قال الغزالي: أَمَّا الحَيضُ فَأَوَّلُ وَقْتِ إِمْكَانِهِ أَوَّلُ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ فِي وَجْهِ، وَإِذَا مَضَى سِتَّةُ أَشْهُرِ مِنْهَا فِي وَجْهٍ، وَأَوَّلُ الْعَاشِرَةِ فِي وَجْهٍ، فَمَا قَبْلَ ذَلِكَ دَمُ فَسَادٍ، وَأَقَلُّ مُدَّةِ الحَيْضِ يَوْمٌ (ح م) وَلَيْلَةٌ (و) وأَكثَرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (ح) وأَكثَرُهُ لاَ حَدَّ لَهُ، وَأَغْلَبُ الحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَأَغلَبُ الطُّهْرِ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ، وَمُسْتَنَدُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ الوُجُوبُ المَعْلُومُ بِالاسْتِقرَاءِ فَلَوْ وَجَدْنَا امْرَأَةَ تَحِيضُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الاطِّرَادِ فَفِي اتِّبَاعِ ذَلِكَ خِلاَفٌ لِأَنَّ بَحْثَ الأَوَّلِينَ أَوْفَى.
قال الرافعي: الدم الذي تراه النِّساء ينقسم إلى غير النِّفاس، وإلى النفاس، وغير النفاس ينقسم إلى حَيْضٍ، وَاسْتِحَاضَةٍ وهما مختلفا الحكم، ثم قد تكون المرأة بحيث تعرف حيضها من استحاضتها، وقد يختلط أَحَدُهُمَا بالآخر، فلا تعرف هذا من ذاك، وعلى الأحوال فالدم قد يطبق وقد ينقطع فترى مثلًا يومًا دمًا، ويومًا نقاء فجعل كلام هذه الأمور في خمسة أبواب.
أولها: في خَواصِّ الدم الذي هو حيض في أحكام الحيض، والاستحاضة.
وثانيها: في معرفة المستحاضات. وثالثها: في المتحيرة المشتبهة الحال.
ورابعها: في التقطع. وخامسها: في النفاس.
أما الباب الأول: ففيما يحتاج إليه لمعرفة الحَيْضِ بيان السن المحتمل للحَيْض، وفيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أن أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، فإن رأت الصَّبية دمًا قبل استكمال التِّسع فهو دم فساد قال: الشافعي -﵁- وأعجل من سمعت من النِّسَاء نساء تِهَامَةَ يَحِضْنَ لتسع سنين وهذا هو الذي عبر عنه صاحب الكتاب بقوله: "وأول العاشرة في وجه".
[ ١ / ٢٩٠ ]
والثاني: أن أوّل وقت الإمكان يدخل بالطَّعن في السنة التَّاسعة، وقد تسمى حينئذ بنت تسع.
والثالث: يدخل بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة. قال: الأصحاب في وقت الحيض وقدره الوجود فنرجع فيه إلى العرف؛ لأن كل ما ورد به الشَّرع مطلقًا، ولم يكن له ضابط في الشرع واللُّغة يرجع فيه إلى العرف كالقبوض والإحراز ثم كل واحد من أصحاب الوجوه الثلاثة يزعم أن ما ذكره قد عُهِد، والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية دون غيرها، وهل يعتبر بالتقريب أم بالتحديد فيه وجهان:
أظهرهما: بالتقريب، وعلى هذا لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التِّسع على الوجه الأصح ما لا يسع لحيض، وطهر يكون ذلك الدَّم حيضًا وإلا فلا، ولا فرق في سن الحيض بين البلاد الحارة وغيرها، وعن الشَّيخ أبي محمد أن الأمر في البلاد الحارة على ما ذكرناه وفي البلاد الباردة وجهان:
وأما أقل مدة الحيض فقد نص في "المختصر" على أن أقل الحَيْض يوم وليلة، وقال فيه في العدة: "وأقل ما علمناه من الحَيْضِ يوم" فاختلفوا فيه على طرق:
أحدها: أن فيه قولين:
أظهرهما: أن أقله يوم وليلة، لما روى عن عَلِيٍّ -﵁- أن أقل الحيض يوم وليلة؛ ولأن المتبع فيه الوجود المعتاد، وقد قال الشَّافعي -﵁- رأيت امرأة لم تزل تحيض يومًا وليلة، وروى مثله عن عطاء، وعن أبي عبد الله الزُّبيري -﵄-.
والثاني: أقله يوم لما روي عن الأوزاعي قال: كانت عندنا امرأة تحيض بالغَدَاة وتطهر بالعَشِيّ.
والطريق الثاني: القطع بأن أقله يوم وحيث قال أقله يوم وليلة، إنما قال ذلك؛ لأنه لم يجد في النساء من تَحِيضُ أقل من ذلك. ثم وجد وعرف فرجع إليه.
والثالث: وهو الأظهر القطع بأن أقله يوم وليلة، وحيث قال يومًا أراد بليلته، والعرب كثيرًا ما تفعل ذلك. وهذا هو المذكور في الكتاب وعليه تفاريع الحَيْض، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام، وعند مالك لا حدّ لأقله.
وأما أكثر الحَيْض فهو خمسة عشر يومًا وليلة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: أكثره عشرة أيام.
لنا ما ذكرنا أن الرجوع إلى ما وجد من عادات النِّسَاء وأقصاها ما ذكرنا. روي عن علي -﵁- أنه قال ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة. وعن عطاء:
[ ١ / ٢٩١ ]
رأيت من تَحِيض يومًا ومن تحيض خمسة عشر يومًا، وعن أبي عبد الله الزّبيري مثل ذلك وأما الطّهر فأكثره لا حد له، فقد لا ترى المرأة الدّم في عمرها إلا مرة، وأقله خمسة عشر يومًا، خلافًا لأحمد حيث قال: أقله ثلاثة عشر.
وعن مالك قال: ما أعلم بين الحَيْضَتَيْن وقتًا يعتمد عليه، وعن بعض أصحابه أن أقله عشرة أيام. لنا الرّجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النّساء.
وروى أنه -ﷺ- قال: "تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لاَ تُصَلِّي" (١) أشعر ذلك بأقل الطّهر وكثر الحَيْضِ وغالب عادات النساء في الحيض ستٌ أو سبعٌ، وفي الطّهر باقي الشَّهر، وقد ورد به الحديث. قال -ﷺ-: "تَحَيْضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أو سَبْعًا كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ" (٢)، وسيأتي ذلك من بعد.
وقوله: ومستند هذه التقديرات الوجود المعلوم بالاستقراء يعني ما ذكرنا أن المتبع في الحيض والأقل والأكثر ما وجد من عادات النِّساء بعد البحث الشافي فاعتمدنا ذلك واتبعناه، ولو وجدنا امرأة تحيض أقل من يوم وليلة على الاطِّراد، أو أكثر من خمسة عشر، وتطهر أقل من خمسة عشر فهل نتبع ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: نعم وذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني في جواب له، والقاضي حسين فيما حكى. ووجهه أنا بينا أن المتبع في هذه المقادير الوجود. فإذا وجدنا الأمر على خلاف ما عهدنا وجب اتباعه وقد تختلف العادات باختلاف الأهوية والأعصار.
والثاني: وهو الأظهر أنه لا عبرة به؛ لأن الأولين قد أعطوا البحث حقه، ولم ينقلوا زيادة ولا نقصانًا، وبحثهم أوفى واحتمال عروض دم فساد للمرأة أقرب من انْخِرَاقِ العادات المستمرة.
والثالث: أنه إن وافق ذلك مذهب واحد من السَّلَفِ صرنا إليه، وإلا فلا؛ لأنه تبين لنا بذلك أن ما وجدناه قد وجد قبل هذا، لكنه لم يبلغ الشَّافعي -﵁-، والمذهب المعتمد هو الوجه الثاني، وعليه يفرع مسائل الحيض ويدل عليه الإجماع
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤، ١٤٦٢) ومسلم (٧٩).
(٢) أخرجه الشافعي في "الأم" (١/ ٦٠) وأحمد في المسند ٦/ ٤٣٩ وأبو داود (٢١٨٧) والترمذي (١٢٨) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجة (٦٢٢) والدارقطني (١/ ٢١٤) (٤٨ - ٥٢) والبيهقي في السنن (١/ ٣٣٨) قال ابن الملقن: قال البخاري: حديث حسن، وقال الحاكم: له شواهد وخالف ابن مندة وابن حزم فضعفناه، وقال البيهقي: تفرد به عبد الله بن محمد بن عطيل، وهو مختلف في الاحتجاج به، قلت: لا يضره؛ لأن الأكثرين احتجوا به. انظر الخلاصة (١/ ٧٧).
[ ١ / ٢٩٢ ]
على أنها لو كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا -على الاستمرار- لا يجعل كل ذلك النقاء طهرًا كاملًا.
قال الغزالي: وَحُكْمُ الحَيْضِ تَحْرِيمُ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ (الأَوَّلُ) مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الطَّهَارَةِ كَسُجُودِ التَّلاَوَةِ وَالطَّوَافِ وَالصَّلاَةِ ثُمَّ لاَ يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلاَة عَلَيْهَا.
قال الرافعي: يحرم على الحائض ما يحرم على الجنب، فليس لها أن تصلّي لقوله -ﷺ-: "إِذَا أَقْبُلْتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ (١) وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".
ولا أن تطوف لما روى أنه -ﷺ- قال لعائشة -﵂- وقد حاضت وهي محرمة: "اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" (٢). ولا أن تمس المصحف لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٣).
ولا أن تلبث في المسجد لما روي أن النبي -ﷺ- قال: "لاَ أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبِ وَلاَ حَائِض" (٤) ولا أن تقرأ القرآن لما روى أنه -ﷺ- قال: "لاَ يَقْرَأُ الجُنُبُ وَلاَ الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ" (٥). وفي قراءة القرآن قول قدمناه، وفي معنى الصلاة سُجُود التِّلاَوة والشكر، ولا يجب عليها قضاء الصلاة.
قالت عائشة -﵂-: "كُنَّا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْم وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ" (٦). وسيأتي المعنى فيه على الأثر، وقوله: "ما يفتقر إلى الطَّهارة" -إن كان المراد منه الطهارة الكبرى- فالمكث في المسجد داخل فيه [فلا] حاجة إلى تَكْراره في الأمر الثاني، حيث قال: فالمكث محرم وإن كان المراد الطّهارة الصغرى لم يكن الكلام حاويًا لقراءة القرآن وهي مما تُمْنَع على الحائض أيضًا.
قال الغزالي: (الثَّاني) العُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ فَالْمَكْثُ مُحَرَّمٌ وَفِي العُبُورِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الحائض إنْ خافت تلويثَ المسجد -لو عبرت، إما لأنها لم تَسْتَوثِقْ، أو لغلبة الدم- فليس لها العبور فيه صيانةً للمسجد عن التَّلويث بالنجاسة، وليس هذا من خاصية الحائض بل المُسْتُحَاضة وَسَلَس البول ومن به جراحة نضاخة بالدّم -يخشى من المرور التَّلويث- ليس لهم العبور، وإن أمنت التلويث ففي جواز العبور لها وجهان:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠) ومسلم (٣٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٤) ومسلم (١٢١١).
(٣) سورة الواقعة، الآية ٧٩.
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.
(٦) أخرجه البخاري (٣٢١) ومسلم (٣٣٥).
[ ١ / ٢٩٣ ]
أحدهما: لا يجوز لإطلاق الخبر: "لاَ أُحِلُّ الْمَسْجِد لِجُنُب وَلاَ لِحَائِض".
وأصحهما: الجواز كالجنب، ومن على بدنه نجاسة لا يخاف معها التلويث وقوله في الكتاب: "فإن أمنت التَّلويث فالمكث محرم" ترتيب تحريم المكث على حالة الأمن ليس على سبيل التخصيص بها، بل هو في حالة الخوف أولى بالتحريم، لكن (الفرض) أنه لا خلاف في تحريمه في هذه الحالة، وإن كان العبور مختلفًا فيه، وفي ذكره الوجهين في العبور حالة (الأمن) ما يبين أنه أراد بقوله:
أولًا: العبور في المسجد حالة الخوف، أو أراد أنه ممتنع في الجملة إلى أن يبين التفصيل.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) الصَّوْمُ، فَلاَ يَصِحُّ مِنْهَا وَبَجِبُ القَضَاءُ بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: ليس للحائض أن تصوم، لما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ" (١).
وهذا التحريم يبقى ما دامت ترى الدم فإذا انقطع وارتفع وإن لم تغتسل بعد بخلاف الاسْتِمْتَاع وما يفتقر إلى الطَّهارة فإن التحريم فيه مستمر إلى أن تغتسل ومما يرتفع تحريمه بانقطاع الدَّم الطلاق، وسقوط قضاء الصلاة أيضًا ينتهي بانقطاع الدم، ثم يجب على الحائض قضاء الصَّوم وإن لم يجب قضاء الصلاة.
روي أن معاذة العدوية قالت لعائشة -﵂-: "مَا بَالُ الْحَائِض تَقْضِي الصَّوْمَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاةَ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّة أَنْتِ، كُنَّا نَدَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلاةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَنَقْضِيَ الصَّوْمَ وَلاَ نَقْضِي الصَّلاةَ" (٢). وذكروا في الفرق معنييِن:
أحدهما: أن قضاء الصوم لا يشق مشقة قَضَاء الصلاة؛ لأن غاية ما يفوتها بعض شهر رمضان ويهون قضاؤه في السَّنة بخلاف الصلاة فإنها تكثر وتكرر.
والثاني: أن أمر الصلاة لم يبن علي أن تؤخر ثم تقضي بل إما ألا تجب أصلًا، أو تجب بحيث لا تؤخر بالأعذار والصوم قد بترك بعذر السَّفَرِ والمرض ثم يقضي فكذلك يترك بالحَيْضِ ويقضي، فهل يقال بوجوب الصوم على الحَائِضِ في حال الحَيْضِ؟ فيه وجهان:
فمن قائل: نعم، ولولاه لما وجب القضاء كالصلاة ومن قائل لا فإنها ممنوعة منه والمنع والوجوب لا يَجْتَمِعَانِ.
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢١) ومسلم (٣٣٥) وقد تقدم.
[ ١ / ٢٩٤ ]
قال الغزالي: (الرَّابعُ) الجِمَاعُ وَلاَ يَحْرُمُ الاستِمتَاعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَمَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَبِمَا تَحْتَ الإِزَارِ (م) وَجْهَانِ، ثُمَّ إِنْ جَامَعَهَا وَالدَّمُ عَبِيطٌ (١) تَصَدَّقَ بِدِينَار، وَفِي أوَاخِرِ الدَّمِ بِنِصْفِ دِينَارٍ اسْتِحبَاباَ، أَمَّا الإِسْتحَاضَةُ فَكَسَلَسِ البَوْلِ لاَ تَمْنَعُ الصَّلاةَ، وَلَكِنْ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَة فِي وَقْتِهَا وَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَثْفِرُ وَتُبَادِرُ إِلَى الصَّلاَة فَإِنْ أَخَّرَت فَوَجْهَان، وَوَجْهُ المَنْعِ تَكَرُّرُ الحَدَثِ عَلَيْهَا مَعَ الاسْتِغْنَاءِ، وَفِي وُجُوبِ تَجِديدِ العِصَابَةِ لِكُلِّ فَرِيضَةِ وَجْهَان، فَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى العِصَابَةَ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّجْدِيدِ، وَمَهْمَا شُفِيَتْ قَبْلَ الصَّلاَة اسْتَأْنَفَتْ الوُضُوءَ، وإنْ كَانَتْ فِي الصَّلاَةِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالمُتَيَمَمِّ إِذَا رَأَى المَاءَ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَتَوَضَّأ وَتَسْتَأنِفُ، لِأَنَّ الحَدَثَ مُتَجَدِّدٌ فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الصَّلاَةِ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ عَادِتَهَا العَوْد فَلَهَا الشُّرُوعُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ غيْرِ اسْتِئْنَافِ الوُضُوءِ، وَلَكِنْ إنْ دَامَ الانْقِطَاعُ فَعَلَيْهَا القَضَاءُ، وَإِنْ بَعُدَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهَا فَعَلَيْهَا اسْتْئْنَاف الوُضُوءِ فِي الحَالِ.
قال الرافعي: الاستمتاع ضربان:
أحدهما: الجماع في الفَرْجِ فيحرم في الحَيْضِ، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٢). قال -ﷺ- في تفسيره: "افْعَلُوا كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ الجِمَاعَ في الفرج" (٣).
ويستمر هذا التحريم وإن انقطع الدم إلى أن تتطهر بالماء أو التراب عند العجز عن استعمال الماء، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل الجماع، وإن لم تغتسل.
لنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤) بالتَّشديد أي يغتسلن، وأما على التخفيف، فقد قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ أي: اغتسلن، فلم يَجُز الإتيان إلا بعد الاغتسال، ولو لم تجد ماء، ولا ترابًا لم يَجُزْ وطؤها على أصح الوجهين بخلاف الصلاة فإنها تأتي بها تشبُّهًا لحرمة الوقت، ومهما جامع في الحيض عمدًا وهو عالم بالتحريم ففيه قولان:
الجديد: أنه لا عزم عليه لكنه يستغفر ويتوب مما فعل؛ لأنه وطء محرم لا لحرمة عبادة، فلا يجب به كفارة كوطء الجارية المَجُوسِيّة، وكالإتيان في الموضع المكروه لكنا
_________________
(١) دم عبيط: أي طري، انظر المعجم الوسيط (٢/ ٥٨٧).
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٢) وأبو داود (٢١٦٥).
(٣) قال الحافظ في التلخيص: هو مختصر من حديث طويل رواه مسلم من حديث أنس التلخيص (١/ ١٦٤)
(٤) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
[ ١ / ٢٩٥ ]
نستحب له أن يتصدق بدينار إن جامع في إقبال الدم، وبنصف دينار إن جامع في إدباره، لورود الخبر بذلك. وهذا القول هو المذكور في الكتاب.
والقديم: أنه يلزمه غرامة كفَّارة لما فعل، ثم فيها قولان:
أحدهما: يلزمه تحرير رقبة بكل حال لمذهب عمر -﵁-.
وأشهرهما: أنه إنْ وطئ في إقبال الدم فعليه أن يتصدق بديناروإن كان في إدباره فعليه أن يتصدق بنصف دينار لما روي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ أتى امْرَأَتَهُ حَائِضًا فَلْيَتَصَدَّقْ بدِينَارٍ وَمَنْ أتَاهَا وَقَدْ أَدْبَرَ الدَّمُ فَليَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَار" (١). ثم الدِّينار الواجب أو المستحب مثقال الإسلام من الذَّهب الخالص يصرف إلى الفقراء والمساكين، ويجوز أن يصرف إلى واحد، وعلى قول الوجوب إنما يجب ذلك على الزوج دون الزوجة وما المراد بإقبال الدم وبإدباره؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: أنه ما لم ينقطع الدم فهو مقبل، وإدباره أن ينقطع ولم تغتسل بعد، ويدلُّ عليه ما روي أنه -ﷺ- قال "إِذَا وَطْئِهَا فِي إِقْبَالِ الدَّمِ فَدِينَارٌ وَإِنْ وَطِئَهَا فِي إِدْبَارِ الدَّمِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغَسْلِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيْنَارٍ" (٢).
وأشهرهما: أنَّ إقباله أوَّله وشدته وإدباره ضعفه وقربه من الانقطاع، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال ثم إن جامعها والدم عَبيطٌ تصدَّق بدينار إلى آخره، ويدل عليه ما روي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا وَقع الرجل بِأَهْلِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَليَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَلْيَتَصَدَّق بِنِصْفِ دِينَار" وليكن قوله: "اسْتِحْبَابًا" معلمًا للقول الذي حكيناه وبالألف؛ لأن عند أحمد يجب عليه دينار أو نصف دينار؛ لأنه روي في بعض الرِّوايات "فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَار أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ" وهذه الرواية مما يستدَلُّ بها على أن هذا الأمر للاستحباب؛ لأن التخيير بين القَدْرِ المعين وبعضه في الإيجاب لا معنى له فهذا إذا وطئ عامدًا عالمًا بالتحريم، وإن وطئها ناسيًا أو جاهلًا بتحريم وطء الحائض، أو بأنها حائض فلا شيء عليه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠، ٢٧٢) وأبو داود (٢٦٤) والنسائي (١/ ١٥٣) وابن ماجة (٦٤٠) والدارمي (١١١٧) وابن الجارود (١١١) والحاكم (١/ ١٧١) والبيهقي (١/ ٣١٤) قال ابن الملقن قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وهو كما قال: لا كما رد عليه ابن الصلاح، ثم النووي لا جرم، صححه ابن القطان وهو الإمام المدقق، وله طرق غير هذا ضعيفة، انظر الخلاصة (١/ ٧٩).
(٢) انظر التلخيص (١/ ١٦٤ - ١٦٥).
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقال بعض الأصحاب: يجيء على قوله القديم وجه آخر، أنه يجب عليه الكفارة أيضًا.
الضرب الثاني: من الاستمتاع غير الجماع، وهو ضربان:
أحدهما: الاستمتاع بما بين السُّرَّةِ والرُّكبة، وهو المراد بما تحت الإِزَارِ، فهل يحرم في الحيض؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: نعم، وَيُحْكَى ذلك عن نَصِّه في الأم؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) وعن معاذ قال: "سَألْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضُ فَقَالَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ" (٢)؛ ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الاستمتاع بالفرج قال -ﷺ-: "مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوقِعَهُ" (٣)، فوجب أن يمنع منه، وبهذا قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه لا يحرم به قال أبو إسحاق وهو مذهب أحمد لما روى أنه -ﷺ- قال: "افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إلاَّ الجِمَاعَ" (٤)؛ ولأن الجماع في الفرج، إنما يحرم بسبب الأذى فلا يحرم الاسْتِمْتَاع بما حواليه كالموضع المَكْرُوهِ.
والثالث: أنه إنْ أَمِنَ على نفسه التَّعَدِّي إلى الفرج -لورع أو قلة شهوة- لم يحرم، وإلًا حرم، ويروى هذا عن أبي الفياض.
ونقل بعضهم في المسألة قولين، وقالوا: الجديد، التحريم، والقديم: الإباحة. (الضرب الثالث): الاستمتاع بما فوق السُّرة وتحت الركبة كالتَّقْبيل والمُضَاجعة، وهو جائز؛ لما روينا من حديث معاذ عن عائشة -﵂- قالت: "كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فِي الْخَمِيلَةِ فَحِضْتُ فَانْسَلَلْتُ، فَقَالَ: أنُفِسْتِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: خُذِي ثِيَابَ حَيْضَتِكِ وَعُودِي إِلَى مَضْجَعَكِ وَنَالَ مِنِّي مَا يَنَالُ الرَّجُلَ مِنِ امْرَأَتِهِ إلاَّ تَحْتَ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٣) وقال: وليس بالقوي، وفي إسناده بقية عن سعيد بن عبد الله الأغطش، ورواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن عبد الله الخزاعي، فإن كان هو الأغطش فقد توبع بقية، وبقيت جهالة حال سعيد فإنا لا نعرف أحدًا وثقه، وأيضًا فعبد الرحمن بن عائذ رواية عن معاذ، قال أبو حاتم: روايته عن علي مرسلة، فإذا كان كذلك فعن معاذ أشد إرسالًا، وفي الباب عن حرام بن حكيم عن عمه: أنه سأل رسول الله -ﷺ- ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار، رواه أبو داود. انظر التلخيص (١/ ١٦٦).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢ - ٢٠٥١) ومسلم (١٥٩٩) وأبو داود (٣٣٢٩) والترمذي (١٢١٨) والنسائي (٧/ ٢٤١) وابن ماجة (٢٩٨٤).
(٤) أخرجه مسلم من رواية أنس -﵁- (٣٠٢) وأبو داود (٢١٦٥).
[ ١ / ٢٩٧ ]
الإزَارِ" (١). ويروى مثله عن أم سلمة -﵂- (٢).
ولا فرق بين أن يصيب دم الحيض موضعًا منه وبين إلاَّ يصيبه وفي وجه: لا يجوز الاستمتاع بالموضع المتلطِّخ به؛ لأنه لو استمتع به لأصابه أذى الحيض وإنما منع من وطء الحائض للأذى.
والأول هو الظاهر لإطلاق الأخبار (ولك) أن تعلم قوله: "ولا يحرم الاستمتاع بما فوق السُّرة وبما وتحت الرُّكْبَة"؛ لهذا الوجه الذاهب إلى التَّفصيل، فهذا شرح الأمور الأربعة الممتنعة بالحَيْض. واعلم أن قوله: "وحكم الحيض امتناع أربعة أمور" يشعر بانحصار حكمه فيه، لكن له أحكام أخر. منها: أنه يجب الغُسْلُ، أو التَّيمم عند انقطاعه- على ما سبق بيان ذلك في مُوجِبَاتِ الغُسْل. ومنها: أنه تمتنع صحة الطَّهارة ما دام الدم مستمرًا إلا الأغسال المشروعة لما لا يفتقر إلى الطَّهارة كالإحرام والوقوف بعرفة، فإنها تستحب للحائض؛ لأن المقصود من تلك الأغسال التَّنظيف، وإذا فرعنا على أن الحائض تقرأ القرآن، فلها أن تغتسل إذا أجنبت لتقرأ، ويستثنى هذا الغسل أيضًا على القول المشار إليه عن سائر الطّهارات. ومنها: أنه يجب البلوغ. ومنها: أنه يتعلق به العدَّة والاسْتِبْرَاء. ومنها: أنه يكون الطَّلاق فيه بدعيًا، وهذه الأحكام تذكر في مواضعها وحكم النفاس، حكم الحَيْضِ إلا في إيجاب البُلُوغِ وما بعده (٣).
[قال الغزالي: أَمَّا الاسْتِحَاضَةُ فَكَسَلَسِ البَوْلِ لاَ تَمْنَع الصَّلاةَ، وَلَكِنْ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ فِي وَقْتِهَا وَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَثْفِرُ وَتُبَادِرُ إِلَى الصَّلاَة، فَإنْ أَخَّرَتْ فَوَجْهَانِ: وَوَجْهُ المَنْعِ تَكَرُّرُ الحَدَثِ عَلَيْهَا مَعَ الاسْتِغْنَاءِ وَفِي وُجُوبِ تَجْدِيدِ العِصَابَةِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ وَجْهَانِ، فَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى العِصَابَةِ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّجْدِيدِ].
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٩) والبيهقي من حديث عائشة بمعناه، وإسناده عن البيهقي صحيح، وليس فيه قوله: ونال مني ما ينال الرجل من امرأته، وقد أنكر ذلك النووي في شرح "المهذب" على الغزالي، حيث أوردها في وسيطه، وهو في ذلك تابع لإمامه في النهاية، قال النووي: وهذه الزيادة غير معروفة في كتب الحديث، انظر التلخيص (١/ ١٦٧) وهو بنحوه عند البخاري (٣٠٠) ومسلم (٣٠٢).
(٢) هو متفق عليه، من حديث أم سلمة دون الزيادة المنكرة، البخاري (٢٩٨) ومسلم (٢٩٦).
(٣) قال النووىِ: ومن أحكامه منع وجوب طواف الوداع، ومنع قطع التتابع في صوم الكفارة، وقول الرافعي: وحكم النفاس حكم الحيض إلا في إيجاب البلوغ، وما بعده يقتضي أن لا يكون الطلاق فيه بدعيًا وليس كذلك، بل هو بدعي لأن المعنى المقتضي بدعيته في الحيض موجود فيه، وقد صرح الرافعي أيضًا في كتاب الطلاق بكونه بدعيًا. والله أعلم. انظر الروضة (١/ ٢٥٠).
[ ١ / ٢٩٨ ]
قال الرافعي: الاسْتِحَاضَةُ قد يعبر بها عن كل دم تراه المرأة غير دمي الحيض والنِّفَاس، سواء كان مُتَّصِلًا بدم الحَيْضِ كالمجاوز لأكثر الحيض، أو لم يكن مُتَّصِلًا به كالَّذي تراه المرأة قبل تسع سنين. وقد يعبر بها عن الدم المتَّصل بدم الحيض وحده، وبهذا المعنى تنوع المستحاضة إلى معتادة ومبتدأة ثم إلى مميزة وغيرها، ويسمى ما عدا ذلك دم فساد، لكن الأحكام الذكورة في جميع ذلك لا تختلف، والدم الخارج حدث دائم كَسَلَسِ البول والمذي، فلا يمنع الصوم والصَّلاَة؛ للأخبار التي نرويها في المُسْتَحَاضَاتِ، ولذلك يجوز للزوج (١) وطؤها وإنما أثر الأحداث الدائمة الاحتياط في إزالة النَّجاسة وفي الطَّهارة، فتغسل المستحاضة فَرْجَها قبل الوضوء أو التّيمم إن كانت تتيمم، وتحشوه بِقُطْنٍ أَوْ خِرْقَةٍ دَفعًا لِلنَّجَاسَةَ وتقليلًا لها.
فإن كان الدم قليلًا يندفع به فذاك وإلاَّ شدَّت مع ذلك وتلجمَّت، بأن تشد على وسطها خِرْقَةً كالتِّكة (٢)، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الرأسين، وتجعل إحداهما قُدَّامها، والأخرى من ورائها، وتشدُّها بتلك الخرقة. وذلك كله واجب إلا في موضعين:
أحدهما: أن تتأذَّى بالشدِّ ويحرقها اجتماع الدم فلا يلزمها لما فيه من الضَّرر.
والثاني: أن تكون صائمة فتترك الحَشْوَ نهارًا وتقتصر على الشدِّ. وسلس البول أيضًا يدخل قُطْنَةً في إِحْلِيلِهِ، فإن انقطع وإلا عصب مع ذلك رأس الذَّكَرِ بخرقة. ثم تتوضَّأُ المستحاضة بعد الاحتياط الذي ذكرناه، ويلزمها الوضوء لكل فريضة، ولا تصلِّ فريضتين بطَّهارة واحدة، لقوله -ﷺ- لفاطمة بنت أبي حبيش: "تَوَضَّأي لِكُلِّ صَلاَةٍ" (٣) ولا بد أن تكون طهارتها لِلصَّلاة بعد دخول وقتها، كما ذكرنا في التَّيمم. وحكى الشيخ أبو محمد وَجْهًا، أنه يجوز أن تَقَعَ طهارتها قبل الوقت بحيث ينطبق آخرها على أول الوقت وتصل به الصَّلاة والمذهب الأول، وينبغي أن تبادر إلى الصلاة عُقَيْب احتياطها وطهارتها، فلو أخرت بأن توضأت في أول الوقت، وصلت في آخره أو بعد خروج الوقت، نُظِر إن كان التَّأخر للاشتغال بسبب من أسباب الصَّلاَة، كستر العورة والاجتهاد في القِبْلَةِ والأذان والإقامة، وانتظار الجماعة والجمعة ونحوها فيجوز، وإلا فثلاثة أوجه:
أصحها: المنع؛ لأن الحدث متكرر عليها وهي مستغنية عن احتمال ذلك قادرة على المبادرة.
_________________
(١) سقط في (ط).
(٢) التكة: رباط السراويل، انظر المعجم الوسيط ١/ ٨٦.
(٣) أخرجه البخاري (٥٢ - ٢٠٥١) ومسلم (١٥٩٩) وأبو داود (٣٣٢٩) والترمذي (١٢١٨) وابن ماجة (٩٨٤) والنسائي (٧/ ٢٤١).
[ ١ / ٢٩٩ ]
الثاني: الجواز كما في التَّيمم، ولأنها لو أمرت بالمبادرة لأمرت بِتَّخْفِيفِ الصلاة والاقتصار على الأقل.
والثَّالث: أن لها التَّأْخر ما لم يخرج وقت الصَّلاة، فإذا خرج، فليس لها أن تصلي بتلك الطَّهَارة. وذلك لأن جميع الوقت في حق تلك الصَّلاة كالشيء الواحد والوجوب فيه موسع. وهل يلزمها تجديد غسل الفرج وحشوه وشده لكل فريضة؟ ننظر إن زالت العِصَابَةُ عن موضعها زوالًا له وقع أو ظهر الدم على جوانب العِصَابة فلا بد من التجديد، لأن النَّجَاسة قد كثرت وأمكن تقليلها فلا يحتمل، ولا بأس بالزوال اليَسِيرِ كما يعفى عن الانتشار اليسير في الاسْتِنْجَاءِ وإن لم تزل العِصَابة عن موضعها ولا ظهر الدم فوجهان:
أصحهما: وجوب التَّجديد كما يجب تجديد الوضوء.
والثاني: لا يجب إذ لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها لكن الأمر بطهارة الحدث مع استمراره معهود. ونقل المسعودي الخلاف في المسألة قولين، وهذا الخلاف جَارٍ فيما إذا انتقض وضوء المُسْتَحَاضَةِ واحتاجت إلى وضوء آخر بسبب ذلك كما لو خرج منها ريح قُبُل إنْ صلَّت فيلزمها الوضوء وفي تجديد الاحتياط الخلاف.
ولو انتقض وضؤها بأن بالت وجب التَّجديد لا مَحَالَةَ لظهور النَّجَاسة كيف وهي غير ما ابتليت به. واعلم أنه إذا خرج منها الدَّم بعد الشَّدِّ فإن كان ذلك لغلبة الدَّم لم يبطل وضؤها وإن كان لتقصيرها في الشَّدِّ بطل، وكذا لو زالت العِصَابَةُ عن مَوْضِعَها لضعف الشَّدِّ وزاد خروج الدَّمِ بسببه فإن انفق ذلك في الصَّلاَة بطلت الصَّلاةُ وإن اتفق بعد الفريضة لم يكن لها أن تنتقل. ولنعد إلى ألفاظ الكتاب أما قوله: "ولكن تتوضَّأ لكلِّ صلاة" يعني به كل صلاة الفرض وينبغي أن يعلّم بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد تتوضَّأ لوقت كل صلاة لا لكل صلاة ولها أن تجمع بين فرائض بوضوء واحد ما دام الوقت باقيًا وبخروج الوقْتِ يبطل طهارتها. قال أبو حنيفة: "وإنْ توضَّأت قبل الوقت لصلاة، لا يمكنها أن تُصَلِّي تلك الصلاة بذلك الوضوء؛ لأن دخول وقت كل صلاة يكون بخروج وقت التي قبلها، وخروج الوقت مبطل، الأصلاة الظهر، فإنها إذا توضَّأت قبل الزَّوال، ثم زالت الشَّمس، لها أن تُصلِّي الظهر".
وأما قوله: وَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَثْفِر فقد ورد اللَّفظان في خبر حمنة بنت جحش.
قال: صاحب الصِّحاح (١): "اللِّجَامُ فارسي مُعَرَّبٌ، واللِّجَامُ ما تشده الحائض،
_________________
(١) انظر الصحاح (٥/ ٢٠٢٧).
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقوله: "تلجمي" أي شدي عليك اللِّجام. قال: وهو شبيه بقوله اسْتثْفِرِي، وأما الاسْتِثْفَارُ فقد قال "الغريبين" اللغويون: يحتمل أنْ يكون مأخوذًا من ثفر الدَّابَّةِ أي تشد الخرقة عليها كما يشد الثّفْر تحت الذَّنَب ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الثّفر أريد به فَرْجها وإن كان أصله للسباع ثم استعير، يقال استثفر الكلب إذا أدخل ذنبه بين رجليه، واستثفر الرجل إذا أدخل ذَيْلَهُ بين رجليه من خلفه، هذا بيان اللفظين، والمراد بهما شيء واحد، وهو ما سبق وصفه، وسماه الشافعي -﵁- التَّعْصِيبَ أيضًا، ويجب تقديم ذلك على الوضوء كما سبق، وإن آخره صاحب الكتاب في اللفظ عن الوضوء.
وقوله: "فإن أخرت فوجهان" ظاهره يقتضي طرد الوجهين في مطلق التَّأخير، لكن لو كان التَّأخير، بسبب من أسباب الصَّلاة فقد نفى معظم النّقلة لخلاف فيه، وخصوه بما إذا لم يكن لعذر. فليحمل مطلق لفظه عليه -والله أعلم-.
[قال الغزالي: وَمَهْمَا شُفِيَتْ قَبْلَ الشِّرُوعِ فِي الصَّلاَة اسْتَأنَفَتِ الوُضُوَءَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّلاَةِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى المَاءَ. وَالثَّانِي: أنَّهَا تَتَوَضَّأُ وَتَسْتَأْنِفُ؛ لأَنَّ الحَدَثَ مُتَجَدّدُ فَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، وَلَمْ يَبْعَدْ مِنْ عَادَتِهَا العَوْدُ، فَلَهَا الشُّرُوعُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَاف الوُضُوءِ، وَلَكِنْ إِنْ دَامَ الانْقِطَاع فَعَلَيْهَا القَضَاءُ، وَإِنْ بَعَدَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهَا، فَعَلَيْهَا اسْتِئْنَافُ الوُضُوءِ فِي الحَالِ].
قال الرافعي: طهارة المُسْتَحَاضَةِ تبطل بحصول الشِّفَاء أو زوال العُذْرِ والضَّرورة، ويجب عليها اسْتِئْنَافها وفيه وجه ضعيف، أنه لو اتَّصل الشِّفاء بآخر الوضوء لم تبطل، هذا إن اتفق خارج الصلاة فإن وقع في الصَّلاة، فظاهر المذهب أنه يبطل الصَّلاة وتتوضَّأ وتستأنف؛ لأنها قدرت على أن تتطهَّر وتصلِّي، مع الاحتراز عن الحَدَثِ واستصحاب النَّجَاسة، وارتفعت الضَّرورة.
وخرج ابن سريج من المتيمم يرى الماء في أثناء الصلاة قولًا هاهنا، إن طهارتها لا تبطل، وتمضي في الصَّلاة. لكن الفرق ظاهر من وجهين:
أحدهما: إن حدث المتيمم؛ وإن لم يرتفع لم يزدد ولم يتجدَّد، والمُسْتَحَاضَةُ قد تجدد حدثها بعد الوضوء.
والثاني: أن المستحاضة مستصحبة للنجاسة وَسُومِحَتْ به للضرورة، فإذا زالت الضَّرورة زالت الرخصة، والمتيمم لا نجاسة عليه، حتى لو كان على بَدَنِهِ نجاسة غير مَعفو عنها، ووجد الماء في أثناء الصلاة تبطل صلاته. ولا يجوز له البِنَاء، وقد ذكرنا في التَّيمم أن ابن سريج كما خرج من ثم إلى هاهنا خرج من هاهنا إلى ثم وجعل المسألتين على قولين بالنَّقْل والتَّخْريج.
[ ١ / ٣٠١ ]
ومنهم من عبر عن الخلاف هاهنا بالوجهين وكذلك فعل صاحب الكتاب، وإذا لم يكن القولان منصوصين، فكثيرًا ما يعبر عنهما بالوَجْهَيْنِ. وعن الشَّيْخ أبي محمد: أن أبا بكر الفارسي حكى قولًا عن الربيع عن الشَّافعي -﵁- أن المُسْتَحَاضة تخرج من الصلاة وتتوضأ وتزيل النجاسة وتبني على صَلاَتِهَا، ويمكن أن يكون هذا بناء على القول القديم في سبق الحدث، وهو يوافق تخريج ابن سريج في أنه لا يبطل ما سبق من صلاتها، ويخالفه في الأمر بالوضوء وإزالة النجاسة، فهذا حكم الانقطاع الكلي وهو الشفاء. وإذا عرفت ذلك فنقول مهما انقطع دمها، وهي تعتاد الانقطاع والعَوْد أَوْلًا تعتاده، ولكن أخبرها عنه من تعتمد من أهل البَصِيرَة، فينظر إن كانت مدَّة الانقطاع يسيرة لا تسع الطهارة والصَّلاة التي تطهَّرت لها، فلها الشُّروع في الصلاة، ولا عبرة بهذا النوع من الانقطاع؛ لأن الظاهر أنه لا يدوم، بل يعود على القرب، ولا يمكن من الطهارة والصلاة من غير حدث، فلو أنه امتد على خلاف عادتها، أو خلاف ما أخبرت عنه بأن بطلان الطهارة ووجب قضاء الصلاة، وإن كانت مدة الانقطاع كبيرة تَسَعُ الطهارة والصلاة، فعليها إعادة الوضوء بعد الانقطاع، فلو عاد الدم على خلاف عادتها قبل الإمكان، ففي وجوب إعادة الوضوء وجهان:
أظهرهما: أنها لا تجب، لكن لو شرَعَتْ في الصلاة بعد هذا الانقطاع من غير إعادة الوضوء ثم عاد الدم قبل الفراغ وجب القضاء على أصح الوجهين؛ لأنها حين [الشروع] (١) كانت شَاكَّةً في بقاء الطَّهَارة الأولى، وإن انقطع دمها، وهي لا تعتاد الانقطاع والعود، ولم يخبرها أهل البَصِيرَةِ عن العَوْدِ -فتؤمر بإعادة الوضوء في الحال، ولا يجوز لها أن تصلِّي بالوضوء السَّابق؛ لأن هذا الانقطاع يحتمل أن يكون شفاء- وهو الظاهر، فإن الأصل بعد الانقطاع عدم العود فلو عاد قبل إمكان فعل الطَّهَارة والصلاة، ففيه وجهان:
أصحهما: أن وُضُوءَهَا بحاله، لأنه لم يوجد الانقطاع المغني عن الصَّلاة مع الحدث.
والثاني: يجب الوضوء، وإن عاد الدم، نظرًا إلى أول الانقطاع، ولو خالفت أمرنا وشرعت في الصلاة من غير إعادة الوضوء بعد الانقطاع، فإن لم يعد الدَّم لم تصح صلاتها؛ لظهور الشِّفاء، وكذلك إن عاد بعد مضي إمكان الطهارة والصلاة؛ لتمكُّنِهَا من الصَّلاة من غير حدث، وإن عاد قبل الإمكان فهل يجب قضاء الصلاة؟ فيه وجهان كما في إعادة الوضوء، لكن الأصح الوجوب، لأنها شرعت فيه على تردد، وعلى هذا لو
_________________
(١) في (ط): الوضوء.
[ ١ / ٣٠٢ ]
توضَّأت بعد انقطاع الدم، وشرعت في الصَّلاة، ثم عاد الدم فهو حدث جديد يجب عليها أن تتوضأ وتستأنف الصلاة. واعلم أن المُسْتَحَاضَةَ في غالب الأمر لا تدري عند انقطاع دمها أنه شفاء أم لا، وسبيلها أن تنظر هل تعتاد الانقطاع أم لا؟ وتجري على مقتضى الحالتين كما بينا. وحكم الشِّفَاء الكلي إذا عرف هو المذكور أولًا، وهذا الذي رويناه، وهو إيراد معظم أئِمَّةِ أصحابنا العراقيين وغيرهم، وبينه وبين كلام صاحب الكتاب بعض الاختلافات، لأنه قسم حال الانقطاع إلى قسمين:
أحدهما: ألا يبعد من عادتها العود.
والثاني: أن يبعد، وهما جميعًا يفرضان في الَّتي لها حالة عود، وما حكيناه يقتضي جواز الشروع في الصَّلاة متى كان العود معتادًا بعد أم قرب، وإنما يمتنع الشُّروع من غير استئناف الوضوء إذا لم يكن العود معتادًا أصلًا، ويجوز أن يؤول كلامه على ما ذكره المعظم ولا يبعد أن يلحق ندْرَة العود، وبعده في عادتها بعدم اعتياد العود -والله أعلم-. ثم قوله: "فلها الشروع في الصلاة في الحالة الأولى" محمول على ما إذا كانت مدة الانقطاع يسيرة، وإن كان اللفظ مطلقًا أما لو كانت مديدة، فلا بد من إعادة الوضوء كما سبق، ثم عروض الانقطاع في أثناء الصلاة كعروضه قبل الصَّلاة، بناء على ظاهر المذهب في أن الشِّفاء في الصلاة كهو قبلها، فإذا لم يكلن معتادًا لها، أو جرت على عادتها بالانقطاع قدر ما تتمكن فيه من فعل الطهارة، والصلاة بطلت طهارتها وصلاتها، وإن كان الانقطاع معتادًا لها ومدته دون ذلك، لم يؤثر.
وقوله: "فإن انقطع قبل الصلاة" إنما قيد بما قبل الصلاة؛ لأنه أراد ترتيب الشُّروع عليه لا ترتيب حكم ينتظم الحالتين (١).
_________________
(١) قال النووي: ولنا وجه شاذ: أن المستحاضة لا تستبيح النفل بحال، وإنما استباحت الفريضة مع الحدث الدائم للضرورة. والصواب المعروف أنها تستبيح النوافل مستقلة وتبعًا للفريضة، ما دام الوقت باقيًا، وبعده أيضًا على الأصح، والمذهب: أن طهارتها تبيح الصلاة ولا ترفع الحدث. والثاني: ترفعه. والثالث: ترفع الماضي دون المقارن والمستقبل، وإذا كان دمها ينقطع في وقت ويسيل في وقت، لم يجز أن تصلي وقت سيلانه، بل عليها أن تتوضأ وتصلي في وقت انقطاعه، إلا أن تخاف فوت الوقت فتتوضأ وتصلي في سيلانه، فإن كانت ترجو انقطاعه في آخر الوقت، فهل الأفضل أن تعجل الصلاة في أول الوقت أم تؤخرها إلى آخره؟ فيه وجهان مذكوران في "التتمة"، بناء على القولين في مثله في التيمم. قال صاحب (التهذيب): لو كان سلس البول، بحيث لو صلى قائمًا سال بوله، ولو صلى قاعدًا استمسك، فهل يصلي قائمًا أم قاعدًا؟ وجهان: الأصح قاعدًا، حفظًا للطهارة ولا إعادة عليه على الوجهين. والله أعلم - الروضة (١/ ٢٥٣).
[ ١ / ٣٠٣ ]