وَهِيَ ثَلاثَةٌ: (الأَوَّلُ) أنَّهُ يَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوع فِي الصَّلاَةِ وَلاَ تَبْطُلُ الصَّلاَةُ (ح ز) بَعْدَ الشُّرُوع فِيهَا وَتَبْطُلُ بِظَنِّ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَكِنَّ المُصَلِّيَ إِذَا رَأَى المَاءَ، فَالأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْلِبَ فَرْضَهُ نَفْلًا عَلَى وَجْهٍ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى وَجْهٍ، وأنْ يَخْرُجُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهٍ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الوُضُوءِ، وَفِي وَجْهٍ يَلزَمُهُ المُضِيُّ وَلاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كانَ فِي نَافِلَةٍ بَطُلَتْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنَ الخُرُوجِ وَهُوَ بَعِيدٌ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِي رَكْعَاتِ النَّافِلَةِ فَفِى جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنَّ هذا الباب مسوق لبيان فائدة التَّيمم، وهي التي تباح به، فتكلَّم في ثلاثة أمور: في أنه إلى ما أبيح؟ وفي أنه ماذا يبيح؟ وفي أن ما يبيحه إذا أتى به هل يستغني عن القضاء، أم لا؟.
_________________
(١) ذكر النووي من السنة نزع خاتمه في الضربة الأولى، ثم قال: وأما الضربة الثانية فيجب نزعه فيها، ولا يكفي تحريكه بخلاف الوضوء، لأن التراب لا يدخل تحته، ذكره صاحب (العدة) وغيره، ومن مندوباته استقبال القبلهَ، وينبغي استحباب الشهادتين بعده كالوضوء والغسل، ولو كانت يده نجسة وضرب بها على تراب ومسح وجهه، جاز في الأصح، ولا يجوز مسح النجسة قطعًا، كما لا يصح غسلها عن الوضوء مع بقاء النجاسة، ولو تيمم ثم وقع عليه نجاسة، لم يبطل على المذهب، وبه قطع الإمام، وقال المتولي: هو كَردِّة المتيمم، ولو تيمم قبل الاجتهاد في القبلة، ففي صحته وجهان حكاهما الروياني، كما لو كان عليه نجاسة -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ٢٤٦ ]
أما الأوَّلُ فَلاَ شَكَّ في أن التَّيمم يبطل بعروض الحدث، كالوضوء، ويختصُّ هو بالبطلان بعروض القدرة على استعمال الماء، فجعل كلام الحكم الأول فيه.
واعلم أن التَّيَمُّمَ على قسمين:
أحدهما: ما يرخص فيه مع وجدان الماء، كتيمُّم المريض.
والثاني: ما يكون بسبب إِعْوَازِ الماء، أو الحاجة إليه أو الخوف من الاسْتِقَاءِ، وما أشبه ذلك.
فالأول لا يتأثر برؤية الماء، وطلوع الرَّكْبِ بحال.
وأمَّا الثَّاني: فيتأثَرُ بذلك، وجملته أن ننظر إن رأْى الماء خارج الصَّلاَةِ، يبطل تيمُّمه لما روى أنه -ﷺ- قال لأبي ذَرٍّ -﵁-: "إِذَا وَجَدْتَ المَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ" (١)، وكذا لو لم يتيقّن الظّفر بالماء، لكن ظنه كما لو طلع عليه ركب، أو أَطْبَقَتْ بِالقُربِ منه غَمَامَةٌ أو توهمه كما إذا تخيَّلَ سَرَابًا ماء؛ لأنه يجب عليه الطَّلب عند حدوث هذه العَوَارِض، وقد ذكرنا أنه إذا وجب الطَّلَبُ بطل التيمم، وإنما يبطل التَّيمم في هذه الصور، بشرط أن لا يقارن هذه العوارض مانع آخر من استعمال الماء، فلو قارنها مانع لم يبطل التَّيمم، [لأنه يجوز التَّيمم] (٢) ابتداء، فأولى أن يدفع البطلان دوامًا، وذلك كما إذا وجد ماء، وهو محتاج إليه لِسَقْيِهِ أو وجده في قعر بئر، وهو عند العثور عليه عالم بتعذر الاسْتِقَاءِ، أو قال إنسان أودعني فلان ماء، وهو حين يسمع يعرف غيبة المودع، وما أشبه ذلك، وإن أرى الماء في الصَّلاة فلا يخلو إما أن تكون الصلاة مغنية عن القضاء، أو لا تكون فإن لم تكن مغنية عن القضاء كما إذا تيمَّم الحاضر لعدم الماء، وشرع في الصَّلاة، ثم رأى الماء في صلاته، فهل تبطل صلاته وتيممه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأنه شرع في الصَّلاة بطهور أمر باستعماله، فيتمها محافظة على حرمتها، ثم يتوضأ ويعيد.
وأصحهما: نعم، لأنَّ الحاضر تلزمه الإعادة إذا وجد الماء بعد الفراغ، فإذا وجده في أثناء الصَّلاة فليشتغل بالإعادة، وإن كانت مغنية عن القضاء، فظاهر المذهب المنصوص أنه لا يبطل تيمُّمه، ولا صلاته وأشار المزني إلى تخريج قول أنهما يبطلان، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، وساعد بن سريج المزني على التخريج.
_________________
(١) أخرجه النسائي (١/ ١٧١) وأبو داود (٣٣٢) والترمذي (١٢٤) وابن حبان (١٣٠١ - ١٣٠٢) والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦ - ١٧٧) وصححه ابن حبان، والحاكم، وخالف ابن القطان فضعفه، انظر الخلاصة (١/ ٧٠).
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقال: "المُسْتَحَاضَةُ إذا انقطع دمها في الصلاة تبطل (١) صلاتها"، فليكن المتيمِّم برؤية الماء كذلك؛ لأن الضَّرورة قد ارتفعت في الصُّورَتَيْنِ، وجعل المسألتين (٢) على قولين بالنَّقْلِ والتَّخْرِيج، وجه الأول أنه لو طلع عليه رَكْبٌ لا يبطل تيممه، فكذلك إذا رأى الماء وتيقَّن وجوده، لأنهما متلازمان، ألا ترى أنه قبل الشروع يبطل بهما، وبعد الفراغ لا يبطل، لا بهذا ولا بذاك، وأيضًا لما شرع في الصَّلاة فقد تلبَّس بالمقصود، ووجدان الأصْلِ بعد التَّلَبُّسِ بمقصود البدل لا يبطل حكم البدل، كما لو شرع في الصيام، ثم وجد الرَّقَبة، وأيضًا فإنَّ إحْبَاطَ الصَّلاَة عليه أشد ضررًا من تكليفه شراء الماء بالزيادة على ثمن المثل، بقدر يسير، فإذا لم يجب ذلك، فاستعمال الماء هاهنا أولى، ألا يجب لحرمة الصَّلاَةِ.
ووجه الثاني ظاهر قوله -ﷺ-: "فَأَمْسِسَّهُ جِلْدَكَ" (٣) وأيضًا فإن المعتدَّة بالشُّهور لو حاضت في أثنائها تنتقل إلى الإقراء، فكذلك هاهنا والفرق بين المتيمّم والمُسْتَحَاضَة نذكره في أحكام المستحاضة إن شاء الله تعالى، ويتعلق بالمذهب المنصوص، ويتفرع عليه أمور:
أحدها: أنه يستثنى عنه ما لو شرع في الصَّلاة، وهو مسافر، ثم نوى الإقامة فيها بعد وجدان الماء، ففي بطلان صلاته وجهان:
أصحُّهما: البطلان تغليبًا لحكم الإقامة، وهما كَالوَجْهَيْنِ فيما إذا كان مقيمًا، ورأى الماء في صلاته، ولو شرع المسافر في الصَّلاة بالتَّيمم، ونوى القصر، ثم وجد الماء في الصَّلاة، ونوى الإتمام بعده بطلت صلاته أيضًا في أصح الوجهين، لأن تيمَّمه صح لهذه الصلاة المقصورة، وقد التزم الآن زيادة ركعتين.
والثَّاني: لو كان في صلاة فريضة فهل يجوز له أن يخرج منها ليتوضأ؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرهما: نعم، وهل هو أولى؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، ليخرج من الخلاف فإن من العلماء من حرم عليه الاستمرار، ولأنه لو وجد الرَّقَبَةَ في أثناء الصيام، فالأفضل أن يعدل إلى التَّحْرير، فكذلك هاهنا.
والثاني: الأولى الاستمرار؛ لأن الخروج إبطال للعمل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعمَالَكُمْ﴾ (٤) حكى الوجهين هكذا الشيخ أو حامد، وطبقته وعن الشيخ أبي محمد، والقاضي الحسين أن الخروج المطلق ليس بأولى لا محالة، لكن الخلاف في
_________________
(١) في ب. بطلت.
(٢) في ب: المسألة.
(٣) تقدم.
(٤) سورة محمد، الآية ٣٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أن الأولى أن يقلب فرضه نفلًا ويسلم عن ركعتين أو الأولى أن يتم الفريضة، فمن صائر إلى الأول صيانة للعبادة عن الإبطال، وأداء الفريضة بأكمل الطهارتين، ومن صائر إلى الثَّاني محافظة على حرمة الفريضة.
والوجه الثاني: في أصل المَسْأَلَةِ أنه لا يجوز الإعراض عن الفريضة بحال؛ لأن الإعراض عن الفريضة إبطال للفريضة.
والثالث: ذكره إمام الحرمين أنه يفرق بين أن يضيق الوقت فلا يجوز الخروج؛ لأنه إن لم يكن في الصَّلاة تعيَّن عليه البدار حينئذ، فإذا كان فيها يمتنع الخروج، وإن لم يضيق الوقت فله الخروج؛ لأن الوجوب في أوَّل الوقت موسع والشُّروع لا يلزم شيئًا، وهذا التَّفْصِيلُ عنده لا يختص بالمتيمِّم، بل مُطَّرد في كل مصل (١).
الثالث: إذا لم يخرج منها، وأتم الفريضة فكما تمت بطل تيممه وإن كان الماء الذي ظَفَرَ به باقيًا بحاله، حتى حكى القاضي الروياني عن والده أنه لا يسلم التَّسليمة الثانية (٢). لأن التسليمة الأولى تمَّت الصلاة وبطل التّيمم، وإن لم يكن ذلك الماء باقيًا، ولم يعرفه المصلِّي حتى فرغ، فكذلك وإن عرف فواته وهو بعد في الصلاة، فهل يبطل تيممه إذا فرغ؟ وجهان: قال صاحب "التلخيص": يبطل (٣) وبه قال الشيخ أبو حامد؛ لأن التيمم يبطل بوجدان الماء، إلا في الصلاة التي هو فيها لحرمتها.
وقال آخرون، منهم القَفَّال: لا يبطل، حتى يجوز له التَّنفل به؛ لأنه حين الفراغ غير واجد للماء، ولا متوهم للوجدان (٤).
الرَّابع: لو رأى الماء وهو في صلاة نافلة، ففي بطلانها وجهان:
أصحهما: لا تبطل كالفريضة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن حرمتها قاصرة عن حرمة الفريضة؛ ألا يرى أنها لا تلزم
_________________
(١) قال النووي: هذا الذي حكاه إمام الحرمين، اختيار له لم يتقدمه به أحد، واعترف إمام الحرمين بهذا، وهو خلاف المذهب، وخلاف نص الشافعي -﵀- فقد نص في الأم، ونقله صاحب "التتمة" والغزالي في "البسيط" عن الأصحاب: أنه يحرم على من تلبس بالفريضة في أول وقتها قطعها بغير عذر، وقد أوضحت نقله ودلائله في شرح (المهذب) -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٢٢٩).
(٢) قال النووي: وفيما حكاه الروياني نظر، وينبغي أن يسلم الثانية، لأنها من جملة الصلاة -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٢٩).
(٣) في ط نعم.
(٤) قال النووي: الأصح: منعه النافلة، وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٢٩).
[ ١ / ٢٤٩ ]
بالشُّروع، والفريضة تلزم، وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين -قَدَّس الله روحه- عن ابن سريج -﵀- فعلى الأولى الأصح، لو كان قد شرع فيها من غير تعيين عدد في نِيَّته لم يزد على ركعتين نص عليه؛ لأن الأولى في النَّوافل أن تكون مَثْنَى مَثْنَى، فليسلم عن ركعتين، وليصل بالوضوء.
وعن القاضي الحسين أن له أن يَزِيدَ ما شاء، وإن كان قد نوى رَكْعَةً أو ركعتين فلا يزيد على ما نوى؛ لأنَّ الزيادة كافتتاح نافلة بعد وجود الماء، ألا ترى أنه يفتقر الزِّيادة إلى قصد جديد.
وعن القفال: أنه يجوز أن يزيد ما شاء؛ لأن حرمة تلك الصلاة باقية ما لم يسلم، بخلاف ما لو سلم، وأراد افْتِتَاح نافلة أخرى، ولو نوى عددًا فوق الركعتين، ثم رأى الماء، فهل يستوفي ما نواه أم يجب الاقتصار على ركعتين؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أن له أن يستوفي ما نواه؛ لأن إحرامه انعقد لذلك العدد، فأشبه المكتوبة المقدرة، وعلى هذا ففي جواز الزيادة على المنوي الوجهان المذكوران، في جواز الزيادة على الركعتين إذا نواهما، وأصل هذه المسألة (١) أن المُصَلِّي مستقل من زيادة الركعات، ونقصانها في النَّوافل المطلقة كيف شاء، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذا وقفت على ما ذكرنا فعد إلى ألفاظ الكتاب واعلم أن قوله: "أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصَّلاَةِ (٢)، وإن كان مطلقًا مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يكون ذلك التَّيمم غير تيمم المريض، ونحوه.
والثاني: اْلا يقارن رؤية الماء مانع، يرخص في ابْتِدَاء التَّيمم على ما بيناهما.
وقوله: "ولا تبطل برؤْية الماء بعد الشُّروع فيها"، مقيد بما إذا كانت الصلاة مغنية عن القضاء، وإلا فهي باطلة على الأصح، ولا بد من اسْتِثْنَاءِ الصورتين المذكورتين من قبل أيضًا.
وقوله: "ولكن المصلّي إذا رأى الماء" لا يتعلق بقوله: "ويبطل بظن وجود الماء قبل الشروع" وإن كان مذكورًا عقيبه؛ بل بقوله: "لا تبطل بعد الشّروع فيها"، والوجوه الثلاثة التي ذكرها في أن الأولى ماذا، كلها مبنية على أنه يجوز له الخروج، وترك الفريضة، والذي يقابله قوله: "وفي وجه يلزمه المضي، ولا يجوز الخروج"، وليس في الجمع بين هاتين العِبَارَتَيْنِ سوى الإيضاح، وقوله: "وعلى هذا لو كان في نافلة بطلت"، لأنها غير مانعة، يعني به أَنَّا إذا قلنا بوجوب المضي في الفريضة، إنَّما نقول به لحرمة الفريضة، وليس لِلنَّافلة حرمة ما نعمة من الخروج، فتبطل.
_________________
(١) في ب: المسائل.
(٢) في ب: في فصل.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقوله: "وهو بعيد" يجوز أن يريد به هذا البِنَاء، ووجه البعد فيه أن قضية وجوب المضي لحرمة الفريضة أن يقول بعدم الوجوب، إذا فقدنا تلك الحرمة فَأمَّا أَنْ نقول بِالبُطْلاَنِ فلم؟ وطريق توجيه البطلان أن يقال: رؤية الماء تقتضي البُطْلاَن مطلقًا، خالفناه في الفريضة لزيادة حرمتها كما أشرنا إليه، لكن صاحب الكتاب لم يرد استبعاد البناء، وإنما أراد استبعاد أصل الوجه، وهو بين من كلامه في "الوسيط"، واستقرب بالإضافة إليه التَّردد في زيادة الرَّكعات.
قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ يَجْمَعَ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّم وَاحِدٍ وَيَجمَعَ بَينَ فَرْضٍ وَنَوَافِلَ وَبَيْنَ فَرْضٍ وَمَنذُورَةٍ إِنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ لاَ مَسْلَكَ وَاحِبِهِ، وَبَينَ فَرْضٍ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمَا فَرِيضَةٌ وَيَجْمَع بَيْنَهمَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ بِتيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهُمَا كَالتَّابعِ لَهُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَةٍ وَصَلاَةِ جَنَازَةٍ، وَلاَ يَقْعُدُ فِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، هَذَا نَصُّهُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إن تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَهَا حُكْمُ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَهَا حُكْمُ النَّفْلِ وَلكِنَّ القُعُودَ لاَ يَحْتَمِلُ مَعَ القُدْرَةِ لأَنَّ القِيَامَ أَظْهَرُ أَرْكَانِهَا.
قال الرافعي: لا يؤدِّي بِالتَّيمم الواحد، ممَّا يتوقَّف على الطَّهارة إلا فريضة واحدة، خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: يؤدي به ما شاء.
وكذلك قال أحمد في رواية، وفي رواية أخرى يتيمَّم لوقت كل صلاة.
لنا ما روي عن ابن عباس -﵄- أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ ألاَّ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم إِلاَّ مَكْتُوبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلأْخْرَى" (١). والسُّنَّةُ في كلام الصَّحابي تنصرف إلى سنَّة رسول الله -ﷺ- (٢)؛ لأن التَّيمُّم طَهَارة ضرورة، فلا تؤدِّي به فريضتان، ولا فرق
_________________
(١) قال الحافظ: أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم عن مجاهد عنه، والحسن ضعيف جدًا، وفي الباب موقوفًا عن علي وابن عمر، وعمرو بن العاص: أما علي: فرواه الدارقطني وفيه حجاج بن أرطأة، والحارث الأعور، وأما ابن عمر: فرواه البيهقي عن الحاكم من طريق عامر الأحول، عن نافع عن ابن عمر قال: يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث، قال البيهقي: هو أصح ما في الباب، قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصحابة، وأما عمرو بن العاص: فرواه الدارقطني من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، أن عمرو بن العاص كان يتيمم لكل صلاة، وبه كان يفتي قتادة، وهذا فيه إرسال شديد بين قتادة وعمرو. انظر التلخيص (١/ ١٥٥).
(٢) قول الصحابي: من السنة كذا، أو أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، وما أشبه كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، لأن مطلق ذلك يصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله -ﷺ- واحتمال ان يكون الأمر غيره، وأن يريد سنة غيره بعيد، وإن =
[ ١ / ٢٥١ ]
بين أَنْ يَتَّحِدَّ الجنس كصلاتين، أو طوافين، أو يختلف كصلاة، وطواف، ولا فرق في ذلك بين البالغ والصَّبي، وحَكَى القاضي الروياني في الصَّبي هل يجمع بين فريضتين بتيمم واحد؟ وجهين: والصحيح: أنه لا يجمع؛ لأنه وإن لم يكن مكلفًا لكن ما يؤذيه حكمه حكم الفرائض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة، ولا فرق في المكتوبة بين
_________________
(١) = كنا لا ننكر أن إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة، ولكن العادة أن من له رئيسًا معظمًا: أمرنا بكذا فإنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله -ﷺ- هو عظيم الصحابة ومرجعهم، والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم، فتصرف إطلاقاتهم إليه -ﷺ- وما قيل إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي -ﷺ- وغيره، فلا تثبت شرعًا بالشك، فجوابه أن ظاهر الحال صارف -ﷺ- كما تقدم تقديره. وكذلك السنة أصلها في اللغة: الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشي فيه، غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته ﵇ في الشريعة. كذا قال القرافي في التنقيح، ومما يؤيد أن ذلك في حكم الرفع في السنة، ما رواه البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، في قصته مع الحجاج حين قال له: (إن كنت تريد السنة فهجّر بالصلاة) قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله -ﷺ-؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته -ﷺ-؟ فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة - أنهم إذا أطلقوا السنة، لا يريدون بذلك إلا سنة النبيّ -ﷺ- ومما يؤيد الرفع في (كنا نؤمر) ما رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة استئذانه على عمر، ولفظ البخاري: عن أبي موسى قال: استأذنت على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن لي، وكأنه كان مشغولًا فرجعت، ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ إيذنوا له! قيل: قد رجع! فدعاني، فقلت: (كنا نؤمر بذلك) فقال: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلقت إلى مجلس الأنصار فسألتهم، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فذهبت بأبي سعيد الخدري فقال عمر: أضفي على هذا من أمر رسول الله -ﷺ-؟ ألهاني الصفق بالأسواق؟ يعني الخروج إلى التجارة - زاد مالك في الموطأ (فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أنهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -ﷺ- قال الشراح: وحينئذ فلا دلالة في طلبه البينة، على أنه لا يحتج بخبر الواحد، بل أراد سد الباب خوفًا من غير أبي موسى، أن يختلق كذبًا على رسول الله -ﷺ- عند الرغبة والرهبة، وقالوا في الحديث: إن قول الصحابي (كنا نؤمر بكذا) له حكم الرفع. قال الحافظ في شرح النخبة: وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعًا فلم لا يقولن فيه: قال رسول الله؟ فجوابه: أنهم تركوا الجزم بذلك تورعًا واحتياطًا. ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعًا، أخرجاه. قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي -ﷺ- أي لو قلت: لم أكذب، لأن قوله: من السنة هذا معناه، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى. انتهى. أقول: قوله: تورعًا واحتياطًا، هذا يظهر في بعض الوجوه، ومنه ما ذكره وأحسن منه أن يقال: إن قولهم من السنة، أو كنا نؤمر، ونحوهما، هو من التفنن في تبليغ الهدى النبوي، لا سيما وقد يكون الحكم الذي قيل فيه: أمرنا، أو من السنة من سنن الأفعال لا الأقوال، وقد يقولون ذلك إيجازًا، أو لضيق المقام، وكثيرًا ما يجب العالم عن المسائل التي يعلم حديثها المرفوع، ويحفظه بحروفه بقوله: من السنة كذا، لما ذكرنا من الوجوه ولغيرها، وهو ظاهر. انظر قواعد التحديث (١٤٤ - ١٤٦).
[ ١ / ٢٥٢ ]
الفائتة والمؤداة. وأغرب أبو عبد الله الحناطي فحكى وجهًا أنه يجوز الجمع بين الفوائت، وبين المؤداة، ويجوز أن يجمع المتيمِّم بين فريضة ونوافل، لأن النَّوافل مما لا يمكن المنع منها، وفي تجديد التّيمم لكل واحدة منها حرج عظيم؛ لأنها لا تَنْضبط، وأيضًا فهي إتباع للفرائض بخلاف الفرائض بعضها مع بعض، ثم في الفصل مسائل:
إحداها: هل يجمع بين مكتوبة ومنذورة؟ فيه وجهان، وربما قيل قولان:
أصحهما: لا؛ لأنها مفروضة متعينة (١) على النَّاذر فأشبهت المكتوبة.
والثاني: نعم؛ لأنها وجبت بعارض، فلا يلحق بالمفروض الأصلي، وهذا الخلاف مبني على أصل [في النَّذْر، وهو أنه يسلك بالمنذور] (٢) مسلك واجب الشرع، أو مسلك جائزه وهو أقل ما يتقرب به، وفيه وجهان: فإذا نذر هَدْيًا حمل في قول على شيء من النّعم؛ لأنه الهدى الواجب شرعًا، وعلى قول له أن يقتصر على دَجَاجة وقطعة لحم؛ لأن ذلك مما يتقرب به، وإذا قلنا بهذا القول فيعطى المنذور حكم القُربات التي لا تجب حتى يجوز القعود في الصَّلاة مع القدرة على القيام، ويجوز أداؤها على الرَّاحلة، وإذا قلنا: بالأول لا يجوز، وقول الأصحاب يسلك به مسلك جائز الشرع أي في الأحكام مع وجوب الأصل، وعنوا بجائز الشرع هاهنا القُرْبَاتِ التي جوز تركها، ويجري الخلاف فيما لو جمع بين منذورين.
الثانية: في وجوب ركعتي الطَّواف، قولان يذكران في موضعهما: فإن لم نوجبهما فلا يخفى جواز الجمع بينهما، وبين الطَّواف، وبينهما وبين مكتوبة، وإن أوجبناهما ففي الجمع بينهما وبين الطّواف، وجهان:
أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه يجوز؛ لأنهما تابعتان للطَّواف، أو كالجزء منه، بمثابة بعض الأشواط.
وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن ركعتي الطَّواف عبادة مستقلّة، ولهذا تحتاج إلى نيّة مفردة بخلاف بعض الأشواط، والخلاف في الوجوب مخصوص بركعتي طواف الفرض، أما ركعتا طواف التَّطوع فتطوع، ومنهم من أجرى القولين في ركعتي طواف التَّطوع أيضًا.
وقال: اتفاق الفرض والنَّفل في الشرائط لا ينكر، ألا ترى أن صلاة الفرض والنفل يستويان في اعتبار الطَّهارة وستر العورة، فعلى هذا لو صلّى فريضة بتيمّم، وطاف تطوعًا، هل له أن يصلي به ركعتي الطواف؟ فيه وجهان؛ وفي جواز الجمع بين
_________________
(١) في ب: مفروضة معينة.
(٢) في ب: أن المنذور هل يسلك به.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الخطبة وصلاة الجمعة بالتَّيمم الواحد وجهان، كالوجهين في الجمع بين الطواف الواجب وركعتيه إذا أوجبناهما؛ لأن الخطبة تابعة للصَّلاة، كالرَّكعتين للطواف، وهذا على قولنا تشترط طهارة الحدث في الخطبة الثالثة، نص في المختصر أنه يجمع بين فريضة وصلاة جنازة، وفي موضع آخر أنه لا يقعد فيها مع القُدْرَةِ على القيام، وأنها لا تؤدى على الرَّاحلة، فهذا يقتضي إلحاقها بالفرائض، والأول يقتضي إِلْحَاقَهَا بالنَّوافل، واختلفوا فيه على ثلاثة طرق:
أحدها: أن المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا.
أحدهما: أنها مُلحَقَةٌ بالفرائض، فلا يجوز الجمع، ولا القعود ولا على الراحلة؛ لأنها فرض في الجملة، والفرض بالفرض أشبه منه بالنّفل، وإن اختلفت كيفية الافتراض.
والثاني: أنها ملحقة بالنَّوَافل، فيجوز فعلها على الراحلة، والجمع والقعود؛ لأن فروض (١) الكفايات كالنَّوَافل في جواز التَّرك، وعدم الانحصار.
والطريق الثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالتين حيث قال: "يجمع" أراد ما إذا لم يتعيّن عليه، وفي هذه الحالة [له أن يقعد ويؤديها على الرّاحلة، وحيث قاتل: لا يقعد أراد ما إذا تعيَّنت عليه بأن لم يحضر غيره، وفي هذه الحالة] (٢) لا يجمع.
والثالث: أن حكمها حكم النَّفْل على الإطلاق إلا أنه لا يسامح بالقعود فيها؛ لأن قوامها بالقيام، إذ ليس فيها ركوع ولا سجود، فإذا قعد فيها بطلت صورتها بالكليَّة، فلا تلحق في هذا الحكم بالنَّوَافل، وهذا تقرير النصين.
وظاهر المذهب جواز الجمع بكل حال، ولو جمع بين صَلاتَي جنازة بتيمُّم واحد ففيه هذا الخلاف، ولو أراد أن يصلي على جنازتين صلاة واحدة، فقد قال بعضهم يبنى ذلك على الخلاف، إن اعتبرنا لكل صلاة تيممًا لم يَجُزْ ذلك، وإلا فيجوز.
وقال صاحب "المعتمد": ينبغي أن يجوز ذلك بكل حال؛ لأنه إذا جاز سقوط الفرضين بصلاة واحدة، جاز الاقتصار على التيمم الواحد.
قال الغزالي: وَمَنْ نَسِيَ صَلاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ يُصَلِّي خَمْسَ صَلَوَاتِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ نَسِيَ صَلاَتيْنِ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتِ بِخَمْسِ تَيَمُّمَاتٍ، وإنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى تَيَمُّمَيْنِ وَأَدَّى بِالتَّيَمُّمِ الأَوَّلِ الأَرْبَعَةَ الأُولَى مِنَ الخَمْسَةِ وَبِالثَّانِي الأرْبَعَةَ الأخِيرَةَ مِنَ الخَمْسَةِ.
_________________
(١) في ب: فرائض.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قال الرافعي: إذا نسي صلاة من صلوات نظر إن كانت متفقة كما إذا نَسِيَ ظهرًا من إسبوع فلا يلزمه إلا ظهر واحدة، ولا أثر للتردُّد في اليوم الذي فاتت منه، ولا يخفى أن يفردها بتيمم، وإن لم تكن متّفقة كما إذا نسي صلاةً من الصَّلَوَات الخمس فيلزمه أن يأتي بالخمس ليخرج عن العهدة بيقين، وعن المزني: أنه يكفيه أربع ركعات، يَنْوِي فيها فائِتَته، ويجلس في الثَّلاث الأخيرة، ويسجد للسهو ويسلم.
وهل يكفيه تيمُّم [واحد للجميع أم يفتقر لكل واحدة إلى تيمم (١)؟] فيه وجهان:
أحدهما: ويحكى أن ابن (٢) سريج: أنه يفتقر لكل صلاة إلى تيمم؛ لأن كل واحدة منها واجبة عليه بعينها فأشبهت الفَائِتَتَيْن، وهذا اختيار الخضري وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب، وبه قال ابن القاصّ (٣)، وابن الحدّاد أنه يكفيه تيمّم واحد للجميع، لأنها وإن كانت واجبة الفعل، فالمقصود منها واحدة، وما عداها كالوسيلة إليها.
قال الشيخ أبو علي: الوجهان مبنيان على أنه لا يجب تعيين الفريضة المقصودة بالتيمم، فإن أوجبنا التَّعْيين، وجب لكل واحدة تيمم لا محالة (٤) ولك أن تقول إنَّما يجب التَّعْيين إذا كانت الفَرِيضةُ مُعَيَّنَة معلومة فأما إذا لم تكن، فيجوز أن يقال: ينوي بتيمُّمهِ ما عليه، ويحتمل منه التردُّد والإبهام، كما يحتمل في كل واحدة من الصَّلَوات، ينوي أنها فائتته، وهو متردد في ذلك، ويجوز أن يعلم قوله: "يصلي خمس صلوات" بالزاي؛ لأن عنده يكفيه صلاة واحدة بالضفة التي تقدمت. وإن نسي صلاتين من صلوات، نظر إن كانتا مختلفتين، وهي الحالة المرادة في مسألة الكتاب، كما إذا نسي صلاتين من الوَظَائِفِ الخمس، فيجب الإتيان بالخمس لا محالة، وحكم التيمم يبنى
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) في ب: عن ابن سريج.
(٣) أبو العباس، أحمد بن أبي أحمد الطبري، المعروف بابن القاص، بالقاف والصاد المهملة، تفقه على ابن سريج، وتفقه عليه أهل طبرستان. توفي بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلثمائة. قال ابن السمعاني والقاص: هو الذي يعظ ويذكر القصص، وعرف أبوه بالقاص؛ لأنه دخل بلاد الديلم وقص على الناس الأخبار المرغبة في الجهاد، ثم دخل بلاد الروم غازيًا، فبينما هو يقص لحقه وجد وغشيه فمات -﵀- قاله النووي في تهذيبة، وله تصانيف هي: (التلخيص) و(المفتاح) و(أدب القضاء) وكتاب (دلائل القبلة) وأكثره تاريخ وحكايات عن أحوال الأرض وعجائبها، وتصنيفه في إحرام المرأة، وتصنيفه في الكلام على قوله ﵊: يا أبا عمير: ما فعل. النُّغير. انظر وفيات الأعيان (١/ ٦٨) الأنساب (١٠/ ٢٤) طبقات الشيرازي (١١) طبقات العبادي (٧٣) طبقات الأسنوي (٩١٦).
(٤) قال النووي: هذا المحكي عن أبي علي قد حكاه الدارمي عن ابن المرزبان، واختار الدارمي طرد الخلاف، وإن أوجبنا التعيين. وهذا أصح -والله أعلم- انظر الروضة (١/ ٢٣٠، ٢٣١).
[ ١ / ٢٥٥ ]
على ما إذا كانت المَنْسِيَّةُ واحدة. فإن قلنا: يجب ثم خمس تيممات فكذلك هاهنا.
وإن قلنا: ثم يكفي تيمم واحد، فما الَّذي يفعل هاهنا. قال ابن القاص: يتيمَّم لكل واحدة منها، ويقتصر عليها.
وقال ابن الحداد: يقتصر على تيممين ويزيد في عدد الصلوات فيصلي بالتيمم الأول الفجر والظهر والعصر والمغرب، وبالثاني الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيخرج عن العهدة بيقين؛ لأنه صلّى الظهر والعصر والمغرب مرتين بتيممين، فإن كانت الفائتتان من هذه الثلاث فقد تأدت كل واحدة بتيمم، وإن كانت الفائتتان الفجر والعشاء، فقد تأدّت الفجر بالتيمم الأول، والعشاء بالثاني، وإن كانت الفائتتين إحدى الثلاث، وأخرى الفجر والعشاء، فكذلك ولا شك أن ما ذكره ابن القاص جائز عند ابن الحداد، فيخرج عن العهدة. والذي ذكره ابن الحداد هل يجوز عند ابن القاص، ظاهر كلامه في "التلخيص" أنه لا يجوز.
وقال الصيدلاني وغيره من الأئمة: لا خلاف بينهما، وكل واحد منهما يجيز ما قاله الآخر، فإن كان الأول التقى كلام ابن القاص، والخضري في هذه الصورة ونظائرها، وإذا كان الثاني انتظم أن يقال: هو مُخَيَّرٌ إن شاء فعل ذلك، وإن شاء فعل هذا، كما ذكره في الكتاب، ويجوز أن يعلم قوله: "إن شاء"، "وإن شاء" بالواو، لظاهر كلامه في التَّلْخِيصِ، وبالزَّاي؛ لأن قياس قوله: "أن لا يلزمه واحد من الأمرين، بل يكفيه صلاتان كما ذكرنا بتيمُّمين، وحكى وجه آخر أنه يتيمم مرتين، ويصلي بكل واحد منهم الصلوات الخمس؛ لأنه للفائتة الواحدة يقضي الخمس بتيمم فَلِلْفَائِتَتَيْنِ يلزمه ضعف ذلك، وهذا أبعد الوجوه عند مشايخ الأصحاب من جهة أنه إذا صلى الأربع بالتيم الأول، فقد علم سقوط إحدى الفَائِتَتَيْنِ عنه، ففعل الخامسة عبث لأنه لا يتأدَّى فرضان بتيمُّم واحد، والمستحسن عندهم ما ذكره ابن الحداد، ولا بد فيه من زيادة في عدد الصَّلَوات، فيجب معرفة ضابط القدر الزّائد، وما يشترط في كيفية أدائها ليخرج عن العهدة، أما الضّابط فهو أن يزيد في عدد المنسي فيه عددًا لا ينقص عما يبقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم المجموع صحيحًا على المنسي بيانه في الصُّورَةِ المذكورة المنسي صلاتان، والمنسي فيه خمس يزيد عليه ثلاثة؛ لأنها لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الاثنين، بل يساويه، والمجموع هو ثمانية، ينقسم على الاثنين صحيحًا، ولو أنه أتى بعشر صلوات يجزئه عما ذكرنا في الوجه الآخر، لأنه زاد ما لا ينقص عن الباقي من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم مع الأصل صحيحًا عليه، وأول عدد يزيد عليه ووجد فيه الوصفان المذكوران حصل به الفرض، فإن تكلف عليه زيادة، فاولى أن يجزئه، وأما ما يشترط في كيفية الأداء، فإنه يبتدئ من المنسي
[ ١ / ٢٥٦ ]
فيه بأية صلاة شاء، ويصلّي بكل تيمم ما تقتضيه القسمة، لكن شرط خروجه عن العهدة بالعدد المذكور أن يترك في كل مرة ما ابتدأ به في المرة التي قبلها، ويأتي في المرة الأخيرة بما بقي من الصَّلَوَات، فلو صلَّى في المثال الذي سبق بالتيمم الأول الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وبالثاني الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، فقد أخل بهذا الشرط إذا لم يترك في المرّة الثانية ما ابتدأ به في المرة الأولى، وإنما ترك ما ختم به في المرّة الأولى فلا يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون ما عليه الظّهر، أو العصر، أو المغرب مع العشاء، فبالتيمم الأول صحّت تلك الصلاة، ولم تصح العشاء، وبالتيمم الثاني لم يُصَلِّ العشاء، فلو صلى العشاء بعد ذلك بالتيمم الثاني، خرج عن العهدة، وقد أشار إلى هذا الشَّرط في الكتاب بقوله: "وأدى بالأول الأربع الأولى من الخمس، وبالثاني الأربع الأخيرة".
ولو نسي ثلاث صلوات من صلوات يوم وليلة، ولم يعرف عينها فعلى طريقة صاحب "التلخيص" يتيمم خمس تيمُّمات، ويصلِّي الخمس، وعلى الوجه الآخر يتيمم ثلاث مرات، ويصلي بكل واحدة منها الخمس، وعلى قول ابن الحداد يقتصر على ثلاث تيممات، ويزيد في عدد الصلوات فيضم إلى الخمس أربعاّ؛ لأن الأربعة لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الثلاثة، بل يزيد عليه، وينقسم المجموع، وهو تسعة صحيحًا على الثلاثة، ولو ضممنا إلى الخمسة اثنين، أو ثلاثة، لما انقسم، ثم يصلّي بالتيمُّم الأوّل الصبح، والظهر، والعصر، وبالثَّاني الظهر، والعصر، والمغرب، وبالثالث العصر، والمغرب، والعشاء، وله غير هذا الترتيب إذا حافظ على الشَّرط المذكور، فلو أَخَلَّ به كما إذا صلّى بالتّيمم الأول العصر، ثم الظهر، ثم الصبح، وبالثاني المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، وبالثالث العشاء، ثم المغرب، ثم العصر، لم يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون التي عليه الصّبح، والعشاء، وثالثهما الظهر، أو العصر، فيتأدَّى بالتيمُّم الأول الظهر، أو العصر، ويتأدى بالثالث العشاء، ويبقى الصبح عليه فيحتاج إلى تيمم رابع للصبح، وقس على هذا نظائره، هذا كله فيما إذا نسي صلاتين مختلفتين، أو أكثر.
أما إذا نسي صلاتين متفقتين من صلوات يومين فصاعدًا، فعليه أن يأتي بعشر صلوات صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشائين، ليخرج عن العهدة بيقين، ويجب لها عشر تيمُّمَات على الوجه المنسوب إلى الخضري، وعند معظم الأصحاب يكفيه تيممان يصلي بكل واحد منهما الصلوات الخمس، ولا يكني هاهنا ثمان صلوات بتيممين، بخلاف ما إذا كانتا مختلفتين؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يأت بالصُّبح إلا مرة واحدة بالتَّيمم الأوَّل، ولا بالعشاء إلا مرة واحدة بالتيمم الثَّاني، ويجوز أن يكون ما عليه صبحين أو عشائين، ولو لم يعلم أن فَائِتَتَيْهِ متِّفِقَتَان، أو مختلفتان أخذ بالأسوأ، وهو أن تكونا متفقتين، فيحتاج إلى عشر صلوات بتيممين، ولا يكفيه الاقتصار على
[ ١ / ٢٥٧ ]
الثمان، والوجه الذي هو اختيار الخضري لا يخفى -والله أعلم-.
وإن اشتبه الحال على حاج، فلم يدر أترك صلاة فرض أم طواف فرض، أتى بالطَّواف وبالصلوات الخمس بتيمُّم واحد، وعلى وجه الخضري يحتاج إلى ستة تيمُّمات، ولو صلّى منفردًا بتيمم، ثم أدرك جماعة، وأراد إعادتها معهم فإن قلنا: المعادة سنة له أن يعيدها بذلك التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهل يجوز فعله بذلك التيمم؟ فيه وجهان، كالوجهين فيما إذا نسي صلاة من الخمس، هل يكفيه لها تيمم واحد؟ والصحيح أنه يَكْفِي ولو صلى الفرض بالتيمم على وجه يحتاج إلى قضائه، كالمربوط على الخشبة، ونحوه، وأراد القضاء بالتيمم فينبني على أن الفرض المعاد، أو الأول أو كلاهما أو أحدهما لا بعينه إن قلنا: الفرض المعاد أو كلاهما افتقر إلى تيمم آخر، وإن قلنا: الفرض الأول، فلا حاجة إلى إعادة التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهو على الوجهين السابقين.
قال الغزالي: وَكَذَلِكَ لاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ دُخُولِ (ح) وَقْتِهَا، وَوَقْتُ صَلاَةِ الخُسُوفِ بِالخُسُوفِ، وَوَقْتُ الاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَوَقْتُ صَلاَةِ المَيِّتِ بِغُسْلِ المَيِّتِ وَالفَائِتَةِ بِتذكّرِها، وَالنَّوافِل الرَّوَاتِبُ لاَ يَتَأَقَّتُ تَيَمَمُّهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ضَحْوَةَ النَّهَارِ فَلَم يُؤَدِّ بِهِ إِلاَّ ظُهْرًا بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهرِ ثُم تَذَكَّرَ فَائِتَةً فَأَدَّاهَا بِهِ جَازَ عَلَى الأَصَحَّ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ ضَحْوَةَ وَقُلْنَا: يُسْتَبَاحُ بِهِ الفَرِيضَةُ فَأَدَّى الظُّهْرِ بِهِ فَعَلَى هَذَا الْخِلاَفُ.
قال الرافعي: لا يتيمَّم لصلاة قبل دخول وقتها خلافًا لأبي حنيفة، لنا أنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل دخول الوقت، فلو تيمّم لفريضة قبل دخول وقتها لم يصح للفرض، وهل يصح للنَّفل؟ حكى بعضهم فيه وجهين بناء على أن من أحرم بالظّهر قبل الزوال، هل تنعقد صلاته نفلًا؟
وظاهر المذهب أنه لا يصح تيممه لا للفرض ولا للنفل، وهذا الأصل يطلق إطلاقًا، إلا أنه لا بد من استثناء صورة عنه، وهي ما إذا كان يجمع بين صلاتي الجمع بالتَّيمّم، فإن ظاهر المذهب أن الجمع بين الصَّلاتَيْنِ [بتيممين] (١)، جائز وحينئذ إذا قدم الأخيرة فقد تيمَّم لها قبل وقتها الأصلي، ولو تيمم وصلى الظهر، ثم تيمَّم فيضم إليها العصر، فدخل وقت العصر قبل أن يشرع فيها فيبطل الجمع، ولا يصلي بذلك التَّيمم العصر لوقوعه قبل وقتها، وانحلال رابطة الجمع، وكما لا يقدم التَّيمم للمؤداة على
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقتها، لا يقدم التَّيمم للفائتة على وقتها، ووقتها يدخل بتذكرها.
قال -ﷺ-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" (١). وإذا تيمَّم للفريضة في أوَّل الوقت وأخَّرها [إلَى آخِرِ الوقت] (٢) جاز، نص عليه؛ لأنه تيمَّم في وقت الحاجة، ولو تيمَّم لفائتة ضحوة النهار، ولم يؤدها حتى زالت الشمس، فأراد أن يصلي به الظهر، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: وبه قال ابن الحداد: يَجُوز؛ لأن التَّيمم قد صح لما قصده وإذا صحَّ التَّيمم لفريضة، جاز له أن يعدل عنها إلى غيرها، كما إذا كانت عليه فائتتان فتيمم لإحداهما، له أن يصلي الأخرى به دون التي تيمم لها.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو زيد، والخضري، لأنه يقدم على وقت الظهر، فلا يؤدي به كما إذا تيمَّم لها قبل وقتها، ولو تيمم للظُّهْرِ في وقتها، ثم تذكر فائتة (٣) فأراد أَدَاءَهَا به، فيه طريقان:
أحدهما: طرد الوجهين.
والثاني: القطع بالجواز، والفرق أنه إذا تيمَّم لقضاء الفائتة ضحوة فقد تيمّم، والظهر غير واجبة عليه، فلا يصلح تَيمُّمه لها، وهاهنا تيمَّم للظُّهر والفائتة واجبة عليه، لكنه لم يكن عارفًا بوجوبها، وقد سلم الجواز هنا أبو زيد، والخضري.
وقوله في الكتاب في الصُّورة الأولى: "على الأصح" يعني من الوجهين، وفي الصُّورَةِ الثَّانية يجوز أن يريد الأصح من الوجهين جريًا على طريقة طرد الوجهين، وسكوتًا عن الأخرى، ويجوز أن يريد الأصح من الطريقين، وهو قضية كلامه في "الوسيط"، لكن طريقة طرد الخلاف أظهر من جهة النقل، وكل هذا تفريع على أن تعيين الفريضة التي يتيمم لها ليس بشرط، فإن شرطناه لم يصلح التّيمم لغير ما عينه، وجملة ما ذكرناه فيما إذا كانت الصلاة التي يتيمم لها فريضة، أما النافلة فتنقسم إلى مؤقتة، وإلى غيرها، أما المؤقتة فكالرَّواتب التَّابعة للفرائض، وصلاتي العيد، والكسوف، وأَوْقاتها مذكورة في مواضعها، ومنها صلاة الاسْتِسْقَاء، ووقتها اجتماع الناس لها في الصَّحْرَاء، ومنها صلاة الجَنَازَةِ، وبم يدخل وقتها؟ فيه وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه يدخل بغسل الميت، فإنها حينئذ تباح، وتجزئ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) من رواية أنس إلا قوله: فإن ذلك وقتها، فإنها للبيهقي في خلافياته، من رواية أبي هريرة بإسناد ضعيف وضعفه، انظر الخلاصة (١/ ٧٠).
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب فائتته.
[ ١ / ٢٥٩ ]
والثاني: وبه أجاب صاحب الكتاب في الفتاوى: أن يدخل بالموت، فإنه السَّبب المحوج إلى الصلاة، فإن قدم التيمم لهذه النوافل على أوقاتها فالمشهور أنه لا يصح كما في الفرائض؛ لأنه مستغن عن التيمم لها قبل وقتها، وحكى إمام الحرمين فيه وجهين، والفرق أنَّ أَمَرَ النَّوَافِلِ أوسع، ولهذا جاز أداء نوافل كثيرة بتيمم واحد، فصاحب الكتاب ذكر هذا الخلاف في الرَّوَاتب، وهو غير مخصوص بها، وإن تيمَّم لهذه النوافل في أوقاتها جاز له أن يصلِّي النَّافلة التي تيمم لها، وغيرها، وهَلْ تَجُوزُ الفريضة؟ يبنى على القولين اللذين قدمناهما في أنه إذا تيمَّم للنافلة هل يصلِّي به الفريضة؟. إن قلنا: لا، فلا يجوز، وإن قلنا: نعم، فله ذلك، إن تيمّم للنافلة في وقت تلك الفريضة، ولو تيمم لنافلة ضحوة، ثم دخل وقت الظهر فهل له أن يصلي الظهر به على هذا القول.
فيه الوجهان المذكوران، فيما إذا تيمم لفائتة قبل الزوال، هل يصلي الظهر به.
وقوله: "فيه هذا الخلاف" يعني الوجهين المذكورين دون الطريقين، وإن كان مذكورًا بعد مسألة الطَّريقين، وما ذكرنا من المسائل فيما إذا تيمم للنافلة وحدها، مبني على ظاهر المذهب، وهو أن التيمم لمجرد النافلة صحيح، وفيه وجه قدمناه، وأما غير المؤقتة من النوافل فيتيمم لها متى شاء، إلا في أوقات الكراهية في أظهر الوجهين (١) وأعلم أن الشَّرْح قد يقتضي تغيير مسائل الكتاب عن نَظْمِهَا، وترتيبها وهذا الفصل من ذاك.
قال الغزالي: (الحُكْمُ الثَّالِثُ) فِيمَا يُقْضَى مِنَ الصَّلَوَاتِ المُخْتَلَّةِ، وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَا كانَ بِعُذْرٍ (ح) إِذَا وَقَعَ دَامَ فَلاَ قَضَاءَ فِيهِ كَصَلاَةِ المُسْتَحَاضَةِ وَسَلَسِ البَوْلِ وَصَلاَةِ المَرِيضِ قَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَصَلاَةِ المُسَافِرِ بِتَيَمُّمٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ العُذْرُ فِيهِ دَائِمًا نَظَرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ وَجَبَ (و) القَضَاءُ كَمَنْ لاَ يَجِدُ مَاءً وَلاَ تُرَابًا فَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَالمَصْلُوبُ إِذَا صَلَّى بِالإيمَاءِ أَوْ مَنْ عَلَى جُرْحِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَيسْتَثْنَى عَنْهُ صَلاَةُ شِدَّةِ الخَوْفِ، فَإنَّهَا رُخْصَةُ وَإِنْ كانَ لَهَا بَدَلٌ كتَيَمُّمِ المُقِيمِ (و) أَوِ التَيَّمُّمِ لإِلْقَاءِ الجَبِيرَةِ أَوْ تَيَمُّمِ المُسَافِرِ لِشِدَّةِ (ح) البَرْدِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ.
_________________
(١) قال النووي: ولو تيمم لنافلة لا سبب لها قبل وقت الكراهة، لم تبطل بدخول وقت الكراهة، بل يستبيحها بعده بلا خلاف، ولو أخذ التراب قبل وقت الفريضة، ثم مسح الوجه في الوقت، لم يصح، لأن أخذ التراب من واجبات التّيمم، فلا يصح قبل الوقت، ولو تيمم شاكًا في الوقت، وصادفه لم يصح، وكذا لو طلب شاكًا في دخول الوقت، لم يصح الطلب -والله أعلم- الروضة (١/ ٢٣٣).
[ ١ / ٢٦٠ ]
قال الرافعي: التَّيمم قد يكون بحيث يغنى الصلاة المؤداة به عن القضاء، وقد يكون بحيث لا يغنى، والغرض الأعظم في هذا الموضع بيان ذلك، ثم اختلط به القول في الصَّلوات المشتملة على غير ذلك من وجوه الخَلَلِ ما الَّتي تقضى وما التي لا تقضى لاندراج الكُلِّ تحت ضابط واحد، قال الأصحاب الأَعْذَارُ ضربان: عام، ونادر.
فأما العام: فيسقط القضاء، لأن إيجابه مع عموم العذر يفضي إلى عموم المَشَقَّة.
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، ولهذا المعنى جعلنا الحَيْضَ مسقطًا للقضاء، وعدوًا في هذا القسم صورًا.
منها: صلاة المسافر بالتيمم لعدم الماء، فلا إعادة عليه إذا وجد الماء في الوقت، ولا قضاء إذا وجده بعده "روي أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءُ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيَّبًا وَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءُ وَالصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله -ﷺ-، فَذَكَرَا لَهُ ذلِكَ فَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَكَ الأَجرُ مَرَّتَيْنِ، وَلِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتكَ صَلاَتُكَ" (٢).
والمعنى فيه أن فَقدَ الماء في الأسفار عذر عام، وسنبين من بعد أن الحكم غير منوط بالسفر، بل الموضع الذي يغلب فيه فقد الماء، وإنما لا يقضي المسافر بشرط ألا يكون سفره سفر معصية، أمَّا لو كان سفر معصية وتيمم وصلَّى، ففي القضاء وجهان:
أحدهما: لا يقضي، لأنَّا إذا أوجبنا عليه التّيمم، فقد صار عزيمة في حقه بخلاف القصر، والفطر، ونحوهما، فإنها لا تجب.
وأظهرهما: أنه يجب، لأنه وإن كان واجبًا فسقوط الفرض به رخصة، فلا يناط بسفر المعصية.
وحكى الحناطي مع هذا الخلاف وجهًا آخر، أنه لا يتيمم أصلًا، وهل يشترط لعدم القضاء أن يكون السَّفر طويلًا، فيه قولان:
أصحهما: لا، والقصير كالطويل في هذا الحكم.
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٣) الآية، واسم السفر يقع على
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٨) والنسائي (١/ ٢١٣) والحاكم (١/ ١٧٨ - ١٧٩) وفي أبو داود من رواية عطاء عن أبي سعيد الخدري، ومن رواية عطاء مرسلًا، وأخرجه النسائي منهما، وقال أبو داود: المحفوظ الإرسال، وقال الحاكم: رواية الاتصال صحيحة على شرط الشيخين. انظر الخلاصة (١/ ٧٠).
(٣) سورة المائدة، الآية ٦.
[ ١ / ٢٦١ ]
الطَّويل والقصير، وعن ابن عمر -﵄-:"أنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْجَرْفِ (١): فَلَمَّا بَلَغَ المَرْبَدَ تَيَمَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يُعِدْ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ".
والثَّانِي: أنه يقضي في السَّفر القصير، لأنه يلحق بالحضر، في امتناع القصر والفطر، فكذلك في حكم القضاء، ومنهم من قطع بالأول، ولم يثبت الثاني قولًا للشَّافعي -﵁- قال إمام الحرمين -﵁-: وفي هذه الصورة مزيد مع عموم العذر، وهو أنه وإن اختل الوضوء فقد أثبت الشرع عنه بدلًا، وهو التَّيمم فقام مقام المبدل وهذا المعنى يسقط القضاء على قول، وإن كان العُذْرُ نادرًا على ما سنذكره من بعد، ولا فرق في نفي القضاء بين أن يكون تيممه عن جنابة، أو عن حدث، ولو كان مع المسافر ماء، لكنه يحتاج إليه للشُّرب، أو عجز عن تناول الماء للخوف من سبُع، أو ظالم، أو لفقدان آلة الاسْتِقَاء، فتيمم وصلى، فكذلك لا إعادة عليه. ومنها: ما إذا تيمَّم لمرض مانع من استعمال الماء. ومنها: المرض المُحْوِجُ إلى القعود، أو الاضطجاع في الصلاة، فإن المرض على الجملة من الأعذار العامة، فيسقط القضاء.
وأما العذر النَّادر فعلى ضربين: نادر إذا وقع دام غالبًا، ونادر إذا وقع لم يدم غالبًا. أما الذي يدوم غالبًا، فيسقط القضاء أيضًا لما يلحق صاحبه من المشقة الشديدة، وذلك كالاسْتَحَاضَةِ، وسلس البول، والمَذْي، والجُرْح السائل، واسترخاء المَقْعَدَةِ، دوام خروج الحدث منه، ولا فرق في هذا القسم بين أن يكون عن الصفة لِفَائِتَةٍ بدل، أو لا يكون، فإن المستحاضة وإن كانت تتوضَّأ لكل صلاة فريضة، لكن ليس للنَّجَاسات الدَّائمة إزالة، ولا بدل عنها. وأما الذي لا يدوم غالبًا، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون مع الخَلَلِ الحاصل بدل مشروع عن الفائت.
والثاني: ألا يكون معه بدل، فإن لم يكن معه بدل، وجب القضاء لِنُذُور العُذْرِ، وفوات الصفة المطلوبة، لا إلى بدل، وذكر في الكتاب لهذا القسم صورًا.
منها: ما إذا لم يجد ماء، ولا ترابًا، فصلى، وقد يفرض فقدهما جميعًا في حق المحبوس في موضع لا يجد واحدًا منهما، أو في موضع لا يجد إلا ترابًا نجسًا، أو فيما إذا كانت الأرض متوحِّلة، ولم يقدر على تَجْفيف الطين، فإذا (٢) اتفق ذلك ببعض هذه الأسباب، أو غيرها، فهل يجب عليه الصلاة؟.
قال في القديم: لا تجب، لأنه لا يجب عليه الإعادة، وإن صلى فلو أوجبناه
_________________
(١) تقدم.
(٢) في (ب): فأما إذا.
[ ١ / ٢٦٢ ]
لالزمناه ظهرين. وقد روى أنه -ﷺ- قال: "لاَ ظُهْرَانِ فِي يَوْمٍ" (١) نعم، يستحب ذلك لحرمة الوقت، والجديد: الصحيح أنه تجب عليه الصلاة في الوقت، لأنه استطاع الإتيان بأفعال الصَّلاة، وإن عجز عن الطَّهارة. وقد قال -ﷺ-: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" (٢)، وصار كما إذا عجز عن ستر العُوْرَة، لا يترك الصَّلاة بسببه.
ومنهم من نقل القول القديم في الحرمة. وقال: يحرم عليه أن يصلي كالحائض، وبه قال أبو حنيفة، وإذا صلّى في الوقت امْتِثَالًا لما أمرناه به وجوبًا، أو نديًا فظاهر المذهب وجوب الإعادة؛ لأن هذا عذر نادر لا دوام له.
وحكى بعض الأصحاب فيه قولين، وهذا العادم وإن أمر بالصلاة، والحالة هذه لا يجوز له حمل المصحف، وقراءة القرآن إن كان جنبًا، وإن كانت حائضًا فليس للزَّوج غِشْيَانُهَا، ولو قدر على أحد الطّهورين في خلال الصَّلاة بطلت صلاته.
ومنها المربوط على الخشبة، ومن شد وثاقه على الأرض يُصَلِّي على حسب حاله بالإِيمَاءِ، ثم يعيد لأنه عذر نادر، بخلاف المريض يصلي بالإِيماء، ولا يعيد؛ لأن عذر المَرض يعم. وقال الصيدلاني: إن كان مستقبل القِبْلَة فلا إعادة عليه، كالمريض يصلي بالإيماء وعلى جنب، وإن لم يكن يلزمه الإعادة قال: وكذا الغريق يتعلق بعُودٍ، ويصلي بالإيماء، ويعيد إذا كان إلى غير القبلة، وذكر في "التهذيب" نحوًا من هذا في مسألة الغريق (٣) فقال: لا يعيد ما صلى إلى القبلة بالايماء، وما صلى إلى غير القبلة فيه قولان:
أحدهما: لا يعيد أيضًا، كما لو صلى بالإيماء إلى القبلة.
وأصحهما: أنه يعيد بخلاف ما لو صلى بالإيماء، لأن حكم الإيماء أخفُّ، من ترك القبلة، ألا ترى أن المريض يصلي بالإيماء ولا يعيد، وإذا لم يجد من يُحَوِّلُه إلى القبلة يصلي إلى غيرها ويعيد. أما مسألة المربوط فلم يذكر فيها هذا التَّفصيل، وحكم بوجوب الإعادة، وبه قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-. ومنها: إذا كان على بَدَنِهِ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٧٩) والنسائي (٢/ ١١٤) وأحمد في المسند (٤٦٨٩) وابن خريمة (١٦٤١) وابن حبان في الموارد (٤٣٢) قال الحافظ: لم أره بهذا الفظ، لكن روى الدارقطني من حديث ابن عمر رفعه: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين، وأصله عند أحمد وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، وصححه ابن السكن، وهو محمول على إعادتها منفردًا، أما إن كان صلى منفردًا، ثم أدرك جماعة، فإنه يعيد معهم، وكذا إذا كان إمام قوم فصلى مع قوم آخرين، ثم جاء فصلى بقومه، كقصة معاذ. انظر التلخيص (١/ ١٥٦).
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧).
(٣) في (ط) المريض.
[ ١ / ٢٦٣ ]
جراحة عليها دم، وخاف من غسله التَّلف، صلى وأعاد، وإن كانت على أعضاء الوضوء تيمم، وصلى وأعاد، فإن هذا الخَلَلَ ليس له بدل، والعذر نادر غير دائم.
وفي القديم: قول أنه لا يعيد، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، وكذلك الخلاف فيما إذا كان محبوسًا في مكان نجس، وصلى على النجاسة، هل يعيد أم لا؟ والقول القديم مطرد في كل صلاة، وجبت في الوقت، وإن كانت مختلة وهو اختيار المزني.
والضرب الثاني أن يكون مع الخلل الحاصل بدل مشروع يعدل إليه، ففي وجوب القضاء خلاف نفصله في صور هذا القسم. منها المقيم إذا تيمّم لعدم الماء فصلى (١)، فظاهر المذهب أنه يجب عليه القضاء؛ لأن عدم الماء في موضع الإقامة (٢) نادر، وإذا اتفق لا يدوم غالبًا، فإن أهل ذلك الموضع يتبادرون إلى الإصلاح، والإثباط، فلا يصلح عذرًا دافعًا لِلْقَضَاء، والبدل المعدول إليه يقام مقام الأصل في جواز الإتيان بالصلاة، حتى لا يخلو الوَقْت عن وظيفته.
وفي القديم، وهو اختيار المزني، أنه لا إعادة عليه؛ لأنه بالمقدور. عليه.
واعلم أن وجوب القضاء على المقيم إذا قلنا: بظاهر المذهب ليس لعلة الإقامة، بل لأن فقد الماء في موضع الإقامة نادر، وكذلك عدم الوجوب في السفر ليس لأنه مسافر، بل لأن الفقد في السفر مما يعم، ويغلب حتى لو أقام الرجل في مَفَازَةٍ، أو موضع يعدم فيه الماء غالبًا، وطالت إقامته فيه يتيمَّم، ويصلّي، ولا يعيد.
وفي مثله قال رسول الله -ﷺ- لأبي ذر، وكان يقيم بالرَّبَذَةِ (٣)، ويفقد الماء أيامًا: فسأل رسول الله -ﷺ- (٤) فقال: التُّرَابُ كَافِيكَ وَلَوْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ" (٥).
ولو دخل المسافر في طريقه بلد، أو قرية، وعدم الماء، وتيمم، وصلى أعاد على أظهر الوجهين، فإن كان حكم السفر باقيًا، نظر إلى ندرة العدم في ذلك الموضع، وإذا عرفت ذلك فقول الأصحاب: المقيم يقضي، والمسافر لا يقضي، جار على الغالب من حال السَّفر، والإقامة، والحقيقة وما بينا. ومنها: التَّيمم لإلقاء الجبِيْرَة، وجملته أنه إذا كان به عذر يمنع من استعمال الماء في بعض محل الطهارة دون بعض فغسل المقدور عليه، وتيمّم وصلّى، هل يجزئه ذلك أم يلزمه القضاء عند زوال العذر؟ ننظر إن لم يكن على محل العذر ساتر من جبيرة، أو لصوق فيجزئه، ولا قضاء عليه؛ لأنه لو وجد
_________________
(١) سقط في (ط).
(٢) في (ط): الإمامة.
(٣) الربذة بفتح أوله وثانيه، وذال معجمة مفتوحة أيضًا، هي من قرى المدينة، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز. انظر معجم البلدان (٣/ ٢٧).
(٤) في (ط): فسأل عن ذلك فقال: التراب.
(٥) تقدم.
[ ١ / ٢٦٤ ]
تجرّد التيمم لشيء من العلل، والأمراض لما كان عليه إعادة، فإذا انضم إلى التيمم غسل بعض الأعضاء كان أولى، أن لا تجبل عليه الإعادة، وإن كان على محل الأعضاء ساتر، فنظر إن ألقاه على الطهارة، ففي القضاء قولان:
أحدهما: يجب لأنه عذر نادر غير دائم.
وأظهرهما: أنه لا يجب، لحديث جابر في الشّجوج، كما تقدم، ولم يأمره النّبي -ﷺ- بالإعادة مع الحاجة إلى البيان؛ ولأن المسح على الخف يغني عن الإعادة مع أنه لا ضرورة إليه، فالمسح على الجَبيرَةِ أولى لمكان الضرورة، وإن إلقاه لا على غير الطهارة، فعليه النزع، إن أمكن، ولا يجوز المسح عليه كما سبق، وإن تعذر النَّزع، مسح وصلى للضرورة، وهل يعيد؟ فيه طريقان:
أظهرهما: نعم، لفوات شرط الوضع على الطَّهارة.
والثاني: طرد القولين فيه، وذكر بعضهم أنه إنْ وضع على الطَّهارة فلا يعيد في القديم قولًا واحدًا، وفي الجديد: قولان: وإن لم يضع على الطهارة فيعيد في الجديد قولًا واحدًا، وفي القديم: قولان، ولا فرق في جَرَيَانِ الخلاف في الإعادة بين أن نقول بوجوب التّيمم مع غسل المقدور عليه، وبين أن لا نوجب التيمم، ويجوز الاقْتِصَار على الغسل، وقد بينا الخلاف فيه في موضعه. وعن أبي حفص ابن الوكيل (١) أن الخلاف في الإعادة على قولنا: إنه لا يتيمم، أما إذا قلنا: بوجوب التيمم فلا إعادة بلا خلاف، وهذا كله فيما إذا كانت الجَبِيرَة، أو اللَّصُوقُ على غير محل التيمم، فأما إذا كان على محل التيمم وجبت الإعادة لا محالة، لنقصان البدل والمبدل جميعًا كذلك ذكره ابن الصباغ في "الشامل"، وأبو سعيد المتولي في "التتمة".
ومنها التيمم لشدة البرد، فإن اتفق ذلك في السّفر، ففي إعادة الصَّلاة المؤداة به قولان:
أحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن عمرو بن العاص تيمّم بسبب البرد في غزوة "ذات السَّلاَسل"، وصلى وحكى ذلك لرسول الله -ﷺ- فلم يأمره بالإعادة.
وأصحهما: أنها تجب؛ لأن البرد وإن لم يكن شيئًا نادرًا، لكن العجز عما يسخن به الماء، وعن ثياب يدفأ بها مع ذلك نادر، وإن اتفق فإنه لا يدوم، فلا يسقط الإعادة وإن اتَّفَقَ في الحضر، فالمشهور وجوب الإعادة.
_________________
(١) عمر بن عبد الله بن موسى، أبو حفص ابن الوكيل الباب شامي، فقيه جليل الرتبة، من نظراء أبي العباس، وأصحاب الأنماطي، ومن كبار المحدثين والرواة وأعيان النقلة. انظر تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢١٥) طبقات العبادي (٤٣) طبقات ابن قاضي شهبة (١/ ٩٧).
[ ١ / ٢٦٥ ]
وعن أبي الحسن بن القطّان أنه يبنى ذلك على السفر، إن قلنا: يعيد في السَّفر ففي الحضر أولى، وإن قلنا: لا يعيد، ثم ففي الحضر قولان، ونعود إلى ما يتعلق من هذه المسائل بألفاظ الكتاب، ونظمه خاصة.
اعلم أنه أهمل التقسيم الأول الذي حكيناه عن الأصحاب، حيث قالوا: "العذر ينقسم إلى عام ونادر"، ثم قالوا: النَّادر ينقسم إلى دائم، وغير دائم، واقتصر على تقسيم العذر إلى دائم إذا وقع، وإلى غير دائم، ويدخل العام، والنادر في كل واحد من هذين القسمين، إلا أن دوام الوقوع ليس بشرط في قسم العام، بل هو مسقط للقضاء دَام، أو لم يدم، أَلاَ ترى أن حاجة المسافر إلى ما عنده من الماء لِلشُّرْبِ مُسْقِطٌ للقضاء؛ لأنه يعم، ولا يظهر فيها الدوام، والاستمرار بل عدم الماء في السَّفَر ممَّا لا يدوم أيضًا غالبًا، فإنه إنْ فقد الماء في مرحلة وجده في المرحلة الأخرى، وإذا كان كذلك فِلِمُضَايق أن يضايق في عدة صلاة المسافر بالتيمم على موجب التقسيم الذي ذكره من القسم الأول، وللمضايقة وجوه أخر، لا نطول بذكرها.
وأما قوله: "فان لم يكن لها بدل، وجب القضاء"، ينبغي أن يعلم بالواو والزاي، لما ذكرنا من القول الذي اختاره المزني. وقوله: "فصلى فيمن لم يجد ماء، ولا ترابًا" بالحاء والواو لمذهب أبي حنيفة، والقول الموافق له كما سبق. وقوله: "والمصلوب إذا صلى بالايماء" المراد منه المربوط على الخشبة، وليعلم بالواو لما ذكرنا في شَرْحِ المَسْألَةِ. بقي أن يقال: لم عدّها من قسم ما لا بدل له؟ وهلا جعل الإيماء بدلًا عن الركوع، والسجود؟. والجواب أن المعنى بالبدل في هذا المقام الشيء المضبوط الذي يعدل إليه العاجزون كلهم، كالتَّيمم مع الوضوء، والإيماء ليس كذلك، بل يختلف بالأحوال، والأشخاص، وله درجات متفاوتة ينتقل المعذور من كل واحدة إلى ما يليها، بحسب الإمكان.
وأما قوله: "ويستثنى عنه صلاة شدة الخوف" فليس المراد الاستثناء من الصورة الأخيرة، هي ما إذا صلّى، وعلى جرحه نجاسة وجدها، بل المراد الاستثناء من أصل هذا القسم، وهو ندور العذر، وعدم البدل، وذلك في الصلاة حالة المسابقة اختلالًا ظاهرًا في الأفعال، والأركان، ويحتمل أيضًا كثرة الأفعال، وتلطُّخ السلاح بالدّم، على تفصيل يأتي في موضعه، وليس لها بدل، وإنما احتمل ذلك رخصة بالنص.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١)، ونازع إمام الحَرَمَيْنِ -قدس الله روحه- في كون القتال والنَّجَاسة من الأعذار النادرة، وقال: هو كثير الوقوع في حق
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٣٩.
[ ١ / ٢٦٦ ]
المقاتلة، فعلى هذا صلاة شدّة الخوف غير مستثناة عن هذا القسم.
وقوله: "أو التيمم لإلقاء الجَبِيرَةِ" مطلق لم يفرق بين أن يكون الوضع، والإلقاء على الطّهارة، أولًا [فإن كان على الطهارة فهو] (١) جواب على طريقة ترك القولين في الحالتين، وفي عدّه مسألة الجبيرة من الأعذار التي لا تدوم كلام.
فإن القاضي أبا المحاسن الروياني قال: هي ملحقة بالنادر الذي يدوم، وذكر كثيرون من الأصحاب أن الكثير من جملة الأعذار العامة، وعلى هذا فلا اعتبار بكونه دائمًا، أو غير دائم، ولا يستبعدن قولهم: إنه عام فإنه لا يعني بالعموم في هذا الباب، سوى الكثرة، والكَسْرِ؟ والانخلاع كثير ليس بنادر.
وأما قوله: أو تيمم المسافر لشدّة البرد" فَالتَّخصيص بالمسافر يشير إلى أنه لو كان مقيمًا وتيمّم لشدة البرد قضى بلا خلاف، وهو الظَّاهر كما تقدم.
قال الغزالي: وَالعَاجِزُ عَنِ السُّتْرَةِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلاِتهِ ثَلاَثةُ أوْجُهٍ، فِي وَجْهٍ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بَلْ يُومِئُ حَذَرًا مِنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَفِي وَجْهِ يُتِمُّ، وَفِي وَجْهٍ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُتِمُّ فَيَقْضِي لِنُدُورِ العُذْرِ وَعَدَمِ البَدَلِ وَإنْ قُلْنَا: يُتِمُّ فَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يَقْضِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَ السَّتْرِ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: العاجز عن ستر العورة إذا صلّى عاريًا، هل يقضي؟ يبنى ذلك على أنه كيف يصلي، وفيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: أنه يصلى قاعدًا ليكون أقرب إلى التستر، وأبعد عن الهيئة المستنكرة في الصَّلاة، وعلى هذا هل يتم الركوع والسجود أم يقتصر على الإيماء وإدنا الجبهة من الأرض؟ فيه قولان:
وأصحهما: أنه يصلّي قائمًا، ويتم الركوع والسجود، فإن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه، كيف والقيام والرُّكوع والسُّجود أركان للصلاة، وستر العورة من الشرائط، وإنما اعتبرت الشرائط زينة وكمالًا للأركان، فلا يجوز ترك الأركان لها، هذا نقل المعظم، وهو الظاهر.
وحكى إمام الحرمين بدل القولين، وجهين، ووجهًا ثالثًا، أنه يتخير لتعارض الأمرين، ولزوم أحد الاختلالين، وصاحب الكتاب تابع الإمام فحكى في المسألة ثلاثة أوجه، والمَرْوِيُّ عن أبي حنيفة، وأحمد التَّخْيِيرُ، كما ذكر في الوجه الثالث، فليكن
_________________
(١) سقط من (ط).
[ ١ / ٢٦٧ ]
الوجهان الأولان معلمين بعلامتهما، والخلاف في هذه المسألة يجري في صور.
منها: إذا كان محبوسًا في موضع نجس، ولو سجد لسجد على نجاسة، هل يتم السجود أم يقتصر على الإيماء؟ وإذا وجد ثوبًا طاهرًا لو فرشه لبقي عاريًا، ولو لبسه لصلى على نجاسة، ماذا يفعل؟ فيه الخلاف، وإذا وجد العريان ثوبًا نجسًا، هل يصلي فيه أم يصلي عاريًا؟ فيه الخلاف، وإذا عرف ذلك فإن قلنا، في مسألة العاري: إنه لا تتم الأركان، فيقضي على ظاهر المذهب، لندور العذر، وعدم البدل، كمن لم يجد ماء ولا ترابًا، فصلى، وفيه الخلاف المذكور في تلك الصورة ونظائرها.
وإن قلنا: تتم الأركان، فهل يقضي؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن العذر نادر، وليس له دوام ولا بدل.
وأظهرهما: لا، ووجهوه بشيئين:
أحدهما: أن وجوب السِّتر لا يختص بالصّلاة، فاختلاله لا يقتضي وجوب الإعادة، لكن سياق هذا أن لا يجب القضاء، وإن ترك السّتر مع القدرة كالاحتراز عن المكث في العَرصة (١) المَغْصُوبة لما لم تكن من خاصية الصلاة لم يقتض اختلاله وجوب القضاء، وإن صلى فيه عمدًا، وهذا مذهب مالك.
والثاني: أن العري عذر عام، أو نادر إذا اتفق دام فلا توجب القضاء، والطبع لا ينقاد لكونه العري بهذه الصفة، وأطلق قوم من شيوخ الأصحاب كصاحب "التقريب" القول ينفي الإعادة، وهو جواب منهم على ظاهر المذهب، ولا فرق في نفي الإعادة بين أن يكون العاري في الحضر، أو في السّفر، بخلاف المتيمم، لعدم الماء، والفرق أن الثوب في مظنة الضّنّة (٢) فقد لا يبذل، وإن كان في الحضر والماء بخلافه، وكل ما ذكرناه فيما إذا اتفق العُري في ناحية لا يعتاد أهلها العُري، فأما إذا صلى عاريًا في قوم يعتادون العري، فلا قضاء عليه إذا تحول واكتسى، لعموم العذر، وشيوعه عندهم، لذلك فصل الشيخ أبو محمد.
وذكر إمام الحرمين أنه ساعده عليه كثير من الأصحاب، وهو الذي أورده صاحب الكتاب في "الوسيط" قال إمام الحرمين: والوجه اقطع بأن الذين يعتادون العُرى يتمُّون الركوع والسّجود، فإنهم يتصرفون في أمورهم عراة، فيصلون كذلك، ولا يقضون وجهًا
_________________
(١) عرصة الدار: ساحتها، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، والجمع عراص، مثل كلبة، وكلاب، وعرصات مثل سجدة وسجدات، وقال أبو منصور الثعالبي في كتاب فقه اللغة: كل بقعة ليس فيها بناء فهي عرصة. انظر المصباح المنير (٢/ ٥٥٠).
(٢) ضنّ بالشيء يضن: بخل، انظر المصباح المنير (٢/ ٤٩٨).
[ ١ / ٢٦٨ ]
واحدًا، واعلم أنَّ هذا التَّفصيل إنما ينتظم على قول من يعدّ العُرْيَ من الأعذار النادرة، ليصير باعتيادهم ذلك عامًا، فأما من عَدَّهُ من الأعذار العامة على الإطلاق يتجه أن لا يفرق بينهم، وبين غيرهم، -والله أعلم- (١).