فِيمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَهُوَ العَجْزُ عنِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَلِلْعَجزِ أَسْبَابٌ سَبعَة (الأوَّلُ) فِقْدَانُ المَاءِ وَلِلْمُسَافِرِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ، الأولَى أَنْ يَتَحَقَّقَ عَدَمُ المَاءِ حَوَالَيْهِ فيَتَيَمَّمَ مِنْ غيْرِ طَلَبٍ (و).
قال الرافعي: لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ في أنه متى يتيمَّم، وكيف يتيمم، ولم يتيمم فجعل الباب الأول فيما يبيح التيمم فحينئذ يتيمّم والثاني في كيفيته، والثالث: في حكمه، ليعرف ما يستفاد به [وما لا يُسْتَفَاد] (١) فإنه إِنَّمَا يتيمم لفائدته.
الباب الأول في المُبِيح، وهو شيء واحد وهو العَجْزُ عن استعمال الماء، والمراد منه أن يَتَعَذَّرَ اسْتِعْمَال الماء عليه أو ينغمس للُحُوقِ ضرر ظاهر، وأَسْبَابُ العَجْزِ فيما ذكره سبعة:
أحدها: فَقْدُ الماء قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) وللمسافر أربع أحوال، لأنه إمّا أن يتيقَّن وجود الماء حَواليه، أو لا يتيقنه، فإن لم يتيقنه فإمَّا أن يتيقن عدمه، وهو الحالة الأولى، أو لا يتيقن عدمه أيضًا، بل يتردد، وهو الثانية، فإن تيقَّنه فإما أن لا يزاحمه غيره على الأخذ والاستيفاء، وهو الحالة الثالثة، أو يزحمه غيره عليه، وهو الرّابعة.
الحالة الأولى: أن يتحقق عدم الماء حواليه مثل أن يكون في بعض رِمَالِ البَوَادِي، فتيمم، وهل يفتقر إلى تقديم الطلب عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وإنما يقال لم يجد إذا فقد بعد الطَّلب.
وأظهرهما: وهو الذي ذكره في الكتاب أنه لا حاجة إلى الطلب، لأن الطلب مع يقين العدم عبث: وأما ذكر الأول في الاستدلال بالآية ممنوع.
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) سورة المائدة، الآية ٦.
[ ١ / ١٩٦ ]
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَوَهَّمَ وُجُودَ المَاءِ حَوَالَيْهِ فَليَتَرَدَّدِ (ح) الرَّجُلُ اِلَى حَدٍّ يَلْحَقُهُ غَوْثُ الرِّفَاق، فَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى فَفِي وُجُوبِ إعَادةَ الطَّلَبِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا لم يتيقن عدم الماء حواليه، بل جوَّز وجوده تَجْوِيزًا قريبًا أو بعيدًا وجب تقديم الطلب على التَّيمم؛ لأن التَّيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهارة بالماء، ويشترط أن يكون الطلب بعد دخول الوقت، فحينئذ تحصل الضرورة، وهل يجب أن يطلب بنفسه أو يجوز أن ينيب غيره؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يجوز الإِنَابَةُ حتى لو بعث النَّازِلُونَ واحدًا ليطلب الماء أجزأ طلبه عن الكُلِّ ولا خلاف أنه لا يسقط بطلبه الطَّلَب عمن لم يأمره، ولم يأذن له فيه.
وكيفية الطَّلب أن يبحث عن رحله إن كان وحده، ثم ينظر يمينًا وشمالًا وَخَلْفًا وَقُدَّامًا إذا كان في مُسْتَوى من الأرض، ويخص مَواضِعَ الخُضْرَة، واجتماع الطُّيُورِ بمزيد الاحتياط، وإن لم يكن مستويًا، واحتاج إلى التردد نظر. فإن كان يخاف على نفسه وماله فلا يجب ذلك؛ لأن الخوف يبيح له الاعراض عند تيقُّن الماء، فعند التَّوهُّم أولى وإن لم يخف، وهذه الحالة هي المَحْكُومُ فيها بقوله في الكتاب "فعليه أن يتردَّد إلى حدٍّ يلحقه غَوْثُ الرِّفَاق" وهذا الضابط مستفاد من إمام الحرمين -﵀-.
قال: لا نكلفه البعد عن مُخَيَّم الرّفْقَة فَرْسَخًا، أو فَرْسَخَيْنِ وإن كانت الطُّرُقُ آمِنَةً: ولا نقول لا يفارق طُنُبَ (١) الخِيَامِ، فالوجه القصد أن يتردد، ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرّفقة لأَغَاثُوهُ مع ما هم عليه من التَّشَاغُلِ بالأشغال والتفاوض (٢) في الأقوال، وهذا يختلف باستواء الأرض واختلافها صُعُودًا وَهُبُوطًا، وهذا الضَّبْطُ لا يكفي في كلام غيره لكن الأئمة من بعده تابعوه عليه، وليس في الطرق ما يخالفه: هذا إذا كان وحده فإن كان في رفقة وجب البحث عنهم أيضًا، إلى أن يستوعبهم أو يضيق الوقت فلا يبقى إلا ما يسع لتلك الصلاة، وفي وجه إلى أن يستوعبهم أو لا يبقى من الوقت إلا ما يَسَعُ رَكْعَةً. وفي وجه إلى أن يستوعبهم وإن خرج وقت الصلاة (٣) وإذا عرف أن معهم ماء فهل يجب استيهابه من صاحبه فيه وجهان:
أحدهما: لا، لصعوبة السؤال على أهل المُرُوءَةِ.
_________________
(١) الطنب: حبل يشد به الخبا، والسرادق ونحوهما، انظر المعجم الوسيط (٢/ ٥٧٣).
(٢) في ب: التعارض.
(٣) قال النووي: قال أصحابنا: ولا يجب أن يطلب من كل واحد من الرفقة بعينه، بل ينادي فيهم: من معه ماء؟ من يجود بالماء؟ ونحوه حتى قال البغوي وغيره: لو قلت الرفقة لم يطلب من كل واحد بعينه، ولو بعث النازلون ثقة يطلب لهم، كفاهم كلهم -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٠٦).
[ ١ / ١٩٧ ]
والثاني: وهو الأظهر نعم، لأنه ليس في هِبَة الماء كثير مِنَّةٍ.
وهذان الوجهان يخرجان على ظاهر المَذْهَبِ في أنه إذا وهب منه الماء وجب عليه قبوله، وفيه وجه نذكره من بعد: وكل ما ذكرناه إذا لم يسبق تيمَّمَه تَيَمُّمٌ آخر، وطلب للماء، فإن سبق ذلك واحتاج إلى التيمم مرة أخرى إما لبطلان الأول بحدث، أو لفريضة أخرى فَائِتَةٍ، أو مؤداة، فهل يفتقر إلى إعادة الطلب فيه نظر إن انتقل من ذلك المكان إلى مكان آخر، أو أطبقت غمامه أو طلع ركب، وما أشبه ذلك مما يظن عنده حصول الماء، وجب الطلب كما في التيمم الأول نعم كل موضع تيقُّن بالطلب الأول أنه لا ماء فيه، ولمّا لم يجوّز بالسَّبب الذي حدث حصوله فيه لم يحتج إلى البحث والطلب في ذلك الموضع على ظاهر المذهب كما سبق. وإن لم ينتقل عن ذلك الموضع ولم يحدث شيء يوهم حصول الماء فإن تيقَّن بالطَّلب الأول أن لا ماء ثمَّ، فعلى ما ذكرنا في حالة يقين العدم: وإن لم يتيقنه، بل غلب على ظنه العدم فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى إعادة الطلب، لأنه لو كان ثم ماء لَظَفَرَ به بالطَّلب الأول ظاهرًا.
وأظهرهما: أنه يجب الطّلب ثانيًا، لأنه قد يطلع على بئر خَفِيَتْ (١) عليه، أو يجد من يدله على الماء، لكن يجعل الطلب الثاني أخفّ من الأول.
وإذا عرفت ما ذكرناه، وتأملت قوله: "فإن دخل عليه وقت صلاة أخرى، ففي وجوب إعادة الطلب وجهان": فينبغي أن لا يخفى عليك منه شيئان:
أحدهما: أن هذا الخلاف غير مخصوص بما إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، بل معهما احتاج إلى إعادة التيمم، إما لهذا السَّبَب أو لأن تيممه الأول قد بطل بعروض حَدَثٍ أو طلوع رَكْب جرى الوجهان سواة تَخَلَّلَ بين التيممين زمان، أو لم يتخلل.
والثاني: أن كلامه وإن كان مُطْلقًا لكن الشرط في سورة الخِلاَف أن لا يحدث سبب يوهم حدوث الماء من الانتقال إلى مكان أخر، أو طلوع ركب ونحوهما، وإلا وجب إعادة الطَّلب بلا خلاف، وأن لا يكون العدم مستيقنًا بمقتضى الطلب الأول، وإلا فإذا استيقن العدم ولم يحدث ما يوهم حصول الماء كان اليقين الأول مستمرًا، ولا معنى للطَّلَبِ مع تيقُّن العدم كلما تقدم، ولك أن تعلم قوله: "فليتردد الرجل" بالحاء لأمرين:
أحدهما: أن عند أبي حنيفة ليسس على المتيمم طلب إلا إذا غلب على ظَنِّهِ أن بقربه ماء.
_________________
(١) في ب: شيء خفي.
[ ١ / ١٩٨ ]
والثاني: أن عنده صلاة العيد، وصلاة الجنازة يجوز أن يتيمَّم لهما إذا خاف الفوات لو اشتغل بالوضوء، وإن كان الماء موجودًا عنده، وكلام الكتاب مطلق.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ يَتَيقَّنَ وُجُودَ المَاءِ فِي حَدِّ القُرْبِ فَيَلْزَمُهُ (ح) أَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ، وَحَدُّ القُرْبِ إِلَى حَيْثُ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ المُسَافِرُ لِلرَّعْي وَالاَحْتِطَابِ وَهُوَ فَوْقَ حَدِّ الغَوْثِ، فَإِنِ انتَهَى البُعْدُ إلَى حَيْثُ لاَ يَجِدُ المَاءَ فِي الوَقْتِ فَلاَ يَلْزَمُهُ، وإنْ كَانَ بَيْنَ الرُّتبَتَيْنِ فَقَدْ نَصَّ أَنَّهُ يَلْزُمُهُ إِذَا كَانَ عَلَى يَمِينِ المَنْزِلِ أَوْ يَسَارِهِ، وَنَصَّ فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَى صَوْبِ مَقْصِدِهِ أنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ فَقِيلَ قَوْلاَنِ وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، لِأَنَّ جَوَانِبَ المَنْزِلِ مَنْسُوَبةٌ إِلَيْهِ دُونَ صَوْب الطَّرِيقِ.
قال الرافعي: إذا تيقَّن وجمود الماء حواليه فله ثلاث مراتب:
إحداها: أن يكون على مسافة ينتشر إليها النَّازِلُونَ في الاحْتِطَاب وَالاحْتِشَاش، وتنتهي البهائم إليها في الرَّعي، فيجب السَّعْي إليه، والوضوء به، لأنَه إذا كان يَسْعَى لأشغاله إلى هذا الحَدِّ، فلينته (١) للعبادة أولى وهذا فوق حد الغوث الذي يسعى إليه عند التَّوَهُّمِ. قال الأمام محمد بن يحيى ولعله يقرب من نصف فَرْسَخٍ.
الثانية: أن يكون بعيدًا عنه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت فيتيمم ولا يسعى إليه لأنه فاقد في الحال، ولو وجب انتظار الماء مع خروج الوقت لما ساغ التيمُّم أصلًا، بخلاف ما لو كان واجدًا للماء، وخاف فوات الوقت لو توضَّأ حيث لا يجوز له التيمم؛ لأنه ليس بفاقد، على أن صاحب التَّهْذِيبِ حكى في هذه الصورة وَجْهًا أنه يتيمم، ويصلي لحرمة الوقت، ثم يتوضّأ ويعيد: وقد يقول النّاظر أيعتبر كونه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت من حين نزوله في ذلك المنزل، أو من أول وقت الصلاة لو كان نازلًا فيه. فإن كان الأول فقد يكون الماء في حد القرب، ولو سعى إليه لفاته فَرْضُ الوَقْتِ لنزوله في أخر الوَقْتِ، فإذا لم نوجب السعي إليه بطل إطلاق قولنا: "إنه إذا كان الماء في حد القُرْب لزم السَّعْيُ إليه، وإنا اعتبرنا من أَوَّلِ وقتِ الصلاة فمواقيت الصلاة مختلفة في الطُّولِ وَالقِصَرِ، فما الذي يفعل أنعتبر الوسط منها كما يفعل في حد القرب؟ فان القَدْرَ الذي ينتشر إليه المسافر لحاجته مختلفة صيفًا وشتاء، ويؤثر فيه وُعُورَةُ المكان وسهولته، وما أشبه ذلك، والمعتاد في نَظائِرِ ذلك الأخذ بالوسط المعتدل أم نعتبر في كل صلاة وقتها، فتختلف المسافة التي يحتاج إلى قَطْعِهَا، أم كيف الحال، ولو كان يتيمَّم لفائته فكيف يقدر فوات وقتها لو سعى إلى الماء؟ أيقال وقتها أول حالة
_________________
(١) في ط: فالمهم.
[ ١ / ١٩٩ ]
التذكر؟ فيلزم أن لا يسعى إلى الماء في حد القُرْبِ، لأنه زمان يسير أو لا يقال هذا وحينئذ لا يفرض لها وقت آخر يَفُوت بالسَّعْي إلى الماء، ولو كان يتيمم للنوافل وجوزنا ذلك فكيف نعتبر الوقت فيها، وهل نجعل مواقيت الفرائض الخمس مِعْيارًا للفوائت والنَّوَافِلِ أم لا؟.
والجواب الأشبه بكلام الأئمَّةِ أن الاعتبار من أوَّل وقت الصلاة، لو كان نازلاَ في ذلك المنزل، ولا بأس باختلاف المواقيت والمسافات، فإن الغرض صيانة وظيفة الوَقْتِ عَنِ الفَوَاتِ وعلى هذا إذا انتهى إلى المنزل في أخر الوقت، وكان الماء في حد القُرْبِ لزم السَّعْيُ إليه والوضوء به، وإن كان يفوته فرض الوقت كما لو كان الماء في رحله وفاته الوقت (١) لو توضأ، والأشبه أن تجعل وقت الحاضرة مِعْيارًا في الفوائت والنوافل، فإنَّها الأصل والمقصد بالتيمم غالبًا -والله أعلم-.
الثالثة: أن يكون بين الرُّتْبَتَيْنِ وتزيد المسافة على التي يتردد المسافر إليها لحاجاته، ولا ينتهي إلى حَدِّ خروج الوقت فهل يلزمه السَّعي إليه أم يجوز له التيمم؟
نص الشّافعي على أنه إذا كان على يمين المنزل، أو يساره يلزمه السعي إليه، ولا يجوز له التيمم، وفيما إذا كان على صَوْبِ مَقْصَدِهِ أنه لا يجب السعي إليه، وله التيمم، فاختلف الأصحاب فيه على طريقتين.
إحداهما: تقرير النَّصَّيْنِ.
والثانية: جعل المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا (٢)، ولنبين أولًا معنى قول المذهبين في المسألتين قولان بالنقل (٣)، والتخريج، فنقول إذا ورد نَصَّان عن صاحب المذهب مختلفان في صورتين متشابِهَتَيْنِ، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقًا فالأصحاب يخرجون نصه في كل واحدة من الصورتين في الصُّورَةِ الأخرى لاشتراكهما في المعنى، فيحصل في كل واحدة من الصورتين قولان (٤): منصوص وهو مخرج.
المنصوص في هذه هو المُخَرَّجُ في تلك، والمنصوص في تلك هو المُخَرَّجُ في هذه، فيقولون: فيهما قولان بالنقل والتخريج، أي نقل المنصوص في هذه الصُّورة إلى
_________________
(١) في ط "الفرض".
(٢) قال النووي: هذا الذي ذكره الإمام الرافعي، ونقله عن مقتضى كلام الأصحاب من اعتبار أول الوقت ليس كما قاله، بل الظاهر من عباراتهم أن الاعتبار بوقت الطلب، هذا هو المفهوم من كتبهم المشهورة والمهجورة، وهر ظاهر نص الشافعي -﵀- في (الأم) وغيره، فإن عبارته وعبارتهم: وإن دل على ماء ولم يخف فوت الوقت ولا ضررًا، لزمه طلبه، هذا نصه ونصهم، وهو صريح أو كالصريح فيما قلته، وقد تتبعت ذلك وأتقنته -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٠٨).
(٣) سقط في "ب".
(٤) في "ب" قول.
[ ١ / ٢٠٠ ]
تلك، وخرج منها وكذلك بالعكس، ويجوز أن يُرَادَ بالنقل الرواية، ويكون المعنى في كل واحدة من الصُّورتين قول منقول، أي: مروى عنه، وآخر مخرج: ثم الغالب في مثل ذلك عدم إطْبَاقِ الأصحاب على هذا التصرُّف؛ بل ينقسمون إلى فريقين:
منهم من يقول به، ومنهم من يأبى، ويستخرج فارقًا بين الصورتين يستند إليه افتراق النصين، وإنما ذكرنا هذا الكلام في هذا الموضع، لأنه أول موضع ذكر فيه المصنف النقل والتَّخْرِيج، وإذا عرفت ذلك فنقول. أما من قرر النَّصَّين، فرق بأن المسافر قد يَتَيَامَنُ وَيَتَيَاسَرُ في حَوَائِجِهِ، ولا يمضي في صَوْبِ مقصده، ثم يرجع قَهْقَرَى، وجوانب المنزل منسوبة إليه دون ما بين يديه: وأما من جعل الصورتين على قولين، وَجَّهَ تجويز التيمم بأنه فاقد للماء في الحال، والمَنْعُ بأنه قادر على الوصول إلى الماء، والتيمُّم إنما يعدل إليه عند الضرورة، وهذه الطريقة أَظْهَرُ من الأولى؛ لأن لأصحابنا أن يقولوا للأوّلين: المسافر ما دام سائرًا لا يعتاد المضي يَمِينًا وَشَمَالًا، كما لا يرجع قَهْقَرَى. وإذا كان في المنزل انتشر في (١) الجوانب كُلِّهَا يعود إلى منزله، فالفرق ممنوع، وما ذكرناه من الطريقين نقل صاحب الكتاب، وإمام الحرمين في آخرين.
وقال في التهذيب: إذا كان الماء على طريقه، وهو يتيقَّن الوصول إليه قبل خروج الوقت، وصلى في [أول] (٢) الوقت بالتيمم جاز. وقال في الإملاء لا يجوز، بل يؤخر حتى يأتي الماء والمذهب الأول. وإن كان الماء على يمينه أو يساره أو ورائه لم يلزمه إتيانه، وإن أمكن في الوقت؛ لأن في زيادة الطريق مشقة عليه كما لو وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المِثْلِ لا يلزمه الشراء.
وقيل: لا فرق، بل متى أمكنه أن يأتي الماء في الوقت من غير خوف، فلا فرق بين أن يكون على يمينه أو يساره أو أمامه، في جواز التيمم قولان، هذا ما رواه وبينه وبين الكلام الأول بعض المباينة توجيهًا وحكمًا.
أما التوجيه فظاهر، وأما الحكم فلأن هذا الكلام إنما يستمر في حق السائر، وقضيته نفي الفرق بين الجوانب في حق النازل في المنزل؛ لأنه يحتاج إلى الرُّجُوع إلى المنزل من أي جانب مضى إلى الماء، وفي زيادة الطريق مَشَقَّة، وأما الكلام الأول فقضيته الفرق بين الجوانب في حق المنازل أيضًا؛ إلاَّ أن ذلك الفرق ممنوع كما تقدم، وأيضًا فإن منقول صاحب الكتاب يقتضي كون السَّعْي إلى ما يكون على اليمين واليسار أولى بالإيجاب، وما ذكره في التَّهْذِيب يقتضي كون الإيجاب فيما على صوب القصد أولى؛ لأنه جعل فيه قولين، وفيما على اليمين واليسار طريقين، وجزم في أحدهما ينفي
_________________
(١) في ط ينتشر في.
(٢) في ط آخر.
[ ١ / ٢٠١ ]
الوجوب، واعلم أن ظاهر المذهب جواز التيمم، وإن علم الوصول إلى الماء في آخر الوقت، روى أن ابن عمر -﵁-، أقبل من الجرف، حتى إذا كان بالمريد تيمَّمَ وصلَّى العصر، فقيل له: أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك؟ فقال: أَوَ أَحْيىَ حتى أدخلها؟ ثم دخل المدينة والشمس حَيَّة مرتفعة فلم يُعِدِ الصلاة (١).
وإذا جاز التَّيمم في حق من يعلم الانتهاء إلى الماء في صوب سفره، فأولى أن يجوز للنَّازل في بعض المراحل إذا كان الماء على يمينه أو يساره، لزيادة مشقة السير لو سعى إليه، وإذا جاز التيمم للنَّازل فهو للسائر أجوز، وهذا في حَقِّ المسافر.
أما المقيم فذمَّتُهُ مشغولة بالقضاء، وإن صلَّى بالتيمم فليس له أن يصلي بالتيمم، وإن خاف فوات الوقت لو سَعى إلى الماء وتوضَّأ، وإذا كان ممنوعًا من الصلاة بالتيمم مع فوات الوقت فأولى أن يكون ممنوعًا عنها في أول الوقت.
قال الغزالي: ثُمَّ إنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ المَاءِ قَبْلَ مُضِيِّ الوَقْتِ، فَالأَوْلَى التَّأخِيرُ قَوْلًا وَاحِدًا، فَإِنْ تَوَقَّعَهُ بِظَنٍّ غَالِبٍ فَقَوْلاَنِ لِتَقَابُلِ نَفْسِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الوَقْتِ مَعَ ظَنِّ إدْرَاكِ الوُضُوءِ.
قال الرافعي: هذا تِفْرِيعٌ على جواز التيمم، وإن أمكن الوصول إلى الماء قبل مضي الوقت وقد ذكرنا الخلاف فيه، فإن جوزناه وهو المذهب.
فنقول الأولى أن يؤخر إلى أن يصلي (٢) بالوضوء، لأن فضيلة الصلاة بالوضوء أولى من تعجيل الصلاة أو أن يعجل الصلاة (٣) بالتيمم نظر إن تيقن وجود الماء في أخر الوقت، فالأولى أن يؤخر ليصلي بالوضوء، لأن فضيلة الصَّلاة بالوضوء وإن كان في آخر الوقت، أبلغ من فَضِيلَةِ الصلاة بالتيمم في أوله، أَلاَ ترى أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جائز مع القدرة على أدائها في أوله، ولا يجوز التيمم مع القدرة على الوضوء هذا ما قطع به الأكثرون، وبه قال صاحب الكتاب، حيث قال: "قولًا واحدًا" وحكى
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٤٥) هذا الأثر أصله عند الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر: أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة، قال الشافعي: الجرف قريب من المدينة انتهى، ورواه الدارقطني من طريق فضيل بن عياض عن ابن عجلان بلفظ: أن ابن عمر تيمم بمريد النعم وصلى، وهو على ثلاثة أميال من المدينة، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد، ورواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق هشام بن حسان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، قال الدارقطني في العلل: الصواب ما رواه غيره عن عبد الله موقوفًا، وكذا رواه أيوب ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن إسحاق، وابن عجلان موقوفًا، وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا. انظر التلخيص (١/ ١٤٥).
(٢) سقط في "ط".
(٣) سقط في "ط".
[ ١ / ٢٠٢ ]
في التتمة خلافًا في الأولى التقديم، أو التأخير على ما سنحكي نظيره في الحالة الثانية، ذلك أن تعلم قوله: "قولًا واحدًا" بالواو إشارة إلى هذا الخلاف.
وإن لم يتيقن وجود الماء في آخر الوقت، ولكن رجاه فقولان:
أصحهما: التعجيل في أول الوقت بالتيمم أفضل (١) لأَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ الله -ﷺ- عَنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ فَقَالَ: "الصَّلاة فِي أوَّلِ وَقْتِهَا" (٢)، ولم يفرق بين أن يكون بالوضوء، أو بالتيمم؛ ولأن فضيلة الأولويَّة نَاجِزَةٌ، وهي تفوت بالتأخير يقينًا، وَفَضِيلَةُ الوضوء غير معلومة الحصول، فَصَيَانَةُ النَّاجِزِ (٣) عن يقين الفوات أولى من المُحَافَظَةِ على أمر موهوم.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة أن التأخير أفضل؛ لأن الإيراد بالظهر، وتأخيرها عند شدة الحَرِّ مأمور به، كي لا يختل معنى الخشوع، فالتأخير لإدراك الوضوء أولى أن يؤمر به. واحتج في "الوسيط" للقول الأول بأن تَعْجِيلَ الصَّلاة منفردًا أفضل من تأخيره لحيازة الجماعة، وكذلك فعل إمام الحَرَمَيْنِ، لكن أبا علي الطَّبَرِي ذكر في "الإِفْصَاحِ" أن التأخير لِحِيَازَةِ الجماعة أفضل، واحتج به للقول الثاني، وتوسط آخرون فجعلوا المسألة على وجهين مبنيين على القولين في المسألة التي نحن فيها (٤) ثم لا يخفى أن موضع القولين ما إذا اقتصر على صلاة واحدة، أما إذا صلى بالتيمم في أول الوقت وبالوضوء في آخره فهو النهاية في إِحْرَازِ الفضيلة.
_________________
(١) سقط في "ط".
(٢) أخرجه بلفظه الدارقطني (١/ ٢٤٦) وابن خزيمة (٣٢٧) وابن حبان (١٤٦٦) والحاكم (١/ ١٨٨) والبيهقي (١/ ٤٣٤) من رواية عبد الله بن مسعود، وقال الحاكم والبيهقي في خلافياته صحيح على شرط الشيخين، قال ابن الملقن: قلت هو في الصحيحين، لكن بلفظ سألت النبي -ﷺ- أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال الصلاة لوقتها، البخاري (٥٢٧) ومسلم (٨٥) انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٦٧).
(٣) في "ب" التأخير.
(٤) قال النووي: قطع معظم العراقيين بأن التأخير للجماعة أفضل، ومعظم الخراسانيين بأن التقديم منفردًا أفضل، وقال جماعة: هو كالتيمم فإن تيقن الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل، وإن ظن عدمها فالتقديم أفضل، وإن رجاها فقولان، وينبغي أن يتوسط فيقال إن فحش التأخير فالتقديم أفضل، وإن خف فالتأخير أفضل، وموضع الخلاف إذا اقتصر على صلاة، فأما إذا صلى أول الوقت منفردًا وأخره مع الجماعة فهو النهاية في الفضيلة، وقد جاء به الحديث في صحيح مسلم وغيره. قال صاحب "البيان": قال أصحابنا: والقولان في التيمم يجريان في مريض عجز عن القيام، ورجاه آخر الوقت، أو رجا العريان السترة آخره، هل الأفضل تقديم الصلاة على حالهما أم التأخير؟ قال ولا يترك الترخيص بالقصر في السفر، وإن علم إقامته آخر الوقت بلا خلاف، قال: قال صاحب (الفروع) إن خاف فوت الجماعة لو أكمل الوضوء فإدراكها أولى من الانحباس لإكماله، وفي هذا نظر -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٠٩).
[ ١ / ٢٠٣ ]
ولك أن تبحث عن قوله: "وإن توقعه بظن غالب" فنقول: لِمَ قيده بالظن الغالب، ولم يقتصر على مجرد التوقع فاعلم أن التَوَقُّع يشمل الظَّنَّ، ومجرد التجويز، فلو لم يقل بظن غالب، لدخل فيه ما إذا تساوى الطرفان عنده، فلم يظن الوجود في آخر الوقت، ولا العدم، وما إذا ظن العدم، وجواز الوجود، ولا جريان للقولين في هاتين (١) الحالتين، بل الحكم فيهما أولوية التَّعْجِيل لا محالة، وموضع القولين ما إذا ترجَّح عنده الوجود على العدم، وإن لم يتيقنه، فكذلك قال بظن غالب، وربما وقع في كلام بعضهم نقل القولين فيما إذا لم يظن الوجود، ولا العدم ولا وثوق به، وكأن ذلك القائل أراد بالظن اليقين.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ المَاءُ حَاضِرًا كَمَاءِ البِئْرِ يَتَنَازَعُ عَلَيهَا الوَارِدُونَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لاَ تَنْتَهيِ إِلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ الوَقْتِ، فَقَدْ نَصَّ فِيهِ وَفي مِثْلِهِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أنَّهُ يَصْبِرُ، وَنَصَّ فِي السَّفِينَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا إِذَا ضَاقَ مَحَلُّ القِيَامِ وَلاَ يَصْبِرُ فَقِيلَ: سبَبُهُ أَنَّ القُعُودَ أَهْوَنُ وَلذَلِكَ جَازَ في النَّفْلِ مَعَ القُدْرَة عَلَى الْقِيَامِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: إذا زاحمه غيره على الاسْتِقَاءِ كما إذا انتهوا إلى بئر ولم يمكن الاسْتِقَاء إلا بِالمُنَاوَبَةِ إما لاتحاد آلة الاستقاء أو لضيق موضع النَّازحِ، فإن توقع وصول النّوبة إليه قبل خروج الوقت لم يتيمم، فلعله يجد فرصة الوضوء.
وإن علم أنه لا تنتهي النوبة إليه إلا بعد الوقت، فقد حكى عن نص الشَّافعي -﵁- أنه يَصْبِرَ إلى أن يتوضأ، ولا يبالي بخروج الوقت، وإن حضر جمع من العُرَاةِ، وليس ثم إلا ثوب واحد، يصلون فيه على التَّنَاوب، وعلم أن النوبة لا تنتهى إليه إلا بعد الوقت، نص أنه يصبر أيضًا، ولا يصلي عاريًا في الوقت، ولو اجتمعوا في سَفِينَةٍ، أو بيت ضَيِّقِ، وهناك موضع واحد يمكن فيه الصَّلاة قائمًا، نص أنه يصلي في الوقت قاعدًا، ولا يصبر إلى انتهاء النوبة إليه بعد الوقت، وهذا يخالف النص في المسألتين الأولين، فاختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: وبها قال أبو زبد المروزي: لا فرق، والمسائل كلها على قولين بالنقل والتخريج.
أظهرهما: أنه يصلي في الوقت بالتيمم، وعاريًا وقاعدًا، لأن حرمة الوقت لا بد من رِعَايَتِهَا، والقدرة بعد الوقت لا تأثير لها في صلاة الوقت.
والثاني: أنه يصبر لوجود القدرة على الوضوء واللبس والقيام.
_________________
(١) في "ب" قياس.
[ ١ / ٢٠٤ ]
والطريقة الثانية: تقرير النصين، والفرق أن تقرير أمر القعود أسهل من أمر الوضوء واللبس، ولهذا جاز تركه في النَّقْلِ مع القدرة على القيام بخلاف التيمم، وكشف العَوْرَةِ لا يحتمل في النقل كما في الفرض، وهذا الفرق حكاه الشيخ أبو محمد عن القَفَّال، قال إمام الحرمين: هذا ضعيف، لأن القيام رُكْنٌ في صلاة الفرض فمن أين ينفع حطه في صلاة أخرى؟.
وللفارق أن يقول الواجب في نوعي الفرض والنقل أهم من الواجب في أحدهما: فيكون أبعد عن قبول المسامحة، وينتظم الفرق.
وقال كثيرون من الأصحاب: لا نصّ للشافعي في مسألة البِئْرِ لكن نص في المسألتين الأخريين على ما سبق، فمنهم من نقل وخرج، ومنهم من قرر النصين، وفرق بوجهين:
أحدهما: ما سبق.
والثاني: أن للقيام بدلًا ينتقل إليه، وهو القعود، ألا ترى أن قعُودَ المريض كقيام الصحيح، وستر العورة لاَ بَدَلَ له فوجب الصَّبْرُ إلى القدرة عليه، وهؤلاء ألحقوا مسألة البئر بمسألة السَّفينة، وقالوا: لا يصبر، لأن للوضوء بدلًا وهو التيمُّم، ولك أن تعلم قوله: "فقد نص فيه وفي الثوب" بالواو؛ لأن هؤلاء نفوا أن يكون للشَّافعي نص في مسألة البئر، وخالفوا ما رواه.
وأعلم أن إمام الحرمين أجرى الخلاف المذكور في هذه المَسْألَةِ فيما إذا ضاق الوقت ولاح للمسافر (١)، ولا عائق، لكن علم أنه لو اشتغل به لفاتته الصلاة، وذكر في "الوسيط" ذلك أيضًا، وهو يقتضي إثبات الخلاف في المَرْتَبَةِ الثانية من مراتب الحالة الثالثة وإن لم يذكر، ثم (٢).
قال الغزالي: فَرْعَانِ، أحَدُهُمَا، لَوْ وَجَدَ مَاءً لاَ يَكْفِيهِ لِوُضُوئهِ يَلْزَمُهُ (ح) اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: إذا وجد الجُنُبُ من الماء ما لا يكفيه لغسله، أو المُحْدِث ما لا يكفيه لوضوئه ففيه قولان:
_________________
(١) في ب: للمسافر الماء.
(٢) قال النووي: الأصح من الطريقين إجراء القولين في الجميع، وأظهرهما يصلي في الوقت بالتيمم وعاريًا وقاعدًا، ولا إعادة على المذهب، وفي (التهذيب) في وجوب الإعادة قولان -والله أعلم- الروضة (١/ ٢١٠).
[ ١ / ٢٠٥ ]
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني لا يجب استعماله، بل يتيمَّم كما لو وجد بعض الرَّقَبَةِ لا يجب إعتاقه عن الكَفَّارة، بل يعدل إلى الصوم، وأصحهما أنه يجب استعماله (١)، ويتيمم للباقي؛ لأنه قد قدر على غسل بعض أعضائه، فلا يسقط بالعَجْزِ عن الباقي فصار كما إذا كان بعض أعضائه جريحًا، والبعض صحيحًا يجب غسل الصحيح، وهذا الثاني قوله الجديد، والأول القديم.
وذكر الشيخ أبو علي (٢)، والمسعودي أن له في الجديد قولين:
أحدهما: مثل القديم، ورواية المزني في "المختصر" تدل على ما قالاه بأن فرّعنا على القول الثاني، وجب اسْتِعْمَال الماء أولًا ليصير فاقدًا، ولهذا قال في الأصل يلزمه استعماله قبل التيمُّم، ثم إن كان محدثًا غسل به وجهه، ثم يديه على الترتيب، إلى أن ينفد، وإن كان جنبًا غسل أي عضو شَاءَ، إذ لا ترتيب في الغسل، والأولى أن يستعمله في أعضاء الوضوء، وفي الرأس، وإنما يجب تقديم استعماله على التيمم إذا وقع الغسل، والتيمم عن طهارة واحدة: أما لو أحدث وأجنب ووجد ما يكفي الوضوء به دون الغسل، وقلنا: الحدث الأصغر لا يدخل في أكبر، بل يجب الوضوء مع الغسل، فإنه يتوضَّأ به ويتيمّم عن الجَنَابَةِ ويتخيَّرُ في التقديم والتأخير.
وإن قلنا: يدخل الأصغر في الأكبر سقط حكمه، وواجبه الغسل، فيجب تقديم استعماله على التيمُّم على هذا القول، وكل ما ذكرناه فيما إذا كان الموجود يصلُح للغسل، فأمَّا إذا كان الشَّخْصُ محدثًا، ولم يجد إلا ما يصلح للمسح دون الغسل كثلج وبَرَدٍ لا يذوب، ففيه طريقان:
أظهرهما: أنه يكفيه التيمم هاهنا، لأنا حيث نوجب استعمال الموجود من الماء على المحدث نأمره بتقديمه على التيمم، ولا يمكن تقديم مَسْحِ الرأس مع بقاء فرض الوجه، واليدين عليه.
والثاني: أنه على القولين فإن قلنا يجب استعمال الماء الناقص فقد ذكر أبو العباس الجرجاني من أصحابنا أنه يتيمم على الوجه واليدين، ثم يمسح رأسه بِبَلَلِ (٣) الثلج.، ثم يتيمم للرجلين، وهذا كله إذا وجد ترابًا يتيمم به، أما إذا وجد المُحدْث أَو الجُنُب الماء الناقص، ولم يجد ما يتيمم به ففيه طريقان:
أحدهما: طرد القولين:
_________________
(١) في ب: يجب إعتاقه.
(٢) في أأبو محمد.
(٣) في ب: بذلك.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وأظهرهما: أنه يجب استعماله لا محالة، لأنه لا بدل ينتقل إليه فصار كالعريان يجد ما يستر به بعض عورته، يلزمه ستر ما يمكن به، بخلاف ما إذا وجد بعض الرَّقَبَةِ في الكفارة ولم يقدر على الصَّوْمِ والإِطْعَام، لا يؤمر بالإِعْتَاقِ لأن الكفّارات على التَّرَاخِي، وقد تطرأ القدرة بعد ذلك، فافهم هذه المسائل، واعرف موضع القولين اللذين أطلقهما في الكتاب (١).
قال الغزالي: الثَّانِي لَوْ صَبَّ المَاءَ فِي الوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فَفِي القَضَاءِ وَجْهَانِ: وَجْهُ وُجُوبهِ أنَّهُ عَصَى بِصَبِّهِ بِخَلاَفِ الصَّبِّ قَبْلَ الوَقْتِ وَبِخَلاَفِ مَا لَوْ تَجَاوَزَ نَهْرًا وَلَمْ يَتَوَضَّأ فِي الْوَقْتِ.
قال الرافعي: إذا فوت الماء الذي عنده بالإِراقة أو الشرب أو غيرهما، واحتاج لذلك في التيمم، فلا خلاف في أنه يتيمم؛ لأنه فاقد في الحال، وكذلك لو نجسه، ثم ننظر، إن فعل ذلك قبل دخول الوقت وتيمم في الوقت فلا قضاء عليه، سواء فعل ذلك لغرض أو سَفَها؛ لأنه لا فرض عليه ما لم يدخل الوقت، وإن فعله بعد دخول الوقت، فإن كان له فيه غرض، فكذلك لا قضاء عليه، وذلك مثل أن يتبرد به، أو يشربه لحاجة العَطَشِ، أو يغسل به ثوبه تنظيفًا، وكذلك إذا اشتبه عليه الإناءان، واجتهد ولم يغلب على ظنه شيء فأراقهما، أو جمع بينهما وتيمم، فهو معذور، لأن فيه غرضًا وهو أن لا يكون مصليًا بالتيمم، وعنده ماء طاهر بيقين، وإن فوّته لغير غرض، وفائدة وتيمَّم وصلى، فهل يجب عليه القضاء؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، لأنه فاقد حين يتيمم فيكفيه البَدَل، كما لو قتل عبده أو أعتقه، وكفر (٢) بالصوم يجزئه.
والثاني: نعم؛ لأنه عصى بِالصَّب، والحالة هذه وسقوط الفرض بالتيمم من قبيل
_________________
(١) قال النووي: ولو لم يجد إلا ترابا لا يكفيه للوجه واليدين، وجب استعماله على المذهب، وقيل: فيه تولان: ولو لم يجد ماء ووجد ما يشتري به بعض ما يكفيه من الماء، ففي وجوبه القولان، فإن لم يجد ماء ولا تراب ففي وجوب شراء بعض ما يكفي من الماء الطريقان، ولو تيمم ثم رأى مالًا يكفيه، فإن احتمل عنده أنه يكفيه بطل تيممه، وإن علم بمجرد رؤيته أنه لا يكفيه، فعلى القولين في استعماله إن أوجبناه بطل، وإلا فلا، ولو كان عليه نجاسات ووجد ما يغسل بعضها وجب على المذهب، ولو كان جنبا أو محدثًا أو حائضًا، وعلى بدنه نجاسة ووجد ما يكفي أحدهما، تعين للنجاسة فيغسلها، ثم يتيمم فلو تيمم ثم غسلها جاز على الأصح وبقيت لهذه المسألة فروع استقصيتها في شرحي (المهذب) و(التنبيه) -والله أعلم- الروضة (١/ ٢١٠، ٢١١).
(٢) في ب: فلم يعتقه.
[ ١ / ٢٠٧ ]
الرُّخَصِ فلا يُنَاط بالمعاصي بخلاف ما إذا كان الصب قبل الوقت، فإنه لا يقضي، وبخلاف ما إذا كان الصب لغرض، فإنه معذور، ولو اجتاز بماء في الوقت ولم يتوضأ، ثم بعد عنه وصلى بالتيمم، فالذي ذكره في الكتاب يشعر بالقطع، بأنه لا قضاء عليه، وكذلك أورده صاحب "التهذيب" وغيره: والفرق أنه لم يصنع شيئًا هاهنا، وإنما امتنع من التَّحْصيل والتَّقْصير في تفويت الحاصل أشد منه في الامتناع من تحصيل ما ليس بحاصل، ورأيت في كلام الشيخ أبي محمد طرد الوجهين في سورة الاجتياز وهو غريب. ولو وهب الماء في الوقت من غير حاجة ولا (١) عطش [للمتهب] (٢) أو باعه من غير حاجة إلى ثمنه، ففي صحة البيع والهبة وجهان:
أشبههما: المنع؛ لأن البدل حرام عليه فهو غير مقدور على تسليمه شرعًا.
وثانيهما: الجواز، لأنه مالك نافذ التَّصرف، والمنع لا يرجع إلى سبب يختص بالعقد فلا يؤثر في فساد العقد. فإن قلنا بصحة البيع والهبة، فحكم قضاء الصلاة على البائع والواهب ما ذكرنا في الصّب؛ لأنه فوته بإزالة الملك عنه.
وإن قلنا بعدم الصحة فلا يصح تيمُّمه ما دام الماء في يد المُبْتَاعِ، أو الموهوب منه، وعليه الاسْتِرْدَاد إن قدر، فإن لم يقدر وتيمم، قضى وإن تَلَف في يده وتيمم ففي القضاء الخلاف المذكور في الإراقة، لأنه إذا تلف بالماء صار فاقدًا عند التيمم، ثم إذا أوجبنا القضاء في هذه الصُّورة ففي القدر المقنضي ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه يقضي تلك الصلاة الواحدة التي فوت الماء في وقتها.
والثاني: يقضي أغلب ما يؤديه بوضوء واحد.
والثالث: كل صلاة صَلاَّها بالتيمم (٣) -والله أعلم-.
قال الغزالي: (السَّبَبُ الثَّانِي) أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنْ سَبُعِ أَوْ سَارِقِ فَلَهُ التَّيَمُّمُ وَلَوْ وُهِبَ مِنْهُ المَاءَ أَوْ أُعِيرَ مِنْهُ الدَّلوُ يَلزَمُهُ القَبُولُ بِخِلاَفِ مَا إِذَا وُهِبَ (ز) ثَمَنُ المَاءِ أَوِ الدَّلوَ فَإِنَّ المِنَّةِ فِيهِ تَثْقُلُ، وَلَو بِيعَ بِغَبْنِ لَمْ يَلْزَمهُ شِرَاؤُهُ وَبِثَمَنِ المِثْلِ يُلْزَم إِلاَّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَينٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ سَفَرِهِ، وَالأَصَحُّ أَن ثَمَنَ المِثْلِ يُعْرَفُ بِقَدْرِ أُجْرَةِ النَّقْلِ.
_________________
(١) سقط من ط.
(٢) سقط من "ب".
(٣) قال النووي: وإذا وجب القضاء لا يصح في الوقت بالتيم، بل يؤخره إلى وجود الماء، أو حالة يسقط الفرض فيها بالتيمم. قال أصحابنا وإذا قلنا: لا يصح هبة هذا الماء وتلف في يد الموهوب له، فلا ضمان عليه على المذهب -والله أعلم- الروضة (١/ ٢١٢).
[ ١ / ٢٠٨ ]
قال الرافعي: إذا كان لقرْبه ماء، لكنه يخاف من السَّعي إليه علي نفسه من سَبُعٍ، أو عَدُوٍّ أو على ماله المُخْلَفِ في المنزل، أو الذي معه من غاصب، أو سارق فله التيمم، وهذا الماء كالمعدوم، وكذلك الحكم لو كان في السّفينة، ولا ماء معه وخاف على نفسه لو اسْتَقَى من البَحْرِ، والخوف على بعض الأعضاء كالخوف على النَّفْس، ولو خاف الوحدة والانقطاع عن الرّفقة لو سعى إلى الماء، فإن كان عليه ضَرَرٌ وَخَوْفٌ في الانقطاع لم يلزمه السَّعي إليه ويتيمم، وإن لم يكن ضرر فكذلك على أظهر الوجهين، وإن كان الماء لغيره فوهبه منه، فهل عليه قبوله؟ فيه وجهان المذهب أنه يجب، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه والحالة هذه يعد واجدًا للماء، والمُسَامحة غالبًا في الماء فلا تعظم منَّة في قبوله بخلاف ما لو وهب منه الرَّقبة لا يلزمه قبول، لأنها ليست في محل المسامحة غالبًا.
والثاني: أنه لا يلزمه (١) القبول؛ لأنه نوع يكسب للطَّهارة، فلا يلزمه كما لا يلزمه اكتساب ثمن الماء، ولو أعير منه الدَّلو، أو الرَّشَاء وجب قبوله؛ لأن الإعارة لا يعظم فيها المنَّة، والقادر على قبولها لا يعد فاقدًا للماء هكذا أطلقه الأكثرون، ومنهم صاحب الكتاب، وفصل بعضهم.
فقال: إن لم تزد قيمة المسُتَعَار على ثمن مثل الماء وجب القبول، وإن زادت فلا؛ لأن العارية مضمونة، وقد يتلف فيحتاج إلى غَرَامَةٍ ما فوق ثمن الماء، ولو اقترض الماء وجب قبوله في أصح الوجهين؛ لأنه إنما يطالب عند الوجدان، وحينئذ يهون الخروج عن العهدة، ولو بيع منه الماء وهو لا يملك الثَّمَنَ، لكنه وهب منه فقد أطلق القول في الكتاب بأنه لا يلزمه قبوله، لأن المِنَّة تثقل فيه كما لا يلزم على العَمَارِي قبول الثَّوب. وحكى بعض الأصحاب فيما إذا وهبه الأب من الابن، أو العكس وجهين، كالوجهين فيما إذا بذل الابن لأبيه، أو بالعكس، المال في الحَجِّ، هل يلزمه وهل يصير مستطيعًا به؟ وهذا حسن لكن الأظهر ثم إنه لا يجب القَبُول، فيجوز أن يكون إطلاق الجواب هاهنا جريًا على الأظهر، واقتصارًا عليه وَهِبَةُ آلات الاسْتِقَاء، كالدَّلْو والرِّشَاء، كهبة ثمن الماء في الحُكْمِ، ولو اقترض منه الثمن فإن كان معسرًا لم يلزمه الاستقراض، وإن كان موسرًا لكن المال غائب عنه فكذلك في أظهر الوَجْهَيْنِ، بخلاف ما إذا استقرض منه الماء، لأن الماء في محل المُسَامَحَةِ، والقدرة عليه عند توجه المطالبة أظهر وأغلب.
ولو بيع منه الماء نَسِيئَةَ، وهو موسر، لزمه الشراء على أظهر الوجهين؛ لأن
_________________
(١) في أيجب.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الأجل لازم هاهنا، فلا مطالبة قبل الحلول بخلاف سورة الإِقْرَاضِ، ولو ملك الثمن فكان حاضرًا عنده، لكنه كان محتاجًا إليه لدين مستغرق في ذمته أو لنفقته أو نفقة رَقِيقِهِ، أو حيوان محترم معه، أو لسائر مُؤْنَات سفره في ذهابه، وإيابه، فلا يجب عليه الشراء، ويعذر في الصّرف إلى هذه الوجوه، وإن فضل عن حاجته لزمه الشراء، إن بيع بثمن المِثْلِ، لأنه قادر على استعمال الماء، ويصرف إليه أي نوع من المال كان معه، وإن بيع بِغَبْنٍ لا يلزمه الشِّرَاء، كما لو كان يتلف شيء من ماله لو سعى إلى الماء المباح، وظاهر كلامه في الكتاب وعليه الأكثرون أنه لا فرق بين أن يكون الغبن بقدر قليل، أو كثير. ومنهم من قال: إن بيع بزيادة يَتَغَابَنُ الناس بمثلها وجب الشراء، ولا عِبْرَةَ بتلك الزيادة، وإذا كان البيع نَسِيئَةً وزيد بسبب التأجيل ما يَلِيقُ به فهو بيع بثمن المثل على أظهر الوجهين، وإن زاد المبلغ على ثمن مثله نقدًا فيجب الشّراء على قولنا: يجب الشراء بالنَّسيئة. وكيف يعتبر ثمن مثل الماء وما معناه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ثمن مثله قَدْر أجرة نَقْلِهِ إلى المَوضِعِ الذي فيه الشخص، لأنه لا يرغب في الماء بأكثر منه، وعلى هذا فالأجْرَة تختلف باختلاف المَسَافة طولًا وقصرًا، فيجوز أن يعتبر الوسط المقصد، ويجوز أن يعتبر الحَدّ الذي يسعى إليه المسافر عند تيقن الماء، فإنَّ ذلك الحد لو لم يقدر على السعي إليه بنفسه، واحتاج إلى بَذْلِ الأجرة لم ينقل الماء منه إليه، يلزمه البذل إذا كان واجدًا لها.
وثانيها: أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في غالب الأوقات، ولا يعتبر ذلك الوقت بخصوصه، فإن الشَّربة الواحدة عند العزّة يرغب فيها بدنانير كثيرة.
وثالثها: أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة، فإن لكل شيء سُوقًا يرتفع وينخفض، وثمن مثل الشيء ما يليق به في تلك الحالة، ألا ترى أن الرَّقَبَةَ وإنْ كانت غالية بالإضافة إلى عموم الأحوال يجب شِرَاؤُهَا بما يرغب فيها في تلك الحالة، وهذا الوجه هو الأظهر عند الأكثرين من الأصحاب.
والوجه الثاني: منقول عن أبي إسحاق، واختاره القاضي الروياني، ولم أر أحدًا اختار الوجه الأول سوى صاحب الكتاب، ومن تابعه. وقد ذكر إمام الحرمين إن ذلك الوجه مبني على أن الماء لا يملك، فإنه إذا لم يملك لم يكن له ثمن، فاعتبر أجرة النقل. وأشار المسعودي إلى هذا البناء أيضًا، ومعلوم أن القول بأن الماء لا يملك وجه ضعيف في المذهب، فليكن كذلك ما هو مبني عليه.
وادعى في "الوسيط" أن الوجه الذي اختاره غير مبني على ذلك الوجه، حيث قال: أحدها أن ثمن مثله أجرة نقل الماء فيه تعرف الرغبة في الماء، وإن كان مملوكًا
[ ١ / ٢١٠ ]
على الأصح يعني: أنه وإن كان مملوكًا فالقَدْرُ الذي يرغب به فيه أجرة النقل.
وللأكثرين: أن يقولوا إن ادعيت أن هذا القدر هو الذي يرغب به في الماء حيث يكثر الماء في البلاد، وغيرها، فهذا مسلم، لكن الماء والحالة هذه لا يشتري إنما ينقل وإن ادعيت أنه القدر الذي يرغب به في الماء حيث يحتاج إلى الشِّراء فممنوع، ولو بيع منه آلات الاسْتِقَاء كالدَّلْوِ والرَّشَاء بثمن المثل وجب شراؤهما، إذا كان فاقدًا لها، وكذلك لو أُوجِرَتْ بأجرة مثلها، فإن باعها مالكها أو أجرها بزيادة لم يجب تحصيلها، هكذا ذكروه ولو قال قائل: يجب التَّحصيل ما لم تَجَاوز الزِّيادة. ثمن مثل الماء لكان محسنًا؛ لأنْ الآلة المشتراة تبقى له، وقدر ثمن الماء محتمل التّلف في هذه الجهة ولو لم يجد إلا ثوبًا وقدر على شده في الدّلو ليستقى لزمه ذلك: ولو لم يكن دلو وأمكن إدلاؤه في البئر ليبتلّ ويعصر منه ما يتوضأ به لزمه ذلك، ولو لم يصل إلى الماء وأمكن شقّه وشد البعض في البعض ليصل وجب: وهذا كله إذا لم يدخل نقصان أو لم يزد نقصًا به على أكثر الأمرين من ثمن مثل الماء وأجرة مثل الحبل.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) أَنْ يَحتَاجَ اِلَى المَاءِ لِعَطَشِهِ فِي الْحَالِ أَوْ تَوَقُّعِه فِي المَآلِ أَوْ لِعَطَشِ رَفِيقِهِ أَوْ عَطَشِ حَيَوَانٍ مُحْتَرِمٍ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ المَاءِ وَرُفَقَاؤُهُ عَطْشَى يَمَّمُوهُ وَغَرَّمُوا لِلوَرِثَةِ الثَّمَنَ فَإِنَّ المِثْلَ لاَ يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ غَالِبًا، وَلَوْ أَوصَى بِمَائَةٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ فَحَضَرَ جُنُبٌ وَحَائِضٌ وَمَيِّتٌ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى لِأَنَّهُ آخِرُ عَهْدِهِ وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْلَى مِنَ الجُنُبِ إِذْ لاَ بَدَلَ لَهُ، وَفِيهِ مَعَ المَيِّتِ وَجْهَانِ، وَالجُنُبُ أَوْلَى مِنَ المُحْدِثِ إِلاَّ إِذَا كَانَ المَاءُ قَدْرَ الوُضُوءِ فَقَطْ، فَإِنْ انْتَهَى هَؤُلاَءِ اِلَى مَاءٍ مُبَاحٍ وَاستَوَوا فِي إِثْبَاتِ اليَدِ فَالمِلْكُ لَهُمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَوْلَى بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُ غَيْرِهِ أَغْلَظَ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: لو قدر على ماء مَمْلُوكٍ أو غير مملوك لكنه احتاج إليه لعطشه فله التيمُّم، دفعًا لما يلحقه من الضَّرر، ولو توضأ والقول فيما يلحقه لو توضَّأ ولم يشرب يقاس بما سيأتي في المَرَضِ المبيح للتيمم.
ولو احتاج إليه رفيق له أو حيوان آخر محترم للعطش دفعه إليه، إما مجانًا أو بعوض، وتيمّم، وللعطشان أخذه منه قهرًا لو لم يبذله له، وغير المحترم من الحيوان هو الحَرْبِيُّ والمُرتَدُّ والخنزير والكلب العَقُور وسائر الفواسق الخمس وما في معناها، وكان والدي -﵀- يقول: ينبغي أن يقال: لو قدر على التَّطهُّر وجمعه في ظَرْفٍ ليشربه لزم ذلك، ولم يَجُزِ التيمّم، وما ذكره يجيء وجهًا في المذهب، لأن أبا علي الزجاجي، وأقضى القضاة المارودي، وآخرين، ذكروا في كتبهم أن من معه ماء طاهر
[ ١ / ٢١١ ]
وآخر نجس وهو عطشان يشرب النَّجس، ويتوضّأ بالطاهر (١) وإذا أمر بشرب النّجس ليتوضأ بالطاهر فأولى أن يؤمر بالوضوء وشرب المستعمل، وهل يفترق الحال بين أن تكون هذه الحالة (٢) ناجزة، أو متوقعة في المآل؟.
أما في عطش نفسه فلا فرق، بل توقعه مآلًا لإعواز غير ذلك الماء طاهرًا لحصوله حالًا. وأما في عطش الرّفيق والبهيمة فقد أبدى فيه إمام الحرمين ترددًا فيه، وتابعه عليه في "الوسيط"، والظاهر الذي اتفق عليه المعظم بأنه يتزود لرفيقه ويتيمم، كما يفعل ذلك لنفسه، إذ لا فرق بين الزّوجين في الحرمة.
الثانية: قال الشافعي -﵁-: "إذا مات رجل له ماء وَرِفاقه يخافون العطش شربوه، ويمَّمُوه وأدوا ثمنه في ميراثه، وإنما جاز لهم شربه وإن كان فيه تفويت غسل الميت عليه، لأنهم يخافون على مَهْجِهِم، وليس للشرب بدل، وللطّهارة بدل وهو التَّيمم وأما قوله: "وأدّوا ثمنه في ميراثه" فقد تكلموا في المراد بالثَّمَن، منهم من قال: أراد بالثَّمَنِ المِثْلَ؛ لأن الماء مثل، والمثليات تُضْمَنُ بالمثل دون القيمة، ومنهم من قال: أراد به القيمة، وإنما وجبت القيمة هاهنا؛ لأن المسألة مفروضة فيما إذا كانوا في مَفَازَةٍ عند الشرب، ثم رجعوا إلى بلدهم (٣)، ولا قيمة للماء بها، فلو أدوا الماء (٤) لكان ذلك إحباطًا لحقوق الوَرَثَةِ، فيغرمون قيمة يوم الإتلاف في موضعه: وهذا الثاني هو الذي ذكره في الكتاب، وينبغي أن يعلم لفظ الثمن. في قوله: "وغرموا للورثة الثمن" بالواو؛ لأنه أراد به القيمة، حيث علل فقال: "فإن المثل لاَ يَكُونُ له قيمة غالبًا"، ولو أنه لم يعلل لما انتظم إعلامه بالواو؛ لأن من أوجب المثل جوز تسميته بالثمن أيضًا، ألا تراهم اختلفوا في مراد الشّافعي -﵁- بلفظ الثمن.
الثالثة: إذا أوصى بمائة لأولى الناس به، أو لكل (٥) رجلًا يصرف ماءه إلى أولى الناس به، وحضر محتاجون إلى ذلك الماء كالجُنُب والحائض والميت ومن على بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فمن يقدم منهم؟ أعلم أن الميت ومن علىَ بدنه نجاسة أولى من غيرهما. أما الميت فلمعنيين.
_________________
(١) قال النووي: ذكر الشاشي كلام الماوردي هذا ثم أنكره واختار أنه يشرب الطاهر ويتيمم، وهذا هو الصحيح، وهذا الخلاف فيما بعد دخول الوقت، أما قبله فيشرب الطاهر بلا خلاف، صرح به الماوردي وغيره، قال المتولي: ولولا كان يرجو وجود الماء في غد، ولا يتحققه، فهل له التزود؟ وجهان الأصح: جوازه -والله أعلم- الروضة (١/ ٢١٤).
(٢) في ب: الحالة.
(٣) في ب: بلدانهم.
(٤) في ب: فلو ردوا قبل الماء.
(٥) قرب: أو وكّل.
[ ١ / ٢١٢ ]
أحدهما: قال الشَّافعي -﵁- إن أمره يفوت فليختم بأكمل الطّهارتين، والأحياء يقدرون عليه في ثاني الحال.
والثاني: قال بعض الأصحاب: المقصد من غسل الميت تنظيفه وتكميل حاله، والتراب لا يفيد ذلك، وغرض الحي استباحة الصلاة وإسقاط الفرض عن الذِّمَّةِ، وهذا الغرض يحصل بالتيمم حصوله بالغسل: وأما من على بدنه نجاسة فلأن إزالة النجاسة لا بدل لها، وللطّهارات بدل وهو التيمم، وإذا اجتمعا فمن المقدم منهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: أن الميت أولى.
قال المحاملي (١) من أئمة العراق والصيدلاني من غيرهم، الوجهان مبنيان على المعنيين في المَيِّت، إن قلنا بالتعليل الأول فالميِت أولى، وإن قلنا بالتعليل الثاني فالنجس أوْلى، لأن فرضه لا يسقط بالتيمُّم، بخلاف غسل الميت ولا خلاف أنه إذا كان على بَدَنِ الميت نجاسة فهو أولى، ولا يشترط في استحقاق الميت أن يكون له ثم وارث يقبل عنه، كما لو تَطَوَّع إنسان بتكفين ميت ولا حاجة إلى قابل، وفي المسألة وجه ضعيف. وان اجتمع ميتان والماء لا يكفي إلا لأحدهما، فإن كان المَاءُ موجودًا قبل موتهما وماتا على الترتيب فالأول أولى، وان ماتا معًا أو وجد الماء بعد موتهما فأفضلهما أولى، فإن استويا أقرع بينهما هذا كلامنا في المَيِّت ومن عليه نجاسة. أما غيرهما ففي الحَائِضِ مع الجنب ثلاثة أوجه:
أصحها: الحائض أولى؛ لأن حدثها أغلظ ألا يرى أن الحيض يحرم الوطء ويسقط إيجاب الصلاة.
والثاني: الجُنُب أولى؛ لأنه أحق بالاغتسال، فإن الصَّحَابة اختلفوا في تيمُّم الجنب، ولم يختلفوا في تيمم الحائض.
والثالث: هما سواء لتعارض المعنيين، وعلى هذا إن طلب أحدهما القِسْمَة، والآخر القُرْعَة فالقرعة أولى في أظهر الوجهين، والقسمة في الثاني، هذا إن أوجبنا
_________________
(١) أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي بضاد معجمة،. البغدادي، المعروف بالمحاملي، ويعرف أيضًا بابن المحاملي، وكذلك آباؤه وأجداده يعرفون بالمحاملين، وبأولاد المحاملي، لأن بعض أجدادهم كان ببغداد يبيع المحامل التي يركب فيها في الأسفار، تفقه على الشيخ أبي حامد، وبرع حتى قال في حقه (إنه اليوم أحفظ مني للفقه) توفي يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة، عن نحو سبع وأربعين سنة، فإن ولايته في سنة ثمان وستين وثلثمائة راجع ترجمته في: العبر (٣/ ١١٩) تاريخ بغداد (٤/ ٣٧٢) طبقات الأسنوي (١٠٢٣).
[ ١ / ٢١٣ ]
استعمال الماء النَّاقص، وإلا تعيَّنت القُرْعَة وإن اتفقا على القِسْمة جاز إن قلنا: يجب استعمال الماء الناقص، وإلا لم يجز فإنه تضييع، وإذا حضر جنب ومحدث نظر، إن كان ذلك الماء كافيًا للوضوء دون الغسل، فالمحدث أولى إن لم توجب استعمال الماء الناقص، وإن أوجبناه فثلاثة أوجه:
أصحها: أن المُحْدِث أولى أيضًا؛ لأنه يرتفع حدثه بكماله.
والثاني: الجنب أولى لغلظ حدثه.
والثالث: يتساويان وتفريعه على ما سبق، وإن لم يكن ذلك كافيًا لواحد منهما فالجنب أولى إن أوْجَبْنَا استعمال الماء الناقص لغلظ حدثه، وإلا فهو كالمعلوم وإن كان كافيًا لكلّ واحد منهما، فننظر إن فضل شيء من الوضوء به ولم يفضل من الغسل فالجنب أولى إن لم توجب استعمال الناقص، لأنه لو استعمله المحدث لضاع الباقي (١)، وإن أوجبنا استعمال الناقص فثلاثة أوجه:
أصحها: أن الجنب أوْلى أيضًا؛ لغلظ حدثه.
والثائي: المحدث أولى بقدر الوضوء، والباقي للجنب مراعاة الجانبين.
والثالث: أنهما سواء، وإن فضل من كل واحد منهما شيء، أو لم يفضل من واحد منهما، فالجنب أولى لا مَحَالَة، وإن كان الماء الموجود كافيًا للغُسْلِ دون الوضوء، ويتصور ذلك بأن يكون الجنب نِضْوًا لخلقه، فقيد الأعضاء والمحدث ضَخْمًا عظيم الأعضاء، فالجنب أولى أيضًا؛ لأنا إن لم نوجب استعمال الماء الناقص فالمحدث لا ينتفع به، وإن أوجبناه فحدث الجنب أغلظ: وإذا عرفت ما ذكرنا تبين لك أن أحوال المسألة أربع:
أن يكون الماء كافيًا للوضوء دون الغسل؛ وأن يكون كافيًا لكل واحد منهما؛ وأن لا يكون كافيًا لواحد منهما؛ وأن يكون كافيًا للغسل دون الوضوء، والظَّاهر تقديم المحدث في الحالة الأولى وتقديم الجُنُب فيما عَدَاهَا، فلذلك قال: والجُنُبُ أوْلَى من المحدث إلا أن يكون الماء قدر الوضوء فقط، وليكن المستثنى والمستثنى منه من هذا اللفظِ مُعْلَمًا بالواو، لما حكيناه من التَّفْصِيل والخلاف.
وقوله: "قدر الوضوء فقط" إن كان المراد أنه قدر الوضوء دون الغُسْلِ فحسن، وإن كان المراد أنه لا يزيد على قدر الوضوء فهذا ليس بشرط في تصوير الحالة الأولى، بل إذا لم يكن كافيًا للغسل وكان كافيًا للوضوء فالمحدث أولى، سواء زاد
_________________
(١) في ب: الثاني.
[ ١ / ٢١٤ ]
على قدر الوضوء أو لم يزد عليه، فهذا شرح مسألة الوصية.
واعلم أنه إن عَيَّن المكان فقال: اصرفوا هذا الماء إلى أولى النَّاس به في هذه المَفَازَةِ، فالحكم على ما ذكرنا، ولو لم يعين بل قال: اصرفوا إلى أولى الناس به واقتصر عليه، فينبغي أن يبحث عن المُحْتَاجين في غير ذلك المكان، ألا يرى أنه لو أوصى لأعلم الناس لا يختص بأهل ذلك الموضع إلا أن حفظ الماء ونقله إلى مفازة أخرى، كالمستبعد والله أعلم.
ولو انتهى هؤلاء المُحْتَاجُون إلى مَاءٍ مُبَاحٍ واستووا في إحْرَازِهِ وإثبات اليد عليه ملكوه على السَّوَاء لاستوائهم في سبب المِلْكِ، وكل واحد أحَقُّ بملك نفسه من غيره، وإن كان ذلك الغير أحوج إلى الماء، وكان حدثه أغلظ، بل لا يجوز لكل واحد أن يبذل ما ملكه لغيره، وإن كان ناقصًا إلا إذا قلنا: لا يجب استعمال الماء الناقص عن قدر الكفاية. هذا ما أورده صاحب الكتاب، وذكره إمام الحرمين، وأورد أكثر الأصحاب هذه الصورة، وقالوا: يقدم فيها الأحوج فالأحوج كما في مسألة الوَصِيَّةِ، ولا مُنَافَاةَ بين الكلامين؛ لأن هؤلاء أرادوا التقديم على سبيل الاستحباب، وكأنهم يقولون: مجرد الانتهاء إلى الماء المباح لا يقتضي المِلْكَ، وإنما يثبت (١) الملك بالاسْتِيلاء والإحراز فيستحب لغير الأحوج ترك الإحراز والاستيلاء إيثارًا للأحوج، وهؤلاء [لا] (٢) يسلمون أنهم لو لم يفعلوا ذلك واستولوا عليه وازدحموا كان الأمر على ما ذكره إمام الحرمين، لكن يمكن أن ينازع هو فيما ذكروه من الاسْتِحْبَاب، ويقول: إنه متمكن من الطهارة بالماء، فلا يجوز له العدول إلى التَّيمُّم كما لو ملكه لا يجوز له بذله لغيره.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) العَجْزُ بِسَبَبِ الجَهْلِ كَمَا إِذَا نَسِيَ المَاءَ في رَحلِهِ فَتَيَمَّمَ (ح) قَضَى الصَّلاة عَلَى الجَدِيدِ، وَلَوْ أَدْرَجَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ لَمْ يَقْضِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ لاَ تَفْرِيطَ، وَلَو أَضَلَّ المَاءَ فِي رَحْلِهِ فَلَمْ يَجِدهُ مَعَ الإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ كَمَنْ أَخْطَأَ القِبْلَةَ، وَلَو أضلَّ رَحلَهُ في الرِّحَالِ فَقَوْلاَنِ، وَالأَوْلَى سُقُوطُ القَضَاءِ؛ لأَنَّ المُخَيَّمَ أَوْسَعُ مِنَ الرَّحْلِ.
قال الرافعي: لك أن تقول: الكلام هاهنا في أسباب العَجْزِ المبيح للتّيمم، والسّبب المبيح هاهنا إنّما هو الفَقْدُ في ظَنِّهِ إلاَّ أنه تبيَّن بعد ذلك أنه لم يكن فاقدًا، ولا شكَّ في أن الأسباب المبيحة يكفي فيها الظن، ولا يعتبر التَّعيُّن، وإذا كان كذلك فليس
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ط.
[ ١ / ٢١٥ ]
هذا سببًا خارجًا عما تقدمّ، وأما الكلام في أنه هل يقضي الصلاة إذا تبين أنه غير فاقد فذلك شيء آخر وراء جواز التيمم، واللاَّئِقُ ذكره في أحد موضعين، إما آخر سبب الفقد، وإما الفصل المعقود فيما يقضى من الصَّلوات المختلفة (١) ثم ذكر في هذا الفصل مسائل:
إحداها: لو نسي الماء في رَحْلِهِ، فتيمم على ظن أنه لا ماء عنده، ثم تبيَّن الحال فهل يلزمه قضاء الصلاة التي أداها به؟ نص في "المختصر" على وجوب الإعادة.
وعن أبي ثور قال: سألت أبا عبد الله عنها، فقال: لا إعادة عليه.
واختلف الأصحاب على طريقتين:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن في المَسْأَلَةِ قَولينِ:
الجديد الصحيح: وجوب الإعادة، وبه قال أحمد؛ لأن مثل هذا الشّخص إما أن يكون واجدًا للماء، أو لا يكون، إن كان واجدًا فقد فات شرط التّيمم، وهو أن لا يجد، وإن لم يكن واجدًا فسببه تقصيره، فتجب الإعادة كما لو نسي ستر العوْرَة، أو غسل بعض أعضاء الطهارة.
والقديم: أنه لا تجب الإعادة؛ لأن النِّسيان عذر حال بينه وبين الماء، فيسقط فرضه بالتيمم، كما لو حال بينهما سَبُعٌ وشبهوا هذا القول القديم في نسيان الترتيب في الوضوء ونسيان الفاتحة، وعن مالك روايتان كالقولين، وعند أبي حنيفة لا إعادة.
والطريقة الثانية: القطع بوجوب الإعادة، وتأويل ما نقله أبو ثور يحمل أبي عبد الله على مالك، أو تنزيل ما نقله على المسألة الثّانية التي نذكرها.
ولو علم المسافر أن في موضع نزوله بِئْرًا فنسيها، وتيمم، وصلى، ثم تذكر، فعلى الطريقتين: ولو كان الماء يباع فنسي الثمن، وتيمم وصلى، ثم تذكر قال القاضي أبو قاسم بن كج: يحتمل أن يكون مثل نسيان الماء، ويحتمل غيره، والأوّل أظهر.
المسألة الثانية: لو أدرج الماء في رَحْلِهِ من غير شعوره به، فتيمم على اعتقاد أن لا ماء عنده، وصلَّى ثم تبيَّن الحال، ففي المسألة طريقتان:
إحداهما: طرد قول النسيان (٢) فيه، لكن الأصح هاهنا نفي الإعادة.
_________________
(١) قال النووي: بل له هنا وجه ظاهر، فإن من جملة صوره، إذا أضل راحلته أو ماءه، فهذا من وجه كالواجد، فيتوهم أنه لا يجوز له التيمم، ومن وجه عادم، فلهذا ذكره الغزالي في (الأسباب المبيحة) للإقدام على التيمم -والله أعلم- الروضة (١/ ٢١٦).
(٢) في ب: طريقان هاهنا بخلاف سورة النسيان.
[ ١ / ٢١٦ ]
والثانية: القَطْعُ بنفي الإعادة لعدم التقصير هاهنا بخلاف سورة النسيان، فإنه كان عالمًا بالماء ثم ذهل عنه.
ولو تبين أن بقربه بئرًا، ولم يكن علم بها أصلًا فهو نظير هذه الصورة.
وقوله في الكتاب: "لم يقض على الصحيح" يجوز أن يكون اختيارًا للطريقة الثانية، والمعنى على الصحيح من الطَّريقين، ويجوز أن (١) يكون جوابًا على الطريقة الأولى، والمعنى الصحيح من القولين، وطريقة القولين أظهر عند علماء الأصحاب.
الثالثة: لو كان في رَحْلِهِ ماء فاضله: فتيمم ثم وجده نظر، إن لم يمعن في الطلب فعليه القضاء لتقصيره، وإن أمعن حتَّى غلب على ظنه فقد الماء فقولان:
أحدهما: أنه لا إعادة عليه، لأنه لم يفرط في البحث، والطلب، فيعذر.
وأظهرهما: تجب الإعادة؛ لأنه عذر نادر لا يدوم، وإنما يسقط القضاء بالأعذار العامة، والنادرة التي تتّصل وتدوم.
قال الأئمة: والقولان مُخَرَّجَان على القولين فيمن اجتهد في القِبْلَةِ، وصلى ثم تيقن الخطأ، ولذلك يقول بعضهم في المسألة وجهان.
الرابعة: لو أضلّ رحله في الرحال بسبب ظلمة أو غيرها، فإن لم يمعن في الطّلب وجبت الإعادة ولا محالة، وإن أمعن فطريقان:
أحدهما: أنه على القولين في إضلال الماء في الرحل.
والثاني: القَطْعُ بنفي الإعادة والفرق من وجهين (٢):
أحدهما: ما ذكر في الكتاب أن مُخَيَّمَ الرّفْقَةِ أوسع من الرَّحْلِ ورحله أضبط للماء من المخيم للرحل، وإذا كان كذلك كان أبعد عن التّقصير هاهنا.
والثاني. أن من صلّى في رحله وفيه ماء فقد صلى بالتيمم على الماء، ومن صلّى وقد أضل رحله فقد صلّى وليس معه ماء. ومنهم من يحكي في المسألة وجهين كما ذكرنا في الصورة السابقة. وعن الحليمي (٣) وجه ثالث أنه لو وجده قريبًا منه فيعيد، ولو وجده بعيدًا فلا.
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) سقط في ب.
(٣) أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، بحاء مهملة مفتوحة ولام المعروف (بالحليمي). أستاذيه: القفال الشاشي والأودني، وقال في (النهاية) كان الحليمي عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غوّاص، ولد ببخارى، وقيل بجرجان سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، ومات سنة ثلاث وأربعمائة، وقيل بجمادى، وقيل في ربيع الأول. ومن مصنفاته (شعب الإيمان) كتاب جليل جمع أحكامًا كثيرة ومعاني غريبة، راجع ترجمته في: طبقات العبادي ص/ ١٠٥ انظر طبقات الأسنوي (٣٦٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
وظاهر المذهب نفي الإعادة مطلقًا، ولا ينبغي أن يفهم ذلك من قوله في الكتاب: "وأولى بسقوط القضاء" فإنهم إذا رتَّبوا صورة على صورة في الخلاف ثم قالوا: وأوْلَى بكذا، لا يَعْنُون به سوى رُجْحَان ما وصفوه بالأولويّة بالإضافة إليه في الصورة المرتب عليها، ولا يلزم من كون النّفي أو الإثباب في صورة أرجح منه في صورة أخرى كونه أرجح على مقابله، نعم إذا قيل أولى الوجهين كذا فقضيته رجحان ذلك الوجه كما إذا قيل الأظهر أو الأصح كذا.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) المَرَضُ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الوُضُوءِ مَعَهُ فَوْتَ الرُّوحِ أو فَوْتَ عُضْو أَوْ مَنْفَعَةِ أَوْ مَرَضًا مَخوُفًا، وَكذَا إنْ لَمْ يَخَف إِلاَّ شِدَّةَ الضَّنَى وَبُطْءَ الْبُرْءِ أَوْ بَقَاءَ شَيْنٍ عَلَى عُضْوٍ ظَاهِرِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَألَّمُ فِي الحَالِ وَلاَ يَخَافُ عَاقِبَةً لَزَمَهُ الوُضُوءُ.
قال الرافعي: المرض مبيح للتَّيمم في الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) نقل عن ابن عباس أن المعنى وإن كنتم مرضى فتيَّمموا (٢)، وإن كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا (٣). ثم هو على ثلاثة أقسام:
أولها: المرض الذي يخاف من الوضوء معه فَوْتُ الرُّوحِ، أو فوت عُضْوٍ أو فوت منفعة عضو فيبيح التيمم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية إذا كان بالرجل جراحة في سبيل الله، أو قُروح أو جُدَري فَيُجْنِب ويخاف أن يغتسل فيموت يتيمم بالصّعيد (٤) وألحق بهذا النّوع ما إذا خاف مرضًا مخوفًا، وكذا لو كان به مرض لا يخاف من اسْتِعْمَال الماء معه التَّلف، لكن يخاف من استعمال الماء معه حدوث المرض المخوف. وينبغي أن يعلم قوله: "أو مرضًا مخوفًا" بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى فيه عن العراقيين طريقين:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
(٢) قال الحافظ ابن حجر: لم أجده هكذا، وروى الدارقطني من طريق عطاء بن السائب عن سعيد عن ابن عباس: رخص للمريض التيمم بالصعيد قال: ورواه علي بن عاصم عن عطاء مرفوعًا، والصواب وقفه، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: أخطأ فيه علي بن عاصم انظر التلخيص (١/ ١٤٦).
(٣) سقط في "ب".
(٤) قال الحافظ أخرجه الدارقطني أيضًا من طريق عطاء بن السائب عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: "وإن كنتم مرضى أو على سفر" قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله والقروح والجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم، وأخرجه البزار، وابن خزيمة، والحاكم والبيهقي من طريقه مرفوعًا، وقال البزار: لا نعلم رفعه عن عطاء بن الثقات إلا جريرًا، وذكر ابن عدي عن ابن معين. أن جريرًا سمع من عطاء بعد الاختلاط. انظر التلخيص (١/ ١٤٦).
[ ١ / ٢١٨ ]
أحدهما: القَطْعُ بجواز التيمم.
والثاني: أن فيه قولين، وقد توجه المنع بالقدرة على استعمال الماء، وقصور الضرر فيه عما تقدم من المضّار، فظاهر المذهب القطع بالجواز، لأنه إذا خاف المرض الذي يخاف منه التّلف فقد خاف التلف، وهذا قضية كلامه في "المختصر"، وهو الَّذِي ذكره المسعودي وغيره في الشروح: على أن في تشبيه الإمام الطريقين في هذه الصورة شبهة قوية فإن الَّذي يلغي في كتبهم حكاية الطريقتين في صورة بُطْءِ البُرْء وأخواتها كما سيأتي، لا في هذه الصورة بل الَّذي يدل عليه كلامهم تجويز التيمُّم هاهنا من غير تردُّد، والله أعلم.
وثانيها: المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه شدة الضَّنى أو زيادة العِلَّة أو بطء البرء وبقاء الشّين القَبِيحِ، ولنفصل هذه الصور وأحكامها: أما زيادة العلّة وبطء البُرْءِ فقد حكوا فيهما ثلاثة طرق:
أظهرها: أن في جواز التيمم للخوف منها قولين:
أحدهما: المنع؛ لأن إباحة التَّيمم لمريض مأخوذة من الآية وقد روينا عن تفسير ابن عباس اعتبار خوف التّلف فيه.
وأظهرهما: الجواز، وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأنا لا نوجب شراء الماء بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ لما فيه من الضَّرر، ومعلوم أن الضَّرر هاهنا أشد؛ ولأن ترك الصوم وترك القيام في الصَّلاة لا يعتبر فيه خوف التّلف، بل يلغى فيه هذا النوع من المرض فكذلك هاهنا.
والطريق الثاني: القطع بالجواز وتأويل قول المنع على ما إذا لم يلحقه إلاَّ مُجَرَّد الألم والمشقَّة.
والثالث: القطع بالمنع وتأويل الجواز على ما إذا كان المخوف التَّلف.
فإن قلت: وما الفرق بين زيادة العِلَّة وبطء البرء؟
فالجواب أن المراد من زيادة العلة إفراط الألم وكثرة المقدار وإن لم تمتد المُدَّة، ومن بُطْءِ البرء امتداد المدّة وإن لم يزد القدر ثم قد يجتمع الأمران، وأما شدَّة الضَّنى ففي جواز التيَّمم بها الطريقان الأوليان، والظاهر عود الطريقة الثالثة أيضًا، والمراد من الضَّنى المرض المُدْنف الذي يجعله ضمنًا، وكأنه نوع من المرض خاص.
وأما إذا خاف من استعمال الماء بقاء الشين على بدنه فننظر إن خاف شيئًا قبيحًا على عضو ظاهر كالسَّوَاد الكثير في الوجه ففيه ثلاث طرق أيضًا:
أحدها: الجزم بالجواز، لأنه يشوِّه الخِلْقَة ويدوم ضرره فأشبه تلف العضو ويحكى ذلك عن ابن سريج والإصطخري.
[ ١ / ٢١٩ ]
والثاني: الجزم بالمنع إذ ليس فيه بطلان عضو ولا منفعته وإنما هو فوات جمال.
والثالث: أنه على القولين المقدمين، وإن خاف شيئًا يسيرًا كأثر الجُدَرِي والسَّوَاد القليل فلا عبرة به، وكذلك لو خاف شيئًا قبيحًا على غير الأعضاء الظَّاهرة، والمراد من الظاهر ما يبدو عند المهنة غالبًا كالوجه واليدين.
وأما تعبيره عن الخلاف في هذه المسائل بالوجهين فإنما اتّبع فيه إمام الحرمين، والمشهور في طرق الأصحاب أن فيها قولين على طريقة إثبات الخلاف كما حكيناه.
وثالثها: المرض الذي لا يخاف من استعمال الماء معه محظورًا في العاقبة، فلا يرخَّص في التّيمم وإن كان يتألم في الحال لجراحة أو حَرٍّ أو بَرْدٍ، لأنه واجد للماء، قادر على استعماله من غير ضرر شديد.
واعلم أن المرض المرخص لا يفترق الحال فيه بين أن يعرف كونه بحيث يرخص بنفسه، وبين أن يخبره طبيب حَاذِقٌ بشرط كونه مسلمًا بالغًا عدلًا، وفي وجه يقبل في ذلك خبر الصبي المراهق والفاسق أيضًا، ولا فرق بين الحُرِّ والعَبْدِ، والذكر والأنثى؛ لأن طريقة الخبر وأخبارهم مقبولة ولا يشترط فيه العدد. وحكى أبو عاصم العبادي (١) فيه وجهين، وهذا كله فيما إذا منعت العقة استعمال الماء أصلًا لعموم العذر جميع موضع الطهارة وضوءًا كان أو غسلًا، فإن تمكَّنت العلة من بعض أعضاء الطَّهارة دون بعض غسل الصحيح بقدر الإمكان، وما الَّذِي يفعل العليل؟ نذكره بعد هذا (٢) والله أعلم.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِلْقَاءُ الجَبِيرَةِ بِانْخِلاعَ العَضْوِ فَيَجِبُ غُسْلُ مَا صَحَّ مِنَ الأَعْضَاءِ وَالمَسْحُ عَلَى الجَبِيرَةِ بِالمَاءِ، وَفي نُزُولهِ مَنْزِلَةَ مَسَحْ الخُفِّ فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهِ وَسقُوطِ الاسْتِيعَابِ وَجْهَانِ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ مَعَ الغُسْلِ وَالَمسْحِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ
_________________
(١) القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عباد، بتشديد الباء الموحدة، الهروي المعروف بالعبادي، قال السمعاني في الأنساب: كان إمامًا مفننًا مناظرًا دقيق النظر، سمع الكثير وتفقه وصنف. انتهى. ومن تصانيفه (المبسوط) و(الهادي) وكتاب (المياه) وكتاب (الأطعمة) و(الزيادات) و(زيادات الزيادات) و(الزيادات على زيادات الزيادات) و(طبقات الفقهاء) مات -﵀- في شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة عن ثلاث وثمانين سنة، نقله النووي في تهذيبه، وابن خلكان في تاريخه، راجع ترجمته في وفيات الأعيان (٤/ ٢١٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٩) طبقات الأسنوي (٨٠٩).
(٢) قال النووي: وإذا لم يوجد طبيب بشرطه؟ قال أبو علي السنحي: لا يتيمم، ولا فرق في هذا السبب بين الحاضر والمسافر، والحدث الأصغر والأكبر ولا إعادة فيه. الروضة (١/ ٢١٨).
[ ١ / ٢٢٠ ]
يَمْسَحُ الجَبِيرَةَ بِالتُّرَابِ عَلَى الأَصَحِّ لِأَنَّ التُّرَابَ ضَعِيفٌ، وَفِي تَقْدِيمِ الغُسْلِ عَلَى التَّيَمُّمِ ثَلاثَةُ أَوْجُهِ: الأَعْدَلُ هُوَ الثَّالِثُ، وَهُوَ أنَّهُ لاَ يَنْتَقِلُ عن عُضْوٍ مَا لَمْ يَتِمَّ تَطْهِيرُ ذَلِكَ العُضْوِ، فَلَوْ كَانَتِ الجِرَاحَةُ عَلَى يَدِهِ تَيَمَّمَ قبْلَ مَسْحِ الرَّأْسِ.
قال الرافعي: لو جعل المرض سببًا واحدًا من أسباب العَجْزِ ثم قسمه إلى ما لا يحوج إلى إلقاء الجَبِيرَةِ ولا لصوق عليه، وإلى ما يحوج إليه وحذف السَّبب السَّادس والسَّابع لكان أحسن وأولى، فإن الانخلاع والجراحة نوعان خاصان من العِلَلِ والأمراض، ولو عددنا كل مرض سببًا على حده لطال الأمر وكثرت الأسباب.
فإن قلت: اسم المرض لا يقع على انْخِلاَعِ العُضْوِ والجراحة.
قلنا: نحن لا نعني بالمرض سوى العلّة العارضة التي يخاف معها من استعمال الماء على أن ابن عباس -﵁- فسر المريض بالجريح كما تقدم، فدلّ على أن اسم المرض يقع على الجراحة، ثم الكسر والانخلاع له حالتان:
إحداهما: أن يحوج إلى إلقاء الجَبَائِرِ على موضعه وهي الألواح التي تهيأ لذلك.
والئانية: أن لا يحوج إليه، والمعتبر في حاجة الإلقاء أن يخاف شيئًا من المضار السابقة لو لم يلقها عليه.
الحالة الأولى: أن يحتاج إلى إلقائها عليه، والغالب في مثلها أن يكون ذلك المَوْضِع بحيث لا يخاف من إيصَالِ الماء إليه، وإنما يقصد بإلقائها الانْجِبَارُ، فإذا ألقاها على موضع فلا يخلو إما أن يقدر على نزعها عند الطّهارة من غير أنَ يخاف شيئًا من المَضَارِّ السابقة، أو لا يقدر عليه، فإن لم يقدر لم يكلف النزع، ويراعي في الطَّهارة أمورًا:
أحدها: غسل الصّحيح، وفي وجوبه عليه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين، في قول: يجب، وفي قول: لا، بل يكفيه التيمم، وهما عند أصحاب هذا الطريق مخرجان من القولين فيما إذا وجد من الماء ما يكفي لبعض الأعضاء، هل يقتصر على التيمم أم يستعمله مع التَّيمم؟ ووجه الشبه أنه في الصُّورتين تمكن من غسل بعض الأعضاء دون بعض، وغسل البعض لا يكفي مطهرًا، والتَّيمم يكفي مطهرًا.
والطَّريق الثَّاني -وهو الأصح-: القَطْع بوجوب غسل الصحيح، لأن اعتلال بعض الأعضاء لا يزيد على فقدانه، ولو كان مقطوع بعض الأطراف لم يسقط عنه غسل الباقي فهنا أولى بخلاف ما إذا وجد بعض الماء، فإنَّ الخلل ثم في الآلة التي تتأدَّى بها
[ ١ / ٢٢١ ]
العبادة، فأشبه ما إذا وجد بعض الرَّقبَة، فإن قلنا بالصحيح وهو وجوب غسل الصحيح فيجب ذلك بحسب الإمكان حتى لو قدر على غسل ما تحت أطراف الجَبِيْرَةِ من الصَّحيح الذي أخذته الجبيرة، وجب ذلك بأن يضع خِرْقَةً مَبْلُولَةً عليه ويعصرها؛ لتنغسل تلك المواضع بالتَّقَاطُرِ منها.
والثاني: يجب المسح على الجُبَيْرَةِ بِالمَاءِ لما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ عَلِيًّا -﵁- أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِر" (١) وحكى أبو عبد الله الحناطي قولًا: أنه لا يمسح ويكفيه التَّيمم.
وعن القاضي أبي الطيب أنه قال: عندي يكفيه التَّيمم وغسل الصحيح، والأول هو الصَّحيح المشهور، وعليه تتفرع مسائل:
إحداها: إن كان جنبًا مسح الجَبِيرَةَ متى شاء، وإن كان محدثًا والجبيرة على بعض أعضاء الوضوء مسحها إذا وصل إلى غسل العضو الذي عليه الجَبِيرَة، فإنَّ التَّرتيبُ رُكْنٌ في الوضوء.
الثانية: هل تتقدّر مدّة هذا المسح فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه مسح على حائل فأشبه المسح على الخف، فيتقدر في حقِّ المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن.
وأصحهما: وبه قطع الصَّيدلاني. لا؛ لأن التقدير إنما يعرف بنقل أو توقيف، ولم يرد، بل له الاستدامة إلى الاندمال.
قال إمام الحرمين: وهذا الاختلاف فيما إذا كان (٢) يتأتى الرّفع بعد إنقضاء كل يوم وليلة من غير ضرر، فإن لم يمكن فلا خلاف في جواز استدامته، وإن كان يتأتى ذلك في كل طهارة لم يجز المسح ووجب النزع والغسل (٣) لا محالة.
الثالثة: هل يجب تعميم الجبيرة بالمسح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يكفيه (٤) ما يقع عليه الإسم؛ لأنه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس والخُفّ.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٦٥٧) والبيهقي (١/ ٢٢٨) والدارقطني (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) وقال ابن الملقن: إسناده ضعيف، قال الشافعي: لو عرفت إسناده بالصحة قلت به، وهو مما استخير الله فيه، وقال ابن أي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: حديث باطل لا أصل له، انظر الخلاصة (١/ ٦٧).
(٢) سقط في ط. فيه بل الخلاف.
(٣) سقط في ط.
(٤) في ب يكفيه.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وأصحهما: أنه يجب؛ لأنه مسح أبيح لضرورة العجز عن الأصل، فيجب فيه التَّعْمِيم كالمسح في التَّيمم، بخلاف مسح الخُفِّ، فإنه بني على التَّخفيف والتَّرخُّص، وهاتان المسألتان هما اللَّتان أشار إليهما بقوله: "وفي نزوله منزلة المسح على الخف في تقدير مدة وسقوط الاستيعاب وجهان"، وينبغي أن يكون قوله: "فيجب غسل ما صح من الأعضاء والمسح على الجَبِيرَةِ" معلمًا بالواو؛ لما سبق حكايته في الغسل والمسح جميعًا.
والثالث: التَّيمم على الوجه واليدين، وفي وجوبه مع الغسل والمسح طريقان:
أظهرهما: أن فيه قولين:
أحدهما: لا يجب؛ لأن المسح على الجَبِيرَةِ ناب عما تحتها فلا حاجة إلى بدل آخر كالمسح على الخُفِّ.
وأصحهما: أنه يجب؛ لحديث جابر -﵁- في المَشْجُوجِ الذي احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات أن النَّبي -ﷺ- قال: "إنَّما كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى رَأسِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" (١).
والطَّريق الثاني: أن ما تحت الجَبِيرَةِ إنْ كان معلومًا بحيث لا يمكن غسله وإن كان باديًا وجب التَّيمم، كالجريح الذي ليس على جرحه شيء، فإنه يتيمم وإن كان يمكن غسله لو كان باديًا فلا حاجة إلى التَّيمم كالمسح على الخُفِّ، واعلم أن المشهور عند أصحاب الطريقة الأولى أن المسألة على قولين وحكوهما جميعًا عن البويطي، ورووا عن "الأم" أنه يتيمم، وعن القديم أنه لا يتيمم، وصاحب الكتاب عبر عن الخلاف بوجهين تقليدًا بإمام الحرمين، فإنه كذلك روي فإن قلنا: يتيمَّم تفرع عليه مسألتان:
إحداهما: لو كانت الجَبِيْرَة على موضع التيمم فهل يمسح بالتراب في تيممه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم محاولة لإتمام التيمم بالمسح (٢) بالتُّراب كما يحاول إتمام الوضوء بالمسح بالماء.
وأصحهما: لا، لأنَّ التُّراب ضعيف فلا يؤثر من وراء حَائِلٍ، بخلاف الماء فإن تأثيره من وراء الحَائِلِ معهود في المسح على الخُفِّ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٦) والدارقطني (١/ ١٨٩ - ١٩٠) بإسناد كل رجاله ثقات.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٢٢٣ ]
الثانية: هل يجب تقديم غسل الصحيح على التيمم أم لا؟ أما في حق الجنب فوجهان:
أحدهما: أنه يجب، لأن الغسل أصل والتَّيمم بَدَلٌ فيقدم الأصل كما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه يستعمله ثم يتيمم، وأصحهما أنه يتخيَّرُ إن شاء قدم، وإن شاء أخر؛ لأنه إنَّما يتيمم لما به من العلّة، وهي مستمرة بخلاف تلك المسألة، فإنه إنما يتيمَّم لعدم الماء، فلا بد من استِعْمَال الموجود أولًا ليصير عادمًا، وأما المحدث ففيه ثلاثة أوجه أشار إليها في الكتاب:
أحدها: يجب تقديم غسل المقدور عليه من أعضاء الوضوء كلها كما ذكرنا في الجنب.
والثَّاني: أنه يتخير إن شاء قدم الغسل، وإن شاء آخره عن التَّيمم، وإن شاء أدخله في خلال المغسول، ولا نظر إلى أن الترتيب مرعي في الوضوء؛ لأنَّ التيمم فرض مستقل بنفسه، والترتيب إنما يراعى في العبادة الواحدة، وهدا اختيار الشيخ أبي علي.
والثالث: وهو الصحيح عند المعظم أن التيمم بدل عن موضع العذر فلا يجوز أن ينتقل عن العضو المعلول قبل أن يتمِّم ولا يجوز أن يقدمه عليه إذا لم يكن المعلول أول أعضاء الوضوء، وذلك لأن الترتيب شرط في الوضوء، فلا يعدل من عضو إلى عضو، ما لم يتم تَطْهِير الأوّل أصلًا، وبدلًا وقول الأوّل: إن التَّيمم فرض مستقلُّ بنفسه ممنوع، بل هو وصف تابع في طهارة المَعْلُول، وكونه مستقلًا في بعض الموانع لا ينافي كونه تابعًا هاهنا، فعلى هذا لو كانت الجَبِيْرَةُ على الوجه وجب تقديم التّيمم على غسل اليدين، ويتخيّر في تقديمه على غسل الصّحيح من الوجه، وتأخيره عنه فإن العضو الواحد لا ترتيب فيه، وإن كانت على اليدين وجب أن يكون التّيمم مؤخرًا عن غسل الوجه، مقدّمًا على مسح الرَّأس، وعلى هذا القياس، ولو كان له على عضوين فصاعدًا جبائر، فَلاَ بُدَّ من تعديد التَّيمم على هذا الوجه الثالث.
نظيره كانت على الوجه جَبيرة، وعلى اليد أخرى يغسل الصحيح من وجهه، ويتيمم للمعلول منه ثم يغسل الصحيح من يديه، ويتيمم للمعلول منهما، ثم يمسح يرأسه، ويغسل رجليه.
وعلى الوجه الأول والثاني يكفي التيمم الواحد، وإن تعدّدت الجراحات. وإنما يجوز الاقْتِصَار على غسل الصحيح، والمسح على الجَبَائِر مع التيمم أو دونه على الخلاف المتقدم (١) بشرطين:
_________________
(١) قال النووي: ولو عمت الجراحات أعضاءه الأربعة، قال القاضي أبو الطيب والأصحاب: يكفيه =
[ ١ / ٢٢٤ ]
أحدهما: ألا يأخذ من الصحيح تحت الجَبِيرَةِ إلاَّ القدر الذي لا بد منه للاسْتِمْسَاك.
والثاني: أن يضع الجَبِيرة على طهر، كالخُفِّ لا بُدَّ وأن يلبس على الطهارة، ليجوز المسح عليه، هذا ظاهر المذهب، وفي وجه لا يشترط الوضع على الطَّهارة، ثم ليس معنى اشتراط الطهارة تَعَذُّر المسح أصلًا، ورأسًا لو وضع الجبيرة على الحَدَثِ، ولكنَّ المراد أنه يلزم النَّزع وتقديم الطَّهارة إن أمكن النزع، وإلا فيجب القضاء بعد البُرء، وفي سقوط الفرض بالتَّيمم بإلقاء الجَبِيرَة خلاف يأتي ذكره في الباب الثَّالث من الكِتَاب إنْ شاء الله تعالى.
فهذا إذا لم يقدر على نَزْع الجَبِيْرَةِ عند الطَّهَارة، فإن قدر على النَّزع وأحل من غير ضرر فعليه النَّزع عند الطَّهَارة، وغسل ذلك الموضع إن أمكن، والمسح بالتُّراب إن كان على موضع التَّيمم، ولم يمكن الغسل (١).
هذا كمال الحالة الأولى، وهي أن يحوجه الكَسْرُ إلى إلقاء الجبيرة عليه.
الحالة الثانية: ألا يحتاج إليه، ويخاف من إيصال الماء إليه، فيغسل الصحيح بقدر الإمكان، ويتلطَّف إذا خاف سَيَلاَن الماء إلى موضع العِلَّةِ بوضع خِرْقَةٍ مبلولة بالقرب منه، ويتحامل عليها لينغسل بالمتقاطر منها ما حَوَالَيْهِ من غير أن يسيل إليه، ويلزمه ذلك، سواء قدر عليه بنفسه، أو بغيره، فإن لم يطعه الغير إلا بأجره لزمته، كالأقْطَعِ الذي يحتاج إلى من يوضِّئه، وهل يحتاج إلى ضم التيمم إليه.
فيه الخلاف الذي قدَّمناه في الحالة الأولى، ولا يجب مسح موضع العِلَّةِ بالماء، وإن كان لا يخاف من المسح، فإن الواجب الغسل، فإذا تعذَّر ذلك فلا فائدة في المسح بخلاف المَسْحِ على الجَبِيْرَةِ، فإنه مسح على حائل كالخُفِّ، وقد ورد الخبر به، هكذا ذكره الأئمَّة -﵃-، وللشَّافعي -﵁- نص [مساقه] (٢) وجوب
_________________
(١) = تيمم واحد عن الجميع، لأنه سقط الترتيب لسقوط الغسل، قالوا: ولو عمت الرأس ولم تعم الأعضاء الثلاثة، وجب غسل صحيح الأعضاء، وأربعة تيممات على ما ذكرنا، قال صاحب (البحر) فإذا تيمم في هذه الصورة أربع تيممات وصلى ثم حضرت فريضة أخرى، أعاد التيممات الأربعة فلا يلزمه غسل صحيح الوجه، ويعيد ما بعده، وهذا الذي ذكره في الغسل، فيه خلاف سيأتي قريبًا -إن شاء الله-. قال صاحب البيان: وإذا كانت الجراحة في يديه استحب أن تجعل كل يد كعضو فيغسل وجهه، ثم صحيح اليمنى، وتيمم عن جريحها، ثم يطهر اليسرى غسلاَ وتيممًا، وكذا الرجلان وهذا حسن، لأن تقديم اليمنى سنة، فإذا اقتصر على تيمم فقد طهرهما دفعة -والله أعلم- الروضة (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) سقط في ب.
(٣) سقط في ب.
[ ١ / ٢٢٥ ]
المسح، وليس هذا موضع ذكره، وإذا فرعنا على أنه يتيمَّم، فلو كانت العلَّة على محلّ التيمم، أمر التراب على موضعها، فإنه لا ضرر، ولا خوف في إمرار التراب عليه، بخلاف إمرار الماء، وكذا لو كانت للجراحة أفواه مفتحة، وأمكن إمرار التُّراب عليها لزم؛ لأنها صارت ظاهرة (١) فهذا شرح هذا الفصل.
وينبغي أن يعلم قوله: "ثم يتيمَّم مع الغسل، والمسح" بالحاء، لأن أبا حنيفة -﵀- لا يقول بوجوب الغسل على الإطلاق، ولا بوجوب التيمم على الإطلاق، بل قال: إن كان أكثر بدنه صحيحًا اقتصر على غسل الصحيح، وإن كان الأكثر جريحًا اقتصر على التيمم.
قال الغزالي: (السَّابعُ) الجِرَاحَةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا لُصُوقٌ فَلاَ يَمْسَحُ عَلَى مَحَلِّ الجُرْحَ وَإِنْ كَانَ فَهِيَ كَالجَبِيرَةِ، وَفِي لُزُومِ إلْقَاءِ اللُّصُوقِ عَنْدَ إمْكَانِهِ تَرَدُّدٌ كَالتَّرَدُّد في لُزُومِ لُبْس الخُفِّ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنَ المَاءِ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الخُفِّ.
قال الرافعي: الجراحة قد تحتاج في معالجتها إلى إلصاق لصوق بها من خِرْقة، وقطنة، ونحوهما، كما يحتاج في معالجته الانْخِلاَعَ والانْكِسَارَ إلى إلقاء الجَبَائِرِ، وحكم الجراحة وما عليها من اللُّصُوقِ حكم الانكسار، وما على موضعه من الجبائر فيعود فيه جميع ما سبق، وإذا لم يكن على الجِرَاحَةِ لصوق فلا يجب المسع على محل الجرح كما ذكرنا في الانكسار إذا لم يكن عليه جبيرة، وهل يجب إلقاء اللُّصُوق عليه عند إمكانه، وكذا إلقاء الجَبِيْرَة؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو محمد: يجب؛ لأنه لو ألقى الحائل لمسح عليه بدلًا عن الغسل، فليتسبب إليه تكميلًا للطَّهارة بقدر الإمكان، واستبعد إمام الحرمين ذلك، وقال: إنه لا نظير له في الرُّخَصِ، وليس للقياس مجال فيها، ولو اتَّبَعَ القياس لكان أقرب شيء أن يمسح على محل الجرح عند الإمكان، فإذا لم يَجِبْ ذلك فهذا أولى.
قال: ولم أر القول بالوجوب لأحد من الأصحاب، ثم رتَّب عليه ما إذا كان الشَّخص على طهارة كاملة، وقد أرهقه حدث، ووجد من الماء ما يكفي لوجهه ويديه ورأسه، ويقصر عن رجليه، ولو لبس الخُف لأمكنه أن يمسح على خفيه، فهل يجب عليه أن يلبس الخف، ثم يمسح بعد الحدث عليه؟ قال: قياس ما ذكره شيخي إيجاب ذلك، وهو بعيد عندي والله أعلم.
_________________
(١) قال النووي: هذا الذي ذكره الرافعي من ثبوت خلاف في وجوب التيمم غلط، ولم أره لأحد من أصحابنا، فكأنه اشتبه عليه، فالصواب الجزم بوجوب التيمم في هذه الصورة، لئلا يبقى موضع الكسر بلا طهارة -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٢٠).
[ ١ / ٢٢٦ ]
وإذا عرفت ذلك لم يَخْفَ عليك أن المراد من التردُّد في قول صاحب الكتاب، وفي لزوم إلقاء اللصوق عند إمكانه تردد، وهو الوجهان اللذان حكيناهما، ما صار إليه الشيخ أبو محمد، وما عليه الأكثرون.
وأما ما أشار إليه من التردُّد في مسألة وجوب اللبس، فسياق كلامه يشعر بإثبات وجهين في المسألة، لكن إمام الحرمين لم يذكرهما نَقْلًا عن شيخه، وإنما قال: قياس ما ذكره وجوب اللبس، ولا يصح إثبات الخلاف إذا لم يكن نقل إلا إذا انتفى الفارق، وقد وجد الفرق بين المسألتين، وبينه الإمام فقال: لشيخي أن ينفصل عما ذكرته في المسح على الخف، بأنه رخصة مَحْضَة، فلا يليق بها إيجاب لبس الخف، وما نحن فيه من مسالك الضَّرُوريات، فيجب فيه الإتْيَان بالممكن، وإلقاء خِرْقة يمسح عليها ممكن.
واعلم أن ظاهر المذهب اشتراط الطهارة عند إلقاء الجَبِيرَةِ، واللّصوق ليجوز المسح عليه، كما يشترط ذلك عند لبس الخف، وقد بيناه من قبل، وإذا كان كذلك فمن يقول بوجوب الإلقاء عند الإمكان، يأمر به قبل الحدث ليمسح عليه إذا تَطَهّر بعد الحدث كما في مسألة اللبس، ويضعف المصير إلى الوجوب في الصورتين بشيء، وهو أن الشخص إذا كان متطهِّرًا، فلا يخلو إما أن يكون أدَّى وظيفة الوقت، أو لم يؤدها، فإن لم يؤدها فهو متمكن من أدائها بهذه الطّهارة، فلا يكلف، والحالة هذه بطهارة أخرى، والطَّهارة التي لا يكلف بها لا يكلف بإعداد أسبابها، ألا ترى أنه لا يؤمر بإمساك الماء ليتوضأ به للصّلاة الَّتي لم يدخل وقتها، ولو صبه هزلًا واحتاج إلى الصلاة بالتَّيمم لم يلزمه القضاء، وإن أدَّى وظيفة الوقت فليس عليه طهارة أخرى حتى يدخل وقت الصَّلاة الأخرى، ولا يكلف لإعداد أسباب الطهارة التي لم يلزم بعد.
قال الغزالي: ثمَّ مَهْمَا تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَعَادَهُ لِكُلِّ صَلاَةٍ وَلَمْ يَعِدِ الوُضُوءَ وَلاَ المَسْحَ.
قال الرافعي: الأصل في المسألة أن التَّيمم لا يؤدي به فريضتان، بل تفتقر كل فريضة إلى تيمم، وكذلك وضوء المُسْتَحَاضَةِ، وسنذكره في موضعه.
وإذا عرفت ذلك فنقول: من غسل الصحيح، وتيمم لمكان عذر المرض، أو الانْخِلاَعِ، أو الجراحة، إما مع المسح على الحائل، أو دونه إذا لم يكن حائل وصلّى فريضة بطهارته فله أن يصلي بها من النَّوافل ما شاء، ولا بد من إعادة التَّيمم للفريضة الأخرى، وإن لم يحدث، وهل يحتاج إلى إعادة الوضوء مع التيمم المعادِ؟ فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين، كما لو نزع الماسح على الخُفِّ أو انقضت مدة المسح،
[ ١ / ٢٢٧ ]
هل يستأنف الوضوء أم يقتصر على غسل الرجلين؟ فيه قولان، ووجه الشبه أن الطَّهارة في الصورتين كملت من جنسين أصل وبدل، فإذا بطل حكم البدل، هل يبطل الأصل حتى يؤمر بالاستئناف فيه خلافه
والطريق الثاني: القَطْعُ بنفي الاستئناف؛ لأن التَّيمم طهارة مستقلَّة في الجملة، فلا يلزم بارتفاع حكمها انتقاض طهارة أخرى، وإن كانت بعضًا منها كما في هذه الصورة، كما لو اغتسل الجُنُب، ثم أحدث يلزمه الوضوء، ولا ينتقض غسله، وإن كان أعضاء الوضوء بعض المغسول في الجَنَابَةِ، لأن الوضوء طَهَارَةٌ مستقلّة في الجملة، ويخرج عليه (١) المسح على الخُفِّ، فإنه غير مستقل أصلًا، وهذا الخلاف جار في الجنب إذا غسل الصحيح من بدنه، وتيمم للعليل، وصلى، هل يفتقر للفريضة الثانية إلى استئناف الغسل مع التيمم؟ وإذا فرعنا على الصَّحيح، وهو أنه لا يجب استئناف الوضوء والغسل، فهل يجب إعادة شيء منهما مع التَّيمم؟ أما في الغُسْل فلا، وأما في الوضوء فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابن الحداد: لا، لأن الوُضُوءَ الكامل لا يجب إعادته لكل فريضة، فكذلك غسل الصحيح الذي هو بعضه، وإنما التَّيمم هو الذي يعاد لكل فريضة.
وأظهرهما: أنه يجب أن يعيد مع التيمم غسل كل عضو يترتب على العضو المجروح رعاية للترتيب، فإنه إذا تيمّم بدلًا عن محلّ العذر، فإذا وجب إعادته خرج ذلك العضو عن أن يكون طهارته تامّة، فإذا أتمَّها (٢)، وجب إعادة غسل ما بعد ذلك العضو، كما لو أغفل لُمْعَةً من وَجْهِهِ وتنبَّهَ له بعد الفراغ من الوضوء يغسلها، وما بعد الوجه من الأعضاء.
ثم نعود إلى لفظه في الكتاب ونقول، لا يخفى أن قوله: "لم يعد الوضوء (٣) لكل صلاة" أراد الفريضة لا مطلق الصَّلاة، وهكذا هو في بعض النّسخ، وينبغي أن يعلم قوله: "لم يعد الوضوء" بالواو لما حكينا من الخلاف، ثم لك أن تقول قوله: "ولم يعد الوضوء"؟ إما أن يعني به أنه لا يعيد الوضوء بكماله، أي لا يستأنف، أو يعني به أنه لا يعيد شيئًا منه.
والأول صحيح، وجواب على الطَّريقة الثانية، إلا أن كلامه في "الوسيط" يبين أنه ما أراده، وإنما أراد المعنى الثَّاني؛ لأنه قال يجب إعادة التّيمم عند كل صلاة، ولا
_________________
(١) في ب عنه.
(٢) في ب: لم يتممها.
(٣) سقط في ب.
[ ١ / ٢٢٨ ]
يجب إعادة الغسل، ولا إعادة مسح الجَبِيْرَةِ، فنفى إعادة مطلق الغسل، لكن إرادة المعنى الثاني لا تحسن من وجهين:
أحدهما: أن يكون جوابًا بالوجه الأول، الذي ذهب إليه ابن الحداد، وظاهر المذهب إنما هو الثاني.
والثاني: أن الشيخ أبا علي، والمعتبرين، قالوا: الخلاف في أنه هل يعيد شيئًا من الوضوء، أم لا؟ مبني على الخلاف الذي سبق في أن التَّيمم المضموم إلى الوضوء، هل يعتبر فيه التَّرتيب أم لا؟ فإن أوجبنا الترتيب أعاد هاهنا مع التَّيمم، غسل الأعضاء المترتِّبة على العضو المعلول، وإلا فلا، وإذا كان كذلك فصاحب الكتاب قد اختار، ثم وجه اعتبار الترتيب، وعبر عنه بالأعدل فلا يلائمه أن يقول هاهنا لا يعيد شيئًا من الوضوء أصلًا. والله أعلم.
ولو تطهر المعلول كما ذكرنا، ثم برأ، وهو على طهارته غسل موضع العُذْر جنبًا كان، أو محدثًا، ويغسل المحدث ما بعد العضو المعلول، أيضًا بلا خلاف رعاية للترتيب، وهل يجب استئناف الوضوء والغسل؟ فيه القولان كما في نزع الخف، فلو تحقق الانْدِمَالُ والبُرْءُ بعد الطهارة هو كما لو وجد العادم الماء بعد التَّيمم، فيبطل تيمُّمه، وغسل ذلك الموضع والاستئناف على ما ذكرنا، ولو توهَّمَ الانْدِمَال فرفع اللّصوق فإذا هو لم يندمل، لم يبطل تيمُّمه على أصح الوجهين بخلاف ما إذا توهَّمَ وجود الماء، يبطل تيمُّمه، وإن بان خلاف ما توهمه، لأن توهم الماء يوجب الطَّلب، وتوهم الانْدِمَال لا يوجب (١) البحث والطلب عنه، وإذا وجب الطلب بطل التّيمم، لأن التّيمم طهارة ضرورة، فلا صحة له إلا حيث يتمكن من الصَّلاَة وإذا وجب الطَّلب لم يتمكن من الصَّلاة، وتوقف إمام الحرمين في قول الأصحاب لا يجب الطلب عند توهُّم الانْدِمَال.
قال الغزالي: