عليها البيهقي حسب منهج علميّ دقيق يراعي الرجوعَ في بعض المصادر إلى أصولها الخطية، وذلك كأن يروي المصنِّف رواية من طريق السنن لأبي داود رواية ابن داسة، أو السنن للدارقطني روايتي الحارثي والسلمي، أو من طريق مالك في الموطأ رواية القعنبي وابن بكير والليثي، أو سعدان بن نصر في حديثه بروايتي ابن الأعرابي وإسماعيل الصفار، أو ابن معين في التاريخ بروايتي الدوري والدارمي، فنوثق سائر هذه الروايات، وما لم نقف على أصله وثَّقناه بواسطة كتب المصنف الأخرى أو من المصادر التي شاركت المصنف في النقل، أو من أقرب راوٍ في إسناد البيهقي من مصدر آخر، ولم نستفضْ في ذكر جميع المصادر.
- عزونا الآيات القرآنية إلى أماكنها من المصحف الشريف، وأثبتنا العزو في حواشي التحقيق.
- ميزنا بعض الرواة المبهمين والمهملين إذا دعت الحاجة، ولم نثقل الكتاب بغير المهم من التعليقات.
- وثقنا المسائل الفقهية من الكتب المعتمدة في المذهبين الشافعي والحنفي، والتزمنا في المذهب الشافعي بعمدة كتب المذهب وهو كتاب الأم للشافعي، ثم كتاب صاحبه المزني وهو مختصره، ثمَّ الحاوي الكبير للماوردي وهو من أهم كتب الشافعية وأشهرها، وغير ذلك من الكتب، وحرصنا على عزو المسألة إلى كتاب المجموع للنووي لجلالة قدر صاحبه ولِما يحويه من الأقوال في المذهب الشافعي وغيره.
[ ١ / ٢١ ]
كما التزمنا في المذهب الحنفي بكتاب الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني، ثم المبسوط للسرخسي، ثم تحفة الفقهاء للسمرقندي، ثم بدائع الصنائع للكاساني، وهذه الكتب هي المعتمدة في المذهب في النقل عن أبي حنيفة وأصحابه، ثم نرجع إلى غير ذلك من كتب المذهب عند الحاجة.
مراعاة الدقة في اختيار أفضل طبعات الكتب المعتمدة في التحقيق، مع الرجوع للأصول الخطية لها في مواطن الإشكال.
وضعنا كشافات وفهارس فنية لتيسير الاستفادة من الكتاب، واتبعنا فيها ما يلي:
أولًا: وضعنا أقوال النبي - ﷺ - مرتبة ترتيبًا ألفبائيًّا في موضعها من الفهرس، ووضعنا طرف النص سواء اشتمل على كلام النبيّ - ﷺ - أو الصحابيّ أو التابعيّ أو غيرهم مرتبًا ألفبائيّا ويشمل ذلك الأحاديث القولية والفعلية والتقريرية، ويشمل أيضًا الموقوف والمرسل والمقطوع، وذلك حتى يتسنى للباحث الوصول إلى مراده.
ثانيًا: وضعنا فهرس لأقوال الجرح والتعديل سواء التي من قول المؤلف، أو ما نقله عن أئمة الجرح والتعديل. وقد اقتضت الحاجة تغيير بعض الألفاظ والضمائر الواردة في الكتاب ليناسب المقام؛ فإذا أتى المؤلف بكلام النقاد عن راوييْنِ معًا فنفرد كلًّا منهما في موضعه، وقد رتبناه ترتيبًا هجائيًّا حسب أسماء الرواة.
ثالثًا: وضعنا فهرس بثبت المراجع والمصادر.
وختامًا نرجو أن نكون قد وُفقنا في تقديم هذا العمل العلمي المتفرد الذي جمع فيه مصنفه بين علم الحديث وعِلَله، وبيَّن فيه الصحيحَ والسقيم، وذكَر
[ ١ / ٢٢ ]
وجوهَ الجمع بين الأحاديث، ثمَّ بيَّن الفِقْه والأُصول، وشرَح ما يتعلق بالعربية، كل ذلك على وجهٍ وقعَ مِن الأئمة كلِّهم موقعَ الرضا.
المحققون
* * *
[ ١ / ٢٣ ]