وَفَرَائِضُهُ سِتَّةَ: الأَوَّلُ: النِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ عَنْ حَدَثٍ (ح و) وَلاَ تَجِبُ (و) في إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلاَ يَصِحُّ (و) وُضوءُ الكَافِرِ وَغُسْلُهُ إِذ لاَ عِبرَةَ بِنَيَّتِهِ إِلاَّ الذِّمِّيَّةَ تَحْتَ المُسْلِمِ تَغْتَسِلُ عَنِ الحَيْضِ لَحَقِّ الزَّوْجِ فَلا يَلْزمُهَا الإعَادَة بَعْدَ الإِسْلاَمِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَالرِّدَّةُ بَعْدَ الوُضُوءِ لاَ تُبْطِلُهُ (و) وَبَعْدَ التَّيَمُّمِ تُبْطِلُهُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ التَّيَمُّمِ.
قال الرافعي: ذكرنا في أول الكتاب أَنَّ أحكام الطهارة على قسمين مقدمات ومقاصد. وجعل قسم المقاصد على أربعة أبواب:
أحدهما: في صفة الوضوء، وله فرائض وسنن، أما الفرائض فهي. ست:
الفرض الأول منها النية، فهي واجبة في طهارات الأحداث، خلافًا لأبي حنيفة، إلا في التيمم. لنا قوله -ﷺ-: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١).
واعتبار ما عدا التيمم بالتيمم وأما إزالة النجاسة، فلا يعتبر فيها النية، لأنها من قبيل المتروك، والمقصود، هُجْرَانُ النجاسة، والمتروك لا تعتبر فيها النية، كترك الشرب، والزنا وغيرهما. وطهارات الأحداث عبادات، فأشبهت سائر العبادات، ويحكى عن ابن سريج اشتراط النية فيها، وبه قال أبو سهل الصعلوكي (٢)، فيما حكاه صاحب "التتمة"، وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه بني على اعتبار النية في الطهارات امتناع صحتها من الكافر، فلو اغتسل الكافر في كفره، أو توضأ، ثم أسلم - لم يعتد بما فعله في الكفر؛ لأنه ليس أهلًا للنية، فيلزم الإعادة بعد الإسلام، ولأن الطهارة عبادة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١) ومسلم ١٥٥/ ١٩٠٧، وانظر تعليقنا على الأشياء والنظائر لابن السبكي ١/ ٥٤.
(٢) محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون الإمام، أبو سهل الصعلوكي الحنفي نسبًا ثم العجلي، النيسابوري، الفقيه المفسر، الأديب اللغوي، النحوي، الشاعر، المفتي، الصوفي، حبر زمانه، وبقية أقرانه - هذا قول الحاكم. فيه ولد سنة ست وتسعين ومائتين. وأخذ عن ابن خزيمة ثم عن أبي علي الثقفي وأفتى ودرس بنيسابور نيفًا وثلاثين سنة. توفي في ذي القعدة سنة تسع وستين وثلاثمائة. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ١٥٠، ١٥١. والعبادي ٩٩، والشيرازي ٩٥، وابن السبكي ٢/ ١٦١، وابن خلكان ٣/ ٣٤٢، والوافي بالوفيات ٣/ ١٢٤، النجوم الزاهرة ٤/ ١٣٦.
[ ١ / ٩٦ ]
والكافر ليس أهلًا للعبادات، ولهذا لا يصح منه الصلاة والصوم. ولعل هذا أولى من التعليل، بأنه لا يصح منه النية؛ لأن النية المعتبرة في الوضوء نية رفع الحدث، وهي متصورة من الكافر. وقال أبو بكر الفارسي (١): لا يجب إعادة الغسل ويجب إعادة الوضوء؛ لأن الغسل يصح من الكافر في بعض الأحيان، بدليل غسل الذِّمّيةِ عن الحيض لزوجها المسلم، والوضوء لا يصح منه بحال.
وحكى وجه آخر: أنه لا يجب إعادة الغسل ولا الوضوء وبه قال أبو حنيفة.
وأما مسألة الذمية، فإنها إذا طهرت من الحَيْضِ وَالنَّفَاسِ فلا يحل لزوجها المسلم غِشْيَانُهَا حتى تغتسل، كالمسلمة المجنونة تطهر من الحيض، ثم لو أسلمت الذمية بعد ذلك الغسل، أو أفاقت المجنونة، فهل يلزمها الإعادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو بكر الفارسي لا يلزم، لأنه غسل صح في حق حل الوطء، فيصح في حكم الصلاة وغيره. وأصحهما: أنه يلزم الاعادة، لأنه ليس للكافر والمجنون أهلية العبادة، وإنما صح في حل الوطء لضرورة حق الزوج. ولهذا تُجْبَرُ الزوجة على الغُسْلِ من الحيض -مسلمة كانت أو ذمية- لحقه هذا حكم الكافر الأصلي.
أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال ولم يجروا فيه الخلاف المذكور في الكافر الأصلي؛ لأن من قال: ثم لا حاجة إلى الإعادة أخذ ذلك من غسل الذمية يحل الوَطْءِ، أو من التخفيف والعفو عند الإسلام، ولا يفرض واحد منهما في المرتد.
ولو توضأ المسلم ثم ارتد، هل يبطل وضوءه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لأن ابتداء الوضوء لا يصح مع الردة، فإذا طرأت في دوامه أبطله، كالصلاة لا يصح ابتداؤها مع الردة، وتبطل إذا طرأت في دوامها.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يبطل، حتى لا تجب الإعادة، إذا عاد إلى الإسلام؛ لأنه بعد الفراغ من الوضوء، مستديم حكمه لا فعله، وإذا كان كذلك لم يتأثر ما سبق بالردة. ألا ترى أنه إذا ارتد لم يبطل ما معنى من صومه وصلاته، حتى لا تجب إعادته بعد الإسلام! وهل يجرى هذا الخلاف في الغسل؟
_________________
(١) أحمد بن الحسين بن سهل، أبو بكر الفارسي صاحب عيون المسائل في نصوص الشافعي، وهو كتاب جليل على ما شهد به الأئمة الذين وقفوا عليه، تفقه على ابن سريج. مات في حدود سنة خمسين وثلاثمائة. وفي موته خلاف انظر ابن قاضي شهبة ١/ ١٢٣، وانظر العبادي ٤٥، وهدية العارفين ١/ ٦٥.
[ ١ / ٩٧ ]
المشهور: إنه لا يجري، لأن الغسل بجامع الكفر، بدليل مسألة الذمية، والوضوء بخلافة، ومنهم من أجرى الخلاف فيه أيضًا، والتوجيه ما ذكرنا في الوضوء.
وأما التيمم ففي بطلانه بعروض الردة وجهان أيضًا: لكن الأصح فيه البطلان؛ لأن التيمم لاستباحة الصلاة، وإذا ارتد خرج عن أهلية الاستباحة، فلا يفيد تيممه الإباحة بعد ذلك؛ كما إذا تيمم قبل الوقت، لا يستبيح به الصلاة بعد دخول الوقت ومنهم من يرتب فيقول: إن بطل الوضوء بالردة فالتيمم أولى، وإن لم يبطل، ففي التيمم وجهان، والفرق ضعف [التيمم] (١) وتقاعده عن إفادة الإباحة بعد تَعَذُّرِ الاسْتِبَاحة.
قال الغزالي: ثُمَّ وَقْتُ النِّيَّةِ حَالَةُ غَسْلِ الوَجهِ وَلاَ يَضُرُّ الغُرُوبُ بَعْدَهُ، وَلَو اقْتَرَنَتْ بِأوَّلِ سُنَنِ الوُضُوءِ وَعَزُبَتْ قَبْلِ غَسْلِ الوَجْهِ فَوَجْهَان.
قال الرافعي: لا يجوز أن تتأخر النية عن أول غسل الوجه؛ لأنها لو تأخرت لخلا أول الفرض عن النية، وصار كالصلاة، يشترط فيها المقارنة بأولها بخلاف الصوم، يحتمل فيه المتقدم تارة والتأخر أخرى، لعسر مراقبة طلوع الفجر وتطبيق النية عليه، ثم إذا لم تتأخر، فإما أن يحدث مقارنة لأول غسل الوجه أو يتقدم عليه، فإن حدثت مقارنة لأول غسل الوجه صح الوضوء ولا يجب الاستصحاب إلى آخر الوضوء، لما فيه من العسر، ولكن لا يحصل له ثواب ما قبله من السنن، إذ ليس للمؤمن من عمله إلا ما نوى (٢) وإن تقدمت عليه، نظر إن استصحبها إلى أن ابتدأ بغسل الوجه صح الوضوء. وحصل ثواب السنن المَنْوِيَّة قبله، وإن قارنت ما قبله من السنن، وعزبت قبل غسل الوجه، ففي الوضوء وجهان:
أحدهما: الصحة؛ لأن تلك السنن من جملة الوضوء فإذا اقترنت النية بها، فقد اقترنت بأول العبادة. وإن لم تكن فرضًا وأصحهما: المنع، لأن المقصود من العبادة واجباتها والمندوبات توابع وتزينات، فلا يكفي اقتران النية بها، ولأنها أمور سابقة على فرض الوضوء، فلا يكفي اقتران النية بها، كالاستنجاء ثم لا خلاف في أن المضمضة، والاستنشاق من سنن الوضوء، واختلفوا فيما قبل ذلك، كغسل اليدين، والسواك، والتَّسْمِيَّة، فلم يعدها كثيرون من سننه. وإن كانت مندوبة في ابتدائه، وعدها آخرون من سننه، وهو الوجه، ولهذا تقع معتدًا بها مثابًا عليها إذا نوى مطلق الوضوء، ولو لم تكن معدودة من أفعاله لما اعتد بها بنية الوضوء. وفي لفظ الكتاب أشياء، ينبغي أن يتنبه لمثلها.
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) قال النووي: وفي الحاوي وجه أنه يثاب عليها. والله أعلم. الروضة ١/ ١٥٨.
[ ١ / ٩٨ ]
الأول: إن قوله: "وقت النية حالة غسل الوجه" مؤول، لأن إطلاق غسل الوجه يتناول جميعه والجميع ليس بوقت النية، لا بمعنى أنه يجب اقتران النية بالكل، كقولنا: وقت الصوم النهار؛ لأنه يجوز أن يغسل الوجه على التدريج، ولا تقترن النِّيَّة بما سوى الجزء الأول، ولا بمعنى أنه تجزى النية في أي بعض من أبعاضه اتفقت، كقولنا: وقت الصلاة كذا؛ لأن اقترانها بما سوى الجزء الأول لا يغني فإذًا المراد أول غسل الوجه.
والثاني: أن قوله: لا يضر العُزُوبُ بعده ليس على إطلاقه. لأن الذي لا يضر ليس مطلق العزوب؛ بل العزوب بشرط أن لا تحدث نية أخرى، حتى لو عزبت نيته المعتبرة، وحدثت له نية تبرد، أو تنظف، لم يصح وضوءه في أصح الوجهين؛ لأن النية الأولى غير باقية حقيقة، والثانية حاصلة حقيقة، فتكون أقوى.
والثالث: قوله: "ولو اقترنت بأول سُنَنِ الوضوء"، ليس من شرط هذه الصورة أن يكون الاقتران بالسنة الأولى؛ بل سواء اقترنت النية بالأولى أو بغيرها وعزبت قبل الشروع في غسل الوجه - حصل الوجهان وبالله التوفيق.
قال الغزالي: وَكَيْفيَّتُهَا أَنْ يَنْوي رَفْعَ الحَدَثِ أَو استِبَاحَةَ الصَّلاةِ أَوْ مَا لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بالطَّهَارَةِ أَوْ أَدَاءَ فَرْضِ الوُضُوءِ، فَإِنْ نَوَى رَفعَ بَعَضْ الحَدَثِ دُونَ البَعْضِ فَسَدَتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجهَينِ، وَإِنْ نَوَى استِبَاحَةَ صَلاَةٍ لاَ بِعَيْنِهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ تَفْسَدُ فِي الكُلِّ، وَقِيلَ يُبَاحُ لَهُ مَا نَوى، وَلَوْ نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الوُضُوءُ كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ شَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَبيَّنَ الحَدَثَ فَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ وَجهَانِ لِلتَّرَدْدِ فِي النِّيَّةِ، وَإِنْ نَوِى بِوْضُوئِهِ رَفْعَ الحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ لَمْ يَضُرَّ عَلَى الأَظْهَرِ وَكَذَا إِنْ نَوَى غُسْلَ الجَنَابَةِ مَعَ غُسْلِ الجُمُعَةِ حَصَلاَ مَعًا.
قال الرافعي: الوضوء نوعان، وضوء رفاهية، ووضوء ضرورة، أما وضوء الرَّفاهِية فعلى صاحبه أن ينوي أحد أمور ثلاثة:
أولها: رفع الحدث، أو الطهارة عنه، فإن أطلق كفاه؛ لأن المقصود من الوضوء رفع مانع الصلاة ونحوها، فإذا نواه فقد تعرض لما هو المطلوب بالفعل. وحكى وجه: أنه إن كان يمسح على الخف لم يجزه نية رفع الحدث؛ بل ينوي استباحة الصلاة، كالمتيمم، ولو نوى رفع بعض الأحداث دون بعض، بأن كان قد نام وبال ومسّ، فنوى رفع حدث منها، ففيه وجوه أصحها: أنه يصح وضوءه؛ لأنه نوى رفع البعض، فوجب أن يرتفع، والحدث لا يتجزأ، فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل.
والثاني: لا يصح؛ لأن مَا لَمْ يَنْوِ رفعه يبقى، والأحداث لا تتجزَّأُ، فإذا بقي البعض بقي الكل، ويكاد هذان الكلامان يتقاومان، لكن من نصر الأول قال: نفس النوم
[ ١ / ٩٩ ]
والبول لا يرفع، وإنما يرفع حكمهما، وهو شيء واحد تعددت أسبابه، والتعرض لها ليس بشرط، فإذا تعرض له مضافًا إلى سبب واحد - لغت الإضافة إلى السبب، وارتفع.
والثالث: إن لم ينف رفع ما عداه صح وضوءه، وإن نفاه فلا، لأن نيته حينئذ تتضمن رفع الحدث وإبقاءه فصار، كما لو قال: أرفع الحدث لا أرفع الحدث.
والرابع: إن نوى رفع الحدث الأول صح وضوءه، وإن نوى غيره فلا؛ لأن الأول هو الذي أثر في المنع ونقض الطهارة.
والخامس: إن نوى رفع الحدث الأخير صح، وإن نوى غيره فلا، لأن الأخير أقرب، وذكر بعضهم: أن الخلاف فيما إذا نواه، ونفى غيره، فإن لم يَنْفِ صح بلا خلاف، وهذا إذا كان الحدث الذي خصه بالرفع واقعًا له، فإن لم يكن، كما إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم، وإنما بال، نظر إن كان غَالِطًا صح وضوءه؛ لأن التعرض لها ليس بشرط، فلا يضر الغلط فيها، وإن كان عامدًا لم يصح في أصح الوجهين، لأنه متلاعب بطهارته.
الثاني: استباحة الصلاة أو غيرها، مما لا يباح إلا بالطهارة، كالطواف، وسجدة التِّلاوة، والشكر، ومس المصحف، فإذا نواها وأطلق أجزأه، لأن رفع الحدث إنما يطلب لهذه الأشياء، فإذا نواها فقد نوى غاية المَقْصَدِ، وروى وجه: أنه لا يصح الوضوء بنية الاستباحة، لأن الصلاة ونحوها قد تُسْتَبَاحُ مع بقاء الحدث بدليل المُتيمِّم وإن نوى اسْتِبَاحَةَ صلاة معينة، فإن لم يتعرض لما عداها بالنفي والإثبات صح أيضًا وإن نفى غيرها فثلاثة أوجه:
أصحها: الصحة؛ لأن المَنْوِيَّةَ ينبغي أن تباح، ولا تباح إلا إذا ارتفع الحدث، والحدث لا يتبعض.
والثاني: المنع، لأن نيته تضمنت رفع الحدث، وإبقاءه كما سبق.
والثالث: يباح له المنوي دون غيره، لظاهر قوله﵌: "وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". وإن نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن لِلْمُحْدِثِ، وسماع الحديث وروايته، والقعود في المسجد وغيرها، فوجهان:
أظهرهما: لا يصح وضوءه؛ لأن هذه الأفعال مباحة مع الحدث، فلا يتضمن قصدهما قصد رفع الحدث.
والثاني: يصح؛ لأنه قصد أن يكون ذلك [الفعل على أكمل أحواله، ولن يكون كذلك إلا إذا ارتفع الحدث:
[ ١ / ١٠٠ ]
والوجهان جاريان فيما إذا كان] (١) الوضوء مستحبًا في ذلك الفعل لمكان الحدث، كما ذكرنا من الأمثلة، وفيما إذا كان الاستحباب لا باعتبار الحَدَثِ كتجديد الوضوء، فإن المقصد منه زيادة النَّظَافَةِ، لكن المنع في القسم الثاني أظهر منه في الأول، ولذلك قطع بعضهم بنفي الصحة فيه. ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة، فتوضأ احتياطًا، ثم تَبَيَّنَ أنه كان محدثًا، فهل يعتد بهذا الوضوء؟ فيه هذان الوجهان؛ لأن الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث؛ وفي المسألة معنى آخر، وهو أنه الوضوء متردد في الحدث، فيكون مترددًا في نِيَّةِ رفع الحدث، وإذا كان كذلك وجب أن لا يعتد بوضوئه لاخْتِلال النية، وهذا بخلاف ما إذا شك في الطهارة بعد يَقِينِ الحدث، حيث يُؤْمَرُ بالوضوء، ويحكم بصحته مع التردُّد، لأن الأصل بقاء الحدث، والتردد الذي يعتضد أحد طرفيه بالأصل لا يضر لحصول الرُّجحَان والظهور. وهذا المعنى على العكس هاهنا، أما إذا كان الفعل، بحيث لا يتوقف على الوضوء، ولا يستحب الوضوء له كدخول السوق، فتوضأ له لم يصح.
الثالث: أداء فرض الوضوء، فيصح الوضوء بهذه النية؛ كما إذا نوى المصلِّي أداء فرض الصلاة، وهذا لأن النية معتبرة في الوضوء لجهة كونه قُرْبَة، فأشبه سائر القربات، ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الإضافة إلى الله تعالى كما في الصوم، والصلاة وسائر العبادات.
والأولى: أن لا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات بل يعتبرها للتمييز ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفرضية، لأن الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات، وقد نَصُّوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه، بل يلزم أن يجب التعرض للفرضية ولو نوى رفع الحدث أو الاسْتِبَاحَة والله أعلم. فإن قيل: إذا لم يدخل وقت الصلاة، فليس عليه وضوء ولا صلاة، فكيف ينوي فرض الوضوء؟
فالجواب أن الشيخ أبا على ذكر أن الموجب للطهارة هو الحدث، وقد وجد، إلا أن وقتها لا يتضيَّقُ عليه، ما لم يدخل وقت الصلاة، فلذلك صح الوضوء بنية الفرضية قبل دخول الوقت، لكن هذا الجواب مبني على أن الموجب للطهارة هو الحدث، وقد صار بعض الأصحاب: إلى أن الموجب هو دخول الوقت أو أحدهما بشرط الآخر، ويجوز أن يقال: لا تعنى بالفرضية (٢) أنه يلزمه الإتيان به، وإلا لامتنع أن يتوضأ الصبي المميز بهذه النية، ولكن المراد أنه ينوي إقامة طهارة الحدث المشروطة في الصلاة،
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) في ب: بالفريضة.
[ ١ / ١٠١ ]
وشروط الشيء تسمى فروضه، وربما نذكر في معنى فرضية الصلاة التي ينويها المصلي ما يقارب هذا، ونبين ما فيه من الإشكال في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
ثم إذا نوى بوضوئه أحد الأمور الثلاثة، وقصد معه شيئًا آخر يحصل ذلك الشيء من غير قصد ونية، كما لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرُّد أو استباحة الصلاة والتبرد، ففي صحة الوضوء وجهان:
أحدهما: ويحكى عن ابن سريح: أنه لا يصح؛ لأن الاشتراك في النية بين القربة وغيرها مما لا يخل بالإخلاص، وأصحهما: أنه يصح، لأن التبرُّدَ حاصل وإن لم يَنْوِ فنيته لاغية؛ وصار كما لو كبر الإمام وقصد مع التحريم إعْلاَمَ القوم لا يضر، ولو اغتسل بنية رفع الجنابة والتبَرُّد فعلى هذين الوجهين. ولو كانَ يغتسل ضَحْوَةَ الجمعة، فنوى رفع الجنابة وغسل الجمعة، فهذا يُبْنَى على أنه لو اقتصر على نية رفع الجنابة، هل يتأدى به سُنَّةُ غسل الجمعة أم لا؟ فيه قولان: إن قلنا: لا، فقضيته أنه لا يصح الغسل أصلًا؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل جميعًا.
لمان قلنا: يتأدّى به وهو الأصح فوجهان، كالوجهين في ضَمِّ نية التبرد إلى رفع الحدث، أصحهما: أنه لا يضر، كما لو صلى الفرض عند دخول المسجد، ونوى التحِيَّةَ أيضًا لا يضرُّ، لأن التحية تحصل، وإن يَنْوِها ولا فرق في جَرَيَان الوجهين -في مسألة التبرُّد- بين أن يضم قصد التبرد إلى النية المعتبرة في الابتداء، وبين أن يحدثها في الأثناء وهو ذاكر للنية المعتبرة، أما إذا كان غافلًا عنها لم يصح ما أتى به بعد ذلك في أصح الوجهين، وقد قدمنا هذا.
هذا شرح مسائل الفصل على الاختصار، ونعود إلى ما يتعلق بخصوص الكتاب.
قوله: "وكيفيته أن ينوي رفع الحدث"، يجوز أن يعلم رفع الحدث بالواو، إشَارَةً إِلَى الوَجْهِ الذي ذكرنا، في حق الماسح على الخُفِّ، فإن ذلك القائل لا يصحح الوضوء بنية رفع الحدث على الإطلاق؛ بل في حق غَيْرِ المَاسِحِ. وقوله: "أو استباحة الصَّلاَة" ينبغي أن يعلم أيضًا بالواو، للوجه الذي رويناه. وقوله: "أو أداء فرض الوضوء" ليس ذكر الفرضية على سبيل الاعتبار والاشتراط كما سبق، وقد أوضح ذلك في "الوسيط". فقال: ينوي أداء الوضوء أو فريضة الوضوء. وقوله: "ولو نوى رفع بعض الحدث دون البعض"، يشمل ما إذا لم يتعرض للباقي أصلًا، وما إذا نفى رفع الباقي والخلاف جارٍ في الحالتين على أظهر الطريقين كما سبق -فهو مجرى على إطلاقه، لكن قوله: "وإن نوى استباحة صلاة بعينها"- المراد منه: ما إذا عَيِّنَهَا؛ ونفى غيرها، لأنه لا خلاف فيما إذا لم يتعرض لما سواها. وقوله: في مسألة الشك "للتردُّدِ في النيّة" إشارة إلى المعنى الثاني، لوجه عدم الإجزاء، لكن المناسب لا يراد المسألة
[ ١ / ١٠٢ ]
مقرونة بما إذا نوى بوضوئه الأفعال المستحبة المعنى الأول. وقوله: "كذا لو نوى غسل الجنابة والجمعة حصلا"، يجوز أن يريد به العطف على الأظهر في مسألة التبرد، بناء على أنه يحصل غسل الجمعة وإن اقتصر على رفع الجنابة، وعلى هذا فاللفظ يشعر بالخلاف في المسألة ولا حاجة إلى إعلامه بالواو، ويجوز أن يحمل على الابتداء، وعلى هذا يحتاج إلى العلامة بالواو، وعلى التقديرين وهو مُعْلَّمٌ بالميم، لأن صاحب "البيان" حَكَى عن مالك أنه لا يجزئه الغسل الواحد عنهما.
قال الغزالي: وَالمُسْتَحَاضَةُ لاَ يَكْفِيهَا نِيَّة رَفْعِ الحَدَثِ بَلْ تَنْوي اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ وَرَفْعَ الحَدَثِ وَلَو اقْتَصَرَتْ عَلَى نِيَّةِ الاسْتِبَاحَةِ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: تكلمنا في كَيْفِيَّةِ النية في وضوء الرَّفَاهِية، أما النوع الثاني في وضوء الضرورة وهو وضوء من به حَدَثَّ دائم، كَالمُسْتَحَاضَةِ، وَسَلَسِ البول ونحوهما.
فنقول: لو اقتصرت المُسْتَحَاضَةُ على نية رفع الحدث، فهل يصح وضوءها؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه لا يصح؛ لأن حدثها لا يرتفع بالوضوء، وكيف يرتفع؟ ومنه ما يقارن وضوءها ويتأخر عنه.
والثاني: يصح؛ لأن رفع الحدث يتضمن استباحة الصلاة، فقصد رفع الحدث يؤثر بمتضمنه وإن لم يؤثر بخصوصه، ولو اقتصرت على نية الاستباحة فوجهان:
أصحهما: أنه يصح وضوءها، كما يصح التيمُّم بهذه النية.
والثاني: لا يصح يُحْكَى ذلك عن أبي بكر الفارسيِّ، والخضريِّ؛ لأن لها أحداثًا سابقة وأخرى لاحقة، فتنوي الرفع لما تقدم، والاستباحة لما تأخر، وإن جمعت بينهما، فهو الغاية، لم لو نوت استباحة فريضة واحدة لا غير جاز بلا خلاف، بخلاف ما إذا فعل ذلك صاحب طهارة الرفاهية، لأن طهارتها لا تفيد إلا فريضة واحدة. ولو نوت استباحة نافلة بعينها، عاد ذلك الخلاف، ثم النَّظر في كون المُسْتَبَاح فرضًا أو نفلًا أو مطلق الصلاة، وفيما يباح لها إذا نوت النفل، كما سيأتي في التيمُّم.
قال الغزالي: وَلَوْ أَغْفَلَ لُمْعَةً فِي الأولَى فَانْغَسَلَتْ فِي الكَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى قَصْدِ التَّنَفُّلِ فَفِي ارْتفَاعِ الحَدَثِ وَجْهَانِ، وَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الوُضُوءِ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو كان يتوضأ ثلاثًا كما هو السُّنَّة وترك لُمْعَة في المرة الأولى غافلًا،
[ ١ / ١٠٣ ]
وانغسلت في الغسلة الثانية أو الثالثة، وهو يقصد التنفل بهما، فهل يعتد بغسل تلك اللُّمْعَة أم يحتاج إلى إعادته؟ فيه وجهان مخرجان على أصلين سبق ذكرهما.
أحدهما: أنه إذا لم تبق نيته الأولى، وحدثت نِيَّةٌ أخرى؛ كما إذا عزبت نية رفع الحدث، وقصد التبرد أو التنطف، فقد حكينا فيه وجهين، وهاهنا كذلك لأنه لم يبق له في المرة الثانية والثالثة نية رفع الحدث ضرورة اعتقاده ارتفاع الحدث بالمرة الأولى.
والثاني: أن تلك اللّمْعَة ما صارت مغسولة بنية رفع الحدث، وما في معناه؛ بل على قصد التنفل، فيكون كما لو نوى بوضوئه ما يستحب له الطهارة (١) ولو أغفل لمعة في وضوئه، وانغسلت في تجديد الوضوء بعد ذلك، فعلى هذين الوجهين، لكن الأصح الاعتداد بالمُنْغَسِلِ في المرة الثانية والثالثة، وعدم الاعتداد بالمنغسل في التجديد، والفرق أن الغسلات في المرات الثلاث طهارة واحدة، وقضية نية الأولى أن تحصل الغسلة الثانية بعد الأولى، مما لم ينغسل عن الأولى لا يقع عن الثانية، وتوهمه الغسل عن الثانية لا يمنع الوقوع عن الأولى، كما لو ترك سجدة من الأولى ناسيًا وسجد في الثانية تتم بها الأولى، وإن كان تَوَهَّمَ خلاف ذلك، وأما التجديد فهو طهارة مستقلة منفردة بنية لم تتوجه إلى رفع الحدث أصلًا.
المسألة الثانية: إذا فرَّق النية على أعضاء الوضوء، فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه، وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما، وهكذا، ففي صحة وضوئه وجهان:
أظهرهما: عند صاحب الكتاب المنع؛ لأن الوضوء عِبَادَةٌ واحدة، فلا يجوز تفريق النية على أبعاضها كالصوم، والصلاة.
والثاني: وهو الأصح عند المعظم، أنه يصح؛ لأنه يجوز تفريق أفعاله على الصحيح ولا يشترط فيه الموالاة وإن كان عبادة واحدة، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله بخلاف الصلاة وغيرها لا يجوز التفريق في أبعاضها، ثم من الأصحاب من يبني تفريق النية على تفريق الأفعال إن جوزتا تفريق الأفعال جوزنا تفريق النية وإلا فلا، ومنهم من رَتَّبَ، فيقول: إن لم يَجُزِ التفريق في الأفعال ففي النية أولى، وإن جوزنا ذلك ففي هذا وجهان.
والفرق أنه وإن فرق أفعاله، فهو عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض، ألا ترى أنه لو أراد مَسَّ المصحف بوجهه المغسول قبل غسل باقي الأعضاء لا يجوز، وإذا كان كذلك
_________________
(١) قال النووي: لو نسي اللمعة في وضوئه أو غسله. ثم نسي أنه توضأ أو اغتسل فأعاد الرضوء أو الغسل بنيَّةِ الحدث أجزأه، وتكمل طهارته بلا خلاف. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٠.
[ ١ / ١٠٤ ]
فليشملها نية واحدة، بخلاف الأفعال فإنها لا تَتَأَتَّى إلا متفرقة، ثم الخلاف في مطلق تفريق النية أم فيما إذا نوى رفع الحدث عن العضو المغسول، ونفى غسل سائر الأعضاء دون ما إذا اقتصر على رفع الحدث عنه، والمشهور الأول، وحكى عن بعض الأصحاب الثاني، وإذا قلنا في المسألة الأولى: إنه لا يُعْتَدُّ بغسل اللّمْعَة في الكَرَّةِ الثانية والثالثة، فهل يبطل ما مضى من طهارته، أم يجوز البناء؟ فيه وجها تفريق النية: إن قلنا: لا يجوز التفريق يمتنع البناء؛ لأنه محتاج عند البناء إلى تجديد النية للباقي، وإن قلنا: يجوز البناء ويبقى النظر في طول الفصل وعدمه، فإن اعتبرنا الموالاة لم يُحْتَمَلْ طول الفصل.
قال الغزالي: الفَرْضُ الثَّانِي: اسْتِيعَابُ غَسْلِ الوَجهِ مِنْ مُبْتَدَا تسْطِيحِ الجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى الذّقنِ وَمِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ وَاجِبٌ، وَلاَ تَدْخُلُ النَّزَعَتَانِ وَلاَ مَوْضِعُ الصَّلَعِ فِي التحْدِيدِ، وَمَوْضِعُ التَّحْذِيفِ (٣) مِنَ الوَجهِ عَلَى الأظْهَرِ، وَالغَمَمُ إِن اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ الجَبْهَةِ وَجَبَ إِيصَالُ المَاءِ إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ فَوَجْهَان.
قال الرافعي: غسل الوجه أول الأركان الظاهرة في الوضوء، قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١)، وَحَدُّ الوجه على ما اختاره صاحب الكتاب من مُبْتَدَا تَسْطِيحِ الجبهة إلى منتهى الذَّقْنِ في الطول، ومن الأُذُن إلى الأُذُن في العرض، ومعنى ذلك: أن ميل الرأس إلى التَّدْوِيرِ، ومن أول الجَبْهَةِ يأخذ الموضع في التَّسْطِيح، وتقع به المُحَاذَاةُ والمواجهة، فَحَدُّ الوجه في الطول من حيث يبتدئ التسطيح، وما فوق ذلك من الرأس. وإذا عرفت ذلك فمما يخرج عن الحد النَّزَعَتَانِ، وهما البَيَاضَانِ المُكْتَنِفَانِ للنَّاصِيَةِ أعلى الجَبِيْنَينِ، لأنهما في سَمْتِ الناصية، وهما جميعًا في حدِّ التَّدْوِيرِ، ومما يخرج عنه موضع الصَّلَعِ، لأنه فوق ابتداء التسطيح، ولا عبرة بانحسار الشعر عنه، نظرًا إلى الأعَمِّ الأغلب، ومما يخرج عنه موضعا الصُّدْغَيْن، وهما في جانبي الأذن يتصلان بِالعِذَارَيْنِ من فوق؛ لأنهما خارجان عما بين الأذنين (٢) لكونهما فوق الأذنين، وحكى في الصُّدْغَيْنِ وجه: أنهما من الوجه، ومما يدخل في الحَدِّ موضع الغَمَم (٣)؛ لأنه في تسطيح الجَبهَةِ، ولا عِبْرَةَ بنبات الشعر على خلاف الغالب، كما لا عبرةَ بانحساره عن موضع الصَّلَعِ على خلاف الغالب، هذا إذا استوعب الغَمَمُ جميع الجَبْهَةِ، وإلا فوجهان:
أصحهما: أن الأمر لا يختلف، وهو من الوجه لما ذكرنا.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٦).
(٢) في ب: الأذن.
(٣) غم الشخص غممًا من باب تعب سال شعر رأسه حتى ضاقت جبهته وقفاه. المصباح المنير ٢/ ٦٢٢.
[ ١ / ١٠٥ ]
والثاني: أنه من الرأس؛ لأنه على هيئته، والباقي المكشوف هو من الجبهة، بخلاف ما إذا أخذ الغمم جميع الجبهة، فإن العادة لم تَجْرِ بأن لا يكون للإنسان جبهة أصلًا، وربما وجه أحد هذين الوجهين، أنه مقبل في صَفْحَةِ الوجه.
والثاني بأنه في تدوير الرأس، ومعناه أن الأَغَمَّ ينتأُ من أوائل جبهته شيء، ولا ينقطع شكل تدوير رأسه حيث ينقطع من غيره، فذلك الموضع متصل بتدوير الرأس، لكنه مقبل في صفحة الوجه. وأما موضع التَّحْذِيفِ؛ وهو الذي ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العِذَارِ والنَّزَعَةِ، وربما يقال: بين الصُّدْغِ والنَزَعَة؛ والمعنى لا يختلف لأن الصدغ والعذار متلاصقان، وهل هو من الوجه، أو الرأس؟ فيه وجهان. قال ابن سريج وغيره: هو من الوجه لمحاذاته بَيَاضُ الوجه، ولذلك تعتاد النساء والأشراف إزالة الشعر عنه ولهذا سمى موضع التًحْذِيفِ. وقال أبو إسحاق وغيره: هو من الرأس لنبات الشعر عليه متصلًاّ بسائر شعر الرأس، والأول: هو الأظهر عند المصنف، والذي عليه الأكثرون.
الثاني وهو الذي يوافق نص الشافعي -﵁- في حَدِّ الوجه، وحاول إمام الحرمين تقدير موضع التحذيف، فقال: إذا وضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثاني على زاوية الجبين فما يقع منه في جانب الوجه فهو من الوجه، ولك أن تقول بتوجيه من يجعله من الوجه لا يقتضي التقدير بهذا المقدار، فإن من يحذف قد يحذف أكثر من ذلك، أو أقل، ولا يراعى هذا الضبط فلا بد للتقدير من دليل.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "استيعاب غسل الوجه". كان الأحسن أن يقول: استيعاب الوجه بالغسل. وقوله: "من مبتدأ تَسْطِيحِ الجبهة" إلى آخره، تحديد للوجه، وكلمتا "من" و"إلى" إذا دخلتا في مثل هذا الكلام قَدْ يُرَادُ بهما دخول ما وردتا عليه في الحَدِّ، وقد يُرَادُ خروجه.
نظير الأول: حضر القوم من فلان إلى فلان.
ونظير الثاني: من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة كذا ذراعًا، وهما في قوله: "من مبتدأ تَسْطِيحِ الجبهة إلى منتهى الذَّقْنِ مستعملتان بالمعنى الأول، إذ لا يراد بمتبدأ التسطيح إلا أوله، وبمنتهى الذقن إلا آخره، ومعلوم أنهما داخلان في الوجه، وفي قوله: من الأذن إلى الأذن مستعملتان بالمعنى الثاني، لأن الأذنين خارجتان من الوجه.
واعلم قوله: "من الأذن إلى الأذن" بالميم؛ لأن مالكًا يعتبر من العِذَارِ إلى العِذَارِ، ويخرج البَيَاضَ الذي بين العذار والأذن عن حد الوجه، فإن قيل: يدخل في
[ ١ / ١٠٦ ]
هذا الحد ما ليس من الوجه ويخرج منه ما هو من الوجه أما الأول فلأنه يدخل فيه داخل الفم، والأنف فإنه بين تسطيح الجبهة ومنتهى الذقن، وليس من الوجه، وأما الثاني؛ فلأنه تخرج عنه اللِّحيَةُ المُسْتَرسَلَةُ وهي من الوجه، لما روى أنه -ﷺ- رأى رجلًا غطى لحيته، وهو في الصلاة فقال: "اكْشِفْ لِحْيَتَكَ، فَإِنَّهَا مِنَ الوَجهِ" (١).
قلنا: أما الأول فَلِلْكَلاَم تأويل. المعنى ظاهر ما بين تَسْطِيحِ الجبهة ومنتهى الذَّقْنِ؛ ولهذا لو بطن جزء بالالتحام وظهر جزء خرج الظاهر عن أن يكون من الوجه وصار الباطن من الوجه نقيم الشَّعْرَ مقام البَشْرَةِ من صاحب اللحية الكَثَّةِ، وأما الثاني فتسمية اللِّحْيَة وجهًا على سبيل التبعية والمجاز؛ لأمرين:
أحدهما: أنه لولا ذلك لكانت وجوه المُرْدِ وَالنِّسْوَانِ ناقصة، ولصح أن يقال: لمن حلقت لحيته: قطع بعض وجهه، معلوم أنه ليس كذلك.
والثاني: أنَّه يصح قول القائل اللِّحْية من الشعور النابتة على الوجه وفي المسترسلة: أنها نازلة عن حَدِّ الوجه، وذلك يدل على ما ذكرنا.
قال الغزالي: وَيجِبُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعْورِ الخَفِيفَةِ غَالِبًا كَالحَاجِبَيْنِ وَالأهْدَابِ وَالشَّارِبَيْنِ وَالعِذَارَينِ، فَأَمَّا شَعْرُ الذَّقَنِ فَإِنْ كَثُفَ بِحَيْثُ لاَ تَتَراءَى البَشَرَةُ لِلنَّاظِرِ لَمْ يَجِب إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِهَا إلاَّ المَرأَةَ فَإِنْ لِحْيَتَهَا نَادِرَةٌ، وَفِي العَنْفَقَةِ وَجْهَانِ لأَنَّ كَثَافَتَهَا قَد تُعَدُّ نَادِرًا، وَيَجِبُ إِفَاضَةُ المَاءِ عَلَى ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ الخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ الوَجْهِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: لما تكلم في حدِّ الوجه عاد إلى الشعور النابتة عليه، وهي: قسمان حاصلة في حَدِّ الوجه، وخارجة عنه.
والقسم الأول على ضربين:
أحدهما: ما يندر فيه الكثافة كَالحَاجِبَيْنِ وَالأهْدَابِ، وَالشَّارِبَيْنِ وَالعِذَارَيْنِ.
والعِذَارُ: هو القدر المُحَاذِي لِلأُذُنِ يتصل من الأعلى بالصدغ ومن الأسفل بِالعَارِضِ، فهذه الشُّعُورُ يَجِبُ غَسْلُهَا ظاهرًا وباطنًا، كَالسَّلْعَةِ (٢) النابتة على محل الفرض، ويجب غَسْلُ البَشَرَةِ تحتها؛ لأنها من الوجه ولا عِبْرَةَ بَحَيْلُولَةِ الشعر لأمرين:
أظهرهما: أن الغالب في هذه الشعور الخفة، فيسهل إيصال الماء إلى مَنَابِتِهَا فإن
_________________
(١) انظر التلخيص ١/ ٥٦.
(٢) خُرَج كهيئة الغدة تتحرك بالتحريك وهي ورم غليظ غير ملتزق باللحم يتحرك عند تحريكه، وتقيل التزايد لأنها خارجة عن اللحم. المصباح المنير ١/ ٣٨٨.
[ ١ / ١٠٧ ]
فرضت فيها الكَثَافَةُ على سبيل النُّدْرَةِ، فالنادر ملحق بالغالب. والثاني: أن بَيَاض الوجه محيط بها إما من جميع الجوانب (١) كالحاجبين والأَهْدَاب، أو من جانبين كالعذارين والشاربين، فيجعل موضعها تبعًا لما يُحِيطُ به، ويعطى حَكمه، وفي كلام بعض الأئمة حكاية وجه أنها: إذا كثفت لا يجب غسل مَنَابِتِهَا كاللِّحْيَة، فلك أن تعلم قوله: "ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة غالبًا" [بالواو] (٢) إشارة إلى هذا الوجه، واقتصاره على ذكر المنابت ليس لأن الشعور لا تغسل؛ بل إذا وجب غسل المنابت وجب غسل الشعور بطريق الأولى، ففي ذكر المَنَابِتِ تنبيه عليها.
والضرب الثاني: ما لا يندر فيه الكثافة وهو شعر الذقن والعَارِضَيْنِ، والعَارِضُ ما ينحطُّ عن القدر المحاذي للأذن، فينظر فيه إن كان خفيفًا وجب غسله مع البشرة تحته كالشعور الخفيفة غالبًا، وإن كان كثيفًا وجب غسل ظاهره، ولم يجب غسل البشرة تحته. لما روى أن النبي -ﷺ- "تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً غَسَلَ بِهَا وَجهَهُ، وَكَانَ -ﷺ- كَثَّ اللِّحْيَةِ" (٣) ولا يبلغ ماء الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة، والمعنى فيه: عسر إيصال الماء إلى المَنَابتِ مع الكثافة غير النادرة، وحكى فيه قول قديم: أنه يجب غسل البشرة تحته؛ لأنها الوجه وهذا شعر نابت عليه ومنهم من يحكيه وجهًا وهو قول المزني -﵀-.
وليكن قوله: "لم يجب إيصال الماء إلى منابتها"، معلمًا بالزاي والواو لهذا الخلاف والمذهب الأول. ويستثنى عن اللِّحْيَة الكثيفة ما إذا خرجت للمرأة لحية كثيفة، فيجب إيصال الماء إلى منابتها؛ لأن أصل اللحية لها نادر فكيف بصفة الكثافة، وكذلك لحية الخُنْثَى المشكل إذا لم يكن نبات اللحية مزيلًا للإشكال، وفيه خلاف يأتي ذكره فإذا اللحية في حقها من الضرب الأول، وعَنْفَقةُ الرجل من الضرب الأول، أو من الضرب الثاني؟ فيه وجهان مبنيان على المعنيين المذكورين في الحَاجِبَيْن ونحوهما، إن عللنا بالمعنى الأول وهو ندرة الكثافة في تلك الشعور، فَالعَنْفَقَةُ مُلحَقَةٌ بها. وإن عللنا بإحاطة البَيَاضِ فلا، بل هي كاللحية، والمعنى الأول أظهر، لأنهم حكوا عن نص الشافعي -﵁- التعليل بأن هذه الشعور لا تستر ما تحتها غالبًا، ويدل عليه لحية المرأة والله أعلم. ثم هاهنا سؤالان:
أحدهما: ما الفرق بين الخَفِيْفِ وَالكَثِيْفِ؟ والجواب عبارة أكثر الأصحاب أن
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ب.
(٣) انظر التلخيص ١/ ٥٦.
[ ١ / ١٠٨ ]
الخفيف ما تترآى: البشرة من خلاله في مجلس التَّخَاطُب، والكثيف ما يستر ويمنع الرؤية، وهذا ما شعر به لفظ الشافعي -﵁- وهو الذي حكاه المصنف، وقال بعض الأصحاب الخفيف ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء والكثيف ما يفتقر إليه، ورأيت الشيخ أبا محمد، والمسعودي (١) وطبقة المحققين يقربون كل واحدة من العبارتين من الأخرى (٢)، ويقولون: إنهما يرجعان إلى معنى واحد لكن بينهما تفاوت مع التقارب الذي ذكروه، لأن لهيئة النبات وكيفية الشعر في السُّبُوطَةِ وَالجُعُودَةِ تأثيرًا في السَتْرِ وفي وصول الماء إلى المَنْبَتِ، وقد يؤثر شعره في أحد الأمرين دون الآخر، وإذا ظهر الاختلاف ذلك أن ترجح العبارة الثانية وتقول: الشارب معدود من الشعور الخفيفة، وليس كونه مانعًا من رؤية البشرة تحته بأمر نادر.
الثاني: لو كان بعضه خفيفًا وبعضه كثيفاَ ما حكمه؟ الجواب فيه وجهان:
أصحهما: أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف حكم الكثيف توفيرًا لمقتضى كل واحد منهما عليه.
والثاني: للكل حكم الخفيف وهو الذي ذكره في التهذيب، وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادر فصار كشعر الذِّرَاعِ إذا كثف، ولك أن تمنع ما ذكره وتدعي أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل، وهذه المسألة يحتاج الناظر في الكتاب إلى معرفتها، لأنه قال: "أما شعر الذَّقْنِ فإن كثف" إلى آخره فظاهره يتناول ما إذا كثفت اللحية كلها ولم يبين حكم ما إذا لم تكثف كلها، ويفرض ذلك على وجهين: أحدهما: أن تخف كلها ولا يخفى حكمه.
والثاني: أن يخف البعض ويكثف البعض، وهو هذه المسألة.
هذا كله في الشعور الحاصلة في حد الوجه. القسم الثاني: الخارجة عن حد الوجه ففيما خرج عن حد الوجه من اللحية طولًا وعرضًا قولان:
أحدهما: لا يجب غسله، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيُّ، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يثبت له حكم الرأس حتى لا يجوز المَسْحُ عليه، فكذلك الشعر النازل عن حد الوجه لا يثبت له حكم الوجه.
_________________
(١) محمد بن عبد الملك بن مسعود بن أحمد الإمام أبو عبد الله المسعودي المروزي. صاحب أبي بكر القفال المروزي أحد أصحاب الوجوه قال ابن السمعاني: كان إمامًا مبرزًا عالمًا زاهدًا ورعًا حسن السيرة، شرح مختصر المزني فأحسن فيه، وسمع الحديث من أستاذه القفال. توفي سنة نيف وعشرين وأربعمائة بمرو. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ٢١٦، ٢١٧، انظر ابن السبكي ٣/ ٧٢، ومرآة الجنان ٣/ ٤٠، ووفيات الأعيان ١/ ٥٨٥، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٨٦، والوافي ٣/ ٣٢١.
(٢) في ب: الأولى.
[ ١ / ١٠٩ ]
وأصحهما: يجب، لأنه من الوجه بحكم التَّبَعِيَّةِ لما سبق من الخَبَرِ؛ ولأن الوجه ما تقع به المُخَاطَبَةُ والمواجهة، ولأن متدلٍّ من محل الفرض فأشبه الجِلْدَةَ المتدلية، وهذا الخلاف يجري أيضًا في الخارج عن حد الوجه من الشعور الخفيفة كالعِذَارِ والسِّبَالِ إذا طال ولا فرق، وذكر بعضهم في السِّبَالِ: أنه يجب غسله قولًا واحدًا والظاهر الأول فإن قلت: قد عرفت المسألة فلماذا اشتهرت بالإفاضة؟ فالناقلون يقولون: تجب الإفَاضَةُ في قول ولا تجب في قول، وكذلك ذكر المصنف ولم يتكلموا في الغسل، فاعلم أن لفظ الإفاضة في اصْطِلاحِ الأئمة المتقدمين إذا استعمل في الشعر لإمرار الماء على الظاهر، ولفظ الغسل للإمرار على الظاهر مع الإِدْخَالِ في الباطن، ولذلك اعترضوا على أبي عبد الله الزبيري (١) -﵁- لما قال في هذه المسألة: يجب الغسل في قولِ، والإفاضة في قولٍ، وقالوا: الغسل غير واجب قولًا واحدًا وإنما الخلاف في الإفاضة، وإذا تبين ذلك فقصدهم بهذه اللَّفظة بيان أن داخل المسترسل لا يجب غسله قولًا واحدًا كالشعور النَّابِتَةِ تحت الذَّقْنِ، لكن المصنف تعرض لظاهر اللحية في لفظه، والإفاضة على هذا الاصطلاح مغنية عن التقييد بالظاهر، ثم مع هذا كله فقد حُكِيَ وَجْهٌ: إنه يجب غسل الوجه الباطن من الطَّبَقَةِ العُلْيَا من المسترسل، إذا أوجبنا غسل الوجه البَادِي منه وهو بعيد عند علماء المذهب (٢).
قال الغزالي: الفَرْضُ الثَّالِثُ: غَسْلُ اليَدَيْنِ مَعَ المِرْفَقَينِ فَلَوْ قُطِعَ يَدُهُ مِنَ السَّاعِدِ غُسِلَ البَاقي، وَإِنْ قُطِعَ مِنَ العَضُدِ اسْتُحِبَّ غَسْلُ البَاقي لِتَطْوِيلِ الغُرَّةِ، وَاِنْ كَانَ مِنَ المَفْصِلِ يَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ العَظْمِ البَاقِي عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لأَنَّهُ مِنَ المِرْفَقِ، وَلَوْ نَبَتَتْ يَدٌ زَائِدَةٌ مِنْ سَاعِدِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزِ الزَّائِدُ عَنِ الأَصْلِيِّ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ العَضُدِ لاَ تُغْسَلُ إلاَّ إذَا حَاذَتْ مَحَلَّ الفَرْضِ فَيُغْسَلُ القَدْرُ المحَاذِي هَذَا نَصُّهُ.
_________________
(١) الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله الزبيري البصري. أحد أئمة الشافعية. قال الشيخ أبو إسحاق: وكان أعمى، وله مصنفات كثيرة مليحة منها: (الكافي) وقال المارودي في زكاة الحلي: كان شيخ أصحابنا في عصره. قال الشيخ أبو إسحاق: مات قبل العشرين وثلاثمائة. وأرَّخ الذهبي وفاته سنة سبع عشرة. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ٩٣/ ٩٤، وانظر تاريخ بغداد ٨/ ٤٧١ والشيرازي ٨٨، ووفيات الأعيان ٢/ ٦٩، وابن السبكي ٢/ ٢٢٤.
(٢) قال النووي: قال أصحابنا: يجب غسل جزء من رأسه ورقبته، وما تحت ذقنه مع الوجه؛ ليتحقق استيعابه، ولو قطع أنفه أو شفته لزمه غسل ما ظهر بالقطع في الوضوء، والغسل على الأصح، ولو خرج من وجهه سلعه، ونزلت عن حد الوجه لزمه غسل جميعها على المذهب. وقيل: في النازل قولان. ويجب غسل ما ظهر من حمرة الشفتين، ويستحب غسل النزعتين، ولو خلق له وجهان وجب غسلهما، ويستحب أن يأخذ الماء بيديه جميعًا. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٣.
[ ١ / ١١٠ ]
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكَمْ إلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) وكلمة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢)، وقوله عز اسمه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣)، وهو المراد هاهنا، لما روى "أَنَّهُ -ﷺ-: كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيهِ" (٤). وروى: "أنَّهُ أمرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ ثمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلاَّ بِهِ". ثم اليد إن كانت واحدة من كل جانب على ما هو الغالب، وكانت كاملة فذاك، وإن قطع بعضها فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون القطع مما تحت المِرْفَقِ كَالكُوع وَالذِّرَاع فغسل الباقي واجب فالمَيسُور لا يسقط بالمَعسُور.
والثانية: لا يكون مما فوق المِرْفق، فلا فرض لسقوط محله ولكن الباقي من العَضُدِ يستحب غسله لتطويل الغِرَّةِ؛ كما لو كان سليم اليد يستحب له غسل ذلك الموضع لهذا المعنى. فإن قيل: غسل ذلك الموضع مستحب تبعًا، فإذا سقط المتبوع فهلا سقط التابع كمن فاتته صلوات في أيام الجُنُونِ لما سقط قضاء الأصل سقط قضاء الرَّوَاتِبِ التي هي اتباع. قلنا: سقوط القضاء ثم مسامحة ورخصة، وإلا فهو ممكن والتبع أَولى بالمسامحة، وسقوط الأصل هاهنا ليس على سبيل الترخُّص؛ بل هو متعذر في نفسه فحسن الإتيان بالتبع محافظة على العبادة بقدر الإمكان، كالمحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يستحب له إمرار المُوسى على الرأس وقت الحَلْقِ.
فإن قيل: تطويل الغُرَّةِ إنما يفرض في الوجه، والذي في اليد تطويل التَّحْجِيلِ فكيف قال: يغسل الباقي لتطويل الغُرَّةِ، قلنا: تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن، فيجوز أن يكون قوله: "التطويل الغرة" إشارة إلى النوع على أن أكثرهم لا يفرق بينهما، ويطلق تطويل الغرة في اليد، ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله -ﷺ-: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (٥) قال: وإنما يمكن الإطَالَةُ في اليد، لأن استيعاب الوجه بالغسل واجب وليس هذا الاحتجاج بشيء، لأن لِلْمُعْتَرِض أن يقول: الإطالة في الوجه أن يغسل إلى الليث وَصَفْحة العُنُق، وهو مستحب نص عليه الأئمة.
والثالثة: أن يكون القطع من مِفْصَل المرفق، فهل يجب غسل رأس العظم الباقي؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بالوجوب؛ لأنه من محل الرفض وقد بقي فأشبه الساعد إذا كان القطع من الكُوعِ.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٦).
(٢) سورة النساء آية (٢).
(٣) سورة آل عمران آية (٥٢).
(٤) انظر التلخيص ٥٧/ ١.
(٥) البخاري ١٣٦، ومسلم ٣٥/ ٢٤٦.
[ ١ / ١١١ ]
والثاني: وهو الذي ذكره في الكتاب فيه قولان: القديم: ومنقول المزني أنه لا يجب، والأصح: وهو منقول الربيع. أنه يجب، واختلفوا في مأخذ القولين، منهم من قال: مأخذهما أن المرفق في اليَدِ السَّلِيمَةِ يغسل تبعًا أم مقصودًا. فمن قائل تبعًا وضرورة لاستيعاب غسل اليدين إلى المرافق كما يغسل شيء من الرأس تبعًا، وضرورة لاستيعاب الوجه بالغسل. ومن قائل يغسل مقصودًا كسائر أجزاء محل الفرض وكأطراف الوجه، بالإضافة إلى وسط ومنهم من قال: بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق.
فمن قائل المرفق عبارة عن: طرف عظم السَّاعِدِ ولم يَبْقَ، ومن قائل المرفق: مجموع العظمين وقد بقي أحدهما فيغسل، وهذا ما أشار إليه بقوله لأنه من المرفق هذا كله في اليد الواحدة. أما إذا خلقت لشخصٍ واحدٍ من جانب واحد يَدَانِ، فلا يَخْلُو إما أن تتميز الزائدة منهما عن الأصلية أو تشتبه (١) الحال، فإن تميزت الزائدة عن الأصلية نظر إن خرجت الزائدة [من محل الفرض كالسَّاعِدِ والمرفق، وجب غسلها، مع الأصلية كالأُصْبُعِ الزائدة] (٢)، والسَّلعة النابتة، ولا فرق بين أن يجاوز طولها الأصلية أو لا يجاوز، وإن خرجت مما فوق محل الفرض فإن لم تبلغ إلى مُحَاذَاةِ محل الفرض لم يجب غسل شيء منها، وإن بلغت إلى محاذاة محل الفرض فالمنقول عن نصه في "الأم": أنه يجب غسل القدر المُحَاذِي دون ما فوقه، لوقوع اسم اليد عليها، وحصول ذلك القدر في محل الفرض، بخلاف الجِلْدَة المنكشطة من العَضُدِ لا يغسل منها لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، وفيه وجه صار إليه كثير من المعتبرين وقرروه: إنه لا يجب غسل المحاذي ولا غيره؛ لأن هذه الزائدة ليست على محل الفرض، فتجعل تبعًا ولا هي أصلية حتى تكون مقصودة بالخطاب، وحملوا نصه في الأم على ما إذا التصق شيء منها بمحل الفرض، أما إذا لم تتميز الزائدة عن الأصلية، وجب غسلهما جميعًا سواء خرجتا من المنكب، أو من المِرْفق، أو الكُوع، لكن إذا خرجتا من المنكب يغسلان ضرروة أداء الواجب منهما، وإذا خرجتا من المرفق والكوع غسلتا حتمًا، ومن الأمَارَاتِ المميزة للزائدة عن الأصلية أن تكون إحداها قصيرة فاحشة القصر، والأخرى في حد الاعتدال فالزائدة القصيرة، ومنها: نقصان الأصابع.
ومنها: فقد البطَشْ وضعفه (٣).
_________________
(١) في ب: مخفية.
(٢) سقط في ب.
(٣) قال النووي: ولو طالت أظفاره وخرجت عن رؤوس الأصابع، وجب غسل الخارج على المذهب. وقيل: قولان: كالشعر النازل من اللحية. ولو نبت على ذراعه أو رجله شعر كثيف وجب غسل ظاهره وباطنه مع البشرة تحته لندوره، ولو توضأ ثم قطعت يده أو رجله أو حلق رأسه لم يلزمه تطهير ما انكشف. فإن توضأ لزمه غسل ما ظهر. وإن حصل في يده ثقب لزمه =
[ ١ / ١١٢ ]
قال الغزالي: الفَرْضُ الرَّابعُ: مَسْحُ الرَّأَسِ وَأَقَلُّهُ مَا يُسَمَّى (ح) مَسْحًا (م ز) وَلَوْ عَلَى شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ (و) بِشَرْطِ أَنْ لا يَخْرُجَ مَحَلُّ المَسْحِ عَنْ حَدِّ الرأس، وَلاَ يُسْتَحَبُّ الغَسْلُ، وَلاَ يُكرَهُ عَلَى الأَظْهَرِ وَفِي الإِبْلاَلِ دُونَ المُدِّ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُم﴾ (١)، وليس من الواجب استيعاب الرأس بالمسح، بل الواجب ما ينطلق عليه الاسم، لأن من أمرَّ يده على هَامَةِ اليتيم صَحَّ أن يقال: مسح رأسه، ولأن النبي -ﷺ- "مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ" (٢)، ولم يستوعب. وقال مالك: يجب الاستيعاب، وهو اختيار المُزَنِيُّ وإحدى الروايتين عن أحمد والثانية: إنه يجب مسح أكثر الرأس.
وقال أبو حنيفة: يتقدر بالربع، ثم إن كان يمسح على بَشْرَةِ الرأس فذاك، ولا يضر كونها تحت الشعر.
وقال الروياني: في التجربة لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعر، وإن كان يمسح على الشَّعْرِ، فكذلك يجوز، وإن اقتصر على مسح شعرة واحدة أو بعضها، ولا تقدير.
وعن ابن القاص: إنه لا أقل من ثلاث شعرات كما يعتبر إزالتها في التحلُّلِ عن النسك، وفي إيجاب الدَّم على المحرِم، وهل يختص هذا الوجه بما إذا كان يمسح على الشعر أم يجري في مسح البشرة؟ ويشترط المسح على موضع ثلاث شعرات، في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين جميعًا، والأول أظهر، ثم شرط الشعر الممسوح أن لا يخرج عن حَدِّ الرأس، فلو كان مسترسلًا خارجًا عن حده وكان جعدًا كائنًا في حَدِّ الرأس لكنه بحيث لو مدّ لخرج عن حده لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس، واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجًا عن حد الرأس، وإن كان في غاية القِصَرِ، وكان المراد المد في جهة الرقبة والمَنْكِبَيْنِ وهي جهة النزول، ثم بعد حصول هذا الشرط هل يشترط أن لا يجاوز منبته؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط ذلك فلا يجوز المَسْحُ على ما جاور منبته وإن كان في حَدِّ الرأس فإنه كالغِطَاءِ لما تحته كالعِمَامة.
_________________
(١) = غسل باطنه، لأنه صار ظاهرًا، وإن لم يقدر الأقطع والمريض على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه، إما متبرعًا وإما بأجرة المثل إذا وجدها. فإن لم يجد من يوضئه أو وجده، ولم يجد الأجرة أو وجدها فطلب أكثر من أجرة المثل لزمه أن يصلي بالتيمم، ويعيد لندوره، فإن لم يقدر على التيمم، صلى على حاله وأعاد. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٤.
(٢) سورة المائدة آية (٦).
(٣) أخرجه مسلم من رواية المغيرة بن شعبة -﵁- (٢٧٤)، وانظر التلخيص ١/ ٥٨.
[ ١ / ١١٣ ]
وأصحهما: أنه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه. ولو غسل الرأس بدلًا عن المسح، ففي إجزائه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه مأمور بالمسح، والغسل ليس بمسح.
وأصحهما: أنه يجزئه؛ لأن الغسل مسح وزيادة وهو أبلغ من المسح؛ فكان مجزئًا بطريق الأولى، وهذا قضية ما ذكره في الكتاب، لأنه نفى الاستحباب والكراهية عنه، وهو مشعر بالإجزاء، وهل يكره الغسل بدلًا عن المسح وإن أجزأ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه سرف كغسل الخف بدلًا عن مسحه، وكالغسلة الرابعة.
وأظهرهما: لا يكره؛ لأن الأصل هو الغسل إذ به تحصل النظافة والمسح تخفيف من الشرع نازل منزلة الرخص، فإذا عدل إلى الأصل لم يكن مكروهًا؛ لكن لا يستحب ذلك لما أشار إليه النبي -ﷺ- في باب الرخص بقوله: "إن اللهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ" (١).
وقوله: "لا يستحب الغسل ولا يكره على الأظهر" ربما أوهم عَوْد الخلاف إليهما، وليس كذلك وإنما الخلاف في الكراهية وحدها، ولو بل رأسه ولم يعد اليد أو غيرها ما يمسح به على الموضع، فهل يجزئه ذلك؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لأن المقصود وصول الماء فلا ينظر إلى كيفية الإيصال كما في الغسل لا يفترق الحال بين أن يجري الماء على الأَعْضَاءِ أو يخوض ببدنه في الماء.
والثاني: وهو اختيار القَفَّال: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى مسحًا، وهو مأمور بالمسح، ولو قطر على رأسه قطرة ولم تَجْرِ هي على الموضع، فعلى الخلاف فإن جرت كفى، وهذا يدل على أنَّ المقصود الوصول ولا عبرة باسم المسح هذا إن سلم أن الإمساس والوضع ليس بمسح (٢).
قال الغزالي: الفَرْضُ الخَامِسُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الكَعْبَيْنِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣)، وحكم الرجل على
_________________
(١) رواه مسلم من رواية يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب -﵁- (٦٨٦)، وانظر التلخيص ١/ ٥٨، ٥٩.
(٢) قال النووي: ولا تتعين اليد بالمسح، بل يجوز بأصبع أو خشبة أو خرقة أو غيرها، ويجزئه مسح غيره له، والمرأة كالرجل في المسح. ولو كان له رأسان أجزأه مسح أحدهما. وقيل: يجب مسح جزء من كل رأس. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٤، ١٦٥.
(٣) سورة المائدة آية (٦).
[ ١ / ١١٤ ]
انقسامها إلى الكاملة والناقصة كما سبق في اليد.
والكَعْبَانِ: هما العَظْمَانِ النَّاتَئَانِ من الجانبين عند مفصل الساق والقدم، وروى القاضي ابن كج وغيره عن بعض الأصحاب: أن الكعب هو الذي فوق مُشْطِ القدم (١).
وجه الأول: ما روى النُّعْمَان بْنُ بشير -﵁- قال: "أَمَرنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ، فَرَأَيتُ الرَّجُلَ يَلْزُقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ أَخِيهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ" (٢).
والذي يتصور فيه التزاق القائمين في الصفِّ ما ذكرنا دون ظهر القدم، وقد يمتحن فيسأل عن وضوء ليس فيه غسل الرجلين وصورته: ما إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا رجليه، ثم أحدث والأصل في المسألة على الاختصار أن من اجتمع في حق الحدث أكبر والأصغر، هل يكفيه الغسل أم يحتاج معه إلى الوضوء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يكفيه؛ لأن الطَّهَارَتَينِ عبادتان مختلفتان، فلا تتداخلان كالصَّلاتين، ولأنهما مختلفتا السبب والأثر والفعل، وهذه الاختلافات تمنع التداخل.
وأصحهما: أنه يكفيه الغَسْل لظاهر الأخبار، نحو ما روى أنه -ﷺ- قال: "أَمَّا أَنَا فَأَحْثِي عَلَى رَأسِي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ فَإِذَا أَنَا قَدْ طَهُرْتُ" (٣).
ولم يفصل بين الجنابة المجردة والجنابة مع الحدث، مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد، فعلى الأول يجب الوضوء والغسل ولا ترتيب بينهما، وعلى الثاني وهو الأصح: هل من شرط الغسل ليكفي مراعاة الترتيب في أعضاء الوضوء، فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الترتيب خاصية الوضوء، والتداخل إنما يجري فيما يشترك المتداخلان فيه من الأفعال دون خواصهما، فعلى هذا يكفي غسل البدن مرة واحدة، ولكن يشترط أن تكون أعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب، وزاد بعضهم على هذا الوجه شرطًا آخر: وهو أن يمسح الرأس؛ لأنه من خاصية الوضوء أيضًا بناء على أن الغسل لا يقوم مقام المسح.
والثاني: وهو الأصح، لا يشترط رعاية الترتيب لما أشرنا إليه من الظواهر، ولا
_________________
(١) قال النووي: هذا الوجه شاذ منكر، بل غلط. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٥.
(٢) أخرجه أبو داود ٦٦٢، والبيهقي ٢/ ٢١، وابن خزيمة وابن حبان ٢١٦٧، وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم ٢/ ٢١١، وانظر تعليق التعليق ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣، والتخليص ١/ ٥٩.
(٣) رواه ابن ماجة ولفظه (أما أنا فأحثوا على رأسي ثلاثًا) ومسلم ولفظه (وأما أنا (فأفيض على رأسي ثلاث أَكُفٍّ» والبخاري ولفظه (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا) وأشار بيديه كلتيهما. وأحمد ولفظه (أما أنا فآخذ ملء كفي (ثلاثًا) فأصب على رأسي ثم أفيض بعده على سائر جسدي) رووه كلهم عن (من) رواية جبير بن مطعم. انظر خلاصة البدر ١/ ٢٨.
[ ١ / ١١٥ ]
يبعد أن يدخل الأصغر في أكبر فلا تبقى خاصيته، ألا ترى أن العُمْرَةَ تفوت بما يفوت به الحج إذا دخلت تحته بِالقرَانِ ولو انفردت لا تفوت.
فقد بطلت خاصيتها حين ما دخلت في الأكبر، فعلى هذا هل يحتاج إلى أن ينويهما جميعًا بغسله أم يكفيه نية الأكبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى الجمع، كالحج والعمرة يتداخلان في الأفعال دون النِيَّة.
وأصحهما: لا حاجة إليه؛ لأن الطهارات موضوعة على التداخل فعلًا ونية، ألا ترى أنه إذا اجتمعت الأحداث كفى فعل واحد ونية واحدة، هذا كله إذا اتفق وقوع الأكبر والأصغر معًا، أو سبق الأصغر أكبر. أما إذا سبق الاكبر الأصغر فطريقان:
أطهرهما: طرد الخلاف.
والثاني: الاكتفاء بالغسل بلا خلاف؛ لأن الأكبر إذا تقدم تأثر به جميع البدن، فلا يؤثر فيه الأصغر بعد ذلك، والأصغر إذا تقدم جاز أن يؤثر الأكبر فيه بعده لعظمه وزيادة آثاره. إذا عرفت هذا الأصل فنعود إلى الصورة المذكورة، ونقول: إن قلنا: يجب وضوء وغسل عند اجتماع حدثين، وجب غسل الرجلين عن الجنابة ووضوء كامل عن الحدث يقدم منهما ما شاء ويؤخر ما شاء، وتكون الرجل مغسولة مرتين، وإن قلنا: يكفي الغسل، ثم يشترط الترتيب في أعضاء الوضوء، وجب غسل الرجلين مؤخرًا عن سائر أعضاء الوضوء، ويكون غسلهما واقعًا عن الجهتين: الجنابة والحدث جميعًا.
وإن قلنا: يكفي الغسل من غير اشتراط الترتيب، فعلية غسل الرِّجْلَيْنِ عن جهة الجَنَابة، إما قبل سائر أعضاء الوضوء أو بعدها أو في خلالها، ويغسل سائر الأعضاء عن الحَدَثِ على الترتيب، وهذا هو الأصح واختيار ابن سريج وابن الحدَّاد (١)، وعلى هذا الوجه يكون المَأتِيُّ به وضوءًا خاليًا عن غسل الرجلين؛ لأن الرجلين قد اجتمع فيهما الحَدَثَانِ ونحن على هذا الوجه نحكم باضْمِحلاَلِ الأصغر في جنب الأكبر،
_________________
(١) محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر أبو بكر بن الحداد الكناني المصري. شيخ الشافعية بالديار المصرية. ولد يوم موت المزني في رمضان سنة أربع وستين. وأخذ الفقه عن أبي سعيد محمد ابن عقيل الفريابي ومنصور الفقيه وغيرهما، وجالس أبا إسحاق المروزي، ودخل بغداد سنة عشر وأخذ عن ابن جرير وشاهد الإصطخري، والصيرفي وفاته ابن سريح واشتد أسفه على ذلك، وكان كثير العبادة. له كتاب أدب القضاء في أربعين جزءًا، وكتاب الباهر في الفقه في نحو مائة جزء، وكتاب جامع الفقه والمولدات وهو كتاب الفروع، وهو صغير الحجم شرحه الأئمة واعتنوا به. وقد ولي قضاء مصر نيابة. توفي في المحرم سنة أربع وقيل خمس وأربعين وثلاثمائة. انظر ابن قاضي شهبة ١/ ١٣٠، ١٣١. وانظر العبادي ٦٥، والشيرازي ٩٣، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٣٦، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٩٩.
[ ١ / ١١٦ ]
فليست الرجلان مغسولتين عن جهة الوضوء، فهذه هي صورة الامتحان، وَيَنْبَغِي أن يعلم أن هذا لا يختص بغسل الرجلين بل لو غسل الجنب من بدنه ما سوى الرأس والرجلين، ثم أحدث كان الكلام في الرأس والرّجلين على ما ذكرنا في الرجلين، ولزم أن نقول على الوجه الصحيح هذا وضوء خالٍ عن مسح الرأس والرجلين، وعلى هذا القياس لو غسل جميع بدنه سوى اليدين والرأس والرجلين (١) فلهذا لا نتيح المحصل بأمثال هذه الامتحانات.
فائدة: عدوا غسل الرجلين أحد فروض الوضوء وأركانه لكن المتوضئ غير مكلف بغسل الرجلين بعينه، بل الذي يلزمه أحد أمرين إما غسل الرجلين أو المسح على الخفين بشرطه، فلو عبر معبر عن هذا الركن هكذا لكان مصيبًا، والمراد عند الإطلاق ما إذا كان لا يمسح أو أن الأصل الغسل والمسح بدل.
قال الغزالي: الفَرْضُ السَّادِسُ: التَّرتِيبُ (ح م ز) إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَ سَقَطَ التَّرتِيبُ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ فَإنَّه يُكْفِي لِلجَنَابَةِ فَلِلأَصْغْرِ أَوْلَى، وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ (ح) عَلَى الجَدِيدِ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ بَلَلٌ وَاحْتَمَلَ الجَنَابَةَ وَالحَدَثَ فإن شَاءَ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَغْسِلِ الثَّوْبَ وَإِنْ شَاءَ تَوَضَّأَ وَضُوءًا مُرَتَّبًا وَغَسَلَ الثَّوْبَ.
قال الرافعي: روى أَنَّهُ -ﷺ- قَالَ: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مَوَاضِعَهُ" (٢)، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يُغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ، ثم يغسل رجليه وهذا ونحوه ظاهر في اعتبار الترتيب، وخلاف أبي حنيفة، ومالك فيه مشهور وقد تكلم في هذا الركن في أمور:
أحدها: لو اغتسل المحدث بدلًا عن الوضوء هل يجزئه ذلك: نظر إن أتى بالغسل بحيث يتأتى فيه تقدير الترتيب في لحظات متعاقبة كما إذا انغمس في الماء ومكث فيه زمانًا، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه، لأن الترتيب من واجبات الوضوء، والواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب، وأصحهما: يجزئه لمعنيين:
_________________
(١) قال النووي: الصحيح في الصورة المذكورة أنه يجب الترتيب في أعضاء الوضوء الثلاثة. وهو مخيّر في الرجلين كلما ذكرنا، وقيل: مخير في الجميع وقيل: يجب الترتيب في الجميع فيجب غسل الرجلين بعد الأعضاء الثلاثة. والله أعلم. الروضة ١/ ١٦٦.
(٢) رواه الدارقطني من حديث رفاعة لكن لفظه: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كلما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين) وللثلاثة منه: (توضأ كما أمرك الله). انظر خلاصه البدر المنير ١/ ٢٩.
[ ١ / ١١٧ ]
أحدهما: أن الغسل أكمل من الوضوء، فإنه يكفي لرفع أعلى الحدثين فللأصغر أولى، كيف والأصل هو الغسل وإنما حط تخفيفًا.
والثاني: أن الترتيب حاصل في الحالة المفروضة، فإنه إذا لاقى الماء وجهه، وقد نوى يرتفع الحدث عن وجهه وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما وهكذا إلى آخر الأعضاء، فعلى المعنى الأول وهو الذي ذكره في الكتاب إِيْثار الغسل على الوضوء يسقط الترتيب.
وعلى الثاني: الترتيب حاصل والرافع للحدث هو الوضوء المندرج تحت الغسل، كما لو اغتسل مراعيًا للترتيب في أعضاء الوضوء حقيقة يرتفع حدثه بلا خلاف، وإن يتأت فيه تقدير الترتيب بإن انغمس وخرج على الفور أو غسل الأسافل قبل الأعالي ففيه وجهان مبنيان على الوجهين في الحالة الأولى: إن قلنا: لا يجزئ ثَمَّ فهنا أولى، وإن قلنا: يجزئ فيبنى على المعنيين إن قلنا: الترتيب ساقط والرافع للحدث هو الغسل أجزأه هاهنا أيضًا، وإن قلنا: بالمعنى الثاني فلا والمعنى الثاني أصح، فلا جرم الأصح في هذه الحالة أنه لا يجزئه، ولا خلاف في الاعتداد بغسل الوجه في الحالتين جميعًا إذا قارنته النية، والكلام فيما عداه، ومنهم من قال: في الحالة الأولى يجزئه ما أتى به بلا خلاف، والخلاف في الحالة الثانية وهذا إذا نوى رفع الحدث، فإن نوى رفع الجَنَابَة إن قلنا: لا يجزئه إذا نوى رفع الحدث فهاهنا أولى، وإن قلنا: يجزئه فوجهان هاهنا:
أحدهما: لا يجزئه لأنه إذا نوى رفع الجنابة نوى طهارة غير مرتبة.
وأصحهما: الجواز، والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيًا وإثباتًا، وهذا كله في المحدث المَحْضِ يغتسل. إما إذا أجنب وأحدث فالظاهر أنه يكفيه الغسل كما تقدم، والأصغر يتلاشى في جنب الأكبر وإذا عرفت ما ذكرناه، ونظرت في لفظ الكتاب، وجدته يعم الحالتين ما إذا اغتسل بحيث يَتَأَتَّى فيه تقدير الترتيب، وما إذا اغتسل بِحَيْثُ لا يتأتى فيه ذلك، فإن أرادهما جميعًا فالخلاف شامل، لكن الأظهر عند الجمهور أنه لا يجزئه الغسل في الحالة الثانية على خلاف ما ذكره. وإن أراد الحالة الأولى فالنقل والاختيار كما ذكره غيره.
الثاني: لو ترك الترتيب عامدًا لم يَجْزِهِ وضوءه لكن يعتدُّ بغسل الوجه وبما بعده على الانتظام فلو استعان بأربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة لم يَجْزِهِ الوضوء، كما لو نكس لأن المَعِيَّةَ تنافي الترتيب أيضًا، وفيه وجه: أن الشرط عدم التَّنْكيس، ويجزئه الوضوء هاهنا، وان ترك الترتيب ناسيًا فقولان:
الجديد: أنه كما لو ترك عامدًا كما لو ترك سائر الأركان ناسيًا، وفي القديم قول: أنه يعذر بالنسيان، وذكر الأئمة أنه مخرج من القول القديم في ترك الفاتحة ناسيًا، ووجه
[ ١ / ١١٨ ]
الشبه أن قراءة الفاتحة وإن كانت ركنا لكنها ليست قائمة بنفسها كالرُّكُوعِ والقيام ونحوهما وإنما هي زينة وتتمة للقيام. كذلك الترتيب زينة وهيئة في سائر الأركان.
الثالث: الوضوء نوعان:
أحدهما: وضوء من يتقن أن حدثه الأصغر، فيعتبر فيه الترتيب.
والثاني: وضوء من يجوز أن يكون حدثه الأكبر، ونظيره ما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون مَنِيًّا، واحتمل أن يكون مَذْيًا ففيما يلزمه وجوه:
أحدها: أنه يجب عليه الوضوء؛ لأن غسل ما زاد على الأعضاء الأربعة مشكوك فيه، والمستيقن هذا القدر؛ وعلى هذا الوجه لو عدل إلى الغسل كان كالمحدث يغتسل بدلًا عن الوضوء.
والثاني: يجب عليه الوضوء وغسل سائر البدن وغسل ما أصابه ذلك البلل؛ لأن شغل ذمته بإحدى الطهارتين معلوم وصلاته موقوفة على الطهارة التي لزمته فعليه الإتيان بهما ليخرج عن العهدة بيقين.
والثالث: وهو الأصح أنه يتخير بين أن يغتسل أخذًا بأنه مني، أو يتوضأ أخذًا بأنه مَذيٌ، لأن كل واحد منهما محتمل، فإذا أتى بموجب أحدهما وجب أن تصح صلاته؛ لأن لزوم الآخر مشكوك فيه، والأصل العدم، وهذا الوجه هو الذي ذكره في الكتاب.
وليكن قوله: "فإن شاء" "وإن شاء" مُعْلَمَيْنِ بالواو؛ إشارة إلى ما روينا من الوجهين، ثم على الوجه الأظهر لو توضأ وجب أن يغسل ما أصابه ذلك البَلَل من ثوب وغيره؛ لأنه على التقدير الذي يجب الوضوء، يكون ذلك الخارج نجسًا، وفيه وجه: أنه لا يجب غسل الثوب، وهو ضعيف، ولا بد أن يكون الوضوء المَأْتِيُّ به مرتبًا.
وفيه وجه: أنه لا يجب الترتيب؛ لأنه إذا شك في كونه منيًا، أو غيره فقد شك في أن الواجب الطهارة الصغرى أو الكبرى، والترتيب من خاصية الطهارة الصغرى، فلا يجب بالشك؛ كما لا يجب ما يختص بالطهارة الكبرى، وإنما يجب المشترك بينهما، ويقال: كان القفال يقول بهذا الوجه، ثم رجع إلى الأول، وهو المذهب؛ لأنه إما مَنِي، فموجبه الغسل، أو غيره فموجبه الوضوء بأركانه، فإذا لم يرتب الوضوء، ولا اغتسل، فقد صلى مع أحد المحدثين يقينًا. ويجري هذا الخلاف فيما إذا أوْلَج خُنْثَى مشكل في دبر رجل، فهما بتقدير ذكورة الخنثى جنبان، وإلا فمحدثان، فالجَنَابَةُ محتملة غير مُسْتَيقَنةٍ، فإذا توضأ وجب عليهما المحافظة على الترتيب في ظاهر المذهب.
وفي وجه: لا يجب؛ لأن لزوم الترتيب مشكوك فيه، وهذا الوجه هو الذي دعا إلى إيراد مسألة البلل هاهنا وإن لم يذكره في لفظ الكتاب، والله أعلم.
[ ١ / ١١٩ ]