وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي وَقْتِ الرَّفَاهِيَةِ، أَمَّا الظُّهرُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِ زِيادَةِ الظِّلِّ لِكُلِّ شَخْصٍ فِي جَانِبِ المَشْرِقِ، وَيتَمَادى وَقْتُ الاخْتِيَارِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّخْصِ (م زح) مِثْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ.
قال الرافعي: الكلام في الصلاة حواه في سبعة أبواب:
أولها في المواقيت، وصدر الشافعي كتاب الصلاة بهذا الباب؛ لأن أهم الصلوات الوظائف الخمس، وأهم ما يعرف منها مواقيتها، لأنها بدخول الوقت تجب وبخروجه تفوت. وفي الباب ثلاثة فصول:
أولها: في وقت الرفاهية.
والثاني: في وقت العذر، وفي كلام الشافعي -﵁- أن الوقت وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة.
قال الشارحون: المقام: الإقامة، والرفاهية: الفسحة والدعة، يقال: فلان رَافِهُ إذا كان حاضرًا غير ظاعن، وفلان في رَفَاهِيَةٍ من عَيْشِهِ أي خفض ودَعَةٍ، واتفقوا على أن الغرض بهما في كلامه شيء واحد، وهو وقت المترفه الذي ليس به عذر ولا ضرورة، وهو الوقت الأصلي للصّلوات، واختلفوا في العذر والضرورة، فمنهم من قال: وقت العذر غير وقت الضرورة، فالعذر ما يرخص في التقديم والتأخير من غير إلجاء إليه وهو السفر والمطر، والضرورة ما تدفع وتلجئ إليه وذلك في، الصبي يبلغ والمجنون يفيق، والكافر يسلم، والحائض والنفساء ينقطع دمهما.
وعلى هذا قالوا: الأوقات ثلاثة، لكن الشافعي -﵁- جعلهما على قمسين، وجعل وقتًا في حيز، ووقتين في حيز؛ لما بينهما من التناسب، ومنهم من
[ ١ / ٣٦٦ ]
قال: العذر والضرورة وَاحِدٌ، وأراد به وقت الصبي يبلغ ومن في معناه.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن صاحب الكتاب جعل الفصل الأول في وقت الرفاهية، والثاني في وقت الضرورة، وسماها وقت العذر، كأنه وافق الفرقة الصائرة إلى أن المراد بالعذر والضرورة واحد.
فأما الفصل الأول فالأصل فيه ما روي عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ بَاب الْبَيْتِ مَرَّتَيْن فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَت الشَّمْسُ" (١)، وروي "حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرُ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْر ظِلِّهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بقَدرِ ظِلِّهِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ لِلْقَدَرِ الأَوَّلِ لَمْ يُؤَخِرْهَا، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ ذهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الفَجْرَ حِينَ أَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَال يَا مُحَمَّدُ: هذَا وَقْتُ الْأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ"، ويروى مثل ذلك عن ابن عمر -﵄- وأبي هريرة وأبي موسى وجابر وأنس وغيرهم -﵃- (٢).
ولهذا الحديث بدأ الأئمة بصلاة الظهر.