قال الغزالي: مَهْمَا اشْتَبَهَ إِنَاءٌ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ عَنْ عَدْلٍ بإنَاءٍ طَاهِرٍ لَمْ يَجُزْ (و) أَخْذِ أَحَدِ الاِنَاءَينِ إِلاَّ باجتِهَادٍ (ز) وَطَلَبِ عَلاَمَةٍ تَغْلِبُ ظَنَّ الطَّهَارَةِ.
_________________
(١) في ط: (في واجب الإزالة).
[ ١ / ٧٢ ]
قال الرافعي: إذا اشتبه عليه إناء طاهر بإناء نجس، واحتاج إلى الطَّهَارَةِ فماذا يفعل؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يستعمل ما شاء من غير اجتهاد ونظر؛ لأن الذي يقصده بالاستعمال غير معلوم النجاسة، والأصل فيه الطهارة.
والثاني: إنما يأخذ أحدهما إذا ظن طهارته، ولكن لا يشترط استناده إلى اجتهاد، وَأَمَارَةٍ؛ بل له أن يأخذ بما سبق وهمه إليه، وكفى ذلك مرجحًا لأصل الطهارة.
والثالثة: وهو المذهب ولم يذكر في الكتاب سواه أنه لا يجوز أخذ أحدهما إلا بالاجتهاد، وطلب علامة تغلب ظن طهارة المأخوذ، ونجاسة المتروك، لأن أصل الطهارة عارضة يقين النجاسة، وعرفنا أن ذلك الأصل، صار متروكًا إما في هذا، أو في ذاك، فيجب النظر في التعيين. وقال المزني: يتيمم ولا يجتهد، وإن كان الاشتباه في ثوبين صلى فيهما صلاتين، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يجتهد في الثياب، ولا يجتهد في الأواني إلا إذا كان عدد الطاهر أكثر. لنا قياس الأواني على الثياب، وقد أعلموا لفظ الكتاب بالعلامات المشعرة بهذه الاختلافات. فقوله: "لم يَجُزْ" معلم بالواو، ولفظ "الإنائين" معلم بالحاء. وقوله: "إلا باجتهاد" بالألف والزاي، ولو كان سبب الاشْتِبَاهِ إخبار عَدْلٍ إياه عن نجاسة أحدهما على الإبهام، وجب الاجتهاد كما لو عرفه بنفسه، وكذلك لو أخبره عن نجاسة أحدهما بعينه، ثم اشتبه عليه، وسبيله سبيل الرواية، وكل من تقبل روايته من ذَكَرٍ وأُنْثَى وعبد وحر يقبل قوله في ذلك، بشرط العدالة، وهل يقبل قول الصبي المميز؟ فيه وجهان (١) ويشترط أن يعلم من حال المخبر أنه لا يخبر إلا عن حقيقة؛ لأن المذاهب مختلفة في أسباب النجاسات، فقد يظن ما ليس بنجس منجسًا، ولعلك تقول لفظ الكتاب يقتضي أن يكون إخبار العدل مفيدًا لليقين؛ لأنه قال: "تيقن نجاسته، بمشاهدة، أو سماع من عدل" وقول الواحد لا يفيد اليقين، فاعلم أن الفقهاء كثيرًا ما يعبرون بلفظ المعرفة واليقين عن الاعتقاد القوي علمًا كان أو ظنًا مؤكدًا، أو يجري ذلك في لسان أهل العرف أيضًا، وهذا على ذلك المذهب، ولك أن تستفيد من قوله: "لم يَجُز أخذ أحد الإنائين إلا بالاجتهاد".
فائدة وهي: النظر فيما لو خرج أحد الإنائين عن أن يستعمل إما بالانْصِبَابِ أو بِتَقَاطُرِ شيء من الآخر فيه، هل يحتاج إلى الاجتهاد في الثاني؟ الذي يقتضيه لفظ الكتاب أنه يحتاج إليه، وهو الظاهر، وفيه وجهان آخران:
_________________
(١) قال النووي: الأصح عند الجمهور لا يقبل قول المميز، ويقبل الأعمى بلا خوف، والله أعلم. الروضة ١/ ١٤٥.
[ ١ / ٧٣ ]
أحدهما: يتوضأ به من غير تحر.
والثاني: لا يتوضأ به أصلًا، بل يتيمم. وقوله: إلا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب ظن الطهارة ليس به إلا الإيضاح، ولو اقتصر على قوله لم يجز أخذ أحد الإنائين إلا بالاجتهاد. أو قال: إلاَّ بطلب علامة لحصل به الغرض.
قال الغزالي: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَةُ أَحَدِ الإِنَاءَيْنِ بِكَوْنِهِ مِنْ مِيَاهِ مُدْمِنِي الخَمْرِ وَالكُفَّارِ المُتَدَيّنينَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ كَاسْتِيقَانِ النَّجَاسَةِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَينِ وَعَلَيْهِ تَمْتَنِعُ الصَّلاةُ فِي المَقَابِرِ المَنْبُوشَةِ وَمَعَ طِينِ الشَّوَارعِ وَكُلِّ مَا الغَالِبُ نَجَاسَتُة.
قال الرافعي: الشيء الذي لم يتيقن نجاسته، ولكن الغالب في مثله النجاسة يستصحب طهارته، أم يؤخذ بنجاسته، قولان:
أحدهما: يستصحب طهارته تمسكًا بالأصل المتيقن إلى أن يزول بيقين بعده كما في الإحداث.
والثاني: يؤخذ [بنجاسته] (١) عملًا بالظنِّ المستفاد من الغلبة بخلاف الإحداث، فإن عروضها كثر فخفف الأمر فيها بطرح الظن كالشك، ويشهد هذان القولان لقولي تعارض الأصل والظاهز (٢)، وللمسألة نظائر كثيرة منها ثياب مدمني الخمر وَأَوَانِيهِمْ، وثياب القَصَّابِينَ (٣)، والصبيان الذين لا احتراز لهم عن النجاسات وطين الشوارع، حيث لا تتيقن نجاسته، والمقابر المَنْبُوشَة، حيث لا تتيقن النجاسة، ومنها أواني الكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسات كالمجوس، يغتسلون بِبَوْلِ البَقَرِ، ويتقربون بذلك، ولا يلحق بهم الكفار الذين لا يتدينون باستعمالها، كاليهود والنصارى، نعم المنهمكون منهم في الخمر والتلوث بالخنزير. يجري في ثيابهم وأوانيهم القولان لا محالة كمدمني الخمر من المسلمين، وربما أطلقوا نقل القولين فيما إذا غلب على الظن النجاسة ولم يستيقن، ولكن له ما شرط، وهو أن تكون غلبه الظن مستندة إلى أن الغالب في مثله النجاسة، أما لو كان سبب الظن غير ذلك لم يلزم طرد القولين، حتى لو رأى ظَبْيَةً تبول في ماء كثير، وكان بعيدًا عن الماء، فانتهى إليه ووجده متغيرًا، وشك في أن تغيره بالبول، أم بغيره فهو نجس، نص عليه الشافعي -﵁- وأصحابه -رضوان الله
_________________
(١) سقط في ط.
(٢) ويعبر الأصحاب تارة بالأصل والظاهر، وتارة بالأصل والغالب وفهم بعضهم التغاير وأن المراد بالغالب ما يغلب على الظن من غير مشاهدة، قال ابن السبكي في الأشباه والنظائر ١/ ١٤ بتحقيقنا، فإن عارض الأصل ظاهر فقيل قولان دائمًا وقيل: غالبًا، وقيل: أصحهما اعتماد الأصل دائمًا، وقيل: غالب والتحقيق الأخذ بأقوى الظنين.
(٣) وهي حرفة معلومة انظر المعجم الوسيط ٢/ ٧٤٤.
[ ١ / ٧٤ ]
عليهم أجمعين- ثم الظاهر من القولين استصحاب الأصل فإنه أصدق وأضبط من الغالب الذي يختلف باختلاف الزمان، والأحوال، والنقل يعضد ذلك، مثل ما روى "أَنَّهُ -ﷺ- حَمَلَ أَمَامَةَ بِنْتَ أَبِي العَاصي فِي صَلاَتِهِ" (١)، وكانت هي بحيث لا تحترز عن النجاسات. إذا تقرر هذا الأصل. فنقول: إنْ ألحقنا عليه الظن باليقين، فلو اشتبه عليه إناء طاهر بإناء الغالب في مثله النَّجَاسَةِ كان كما لو اشتبه بإناء مُسْتَيقَنِ النجاسة، فيحتاج إلى الاجتهاد كما سبق. وإن لم نلحقها باليقين فلا حاجة إلى الاجتهاد، ويستعمل أيهما شاء وكليهما أيضًا. وقوله: "وعليه يخرج امتناع الصلاة في المقابر المَنْبُوشَةِ"، وفي بعض النسخ "وعليه تمتنع الصلاة" أي: على قول إلحاق الغلبة باليقين تمتنع الصلاة في المقابر المنبوشة وكذلك حكم التيمم بترابها، وامتناع الصلاة مع طِيْنِ الشوارع (٢) ونحوه ويجوز أن يرجع الكناية (٣) في قوله: "وعليه يخرج" إلى الخلاف.
قال الغزالي: ثُمَّ لِلاجْتِهَادِ شَرَائِطُ: الأَوَّلُ- أنْ يَكُونَ لِلْعَلاَمَاتِ مَجَالٌ فِي المُجْتَهَدِ فِيهِ فَيَجُوزُ (ز) الاجتِهَادُ في الثِّيَابِ وَالأوَانِي وَلاَ يَجْوزُ فِي تَمْييزِ المُحَرَّمِ وَالمَيِّتَةِ عَن المُذَكَّاةِ وَالأَجْنَبِيَّةِ.
قال الرافعي: الشرائط (٤) جمع شريطة، وحقها أن يقال: الأولى والثانية، فقوله:
_________________
(١) متفق عليه وفي رواية لمسلم (يصلي بالناس) وفي رواية له (يؤم الناس) وفي رواية لأبي داود (أن ذلك كان في الظهر أو العصر) وفي رواية للطبراني (أنه كان في الصبح). ادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ ورد للجهل بالناسخ وتاريخهما، بل جزم ابن دقيق العيد بأن هذا الفعل متأخر عن قوله (إن في الصلاة لشغلًا) وادعى بعضهم أن ذلك كان في النافلة، ورواية مسلم ترد عليه، ولفظ أبي داود (بينما نحن ننتظر رسول الله -ﷺ- في الظهر أو العصر) إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص على عنقه، فقام في مصلاه وقمنا خلفه، وهي في مكانها حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده أخذها فردها في مكانها ثم قال، فما زال يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته، والحجب من الخطابي مع هذا السياق كيف يقول: ولا يتوهم أنه حملها ووضحها مرة بعد أخرى عمدًا، لأنه عمل يشغل القلب، وإذاكان علم الخميصة يشغله فكيف لا يشغله هذا، وقد أشبع النووي الرد عليه، وادعى آخرون خصوصية ذلك برسول الله -ﷺ- إذ لا يؤمن من الطفل البول، وفيه نظر فأي دليل على الخصوصية، وفي الباب عن أنس رواه ابن عدي من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن أنس قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي، والحسن على ظهره، فإذا سجد نحاه إسناده حسن. انظر التلخيص ١/ ٤٥.
(٢) سقط في ب.
(٣) أي الضمير فالضمير عبارة البصريين، والكناية عبارة الكوفيين ينظر همع الهوامع ١/ ٥٦.
(٤) وهو في اللغة العلامة، ومنه أشراط الساعة لعلاماتها اللازمة لها، ومنه الشروط للصكوك لأنها =
[ ١ / ٧٥ ]
"الأوَّل" والثاني محمول على المعنى. التقدير الشرط الأول والثاني، إذا عرفت ذلك فمن شرائط الاجتهاد: أن يكون للعلامات مجال في المجتهد فيه، فيجوز في الثياب والأواني إذا اشتبه بعضها ببعض؛ لأنها مجال العلامات على ما سيأتي، أما إذا كان الاشتباه فيما لا يتوقع ظهور الحال فيه بالعلامات لفقدها، فلا يجوز الاجتهاد كما لو اختلط محرم له بنسب أو رضاع بأجنبية، أو أجنبيات محصورات، فلا يجوز له نكاح واحدة بالاجتهاد إذ لا علامة تمتاز [بها المحرم عن الأجنبية.
ولو اشتبه عليه مَيْتَةُ وَمُذَكَّاةَ، أو لَبَنُ بِقَرٍ بِلَبَنِ أَتَانٍ (١) فوجهان:
أصحهما: لا يجتهد أيضًا إذ لا علامة] (٢).
والثاني: يجتهد إذ الميتة تطفو على الماء.
واعلم أنه لو منع مانع فقد الأمارات في المحرم والأجنبية وادعى إمكان الامتياز بالأمور الخلقية والأخلاق وغيرها لم يبعد، وكذلك في الصورة الثانية؛ ثم إنما ينتظم التعليل لفقد الأمارات إذا اعتبرنا في الاجتهاد النظر في الأمارات أما إذا قلنا: يأخذ بما سبق وهمه إليه فليست العلَّةُ هذا، وإنما العلَّة فيه أن سبق الوَهْم إنما يؤخذ به اعتمادًا على أن الأصل في الماء الطهارة، وهاهنا الأصل في الأَبْضَاعِ الحرمة، وليست اللحوم على الإباحة أيضًا ألا تَرَى أنه لو ذبح المُشْرِفُ على الموت وشك في أن حركته عند الذبح كانت حركة المذبوح، أو حياة مستقرة يغلب التحريم، ولك أن تقول في توجيه المنع على قاعدة اعتبار العلامات: [إن فقدت العلامات هاهنا، فقد تعذر الاجتهاد، وإن وجدت فالعلامات] (٣) إنما تعتمد عند تأييدها بالأصل لما سيأتي، ولم توجد هاهنا.
قال الغزالي: الثَّانِى- أَنْ يَتَأَيَّد الاجتِهَادُ باسْتِصْحَابِ الحَالِ فَلاَ يَجُوزُ الاجتِهَادُ عِنْدَ اشتِبَاهِ البَوْلِ أَوْ مَاءِ الوَرْدِ (ح) بِالمَاءِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَينِ.
_________________
(١) = علامات لازمة دالة على الصحة والتوثق، وفي اصطلاح أهل العلم هو الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من عدم الحكم أو عدم السبب لحكمه في عدمه تنافي حكمه الحكم أو السبب أو هو: ما يتعلق به الوجود دون الوجوب، ويكون خارجًا عن ماهيته، فشرط الشيء ما يتفق عليه ثبوته، وحصوله له، لا وجوبه، انظر تفصيل الشرط في فتح الغفار ٣/ ٧٣، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٢، روضة الناظر ٣١، مسلم الوصول ١/ ٦١، شرح الكوكب المنير ١/ ٤٥١. وشرح مختصر المنتهى ٢/ ٧، شرح جمع الجوامع ٢/ ٢٠، غاية الوصول ١٣.
(٢) الأتان الأنثى من الحمير قال ابن السكيت: ولا يقال: أتانه، وجمع القلة أتن مثل عناق وأعنق، وجمع الكثرة أتن بضمتين، والأتون وزان رسول المصباح المنير ١/ ٤.
(٣) (٣) سقط في ب.
[ ١ / ٧٦ ]
قال الرافعي: إذا اشتبه عليه مَاءٌ وَبَولٌ، أو ماء ومَاءُ وَرْدٍ، فهل يجتهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم اعتمادًا على الأمارات كما في الماء النجس.
وأصحهما: لا؛ لأن الاجتهاد وهم أو رجم ظن لا يعتمد إلا إذا اعتضد بأصل الطهارة والطهورية، فعلى هذا يعرض هاهنا في الصورة الأولى ويتيمم، وفي الثانية: يتوضأ بهذا مرة، وبهذا مرة. وإن قلنا: بالأول فلا شك أن هاهنا لا يكتفي بسبق الوهم لفقد الأصل، فلا بد من الأمارات، وبنى بعضهم الخلاف في الصورتين جميعًا على الخلاف في أَنَّا هل نكتفي في الاجتهاد بسبق الوهم أم يعتبر النظر في الأمارات؟
إن قلنا بالأول فلا يجتهد، وإن قلنا بالثاني فيجتهد.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- أَنْ يَعْجَزَ عَنِ الوُصُولِ اِلَى اليَقِينِ، فَانْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرِ امْتَنعَ الاجتِهَادُ فِي الأَوَانِي وَالثِّيَابِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ.
قال الرافعي: هل يجتهد مع إمكان الطهارة فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن الاجتهاد إنما يصار إليه عند العجز عن درك اليقين، ألا ترى أن في الحوادث لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص؟
وأظهرهما: نعم؛ لأن تركه التطهير بالماء المقطوع بطهارته، والعدول إلى المشكوك في طهارته جائز، وهذا أصل يتخرج عليه مسائل. منها: ما إذا كان على شَطِّ نَهْرٍ أمكنه التطهر به، والإعراض عن المائين المشتبهين جميعًا، وأمكن غسل الثياب المشتبهة به، وهذه الصورة هي المذكورة في الكتاب. ومنها: أن يكون عنده قُلَّتَا ماء، إحداهما نجسة من غير تغير ولو جمعهما لبلغ المجموع قلتين. ومنها: أن يشتبه عليه ماء طهور وماء مستعمل. ومنها: أن يشتبه عليه ماء، وَمَاءُ وَرْدٍ، فيجري الوجهان في جميع هذه الصورة إلا أن الظاهر في الصورة الأخيرة منع الاجتهاد، لا من جهة هذا الأصل؛ بل للمعنى الذي سبق.
قال الغزالي: الرَّابعُ- أَنْ تَلُوحُ عَلاَمَةُ النَّجَاسَةِ كَحَرَكَةِ المَاءِ أَوْ نُقْصَانِهِ أَوْ انصِبَابِهِ أَو ابْتِلاَلِ طَرَفِ الإِنَاءِ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ بِولُوغِ الكَلْبِ وَيَشتَرِكُ فِي ذِرْكِهِ الأَعْمَى (و) وَالبَصِيرُ فَإنْ لَمْ تَلُحْ عَلاَمَةُ صَبِّ المَاءِ وَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ الصَّبِّ وَجَبَ القَضَاءُ لأَنَّ مَعَهَ مَاءً طَاهِرًا بِيَقِينٍ.
قال الرافعي: إن قلنا يأخذه ويستعمله من غير اجتهاد، أو قلنا ما سبق وهمه إلى طهارته أخذ به فلا يحتاج إلى العلامات، وَإنِ اعتبرنا الأمارات والعلامات، وهو
[ ١ / ٧٧ ]
الصحيح، وعليه بني صاحب الكتاب الكلام، فلا بد من أن تلوح علامة النجاسة ليمتاز عنده النجس عن الطاهر.
مثال ذلك: أن يَعرف أن سبب النجاسة وُلُوغُ الكلب، ثم يرى نُقْصَانَ ماء أحد الانائين، أو حركته أو ابتلال طرف الإناء، أو قرب أثر الكلب من أحدهما، فهذه الأمور مُشْعِرَةٌ بكونه نجسًا، وقد تدل حركة الماء وابتلال طرف الأناء على النجاسة في غير وُلُوغِ الكلب أيضًا، فإن لم تَلُحْ له علامة، وتحَيَّرَ تَيَمَّمَ لعجزه عن الوضوء، ثم إن كان تيممه بعد صَبِّ الماء في الإنائين فلا قضاء عليه، ويعذر في صبه لدفع القضاء بخلاف ما إذا صب ما [عنده] (١) من الماء الطاهر عَبَثًا وتيمم يقضي على أحد الوجهين، وفي معنى الصَّبُ ما لو جمع بينهما لتنجَسَّا، وإن تيمم قبل ذلك قضى؛ لأن معه ماءً طاهرًا بيقين. وهل يجتهد الأعمى في الأواني؟ فيه قوله:
أحدهما: لا، كما لا يجتهد في القبلة؛ بل يقلد فيهما.
وأصحهما: نعم، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه يعرف باللمس اعوجاج الإناء، واضطراب الغطاء، وسائر العلامات، فصار كالاجتهاد في الوقت. فعلى الأول من شرائط الاجتهاد كونه بصيرًا. وعلى الثاني لا فرق.
ثم إن عَجَزَ الأَعْمَى ولم يغلب على ظنه شيء، فوجهان:
أظهرهما: أن له أن يقلد (٢) بخلاف البصير إذا تَحَيَّرَ فيه هذا آخر الشروط، وإذا تأملتها عرفت أن اشتراط الكل مختلف فيه.
أما الثاني والثالث فظاهر، وأما الأول والرابع فهما مَبنِيَّانِ على اعتبار العلامات، ولعلك تقول: الاجتهاد هو البحث، والنظر (٣)، وثمرته ظهور العلامات وثمرة الشيء تتأخر عنه، والشرط يتقدم، فكيف جعل ظهور العلامات شرطًا، فالجواب: أن قوله: "ثم للاجتهاد شرائط"، أي: للعمل بالاجتهاد، أو لكونه مفيدًا، وما أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قال الغزالي: فَرْعٌ: لَوْ أَدَّى اجتِهَادُهُ إِلَى إنَاءِ وَصَلَّى بِهِ الصُّبحَ ثُمَّ أَدَّى عِنْدَ الظَّهْرِ اجتهَادُة إلَى الثَّانِي تَيَمَّمَ وَلا يَسْتَعمِلْ لأَنَّ الاجتِهَادَ لاَ يُنْقَضُ بِالاجتِهَادِ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ
_________________
(١) في أفي الاناء.
(٢) قال النووي: فإن قلنا: لا يقلد أو لم يجد من يقلده فوجهان، الصحيح أنه يتيمم ويصلي ويحب الإعادة، والثاني: يخمن ويتوضأ على كثر ما يقدر عليه، وهو ظاهر نص الشافعي -﵁- واختاره القاضي أبو الطيب، قال: ويعيد. الروضة ١/ ١٤٦.
(٣) انظر المصباح المنير ١/ ١٧٦، القاموس المحيط ١/ ١٨٦.
[ ١ / ٧٨ ]
أَنَّهُ يَستَعْمِلُ وَنُورِدُهُ عَلَى جَمِيعِ مَوَارِدِ الأَوَّلِ لأَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ أُخْرَى. وَعلَى النَّصِّ هَلْ يَقْضِي الصَّلاةَ الثَّانِيَةَ لأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا بِحُكمِ الاجْتِهَادِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا غلب على ظَنِّهِ طهارة أحد الإنائين، فالمستحب أن يُرِيقَ الثاني لئلا يتغير اجتهاده [فيشكل [الأمر عليه] (١)، فلو لم يفعل وقد صلى الصبح مثلًا بما ظَنَّ طهارته، ثم تغير] (٢) اجتهاده عند الظهر إلى طهارة الثاني فلا يخلو إما ألا يبقى من الأول، شيء، أو بقي، فهما حالتان:
إحداهما: ألا يبقى من الأول شيء، وهذه الحالة هي التي تكلم فيها في الكتاب. فنقول: أولًا لا يجب عليه إعادة الاجتهاد هاهنا إذا حضرته الصلاة الثانية لكن لو أعاد وتغير اجتهاده فظن طهارة الثاني ففيه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص أنه لا يستعمله، بل يتيمم، لو استعمله فإما أن يغسل ما أصابه الماء الأول من بدنه، وثيابه فيلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد، أو لا يغسل ذلك فيكون مصليًا مع يقين النجاسة، والثاني خرجه ابن سريج من تغير الاجتهاد في القبلة أنه يتوضأ بالثاني، ولا يتيمم؛ لأن هذه قضية مستأنفة، فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضي، لكن لا بد من إيراد الماء على جميع المواضع التي أصابهما الماء الأول، وغسلها لإزالة النجاسة، ثم يتوضأ بعد ذلك لأن من على بدنه نجاسة وأراد أن يتوضأ، أو يغتسل لم تَكْفِه الغسلة الواحدة عنهما جميعًا، ثم على النص هل تقتضي الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، إذ ليس معه ماء طاهر بيقين
والثاني: نعم؛ لأن معه ماء طاهر بحكم الاجتهاد، وأما الصلاة الأولى فلا حاجة إلى قضائها لا على النص ولا على التخريج.
الحالة الثانية: أن يبقى من الأول شيء، فإن كانت البقية كافية لطهارته، فالحكم على ما ذكرناه في الحالة الأولى إلا في شيئين:
أحدهما: أنه يجب إعادة الاجتهاد للصلاة الثانية؛ لأن معه ماء مستيقن الطهارة.
والثاني: أن الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم يجب قضاؤها؛ لأن معه ماء طاهرًا بيقين، إما هذا أو ذاك. هذا هو النص، وفيه وجه: أنه لا يجب؛ لأن ما معه من الماء ممنوعٌ من استعماله شرعًا، فأشبه الذي حال بينه وبينه سبع. وإن لم تكن البقية كافية زاد
_________________
(١) في ط: تقديم وتأخير.
(٢) سقط في ب.
[ ١ / ٧٩ ]
النظر في أن ما لا يكفيه من الماء هل يجب استعماله أم لا؟ إن قلنا: فكما لو لم يبق شيء من الأول، وإلا فكما لو بقي، ولو صَبَّ الماء الثاني في الحالة الأولى أو صبهما جميعًا في الحالة الثانية، ثم تيمم سقط القضاء بلا خلاف (١).
_________________
(١) قال النووي: واعلم أن الإمام الرافعي اختصر هذا الباب جدًا، وترك أكثر مسائله وأنا إن شاء الله أشير إلى معظم ما تركه. قال أصحابنا: يجوز الاجتهاد في المشتبهين من الطعامين والدهنين ونحوهما في الجنس والجنسين كلبن وخل تنجس أحدهما، وثوب وتراب وطعام وماء، ولنا وجه منكر أنه لا يجوز في الجنسين، حكاه الشيخ أبو حامد وغلطه، ولو اشتبه لبنان ومعه ثالث متيقن الطهارة إن لم يكن مضطرًا إلى شربه جاز الاجتهاد فيهما، وان اضطر فعلى الوجهين في الماءين ومعه ثالث. ولو أخبره بنجاسة أحد المشتبهين بعينه من يقبل خبره عمل به، ولم يجز الاجتهاد، فإن كان معه إناءان فقال عدل: ولوغ الكلب في هذا دون ذاك، وقال آخر: في ذاك دون هذا، حكم بنجاستهما لاحتمال الولوغ في وقتين، فإن عينا وقتًا بعينة عمل بقول أوثقهما عنده على المختار الذي قطع به إمام الحرمين. فإن استويا فالمذهب أنه يسقط خبرهما، وتجوز الطهارة بهما، وفيه طرق للأصحاب، وتفريعات طويلة أوضحتها في شرحي (المهذب) و(التنبيه). ولو قال عدل: ولغ في هذا الاناء هذا الكلب في وقت كذا فقال آخر: كان هذا الكلب في ذلك الوقت ببلد آخر فالأصح طهارة الاناء لتعارض. والثاني: النجاسة لاشتباه الكلاب، ولو أدخل الكلب رأسه في الإناء وأخرجه ولم يعلم ولوغ فإن كان فمه يابسًا فالماء على طهارته، وإن كان رطبًا فالأصح الطهارة للأصل. والثاني: النجاسة للظاهر، وإذا توضأ بالمظنون طهارته ثم تيقن أنه كان نجسًا أو أخبره عدل لزمه إعادة الصلاة، وغسل ما أصابه الماء من بدنه وثوبه. ويكفيه الغسلة الواحدة عن النجاسة والحدث جميعًا إذا نوى الحدث على أصح الوجهين عند العراقيين، وهو المختار خلاف ما جزم به الرافعي وجماعة من الخراسانيين: أنه لا بد من غسلتين. ولنا قول شاذ في (الوسيط) وغيره: أنه لا تجب إعادة هذه الصلاة كنظيره من القبلة، وله توضأ بأحد المشتبهين من غير اجتهاد، وصلى، وقلنا بالصحيح أنه لا يجوز فبان أن الذي توضأ به هو الطاهر، لم تصح صلاته قطعًا، ولا وضوؤه على الأصح؛ لتلاعبه وكنظيره في القبلة والوقت. ولو اشتبه الإناءان على رجلين فظن كل واحد طهارة إناء بإجتهاده لم يقتد أحدهما بالآخر. فلو كانت الآنية ثلاثة نجس وطاهران فاجتهد فيها ثلاثة رجال وتوضا كل بإناء وأمهما واحد في الصبح وآخر في الظهر وآخر في العصر فثلاثة أوجه، الصحيح الأشهر: قول ابن الحداد: يصح لكل واحد التي أَمَّ فيها والاقتداء الأول، ويتعين الثاني للبطلان. والثاني قول ابن القاص: لا يصح له إلا التي أَمَّ فيها. والثالث: قول أبي إسحاق المروزي: تصح التي أَمَّ فيها، والاقتداء الأول إن اقتصر عليه، فإن اقتدى ثانيًا بطلا جميعًا، وإن زادت الآنية والمجتهدون أو سمع من الرجال صوت حدث فتناكروه فحكم كله خارج على ما ذكرته. وقد ذكر الرافعي -﵀- المسألة في باب (صفة الأئمة). وهذا الموضع أنسب. ولو وجده قطعة لحم ملقاه فإن كان في البلد مجوس ومسلمون فنجسه فإن تمحض المسلمون فإن كانت في خرقة أو مكتل مظاهرة وإن كانت ملقاة مكشوفة فنجسة، ولو اشتبهت ميتة بمذكيات بلد أو إناء بول بأواني بلد، فله أخذ بعضها بالاجتهاد بلا خلاف، وإلى أي حد ينتهي؟ فيه وجهان مذكوران في (البحر) أصحهما إلى أن يبقى واحد. والثاني: إلى أن =
[ ١ / ٨٠ ]