قال الغزالي: فِي شَرَائِطِهَا وَهِيَ سِتَّةٌ: (الأَوَّلُ الوَقْتُ) فَلَوْ وَقَعَت تَسلِيمَةُ الإِمَامِ فِي وَقْتِ العَصْرِ فَاتَتِ الجُمُعَةِ، وَلَوْ وَقَعَ آخِرُ صَلاَةِ المَسْبُوقِ فِي وَقْتِ العَصْرِ جَازَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَ فِي الوَقْتِ كَمَا فِي القُدْوَةِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) الآية.
وعن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَع تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ" (٢) الجمعة فرض على الأعيان إذا اجتمعت الشرائط التي نذكرها، وحكى القاضي اَبنُ كِج عن بعض أصحابنا أنها فرض على الكفاية كصلاة العيدين، وذكر القاضي الروياني في "البحر" أن بعض أصحابنا زعم أنه قول للشافعي -﵁-، وغلط ذلك الزَّاعم وقال: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي -﵁-.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الجمعة كسائر الفرائض الخمس في الأركان والشرائط، ولكنها تختص بثلاث خواص:
أحدها: اشتراط أمور زائدة في صحتها.
والثانية: اشتراط أمور زائدة في لزومها.
والثالثة: آداب ووظائف تشرع فيها، فجعل الكتاب على ثلاثة أبواب كل واحد في خاصية منها.
الباب الأول: في شروط الصحة:
_________________
(١) سورة الجمعة، الآية ٩.
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٥٢) والترمذي (٥٠٠) وقال حسن؛ والنسائي (٣/ ٨٨) وابن ماجة (١١٢٥) وابن حبان، ذكره الهيثمي في الموارد (٥٥٣).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أحدها: الوقت، فلا مدخل للقضاء في الجمعة على صورتها بالاتفاق، بخلاف سائر الصلوات فإن الوقت ليس شرطًا في نفسها، وإنما هو شرط في إيقاعها أداءًا وقتها وقت الظهر خلافًا لأحمد حيث قال: يجوز فعلها قبل الزَّوال، واختلف أصحابه في ضبط وقته، فَمِنْ قَائِلِ: وقتها وقت صلاة العيدين، وَمِنْ قَائِلٍ، يقول: إنما تقام في السَّاعة السادسة.
لنا: ما روي عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ" (١). وقد ثبت عنه أنه قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٢).
وإذا خرج الوقت أو شك في خروجه فلا سبيل إلى الشروع فيها، ولو أغفلوها إلى أن لم يبق من الوقت ما يسع الخطبتين وركعتين يقتصر فيهما على ما لا بد منه، لم يشرعوا فيها وصلّوا الظهر، نص عليه في "الأم"، ولو شرعوا فيها في الوقت ووقع بعضها خارج الوقت فأتت الجمعة خلافًا لمالك وأحمد، هكذا أطلق أكثر أصحابنا النقل عنهما، وفصَّل الصيدلاني مذهب مالك، فقال: عنده إن صلوا ركعة ثم خرج الوقت أتموا الجمعة وإلا فقد فاتت.
لنا: أنها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها، فتنقطع بخروج الوقت كالحج، وأيضًا فإن الوقت شرط في ابتداء الجمعة، فيكون شرطًا في دوامها كدار الإقامة، ثم إذا فاتت الجمعة فهل يتمها ظهرًا، أم لا؟ ظاهر المذهب أنه يجب عليه أن يتمها ظُهْرًا، ولا بأس ببنائها عليها؛ لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما؛ كصلاة الحضر مع السَّفَرِ، [وخرج] (٣) فيه قول آخر: أنه لا يجوز بناء الظهر على الجمعة بل عليهم استئناف الظهر، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وبنوا هذا الخلاف على الخلاف في أن الجمعة ظهر مقصورة أم هي صلاة على حيالها؟ إن قلنا بالأول جاز البناء، وإلا فلا، وسيعود هذا الأصل في مواضع من الباب فإن قلنا: بظاهر المذهب فيسر بالقراءة من حينئذ، ولا يحتاج إلى تجديد نية الظهر على أصح الوجهين، ذكره في "العدة" على أن حكينا وجهًا ضعيفًا، أن الظهر تصح بنية الجمعة ابتداءً فهاهنا أولى.
وإن قلنا: لا بد من استئناف الظهر فهل تبطل صلاته أم تنقلب نفلًا؟ فيه قولان مذكوران في نظائرها، ولو شك في صلاته هل خرج الوقت أم لا؟ فوجهان:
أحدهما: يتمها جمعة وبه قال الأكثرون؛ لأن الأصل بقاء الوقت، وصار كما لو شَكَّ بعد الفراغ فيه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٠٤) وأبو داود (١٠٨٤) والترمذي (٥٠٣).
(٢) حديث مالك بن الحويرث تقدم في الآذان.
(٣) في أ (مخرج).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
والثاني: أنه يتمها ظهرًا؛ لأنه شَكَّ في شرط الجمعة قبل تمامها ومضيها على ظاهر الصِّحَّة، فيعود إلى الأصل وهو الظهر، وهذا كله في حق الإمام والمأمومين الموافقين فأما المسبوق الذي أدرك معه ركعة لو قام إلى تدارك الركعة الثَّانية فخرج الوقت قبل أن يسلم هل تفوت جمعته؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما في حق غيره.
والثاني: لا؛ لأنه تابع للقوم، وقد صحت جمعتهم، فصار كالقدوة فإنها من شرائط الجمعة، ثم هي محطوطة عنه تبعًا لهم وكذلك العدد، ومن قال بالأول فرق بأن اعتناء الشرع برعاية الوقت أكثر، ألا ترى أن أقوال الشافعي -﵁- اختلفت في الانقضاض، وإن اختلفت الجماعة، ولم يختلف قوله في أنه إذا وقع شيء من صلاة الإمام بعد خروج الوقت فاتت الجعة.
وقوله: (فلو وقع تسليم الإمام) المراد التسليمة الأولى، فإن الثَّانِيَة غير معدودة من نفس الصَّلاة، بل من لَوَاحِقِها، ولهذا لو قارنها الحدث لم تبطل صلاته، ولعلك تقول: لم قيد بتسليمة الإمام، وما الحكم لو وقعت تسليمة الإمام في الوقت وتسليمة القوم، أو بعضهم خارج الوقت، فاعلم أن التعرض لتسليمة الإمام قد جرى في كلام الشَّافعي -﵁- في "المختصر" كما ذكره في الكتاب، ولم أر فيما وجدته من الشروح بحثًا عنه، ويمكن أن يكون التعرض له باعتبار أن وقوع تسليمة الإمام خارج الوقت موجب فوات الجمعة في البقعة مطلقًا، فإنه إذا كان سلامه بعد الوقت فسلام غيره يكون بعد الوقت أيضًا، فأما إذا وقع سلامُه في الوقت وسلام بعضهم بعده فالمُسَلِّمُون خارج الوقت لا شك في أن ظاهر المذهب بطلان صلاتهم، وإن فرض فيه خلاف، وأمما الإمام والمُسلِّمون معه إن بلغوا العدد المعتبر في الجمعة فجمعتهم صحيحة، وإلا فالصورة تشبه مسألة الانفضاض -والله أعلم-.
واعلم أنه سلامه الواقع في وقت العصر إن كان قد علم منه بالحال فيتعذر بناء الظهر عليه لا محالة، وتبطل صلاته إلا أن يغير النِّية إلى النَّفل ثم يسلم ففيه ما سبق في موضعه، وإن كان عن جهل منه فلا تبطل صلاته، وهل يبنى أو يستأنف؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
قال الغزالي: الثَّانِي دَارُ الإقَامَةِ فَلاَ تُقَامُ الجُمُعَةُ فِي الصَّحَارِي (ح) وَلاَ فِي الخِيَامِ (و) بَلْ تُقَامُ فِي خُطَّةِ قَرْيَةٍ (ح) أَوْ بَلْدَةٍ إِلَى (١) حَدٍّ يَتَرَخَّصُ المُسَافِر إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ.
_________________
(١) في أ (علي).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
قال الرافعي: يشترط إقامة الجمعة في دار الإقامة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يجوز إقامتها خارج البلد حيث تقام صلاة العيد، وبه قال أَحْمَدُ.
لنا: القياس على الموضع البعيد عن البلد، فإن كل واحد منهما خارج عن البلد، وأيضًا فَإِنَّ الجُمُعَةَ لم تَقُمْ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَلاَ فِي عَصْرِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ -﵃- إِلاَّ فِي مَوَاضِعِ الإقَامَةِ (١)، وَلَوْلاَ أنه شرط لأشبه أن يقيموها في غيرها كسائر الجماعات، والمراد من دار الإقامة الأبنية التي يستوطنها المقيمون للجمعة، سواء في ذلك البلاد والقرى والسراب التي تتخذ وطنًا، ولا فرق بين أن تكون الأبنية من حَجَرٍ، أو طِينٍ، أو خَشَبٍ؛ وأهل الخيام النازلون في الصحراء لا يقيمون الجمعة، فإنه إذا جاء الشتاء أْحوجهم إَلى الانتقال، فليسوا بمقيمين في ذلك الموضع، وإن اتخذوه وطنًا لا يبرحون عنه شتاءً ولا صيفًا ففيه قولان:
أحدهما: أنه تلزمهم الجمعة، ويقيمون في ذلك الموضع؛ لأنهم استوطنوه.
وأصحهما: لا؛ لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وما كانوا يصلُّون الجمعة، ولا أمرهم النبي -ﷺ- بذلك، وهذا لأنهم على هيئة المسافرين، وليس لهم أبنية المستوطنين.
ولو انهدمت أبنية البلدة أو القرية فأقام أهلها على العمارة (٢) لزمهم إقامة الجمعة فيها، فإنهم في دار إقامتهم، سواء كانوا في مَظالّ أو غيرها، وكذا لو كانت الأبنية باقية، وليس من الشرط إقامتها في كنّ أو مسجد، بل يجوز إقامتها في فضاء معدودة من خطة البلدة غير خارج عنها؛ لأن الجماعة قد تكثر ويعسر اجتماعها في محوط، أما الموضع الخارج الذي إذا انتهى إليه من ينشئ السفر من البلدة كان له القَصْر لا يجوز
إقامة الجمعة فيه على ما سبق، وهذا هو الذي أراد بقوله: (إلى حد بترخص المسافر إذا انتهى إليه) واستعمال (إلى) هاهنا نحو استعمالها في قول الله تعالى جده: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) فليس الحد المذكور داخلًا في الخطة.
وقوله: (في الصحاري) معلم بالحاء والألف لما قدمناه، ويجوز وضعهما على قوله: (في خطة قرية أو بلدة) أيضًا، (ولا في الخيام) معلم بالواو؛ للقول الذي سبق حكايته.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ لا تَكُونَ الجُمُعَةُ مَسْبُوقَةً بِجُمُعَةٍ أُخْرَى، فَلَوْ عُقِدَتْ
_________________
(١) قال ابن الملقن (١/ ٢٠٩) في خلاصة البدر المنير، وهذا أشهر من أن يذكر له دليل.
(٢) في (ب): العادة.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٨٧.
[ ٢ / ٢٥١ ]
جُمْعَتَانِ فالَّتِي تَقَدَّمَ تكْبِيرُهَا هِيَ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ: الْعِبْرَةُ بِتَقَدُّمِ السَّلاَمِ، وَقِيلَ بِتَقَدُّمِ أَوَّلِ
الْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ فِي الثَّانِيَةِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِكَيْلاَ يَقْدِرَ كُلُّ شِرْذِمَة عَلَى تَفْوِيتِ الجُمُعَةِ عَلَى الأكْثَرِينَ، وَإِنْ وَقَعَتِ الجُمْعَتَانِ مَعاَ تَدَافَعَتَا فَتُسْتَأْنَفُ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا إِنْ أَمْكَنَ التَّلاَحُقُ وَالتَّسَاوُق، فَإِنْ تَعَيَّنَتِ السَّابِقَةُ ثُمَّ الْتَبَسَتْ فَاتَتِ (وز) الجُمُعَةُ وَوَجَبَ (ز) الظُّهْرُ عَلَى الجَمِيعِ، وَلَوْ عُرِفَ السَّبْقُ وَلَمْ تَتَعَيَّنِ اسْتُؤنِفَتِ الجُمُعَةُ (و) وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ، وَفِيهِ قَوْلٌ (١) آخَرُ: أَنَّ الجُمُعَة فَائتَةٌ.
قال الرافعي: قال الشَّافِعِيُّ -﵁-: ولا يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلاَّ في مسجد واد، وذلك لأن النبي -ﷺ- والخلفاء بعده لم يفعلوا إلا كذلك، وإذا لم تجز إقامتها في مساجد البلد كسائر الجماعات، واحتمل تعطل المسجد عرف أن المقصود إظهار شعار الاجتماع، واتفاق كلمة المسلمين فليقتصر على الواحد؛ لأنه أفضى إلى هذا المقصود؛ ولأنه لا ضبط بعد مجاوزة الواحد، وتكلم الأصحاب في أمر "بغداد"، فإن أهلها لا يقتصرون على جمعة واحدة، وقد دخلها الشافعي -﵁- وهم يقيمون الجمعة في موضعين.
وقيل: في ثلاثة فلم ينكر عليهم، وذكروا فيه وجوهًا.
أحدها: أن الزيادة على الواحدة إنما جازت في بغداد؛ لأن نهرها يحول بين شِقَّيْهَا، فيجعلها كبلدين، قاله أبو الطيب بن سلمة، وعلى هذا لا يقام في كل جانب إلا جمعة واحدة، وكل بلدة حال بين جانبها نهر يحوج إلى السباحة والزوارق فهي بمثابة بغداد، واعترض الشيخ أبو حامد على هذا فقال: لو كان الجانبان كالبلدين لجاز القصر لمن عبر من أحد الجانبين إلى الآخر، وإن لم يجاوز ذلك الجانب وابن سلمة فيما حكى القاضي ابن كج الزم هذه المسألة فالتزمها، وقال: يجوز له القصر.
والثاني: أن الزيادة على الواحدة إنما جازت لأنها كانت ترى متفرقة، ثم اتصلت الأبنية فأجرى عليها حكمها القديم، وعلى هذا يجوز التعديد في كل بلدة كانت كذلك، واعترض الشيخ أبو حامد عليه بمثل ما اعترض به على الوجه الأول، وربما يلتزم الصائر إليه جواز القصر أيضًا، فإن الإمام حكى عن صاحب "التقريب" أنه قال: يجوز أن يقال، على هذا، إذا جاوز الهام بالسفر قرية من تلك القرى ترخص.
والثالث: أنها إنما جازت؛ لأن بغداد بلدة كبيرة يشق على أهلها الاجتماع في موضع واحد وعلى هذا تجوز الزيادة على الجمعة الواحدة في سائر البلاد إذا كَثُر
[ ٢ / ٢٥٢ ]
النَّاس، وعَسُر اجتماعُهم، وبهذا قال ابْنُ سُرَيْجٍ وأبو إسحاق وهو مذهب أحمد.
والرابع: أن الزيادة لا تجوز بحال، وإنما لم ينكر الشافعي -﵁- في بغداد لما دخلها؛ لأن المسألة مسألة اجتهادية، وليس بعض المجتهدين الإنكار على سائرهم (١)، وهذا الوجه الرابع يوافق إطلاق الكتاب حيث قال: (إن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى) فإنه لم يفصل بين بلدة وبلدة وهو ظاهر نص الشافعي -﵁- الذي قدمناه، ورأى الشَّيخ أبو حامد وطبقته الاقتصار عليه مذهبًا، لكن الذي اختاره أكثر أصحابنا تعريضًا وتصريحًا: إنما هو الوجه المنسوب إلى ابن سريج وأبي إسحاق، وهو تجويز التعديد عند كثرة النَّاس والازدحام، ومِمَّن رَجَّحِهُ القاضي ابن كج والحناطي والقاضي الروياني، وعليه يدل كلام حُجَّة الإسلام في "الوسيط" مع تجويزه للنهر الحائل أيضًا، ولا يخفى مما ذكرناه، أنه ينبغي أن يُعَلم قوله: (أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى) بالألف والواو؛ لأنه مُطْلَقٌ، والوجوه المذكورة تنازع فيه سوى الوجه الأخير، إذا عرف ذلك فمتى منعنا من الزيادة على جمعة واحدة فزادوا وعقدوا جمعتين فله صور:
إحداها: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالسابقة صحيحة لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة لما ذكرنا أنه لا مزيد على واحدة وبماذا يعتبر السبق فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أن الاعتبار بالتحرم، فالتي سبق عقدها على الصحة هِيَ الصحيحة، وإن تقدمت الثانية في الخطبة أو السلام.
والثاني: أن الاعتبار بالسَّلام، فالتي سبق التحلل عنها هي الصحيحة؛ لأن الصلاة إذا وقع التحلل عنها أمن عروض الفساد لها، بخلاف ما قبل التحلل فكان الاعتبار به أولى.
والثالث: أن الاعتبار بالخوض في الخطبة فالتي تقدم أول خطبتها هي الصَّحيحة.
قال الإمام: وهذا ملتفت إلى أن الخطبتين بمثابة ركعتين، ولم يحك أكثر أصحابنا العراقيين سوى الوجه الأول والثاني: ونقلهما صاحب "المهذب" قولين.
وقوله في الكتاب: (فالتي تقدم تكبيرها هي الصحيحة) يقع على تمام التكبير حتى لو سبقت إحداهما بهمزة التكبير والأخرى بالراء منه، فالصحيحة هي التي سبقت بالراء؛ لأنها التي تقدم تكبيرها، وهذا هو أصح الوجهين، وفيه وجه آخر أنه ينظر إلى أول التكبير، ثم على اختلاف الوجوه لو سبقت إحداها الأخرى لكن كان السلطان مع
_________________
(١) لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
الأخرى، فقد حكى صاحب الكتاب والإمام فيه وجهين، والجمهور نقلوهما قولين:
أظهرهما: أن الصَّحِيحَة هي الأولى، كما لو لم يحضر السلطان في وأحدة منهما، وكما لو كان ثَمَّ أميران وكان كل واحد منهما في واحدة.
والثاني: أن الصحيحة هي الثانية منعًا للآخرين من التقدم على الإمام، ولو لم نقل بهذا لأدى إلى أن تفوت كل شرذمة تنعقد بهم الجمعة فرض الجمعة على أهل البلد، ولو شَرَعَ الناس في صلاة الجمعة فأخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم بها وفاتت الجمعة عليهم، فالمستحب لهم استئناف الظهر، وهل لهم أن يتموها ظهرًا؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا خرج الوقت في أثناء الجمعة.
الصُّورة الثانية: أن تقع الجمعتان معًا فيتدافعان وتستأنف واحدة إن ومع الوقت.
الثالثة: أن يشكل الحال فلا يدري أوقعتا معًا أو سبقت إحداها الأخرى؟ فيعيدون الجمعة أيضًا؛ لجواز وقوعهما معًا، والأصل عدم الجمعة المجزئة، قال إمام الحرمين: وقد [حكمت] (١) الأئمة بأنهم إذا أعادوا الجمعة برئت ذمتهم، وفيه إشكال؛ لأنه يجوز تقدم إحدى الجمعتين على الأخرى، وعلى هذا التقدير لا يصح عقد جمعة أخرى ولا تبرأ ذمتهم بها، فسبيل اليقين أن يقيموا جمعة ثم يصلوا الظهر.
الرابعة: أن تسبق إحدى الجمعتين على التعيين، ثم يلتبس فلا تخرج واحدة من الطَّائفتين عن العهدة خلافًا للمزني.
لنا: أنه ليس في الطائفتين من يتيقن صحَّة جمعته، والأصْلُ بقاء الفرض في ذِمَّتِهِمْ، ثُمَّ إذا لم يخرجوا عن العُهْدَة فماذا يفعلون؟ فيه طريقان:
أظهرهما فيه -وهو المذكور في الكتاب-: أنه ليس لهم إعادة الجمعة؛ لأن إحدى الجمعتين في البلد قد صحت على [اليقين] (٢) فلا سبيل إلى الزيادة، ولكن يُصَلُّون الظُّهْرَ.
والثَّاني: أنه على الخلاف الذي نذكره في الصورة الخامسة، وهذا هو الذي ذكره العراقيون.
وقوله: (فاتت الجمعة) أراد به بطلانها على الطائفتين وافتقارهما إلى فعل الظهر (٣)، وإلا فالجمعة السابقة صحيحة، وليكن معلمًا بالزاي والواو لما ذكرناه.
الخامسة: أن تسبق إحداها ولا يتعين كما إذا سمع مريضان، أو مسافران تكبيرتين
_________________
(١) في أحكى.
(٢) في أالتعيين.
(٣) في (ب): الظهور.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
متلاحقتين، وهما خارج المسجد فأخبراهم بالحال ولم يعرفا أن المتقدمة تكبيرة من؟ فلا يخرجون عن العهدة أيضًا، لما ذكرنا في الرابعة، وقد نقل خلاف المزني هاهنا أيضًا، ثم ماذا يفعلون؟ فيه قولان:
أظهرهما: في "الوسيط" أنهم يستأنفون الجمعة إن بقى الوقت؛ لأن الجمعتين المفعولتين باطلتان غير مجزئتين؛ وكأنه لم يقم في البلدة جمعة أصلًا.
والثاني: وهو رواية الربيع بأنهم يُصَلُّون الظُّهْرَ؛ لأن إحدى الجمعتين صَحِيحة في علم الله تعالى، وإنما لم يخرجوا عن العُهْدَة للإشكال (١).
قال الأصحاب: وهذا هو القياس.
هذا تمام الصور وهي يأسرها مذكورة في الكتاب، ولهذه الصور الخمس نظائر في نكاحين عقدهما وَلِيّان على امرأة واحدة، وستأتي في موضعها -إن شاء الله تعالى- وإن أردت حصرها قلت: إذا عقدت جمعتان فإما أن لا يعلم حالهما في التَّساوق والتلاحق، أو يعلم، وعلى هذا فإما أن يعلم تساوقهما أو سبق إحداهما على الأخرى. وعلى هذا فإما أن يعلم ذلك في واحدة لا على التعيين، أو في واحدة معينة، وعلى هذا فإما أن يستمر العلم أو يعرض التباس، ثم قال أصحابنا العراقيون: لو كان الإمام في إحدى الجمعتين في الصور الأربع الأخيرة ترتب على ما ذكرنا في الصورة الأولى إن قلنا: الصحيحة هي التي فيها الإمام مع تأخيرها، فهاهنا أولى، وإلا فلا أثر لحضوره والحكم كما لو لم يكن مع واحد منهما.
قال الغزالي: الرَّابعُ: العَدَدُ فَلاَ تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بِأقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ (ح م) ذُكُورٍ مُكَلَّفِينَ أَحْرَارٍ (ح) مُقِيمِينَ (ح) لاَ يَظْعَنُونَ شِتَاءً وَلاَ صَيْفًا إلاَّ لِحَاجَةٍ، وَالإِمَامُ هُوَ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: لا تنعقد الجمعة بأْقل من أربعين.
وبه قال أحمد خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: تنعقد بأربعة أحدهم الإمام، واختلفت رواية أصحابنا عن مالك، فمنهم من روى عنه مثل مذهبنا، ومنهم من روى أن الاعتبار بعدد يعد بهم الموضع قرية، ويمكنهم الإقامة فيه، ويكون بينهم البيع والشراء، ونقل صاحب "التلخيص" قولًا عن القديم: أن الجمعة تنعقد بثلاثة إمام ومأمومين، وعامة الأصحاب لم يثبتوه.
لنا: ما روي عن جابر -﵁- أنه قال: "مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ
_________________
(١) في (ب): بالإشكال.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فَمَا فَوْقَهَا جُمُعَةً" (١).
وعن أبى الدَّرْدَاءِ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ" (٢). أورده في "التتمة"، وذكر القاضي ابن كج أن الحناطي روى عن أبي أمامة أن النبي -ﷺ- قال: "لاَ جُمُعَةَ إِلاَّ بِأرْبَعِينَ" (٣).
وليكن قوله: (ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين) معلمًا -لما حكيناه- بالميم والحاء والواو، ثم نعتبر في الأربعين أربع صفات، الذُّكورة، والتكليف، والحرية، والإقامة المعتبر، الإقامة على سبيل التَّوَطَّنِ، وصِفَتُهُ أن لا يَظْعَنُوا عن ذلك الموضع شتاءً ولا صيفًا إلا لحاجة، فلو كانوا ينزلون الموضع صيفًا ويرتحلون عنه شتاء، أو بالعكس فليسوا بمتوطين، ولا تنعقد الجمعة بهم، وحكى ابن الصباغ أن أبا حنيفة يقول: بانعقادها (٤) بأربعة من العبيد، وبأربعة من المسافرين، واحتج عليه بأن من لا تلزمه الجمعة لا تنعقد به الجمعة كالنِّسَاء، وأعلم لذلك كلمتي: (أحرار، مقيمين بالحاء، إشارة إلى أن الحرية، والإقامة لا يشترطان في العدد المعتبر عنده، وفي الانعقاد بالمقيم الذي لم يجعل الموضع [وطئًا] (٥) خلاف سنذكره في الباب الثالث، وهل تنعقد الجمعة بالمرضي؟ المشهور أنها تنعقد لِكَمَالِهِمْ، وإنما لم تجب عليهم تخفيفًا، وهذا هو المذكور في الكتاب في الباب الثاني، ونقل ابن كج عن أبي الحسين أن الشَّافعي -﵁- قال في موضع: لا تنعقد الجمعة بأربعين مريضًا كالمسافرين والعبيد، فعلى هذا صفة الصّحة تعتبر مع الصفات المذكورة في الكتاب، ثم عدد الأربعين معتبر مع الإمام أو هو زائد على الأربعين فيه وجهان:
أصحهما: أنه من جملة الأربعين لما ذكرنا من الأخبار فإنها لا تفصل بين الإمام وغيره.
والثاني: أنه زائد على الأربعين، لما روي: أنه -ﷺ-: "جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَجْمَعْ
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣ - ٤) والبيهقي (٣/ ١٧٧) وقال: هذا حديث لا يحتج بمثله، تفرد به عبد العزيز بن عبد الرحمن، وهو ضعيف.
(٢) غريب، وقال الحافظ: لا أصل له، انظر التلخيص (٢/ ٥٦).
(٣) قال الحافظ ابن حجر: لا أصل له، انظر التلخيص (٢/ ٥٦) والمعروف ما رواه الدارقطني والبيهقي مرفوعًا على خمسين جمعة، ليس فيما دون ذلك، وهو ضعيف بمرة، قال البيهقي (لا يصح إسناده انظر سنن الدارقطني ٢/ ٤ والتلخيص ٢/ ٥٦).
(٤) في (ب): بانعقاد الجمعة.
(٥) سقط في (ط).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ" (١).
وهذا يشعر بزيادته على الأربعين، وقد حكى القاضي الروياني الخلاف في المسألة قولين:
القديم: أنه زائد على الأربعين.
قال الغزالي: وَلَوِ انْقَبَضَّ القَوْمُ فِي الخُطْبَةِ لَمْ يَجُزْ (خ) لِأَنَّ إِسْمَاعَهَا أَرْبَعِيْنَ رَجُلًا وَاجِبٌ، فَإِنْ سَكَتَ الخَطِيبُ ثُمَّ بَنَى عِنْدَ عَوْدِهِمْ مَعَ طُولِ الفَصْلِ فَقَدْ فَاتَتِ المُوَالاةُ، وَفِي اشْتِرَاطِهَا قَوْلاَن، وَكَذَلِكَ فِي اشْتِرَاطِهَا بَيْنَ الخُطْبَةِ وَالصَّلاةِ.
قال الرافعي: العدد المعتبر في الصَّلاَة وهو الأربعون مُعْتَبَرٌ في الكلمات الواجة
من الخُطْبَة، واستماع القوم إليها فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٢)
قال كثير من المُفَسِّرِين: إن المراد منه الخَطْبَة.
وعن أبين حنيفة في رواية: أنه لو خطب منفردًا جاز، واحتجوا عليه بأن الخطبة ذكر واجب في الجمعة، فيشترط حُضُور العدد فيه كتكبيرة الإحرام.
إذا عرفت ذلك فلو حضر أربعون فصاعدًا لإقامة الجمعة ثم انفض كلهم أو بعضهم، والباقون دون الأربعين لم يخل إما أن يكون الانفضاض في أثناء الصَّلاة وسيأتي في الفصل التالي لهذا الفصل، أو قبلها وذلك إما أن يكون قبل افتتاح الخطبة أو في أثنائها، أو بعدها، فإن كان الانفضاض قبل افتتاح الخطبة لم يبتدئ حتى يجتمع أْربعون، وإن كان في أَثْنَائِها -وهي مسألة الكتاب- فلا خلاف في أن الركن الْمَأْتِيّ به في غيبتهم غير محسُوب، بخلاف ما إذا نقص العدد في الصَّلاة، فإن فيه خلافًا سيأتي.
قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: والفرق أن كل مُصَلٍّ يصلي لنفسه فجاز أن يتسامح في نقصان العدد في الصَّلاة، وفي الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه، وإنما الغرض إسماع الناس وتذكيرهم، فما جرى ولا مستمع أو مع نقصان عدد المستمع فقد فات فيه مقصود الخطبة، فلم يحتمل، ثم ننظر إن عادوا قبل طول الفَصْل بني على الخطبة، فإن الفَصْلَ اليسير في مثل ذلك كعدم الفَصْل، ألا ترى أنه لو سلم ناسيًا ثم تذكر ولم يطل الفصل جاز، وكذلك يحتمل الفَصْل اليسير بين صلاتي الجمع، وإن عادوا بعد طول الفصل فهل ينبي أم يستأنف؟ فيه قولان يعبر عنهما بأن الموالاة هل تجب في الخطبة أم لا؟
أحدهما: لا؛ لأن الغرض الوعظ والتذكير، وذلك حاصل مع تفرق الكلمات.
_________________
(١) أخرجه البيهقي من رواية ابن مسعود -﵁- (٣/ ١٨٠) وانظر التلخيص (٢/ ٥٦ - ٥٧).
(٢) سورة الأعراف، الآية ٢٠٤.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وأصحهما: نعم؛ لأن للولاء وقعًا في استمالة القلوب وتنبيهها، ولأن الأولين خطبوا على الولاء فيجب اتباعهم فيه، وذكر صاحب [التهذيب] (١) وغيره أن هذا القول الثاني هو الجديد، وبنى أبو سعيد المتولي وآخرون الخلاف في المسألة على أن الخطبتين بدلٌ من الركعتين أم لا؟ إن قلنا: نعم وجب الاستئناف وإلا فلا، وقرب حُجَّة الإسلام -قدس الله روحه- في "الوسيط" خلاف المسألة من الخلاف في الوضوء هل يجب فيه الموالاة؟ لكن ظاهر المذهب ثَمَّ إنها لا تجب، وهاهنا أنها تَجِب، ويدلُّ على الفرق بين البنائين أن الفصل بالعذر ثَمّ لا يقدح على أظهر الطريقين، وهاهنا لا فرق بين أن تفوت الموالاة بعذر أو بغير عذر.
قال في "النهاية": ولولا ذلك لما ضَرَّ الفصل الطويل هاهنا؛ لأن سببه عذر الانفضاض، ولو لم يعد الأولون واجتمع بدلهم أربعون فلا بد من استئناف الخطبة، طال الفصل أو لم يطل، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
ولو انفضوا بعد الفراغ من الخطبة نظر، إن عادوا قبل طول الفصل صلى الجمعة بتلك الخطبة، وإن عادوا بعد طول الفصل ففي اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة قولان كاشتراطهما في الخطبة، والأصح الاشتراط، وشبهوا الخطبة والصلاة بالصلاتين المجموعتين تجب الموالاة بينهما، فعلى هذا لا تمكن الصَّلاة بتلك الخطبة، وعلى الأول تمكن ثم إن المزني نقل في "المختصر" عن الشافعي -﵁- أنه قال في هذه الصورة: أحببت أن يبتدئ الخطبة ثم يصلي الجمعة، فإن لم يفعل صَلَّى بهم الظهر، واختلف الأصحاب فيه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يجب أن يعيد الخُطْبة، ويصلي بهم الجُمُعَة؛ لأنه متمكن من إقامتها فلا سبيل إلى تركها، وهذا اختيار القفال والأكثرين (٢).
قالوا: ولفظ الشافعي -﵁- (أوجبت)، وأما (أحببت) فهو تصحيف من النَّاقل، أو وهم، وربما حملوا "أحببت" على "أوجبت" وقالوا: كل واجب محبوب كما أن كل محرم مكروه، ولذلك يطلق لفظ الكراهة ويراد به التحريم، وقوله: (وصلى بهم الظهر) حملوه على ما إذا ضاق الوقت.
وقال أبو إسحاق: لا تجب إعادة الخطبة، لكن يستحب، وتجب الجمعة، أما الأول فلأنهم قد ينفضون ثانيًا، فيعذر في ترك إعادتها، وأمَّا الثاني فللقدرة على إقامتها.
وقال أبو علي صاحب "الإفصاح": لا تجب إعادة الخطبة ولا الجمعة، ويستحبان
_________________
(١) في أ (النهاية).
(٢) الأصح قول ابن سريج ومتابعيه، وأن الخطيب يأثم إذا لم يعد، قاله النووي. الروضة (١/ ٥١٤).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
على ما يدل عليه ظاهر النَّص؛ لأنه لا يأمن انفضاضهم ثانيًا لو اشتغل بالإعادة، فيصير ذلك عذرًا في ترك الجمعة، واعلم أن ابن سريج وأبا علي متفقان على وجوب الموالاة بين الخطبة والصلاة، وامتناع بناء الجمعة على الخطبة التي مضت، لكن هذا عذره في تركها جميعًا، وذلك لم يعذره، وأوجب إعادة الخطبة ليصلي الجمعة بها، وأما أبو إسحاق فإنه احتمل الفصل الطويل، وجوز البناء على الخطبة الماضية، وتَحَصَّلَ مما ذكرناه خلاف في وجوب إقامة الجمعة على ما اختصره في "الوسيط"، فقال: وإذا شرطنا الموالاة ولم يعد الخطبة أثم المنفضون، وهل يأثم الخطيب فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه أدى ما عليه والذنب لهم.
والثاني: نعم؛ لتمكنه من الإعادة.
وقوله في الكتاب: (لم يجز) معلَّم بالحاء لما تقدم.
وقوله: "فإن سكت الخطيب " إلى آخره الحكم غير مخصوص بصورة السكوت، بل لو مضى في الخطبة، ثم لما عادوا أعاد ما جرى من واجباتها في حالة الانفضاض كان كما لو سكت.
قال الغزالي: فَلَوِ انْفَضُّوا فِي خِلاَلِ الصَّلاَةِ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ بَطُلَ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ ثَانٍ: لاَ تَبْطُلُ (م) مَهْمَا تَوَفَّرَ العَدَدُ فِي لَحْظَةٍ إِذَا بَقِيَ مَعَ الإِمَامِ وَاحِدٌ عَلَى رَأْيٍ أَوِ اثْنَانِ عَلَى رَأْيٍ، وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ: لاَ تَبْطُلُ بِالانْفِضَاضِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ الجَمَاعَةُ. [وعلى قول رابع لا تبطل مهما توفر العدد، وإن بقي الإمام وحده] (١).
قال الرافعي: لو تحرم بالعدد المعتبر، ثم حضر أربعون آخرون وَتَحَرَّمُوا، ثم انفض الأولون لم تبطل الجمعة، لأن العدد لم يبطل في أي شيء من الصَّلاة، ولا فرق بين أن يكون اللاَّحقون قد سمعوا الخطبة أو لم يسمعوها؛ لأنهم إذا لحقوا والعدد تَام صارَ حكمهم واحدًا، فإذا ثبتوا استمرت الجمعة، كما لو تحرم بثمانين سمعوا الخطبة، ثم انفض منهم أربعون.
قال إمام الحرمين: ولا يمتنع عندي أن يقال: يشترط بقاء أربعين سمعوا الخطبة فلا تستمر الجمعة إذا كان اللاَّحِقُون لم يَسْمَعُوها، وإن انفضوا ولحق أربعون على الاتصال فقد قال في "الوسيط": تستمر الجمعة أيضًا، لكن يشترط هاهنا أن يكون اللاَّحِقُون ممن سمعوا الخطبة، وإن انفضوا ونقص العدد في باقي الصَّلاة أو في شيء من هذه مسألة الكتاب، وفيها قولان؛ ومنهم من أضاف إليها قولًا ثالثًا، ونذكره بعد توجيه القولين وتفريعها.
_________________
(١) سقط في الأصل ومثبت من ط، ز.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وأصحهما -وبه قال أحمد-: أن الجمعة تَبْطُلُ، ويشترط العدد في جميع أجزاء الصَّلاة، لأنه شرط في الابتداء، فيكون شرطًا في سائر الأجزاء كالوقت، ودار الإقامة، ولأن الانفضاض لا يحتمل في شيء من الخطبة التي هي مقدمة الصَّلاة، فلأن لا يحتمل في نفس الصَّلاة كان أولى.
والثاني: لا تبطل، ولا يشترط استمرار العدد في جميع الصلاة، لما روي: "أَنَّهُمْ انْفَضُّوا عَن النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (١) الآية". ثم إنه بني على الصَّلاة، وأيضًا فإن بقاء العدد عنده لا يتعلق باختيار الإمام، وفي الابتداء يمكن تكليفه بأن لا يتحرم حتى يحضروا، والشيء قد يشترط في الابتداء ولا يشترط في الدوام كالنِّيَّةِ في الصَّلاة وغيرها.
التفريع: إن شرطنا دوام العدد فلو تَحرَّم الإمام وتباطأ المقتدون ثم تحرموا نظر إن تأخر تحرمهم عن ركوعه فلا جمعة، وإن لم يتأخر عن الركوع فعن القفال: أن الجمعة صحيحة، وعن الشيخ أبي محمد: أنه يشترط أن لا يطول الفصل بين تحرمهم وتحرمه.
وقال إمام الحرمين: الشرط أن يَتَمَكَّنُوا من إتمام قراءة الفاتحة، وإذا حَصَلَ ذلك فلا يضر الفَصْل، وهذا أصح عند حُجَّة الإِسْلاَم، وإن قلنا: لا يشترط دوام العدد فهل يشترط دوام الجماعة أم له إتمام الجمعة وإن بقي وحده؟ فيه قولان:
أظهرهما: أنه يشترط؛ لأن الجمعة صَلاةٌ تجمع الجماعات، والغرض منها إقامة الشَّعار، وإظهار اتفاق الكلمة كما سبق، فإن احتمال اختلال العدد فلا ينبغي أن يحتمل اختلال أصل الجماعة، وعلى هذا ففي العدد المشروط بقاؤه قولان:
الجديد: أنه يشترط بقاء اثنين؛ ليكونوا معه ثلاثة فإنها الجمع المطلق.
والقديم: أنه يكفي بقاء واحد معه لأنَّا الاثنين فما فوقهما جماعة (٢)، وهل يشترط أن يكون الواحد والاثنان على اختلاف هذين القولين على صفات الكمال.
قال في "النهاية": الظاهر أنه يشترط ذلك كما يشترط كونهم على صفات الكمال في الابتداء، وعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل خلافه فإنا إذا اكتفينا باسم الجماعة فلا يبعد أن نعتبر صفات الكمال.
_________________
(١) متفق عليه من رواية جابر فالبخاري (٩٣٦، ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩) ومسلم (٨٦٣).
(٢) قال النووي: هذا الاحتمال حكاه صاحب "الحاوي" وجهًا محققًا لأصحابنا حتى لو بقى صبيان، أو صبي، كفى، والصحيح اشتراط الكمال، قال في "النهاية": احتمال صاحب "التقريب" غير معتد به. الروضة (١/ ٥١٥).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
والقول الثاني: أنه لا يشترط بقاء الجماعة، بل لو بقي وحده كان له أن يتم الجمعة؛ لأن الشروع وقع والشُّروط مَوْفُور فلا يضر الانفراد بالعدد بعده، يحكى هذا عن القول عن تخريج المزني، وذكروا أنّه خرجه من القول القديم في منع الاستخلاف، فإنه إذا أحدث الإمام وقلنا: لا استخلاف يتمونها جمعة، ولم يذكروا في هذا الموضع فَصْلًا بين أن يكون حدثه بعدما صَلُّوا ركعة أو قبله، ثم قال القاضي ابن كج وكثير من أصحابنا: اختلف أئمتنا في تخريجه، فمنهم من سلمه ومنهم من أبى، ولم يثبته قولًا، فهذا شرح القولين في أصل المسألة، وخرج المزني قولًا آخر، وذهب إليه أنه إن كان الانفضاض في الركعة الأولى بطلت الجمعة، وإن كان بعدها لم تبطل، ويتم الإمام الجمعة، وكذا من معه إن بقي معه جَمْع، ووجهه ظاهر قوله -ﷺ-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ اَلْجُمُعَةِ فَليُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى" (١).
وأيضًا فإن المسبوق إذا أدرك ركعةً من الجمعة يتمها جمعة، فكذلك الإمام، وبهذا القول قال مالك وأبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة يكتفي بتقييد الرَّكْعَة بسجدة ولا يعتبر تمامها، واختلف أصحابنا في قبول هذا التخريج أيضًا، منهم من أباه، وقال: المسبوق تَبَعٌ للقوم، وقد صحت لهم جمعة تامة وهاهنا بخلافه، ومنهم من سلمه وعدَّه قولًا آخر، وعلى هذا إذا اختصرت وتركت الترتيب قلت: في المسألة خمسة أقوال:
أظهرها: بطلان الجُمُعَة.
والثاني: إن بقي معه اثنان لم تبطل.
والثالث: إن بقي معه واحدٌ لَمْ تَبْطُل، وهذه الثَّلاثة منصوصةٌ الأولان منها مذكوران في الجديد.
والثالث: في القديم.
والرابع: أنها لا تبطل وإن بقي وحده.
والخامس: الفرق بين أن يكون الانفضاض بعد ركعة أو قبلها، وقد ذكر في الكتاب كلها سوى الرابع منها.
وقوله: (بطل على قول) معلم بالحاء والميم والزَّاي لما حكيناه.
وقوله: (على قول ثَانٍ) لا تبطل بالألف، وكذا قوله: (وعلى قول ثالث لا تبطل).
وقوله: (مهما توفر العدد في لحظة) غير مجرى على إطلاقه، فإنه لا يجوز أن
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٢٦١ ]
يكون اللحظة التي توفر فيها العدد بعد الركوع الأول والضبط فيما قبله ما بيناه.
وقوله: (إذا بقي مع الإمام واحد على رأي واثنان على رأي) يجوز أن يعلم بالواو إشارة إلى القول الرابع، والذي ذكره جواب على قولنا: لأن الجماعة لا يشترط دوامها، وأراد بالرأيين القولين اللذين ذكرناهما، ويجوز أن يعلم قوله: (وعلى قول ثالث) بالواو إشارة إلى الطريقة الممتنعة من إثباته قولًا.
قال الغزالي: الخَامِسُ: فَلاَ يصِحُّ الانْفِرَادُ بِالجُمُعَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) حُضُورُ السُّلْطَانِ فِي جَمَاعَتِهَا وَلاَ إِذْنُهُ (ح).
قال الرافعي: ليس لقائل أن يقول: إذا شرطنا العدد فقد شرطنا الجماعة فلا حاجة إلى إفراد الجماعة وعدها شرطًا برأسه، وذلك لأن العدد والجماعة أمران ينفك كل واحد منهما عن الآخر، أما الجماعة دون العدد فَظَاهِر، إذ ليست الجماعة إلا الارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام والمأموم، وذلك مما لا يستدعي العدد، وأما بالعكس فلأن المراد من العدد حضور أربعين بصفة الكمال، وأنه يوجد من غير جماعة، ثم القول في شرائط الجماعة كما سبق في غير الجمعة، ولا يشترط حضور السلطان ولا إذنه، فيها خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: لا تصح إلا خلف الإمام أو مأذونه، وبه قال أحمد في رواية، والأصَحُّ عنه مثل مذهبنا.
لنا "أَنَّ عَلِيًّا أَقَامَ الْجُمُعَةِ وَعُثْمَانُ -﵄- مَحْصُورٌ" ونقيس على سائر العبادات، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (ولا يشترط) مع الحاء بالألف والواو؛ لأن صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا أن للشافعي قول في القديم مثل مذهب أبي حنيفة.
قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاَثُ مَسَائِلَ: الأُولى: إِذَا كانَ الإمَامُ عَبْدًا أَوْ مُسَافِرًا صَحَّ لِأَنَّهُمَا فِي جُمُعَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَقِيْلَ: لاَ يَصِحُّ إِذَا عَدَدْنَاهُ مِنَ الأرْبَعِيْنَ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَفِّلًا أَوْ صَبِيًّا فَقَوْلاَنِ، وإنْ كَانَ مُحْدِثًا فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ سَهْوًا فَهُوَ كالمُحْدِثِ فِي حَقِّ مَنْ اقْتَدَى بِهِ جَاهِلًا، وَلَو لَمْ يُدْرِكْ مَعَ المُحْدِثِ إِلاَّ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ فَفِي إِدْرَاكِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ذكر ثلاث مسائل تتشعب عن شرط الجماعة.
الأولى في أحوال الإمام، وفيها صور:
إحداها: لو كان إمام الجمعة عبدًا أو مسافرًا نظر إن كان القوم معه أربعين فلا جمعة؛ لما ذكرنا أن يشترط كون الأربعين بصفات الكمال، وإن كانوا أربعين دونه وهو
[ ٢ / ٢٦٢ ]
المقصود من لفظ الكتاب فقد قال في "التهذيب": تصح الجمعة ولم يذكر غير ذلك.
وقال في "النهاية": تبنى على أن الإمام معدود من الأربعين أم لا، فإن قلنا: لا، فلا بأس، وإن قلنا: نعم فوجهان:
أحدهما: لا تصح الجمعة؛ لأنه إذا عد من العدد المعتبر، فيجب أن يكون على صفات الكمال كغيره أو هو أولى بذلك.
وأظهرهما: الصحة؛ لأن العدد قد تَمَّ بصفة الكمال وجمعة العبد والمسافر صحيحة، وإن لم تلزمها، وقد أشار في الكتاب إلى هذا البناء حيث قال: وقيل: لا تصح إذا عددناه من الأربعين جعل هذا الوجه مفرغًا على عده من الأربعين بعدما حكم بالصِّحة على الإطلاق، واعلم أنه لو كان ذلك الخلاف في أن الإمام هل هو واحد من العدد المشروط أم لا؟ لكان هذا البناء واضحًا، ولكن ذلك الخلاف في أنه هل يشترط أن يكون زائدًا على الأربعين أم يُكْتَفَى بأربعين أحدهم الإمام؟ ولا يلزم من الاكتفاء بأربعين أحدهم الإمام أن يكون الإمام واحدًا من العدد المشروط إذا زادوا على الأربعين.
وقوله: (صح) معلم بالميم؛ لأنه روي عن مالك أنها لا تَصِحْ خلف العبد، وبالألف؛ لأن عند أحمد لا تصح خلف المسافر، ولا خلف العبد على قوله: لا تجب الجمعة على العبد وعنه اختلاف رواية فيه سيأتي.
وقوله: (لأنهما في جمعة مفروضة) معناه أنهما إذا صَلَّيَا الجمعة صَحَّت منهما وأجزأت عن فريضة الوقت بخلاف الصّور بعد هذه، وفيه إشارة إلى شيء وهو أن الكلام [فيما] (١) إذا لم يُصَلِّ المسافر والعبد الظهر قبل أن أما في الجمعة فإما إذا صَلَّيا الظهر ثم أمَّا فالاقتداء بهما كالاقتداء بالمتنفل، وسنذكره.
الثانية: لو كان إمام الجمعة صبيًا فهل تصح جمعة القوم؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم قاله في "الإملاء" ووجهه أنه يجوز الاقتداء به في سائر الفرائض فكذلك في الجمعة كالبالغ.
والثاني: لا، قاله في "الأم"؛ لأنه ليس على صفة الكمال، والإمام أولى باعتبار صفة الكمال فيه من غيره، ولأنه لا جمعة عليه وإذا فعلها لا يسقط بها الفرض عن نفسه، إذ لا فرض عليه، بخلاف العبد والمسافر، فإنهما يسقطان بها فرض الظهر، وهذا القول يوافق مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد -﵏-؛ لأنهم منعوا إمامته
_________________
(١) سقط في (ط).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
في سائر الفرائض، ففي الجمعة أولى، ولو كان الإمام متنفلًا فهو على هذين القولين.
وجه المنع أنه لا بد في العدد المشروط من أن يكونوا مصلين فرض الجمعة فكذلك الإمام، ويجوز أن يرتب المتنفل على الصبي، فيقال: إن جاز الاقتداء بالصبي فبالمتنفل أولى، وإلا فقولان:
والفرق أنه من أهل فرض الجمعة ولا نقص فيه.
وما الأظهر من الخلاف في المسألتين؟ رجح الشيخ أبو محمد (١) وأبو القاسم الكرخي وطائفة قول المنع، والحناطي والقاضي الروياني قول الجواز، وهو قضية كلام الأكثرين، وأطبقوا على أن الجواز في المتنفل أظهر منه في الصبي.
وقالوا: هو المنصوص للشافعي -﵁- في صلاة الخوف، قال: لو صَلَّى الإمام الظهر في شدة الخوف [ثم انكشف الخوف] (٢) والوقت باق وقد بقي له أربعون لم يُصَلُّوا الظُّهْر جاز له أن يصلّي بهم الجمعة، ثم قال الإمام: موضع الخلاف في المسألتين، ما إذا تم العدد بصفة الكمال دون الإمام، فأما إذا تَمَّ بالصبي أو المتنفل فلا جمعة؛ ولو صلّوا الجمعة خلف من يصلِّي صُبْحًا أو عصرًا ففيه قولان كما لو صلَّى خلف متنفل، وقيل: يجوز؛ لأن الإمام يصلّي الفرض، ولو صَلُّوها خَلْفَ مُسَافِرٍ يقصر الظُّهْرَ، يجوز إن قلنا: الجمعة ظُهْرٌ مقصورة وإن قلنا: صلاة على حيالها فهو كما لو صَلَّى خلف من يصلي الصبح، ذكر المسألتين صاحب "التهذيب".
الصورة الثالثة: لو بَانَ أن إمام الجمعة كان جنبًا أو محدثًا فإن لم يتم العدد دونه فلا جمعة لهم، وإن تم ففيه قولان:
أحدهما: أنه لا يقدح في صِحَّة جمعة القوم كما في سائر الصلوات.
والثاني: يقدح؛ لأن الجماعة، شرط في الجُمُعَة، والجماعة ترتبط بالإمام والمأمومين، فإذا بَانَ أن الإمام لم يكن مُصَلِّيًّا بَانَ أنه لا جماعة، وأن أحد شروط الجمعة قد فات، بخلاف سائر الصلوات؛ لأن الجماعة غير مشروطة فيها، وغايته أنه صَلَّى منفردًا، ولا شك أن هذا القول أظهر منه في الاقتداء بالصبي والمتنفل، ولذلك قال في الكتاب: هما مرتبان على القولين، ثم هو أصح من مقابله عند الشيخين أبي علي وأبي محمد، وتابعهما صاحب "التهذيب" وجماعة، وذهب العراقيون وأكثر أصحابنا إلى ترجيح القول الأول، ونقلوه عن نَصِّه في "الأم" وأضافوا حكاية الخلاف إلى ابن القاص، واستبعدوه واعترضوا على توجيه قول المنع بأنا لا نسلم أن حدث
_________________
(١) في (ط): أبو حامد.
(٢) سقط في (ط).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الإمام يمنع صحة الجماعة وثبوت حكمها في حق المأموم الجاهل بحاله.
وقالوا: إنه لا يمنع نَيْلَ فضيلة الجماعة في سَائِرِ الصلوات ولا غيره من أحكام الجماعة، وعلى هذا قال في "البيان": لو صلى الجمعة بأربعين فبَانَ أن القوم محدثون صَحَّت صلاة الإمام دونهم، بخلاف ما لو بَانُوا عبيدًا أو نساءًا فإن ذلك مما يسهل الاطلاع عليه، وقياس من يذهب إلى المنع، أنه لا تصح جمعة الإمام لبطلان الجماعة.
الصورة الرابعة: لو قام إمام الجمعة إلى ركعة ثالثةٍ سهوًا فاقتدى به إنسان فيها فهذه المسألة من فروع ابن الحداد، وشرحها الأئمة فقالوا: أولًا: لو فرض ذلك في سائر الفرائض، فقام الإمام إلى ركعة زائدة واقتدى به إنسان فيها وأدرك جميع الركعة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تحسب له؛ لأنها غير محسوبة للإمام، والزيادة يمكن الاطلاع عليها بالمشاهدة وإخبار الغير، فلا يجزئه كما لو اقتدى بالمرأة والكافر.
وأصحهما: أنها تحسب له، فإذا سَلَّم الإمام يتدارك باقي الصلاة، كما لو صَلَّى خلف جُنْبٍ يجزئه، وإن لم تكن تلك الصلاة محسوبة للإمام بخلاف الكافر والمرأة فليس لهما أهلية إمامته بحال، ولهذا لا يَصِح الاقتداء بهما أصْلًا، وهاهنا يصح الاقتداء بهذا السَّاهي، والكلام في أنه هل يصير مدركًا للركعة أم لا؟ هكذا ذكره الشيخ أبو علي -﵁-، وأما في الجمعة فإن قلنا: إنه في غير الجمعة لا يدرك به الركعة فكذلك هاهنا، ولا تحسب بدلًا عن الظهر ولا عن الجمعة، وإن قلنا: يدرك فهل تكون هذه الركعة محسوبة عن الجمعة حتى يضيف إليها أخرى بعد سلام الإمام أو تكون محسوبة عن الظُّهر؟ فيه وجهان بناهما الأئمة على القولين فيما لو بَانَ كون الإمام محدثًا؛ لأن تلك الركعة غير محسوبة من صلاته كركعات المحدث، ولهذا قال في الكتاب: (فهو كالمحدث في حق من اقتدى به جاهلًا) واختار ابن الحداد أنها لا تحسب عن الجمعة واعرف هاهنا أمورًا:
أولها: إنما قال: "جاهلًا" لأنه لو كان عالمًا بأن الإمام قائم إلى الثَّالثة ساهيًا، ومع ذلك اقتدى به لم تنعقد صلاته بحال، كما لو اقتدى بالجنب عالمًا بحاله.
وثانيها: لم يذكروا في المحدث أن صلاة المقتدي منعقدةٌ وأن المأتي به يحسب عن الظهر، حتى لو تبين له الحال قبل سَلاَم الإمام أو بعده على القرب يتمها ظُهْرًا إذا جوزنا بناء الظُّهْرِ على الجُمُعةِ، وقضية التسوية بين الفَصْلَين الانعقاد والاحتساب عن الظهر في المحدث أيضًا.
وثالثها. من قال في مسألة المحدث: الأصح من القولين أن الجمعة غير صحيحة
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال بمثله هاهنا، والذين قالوا: الأصح صحتها منهم من لم يورد هذه المسألة، ومنهم من أوردها، ونقل جواب ابن الحداد من غير نزاع فيه، فيجوز أن يقدر المساعدة على ترجيح المنع هَاهُنَا، ويفرق بأن الحَدَث لا يمكن الاطلاع عله بحال، بخلاف الزيادة على ما سبق، ويمكن أن يعارض هذا بأن المحدث لا صَلاَة له أصلًا، وهذا السَّاهي في الصلاة، لكن ندرت منه زيادة هو معذور فيها، وكأن أولى بأن يصح الاقتداء به والله أعلم.
الخامسة: قال حُجَّةُ الإِسْلام -قدس الله روحه-: ولو لم يدرك مع المحدث إلا ركوع الثانية ففي إدراكه وجهان، وهذا الفرع يتعلق بأصلين.
أولهما: أن المسبوق في صَلاَة الجمعة إن أدرك الإمامَ في ركوع الرَّكْعَة الثَّانية كان مدركًا للجمعة، فإذا سَلَّم الإمام قام إلى رَكْعَةٍ أخرى، وإن أدركه بعد رُكُوعِ الثَّانية لم يكن مدركًا للجمعة، ويقوم بعد سلام الإمام إلى أربع خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يكون مدركًا للجمعة وإن أدركه في التَّشهد أو في سجدتي السَّهْو بعد السَّلام.
لنا ما رُوي عن أبي هريرة -﵁- أنه -ﷺ- قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَمَنْ أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ صَلاَّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا" (١)، وإذا لحق بعد الركوع، فما الذي ينوي؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب "البيان" وغيره:
أحدهما: ينوي الظهر؛ لأنها التي يؤديها.
وأظهرهما: ينوي الجمعة؛ موافقةً للإمام، وهذا هو الذي ذكره القاضي الروياني، ولو صَلَّى مع الإمام ركعة ثم قام وصلّى أخرى، وتذكر في التشهد أنه نَسِيَ سجدةً من إحدى الركعتين نظر، إن تركها من الثانية فهو مدرك للجمعة فيسجد سجدة، ويعيد التشهد، ويسجد للسهو ويسلم، وإن تركها من الأولى أو شك لم يكن مدركًا للجمعة، وحصلت له ركعة من الظُّهْرِ، ولو أدركه في الثَّانية وشك في أنه سجد معه سجدة أو سجدتين، فإن لم يسلم الإمام بعد سجد أخرى، وكان مدركًا للجمعة وإن سلم الإمام سجد أخرى [ولم يكن مدركًا للجمعة؛ لأنه ما أدرك مع الإمام ركعة.
والثاني: أنا ذكرنا في باب الجماعة أن المسبوق إذا أدرك الركوع مع الإمام كان مدركًا] (٢) للركعة وذلك في ركعة محسوبة للإمام، أما إذا لم تكن محسوبة، كما لو أدرك الركوع مع الإمام المحدث أو أدرك الإمام السَّاهي بركعة زائدة في ركوعها، وقلنا: إنه لو أدركها كلها لكانت محسوبة له ففيه وجهان:
_________________
(١) تقدم.
(٢) ما بين المعكوفين سقط من ط.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
أحدهما: أن يكون مدركًا للركعة؛ لأنه لو أدرك كل الركعة لكانت محسوبة له فكذلك إذا أدرك ركوعها كالركعة المحسوبة للإمام.
وأصحهما: أنه لا يكون مدركًا؛ لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع خلاف الحقيقة، إنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوبًا من صلاة الإمام ليتحمل به، فأما غير المحسوب لا يصلح للتحمل عن الغير، ويخالف ما لو أدرك جميع الركعة، فإنه قد فعلها بنفسه، فتصحح على وجه الانفراد، إذا تعذر تصحيحها على وجه الجماعة، ولا يمكن التصحيح هاهنا على سبيل الانفراد فإن الركوع لا يُبتَدَأُ به.
قال الشيخ أبو علي: والوجهان عندي مبنيان على القولين في جواز الجُمُعَةِ خلف الجنب والمحدث، ووجه الشبه أن المقتدي [في القولين في جميع الركعة في الجمعة كالمقتدي في الركوع في سائر الصلوات؛ لأنه بالاقتداء] (١) يسقط فرضًا عن نفسه، ولو كان منفردًا للزمه وهو رد الأربع إلى ركعتين، كما أن المقتدي في الركوع يسقط فرضًا عن نفسه وهو القيام والقراءة في تلك الركعة، فإن قلنا: يصح الاقتداء بالمحدث لإسقاط فرض الانفراد في الجمعة، فكذلك هَاهُنَا، وإلا فلا.
إذا عرف ذلك، فنقول: لو لم يدرك في الجمعة مع الإمام إلا ركوع الثانية، ثم بَانَ أن الإمام كان محدثًا، فإن قلنا: إنه لو أدرك جميع الركعة معه لم يكن مدركًا ركعة من الجمعة، فهاهنا أولى، وإن قلنا: ثم يكون مدركًا ركعة من الجمعة فهاهنا وجهان، إن قلنا: إن مدرك الركوع مع الإمام المحدث مدرك للركعة فكذلك هاهنا، وإلا فلا.
ثم قوله: (ولو لم يدرك مع المحدث إلا ركوع الثانية) يعني: لم يدرك شيئًا قبله، فأما ما بعد الركوع من أركان الركعة لا بد من إدراكها مع الإمام، أو قبل سلامه إن فرض زحام أو نسيان، وتخلف لذلك.
وقوله: (ففي إدراكه وجهان) أي في إدراكه الجمعة، ولو حمل على الخلاف في إدراك الركعة لم يكن للتخصيص بركوع الثانية معنى.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ إِذَا أَحْدَثَ الإمَامُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا فَاسْتَخْلَفَ مَنْ كَانَ اقْتَدَى بِهِ وسَمِعَ الْخُطْبَةَ صَحَّ اسْتِخْلافُهُ فِي (٢) الْجَدِيدِ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الخُطْبَةَ فَوَجْهَانِ، وَلاَ يَشْتَرِطُ اسْتِئنَافُ نيَّةِ القُدْوَةِ بَلْ هُوَ خَلِيفَةُ الأوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفِ الإمَامُ فَتَقْدِيمُ القَوْمِ كَاسْتِخْلاَفِهِ (ح) بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنَ اسْتِخْلافِهِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ فَلَهُمْ الانْفِرَادُ بِهَا كَالْمَسْبُوقِ.
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) في أ (علي).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
قال الرافعي: إذا خرج الإمام عن الصَّلاة بحدثٍ أو غيره، وأراد أن يستخلف فذلك إما أن يكون في غير الجمعة أو فيها، والمذكور في الكتاب هو القسم الثاني، فنذكر الأول على الاختصار، ثم نعود إلى شرح الثاني، فنقول: إذا أحدث الإمام في سائر الصلوات ففي جواز الاستخلاف قولان، قال: في القديم: لا يجوز ذلك، "لِأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَحْرَمَ بِالنَّاسِ. ثم ذكر أنه جنب، فذهب واغتسل، ولم يستخلف، ولو كان الاستخلاف جائزًا لأشبه أن يستخلف، ولأنها صلاة واحدة فلا تجوز بإمامين، كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة، وقال في الجديد يجوز؛ وهو أصح الروايتين عن أحمد، وبه قال مَالِك وأبو حنيفة -﵏- لأنها صلاة بإمامين على التعاقب، فيجوز كما أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -﵁- كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَدَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَجَلَسَ إِلَى جَنْبهِ، فَاقْتَدَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ (١). وفي "النهاية": أن من الأصحاب من قطع بجواز الاستخلاف في سائر الصلوات، وخص القولين بالجمعة، والمشهور طرد القولين.
التفريع إن لم نجوز الاستخلاف أتم القوم الصَّلاة وحدَانًا، وإن جوزناه فيشترط أن يكون المستخلف صالحًا لإمامة القوم، فلو استخلف امرأةً فهو لغوٌ ولا تبطل صلاتهم إلا أن يقتدوا بها، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تبطل بنفس الاستخلاف صلاتهم وصلاته (٢).
قال في "النهاية": ويشترط أن يجري الاستخلاف على قرب، فلو قضوا على الانفراد ركنًا امتنع الاستخلاف بعده، وهل يشترط أن يكون الخليفة ممن اقتدى بالإمام قبل حدثه؟ قال أكثر أصحابنا من العراقيين وغيرهم، إن استخلف في الركعة الأولى، أو [الثالثة] (٣) من الصلوات الرباعية من لم يقتد به جاز؛ لأنه لا يخالفهم في الترتيب، وإن استخلف في الثانية أو الرابعة، أو في الثالثة من المغرب لم يجز؛ لأنه يحتاج إلى القيام، وعليهم القعود فيختلف الترتيب بينهم، وأطلق جماعة من الأئمة اشتراط كون الخليفة ممن اقتدى به، وهذا ما ذكره إمام الحرمين -﵁- مع زيادة فقال: لو أمره الإمام فتقدم لم يكن هذا استخلافًا ولا هو خليفة، وإنما هو عاقد لنفسه صلاة جار على ترتيبه فيها، لو اقتدى القوم به فهو اقتداء منفردين في أثناء الصَّلاة، وقد سبق الخلاف فيه في موضعه، وهذا قدوتهم انقطعت بخروج الإمام عن الصَّلاة، ولم يخلفه أحد ولا يشترط أن يكون الخليفة ممن اقتدى به في الركعة الأولى، بل يجوز استخلاف المسبوق، ثم عليه أن يراعيَ نَظْمَ صلاة الإمام، فيقعد في موضع قعوده، ويقوم في
_________________
(١) تقدم.
(٢) في (ب): وصلاتها.
(٣) في أالثانية.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
موضع قيامه، كما كان يفعله لو لم يخرج الإمام من الصلاة؛ لأنه بالاقتداء به التزم ترتيب صلاته حتى إنه لو لحق الإمام في الثانية من الصبح ثم أحدث الإمام فيها، واستخلفه قنت، وقعد فيها للتشهد، وإن كانت (١) أولاه، ثم يقنت في الثانية لنفسه، ولو كان الإمام قد سَهَا قبل اقتدائه أو بعده، سجد في آخر صلاة الإمام وأعاد في آخر صلاة نفسه على القول الأصح، وإذا تمت صَلاةُ الإمَام قام ليَتَدَارَكَ ما عليه، وَهُمْ بالخيار إن شاؤوا فارقوه وسلموا، وإن شاؤوا صبروا جَالسَين ليُسَلِّموا معه، هذا كله إذا عرف المسبوق نظم صلاة الإمام، فإن لم يعرف، فقد ذكروا فيه قولين (٢) عن حكاية صاحب "التلخيص" وعن الشيخ أبي محمد أنهما لابن سريج، لا للشافعي -﵁-، فإن جَوَّزْنَا تراقب القوم إذا أتم الركعة أن هَمُّوا بالقيام قام، وإلا قعد، وَسَهْوُ الخَلِيفَةِ قبل حَدَثِ الإمام يحمله الإمام، وسهوه بعد حدثه يقتضي السُّجُود عليه وعلى القوم وسهو القَوْمِ قبل حدث الإمام وبعد الاستخلاف محمول، وبينهما غير محمول، بل يسجد السَّاهي عند سلام الخليفة.
القسم الثاني: أن يقع ذلك في صلاة الجمعة، ففي جواز الاستخلاف القولان إن لم تجز فينظر، إن أحدث في الركعة الأولى أتم القوم صلاتهم ظُهْرًا، وإن أحدث في الثانية أتمها جمعة من أدرك معه ركعةً كالمسبوق، هذا هو المشهور، وعن الشيخ أبي محمد أنهم يتمونها جمعة، وإن كان الحدث في الركعة الأولى؛ تخريجًا من أحد الأقوال في مسألة الانفضاض، وهو أن جمعة الإمام تصح، وإن انفضوا في الركعة الأولى وبقي وحده، وذكر ابن الصباغ وغيره: أن المزني نقل هذا القول في "جامعه الكبير"، وعن صاحب "الإفصاح" أنهم وإن أدركوا ركعةً يتمونها ظُهْرًا، لا جمعة، بخلاف المسبوق؛ لأن الجمعة قد كملت بغيره فجعل تابعًا لهم، وهذا الوجه قضية القياس عند إمام الحرمين، تخريجًا على أحد الأقوال في الانفضاض، وهو أن الإمام يتم الظهر وإن انفضوا في الثَّانية، وذلك لأن الإمام لأن ركن الجماعة في حَقِّ القوم، كما أنهم ركن الجماعة في حقه، فخروجه عن الصلاة في حقهم كانفضاضهم في حقه، وأما إذا جوزنا الاستخلاف فلا فرق فيه بين أن يسبقه الحدث، أو يحدث عمدًا، أو يخرج من الصَّلاة بلا سبب، وكذلك في سائر الصلوات.
وقال أبو حنيفة: إنما يجوز له الاستخلاف إذا جاز له البناء على صلاته، كسبق الحدث؛ فإما إذا تعمد بطلت صلاةُ القومِ أيضًا، ثم إذا استخلف [فلا يخلو؛ إما أن
_________________
(١) في (ط): وإن كان.
(٢) قال النووي: أرجحهما دليلًا أنه لا يصح. وقال الشيخ أبو علي السنجي: أصحهما جوازه. ينظر الروضة (١/ ٥١٩).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
يستخلف] (١) من اقتدى به قبل حدثه، أو يستخلف غيره، فإن استخلف غيره لم يصح، ولم يكن لذلك الغير أن يصلي الجمعة.
واحتجوا عليه بأنه لا يجوز ابتداء جمعة بعد انعقاد جمعة، ولو صَحَّ منه الجمعة لكان مبتدئًا بها بعد انعقاد جمعة الإمام، والقوم بخلاف المأموم يدخل في صلاة الجمعة فإنه تابع للقوم لا مبتدئ، ثم قال إمام الحرمين: في صِحَّة ظُهْرِه خلافٌ مَبْنِيٌّ على أن الظُّهْرَ هل تصح قبل فوات الجمعة أم لا؟ إن قلنا: لا تَصِح فهل تبقى نفلًا؟ فيه قولان: فإن لم تَصَحِّح صلاتَه، واقتدى به القوم بَطَلَتْ صلاتُهم، وإن صَحَّحْنَاهَا وكان ذلك في الرَّكعَة الأولى فلا جُمُعَةَ لهم، وفي صحة الظّهر خلاف مبني على أن الظهر هل تَصِح بنية الجمعة أم لا، وإن كان في الركعة الثانية، واقتدوا به كان هذا اقتداء طارئًا على الانفراد، وفيه الخلاف البخاري في سَائِرِ الصَّلوات؛ وفيه شيء آخر وهو الاقتداء في الجمعة بمن يصلي الظّهر، أو النافلة، وقد قدمنا الخلاف فيه، وإن استخلف من اقتدى به قبل الحدث، فينظر، إن لم يحضر الخطبة ففي جواز استخلافه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لو استخلف بعد الخطبة من لم يحرضها ليصلي بهم لا يجوز.
وأصحهما: الجواز؟ لأنه بالاقتداء صار في حكم من سمع الخطبة، ألا ترى أنه لو لم بحدث الإمام صحت له الجمعة كالسامعين، والصَّيْدَلاَنِيُّ جعل هذا الخلاف قولين ونقل المنع عن البويطي والجواز عن أكثر الكتب، وإن كان قد حضر الخطبة أو لم يحضرها، وفرعنا على أنه يجوز استخلافه فينظر، إن استخلف من أدركه في الركعة الأولى جاز، ويتم لها الجمعة، سواء أحث الإمام في الأولى أو الثانية.
وعن صاحب "الإفصاح" وجه آخر: أنه يصلي الظهر والقوم يصلون الجمعة، وإن استخلف من أدركه في الرَّكعة الثانية، فقد قال إمام الحرمين: هذا يترتب على أنه هل يجوز استخلاف من لم يسمع الخطبة؟ إن قلنا: لا يجوز، فلا يجوز استخلاف المسبوق، وإن قلنا: يجوز ففيه قولان:
أحدهما: المنع؛ بناء على أنه غير مدرك للجمعة على ما سيأتي.
وأظهرهما -الذي ذكره الأكثرون-: الجواز، فإن الخليفة الذي كان مقتديًا بالإمام بمثابة الإمام، فعلى هذا القوم يصلّون الجمعة، وفي "الحلية" وجهان، رواهما صاحب "البيان".
_________________
(١) سقط في (ب).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
أحدهما: أنه يتمها جمعة أيضًا؛ لأنه صلى ركعة من الجمعة في جماعه فيتم الجمعة كما لو صَلَّى ركعة منها، مأمومًا، وكما لو أدرك الإمام في ركوع الركعة الأولى، واستخلفه الإمام في تلك الركعة يتمها جمعة، وإن لم يدرك مع الإمام ركعة.
وأصحهما: وهو المنصوص واختيار ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه لا يتم الجمعة، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة بخلاف المأموم فإنه إذا أدرك ركعة جعل تبعًا للإمام في إدراك الجمعة، والخليفة إمام لا يمكن جعله تبعًا للمأمومين، وبخلاف الصورة الأخرى؛ لأن هناك إدراك الإمام في وقت كانت جمعة القوم موقوفة على الإمام، وهاهنا أدركه في وقت لم تكن الجمعة موقوفة على الإمام الجواز أن يتموها فرادى، وكان ذلك الإدراك آكد وأقوى، وعلى هذا فهل يجوز ظهره؟ حكى الصيدلاني وغيره عن ابنِ سُرَيْجٍ أنه قال: يحتمل أن يكون في جواز ظهره قولان؛ لأن الجمعة لم تفت بعد وأدى الظهر مع إمكان الجمعة، وأنه كان بسبيل من أن لا يتقدم حتى يتقدم من أدرك الركعة الأولى، فتصح جمعته خلفه، وأيضًا ففي صحة الظهر بنية الجمعة إذا تعذرت اختلاف، ويحتمل أن يقال: يجوز ظهره قولًا واحدًا، وهو معذور في التقدم عند إشارة الإمام، وهذا أظهر عند الأكثرين، فإن قلنا: لا يجوز ظهره فهل تنقلب صلاته نفلًا أو تبطل؟ فيه قولان: إن قلنا: تبطل فهذا مصير إلى منع استخلاف المسبوق، وهو القول الأول الذي نقلناه؛ لأن من تبطل صلاته يستحيل تقديره إمامًا، وإذا جوزنا الاستخلاف والخليفة المسبوق يراعي نظم صلاة الإمام، فيجلس إذا صلى ركعة، ويتشهد، فإذا بلغ موضع السلام أشار إلى القوم، وقام إلى الركعة أخرى إن قلنا: هو مدرك للجمعة، وإلى ثَلاثٍ إن قلنا: إن صلاته ظهر، والقوم بالخيار، إن شاؤوا فارقوه وسلموا، وإن شاؤوا ثبتوا جالسين حتى يسلم بهم، ولو دخل مسبوق واقتدى به في الركعة الثَّانية التي استخلف فيها صحت له الجمعة، وإن لم تصح للخليفة حكى ذلك عن نَصِّ الشافعي -﵁-؛ لأنه صلَّى ركعة خلف من يراعي نظم صلاة إمام الجمعة، بخلاف الخليفة لم يصل ركعة مع إمام الجمعة، ولا خلف من يراعي نظم صلاته، قال الأئمة: وهذا تفريع على أن الجمعة خلف من يصلي الظهر صحيحة، وتصح صلاة الدين أدركوا ركعة مع الإمام الأول بكل حال؛ لأنهم وإن انفردوا بالركعة الثانية كانوا مدركين للجمعة، فلا يضر اقتداؤهم فيها لمن يصلي الظهر، أو يتنفل.
وقوله في الكتاب: (سهوًا أو عمدًا) لفظ (العمد) معلم بالحاء، لما تقدم.
وقوله: (من كان قد اَقتدى به في هذا التقييد) إشارة إلى أنه لا يجوز أن يستخلف غير المقتدي.
وقوله: (صح استخلافه) يجوز أن يعلم بالألف؛ لما حكينا من إحدى الروايتين عن أحمد.
[ ٢ / ٢٧١ ]
وقوله: وسمع الخطبة وإن لم يسمعها، المراد منه الحضور، ونفس السماع ليس بشرط بلا خلاف، وصرح به الأئمة.
ثم في الفصل صور تتفرع على جواز الاستخلاف.
احداها: إذا استخلف الإمام فهل يشترط استئنافه نية القدوة؟ ذكر في "التهذيب" في اشتراطه وجهين في سائر الصلوات، ولا شك في طردهما في الجمعة.
أحدهما: نعم؛ لأنهم بعد خروج الإمام من الصَّلاَة قد انفردوا، ألا ترى أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يشترط؛ لأن الغرض من الاستخلاف إدامة الجماعة التي كانت، وتنزيل الخليفة منزلة الأول، ولهذا يراعي نَظْم صلاته، ولو استمر الإمام الأول لم يحتج القوم إلى تجديد نية، فكذلك الآن.
الثانية: لو لم يستخلف الإمام قدم القوم بالإشارة واحدًا، ولو تقدم واحد بنفسه جاز أيضًا، بل تقديم القوم أولى من استخلاف الإمام، لأنهم في الصَّلاة، والإمام قد خرج منها، ولهذا قال إمام الحرمين: لو قدم القوم واحدًا والإمام آخر فأظهر الاحتمالين أن من قدمة القوم أولى، وحكى المسعودي وغيره من أصحابنا عن أبي حنيفة أنه يشترط أن يكون تقدم الخليفة بإذن الإمام، وأن القوم لا يستقلون بالتقديم، وفي "مختصر الكرخي" خلاف ذلك -والله أعلم-.
الثالثة: لو لم يستخلف الإمام ولا قدَّم القوم ولا تقدم أحد فالحكم على ما ذكرنا؛ تفريعًا على القديم.
قال الأئمة: ويجب على القوم تقديم واحد إن كان خروجه من الصَّلاة في الركعة الأولى، ولم يستخلف، وإن كان في الثانية لم يجب التقديم ولهم الانفراد بها كالمسبوق، وقد حكينا في الطريقين خلافًا تفريعًا على القديم، فيتجه عليه الخلاف في الوجوب وعدمه، هذا كله إذا أحدث في أثناء الصَّلاة، أما لو أحدث بين الخطبة والصلاة، وأراد أن يستخلف غيره ليصلي بالناس إن قلنا: يجوز الاستخلاف في الصَّلاة فيجوز ذلك، إلا فلا يجوز أن يخطب واحد ويؤم آخر؛ لأن الخطبتين في الجمعة بمثابة ركعتين من الصلاة، فعلى هذا إن وسع الوقت خطب بهم آخر، وصَلَّى، وإلا صلُّوا الظهر.
ورتب بعضهم الخلاف في هذه الصورة على الخلاف في الاستخلاف في الصَّلاة، ثم أختلفوا فمنهم من جعل هذه الصورة أولى بالجواز؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصَّلاة والصلاة عبادة واحدة فيكون احتمال التعدد فيها أبعد، وعكس الشيخ أبو حامد فجعل
[ ٢ / ٢٧٢ ]
هذه الصورة أولى بالمنع؛ لأن عقد الصَّلاة قد نظم الإمام والخليفة، وهي عبادة واحدة، والخطبة والصلاة متميزتان ليس لهما عقد متحد ينظمهما، ثم إذا جوزنا فالشرط أن يكون الخليفة ممن سمع الخطبة؛ لأن من لم يسمع ليس من أهل الجمعة، ألا ترى أنه لو بادر قَوْمٌ من السامعين بعد الخطبة إلى عقد الجمعة انعقدت لهم، بخلاف غيرهم، وإنما يصير غير السامع من أهل الجمعة إذا دخل في صلاة الإمام، هكذا قاله الجمهور، وذكر صاحب "التتمة" فيه وجهين:
ولو أحدث في أثناء الخطبة وشرطنا الطهارة فيها، فهل يجوز الاستخلاف؟ إن قلنا: لا يجوز في الصَّلاَةِ فَلاَ، وإن قلنا يجوز: فوجهان، حكاهما ابنُ الصَّبَّاغِ.
أصحهما: الجواز كما في الصَّلاة.
فرع: لو صلى مع الإمام ركعة من الجمعة، ثم فارقه بعذر أو بغير عذر، ولم تبطل صلاته جاز له أن يتمها جمعة كما لو أحدث الإمام.
فرع: لو أتم الإمام ولم يتم المأمومون فأرادوا أن يستخلفوا من يتم بهم، إن لم تجوز الاستخلاف للإمام، لم يجز لهم، وإن جوزنا فإن كان في الجمعة، بأن كانوا مسبوقين لم يجز؛ لأن الجمعة لا تنشأ بعد الجمعة، والخليفة مُنْشِئ، وإن كان في غيرها، فإن كانوا مسبوقين أو مقيمين وهو مسافر فوجهان:
أظهرهما: المنع؛ لأن الجماعة قد حصلت في كمال الصلاة، وهم إذا أتموا فرادى نالوا فَضْلَها.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ إِذَا زُوحِمَ المُقْتَدِي عَنْ سُجُودِ الرَّكْعَةِ الأُولَى فَانْتَظَرَ التَمَكُّنَ فَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِ الإِمَامِ وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ كَانَ مَعْذُورًا فِي التَّخَلُّفِ، وَإِنْ وَجَدَ الإمَامَ رَاكعًا عِنْدَ فَرَاغهِ مِنَ السُّجُودِ الْتَحَقَ بِالْمَسْبُوقِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ حَتَّى تَسْقُطَ القِرَاءَةُ عَنْهُ لِلْرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ وَجَدَ الإمَامَ فَارِغًا مِنَ الرُّكُوعِ وَقُلْنَا: إنَّهُ كَالمَسْبُوقِ فَهَاهُنَا يُتَابع الإِمَامُ فِي فِعْلِهِ لَكِنْ يَقُومُ بَعْدَ سَلاَمِ الإمَامِ إلَى رَكْعَةٍ ثَانِيَة، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ كَالمَسْبُوقِ فَيَشْتَغِلُ بِتَرْتِيبِ صَلاَةِ نَفْسِهِ وَيَسْعَى خَلْفَ الإِمَامِ وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ.
قال الرافعي: هذا ابتداء مسألة الزحام، وهي موصوفة بالإشكال لانشعاب حالاتها وطول تفاريعها: ونحن نلخصها، ونوضح ما في الكتاب منها بحسب الإمكان.
فنقول: إذا منعته الزحمة في الجمعة عن أن يسجد على الأرض مع الإمام في الركعة الأولى، نظر إن أمكنه أن يسجد على ظهر إنسان أو رجله لزمه ذلك؛ لأنه مُتَمَكِّن من ضرب من السجود يجزئه، وقد روي عن عمر -﵁- أنه قال:
[ ٢ / ٢٧٣ ]
"إِذَا زُوحِمَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ" (١). وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك يصبر ولا يسجد على ظهر الغير، ونقل المحاملي وغيره وجهًا أنه يتخير بين أن يسجد على ظَهْرِ الغير متابعةً للإمام، وبين أن يصبر ليحصل له فضيلة السجود على الأرض، والمذهب الأول، ثم قال مُعْظَمُ الأصْحَابِ: إنما يسجد على ظهر الغير إذا قدر على رعاية هيئة الساجدين، بأن كان على نشز من الأرض، والسجود على ظهره في موضع منخفض، فإن لم يكن كذلك لم يكن المأتي به سجودًا، وفي "العدة": أنه لا يضر ارتفاع الظَّهْر، والخروج عن هيئة الساجدين لمكان العذر، وقد ذكر صاحب "الإفصاح" ذلك، وإذا تمكن من السجود على ظهر الغير فلم يفعل، ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد:
وأظهرهما: أنه تخلف بغير عذر.
والثاني: أنه تخلف بالعذر، وقد سبق حكم القسمين، أما إذا لم يمكنه أن يسجد على الأرض ولا على ظهر الغير، فلو خرج عن المتابعة لهذا العذر، وأراد أن يتمها ظهرًا، هل يصح؟ فيه قولان؛ لأنه ظُهْرٌ قبل فوات الجمعة، وسيأتي الخلاف فيه، قال الإمام: ويظهر عندي منعه من الانفراد؛ لأن إقامة الجمعة واجبةٌ، والخروج عنها قصدًا مع توقع إدراكها لا وجه له، فإذا دام على المتابعة فما الذي يفعل: ذكر في "النهاية": أن شيخه حكى فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يومئ بالسجود أقصى ما يمكنه كالمريض لمكان العذر.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه ينتظر التمكن، ولا يومئ لقدرته على السجود، وندور هذا العذر وعدم دوامه.
والثالث: أن يتخير بينهما، وهذه الوجوه كالوجوه في المغازي أنه يقعد ويومئ، أو يقوم ويتم الأركان، أو يتخير بينهما، وإذا فرعنا على الصحيح، وهو أنه ينتظر، فلا يخلو إما أن يتمكن من السجود قبل ركوع الإمام في الثانية، أو لا يتمكن إلى ركوعه فيها، فأما في القسم الأول فيسجد كما تمكن، ثم إذا فرغ فللإمام أحوال أربعة:
إحداها: أن يكون بعد في القيام فيفتتح القراءة، فإن أتمها ركع معه، وجرى على متابعته، ولا بأس بما وقع من التخلف للعذر كما في صلاة عسفان يسجد الحارسون بعد قيام الإمام إلى الثانية للعذر، كما سيأتي في صلاة الخوف، وإن ركع الإمام قبل أن ينسها، فيبنى حكمه على وجهين نذكرهما في أنه هل يلتحق بالمسبوق أم لا؟ وقد بَيَّنَّا
_________________
(١) أخرجه البيهقي بإسناد صحيح، انظر خلاصة البدر (١/ ٢٢٣) والتلخيص (٢/ ٧٣).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
حكم المسبوق وغيره في ذلك في صلاة الجماعة (١).
الثانية: أن يكون في الركوع، ففيه وجهان:
أصحهما: عند الجمهور أنه يدع القراءة ويركع معه؛ لأنه لم يدرك محلها فسقطت عنه كالمسبوق.
والثاني -وهو اختيار القفال وجماعة-: أنه لا يدعها، ولا تسقط عنه؛ لأنه مؤتم بالإمام في حال قراءته، فلزمته بخلاف المسبوق، فعلى هذا يقرأ ويسعى خلف الإمام، وهو متخلف بالعذر.
الثالثة: أن يكون فارغًا من الركوع، لكنه بَعُد في الصلاة؛ فإن قلنا: في الصورة السابقة: إنه كالمسبوق فيتابع الإمام فيما هو فيه، ولا يكون محسوبًا له، بل يقوم عند سلام الإمام إلى ركعة ثانية، وإن قلنا: ليس كالمسبوق فيشتغل بترتيب صلاة نفسه، وحكى في "النهاية" طريقة أخرى أنه ليس له في هذه الصورة إلا متابعة الإمام.
الرابعة: لو وجد الإمام متحللًا من صلاته، لا يكون مدركًا للجمعة، فإن الإمام قد خرج من الصَّلاة قبل أن تتم له ركعة، بخلاف ما إذا رفع رأسه من السجود وسلم الإمام في الحال، قال إمام الحرمين: وإذا جوزنا له التخلف، وأمرناه بالجريان على ترتيب صلاة نفسه فالوجه أن يقتصر على الفرائض، فعساه يدرك الإمام، ويحتمل أن يجوز له الإتيان بالسنن مع الاقتصار على الوسط منها، وهذه الأحوال مذكورة في الكتاب سوى الرابعة منها، وإنما تكلم في الصورة التي يقع فيها هذه الأحوال، وهي أن تمنعه الزحمة من مطلق السجود دون أن تمنعه من السجود على الأرض، خاصة وقوله: (وقلنا: إنه كالمسبوق فهاهنا يتابع الإمام) يجوز إعلامه بالواو للطريقة التي حكاها الإمام أنه يتابع بلا خلاف.
قال الغزالي: أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى رَكَعَ الإمَامُ فَقَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا) يَرْكَعُ مَعَهُ وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ إِما مُلَفَّقَةٌ مِنْ هذَا السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ الأَوَّلِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَإِمَّا مَنْظُومَةٌ مِنْ هذَا الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالمُلَفَّقَةِ، فَهَلْ تَصْلُحُ لِإدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِهَا؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ خَالَفَ أَمْرَنَا وَلَمْ يَرْكَعْ مَعَ الإِمَامِ لَكنْ سَجَدَ بَطُلَت صَلاَتهُ إلاَّ إِذَا كَانَ جَاهِلًا فَيُجْعَلُ كأَنْ لَمْ يَسْجُدْ، وَيَنْظُرُ بَعْدُ فَإِنْ رَاعَى تَرْتِيبَ صَلاَةِ نَفْسِهِ فَإِذَا سَجَدَ فِي رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ حَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ فِيهَا نُقْصَانُ التَّلْفِيقِ وَنُقْصَانُ
_________________
(١) قال النووي: أصحهما عند الجمهور له حكمه. الروضة (١/ ٥٢٤).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
القُدْوَةِ الحُكْمِيَّةِ لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ الثَّانِي لِلْإِمَامِ، وَهَلْ تَصْلُحُ الحُكْمِيَّةُ لإدْرَاكِ الجُمُعَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَمَّا إِذَا تَابَعَ الإمَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سُجُودِهِ الَّذِي سَهَا بِهِ فَقَدْ سَجَدَ مَعَ الإمَامِ حِسًّا وَتَمَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ.
قال الرافعي: القسم الثاني: أن لا يتمكن من السجود حتى يركع الإمام في الثَّانية، وفيما يفعل والحالة هذه؟ قولان:
أصحهما -وبه قال مالك وأحمد، واختاره القَفَّالُ-: أنه يتابعه فيركع معه لظاهر قوله: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فارْكَعُوا" (١) ولأنه أدرك الإمام في الركوع فيركع معه كالمسبوق.
والثاني -وبه قال أبو حنيفة-: لا يركع معه بل يراعى ترتيب [صلاة نفسه] (٢) فيسجد لقوله -ﷺ-: "وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا" (٣). وقد سجد الإمام في الأولى فليسجد هو امتثالًا للأمر، ولأنه لو ركع لكان مواليًا بين ركوعيه في ركعة واحدة، قال الرُّوَيانِيُّ: وهذا أصح.
التفريع: إن قلنا بالأول فإما أن يوافق ما أمرناه به، أو يخالف.
الحالة الأولى: أن يوافق فيركع فأي الركوعين يحسب له، فيه وجهان، وقيل: قولان.
أحدهما: الأول؛ لأنه أتى به في وقت الاعتداد بالركوع، وإنما أتى بالثاني لِعُذْرٍ، وهو موافقة الإمام، فأشْبَه ما لو وإلى بين ركوعين نَاسِيًا.
والثاني: المحسوب الثاني؛ لأن المدة قد طالت وأفرط التخلف، فكأنه مسبوق لحق الآن فيحسب له الركوع وما بعده، ويلغى ما سبق، وذكروا أن منشأ هذا الخلاف التردد في تفسير لفظ الشافعي -﵁- فإنه قال على هذا القول: "فيركع معه في الثَّانية وتسقط الأخرى" فَمِنْ قَائِل: أراد بالأخرى الأخيرة، ومِن قَائِلٍ: أراد الأولى، قالوا: والأول أَصَحُّ، والثَّاني أَشْبَهُ بِكَلاَمِهِ.
وقوله في الكتاب: "إما ملفقة إلى آخره وإما منظومة من هذا الركوع والسجود" أي: على هذا الوجه الثاني، فإن قلنا: بالوجه الثاني أجزأته الركعة الثانية من الجمعة، فيضم إليها أخرى عند سلام الإمام، وإن قلنا: بالأول فالحاصل ركعة ملفقة من هذا السجود، وذلك الركوع، وفي إدراك الجمعة بها وجهان:
_________________
(١) تقدم.
(٢) في (ب): صلاته.
(٣) تقدم.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
أحدهما- وبه قال ابْنُ أَبِي هُرَيرَة-: لا يدرك لنقصانها بالتلفيق، ومن شرط الجمعة وإدراكها استجماع صِفَة الكَمَال.
وأصحهما -وبه قال أبو إسحاق-: تدرك لقوله -ﷺ-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنَ الْجُمعَةِ فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى" (١).
والتلفيق ليس بنقص في حق المعذور، وإن كان نقصًا فهو غير مانع، ألا ترى أنا إذا أحتسبنا بالركوع الثاني حكمنا بإدراك الجمعة بلا خلاف مع حصول التلفيق بين هذا الركوع وذلك التحرم.
الحالة الثانية: أن يخالف ما أمرنا فلا يركع معه، ويسجد جريًا على ترتيب صلاته فإما أن يفعل ذلك عالمًا بأن واجبه المتابعة، أو يفعله ناسيًا، أو معتقدًا أن الواجب عليه رعاية ترتيبه، فإن فعله عالمًا ولم ينوِ مفارقة الإمام بطلت صلاته، وعليه التحرم بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع، وإن نوى مفارقته فقد أخرج نفسه عن صلاة الإمام بغير عذر، وفي بطلان الصَّلاة به قولان سَبَقَا، فإن لم تَبْطُل لم تصح جمعته، وفي صِحَّة الظهر خلاف مبني على أن الجمعة إذا تعذر إتمامها هل يجوز إتمامها ظهرًا؟ وعلى أن الظهر هل تصح قبل فوات الجمعة؟ وسيأتي ذلك.
وقوله: "تبطل صلاته إلا إذا كان جاهلًا" ينبغي أن يُعْلَمَ فيه أن الاستثناء لا ينحصر في الجاهل، بل الناسي في معناه، وقوله: (بطلت صلاتُه) إن أراد ما إذا لم ينو المفارقة واستدام نيته الأولى فذاك، وإن أراد إطلاق الحكم نوى المفارقة أم لا؟ فيحتاج إلى الإعلام بالواو، وأما إذا فعله جاهلًا أو ناسيًا، فما أتى به من السجود لا يعتد به، ولا تبطل الصَّلاة، ثم إذا فرغ والإمام راكِعٌ بعد بأن خفف سجوده، وطوَّل الإمام فعليه متابعته، فإن تابعه وركع معه فالتفريع كما سبق لو لم يسجد، وإن لم يركع معه أو كان الإمام قد فرغ من الركوع، فينظر: إن راعى ترتيب صلاة نفسه، بأن قام بعد السجدتين وقرأ وركع وسجد، فقد قال حُجَّةُ الإسلام -قدَّس الله روحه- هاهنا وفي "الوسيط": تتم له ركعتان بهما لكن فيها نقصانان:
أحدهما: نقصان التلفيق، فإن ركوعها من الأولى وسجودها من الثانية، وفيها الخلاف المذكور.
والثاني: نقصان القدوة الحكمية، وبين في "النهاية" معناه فقال: إن المزحوم لم يسجد على متابعة الإمام والاقتداء به حقيقة وحِسًّا، وإنما سجد متخلفًا عنه، إلا أنه
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
معذور فسحبوا حكم القدوة عليه، وقالوا: إن لم يفرط التخلف بأن سجد قبل ركوع الإمام ألحق اقتداؤه بالاقتداء الحقيقي، وجعل مدركًا للجمعة كما تقدم، فإما إذا سجد بعد ركوعه، فقد أفرط التخلف وانتهى الإمام إلى آخر ما به يدرك المسبوق الجمعة، فالمتم ركعته معرضًا عن الاقتداء به حقيقة، هل يكون مدركًا للجمعة؟ فيه وجهان:
وأصحهما: نعم، ويقرب توجيههما مما ذكرنا في الملفقة وقد عرفت مما ذكرنا أنه إلى ماذا أشار بقوله: "لوقوعها بعد الركوع الثاني للإمام" وأن الخلاف ليس في مطلق الحكمية، فإن السجود في حال قيام الإمام ليس على حقيقة المتابعة، ولا خلاف في إدراك الجمعة به ثم اعرف شيئين:
أحدهما: أنه أطلق الحكم باحتساب سجدتيه في الثانية، وتمام الركعة بهما، ثم نقل التردد في إدراك الجمعة بها، ولا شك في أن هذا التردد مخصوص بما إذا وقعتا قبل سلام الإمام، فإما إذا وقعتا أو شيء منهما بعد سلام الإمام فقد نصوا على أنه لا يكون مدركًا للجمعة، على أن في أصل الاحتساب إذا وقعتا قبل سلام الإمام إشكالًا؛ لأنا على القول الذي عليه التفريع، نأمره بالمتابعة بكل حال، فكما لا يحسب له السجود والإمام راكع؛ لأن فرضه المتابعة وجب أن لا يحسب له والإمام في ركن بعد الركوع، والمفهوم من كلام الأكثرين هذا، وهو عدم الاحتساب بشيء مما يأتي به على سبيل المتابعة، فإذا سلم الإمام سَجَدَ سجدتين لِتَمَامِ الركعة، ولا يكون مدركًا للجمعة.
نعم، صرح الصيدلاني باحتساب السجدتين، وبنقل الوجهين في إدراك الجمعة بها، كما ذكره في الكتاب والله أعلم.
الثاني: أنه زِيدَ في بعض النُّسَخِ بعد قوله: (فيجعل "كأنه لم يسجد") ثم إن أدرك الإمام راكعًا، عاد التفريع كما مضى، وإن فات الركوع ينظر بعده، فإن راعى وهكذا هو في "الوسيط" وليس في بعضها هذه الزيادة، والأمر فيها قريب، وعلى الأول فليس التفصيل المرتب على قوله: (فإن فات الركوع) مخصوصًا بما إذا فات الركوع عند فراغ المزحوم من السجود، بل لو كان الإمام في الركوع بعد، لكنه جرى على ترتيب صلاته، كان الحكم كما لو فات إلا أن يطيل الإمام ركوعه، فيكون بعد فيها حين سجد المزحوم في الثانية، فلا يعتد به، هذا كله فيما إذا جرى على ترتيب صلاته بعد فراغه من سجدتيه اللتين لم يعتد بهما، فأما إذا فرغ منهما، والإمام ساجد، فاتفق له متابعته في السجدتين، فهذا هو الذي نأمره به، والحالة هذه تفريعًا على هذا القول، فيحسبان له، ويكون الْحَاصِل ركعة ملفقة.
وأما النقصان الآخر فهو: مفقود هاهنا؛ لأنه سجد مع الإمام حِسًّا.
وقوله: (بعد سجوده الذي سها به) أي جهل حكمه فإنه بمثابة السهو، وإن وجده
[ ٢ / ٢٧٨ ]
جالسًا للتشهد وافقه، فإذا سَلَّم سجد سجدتين لتتم له الركعة، ولا جُمُعَة له؛ لأنه لم يتم له الركعة والإمام في الصَّلاة، وكذلك يفعل لو وجده قد سلم حين فرغ من سجدتيه.
قال الغزالي: (وَالقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّهُ لاَ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ بَلْ يُرَاعيِ تَرْتِيبَ صَلاَة نَفْسِهِ، فَإِنْ خَالَفَ مَعَ العِلْمِ وَرَكعَ بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ، وَحَصَلَ لَهُ بِسُجُودِهِ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ، وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَنَا وَسَجَدَ فَسُجُودُهُ وَاقِعٌ فِي قُدْوَةٍ حُكْمِيَّةٍ فَفِي الإِدْرَاكِ بِهَا وَجْهَانِ، فَعَلَى هذَا للإِمَامِ حَالَتَانِ عِنْدَ فَرَاغهِ مِنَ السُّجُودِ، فَإِنْ كانَ فَارِغًا مِنَ الرُّكُوعِ فَيَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ صَلاة نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ كَانَ كَالمَسْبُوقِ، وَإلاَّ جَرِيَ عَلَى تَرْتِيبِ صَلاَةِ نَفْسِهِ.
قال الرافعي: ذكرنا أصل هذا القول وتوجهه مع الأول، وأما التفريغ: فإنه لا يخلو إما أن يوافق ما أمرناه به وهو رعاية ترتيبه أو يخالف.
إحدى الحالتين: أن يخالف أمرنا ويركع مع الإمام، فإن كان عامدًا بطلت صلاتُه، وعليه أن يبتدئ [الإحرام] (١) بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الرّكوع، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا يعتقد أن الواجب عليه الركوع مع الإمام فلا يعتد بركوعه، ولا تبطل صلاته فإذا سجد معه بعد الركوع فهل تحسب له السجدتان؟ المشهور أنهما يحسبان له، لأنا أمرناه بالسجود على هذا القول، فقدَّم عليه شيئًا غيرَ معتد به، ولا مفيد، فإذا انتهى إليه، وجب أن يقع عن [المأموم] (٢) وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، فقال: (وحصلت له بسجوده مع الإمام ركعة ملفقة) وحكي الشيخ أبو محمد -﵀- في السلسلة وجهًا آخر، أنه لا يعتد بهما [لأنه أتى بهما] (٣) على قصد الثَّانية، فلا يقع عن أولاه كما لو نَسِيَ سجدة من صلب الصَّلاة، ثم سجد لتلاوة أو سهو لا يقوم مقامها، فإن قلنا بالأول، فالحاصل ركعةٌ ملفقة، وفي الإدراك بها ما سبق من الخلاف.
الحاله الثانية: أن يوافق ما أمرناه به، فيسجد، فهذه القدوة حكمية لوقوع السجود بعد الركوع الثاني للإمام، وفي إدراك الجمعة بها الوجهان السَّابِقَان، وهما مشهوران في هذا الموضع في كلام الأصحاب، ثم إذا فرغ من السجود فللإمام حالتان:
إحداهما: أن يكون فارغًا من الركوع إما في السجود أو في التشهد، ففيه وجهان:
أحدهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجري على ترتيب صلاة نفسه، فيقوم
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) في ط المأمور.
(٣) سقط في (ط).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ويقرأ ويركع؛ لأنا أمرناه بذلك حالة ركوِع الإمام، مع أنه الركن الذي يتعلق به إدراك المسبوق، فلأن نأمره به بعد مجاوزته كان أولى.
والثاني: أنه يلزمه متابعة الإمام فيما هو فيه، فإذا سلم الإمام اشتغل بتدارك ما عليه؛ لأنه إنما جعل الإمام ليؤتم به، فصار كالمسبوق يدرك الإمام ساجدًا أو متشهدًا، بخلاف الركعة الأولى، فإنه أدرك منها القيام والركوع، فلزمه إتمامها ويشبه أن يكون هذا الوجه أظهر في المذهب؛ لأن كثيرًا من أصحابنا لم يوردوا سواه، منهم جماعة من العراقيين والشيخ أبو محمد، ونقل ابن الصباغ وصاحب "المهذب" الوجهين، وقالا: الأصح، هو الثاني، وعلى هذا الثاني.
قال الشيخ أبو محمد: لو كان الإمام عند فراغه من السجود قد هوى للسجدتين فتابعه، فقد والى بين أربع سجدات، فالمحسوب لتمام الركعة الأولى الأوليان أم الأخريان؟ فيه وجه كما سبق في الركوعين:
أقربهما إلى الصَّواب: احتساب الأوليين، وعلى الوجه الثاني يعود الخلاف المذكور في الركعة الملفقة.
والثانية: أن يكون الإمام راكعًا بعد، فهل عليه متابعته وتسقط عنه القراءة كالمسبوق أو يشتغل بترتيب صلاة نفسه فيقرأ؟ فيه وجهان كما ذكرنا تفريعًا على القول الأول، فعلى الأول يسلم معهم ويتم جمعته، وعلى الثاني يقرأ ويسعى ليلحقه، وهو مدرك للجمعة أيضًا.
وقوله: في أول القول الثاني: "لا يركع معه" معلّم بالميم والألف، وقوله في أول القول الأول: "يركع معه" بالحاء؛ لما قدمناه، ويجوز أن يعلم كلاهما بالزَّاي؛ لأن الأصحاب اختلفوا في اختيار المزني ومذهبه من القولين، فعن ابن سُرَيْجٍ واَبْنِ خَيْرَان أن اختياره القول الثاني، وعن أبي إسحاق أن اختياره القول الأول، ولهذا الاختلاف شرح ليس هذا موضعه، ولعلك تقول قوله: "فعلى هذا للإمام حالتان" تفريقع وترتيب، فعلى ماذا رتبه، والمذكور قبله، وجهان مرسلان في أن القدورة الحكمية، هل تفيد إدراك الجمعة؟ والجواب: أنه أراد الترتيب على قولنا: أن القدوة الحكمية تصلح للإدراك، وقد بين ذلك في "الوسيط"، لكن إيراد المعظم يدل على أن كلام الحالتين لا يختص بالتفريع على أحد الوجهين، بل هو شامل لهما وإنما يختلفان في القدر الذي يتداركه، هذا تمام الكلام فيما إذا لم يتمكن المزحوم في السجود حتى ركع الإمام في الثانية، ولو لم يتمكن منه حتى سجد الإمام في الثانية فيتابعه في السجود قولًا واحدًا، والحاصل ركعة مُلَفَّقَة، وإن قلنا: الواجب متابعة الإمام، وغير ملفقة إن قلنا: الواجب عليه رعاية ترتيب صلاته ذكره في "التهذيب"، ولو لم يتمكن منه حتى تشهد الإمام قال في
[ ٢ / ٢٨٠ ]
"التتمة": يسجد، ثم إن أدرك الإمام قبل الكلام فقد أدرك الجمعة، وإلا فلا (١) ولو كان الزحام في سجود الركعة الثانية وقد صلى الأولى مع الإمام فيسجد متى تمكن قبل سلام الإمام أو بعده، وجمعته صحيحة، وإن كان مسبوقًا لحقه في الثانية، فإن تمكن قبل سلام الإمام سجد، وقد أدرك ركعته، وإن لم يتمكن حتى سلم الإمام، فلا جمعة له، ولو زحم عن ركوع الركعة الأولى حتى ركع الإمام في الثَّانية يركع معه، قال الأكثرون: يعتد له بالركعة الثَّانية، وتسقط الأولى، ومنهم من قال: الحاصل ركعة ملفقة.
قال الغزالي: وَمَهْمَا حَكَمْنَا بِأنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الجُمُعَةَ فَهَلْ تَنْقَلِبُ صَلاتُهُ ظُهْرًا؟ فيه قَوْلاَنِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الجُمُعَةَ قِي ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَمْ هِيَ صَلاةٌ علَى حِيَالِهَا (٢) فَإِنْ قُلْنَا: لاَ تَنْقَلِبُ ظُهْرًا فَهَلْ تَبْقَى نَفْلًا؟ يُبْنَى عَلَى القَوْلَيْنِ فِي المُتَحَرِّمِ بِالظُّهرِ قَبْلَ الزَّوَالِ.
قال الرافعي: إذا عرضت حالة في الصلاة تمنع من وقوعها جمعة في صورة الزّحام وغيرهما، فهل يتم صلاته ظُهْرًا؟ فيه قولان يتعلقان بأصل، وهو أن الجمعة ظهر مقصورة أو هي صلاة على حالها؟ وقد اختلف قول الشافعي -﵁- في فروع تقتضي اختلافه في هذا الأصل.
أحدهما: أنها ظهر مقصورة؛ لأن وقتها وقت الظهر، ولكن وجب القصر فيها عند تمام شروطها.
والثاني: أنهما صلاة على حيالها، ألا ترى أنه لا يجوز فعلها في سائر الأيام، ولا يجوز فعل الظهر في هذا اليوم.
فإن قلنا: إنها ظهر مقصورة، فإذا فات بعض شرائط الجمعة أتمها ظهرًا كالمسافر إذا فات شروط قصره.
وإن قلنا: إنها فرض آخر فهل يتم، فيه وجهان مذكوران في "التهذيب" وغيره.
أحدهما: لا؛ لأنه شرع فيها بنية الجمعة.
والثاني: نعم؛ لأنهما فرضُ وقتٍ وَاحِدٍ.
وقوله في الكتاب: (فهل تنقلب صلاته ظهرًا؟) يشعر بأن الخلاف في انقلابه بنفسه، وفي "النهاية" حكاية وجهين (٣) في ذلك على قولنا: أنه تتم صلاته ظهرًا.
_________________
(١) قال إمام الحرمين: لو رفع المزحوم رأسه من السجدة الثانية، فسلم الإمام قبل أن يعتدل المزجوم ففيه احتمال، قال والظاهر أنه مدرك للجمعة، قاله النووي. الروضة (١/ ٥٢٧).
(٢) قال النووي: أظهرهما صلاة بحيالها. الروضة (١/ ٥٢٨).
(٣) قال النووي: الأصح لا يثشرط، وهو مقتضى كلام الجمهور. الروضة (١/ ٥٢٨).
[ ٢ / ٢٨١ ]
أحدهما: [أنها] (١) تنقلب ظهرًا من غير قصدٍ منه؛ لأنا إذا جعلناها ظُهْرًا مقصورة، فمتى بطل القصر ثبت الإتمام.
والثاني: أن الشرط أن يقلبهما ظهرًا بقصده؛ لأن بين الجمعة والظهر تغايرًا في الجملة ليس بين القصر والإتمام، فلا بد من قصد البناء، والظاهر من الخلاف في المسألة أن له أن يتمها ظُهْرًا، وإذا قلنا: لا يتمها ظهرًا فهل تبقى صلاته نفلًا أم تبطل من أصلها؟ فيه القولان السابقان فيما إذا تحرم بالظُّهرِ قبل الزوال ونظائرها؛ ثم قال إمام الحرمين: قول البطلان لا ينتظم تفريعه إذا أمرناه في صورة الزحام بشيء فوافق أمرنا؛ لأن الأمر بالشيء والحكم ببطلانه ورفعه آخرًا محال، فليكن ذلك مخصوصًا بما إذا أمرناه بشيء، فخالف، وحيث أطلق الأئمة ترتيب الخلاف وتنزيله فهو محمول على هذا.
قال الغزالي: وَالنِّسْيَانُ هَل يَكُونُ عُذْرًا كَالزِّحامِ؟ فيه وَجْهَانِ.
قال الرافعي: التخلف بالنسيان هل هو كالتخلف بالزحام؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لمكان العذر.
والثاني: لا؛ لأنه نادر، ولأنه مفرط إذ هو بسبيل من إدامة الذِّكْرِ، هكذا أطلق جماعة نقل الوجهين منهم المصنِّف، والمفهوم من كلام الأكثرين أن في ذلك تفصيلًا: إن تأخر سجوده عن سجدتي الإمام ثم سجد في حال قيام الإمام فالحكم كما ذكرناه في الزحام، وكذلك لو تأخر لمرضٍ لشمول العذر، وعدم إفراط التخلف، وإن بقي ذاهلًا عن السجود حتى ركع الإمام في الثانية ثم تنبه فهاهنا خلاف، منهم من قال: فيه القولان في المزحوم:
أحدهما: يركع معه.
والثاني: يجري على ترتيب صلاة نفسه، وبهذا قال القاضي أبو حامد، ومنهم من قال: يتبعه قولًا واحدًا؛ لأنه مُقَصِّر بالنِّسْيَانِ، فلا يجوز له ترك المتابعة، وهذا أظهر عند القاضي الروياني.
خاتمة: الزحام كما يفرض في صلاة الجمعة، يفرض في سائر الصلوات وإنما يذكر في الجمعة خاصة؛ لأن الزحمة فيها أكثر، ولأنها يجتمع فيها وجوه من الإشكال لا تجري في غيرها مثل التردد في أن الركعة الملَفَّقَة هل تدرك بها الجمعة؟ وكذا التردد في القدوة الحكمية، والتردد في أن المبنية على أن الجمعة ظهر مقصورة، ولأن
_________________
(١) في ط أنه.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
الجماعة شرط فيها ولا سبيل إلى المفارقة ما دام يتوقع إدراك الجمعة بخلاف سائر الصلوات.
إذا عرفت ذلك، فإذا فرض الزَّحمة في سائر الصلوات وامتنع عليه السجود في الأولى حتى يركع الإمام في الثانية اطرد فيه القولان، وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ طريقتين أخريين:
إحداهما: أنه يركع معه بلا خلاف.
والثاني: أنه يراعي ترتيب صلاته بلا خلاف.
قال الغزالي: الشَّرْطُ السَّادِسُ: الخُطْبَةُ، وَأَرْكَانُهَا خَمْسَةٌ: (ح)، الحَمْدُ لِلَّهِ وَيتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ، وَالصَّلاة عَلَى رَسُولِ اللهِ ويَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلاَةِ، وَالوصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلاَ يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا إِذْ غرَضُهُ الوَعْظُ، وَأَقَلُّهَا أَطِيعُوا اللهَ، والدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَقَلُّهُ رَحِمَكُمُ اللهُ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ، وَأَقَلُّهَا آَيَةٌ، وَالدُّعَاءُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ فِي الثَّانِيَةِ، وَالقِرَاءَةُ تَخْتَصُّ بِالأُولَى عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَالتَّحْمِيدُ وَالصَّلاَةُ وَالوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الخُطْبَتَيْنِ.
قال الرافعي: من شرائط الجمعة تقدم خطبتين "لِأَنَّ النَّبِيّ -ﷺ- لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ إِلاَّ بِخُطْبَتَيْنِ" (١) وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٢) وروي عن عمر -﵁- وغيره "أن الصَّلاَةَ إِنَّمَا قُصِرَت لِلْخُطْبَةِ" (٣).
والكلام في واجبات الخطبة وسننها.
أما الواجبات: فقد جعلها قسمين: الأركان والشرائط، وعد الأركان خمسة:
أحدها: حمد الله تعالى لما روي أنه -ﷺ- "خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَمِدَ اللهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ" (٤)، ويتعين لفظ الحمد اتباعا لما درجوا عليه من عصر الرسول -ﷺ- إلى عصرنا هذا.
والثاني: الصَّلاة على رسول الله -ﷺ- فإن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان والصَّلاة، ويتعين لفظ الصلاة كما ذكرنا في الحمد،
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ٥٨): لم أره هكذا، وهو عند البخاري، ومسلم من حديث ابن عمر أنه -ﷺ- كان يخطب خطبتين، يقعد بينهما، البخاري (٩٢٨) ومسلم (٨٦١).
(٢) تقدم.
(٣) ذكره أبو بكر الرازي من قول عمر، ورواه البيهقي من قول سعيد بن جبير، الخلاصة (١/ ٢٢٣) والتلخيص (٢/ ٧٣).
(٤) أخرجه مسلم من رواية جابر (٨٦٧).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وحكى في "النهاية" عن كلام بعض الأصحاب ما يوهم أنهما لا يتعينان، ولم ينقله وجهًا مجزومًا به.
والثالث: الوصية بالتقوى لِأنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- "وَاظَبَ عَلَيْهَا فِي خُطْبَتِهِ" (١).
ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير، فلا يجوز الإخلال به، وهل يتعين لفظ الوصية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كالحمد لله والصلاة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب لا؛ لأن غرضها الوعظ فبأي لفظ وَعظ حَصَل الغَرَضُ، وقد روي هذا عن نصه في "الإملاء" قال الإمام: ولا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، فإن ذلك قد يتواصى به المنكرون للمعادِ أيضًا، بل لا بد من الحمل على طاعة الله تعالى وحده، والمنع من المعاصي، ولا يجب في المَوْعِظَةِ فَصْلٌ وكلامٌ طويلٌ، بل لو قال: أطيعوا الله كفاه، وأبدى الإمام احتمالًا فيه، وقال: الغرض استعطاف القلوب، وتنبيه الغافلين ولا يحصل ذلك إلا بفصل يهز ويستحث، وعلى ذلك جرى الأولون، واللائَّق بمذهب الشافعي -﵁- الاتباع، ولا تردد في كلمتي الحمد والصلاة أنهما كافيتان، ثم هذه الأركان الثلاثة لا بد منها في الخطبتين جميعًا، وحكى الحناطي وجهًا غريبًا أنه لو صلَّى على النبي -ﷺ- في إحداهما جاز، فيجوز أن يُعَلَّم لذلك لفظ (الصلاة) في قوله: "والتحميد والصلاة والوصية واجبة في الخطبتين" بالواو.
والرابع: الدُّعَاءُ للمؤمنين ركنٌ في ظاهر المذهب اتباعًا، وفيه أوجه أُخَر أنه لا يجب في غير الخطبة كالتسبيح، وكلام صاحب "التلخيص" يوافق هذا الوجه، ويحكى عن نصه في "الإملاء" أيضًا، وإذا قلنا بالأول فهو مخصوص بالثَّانية فإن الدعاء يَلِيقُ بحالة الاختتام، ولو دعا في الأول لم يحسب عن الثانية، ويكفي ما يقع عليه الاَسم قال الإمام: وأرى أنه يجب أن يكون متعلقًا بأمور الآخرة غير مقتصرٍ على أوطار الدُّنيا، وأنه لا بأس بتخصيصه بالسّامعين بأن يقول: رحمكم الله.
الخامس: قراءة القرآن، وهي من الأركان.
روي أنه -ﷺ- "كَانَ يَقْرَأُ آيَاتٍ وَيَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى" (٢)، ونقل قول عن "الإملاء": أنها ليست من الأركان، وإنما هي من المستحبات وقد يحكى المذهبان على وجهين عن أبي إسحاق المروزي فإن قلنا بالمشهور، وهو أنها ركن فقد قال الأصحاب: أقله آية،
_________________
(١) أخرجه مسلم في المصدر السابق.
(٢) أخرجه مسلم (٨٦٢).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
ويحكى ذلك عن نص الشافعي -﵁-، ولا فرق بين أن يكون مضمونها وَعْدًا أو وعيدًا أو حكمًا أو قصة، قال الإمام: ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة، ولا شك أنه لو قال: "ثُمَّ نَظَرَ" (١) لم يكف وإن عد آية بل يعتبر أن تكون مفهمة، واختلفوا في محلها على ثلاثة أوجه:
أظهرها -وينقل عن نصه في الأمِّ-: أنها تجب في إحداهما لا بعينها؛ لأن المنقول أنه كان يقرأ في الخطبة وهذا القدر لا يوجب كون القراءة فيهما ولا في واحدة على التعيين.
والثاني: أنها تجب فيهما؛ لأنها ركن فأشبهت الثلاثة الأول.
والثالث: أنها تختص بالأولى في مقابلة الدعاء المختص بالثانية، وهذا ظاهر لفظه في "المختصر".
وقوله في الكتاب: (والقراءة تختص بالأولى على أحد الوجهين) تعرض لهذا الوجه الثالث، ويمكن إدراج الوجهين الآخرين في مقابله بأن يقال: والثاني لا يختصِ، وعلى هذا تجب فيهما أو تجب في واحدة لا على التعيين، فيه وجهان. "وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْخُطْبَةِ سُورَةَ (ق)، رُوِيَ ذلِكَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-" (٢) وإن قرأ آية سجدة نَزَلَ وَسَجَدَ، فإن كان المنبر عاليًا لو نزل لطال الفصل، ففيه الخلاف المذكور في اشتراط الموالاة، ولا تداخل في الأركان المذكورة، حتى لو قرأ آية فيها موعظة، وقصد إيقاعها عن الجهتين، لم يجز، ولا يجوز أن يأتي بآيات تشتمل على الأركان المطلوبة فإن ذلك لا يسمى خطبة، ولو أتى ببعضها في ضمن آية لم يمتنع.
وقوله في الكتاب: (وأركانها خمسة) معلم بالواو للخلاف المذكور في القراءة والدعاء، وبالحاء؛ لأن عنده يكفيه أن يقول: الْحَمْدُ للهِ، أو لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أو نحوهما، وبالميم؛ لأنه روي عن مالك مثل مذهب أبي حنيفة، وروي أنه قال: لا يجزئه إلا ما سمته العرب خطبة، ويجوز أن يعلم كل واحد من الأركان بعلامتها؛ لما ذكرنا، وكذا الحكم بتعين الحمد لله والصلاة، ولك أن تبحث في شيئين من قوله: (ويتعين هذه اللفظة) وقوله: (يتعين لفظ الصلاة):
أحدهما: أن الحكم بتعين اللفظين يقتضي عدم إجزائهما بغير العربية، فهل هو كذلك؟
_________________
(١) سورة المدثر، الآية ٢١.
(٢) أخرجه مسلم من رواية أم هشام بنت حارثة (٨٧٣).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
والجواب: أنَّ في اشتراط كون الخطبة كلها بالعربية وجهين.
أصحهما: أنه شرط اتباعًا لما جرى عليه النَّاس.
والثاني: ذكره في "التتمة" مع الأول: أنه لا يشترط اعتبارًا بالمعنى، فعلى الصَّحيح لو لم يكن فيهم من يحسن العربية خطب بغيرها، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية، كالعاجز عن التكبير بالعربية عليه التعَلم، فلو مضت مدة إمكان التعلم ولم يتعلموا عصوا، وليس لهم الجمعة.
الثاني: لم قال في الحمد لله: (وتتعين هذه اللفظة) ولم يقل مثل ذلك في الصلاة على رسول الله، ولكن خَصَّ التعيين بالصلاة؟
والجواب: إنما لم يقل في الصَّلاة، وتتعين هذه اللفظة؛ لأنه لو قال: والصلاة على محمد، أو على النبي جاز ولا يشترط التعرض للفظ الرسول.
وقوله في الحمد: (وتتعين هذه اللفظة) مقتضاة أنه لو قال: الحمد للرحمن أو الرحيم، لا يجزئه، وذلك مما لا يبعد كما في كلمة التكبير، لكن لم أره مسطورًا، فأما أن قوله: "والصلاة على النبي مجزئ فلا شك فيه"، وهو لفظ الشافعي -﵁- في "المختصر".
قال الغزالي: وَشَرَائِطُهَا سِتٌّ، الوَقْتُ وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّلاَة بِخِلاَفِ صلاَةِ العِيدَيْنِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ مَعَ الطَّمَأْنِينَةِ، وَفِي طَهَارَةِ الخَبَثِ والحَدَثِ وَالمُوَالاَةِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: لما فرغ من الأركان اشتغل بذكر الشرائط وعدها سِتًّا، وهذا الفصل يشتمل على خمس منها:
إحداها: الوقت، وهو ما بعد الزَّوال، فلا يجوز تقديم الخطبتين، ولا شيء منهما عليه خلافًا لأحمد حيث قال: يجوز كما حكينا عنه في نفس الصلاة، ولمالك حيث جوز تقديم الخطبة على الزوال وإن لم يجز تقديم الصلاة.
لنا: ما روي أنه -ﷺ-: "كَانَ يَخْطُبُ يَومَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ" (١).
ولو جاز التقديم لقدمها تخفيفًا على المبكرين، وإيقاعًا للصلاة في أول الوقت.
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر (٢/ ٥٩) لم أره هكذا، وفي الأوسط للطبراني من حديث جابر. كان رسول الله -ﷺ- إذا زالت الشمس صلى الجمعة، وإسناده حسن، وأما الخطبة فلم أره، لكن في النسائي أن خروج الإمام بعد الساعة السادسة، وهو أول الزوال.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الثانية: تقديم الخطبتين على الصَّلاة بخلاف صلاة العيد تقدم على الخطبتين؛ لأن النقل هكذا ثبت في الطرفين، ثم فرقوا من وجهين:
أحدهما: أن خطبة الجمعة واجبة، فقدمت ليحتبس الناس في انتظار الصلاة فيستمعوها ولا ينتشروا، وخطبة العيد غير واجبة، ولو انتشروا عنها لم يقدح.
والثاني: أن الجمعة لا تؤدي إلا جماعة، فقدمت الخطبة عليها ليمتد الوقت، ويلتحق النَّاس، وصلاة العيد تؤدي من غير جماعة.
الثالثة: القيام فيها عند القدرة، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لا يشترط ذلك، ويجوز القعود مع القدرة.
لنا: "أَن النَّبِيَّ -ﷺ- وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يَخْطُبُوا إِلاَّ قِيَامًا" (١). ولأنه ذِكْرٌ يختص بالصَّلاة ليس من شرطه القعود، فكان من شرطه القيام كالقراءة والتكبير، فإن عجز "عن القيام فالأولى أن ينيب غيره، ولو لم يفعل وخطب قاعدًا أو مضطجعًا جاز كما في الصَّلاة، ويجوز الاقتداء به، سواء قال: لا أستطيع القيام أو سكت، فإن الظاهر أنه إنما قعد لعجزه، فإن بان أنه كان قادرًا فهو كما لو بان الإمام جنبًا.
وقوله: (القيام فيها) معلم بالحاء والألف؛ لما حكيناه من مذهبهما، ويجوز إعلامه بالميم؛ لأن بعض أصحاب أحمد حكى عن مالك مثل مذهبهما، بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكى عن بعض أصحابنا وَجْهًا، أنه لو خطب قاعدًا مع القدرة على القيام يجزئه.
الرابعة: الجلوس بينهما؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد حيث قالوا: إنه سنة وليس بشرط.
لنا: "مَا ثَبَتَ مِنْ مُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَمَنْ بَعْدَهُ عَلَيْهِمَا" (٢).
وتجب الطمأنينة فيه كما في الجلسة بين السجدتين، ولو خطب قاعدًا لعجزه عن القيام، لم يضطجع بينهما للفصل، ولكن يفصل بينهما بسكتة [ويجب ذلك من أصح الوجهين وحكى القاضي ابن كج عن ابن القطان عن بعض الأصحاب أنه يكفي القائم أيضًا أن يفصل بينهما بسكتة] (٣) خفيفة، وهذا يقتضي إعلام قوله: (والجلوس بين الخطبتين) بالواو جمع الحاء والميم والألف.
فإن قلت: لم عد القيام والقعود هاهنا من الشرائط وهما معدودان في الصَّلاَة من
_________________
(١) أخرجه مسلم من رواية جابر بن سمرة (٨٦٢).
(٢) تقدم.
(٣) سقط من "ط".
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الأركان؟ فاعلم: أن إمام الحرمين أجاب عنه بأن قال: الأمر فيه قريب، ولا حجر على من بعدهما من الأركان كما في الصلاة، ولا على من لا يعدهما من الأركان في الصلاة أيضًا، ونقول: المقصود ما يقع فيهما، وهما محالان، ويجوز الفرق بأن الغرض من الخطبة الوعظ، وهو أمر معقول، ولا يصح (١) في الصلاة أمر معقول، فجعل القيام بمثابة ما فيه، وهاهنا عد شرطًا ومحلًا لما هو المقصود.
الخامسة: هل يشترط في الخطبة طهارة الحدث وطهارة البدن والثوب والمكان عن الخبث؟ فيه قولان:
القديم: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد؛ لأن الخطبة ذِكْرٌ يتقدم الصَّلاة فأشبه الآذان.
والجديد: نعم اتباعًا لما جرت الأئمة عليه في الأعصار كلها، وهذا الخلاف مبني عن بعض الأئمة على أن الخطبتين بدل عن الركعتين، أم لا؟ وقال إمام الحرمين: وهو مبني على أن الموالاة في الخطبة هل هي شرط أم لا؟ إن قلنا: نعم، فلا بد من أن يكون متطهرًا؛ لأنه يحتاج إلى الطهارة بعد الخطبة فتختل الموالاة.
وإن قلنا: لا تشترط الموالاة لا تشترط الطَّهارة، ومنهم من جعل الخلاف في الطهارة وجهين، والقولان أشْهَرُ، وقد طرد الخلاف في سَتْرِ العورة، أما من يبنى على أن الخطبتين بدل من الركعتين أم لا فتوجيهه هَيِّنٌ على أصله، وأما من لم يبن عليه فقد قال الإمام: سبب الاشتراط بروز الخطيب، وما فيه من هتكة الانكشاف لو لم يتستر.
وقوله: (في طهارة الحدث) لفظ (الحدث) يشمل الحدث الأصغر والأكبر، وقد صَرَّحَ في "التتمة" بطرد الخلاف في اشتراط الطهارة عن الحدث والجنابة جميعًا، لكن قال في "التهذيب": إن خطب جنبًا لم تحسب قولًا واحدًا؛ لأن القراءة شَرْطٌ، ولا تحسب قراءة الجنب، وهذا أوضح (٢) والخلاف الذي أرسله المراد منه ما بيناه، ونقله المصنف في "الوسيط" وجهين وأما الخلاف في الموالاة فهو قولان، ومسألة الموالاة مكررة قد ذكرها مرة في الشرط الرابع للجمعة، وإنما جمع بينها وبين الطهارة لتناسب والبناء الذي ذكره الإمام، وإذا اشترطنا الطهارة فلو سبقه الحدث في [الخطبة] (٣) لم
_________________
(١) في "ب": ولا يتضح.
(٢) الصحيح أو الصواب قول صاحب "التتمة"، وقد جزم به الرافعي في "المحرر" وقطع الشيخ أبو حامد، والماوردي وآخرون: بأنه لو بان لهم بعد فراغ الجمعة أن إمامهم كان جنبا أجزأتهم، ونقله أبو حامد، والماوردي، والأصحاب عن نصه في "الأم" قال النووي. الروضة (١/ ٥٣٢).
(٣) في "ط": الجمعة.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
يعتد بما يأتي به في حال الحدث، وفي بناء غيره عليه الخلاف الذي سبق، ولو تطهر وعاد وجب الاستئناف إن طال الفصل وشرطنا الموالاة، وإن لم يطل الفصل ولم نشترط الموالاة فوجهان:
أظهرهما: الاستئناف أيضًا؛ لأنها عبادة واحدة، فلا تؤدي بطهارتين كالصَّلاَة.
قال الغزالي: وَيَجِبُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ، وَهَلْ يَحْرُمُ الكَلاَمُ عَلَى مَنْ عَدَا الأَرْبَعِينَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، الجَدِيدُ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ كَمَا لاَ يَحْرُمُ الكَلاَمُ عَلَى الخَطِيبِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ فِي الخَطِيبِ فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الإِنْصَات فَلاَ يُسَلِّمُ الدَّاخِلُ، فَإِنْ سَلَّمَ لَمْ يُجَبْ، وَفِي تَشْمِيتِ العَاطِسِ وَجْهَانِ، وَفِي وُجوبهِ عَلَى مَنْ لاَ يَسْمَعُ الخُطْبَةَ وَجْهَانِ، وَتَحِيَّة المَسْجِدِ مُسْتَحَبةُ فِي أَثْنَاءِ الخُطْبَةِ (ح م)، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ الإنْصَات فَفِي تَشْمِيتِ العَاطِسِ وَفِي رَدِّ السَّلاَمِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الشريطة السادسة للخطبة رفع الصوت، فإن الوَعْظَ الذي هو مقصود الخطبة لا يحصل إلا بالإبلاغ والإسماع (١)، وذلك لا يحصل إلا برفع الصوت، فلو خطب سرًّا بحيث لم يسمع غيره لم يحسب كالآذان، وحكى صاحب "البيان" عن أبي حنيفة أنها تُجْزِئ، وقد حكاه القاضي الروياني وغيره وجهًا.
لنا ثم الضبط على ظاهر المذهب أن يسمع أربعين من أهل الكمال على ما سبق وصفهم، ولو رفع الصوت قدر ما يبلغ لكن كانوا أو بعضهم صُمًّا ففيه وجهان:
أصحهما: أنها تجزئ كما لو بعدوا عنه، وكما أنه يشترط سماع شهود النكاح.
والثاني: يجزئ كما لو حلف لا يكلم فلانًا فكلمه بحيث يسمع لكنه لم يسمع لصممه يحنث، وكما لو سمعوا الخطبة ولم يفهموا معناها لا يضر، وينبغي للقوم أن يقبلوا بوجوههم إلى الإمام وينصتوا ويسمعوا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢) ذكر في التفسير أن الآية وردت في الخطبة سميت قرآنًا لاشتمالها عليه، والإنصات: هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع، وهل الإنصات فرض والكلام حرام أم لا؟ قال في القديم "والأم": الإنصات فَرْضٌ والكلامُ حرامٌ وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، ووجهه ظاهر الأمر في
الآية، فإنه للإيجاب وما روى أنه -ﷺ- قال: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ وَالْإِمَام (٩) يَخْطُبُ
يَومُ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ" (٣) واللّغو الإثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ
_________________
(١) في "ب": والسماع.
(٢) سورة الأعراف، الآية ٢٠٤.
(٣) أخرجه البخاري (٣٩٤) ومسلم (٨٥١).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
مُعْرِضُونَ﴾ (١) وقال في الجديد: الإنصات سنة والكلام ليس بحرام لما روى: "أَنَّ رَجُلًا دَخَل وَاِلنَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ يَومَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَأوْمَأ النَّاسُ إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَأَعَادَ الكَلاَمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بَعْدَ الثَّالِثَةَ: مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا. فَقَال: حُبَّ اللهِ وَرَسُولَهُ، فَقَال إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" (٢).
والاستدلال أنه لم ينكر عليه ولم يبين له وجوب السكوت، وذكر أصحابنا العراقيون أن أبا إسحاق حكى في الشرح عن بعض أصحابنا طريقة أخرى جازمة بالوجوب وأنه أَوَّلَ كلامه في الجديد، والذي عليه الجمهور طريقة القولين، وهل يحرم الكلام على الخطيب؟ فيه طريقان:
أصحهما: القطع بأنه لا يحرم، وإنما حرم على المستمع في قول كيلا يمنعه عن الاستماع، "وَأَيْضًا فَقَدْ كَلَّمَ رَسُول اللهِ -ﷺ- قَتَلَهُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ فِي الْخُطْبَةِ" (٣)، وَكَلَّمَ أَيْضًا سُلَيْكًا الْغَطَفَانِي (٤) فِي الْخُطْبَةِ، كما سيأتي، وعلى هذه الطريقة شبه في الكتاب المستمع بالخطيب، فقال: الجديد أنه لا يحرم على الخطيب، وقد ذكر المزني هذا الاستدلال لترجيح الجديد.
والطريقة الثانية: طرد القولين في الخطيب، وهي تخرج على أن الخطبتين بمثابة الركعتين أم لا؟ إن قلنا: نعم حرم الكلام عليه، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
ثم تكلم في محل القولين وتفريعهما.
أما المحل ففيه كلامان:
أحدهما: أن الخلاف في الكلام الذي لا يتعلق به غرض مهم ناجز فأما إذا رأى أعمًى يقع في بِئْرٍ أَوْ عَقْرَبًا تَدُبُّ على إنسان فأنذره، أو علَّم إنسانًا شيئًا من الخير أو نهاه عن منكر فهذا لا يحرم قولًا واحدًا، وإن كان لفظ الكتاب مطلقًا، كذلك ذكره الأصحاب على طبقاتهم، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -﵁- نعم المستحب أن يقتصر على الإشارة ولا يتكلم ما وجد إليه سبيلًا.
والثاني: أنه يجوز الكلام قبل أن يبتدئ الإمام في الخطبة وكذلك بعد الفراغ منها إلى أن ينزل، أو يتحرم بالصلاة، وليس ذلك موضع الخلاف، لأنه ليس وقت
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية ٣.
(٢) أخرجه النسائي من رواية أنس -﵁- وإسناده صحيح، انظر التلخيص (٢/ ٦٠).
(٣) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢) من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب مرسلًا، وقال: هو مرسل جيد.
(٤) البخاري (٩٣١) ومسلم (٨٧٥).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
الاستماع، وأما حالة الجلوس بين الخطبتين فمنهم من أخرجها من حَيِّز الخلاف أيضًا، وهو ما أورده صاحب "المهذب"، وحجة الإسلام في "الوسيط"، وأجرى المحاملي وابن الصباغ وآخرون الخلاف فيه، ويجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يأخذ لنفسه مكانًا، والقولان بعد ما قعد حكاه الإمام وغيره.
وأما تفريع القولين، فإن قلنا: بالقديم فالداخل في أثناء الخطبة ينبغي أن لا يسلم، فإن سلم لم تجز إجابته باللسان، ويستحب أن يجاب بالإشارة كما في الصَّلاة، وهل يجوز تشميت العاطس؟ فيه وجهان:
أصحهما -وهو المنصوص-: لا؛ كَرَدِّ السلام.
والثاني: يجوز؛ لأن العاطس لا يتعلق بالاختيار، والتشميت من حقوق المُسْلِمِ على المُسْلِم، فَيُوَفَّى، بخلاف رَدِّ السَّلام، فإن المسلم والحالة هذه مُضَيِّعٌ سَلاَمه، وعلى هذا فهَل يستحب؟ حكى إمام الحرمين فيه وجهين، ووجه المنع بأن الإنصات أهم فإنه واجب على هذا القول، والتشميت لا يجب قط، وحكى في "البيان" عن بعض الأصحاب أنه يرد السلام، ولا يشمت العاطس؛ لأن تشميت العاطس سنة ورد السَّلام واجب، والواجب لا يترك بالسّنة، وقد يترك بواجِبٍ آخر، وهل يجب الإنصات على من لا يسمع الخطبة؟ فيه وجهان شبيهان بالوجهين، في أن المأموم الذي لا يسمع قراءة الإمام هل يقرأ السورة أم لا؟.
أحدهما: أنه لا يجب؛ لأن الإنصات للاستماع، فعلى هذا له أن يشتغل بذكر وتلاوة.
والثاني: يجب كيلا يرتفع اللغط ولا يتداعى إلى منع السامعين من السماع، وهذا أظهر، ولم يذكر كثيرون سواه، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -﵁- وقالوا: البعيد بالخيار بين الإنصات وبين الذكر والتلاوة، وأما في كلام الأدميين فهو والقريب سواء، وإن فرعنا على الجديد فقد قال في الكتاب؛ يشمت العاطس، وفي رد السَّلاَم وجهان، ولا بُدَّ من البحث عنه أهو كلام في الاستحباب أم في الوجوب؟ أما جوازهما فلا شَكَّ فيه على هذا القول، أما غيره فقد جعل صاحب "التهذيب" الوجهين في وجب الرد.
أصحهما: وجوبه كما في سائر الأحوال.
والثاني: لا يجب؛ لأنه مُقَصِّرٌ مُضَيَّعٌ للسلام، كمن سلم على من يقضي حاجته، قال: وفي استحباب التشميت الوجهان، وذكر المضنف في "الوسيط" أن التشميت يجب، وفي الرَّد وجهان، والظاهر أنه أراد نصب الوجهين في الاستحباب على ما صرح
[ ٢ / ٢٩١ ]
به إمام الحرمين، فقال: لا يجب الرد لتقصير المسلم ووضعه الكلام في غير موضعه، والوجهان في استحباب الرد.
واعلم: أن القول بوجوب التشميت خلاف ما أطبق عليه الأئمة، فإنهم قالوا: التشميت محبوب غير واجب بحال، فلا ينبغي أن يحمل قوله: (ويشمت العاطس) عليه بل الوجه تأويل ما في "الوسيط" أيضًا، ولا يحسن حمله على الجواز أيضًا؛ لأنه عطف عليه قوله: (وفي رد السلام وجهان) فإذا كان المراد من الأول الجواز، كان قضية الإيراد فرض الخلاف في الجواز، ولا يمكن تصوير الخلاف فيه على هذا القول، فإذا قوله: (يشمت العاطس) معناه أنه يستحب ذلك، وليكن معلمًا بالواو لما حكاه صاحب "التهذيب".
واعلم: أنه لو تكلم لم تبطل جمعته على القولين جميعًا، والخلاف في الإثم وعدمه؛ وأما قوله: (وتحية المسجد مستحبة) فشرحه: أن الخطيب إذا صعد المنبر، فينبغي لمن ليس في الصَّلاة من الحاضرين أن لا يفتتحها سواء صلى السُّنَّة أم لا، ومن كان منهم في الصَّلاة خففها، وروي عن الزّهري أنه قال: "خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلاَةُ، وَكَلاَمُهُ يَقْطَعُ الْكَلاَمُ" (١) والفرق بين الكلام الذي لا بأس به، وإن صعد المنبر، ما لم يبتدئ الخطبة وبين الصَّلاة أن قطع الكلام هين متى ابتداء الخطيب الخطبة بخلاف الصلاة، فإنه قد يفوته سماع أول الخطبة إلى أن يتمها، وأما الدَّاخل في أثناء الخطبة، فيستحب له التَّحِيَّة خلافًا لمالك وأبي حنيفة، حيث قالا: يكره له الصَّلاة كما للحاضرين.
لنا: ما روي: "أَنَّهُ جَاءَ سُلَيْكُ الْغَطَفَانِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- قُمْ يَا سُلَيْكُ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وتَجَوَّزْ فِيهِمَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ [يَوْمُ الجُمُعَةِ] (٢) وَالإمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا" (٣)، ولو أن الداخل لم يُصَلِّ السنة بعد صلاها، وحصلت التحية بها أيضًا وإن دخل الإمام في آخر الخطبة لم يُصَلِّ، حتى لا يفوته أول الجمعة مع الإمام، وحكم التَّحِيَّةِ لا يختلف بقولي الإنصات، وذِكْرُه في الكتاب متَّصِلًا بتفريع القديم ليس لاختصاص الاستحباب به، بل استحباب التحية على قولنا باستحباب الإنصات أظهر منه على قولنا يوجب الإنصات، وقوله في أول الفصل (ويجب رفع الصوت بحيث يسمع أربعين من أهل الكمال) يجوز إعلامه بالحاء والميم؛ لما تقدم نقله، وقوله: (وهل يحرم الكلام على من عدا الأربعين)
_________________
(١) أخرجه مالك والشافعي عنه بإسناد صحيح، انظر التلخيص (٢/ ٧٣).
(٢) سقط من "ط".
(٣) تقدم.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
يقتضي الجزم بتحريم الكلام على الأربعين، وهذا التقدير بعيد في نفسه ومخالف لما نقله الأصحاب أما بعده في نفسه فلأن الكلام في السامعين للخطبة ألا تراه يقول بعد ذلك: (وفي وجوبه على من لا يسمع الخطبة وجهان) وإذا حضر جمع زائد على الأربعين، وهم بصفة الكمال، فلا يمكن أن يقال: بأن الجمعة تنعقد بأربعين منهم على التعيين، حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعًا، والتردد في حق الآخرين بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين [حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعًا والتردد في حق الآخرين، بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين] (١) وأما مخالفته لنقل الأصحاب، فإنك لا تجد للجمهور إلا إطلاق قولين في السامعين، ووجهين في حق غيرهم كما سبق، ويجوز أن يعلم قوله: (قولين) بالواو إشارةً إلى الطريقة الجازمة بالوجوب المروية عن أبي إسحاق.
وقوله: (كما لا يحرم الكلام على الخطيب) معلم بالحاء والميم، هذا آخر ما ذكره في الكتاب من واجبات الخطبة ووراءها واجبات أخر.
منها: أن تكون بالعربية كما سبق.
ومنها: نية الخطبة وفرضيتها، حكى عن القاضي الحسين اشتراط ذلك كما في الصَّلاة.
ومنها: التَّرتِيب ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه يجب الترتيب بين الكلمات الثلاث المشتركة بين الخطبتين، يبتدئ بالتحميد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدّعاء، ولا بينهما، ولا بين غيرهما، ونفى صاحب "العدة" وآخرون وجوب الترتيب في ألفاظها أصلًا، وقالوا الأفضل رعايته (٢).
قال الغزالي: وَأَمَّا سُنَنُ الخُطْبَةِ فَأَنْ يُسلّم الخَطِيبُ عَلَى مَنْ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ إِذَا صَعَدَ المِنْبَرَ أَقْبَلَ وَسَلَّمَ (م ح) وَجَلَسَ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ المُؤَذِّنُ.
قال الرافعي: سنن الخطبة ثلاث جمل:
إحداها: السنن السابقة على نفس الخطبة.
منها: أن يخطب على المنبر: "كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ مُسْتَنِدًا إِلَى جِذْعٍ فِي
_________________
(١) سقط من "ب".
(٢) قال النووي: قطع صاحب (الحاوي) وكثيرون من العراقيين، بأنه لا يجب الترتيب، ونقله في (الحاوي) عن نص الشافعي -﵀- وهو الأصح. الروضة (١/ ٥٣٥).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
الْمَسْجِدِ، ثُمَّ صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرِ فَكَانَ يَخْطُب عَلَيْهِ" (١).
والسنة: أن يوضع على يمين المحراب، هكذا وضع منبر رسول الله -ﷺ-، والمراد من يمين المحراب الموضع الذي يكون على يمين الإمام إذا استقبل، ويكره وضع المنبر الكبير الذي يضيق المكان على المصلين إذا لم يكن المسجد متسع الخطة، فإن لم يكن منبر خطب على موضع مرتفع ليبلغ صوته الناس.
ومنها: أن يسلم على من عند المنبر إذا انتهى إليه، لما روي عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ-: "كَانَ إِذَا دَنَا مِنْ مِنْبَرِهِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ يَصْعَدُ فَإذَا اسْتَقْبَل النَّاسَ بِوَجْهِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَعَدَ" (٢).
ومنها: إذا بلغ في صعوده الدرجة التي تلي موضع القعود ويسمى ذلك الموضع المستراح، أقبل على الناس بوجهه وسلم عليهم، خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: يكره هذا السَّلام.
لنا خبر ابن عمر -﵄- وروي أنه -ﷺ-: "اسْتَوَى عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْترَاحِ قَائِمًا ثُمَّ سَلَّمَ" (٣).
ومنها: أن يجلس بعد السلام على الموضع المسمى بالمستراح ليستريح من تعب الصعود روي أنه -ﷺ-: "كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَيجْلِسُ جَلْسَتَيْنِ" (٤) والمراد هذه الجلسة والجلسة بين الخطبتين ومتى جلس يشتغل المؤذن بالأذان قال الأئمة: "وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رسُولِ اللهِ -ﷺ- وَلاَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -﵄- لِلْجُمْعَةِ أَذَانٌ قَبْلَ هذَا الأَذَانِ فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ، كَثُرَ النَّاسُ وَعَظُمَت البَلْدَة أَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ بَالتَّأْذِينَ عَلَى مَكَانِهِم" ثم كان يؤذن المؤذن بين يديه إذا استوى على المنبر فثبت الأمر على ذلك ويديم الإمام الجلوس إلى فراغ المؤذن من الأذان.
وقوله: (إلى أن يفرغ المؤذن) وحد لفظ المؤذن، ويمكن حمله على ما [حكى] (٥) في "البيان" عن صاحب "الإفصاح" والمحاملي أن المستحب أن يكون المؤذن واحدًا، "لأنه لم يكن يُؤَذِّنُ لرسول الله -ﷺ- يوم الجمعة إلا وَاحِدٌ" (٦) وفي كلام
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥) من حديث جابر: ومن حديث ابن عمر (٣٥٨٣).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٩٣) والبيهقي (٣/ ٢٠٥).
(٣) انظر التخريج السابق، وقال النووي: صحيح، انظر شرح المهذب (٤/ ٤٠٠).
(٤) تقدم.
(٥) في ط (ما روي).
(٦) أخرجه البخاري (٩١٢، ٩١٣، ٩١٥، ٩١٦).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
بعض الأصحاب ما ينازع فيه، ويشعر باستحباب التعدد -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بليغتين قَرِيبَتَيْنِ مِنَ الإِفْهَامِ مَائِلَتَيْنِ إِلَى القِصَر يَسْتَدبِرُ القِبْلَةَ فِيهِمَا، وَيَجْلِسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ بِقَدْرِ سُورَةِ الإِخْلاَصِ، وَيَشْغَلُ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي الخُطْبَتَيْنِ بِحَرْفِ المِنْبَرِ وَالثَّانِيَةَ بِقَبْضِ سَيْفِ أَوْ عَنْزَةٍ.
قال الرافعي: الجملة الثانية: السنن المتعلقة بنفس الخطبة.
منها:. أن تَكُونَ الخُطْبَةُ بليغةً غير مُؤَلَّفَةٍ من الكلمات المتبذلة؛ لأنها لا تؤثر في القُلوب، ولا من الكلمات الغربية الوحشية؛ فإنه لا ينتفع بها أكثر النَّاس؛ بل يجعلها قريبة من الإفهام.
ومنها: أن لا يطول، روي أنه -ﷺ- قال: "قِصَرُ الْخُطْبَةِ وَطُولُ الصَّلاَةِ مِئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ" (١) وإنما قال: مائلتين إلى القِصَر ولم يقل قصيرتين؛ لأن المحبوب فيهما التَّوَسُّط، روي أن صلاة رسول الله -ﷺ-: "كَانَتْ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا" (٢).
ومنها: أن يستدبر القبلة ويقبل على النَّاس ولا يلتفت يمينًا وشمالًا، روي أنه -ﷺ-: "كَانَ إذَا خَطَبَ اسْتَقبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَقْبَلُوهُ وَكَانَ لاَ يَلْتَفِتُ" (٣) وإنما استدبر القبلة؛ لأنه لو استقبلها لم يخل إما أن يكون في صدر المسجد على ما هو المعتاد أو في آخره، فإن كان في صدر المسجد واستقبلها، كان مستدبرًا للقوم، واستدبارهم وهم المخاطبون قبيح، خارج عن عرف المخاطبات، وإن كان في آخره فإما أن يستقبله القوم فيكونوا مستدبرين للقبلة واستدبار واحد أهون من استدبار الجم الغفير، وإما أن يستدبروه فيلزم ما ذكرنا من الهيئة القبيحة، ثم لو خطب مستدبرًا للناس جاز، وإن خالف السنة، وحكى في "البيان" وغيره وجهًا أنه لا يجزئ.
ومنها: أن يجلس بين الخطبتين بقدر قراءة سورة "الإخلاص" حكى عن نصه في "الكبير" قال الإمام: وهو قريب من القدر المستحب من الجلسة بين السجدتين. وقوله: (ويجلس بين الخطبتين) إلى آخره الغرض منه عد تقدير الجلوس بالقدر المذكور من جملة السُّنَن.
وأما أصله فهو من الواجبات وهو كقوله: (ثم يخطب خطبتين بليغتين) لا أنه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٦٩) من رواية عمار -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم من رواية جابر بن سمرة (٨٦٦).
(٣) أخرجه ابن ماجة من رواية عدي بن ثابت عن أبيه، قال عن عبد الله وضعفه، انظر خلاصة البدر (١/ ٢١٦). وقوله: وكان لا يلتفت، قال ابن الملقن: غريبة.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
يخطب خطبتين ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن القاضي الروياني ذكر في التجربة أنه يجب أن يكون جلوسة بقدر قراءة سورة "الإخلاص"، ولا يجوز أقلّ منه، ونسبه إلى النص.
ومنها: أن يعتمد على سيف أو عنزة وهي شبه الحربة أو عصَا أو نحوها، روي أنه -ﷺ-: "كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنْزَتِهِ اعْتِمَادًا" (١).
وروي: "أَنَّهُ اعتَمَدَ عَلَى قَوْسٍ فِي خُطْبَتِهِ" فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا سكن جسده ويديه إما بأن يجعل يده اليمنى على اليسرى، أو يقرهما مرسلتين، والغرض أن يخشع ولا يَعْبَث بهما، وإذا شغل إحدى يديه بسيف أو ما في معناه شغل الأخرى بحرف المنبر، وبأيتهما يقبض السَّيْف ونحوه، لم يتعرض الأكثرون لذلك، وذكر في "التهذيب" أنه يقبض باليسرى، وقوله: (بسيف أو عنزة) في بعض النسح أو غيره، ولا بأس به أيضًا وينبغي للقوم أن يقبلوا على الخطيب (٢) مستمعين، لا يشتغلون بشيء آخر، حتى يكره الشرب للتلذذ ولا بأس به للعطش لا للقوم ولا للخطيب (٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في المعرفة من رواية عن عطاء، وهذا مرسل وضعفه، خلاصة البدر (١/ ٢١٦) والتلخيص (٢/ ٦٥).
(٢) أخرجه أبو داود من رواية الحكم بن حزن (١٠٩٦) وصححه ابن المسكن، انظر خلاصة البدر (١/ ٢١٦) والتلخيص (٢/ ٦٤ - ٦٥).
(٣) يكره في الخطبة أمورًا ابتدعها الجهلة. منها التفاتهم في الخطبة الثانية، والدق على درج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى إلى صعوده قبل أن يجلس. وربما توهموا أنها ساعة الإجابة، وهذا جهل فإن ساعة الإجابة إنما هي بعد جلوسه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومنها: المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم. وأما أصل الدعاء للسلطان فقد ذكر صاحب "المهذب" وغيره: أنه مكروه. والاختيار: أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه، ولا نحو ذلك، فإنه يستحب الدعاء بصلاح ولاة الأمر. ومنها: مبالغتهم في الاسراع في الخطبة الثانية. وما الاحتباط والإمام يخطب، فقال صاحب "البيان": لا يكره، والصحيح: أنه مكروه، فقد صح في "سنن أبي داود" والترمذي أن رسول الله -ﷺ-، نهى عن الاحتباء والإمام يخطب، قال الترمذي: حديث حسن. وقال الخطابي من أصحابنا: فهي عنه؛ لأنه يجلب النوم، فيعرض طهارته للنقض، ويمنعه استماع الخطبة. ويستحب إذا كان المنبر واسعًا، أن يقوم على يمينه. قاله القاضي حسين، وصاحب "التهذيب" ويكره للخطيب أن يشير بيديه، قال في التهذيب: يستحب أن يختم الخطبة بقوله: أستغفر الله لي ولكم. وذكر صاحبا "العدة"، و"البيان" أنه يستحب للخطيب إذا وصل إلى المنبر، أن يصلي تحية المسجد ثم يصعده، وهذا الذي قالاه، غريب، وشاذ، ومردود، فإنه خلاف ظاهر المنقول عن قول رسول الله -ﷺ-، والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، ولو أغمي على الخطيب. قال في "التهذيب" في بناء غيره على خطبته، القولان في الاستخلاف في الصلاة، فإن لم نجوزه استؤنفت الخطبة، وإن جوزناه اشترط أن يكون الذي يبني سمع أول الخطبة، هذا كلامه في التهذيب، والمختار أنه لا يجوز البناء هنا، قاله النووي. الروضة (١/ ٥٣٧، ٥٣٨).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا فَرَغَ ابْتَدَرَ النَّزُولَ مَعَ إِقَامَةِ المُؤَذِّنِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ المِحْرَابَ عِنْدَ تَمَامِ الإقَامَةِ.
قال الرافعي: الجملة الثالثة: ما يتأخر عن نَفْسِ الخُطبة، وهو أن يأخذ في النزول والمؤذن في الإقامة ويبتدر ليبلغ المِحْراب مع فراغ المؤذن من الإقامة، والمعنى فيه المبالغة في تحقيق الموالاة.