فِي الْأحدَاثِ، وَفِيهِ فَصْلاَنِ
الْفَصْلُ الأوَّلُ، فِي أَسْبَابِهَا وَلاَ تَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِالْفَصْدِ (١) (ح) وَالحِجَامَةِ (٢) (ح) وَالقَهْقَهَة (ح) فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا وَأكْلِ مَا مَسَّتهُ النَّارُ (و).
قال الرافعي: الحدث: يقع على الحالة الموجبة للوضوء، والحالة الموجبة للغُسْلِ، ألا ترى أنه يُقَالُ: هذا حدث أصغر، وذا حدث أكبر، لكن إذا أْطلق مجردًا عن الوصف بالصِّغَرِ والكِبَرِ كان المراد منه الأصغر غالبًا، وهو الذي أراده في هذا الموضع، ثم له سبب وأثر، فجعل كلام الباب في فصلين:
أحدهما: في الأسباب.
والثاني: في الآثار، وتكلم أولًا فيما ليس من أسباب الحدث عندنا، واشتهر خلاف العلماء أيانا فيه، فمن ذلك الفَصْدُ والحِجَامَةُ، وكل خارج من غير السَّبيلين، لا ينقض الطَّهَارة، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: كل نجاسة خارجة من البدن تنقض الوضوء، كالدم إذا سال، والقيء إذا ملأ الفم، وبه قال أحمد، إلاَّ أنه لا يقول بالانتقاض إذا كان الدم قطرة أو قطرتين. لنا ما روى أنس: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ مَحَاجِمِهِ (٣) ".
_________________
(١) الفصد: شَقَّ العِرْق، فَصَدَهُ يَفْصِدُهُ فَصْدًا وفِصادًا، فهو مفصود وفصيد. وفصد الناقة: شقّ عِرْقَها ليستخرج دمه فيشربه. وقال الليث: الفصد قطع العُرُوق. انظر لسان العرب (٥/ ٣٤٢٠).
(٢) الحُجْم: المصُّ، والحجَّامُ: المصَّاص. قال الأزهري: يقال للحاجم حجَّام لامتصاصه فم المِحْجَمة. وقد حجم يحجم حَجْمًا وحاجمٌ حجوم ومِحْجَمٌ رفيق. والمِحْجَم والمحجمة: ما يُحْجَمُ به. انظر لسان العرب (٢/ ٧٩٠).
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ١٥١ - ١٥٢) والبيهقي في السنن (١٠/ ١٤١) وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١١٣) وفي إسناده صالح ابن مقاتل وهو ضعيف، وادعى ابن العربي أن الدارقطني صححه وليس كذلك بل قال عقيبه في السنن صالح ابن مقاتل ليس بالقوي وذكره النووي في فصل الضعيف قال النووي في الخلاصة: وليس في النقض بالقيء والدم والضحك في الصلاة ولا عدمه حديث صحيح.
[ ١ / ١٥٢ ]
وروى مثل مذهبنا عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة -﵃-.
ومنها: القَهْقَهَةُ، فلا تنقض الوضوء، سواء وجدت في الصلاة أو في غيرها.
وعند أبي حنيفة القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، إلا في صلاة الجَنَازَةِ، لنا ما روي عن جابر -﵁- أنه -ﷺ- قال: "الضَّحِكُ يَنْقُضُ الصَّلاةَ وَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ" (١). ومنها أكل ما مَسَّتْهُ النار، فلا يؤثر في انتقاض الطهارة.
وقال أحمد: تَنْتَقِضُ الطهارة بأكل لحم الجَزُورِ، وحكى ابن القاص عن القديم قولًا مثله (٢) لما روى أنه -ﷺ- قال: "تَوَضَئوا مِنْ لَحُومِ الْإِبِلِ وَلاَ تَتَوَضَئوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَم" (٣)، لنا ما روي عن جابر قال: "كانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله -ﷺ- تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ" (٤).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٢) والبيهقي (١/ ١٤٤ - ١٤٥) وقال الحافظ نقل الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أنه قال: هو حديث منكر وخطا الدارقطني رفعه، وقال الصحيح عن جابر من قوله: وقال ابن الجوزي قال أحمد ليس في الضحك حديث صحيح، وكذلك قال الذهبي: لم يثبت عن النبي -ﷺ- في الضحك في الصلاة خبر، وأبو شيبة المذكور في إسناد حديث جابر هو الواسطي جد أبي بكر ابن أبي شيبة، ووهم ابن الجوزي، فسماه عبد الرحمن بن إسحاق، وروى ابن عدي عن أحمد بن حنبل، قال: ليس في الضحك حديث صحيح، وحديث الأعمى الذي وقع في البئر مداره على أبي عاليه، وقد اضطرب عليه فيه انظر المجموع (٢/ ٤).
(٢) قال النووي: هذا القديم وإن كان شاذًا في المذهب فهو قوي في الدليل، فإن فيه حديثين صحيحين ليس عنهما جواب شاف، وقد اختاره جماعة من محققي أصحابنا المحدثين، وهذا القديم مما أعتقد رجحانه -والله أعلم- الروضة (١/ ١٨٣).
(٣) أخرجه ابن ماجة (٤٩٧) من رواية ابن عمر، وقال أبو حاتم: إنما شبه وقفه عليه ورواه بمعناه من رواية البراء بن عازب أبو داود والترمذي، وابن ماجة، وصححه الأئمة كابن خزيمة، وابن حبان، وأحمد، وابن راهويه. انظر التلخيص (١/ ١٥٤) خلاصة البدر المنير (١/ ٥١).
(٤) أخرجه أبو داود (١٩٢) والنسائي (١/ ١٠٨) وابن خزيمة (٤٣) أخرجه ابن حبان (١١٢٠) قال الحافظ قال ابن خزيمة في صحيحه لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه، وذكر الترمذي الخلاف فيه علي ابن أبي ليلى، هل هو عن البراء أو عن ذي الغرة أو عن أسيد بن حضير، وصحيح أنه عن البراء، وكذا ذكره ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: قلت: وقد قيل إن ذا الغرة لقب البراء بن عازب، والصحيح أنه غيره، وأن اسمه يعيش. وحديث جابر بن سمرة رواه مسلم: وروى ابن ماجه نحوه من حديث محارب بن دثار عن ابن عمر، وذكر ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه أنه منكر، وأن له أصلًا من هذا الوجه عن ابن عمر لكنه موقوف: (فائدة) قال البيهقي: حكى بعض أصحابنا عن الشافعي، قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به، قال البيهقي: قد صح فيه حديثان، حديث جابر بن سمرة وحديث البراء، قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. انظر التلخيص (١/ ١٥٤).
[ ١ / ١٥٣ ]
قال الغزالي: وَإِنَّمَا تَنْتَقِضُ بأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ (الْأَوَّلُ) خُرُوجُ الْخَارجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ رِيحًا كَانَ أَوْ عَينًا نَادِرًا كَانَ أَوْ مُعتَادًا طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا.
قال الرافعي: نواقض الوضوء عندنا أربعة:
أحدها: خروج الخارج من أحد السَّبِيلَيْنِ، يدل عليه الإجماع والنصوص، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١) وقوله -ﷺ- في المَذْي: "يَنْضَحُ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ ويتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ" (٢). ولا فرق بين العين والريح قال -ﷺ-: "لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ (٣) أَوْ رِيحٍ" وقد يفرض خروج الريح من القُبُلِ في النساء، ومن الإحليل أيضًا؛ لأدرة وغيرها فينقض الطهارة أيضًا خلافًا لأبي حنيفة، لنا القياس على الدُّبُرِ، ولك أن تعلم قوله: (ريحًا) بالحاء إشارة إلى هذا الخلاف، وإذا كان الخارج عينًا فلا فرق بين أن يكون معتادًا أو نادرًا كالذود والحصا خلافًا لمالك في النادر إلا في دم الاسْتِحَاضة.
لنا القياس على المعتاد بعلَّة أنه خارج من السبيلين، وظاهر ما روى أنه -ﷺ- قال: "الوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ" (٤). ونحو ذلك.
وأما قوله طاهرًا أو نجسًا فقد يتوهم أن المراد من الطاهر المَنِيُّ، وليس كذلك، بل المراد منه الدود والحصا وسائر ما هو طاهر العين.
وأما المني فلا يوجب خروجه الحدث وإنما يوجب الجَنَابة، ولا يُغْتَرُّ بتعميم الأئمة القول في أن الخارج من السبيلين ناقض للطهارة، فإن هذا ظاهر يعارضه نصهم في تصوير الجنابة المجردة عن الحَدَثِ، على أن من أنزل بمجرد النظر أو بالاحتلام
_________________
(١) سورة المائدة ٨ الآية ٦.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩) ومسلم (٣٠٣) من رواية علي - كرم الله وجهه.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤١٠، ٤٣٥، ٤٧١) والترمذي (٧٤، ٧٥) وقال: حسن صحيح وابن ماجة (٥١٥) والبيهقي (١/ ١١٧) وقال صاحب الإمام: إسناده على شرط مسلم، وقال الحافظ قال البيهقي: هذا حديث ثابت قد اتفق الشيخان على إخراج معناه من حديث عبد الله بن زيد، وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي وذكر حديث شعبة عن سهل عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: لا وضوء إلا من صوت أو ريح، فقال أبي: هذا وهم اختصر شعبة متن هذا الحديث، فقال: لا وضوء إلا من صوت أو ريح، ورواه أصحاب سهل بلفظ: إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا من نفسه فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه أحمد والطبراني من حديث السائب بن خباب بلفظ: لا وضوء إلا من ريح أو سماع. انظر التلخيص (١/ ١١٧).
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ١٥١) والبيهقي (١/ ١١٦) من رواية ابن عباس بإسناد ضعيف، والأصح وقفه عليه، قاله الأزدي والبيهقي وغيرهما.
[ ١ / ١٥٤ ]
قاعدًا فهو جنب غير محدث، وَحُكِيَ في "البيان" عن القاضي أبى الطيب (١) أن خروج المني يوجب الحدثين جميعًا، الأصغر، لأنه خارج من أحد، السبيلين، والأكبر؛ لأنه مني، والمذهب المشهور هو الأول، فالشيء مهما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه لا يوجب أهونها بعمومه، كزنى المُحْصَن، لما أوجب أعظم الحَدَّين؛ لأنه زنى المحصن، لا يوجب أدناهما لأنه زنى، ولا يخفى أن المراد من قوله: "خروج الخارج من السبيلين"، هو الخروج من أيهما كان، ولا يشترط في الانتقاض الخروج من كليهما، وكل ما ذكرناه فيمن هو واضح الحال في أمر الذُّكورة والأنوثة، أما المشكل (٢) فإن خرج (٣) الخارج من فرجيه جميعًا فهو حدث؛ لأن أحدهما أصلي، وإن خرج من أحدهما، فالحكم كما لو خرج من واضح الحال خارج من ثقبة انفتحت تحت المعدة مع انفتاح السبيل المعتاد، وسيأتي حكمه.
قال الغزالي: وَفِي مَعْنَاهُ ثُقْبَةٌ انْفَتَحَتْ تَحْتَ المَعِدَةَ مَعَ انْسِدَادِ المَسْلَكِ المُعْتَادِ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ المَعِدَةِ أَوْ تَحْتَهَا وَلَكِنْ مَعَ انْفِتَاحِ المَسْلَكِ المُعْتَادِ فَقَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَقِضُ فَلَوْ كَانَ الْخَارجُ نَادِرًا فَقَوْلاَنِ، وَفِي جَوَازِ الإِقْتِصَارِ فِيهِ عَلَى الْحَجَرِ ثَلاثَةُ أوْجُهِ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثَ بَيْنَ المُعْتَادِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا فِي انْتِقَاضِ الطُّهْرِ بِمَسِّهِ وَوُجُوبِ الغُسْل بِالإِيلاجِ فِيهِ وَحِلِّ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لو انسد السبيل المعتاد وانفتحت ثقبة تحت المعدة، نُظِر إن خرج منها النجاسة المعتادة وهي البول والعُذْرَة (٤) انتقض الطهر؛ لأن الإنسان لا بد له في مُطَّرد العادة من مَنْفَذٍ يخرج منه الفضلات التي تدفعها الطبيعة، فإذا انسد ذلك قام ما
_________________
(١) القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري. قال الشيخ أبو إسحاق: هو شيخنا وأستاذنا لم أر من رأيت كمل اجتهادًا وأشد تحقيقًا وأجود نظرًا منه. صنف التصانيف المشهورة في أنواع من العلوم ولازمت مجلسه بضعة عشرة سنة، وسألني أن أجلس في مجلسه للتدريس ففعلت في سنة ثلاثين وأربعمائة، وتوفي عن مائة سنة وسنتين، لم يختل عقله ولا تغير فهمه، يفتي ويقضي، ويحضر المواكب إلى أن مات. وقال الخطيب في (تاريخه): كان ورعًا حسن الخلق، ولد بأمل طبرستان سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وتوفي ببغداد. قال ابن الصلاح: عصر يوم السبت، ودفن يوم الأحد لعشر خلت من شهر ربيع الأول من سنة خمسين وأربعمائة، ودفن بباب حرب. انظر ترجمته في طبقات الشيرازي (١٢٧)، طبقات العبادي (١١٤) تاريخ بغداد (٩/ ٣٥٨).
(٢) الخنثى المشكل ضربان: أشهرهما من له فرج امرأة وذكر رجل، والثاني: له ثقب لا يشبه واحدًا منهما، انظر تحرير التنبيه للنووي (٢٧٤).
(٣) في ب: خروخ.
(٤) العذرة: الخَرء. انظر المصباح المنير (٢/ ٥٤٥).
[ ١ / ١٥٥ ]
انفتح مقامه، وإن خرج غيرها كالدُّود والحَصَا والدم والريح، ففيه قولان:
أحدهما: لا ينتقض به الوضوء؛ لأن غير الفَرْج إنما يقام مقامه لضرورة أن الإنسان لا بد له من منفذ تنفصل فيه الفضلات المعتادة الَتي تخرج لا محالة ولا ضرورة في خروج غير المعتاد.
وأظهرهما: أنه ينتقض؛ لأنه منفذ تنتقض الطهارة بالمعتاد إذا خرج منه، فكذلك بغيره كالفرج الأصلي. ولو انفتحت الثقبة فوق المعدة، وقد إنسد السبيل المعتاد، أو تحت المعدة والمعتاد منفتح، فهل تنتقض الطهارة بالخارج المعتاد منها في الصورتين؟ فيه قولان: أصحهما: لا. أما في الصورة الأولى فلأن ما يخرج من فوق المعدة، أو من حيث يُحَاذيها لا يكون مما أحالته الطبيعة، لأن ما تحيله تلقيه إلى الأسفل، فهو إذًا بالقَيْءِ أشبه، وما في الثانية فلأن غير الفرج إنما يعطي حكمة، لضرورة أن الإنسان لا بد له من مسلك، فيقام المنفتح عند انسداد المعتاد مقامه، ولا انسداد. والثاني: ينتقض؛ لأن الخارج النجاسة المعتادة، ولا يضر في أن تتحول الثقبة التي تنفصل فيها الفضلات إلى مكان أعلى أو أسفل.
وهاتان الصورتان هما المجموعتان في قوله: "فإن كان فوق المعدة أو تحتها ولكن مع انفتاح المَسْلِك المعتاد" المعنى: فإن كان فوق المعدة (١) مع الانسداد أو تحتها ولكن مع الانفتاح، فإن قلنا: لا تنتقض الطهارة بخروج المعتاد في الصورتين فلا كلام، وإن قلنا: تنتقض، فهل تنتقض بخروج النادر، فيه القولان المذكوران في خروج النادر من ثقبة تحت المعدة مع انسداد السبيل المعتاد، وإن انتفى المعنيان، فلم يكن المعتاد منسدًّا، ولا المنفتح تحت المعدة، فلا انتقاض (٢) كالقيء والرعاف ونحوهما، ومتى حكمنا بالانتقاض فيتفرع عليه فروع: أحدها: هل يجوز الاقتصار في الخارج منه على الأحجار وما في معناها أم تتعين الإزالة بالماء؟ حكى صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يتعين الماء؛ لأنه نادر والاقتصار على الحَجَرِ خارج عن القياس، فلا يكون في معنى السبيلين.
وثانيها: يجوز الاقتصار عليه؛ لأنه منفذ ألحق بالسبيلين في كون الخارج منه ناقضًا للطهارة، فكذلك في جواز الاقتصار على الحجر.
_________________
(١) في ط: المعتاد.
(٢) قال النووي: ذهب كثيرون من الأصحاب إلى أن فيه طريقين الثاني: على قولين، والمذهب: أن الريح من الخارج المعتاد، ومرادهم بتحت المعدة: ما تحت السرة وبفوقها: السرة ومحاذاتها وما فوقها -والله أعلم- الروضة (/ ١/ ١٨٤).
[ ١ / ١٥٦ ]
وثالثها: يفرق بين أن يكون الخارج النجاسة المعتادة فيجوز، وبين أن تكون غيرها فلا، لانضمام ندرة الخارج إلى ندرة المَخْرَج، وحكى إمام الحرمين بدل الوجوه أقوالًا، وهو والإمام الغزالي -قدَّس الله روحيهما- مسبوقان بهذا الاختلاف، لأن القاضي أبا القاسم ابن كج (١) حكى في المسألة قولين وهما: الأول والثاني وحكاهما أبو علي صاحب الإفصاح (٢): وجهين، وكذلك روى الصيدلاني (٣).
الثاني: هل تنتقض الطهارة بمسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه التحق بالفرج في انْتِقَاضِ الطهارة بالخارج منه فكذلك في حكم الانتقاض بمسه وأصحهما لا؛ لأنه لا يقع مسه في مَظَنَّةِ الشَّهوة؛ ولأنه ليس بفرج حقيقة، فلا يتناوله النصوص [الواردة في مس الفرج، وحينئذ وجب أن يحكم ببقاء الطهارة.
الثالث: إذا أوْلَجَ فيه هل يجب الغُسْل؟ فيه وجهان] (٤) لا يخفى توجيههما مما ذكرنا.
_________________
(١) القاضي أبو القاسم، يوسف بن أحمد بن كج الدينوري، تفقه على ابن القطان، وجمع بين رئاسة الدين والدنيا، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب، وارتحل الناس إليه من الآفاق رغبة في علمه وجوده. قتله الغبّارون بالدينور ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وأربعمائة، قال الشيخ أبو إسحاق قال ابن خلكان: وكانت له نعمة كبيرة قال: وحكى السمعاني أن الشيخ أبا علي السنجي لما انصرف من عند الشيخ أبي حامد، اجتاز به فرأى علمه وفضله، فقال له: يا أستاذ الاسم لأبي حامد، والعلم لك، فقال: رفعته بغداد وحطتني الدينور. راجع ترجمته في: طبقات العبادى ص (١٠٧)، طبقات الشيرازي (١١٨) وفيات الأعيان (٧/ ٦٥) الأنساب (١٠/ ٣٦٠).
(٢) أبو علي الحسين بن القاسم الطبري، مصنف (الإفصاح) تفقه ببغداد على ابن أبي هريرة ودرس بها بعده، وصنف في الأصول والجدل والخلاف، وهو أول من صنف في الخلاف المجرد، وكتابه فيه يسمى: "المحرر"، وكتابة (الإفصاح) الذي يعرف به أيضًا سكن ببغداد ومات بها سنة خمسين وثلثمائة، قاله الشيخ في طبقاته، وابن الصلاح، والطبري نسبه إلى طبرستان بفتح الباء الموحدة، وهو إقليم متسع مجاور لخراسان، ومدينته آمُل بهمزة ممدودة وميم مضمومة بعدها لام، وأما الطبراني فنسبه إلى طبرية الشام. راجع ترجمته في: طبقات الشيرازي (١١٥) طبقات العبادي (٨٤). طبقات الأسنوي (٧٥٥) الأعلام (٢/ ٢٢٧) تاريخ بغداد (٨/ ٨٧) وفيات الأعيان (١/ ٣٥٨) شذرات الذهب (٣/ ٢) النجوم الزاهرة (٣/ ٣٢٨).
(٣) أبو بكر محمد بن داود بن محمد المروزي، المعروف بالصيدلاني نسبة إلى بيع العطر، وبالداودي نسبة إلى أبيه داود من أهل مرو، وله شرح على (المختصر) في جزئين ضخمين، ظفر به ابن الرفعة حال شرحه (للوسيط) ونقل فيه غالب ما تضمنه. انظر ترجمته في الأنساب (٥/ ٢٦٤) طبقات الأسنوي (٧٢٥) طبقات الشافعية السبكي (٣/ ٦٢٠) الطبقات لابن قاضي شهبة (١/ ٢١٤) طبقات ابن هداية الله (٥٢).
(٤) سقط في ب.
[ ١ / ١٥٧ ]
الرابع: هل يَحِلُّ النظر إليه؟ فيه هذان الوجهان، وموضع الوجهين ما إذا كان فوق السرة، أما إذا كان تحتها فلا يحل النظر إليه لا مَحَالة، ولو كان بحيث يُحَاذي السُّرَةَ جرى الوجهان، كما لو كان فوقها؛ لأن الصحيح أن السُّرَةَ لَيْسَتْ من العَوْرَةِ والظاهر أنه لا يثبت شيء من الأحكام.
قال إمام الحرمين: والتردُّد في هذه الأحكام على بعده لا يتعدى أحكام الأحداث، فلا يثبت في الإيْلاَجِ فيه شيء من أحكام الوَطْءِ سوى ما ذكرناه في وجوب الغُسْلِ، نعم كان شيخي يتردد في حل النظر وهو قريب هذا كلامه. ورأيت لأبي عبد الله الحناطي (١) طرد التردد في إيجاب المَهْرِ وسائر أحكام الوطء والله أعلم.
قال الغزالي: (الثَّانِي) زَوَالُ الْعَقْلِ بِإغْمَاء أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ نَوْمٍ، كُلُّ ذلِكَ يَنْقُضُ الطُّهْرَ إِلاَّ النَّوْمَ قَاعِدًا (م وز) مُمْكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنَ الْأَرْضِ.
قال الرافعي: زوال العقل يفرض بطرقين:
أحدهما: غير النوم كالجنون والإغماء والسكر، فينتقض الوضوء بكل حال، لأن النوم ناقض على ما سيأتي، وإنما كان كذلك، لأنه قد يخرج منه الخارج من غير شعوره به، ومعلوم أن الذُّهُولَ عند هذه الأسباب أبلغ، والسُّكْرُ الذي ينقض الوضوء هو الذي لا يبقى معه الشعور دون أوائل النَّشْوَةِ، وحكى في "التَّتمة" وجهًا ضعيفًا: أن السكر لا ينقض الوضوء أصلًا.
والثاني: النوم وإنما تحصل حقيقته إذا استرخى البَدَنُ، وزال الاسْتِشْعَار، وخفى عليه كلام من يتكلم عنده، وليس في معناه النّعاس، وحديث النفس، وهو من نواقض الوضوء في الجُمَلة لما روي أنه -ﷺ- قال: "الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ (٢)، فَإذَا نَامَ الْعَيْنَانُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ".
_________________
(١) أبو عبد الله الحناطي، وهو: الحسين بن أبي جعفر محمد الطبري. قدم بغداد في الشيخ أبي حامد، وروى عنه القاضي أبو الطيب، وذكره الشيخ أبو إسحاق ولم يؤرخ وفاته عنه والحناطي: بالحاء المهملة، والنون، معناه الحناط كالخباز والبقال، ولكن العجم يزيدون عليه إلى ياء النسب أيضًا فيعبدون مثلًا عن الذي يقصر الثياب بالقصار مرة، وبالقصارى أخرى. انظر ترجمته في طبقات الشافعية للأسنوي رقم (٣٦٢) طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ١٦٠) تاريخ بغداد (٨/ ١٠٣) طبقات الفقهاء للشيرازي (١٠٥).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٩٧) والدارمي (١/ ١٨٤) والبيهقي في السنن (١/ ١١٨) من رواية معاوية، وأثار البيهقي إلى وقفة عليه، ورواه أبو داود وابن ماجة من رواية عبد الرحمن بن عائذ، وادعى ابن القطان جهالته، وهو غلط فقد وثقه النسائي وغيره، بل اختلفوا في صحبته، كما قال =
[ ١ / ١٥٨ ]
وروى أنه -ﷺ- قال: "مَنِ اسْتَجْمَعَ نَوْمًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ" (١).
وتفصيله بأن يقال: النوم إما أن يكون في غير الصلاة أو في الصلاة، إن كان في غير الصلاة نظر إن نام قاعدًا ممكنًا مقعده من مَقَرِّه فلا ينتقض وضوءه، لأنه يأمن استطلاق الوِكَاء إذا نام على هذه الحالة، وقد روي أن أصحاب رسول الله -ﷺ-: "كانوا يَنْتَظِرُونَ العِشَاء، فَينَامُونَ قُعُودًا، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ" (٢). وروي أنه -ﷺ- قال: "لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَاعِدًا، إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّ مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا] اسْتَرخَتْ مَفَاصِلُهُ" (٣) ولا فرق بين أن يكون مستندًا أو غير مستند، بعد أن يكون المَقْعَدُ متمكنًا من الأرض، ولا بين أن يكون السِّنَاد بحيث لو سل لسقط، وبين أن لا يكون كذلك، وعن الشيخ أبي محمد أنه إن كان بحيث لو سل لسقط بطل الوضوء، وإن نام على غير هيئة القعود بالصفة المذكورة بطل الوضوء، سواء كان مضطجعًا أو مُسْتَلْقيًا أو قائمًا أو على هيئة الساجدين أو الراكعين، (وفي قول لا ينتقض الوضوء بالنوم قائمًا مستويًا) (٤)، وفي قول: لا ينتقض الوضوء بالنوم على أي هَيْئة كانت من هيئات المُصَّلين عند الاختيار، وإن لم يكن في الصلاة وبه قال أبو حنيفة لما روي أنه -ﷺ- قال:
_________________
(١) = أبو نعيم عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، وحسنه ابن الصلاح والنووي والذكي، وفيه نظر: لأنه منقطع. قال أبو زرعة عبد الرحمن بن علي مرسل، وكذا قاله عبد الحق، وابن القطان، وصاحب الإمام: لا جرم، قال ابن عبد البر في الاستذكار فيهما: ضعيفان لا حجة فيهما من جهة النقل، وأما ابن السكن فذكرهما في سننه الصحاح المأثورة. قاله ابن الملقن، المذكور في هذا الحديث بفتح السين المهملة، وكسر الهاء المخففة، الدبر والوِكاء بكسر الواو الخيط الذي تربط به الخريطة والمعنى: اليقظة وكاء الدبر أي حافظة ما فيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظًا أحس بما يخرج منه. انظر خلاصة البدر (١/ ٥٢ - ٥٣) التلخيص (١/ ١١٨).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن (١/ ١١٩) من رواية أبي هريرة ولفظه من استحق النوم وجب عليه الوضوء، ثم قال: لا يصح رفعه، ووقفه على أبي هريرة صحيح، وكذلك قال الدارقطني في علله. انظر الخلاصة (١/ ١١٨) انظر التلخيص (١/ ١١٨).
(٣) أخرجه الشافعي (٨٦) ومسلم بنحوه (٣٧٦) من رواية أنس وأبو داود (٢٠٠).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٢٣١٥) وأبو داود (٢٠٢) والترمذي (٧٧) والدارقطني (١/ ١٥٩ - ١٦٠) قال الحافظ بن حجر في التلخيص: ومداره على يزيد أبي خالد الدالاني وعليه اختلف في ألفاظه، وضعف الحديث من أصله أحمد والبخاري فيما نقله الترمذي في العلل المفرد. وأبو داود في السنن. والترمذي وإبراهيم الحربي في علله. وغيرهم. وقال البيهقي في الخلافيات تفرد به أبو خالد الدالاني، وأنكر عليه جميع أئمة الحديث، وقال في السنن: أنكره عليه جميع الحفاظ، وأنكروا سماعه من قتادة. وقال الترمذي: رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتاة عن ابن عباس قوله ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه. انظر التلخيص (١/ ١٢٠).
(٥) سقط في ط.
[ ١ / ١٥٩ ]
"لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا" (١) لكن أئمة الحديث ضعفوه، فعلى هذين القولين لا يَنْحَصِرُ الاستثناء في حالة القعود، على خلاف ما ذكره صاحب الكتاب، وعن الشافعي -﵁- قول آخر أن تلك الحالة أيضًا لا تستثنى بل النوم في عينه حدث، لإطلاق ما سبق من الأخبار، وكما في سائر الأحداث لا فرق فيها بين حالتي القعود وغيرها، وإلى هذا القول صار المزني.
وعن مالك أنه إن نام جالسًا قليلًا لم ينتقض [وضوءه وإن نام كثيرًا انتقض] (٢) هذا كله إذا كان في غير الصلاة، [أما إذا كان في الصلاة] (٣) فقولان:
القديم: أنه لا ينتقض وضوءه، لما روي أنه -ﷺ- قال: "إِذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي صَلاَتِهِ بَاهَى اللهُ بِهِ مَلاَئِكَتَهُ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَجَسَدُهُ سَاجِدٌ بَيْنَ يَدَيَّ" (٤).
والجديد: أن حكمه كما لو كان خارج الصلاة، لما سبق من الأخبار وللقياس على سائر الأحداث، ولأن النوم إنما أثر؛ لأنه قد يخرج منه الشيء من غير شعوره به، وهذا المعنى لا يختلف بين أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة (٥).
وإذا عرفت ما ذكرنا عرفت أن قوله: "أو سكر" ينبغي أن يكون مُعلمًا بالواو، وكلمة الاستنثاء من قوله: "إلا النوم قاعدًا" بالقاف والزاي إشارة إلى القول الذي حكينا أن عين النوم حَدَثٌ، وإليه ذهب المزني (٦) فإنه لا استثناء على ذلك القول وقوله:
_________________
(١) انظر التخريج السابق وهذا لفظ البيهقي، كذا ذكره الحافظ في التلخيص (١/ ١٢٠).
(٢) (٣) سقط في ب.
(٣) أخرجه البيهقي من رواية أنس، وقال: ليس بالقوي والدارقطني في علله من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقال: لا يثبت سماع الحسن من أبي هريرة وابن شاهين من رواية عطية، عن أبي سعيد وعطية تالف. انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٥٤) التلخيص (١/ ١٢٠).
(٤) قال النووي: لا فرق عندنا بين قليل النوم وكثيره. ولو نام محتبيًا فثلاثة أوجه أحدها: لا ينتقض. أصحها: مقعدته، والثالث: ينتقض وضوء نحيف الأليّين دون غيره، ولو نام ممكنًا فزالت إحدى أليتيه عن الأرض. فإن كان قبل الانتباه انتقض، وإن كان بعده أو معه أوشك لم ينتقض، ولو شك هل نام أم نعس؟ أو هل نام ممكنًا أم لا؟ لم ينتقض، ولو نام على قفاه ملصقًا مقعده بالأرض انتقض، ولو كان مستثفرًا بشيء انتقض أيضًا على المذهب، قال الشافعي والأصحاب: يستحب الوضوء من النوم ممكنًا للخروج من الخلاف -والله أعلم-.
(٥) إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، أبو إبراهيم المزني المصري، الفقه الإمام، صاحب التصانيف، أخذ عن الشافعي، وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي، وقال عنه الشافعي: المزني ناصر مذهبي، توفي في رمضان، وقيل في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائتين، انظر ترجمته في طبقات السبكي (١/ ١٣٨) وفيات الأعيان (١/ ١٩٦) شذرات الذهب (٢/ ١٤٨) النجوم الزاهرة (٢/ ٣٩) مروج الذهب (٨/ ٥٦) طبقات لابن قاضي شهبه (١/ ٥٨) معجم المؤلفين (٢/ ٣٠٠).
[ ١ / ١٦٠ ]
"وكذا النوم قاعدًا" بالميم لما ذكرنا من مَذْهَبِ مالك، وكذلك ينبغي أن يكون قوله: "كل ذلك ينقض الطهر" مُعْلمًا بالقاف إشارَةً إلى القول المنقول في النوم قائمًا أنه لا ينقض، وفي النوم على هيئات المصلِّين، وكذلك في النوم في الصلاة، فإنها مُسْتثناة أيضًا على هذه الأقوال.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) لَمْسُ بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ (م ح) فَإِنْ كَانَتْ مَحْرَمًا أَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَيِّتَةَ أَوْ مَسَّ شَعْرَهَا أَوْ ظُفُرَهَا أَوْ عُضْوًا مُبَانًا مِنْهَا فَفِي الكُلِّ خِلاَفٌ، وَفِي المَلْمُوسِ قَوْلاَنِ، وَاللَّمْسُ سَهْوًا أَوْ عَمدًا سَوَاءٌ (وم).
قال الرافعي: اللَّمْسُ من نواقض الوضوء خلافًا لأبي حنيفة، إلا في المُبَاشَرَةِ الفاحشة، وهي أن يضع الفَرْجَ على الفَرجِ مع الانْتِشَار، ولمالك وأحمد فإنهما اعتبرا الشهوة في كونه ناقضًا، هذه رواية عن أحمد وعنه روايتان أخريان:
إحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى: مثل مذهب أبي حنيفة. لنا قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) عطف اللَّمْسَ على المجيء من الغائط، ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، فدل على كونه حدثًا كالمجيء من الغائط، والمراد من اللمس الجَسُّ باليد، كذلك روي عن ابن عمر -﵄- وغيره ثم ينظر إن وجد اللمس من الرجل بالصفات المذكورة في الكتاب، وهي أن يلمس بشرة المرأة الكبيرة الأجنبية فَتَنْتَقِضُ طَهَارته.
فإن قيل: الشرط في الانتقاض أن لا يكون بينهما حائل ولم يتعرض له.
قلنا: في قوله "لمس بشرة المرأة" ما يفيد ذلك؛ لأنه إذا كان بينهما حائل فلا يقال: لمس ولا مس، ولهذا لو حلف أن لا يَمْسُّ امرأة فمسها من وراء حَائلٍ، قال الأصحاب: لا يَحْنَثٌ، وإن فقد شيء من الصفات التي ذكرها نظر إن لمس غير البشرة، كالشعر والظفر والسن ففيه وجهان:
أحدهما: ينتقض وضوءه كسائر أجزاء البدن، ولهذا يسوى بين الكل في الحِلِّ والحرمة وإضافة الطلاق، وأصحهما: لا ينتقض، لأن الالْتِذَاذ بهذه الأشياء إنما يكون بالنظر دون اللمس، أو معظم الالْتِذَاذ فيها بالنظر.
وإن كان الملموس عضوًا مبانًا منها ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كالمتصل ألا ترى أن مس الذكر المقطوع كمس الذكر المتصل على الصحيح.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
[ ١ / ١٦١ ]
وأصحهما: أنه لا ينتقض، لأن المس حدث لظاهر الآية، وفهم من جهة المعنى اعتبار الوقوع في مَظَنَّةِ الشهوة (١) ولمس المُبَانِ ليس في مظنة الشهوة، ولا يقال لمن لمسه: لمس امرأة، بخلاف من مس الذكر المبان فإنه قد مس الذكر.
وإن لمس صغيرة، والمراد التي لم تبلغ حَدَّ الشهوة، ففيه وجهان:
أحدهما: نعم، لظاهر الآية، وأصحهما: لا، لأنه ليس في مظنَّة الشهوة، فصار كلمس الرجلِ الرجلَ.
ومنهم من يقول في المسألة قولان كما في المحرم، وإن لمس محرمًا فقولان:
أحدهما: أن حكمها حكم الأجنبيات في اللمس لعموم الآية، وأصحهما: لا، لأنها ليست في مظنَّة الشهوة بالإضافة إليه، ولا فرق بين محرَمِيَّة النَّسب والرِّضَاع والمُصَاهرة في اطِّراد القولين وإن لمس ميتة ففيه وجهان أيضًا، ينظر في أحدهما إلى عموم اللفظ وفي الثاني إلى أن لمسها ليس في مظنة الشهوة، والظاهر الأول، كما يجب الغُسْلُ بالإيلاجَ فيها، ولم يذكر مسألة الميتة في "الوسيط"، وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أن الخَلاف الذي أبهمه في قوله: "ففي الكل خلاف"، قولان في مسألة المحرم، ووجهان في سائر المسائل، وهذا مما ينبغي أن يعتني به محصل هذا الكتاب، فإنه كثيرًا ما يرسل ذكر الخلاف والتردد في مسائل يعطف بعضها على بعض، وهو قول في بعضها ووجه في البعض، فينبغي أن يُضْبَطَ.
ثم كما ينتقض وضوء الرجل إذا لمس بهذه الشرائط، ينتقض وضوء المرأة إذا لَمَسَتْ بهذه الشَّرائط، وفي الملموس قولان:
أصحهما: أنه ينتقض وضوءه أيضًا لاستوائهما في اللَّذة، كما أن الفاعل والمفعول يستويان في حكم الجماع.
والثاني: لا ينتقض، لما روى عن عائشة -﵂- قالت: أصابت يدي أخْمُصَ قدم رسول الله -ﷺ- في الصلاة، فلما فرغ من صلاته قال: "أَتَاكِ شَيْطَانُكِ" (٢) ولو انتقض طهر الملموس لما أتم الصلاة، ثم حكى قولان في أن الملموس من هو:
أحدهما: أن الملموسة هي المرأة، وإن وجد فعل اللمس منها، والرجل لامس.
والثاني: وهو الأَصَحُّ المشهور، أن الَّلامس من وجد منه فعل اللمس رجلًا كان أو امرأة، والملموس الآخر، ويخرج مما ذكرناه قول أن المرأة لا ينتقض وضوءها وإن
_________________
(١) في ب: وإن لم تعتبر لمس الشهوة.
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٦) والحاكم في المستدرك على شرط الشيخين، الخلاصة (١/ ٥٤).
[ ١ / ١٦٢ ]
لمست وإن نفى المُصَنِّف في "الوسيط" أن يكون في الانتقاض خلاف، ثم لا فرق بين أن يتفق اللمس عمدًا أو سهوًا كسائر الأحداث، ولا بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة.
وحكي وجه أن اللمس إنما ينقض الوضوء إذا وقع قصدًا (١)، وكان تَخْصِيصُ اللمس بالذَّكَرِ في الكتاب إنما كان لمكان هذا الوجه، وإلا فسائر الأحداث أيضًا عمدها وسهوها سواء، لكن أبا عبد الله الحناطي روى في مس الذكر ناسيًا وجهين أيضًا، وحكى في اللَّمس أن ابن سريج ذهب إلى اعتبار الشهوة، كما صار إليه مالك قال: وحكى ذلك عن الشافعي -﵁- أيضًا ولمس العجوز كغيرها، ولمس العضو الأشَلِّ والزائد كلمس الصحيح والأصلي، وفي الصور الثلاث وجه آخر.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) مَسُّ الذّكَرِ بِبَطْنِ الكَفِّ نَاقِضٌ (ح ز) لِلْؤضُوءِ وَكَذَا مَسُّ فَرْجِ المَرْأَةِ وَكَذَا مَسُّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ (م) عَلَى الجَدِيدِ وَكَذَا فَرْجُ البَهِيمَةِ عَلَى القَدِيمِ وَكَذَا فَرْجُ المَيِّتِ (و) وَالصَّغِيرِ (م) وَكَذَا مَحَلُّ الجَبِّ (و)، وَفِي الذَّكَرِ المُبَانِ وَجْهَانِ، وَفِي المَسِّ بِرَأْسِ الأَصَابع وَجْهَانِ، وَبِمَا بَيْنَ الأَصَابع لا يَنْتَقِضُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: مَسُّ الذكر ناقض للوضوء خلافًا لأبي حنيفة ومالك، فإن حكم المس عندهما على ما ذكرنا في اللمس: لنا حديث بسرة بنت صفوان أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأْ" (٢) وإنما ينتقض الوضوء إذا مس بالكَفِّ، والمراد بالكف الرَّاحَة وبطون الأصابع، وقال أحمد: تنتقض الطهارة سواء مس بظهر الكف أو بِبَطْنها:
لنا أن الأخبار الواردة في الباب جرى في بعضها لفظ اللمس، وفي بعضها لفظ الإفضاء، ومعلوم أن المراد منهما واحد، والإفضاء في اللغة: اللمس ببطن الكف (٣).
_________________
(١) قال النووي: ولو التقت بشرتا رجل وامرأة بحركة منهما، انتقضتا قطعًا وليس فيهما ملموس، ولو لمس الشيخ الفاقد للشهوة شابة، أو لمست الفاقدة للشهوة شابًا، أو الشابة شيخًا لا يشتهي، انتقض على الأصح، والمراهق والخصي والعنين ينقضون وينتقضون، ولو لمس الرجل أمرد حسن الصورة بشهوة، لم ينتقض على الصحيح، ولو شك هل هو لامس أو ملموس فهو ملموس، أو هل لمس محرمًا أو أجنبية فمحرم، ولو لمس محرمًا بشهوة فكان لمسها بغير شهوة. ولمس اللسان، ولحم الأسنان، واللمس به، ينقض قطعًا -والله أعلم- الروضة (١/ ١٨٦).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٢) والشافعي في الأم (١/ ١٩) وأحمد في المسند (٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧) والدارمي (١/ ١٨٤ - ١٨٥) وأبو داود (١٨١) والترمذي (٨٢) وقاله: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (١/ ١٠٠) وابن ماجة (٤٧٩) قال ابن الملقن: روي بأسانيد صحيحة لا مطعن لأحد في اتصالها وثقات رجالها وصححه الأئمة أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم، وأنه على شرط الشيخين. والدارقطني، وعبد الحق، والحازمي، وابن صلاح، وابن الأثير، وابن الجوزي. وقال الترمذي: قال البخاري: إنه أصح شيء في الباب. انظر الخلاصة (١/ ٥٤).
(٣) انظر المصباح المنير (٢/ ٦٥٢).
[ ١ / ١٦٣ ]
ولو مس بِبَطْنِ أصبع زائدة نظر إن كانت على استواء الأصابع فهي كالأصلية على أصح الوجهين، وإن لم تكن على اسْتِوَاء الأصابع فلا في أصح الوجهين، ولو كانت له كَفَّان فإن كانتا عاملتين فبأيتهما مسَّ انتقض الوضوء، وإن كانت إحداهما عاملة دون الأخرى انتقض بالمس بالعاملة دون الأخرى، ذكره القاضي الروياني (١) وصاحب "التهذيب"، وحكى بعضهم خلافًا في اليد الزائدة مطلقًا، واليد الشلاَّء كالصحيحة في أصح الوجهين، وكذا الذكر الأشل كالصحيح.
وحكم فرج المرأة في المس حكم الذكر، لما روى عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ ثُمَّ يصَلَّونُ وَلاَ يَتَوَضَئُونَ" قالت عائشة: بأبي وأمي هذا للرجال أفرأيت النساء، قال: "إذَا مَسَّتْ إِحْدَاكُنَّ فرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ" (٢).
وفي حلقة الدُّبُرِ وهي ملتقى المنفذ قولان:
في القديم: لا ينتقض الوضوء بمسه، وبه قال مالك؛ لأن الأخبار وردت في القُبُلِ وهو الذي يفضي بمسه إذا كان على سبيل الشهوة إلى خروج المذي وغيره، فأقيم مسَّه مقام خروج الخارج، بخلاف الدبر.
وقال في الجديد: ينتقض؛ لأنه فرج فينتقض الوضوء بمسّه؛ لقوله -ﷺ-: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ وَلاَ يَتَوَضَئُونَ" (٣) وبالقياس على القُبُلِ، ومن الأصحاب من جزم بما قاله في الجديد، ونفى الخلاف فيه، وعن أحمد روايتان كالقولين، وفي فَرْج البَهِيمَة قولان حكى عن القديم أن مسه كمس فرج الآدمي؛ لظاهر قوله: "مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ الْوُضُوء" (٤)؛ ولأن فرج البهيمة كفرج الآدمي في الإيْلاَجِ، فكذلك في حكم المس وهذا القول في القبل دون الدبر، فإن دبر الآدمي لا يلحق على القديم بالقبل، فمن غيره
_________________
(١) قاضي القضاة عبد الواحد بن إسماعيل المذكور قبله، الملقب فخر الإسلام، صاحب (البحر) وغيره من الأصول النفيسة، كانت له الوجاهة والرئاسة، والقبول التام عند الملوك فمن دونها أخذ عن والده، وتفقه على جده، وعلى محمد بن بيان الكازروني، بميافارقين وبرع في المذهب حتى كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي، ولهذا كان يقال له شافعي زمانه، وصنف التصانيف المشهورة، ولد في ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة، واستشهد بجامع آمل عند ارتفاع النهار بعد فراغه من الإملاء يوم الجمعة، حادي عشر المحرم، انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ١٩٨) طبقات الشافعية (٤/ ٢٦٨) العبر (٤/ ٤).
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٧ - ١٤٨) بإسناد ضعيف، وقال ابن الملقن: وصح موقوفًا عليها كما قاله الحاكم، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٥٥).
(٣) انظر التخريج السابق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤١١) والنسائي (١/ ٢١٦) والطحاوي (١/ ١٧) والطبراني في الكبير (٤٨٥) قال ابن الملق: وسنده لا غبار عليه، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٥٥).
[ ١ / ١٦٤ ]
أولى (١). وقال في الجديد: لا أثر لمسه كما لا يجب ستره، ولا يحرم النظر إليه، ولا يتعلق به خِتَانٌ ولا اسْتِنْجَاء، ولأن لمس إناث البهائم ليس بحدث، فكذلك مس فروجها، وقطع بعضهم بما قاله في الجديد. وفي مَسِّ فرج الميت ذكرًا كان أو أنثى وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه كفرج الحَيِّ لشمول الاسم وبقاء الحُرْمَة.
والثاني: لا أثر لمسه لزوال الحياة وخروج لمسه عن مظنَّة الشهوة.
وفي فرج الصغيرة وجهان:
أصحهما: أنه كفرج الكبير لما ذكرنا.
والثاني: لا، لما روي: "أَنَّهُ -ﷺ- مَسَّ رَبِيبَةَ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ" (٢): ومس محل الجَبِّ من المَجْبُوب هل يؤثر فيه، وجهان:
أصحهما: نعم، لأن مسّه مظنة خروج الخارج منه فأشبه الشاخص.
والثاني: لا؛ لأنه مس محل الذكر دون الذكر وقد حكى عن القفال أن الموجهين مركبان على أحد أصلين: إما مس حلقة الدبر. فإن قلنا: إنه لا يؤثر فهذا أولى.
وإن قلنا: يؤثر فهاهنا وجهان؛ لأن الحلقة طاهرة بأصل الخلقة، وهذا قد طهر بعارض، وأما مس الثقبة المنفتحة مع انْسِدَاد المَسْلَكِ المعتاد فيه وجهان سبق ذكرهما، وعلى هذا فالانتقاض هاهنا أولى؛ لأنه أصلي، والوجهان في المسألة فيما إذا لم يبق شيء شاخص أصلًا، فإن بقي شيء فلا خلاف في أن مسه ناقض، وفي الذكر المبان وجهان:
أصحهما: أنه كالمتصل بشمول الاسم له.
والثاني: لا؛ لخروج لمسه عن مظنة الشهوة ولعلك تقول: رجح الأئمة من
_________________
(١) قال النووي: أطلق الأصحاب الخلاف في فرج البهيمة، ولم يخصوا به القبل. فإن قلنا: لا ينقض مسه فأدخل يده في فرجها لم ينقض على الأصح -والله أعلم- الروضة (١/ ١٨٦).
(٢) قال ابن الملقن: رواه البيهقي من رواية أبي ليلى الأنصاري قال: "كنا عند رسول الله -ﷺ- فجاء الحسن فأقبل يتمرغ عليه فرفع عن قميصه، وقبل زبيبته" ثم قال: إسناده ليس بالقوي، قال: وليس فيه أنه مسه بيده، ثم صلى ولم يتوضأ، ورواه الطبراني في أكبر معاجمه من حديث ابن عباس، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته، وفي إسناده قابوس بن أبي ظبيان، قال النسائي وغيره: ليس بالقوي انظر الخلاصة (١/ ٥٥ - ٥٦).
[ ١ / ١٦٥ ]
الخلاف في مسائل اللمس الوجه الناظر إلى وقوعه في محل الشَّهوة ومظنتها، حتى قالوا لا تنقض الطهارة بلمس المحرم والصغيرة على الأصح وهاهنا عكسوا ذلك فقالوا: الأصع الانتقاض بمس فرج الميت والصغير، ولم يعتبروا الشهوة فما الفرق. فالجواب: أن اللَّمْسَ والمَسَّ متقاربان في أمر الشهوة، وحصول الخلاف إذا وقعا في غير مظنة الشهوة، إلا أن الشافعي -﵁- نظر في اللمس إلى شيء آخر، إذا كان الممسوس فَرْج الغير، وهو أنه بالمس هاتك حرمة الممسوس فرجه، فحكم بانتقاض وضوئه، منعًا له عن ذلك، ولهذا لم يحكم بانتقاض طَهَارة المَمْسُوس فرجه؛ لأنه لا هتك منه، بخلاف الملموس حيث انتقض طهره على أظهر القولين، لشمول معنى الشهوة، وكان الهتك أرجح المعنيين عند الشافعي -﵁- والنظر إليه أولى، ألا تراه علل في مس فرج البهيمة لا يوجب حدثًا، فقال: لأنه لا حرمة لها، ولا تعُبّد عليها -والله أعلم-.
وهذه المسائل كلها في المس ببطن الكف، أما لو مس برءوس الأصابع، ففيه وجهان:
أحدهما: أن المَسَّ بها كالمس بالراحة؛ لأنها من جنس بشرة الكف، ويُعْتَاد المس بها بالشهوة وغيرها وأظهرهما: أنه لا يؤثر المس بها؛ لأنها خارجة عن سمت الكف، ولا يعتمد على المس بها وحدها من أراد معرفة ما يعرف باللمس من اللين والخُشُونة وغيرهما، وفيما بين الأصابع أيضًا وجهان، وعدم الانتقاض فيه أظهر، وقد نقلوه عن نص الشافعي -﵁- وأطبقوا على ترجيحه، وأما في رءوس الأصابع، فمنهم من رجح القول بالانْتِقَاض، وكأنه لهذا التفاوت صرح بأن الصحيح عدم الانتقاض في المسألة الثانية، وسكت عن الترجيح والتصحيح في الأولى، والمعنى برأس الإصبع موضع الاستواء بعد المنحرف الذي يلي الكف، فإنه من الكف بلا خلاف، ثم من يقول: بأن المس برأس الإصبع ناقض يقول: باطن الكف ما بين الأظفار، والزّند (١)، أي: في الطول، ومن يقول: إنه غير ناقض يقول: باطن الكف هو القدر المنطبق إذا وضعت إحدى اليدين على الأخرى، مع تَحَامُل يسير والتقييد بقولنا: مع تحامل يسير، ليدخل فيه المنحرف الذي ذكرناه، وطرف الكَفِّ وهو حرف اليد على الوجهين في رءوس الأصابع.
قال الغزالي: وَإِذَا مَسَّ الخُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أحَد فَرْجَيْهِ لَم يَنْتَقِضْ لاحْتِمَالَ أنَّهُ زَائِدٌ،
_________________
(١) الزندان: الساعد الذراع والأعلى منهما هو الساعد، والأسفل منهما هو الزراع انظر المعجم الوسيط (١/ ٤٠٤).
[ ١ / ١٦٦ ]
وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ ذَكرَهُ أَوِ امْرَأَةٌ فَرْجَهُ انْتَقَضَ إِذْ لاَ يَخْلُو عَنْ مَسِّ وَلَمْسٍ، وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ فَرجَهُ أَوِ امْرَأَة ذَكَره لَمْ يَنْتَقِضْ لاحْتِمَالِ أَنَّ المَلْمُوسَ زَائِدٌ، وَلَوْ أَنَّ خُنْثَيَيْنِ مَسَّ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ الفَرْجَ وَمَسَّ الآخَرُ الذَّكَرَ، فَقَدِ انْتَقَضَ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَلكِنْ يَصِحُّ صَلاَةُ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ، لأَنَّ بَقَاءَ طَهَارَتِهِ مُمْكِنٌ.
قال الرافعي: ما سبق من المسائل فيما إذا اتفق المس، ولم يكن في الماسِّ ولا في الممسوس إشكال في حكم الذُّكورة والأنوثة، فإن كان ففيه مسائل:
إحداها: إن مسّ الخُنْثَى المشكل فرجًا واضحًا فالحكم على ما سبق، وإن مس فرج نفسه نُظِر، إن مس فرجيه جميعًا انتقض وضوءه، لأنه إن كان رجلًا فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد مست فرجها، وإن مس أحدهما لم ينتقض وضوءه، لأنه إن مس الذكر فيجوز أن يكون أنثى، وهو سلعة زائدة، وإن مس الآخر فيجوز أن يكون رجلًا وهو ثقبة زائدة، وإن مس أحدهما وصلَّى الصبح مثلًا ثم توضأ، ومس الآخر وصلى الظهر ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أنه يقضيهما جميعًا؛ لأن إحدى صلاتيه وَاقِعَةٌ مع الحدث.
وأظهرهما: أنه لا يقضي واحدة منهما؛ لأن كل صلاة مُفَرَدٌ بحكمها، وقد بني كل واحدة على ظن صحيح فصار كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، وإن مس أحدهما وصلى الصبح، ثم مس الآخر وصلى الظهر من غير وضوء بينهما أعاد الظُّهر؛ لأنه محدث عندها، ومضت الصبح على الصحة.
الثانية: لو مس الواضح فرج مشكل نُظِر، إن مس رجل ذكره انتقض وضوءه؛ لأنه إن كان رجلًا فقد مس الذكر، وإن كانت امرأة فقد لمس امرأة، وإن مست امرأة فرجه انتقض وضوءها أيضًا لمثل هذا المعنى، وهذا إذا لم يكن بين الخُنْثَى والماس محرمية وغيرها، مما يمنع لمسه على أنه ينتقض به الوضوء، فإن كان فلا انتقاض، وإن مس الرجل فرجه لم ينتقض وضوءه؛ لاحتمال أن يكون رجلًا، والممسوس ثقبة زائدة، وإن مسّت المرأة ذكره فكذلك لا ينتقض وضوءها؛ لاحتمال أن يكون الخُنْثَى امرأة، والممسوس سلعة زائدة.
والضابط أن الواضح إذا مس منه ما له انتقض وضوءه، فإن مس ما ليس له فلا. ثم إذا حكمنا بانْتِقَاض طهارة الواضح فلا نقول: الخنثى ملموس حتى يعود في انتقاض طهارته القولان، بل هو مَمْسُوس حتى لا تنتقض طهارته؛ طرحًا للشك؛ واستصحابًا للطهارة.
والثالثة: لو مس مشكل فرج مشكل آخر نظر، إن مس فرجيه جميعًا انتقض
[ ١ / ١٦٧ ]
وضوؤه كما لو مسهما من نفسه، وكذلك لو مس ذكر مُشْكل وفرج مشكل آخر ينتقض وضوؤه أيضًا، لكن هاهنا ينتقض لعلة المس، أو اللمس، وإن مس أحد فرجيه لا غير لم ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال كونه عضوًا زائدًا، ولو مس أحد المشكلين فرج الآخر، ومس الآخر ذكر الأول انتقض طهارة أحدهما، لا بعينه؛ لأنهما إن كانا رجلين فقد أحدث ماس الذكر، وإن كانتا امرأتين فقد أحدثت ماسة الفرج، وإن كان أحدهما رجل والآخر امرأة فقد أحدثا جميعًا بسبب اللمس، فإذًا طهارة أحدهما باطلة لا محالة، لكنه غير متعين، وما من واحد منهما أفردناه بالنَّظر، إلا والحدث في حقه مشكوك فيه، فنستصحب يقين الطهارة، ولا نمنع واحدًا منهما عن الصلاة، ونظائر ذلك لا تخفى.
وأما قوله في الكتاب في هذه المسألة: "ولكن تصح صلاة كل واحد منهما وحده" ففي كلمة "وحده" إشكال؛ لأن المفهوم منه أن لكل واحد منهما أن يصلى منفردًا، ويمتنع أن يقتدى بالآخر، كما نقول: إذا اختلف اجتهاد اثنين في إنَائَيْنِ مشتبهين، صلَّى كل واحد منهما وحده، يريد به ما ذكرنا، لكن اقتداء الخُنْثَى بالخنثى ممتنع على الإطلاق، فإن معنى التقييد في هذه المسألة: أن كلمة وَحْدَهُ يشبه أن يكون من سَبْقِ القلم، لا عن قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ؛ لأنه في "الوسيط" لم يتعرض لذلك، وإنما قال: "لكن تصح صلاتهما، ويأخذ كل واحد منهما باحتمال الصّحة"، وإن أتى بها عن قصد، فقد ذكر بعضهم أن فائدة التقييد أنه لا تجزئ صلاة واحد منهما خلف الآخر قطعًا، وإن بان بعد الفراغ كون الإمام رجلًا، بخلاف ما إذا اقتدى الخُنْثَى بالخنثى في غير هذه الصورة، ثم بان بعد الفراغ كون الإمام رجلًا، فإن في وجوب القضاء قولين -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالْيَقِينُ لاَ يُرفَعُ بِالشَّكِّ (م) لاَ فِي الطَّهَارَةِ وَلاَ فِي الْحَدَثِ، وَلَو تَيَقَّنَ أنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ تَوَضَّأَ وَأَحْدَثَ وَلَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا سَبَقَ أَسْنَدَ الوَهْمَ إِلَى مَا قَبْلَهُ، فَإِنْ انْتَهَى إِلَى الْحَدَثِ فَهُوَ الآنَ مُتَطَهِّرٌ لأَنَّهُ تَيَقَّنَ طُهْرًا بَعْدَهُ وَشَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ الطُّهْرِ، وَإنِ انْتَهَى إِلَى الطُّهْرِ فَهُوَ الانَ مُحْدِثٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ مَا قَبْلَ الْحَالَتَيْنِ وَيَتَعَارَضُ الظَّنَّانِ.
قال الرافعي: من القواعد التي يَنْبَنِي عليها كثير من الأحكام الشرعية استصحاب اليقين، والإعراض عن الشَّكِّ، والأصل فيما روي عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمسَجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا" (١). وروي أنه -ﷺ- قال: "إِنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٦٢).
[ ١ / ١٦٨ ]
الشَّيْطَانَ لَيَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ إِلْيَتَيْهِ، وَيقُولُ: أَحْدَثْتَ، أَحْدَثتَ، فَلاَ يَنْصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا" (١) ولا فرق عندنا بين أن يَتَيقَّنَ الطهارة، ويشك في الحَدَثِ بعده، أَوْ يتيقَّن الحدث ويشك في الطهارة بعده، بل يستصحب اليقين في الحالتين، خلافًا لمالك حيث قال: إذا استيقن الطهارة، وشك في الحدث، أخذ بالحدث احتياطًا، وتوضأ إذا كان خارج الصلاة وإن كان في الصلاة فله أن يمضي في صلاته، وما رويناه من الخبر حجة عليه، لأنه مطلق، وحَكَى في "التتمة" وجهًا عن بعض الأصحاب يوافق مذهب مالك. ومن نظائر الشك في عروض الحدث ما إذا نام قاعدًا، ثم تمايل وانتبه، ولم يدر أيهما سبق، فلا ينتقض وضوءه، بخلاف ما إذا عرض الانتباه وكان بعد التَّمَايُلِ يلزمه الوضوء. ومنها ما إذا شك في أنه لمس الشعر، أو البشرة إذا قلنا: إنه لا أثر للمس الشعر. ومنها ما إذا مس الخنثى فرجه مرتين، وشك في أن الممسوس ثانيًا هو الممسوس أولًا، أو الفرج الآخر. ومنها ما لو شك في أن ما عرض له رؤيا، أو حديث نفس فلا يلزمه الوضوء في شيء منها، وكذلك القول في الشك في الحدث الأكبر، وهذا كله إذا عرف سبق الطهارة، أما إذا لم يعرف ذلك بأن تيقن أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث، ولم يَدْرِ أيهما سبق، أنه الآن على ماذا؟ ففي المسألة وجهان:
أصحهما: قال صاحب التلخيص: والأكثرون يؤمر بإسناد الوَهْمِ إلى ما قبل طلوع الشمس وتَذَكَّر ما كان عليه من الطهارة والحدث، فإن تذكر أنه كانَ محدثًا فهو الآن على الطهارة؛ لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث، وشك في تَأَخُّرِ الحدث المعلوم بعد الطلوع عن تلك الطهارة، وإن تذكر أنه كان متطهرًا فهو الآن محدث؛ لأنه تيقن حدثًا بعد تلك الطهارة، وشك في تأخر الطهارة عن ذلك الحدث، ومن الجائز سبقها على الحدث، وتوالي الطهارتين، وهذا إذا كان الشخص ممن يعتاد تجديد الطهارة، فإن لم يكن التجديد من عادته فالظاهر أن طهارته بعد الحدث، فيكون الآن متطهرًا، وإن لم يتذكر ما قبلها فلا بد من الوُضُوء؟ لتعارض الاحتمالين من غير تَرْجِيح، ولا سبيل إلى الصلاة مع التردد المَحْضِ في الطهارة؛ ومنهم من قال: يؤمر بالتذكُّر، لكنه إن تذكر الحدث قبل الطلوع فهو الآن محدث أيضًا، وإن تذكر الطهارة فهو الآن متطهر، لأن ما يذكره من قبل معلوم، فيستصحب ويتعارض الظنان الطارئان بعده، لتقابل الاحتمالين، والوجه الثاني، أنه لا نظر إلى ما قبل الطلوع، ويؤمر بالوضوء بكل حال؛ أخْذًا بالاحْتِيَاطِ. ثم نتكلم في قوله: "واليقين لا يرفع بالشك" في ابتداء هذا الفصل، من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٣٧) ومسلم (٣٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم -﵁-.
[ ١ / ١٦٩ ]
أحدها: قد يتوهم أن هذا الكلام متصل بآخر مسألة الخنثيين، وهو قوله: "لأن بقاء طهارته ممكن"، ولا شك أنه صالح لذلك، لكنه لم يقصد تذنيب المسألة به، وإنما أراد افتتاح قاعدة مقصودة في نفسها، وإيراده في "الوسيط" يوضح ذلك، ثم لا يخفى تخريج مسألة الخنثيين على هذه القاعدة.
الثاني: لا نعني بقولنا: اليقين لا يرفع ولا يترك بالشك يقينًا حاضرًا، فإن الطهارة والحدث نقيضان، ومهما شككنا في أحد النقيضين فمحال أن نَتَيَقَّنَ الآخر، ولكن المراد أن اليقين الذي كان لا يترك حكمه بالشك، بل يستصحب؛ لأن الأصل في الشيء الدَّوام والاستمرار، فهو في الحقيقة عمل بالظن وطرح للشك.
الثالث: المشهور من معنى الشك التردد في طرفي وجود الشيء وعدمه بصفة التساوي، فإذا حدث له هذا التردُّد في الحدث بعد تيقن الطهارة، أو في الطهارة بعد تيقن الحدث لم يلتفت إليه واستصحب ما كان، وهذا الحكم لا يختص بالشك في طرف الحدث، بل لو كان الحادث ظن الحدث بعد تيقُّن الطهارة فهو كالشك في أنه يجوز له الصلاة؛ استصحابًا ليقين الطهارة، لكن لو ظَنَّ الطهارة بعد الحدث لم يستصحب حكم الحدث [بل له أن يصلي بالظن، فإذًا حكم الشك واحد في الطرفين، وحكم الظن في الحدث] (١) خلاف حكمه في الطهارة.
قال الغزالي: قَاعِدَةٌ تَنْكَشِفُ حَالُ الخُنْثَى بِثَلاَثِ طُرُقٍ: (الأوُلَى): خُرُوجُ خَارج مِنَ الفَرْجَينِ فَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ أَوْ أَمْنَى فَرَجُلٌ وَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ أَوْ حَاضَ فَامْرَأَةً فَإنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ وَحَاضَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ قِيلَ: التَّعْوِيلُ عَلَى المَبَالِ؛ لأَنَّهُ أَدْوَمُ وَقِيلَ: مُشْكِلٌ (الثَّانِيَةُ): نَبَاتُ اللِّحْيَةِ وَنُهُودُ الثَّدْيِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِهِمَا كمَا لاَ عِبْرَةَ بِتَأخُّرِ النَّبَاتِ وَالنُّهُودِ عَنْ أَوَانِهِمَا (الثَّالِثَةُ): أَنْ يُرَاجَعَ الشَّخْصُ لِيُحْكَمَ بِمَيْلِهِ فَإِذَا أَخْبَرَ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعه إِلاَّ أَنْ يُكَذِّبَهُ الحِسُّ بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا رَجُلٌ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا.
قال الرافعي: لما تكلم في صور مَسِّ الخنثى أراد أن يبين ما ينكشف به حال الخُنْثَى، فذكر له طرقًا.
منها: خروج الخارج من أحد الفَرْجَيْنِ، وذلك على قسمين:
أحدهما: خارج لا يوجب الغُسْل، وهو البول، فإذا بال بفرج الرجال فَرَجُلٌ، وإن بَالَ بفرج النساء فامرأة، لما روي عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال:
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ١٧٠ ]
في الذي له ما للرجال وما للنساء: "يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ" (١). وهذا بشرط أن يكون له ما يشبه آلَةَ الرجال، وما يشبه آلة النساء، ويكون بوله من أحدهما.
فأما إذا لم يكونا له، وهو يبول من ثقبة، أو كان له، لكنه لا يبول بهما، فلا دلالة في بوله. ولو بال بهما جميعًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أن دلالة البول قد سقطت.
وأصحهما: أن ما يختص بسبق الخروج، أو تأخر الانقطاع، فالحكم له، فإن وجد أحد المعنيين في أحدهما، والآخر في الثاني، فالأخذ بسبق الخروج أولى، وإن فقد المعينان فيهما سقطت دلالة البول، ولا حكم للكثرة، ولا للتَّزْرِيقِ والتَّرْشِيش في أصح الوجهين. والثاني بأن الحكم للأكثر، وأنه إن زرق بهما فرجل، وإن رشش فامرأة، وإن زرق بهذا ورشش بذلك فحينئذ تسقط دلالة البول.
والقسم الثاني: خارج موجب للغسل، كالحَيْضِ، والمَنِيِّ، فإذا أمنى بفرج الرجال فرجل، وإن أمنى بفرج النساء، أو حاض فامرأة، وذلك بشرطين:
أحدهما: أن ينفصل في وقت إمكان خروج المني والحيض.
والثاني: أن يتكرر خروجه، ليتأكد الظن. ولا يتوهم كونه اتفاقيًا، ولو أمنى من الفرجين جميعًا فوجهان:
أحدهما: أنه تسقط هذه الدلالة، ويستمر الإشكال.
وأصحهما: أنه لو أمنى منهما على صفة مني الرجال يكون رجلًا، ولو أمنى منهما على صفة مني النساء يكون امرأة؛ لأن الظاهر أن المني الموصوف بصفة مني الرجال ينفصل من الرجال، وكذلك ما هو بصفة مني النساء ينفصل من النساء، نعم لو أمنى من فرج الرجال على صفة مني النساء، أو من فَرْجِ النساء على صفة مني الرجال، أو أمنى من فرج الرجال على صفة منيهم، ومن فرج النساء على صِفَةِ منيهن يستمر الإشكال.
ومن هذا القسم خروج الولد، فيفيد القطع بالأُنوثَةِ حتى يترجح على ما يعارضه من الأمَارَاتِ، أما لو تعارض البول مع الحَيْضِ، أو مع المني، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بمقتضى البول؛ لأنه دائم متكرر، فيكون أقوى دلالة، وأصحهما: أنه يستمر الإشكال ويتساقطان.
ومنها نبات اللِّحية ونُهُود الثدي، وفيهما وجهان:
_________________
(١) أخرجه البيهقي بإسناد ضعيف بالإتقان حتى ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، انظر خلاصة البدر المنير (١/ ٥٦).
[ ١ / ١٧١ ]
أحدهما: أن نَبَاتَ اللحية يدل على الذُّكورة، ونهود الثدي على الأنوثة؛ لأن اللِّحىَ إنما تكون للرجال غالبًا، وتدلي الثديين للنساء غالبًا؛ فيستدل بهما على الذكورة، والأنوثة، وأظهرهما أنه لا عبرة بهما؛ لأنه لا خلاف أن عدم نَبَات اللحية في وقته لا يقتضي الأنوثة، وعدم تدلي الثديين في وقته لا يقتضي الذكورة، ولو جاز الاستدلال بنبات اللحية على الذكورة لجاز الاستدلال بعدمه على الأنوثة؛ لأن الغالب من حال من لا يلتحى في وقته الأنوثة، كما أنِ الغالب من حال من يَلْتَحِي الذكورة.
وأجرى بعضهم الوجهين في نزول اللبن، أيضًا، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه تعد أضلاع الخنثى من جانبيه، فإن نقص عددها من الجانب الأيسر فهو دليل الذكورة، وإن تساوى عددها من الجانبين فهو دليل الأنوثة، وظاهر المذهب أنه لا عبرة بذلك، والتفاوت بين الرجل والمرأة في عدد الأضلاع غير مَعْلُومٍ، ولا مُسَلَّم.
ومنها: أن يراجع الخنثى، فإن قال أميل إلى الرجال استدللنا عى الأنوثة، وإن قال أميل إلى النساء استدللنا به على الذكورة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بميل الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال بالطبع، وهذا إذا عجزنا عن الأمَارَاتِ السابقة، وإلا فالحكم لها؛ لأنها محسوسة معلومة الوجود، وقيام الميل غير معلوم، فإنه ربما يكذب في إخباره، ومن شرط الاعتماد على إخباره وقوعه بعد العَقْلِ والبلوغ، كسائر الروايات والأخبار، ومن الأصحاب من قال: يكفي وقوعه في سِنِّ التمييز، كالحَضَانة يخيَّر فيها الصبي بين الأبوين في سن التَّمْييز، والمذهب الأول، لأن اختيار الخنثى لازم، فلا حكم له قبل البلوغ، كالمولود إذا تداعاه اثنان لا يصح انْتِسَابُهُ قبل البلوغ، والاختيار في الحَضَانَةِ ليس بلازم، ثم يتعلق بفصل الاختيار فروع:
أحدها: إذا بلغ وهو يجد من نفسه أحد الميلين يجب عليه أن يخبر عنه، فإن أخر عصى.
الثاني: لا يخبر بالتَّشهِّي فإنه غير مخير، ولكن يخبر عما يجده من ميله الجِبلِّي.
الثالث: لو زعم أنه لا يميل إلى الرجال ولا إلى النساء، أو أنه يميل إليهما جميعًا استمر الإشكال.
الرابع: إذا أخبر عن أحد الميلين لزمه، ولا يقبل رجوعه بعد ذلك؛ لاعترافه بموجبه، نعم لو وجدت الدلالة القاطعة بعد إخباره عن الذكورة، وهي الولادة غيَّرْنَا الحكم؛ لأنا تيقنا خلاف ما ظنناه، وكذا لو ظهر حمل بعده تبين بطلان إخباره، كما لو حكمنا بشيء من الدلائل الظاهرة، ثم ظهر به حمل بطل ذلك، وقد ذكر هذا الفرع في
[ ١ / ١٧٢ ]