قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي أَرْكَان ثَلاَثةِ: الأَوَّلُ الصَّلاَةُ وَيَتَعَيَّنُ الاسْتِقْبَالُ فِي فَرَائضِهَا (و) إلاَّ فِي القِتَالِ، فَلاَ تُؤَدَّى فَرِيضَةٌ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلاَ مَنْذُورَةٌ إنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ وَلاَ صَلاَةُ جَنَازَةٍ، (ح) لِأَنَّ الرُّكْنَ الأَظْهَرَ فِيهَا القِيَامُ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) الآية.
وروي أنه -ﷺ-: "دَخَلَ الْبَيْتَ وَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: هذِه الْقِبْلَةُ" (٢).
واعلم أن الاستقبال يفتقر إلى مُسْتَقْبِل، ومُسْتَقْبَل وهو المسمى قبله، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، ومعلوم أن الاستقبال لا يجب في غير حالة الصلاة والحاجة تمس إلى الكلام في الأمور الثلاثة، فلذلك قال: "والنظر فيه في ثلاثة أركان، وهي الصلاة، والقبلة والمستقبل".
أولها: الصلاة، وتنقسم إلى فرائض ونوافل:
أما الفرائض: فيتعين الاستقبال فيها إلا في حالة واحدة وهي حالة شدة الخوف في القتال، فإنه يأتي بها بحسب الإمكان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣).
قال: ابن عمر -﵄-: "مُسْتَقْبِلي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرِ مُسْتَقْبِلِهَا".
قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله -ﷺ- (٤) وقوله في الكتاب: (إلا في القتال) يعني به حالة شدة الخوف لا مطلق القتال، ثم الشرط أن يكون القتال مباحًا على ما سيأتي في "صلاة الخوف" إن شاء الله تعالى، ويلتحق بهذا الخوف ما إذا انكسرت السفينة فبقي على لوح منها وخاف الغرق لو ثبت على وجه القبلة، وكذلك سائر وجوه الخوف، فليس القتال معنيًا لعينه، وإنما المعتبر الخوف.
_________________
(١) سورة البقرة، آية ١٤٤.
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٨) ومسلم (٣٩٥ - ١٣٣٠).
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٣٩.
(٤) أخرجه البخاري (٤٥٣٥) وقال البيهقي: هو ثابت من جهة موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-. انظر الخلاصة (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٤٢٨ ]
وأما النوافل فكذلك يجب الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف وفي السفر على ما سيأتي، فالمستثنى في قسم الفرائض حالة واحدة، وفي قسم النوافل حالتان، والشافعي -﵁- عبر عن الفرض بعبارة أخرى من غير تقسيم الصلوات إلى الفرائض، والنوافل فقال: لا تجوز الصلاة من غير الاستقبال إلا في حالتين:
إحداهما: النافلة في السفر.
والثانية: شدة الخوف، فإن قيل: الاستثناء لا ينحصر في هاتين الحالتين ألا ترى أن المريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة ولا يطيق التوجه معذور، وكذلك المربوط على الخشبة؟ قلنا: الكلام في القادر على أن يصلي متوجهًا، فأما العاجز فلا يكلف بما ليس في وسعه، ولا حاجة إلى استثنائه من موارد إمكان التكليف.
وإذا عرفت هذه المقدمة فيتفرع عليها أنه لا يجوز فعل الفريضة على الراحلة لاختلال أمر الاستقبال، وينبغي أن تعرف من قوله: فلا يؤدي فريضة على الراحلة شيئين:
أحدهما: أنه ليس المراد منه الأداء الذي هو ضد القضاء، فإن الفريضة كما لا تؤدى على الراحلة لا تقضى أيضًا، وإنما المراد منه الفعل.
والثاني: أنه وإن كان مطلقًا لكن الفرض ما إذا لم يلحقه خوف فأما إذا خاف الانقطاع عن الرفقة لو نزل لأداء الفريضة، أو خاف على نفسه، أو ماله من وجه آخر فله أن يصلي على الدابة؟ لكنه يعيد إذا نزل، وهل يجوز فعل المنذورة على الراحلة؟ يبني على أصل سبق ذكره، وهو أن المنذورة من العبادة عند الإطلاق يحمل على أقل واجب، ويعطي أحكام الواجبات أم لا؛ إن قلنا: لا، جاز ذلك، وإن قلنا: نعم. لم يجز، وهو الصحيح، والمحكي عن نصه في "الأم" ولك أن تعلم قوله: (ولا منذورة) بالحاء لأن أبا الحسن الكرخي حكى في مختصره أنه لا يصلي على الراحلة صلاة نذر أوجبها، وهو بالأرض فإن أوجب صلاة وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة، وأما صلاة الجنازة ففي جواز فعلها على الرَّاحلة ثلاث طرق، بيناها في "التيمم"، والظاهر: ما ذكره في الكتاب وهو المنع؛ لأن الركن الأظهر فيها القيام، وفعلها على الراحلة يمحو صورة القيام، وذكر بعضهم للمنع معنى آخر سنذكره من بعد، ويجب أن يكون قوله: (ولا صلاة جنازة) مرقومًا بالواو لما تقدم.
قال الغزالي: وَلاَ تَصِحُّ فَرِيضَةٌ عَلَى بَعِيرٍ مَعْقُولٍ، وَفِي أُرْجُوحَةٍ مُعَلَّقَةٍ بِالْحِبَالِ، لأَنَّهُمَا لَيْسَا لِلْقَرَارِ بِخِلاَفِ السَّفِينَةِ الجَارِيَةِ لِأنَّ الْمُسَافِرَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، وَبِخِلاَفِ الزَّوْرَقِ المَشْدُودِ عَلَى السَّاحِلِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّريرِ وَالْمَاءُ كَالأَرْضِ.
قال الرافعي: فعل الفريضة على الراحلة كما يشتمل على الإخلال بأمر القيام،
[ ١ / ٤٢٩ ]
والاستقبال ففيه شيء آخر، وهو إقامة الفريضة على ما لا يصلح للقرار، وفي اشتراط إقامتها على ما يصلح للقرار كلام، فأراد المصنف أن (يبين أن) (١) امتناع فعل الفريضة على الراحلة ليس لاختلال أمر الاستقبال فحسب، بل من شرط الفريضة فعلها على ما هو للقرار، وهذا الشرط فأئت إذا أقيمت على الراحلة.
وفقه الفصل أن استقرار المصلي في نفسه شرط، فليس له أن يصلي الفريضة وهو سائر ماشٍ؛ لأن المشي يشتمل على الحركات والأصل أنه لا يحتمل أصلًا فخالفنا في النوافل في السفر لما سيأتي، وهل يجوز فعلها على الدَّابَةِ؟ نظر إن أخل فعلها بالقيام، أو الاستقبال فلا يجوز، وإن أمكنه إتمام أركان الصلاة بأن كان في هودج، أو على سرير موضوع على الدابة، فالذي ذكره المصنف أن الفريضة لا تصح، وإن كانت الدابة واقفة معقولة، واتبع فيه إمام الحرمين حيث فقال: لا تقام الفريضة على الراحلة وإن كان المصلي قادرًا على المحافظة على الأركان كلها مستقبلًا، وكان البعير معقولًا، لأنه مأمور بأداء الفرائض متمكنًا على الأرض، أو ما في معناها، وليست الدابة للاستقرار عليها، وكذلك القول في الأرجوحة المشدودة بالحبال فإنها لا تعد في العرف مكان التمكن، وهو مأمور بالتمكن والاستقرار، وهذا بخلاف السفينة حيث تصح الصلاة فيها وإن كانت تجري وتتحرك بمن فيها، كالدواب تتحرك بالراكبين؛ لأن ذلك إنما يجوز لمسيس الحاجة إلى ركوب البحر، وتعذر العدول في أوقات الصلاة عنه، فجعل الماء علي الأرض كالأرض، وجعلت السفينة كالصفائح المبطوحة على الأرض، وألحق بالسفينة الجارية الزورق المشدود على الساحل، تنزيلًا له منزلة السرير، والماء منزلة الأرض، وتحركه تسفلًا وتصعدًا كتحرك السرير ونحوه على وجه الأرض فلا يمنع صحة الفريضة.
وأما الزورق البخاري، فهل للمقيم في "بغداد" وغيره إقامة الفريضة فيه مع تمام الأركان والأفعال. قال إمام الحرمين: فيه احتمال وتردد ظاهر، فإن الأفعال تكثر بجريان الزوارق، وهو قادر على دخول الشط وإقامة الصلاة قال: وإن احتمل رجال سريرًا وعليه إنسان لم يصح عليه الفرض فإن محمول الناس كمحمول البهائم، هذا كلامهما، ولا يخفى أن من حكم بالمنع والدابة معقولة فلأن يحكم به وهي سائرة أولى، وأورد أكثر أصحابنا -منهم صاحب "المعتمد" والحسين الفراء، وأبو سعيد المتولي، والقاضي الروياني، وغيرهم- أنه يجوز فعل الفريضة على الدابة مع إتمام الأفعال والأركان بأن كان في
_________________
(١) سقط في ب.
[ ١ / ٤٣٠ ]
هودج أو على سرير ونحوهما إذا كانت الدابة واقفة ولم يذكروا خلافًا فيه، وإن كانت سائرة ففيه وجهان:
أحدهما: الجواز، كما لو صلى في سفينة جارية، ومنهم من قاسة على ما لو صلى على سرير يحمله جماعة كأنهم اتخذوا هذه الصورة متفقًا عليها.
وأصحهما: وهو المحكي عن نصه في "الإملاء" أنه لا يجوز؛ لأن سير الدابة منسوب إليه، ولهذا يجوز الطواف عليها، وسير السفينة بخلافه فإنها بمثابة الدار في البر، وأيضًا فإن البهيمة لها اختيار في السير، ء فلا يكاد تثبت على حالة (١) واحدة، والسفينة كما يسير تسير، إذ لا اختيار لها.
وإذا وقفت على ما حكيته تبين لك أنه يجب أن يكون قوله: (ولا تصح الفريضة على بعير) معلمًا بالواو، بل الظاهر الجواز، إذا كانت الدابة واقفة على خلاف ما في الكتاب نقلًا عن المذهب في معنى. أما النقل فقد بيناه. وأما المعنى فلأن المصنف وإمام الحرمين لم يريدا في التوجيه على أن المصلي في الفريضة مأمور بالاستقرار على الأرض، أو غيرها. مما يصلح للقرار، وهذا لا يسلمه أصحاب الطريقة الأخرى، إنما المسلم عندهم أنه مأمور بالاستقرار في نفسه، ثم هو مشكل بالزورق المشدود على الشط، فإنه لا تتعلق به الحاجة المفروضة في السفينة والزورق الجاريين وهو قادر على الخروج إلى الساحل، والاستقرار على الأرض، فلم كان الزورق المشدود كالسرير على الأرض، ولم تكن الدابة المعقولة كعدل أو متاع ساقط على الأرض؟ فإن حاولت رفع الخلاف، وقلت: الفارقون بين أن تكون الدابة واقفة أو سائرة صوروا المسألة فيما إذا كان في هودج، أو سرير على الدابة، وليس في الكتاب تعرض لذلك، فلعل مسألة الكتاب فيما إذا وقف على ظهر الدابة من غير سرير ونحوه، وحينئذ لا يتنافى الكلامان؛ لتغاير الصورتين، نعم. يجب طلب الفرق فالجواب أن هذا فاسد من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن الدابة الواقفة إذا لم تصلح للقرار فالمحمول عليها من السرير ونحوه أولى ألا يصلح للقرار، فمحال أن يمنع من الوقوف عليها، ولا يمنع من الوقوف على ما عليها.
والثاني: أن الفارقين بأسرهم ما صوروا المسألة في الهودج، والسرير، بل منهم من تعرض لذلك إيضاحًا؛ لأن إتمام الأركان والأفعال حينئذ يتيسر، ومنهم من فصل بين وقوف الدابة وسيرها من غير تعرض للسرير، هذا الشيخ إبراهيم المروزي ذكره فيما علق عنه إن أمكنه القيام والاستقبال في جميع الفريضة على الدابة نظر، إن كانت واقفة
_________________
(١) في ط هيئة.
[ ١ / ٤٣١ ]
جاز، وإن كانت تسير فيه فوجهان، ولم يشترط أن يكون عليها سرير ونحوه.
والثالث: أنا حكينا عن إمام الحرمين أنه ألحق ما إذا احتمل السرير رجال فصلى عليه بما إذا صلى على ظهر الدابة، وذلك يوضح أنه لا فرق بين أن يكون على الدابة سرير أم لا -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا النَّوَافِلُ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَفِي السَّفَرِ القَصِيرِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَجُوزُ (و) فِي الحَضَرِ.
قال الرافعي: تكلمنا في حكم إقامة الفرائض على الرواحل.
وأما النوافل فيجوز إقامتها في السفر الطويل عند السير راكبًا، أو ماشيًا، متوجهًا طريقه؛ لما روي عن ابن عمر -﵄- "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَت بهِ" (١). وخالف أبو حنيفة في الماشي، ويحكي مثله عن أحمد، فليكن قوله: (وماشيًا) معلمًا برقميهما.
لنا أن الإنسان قد يكون له أوراد، ووظائف، ويحتاج إلى السفر لمعاشه، فلو منع من التنفل في سيره لفاته أحد أمرين، إما أوراده، أو مصالح معاشه، ولا فرق في ذلك بين الراكب والماشي. وهل يختص ذلك بالسفر الطويل؟ فيه قولان:
أحدهما: -وبه قال مالك-: نعم، كالقصر والفطر.
وأصحهما: لا؛ لإطلاق الخبر الذي رويناه، وروي مثله عن جابر (٢)، ولأن الحاجة كما تمس إلى الأسفار الطويلة تمس إلى الأسفار القصيرة، أو هي أغلب، ومنهم من قطع بالجواز في السفر القصير وامتنع من إثبات خلاف فيه [فيجوز] (٣) لك أن تعلم بالواو لفظ القولين من قوله: (وفي السفر القصير قولان) وأما في الحضر فظاهر المذهب أنه لا يجوز ترك استقبال القبلة في النوافل، وهي والفرائض سواء في أمر القيام، وذلك لأن الغالب من حال المقيم اللبث والاستقرار.
وقال أبو سعيد الإصْطَخري: يجوز للحاضر ترك الاستقبال فيها، والتنقل متوجهًا إلى مقصده في الترددات؛ لأن المقيم أيضًا محتاج إلى التردد في دار إقامته، وعلى هذا فالراكب والراجل سواء، وذكر في "التتمة" أن هذا اختيار القفال، ولم يحكه غيره عن اختياره على هذا الإطلاق، لكن الشيخ أبا محمد ذكر أنه اختار الجواز بشرط أن يكون
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٠٠ - ١٠٩٦) ومسلم (٠٧٠٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٠ - ١٠٩٤) ومسلم (٥٤٠).
(٣) سقط في ط.
[ ١ / ٤٣٢ ]
مستقبلًا في جميع صلاته. فليكن قوله: (ولا يجوز في الحضر) معلمًا بالواو لمكان هذا الوجه. ثم يتعلق بلفظ الكتاب في الفصل مباحثتان:
إحداهما: أنه قال: (أما النوافل فيجوز إقامتها في السفر الطويل) ولفظ النوافل تدخل فيه الرواتب وغيرها، فما ليس بفرض، فهل يشمل الجواز الكل أم لا، والجواب أن طائفة من أصحابنا منهم القاضي ابن كج ذكروا أنه لا تقام صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء على الراحلة، وإنما تقام الرواتب وصلاة الضحى، وما يكثر ويتكرر، وأما هذه الصلوات فهي نادرة فأشبهت صلاة الجنازة، وبهذه العلة منع بعضهم صلاة الجنازة على الراحلة، وهذه العلة والتي قدمناها من نحو صورة القيام ينبغي أن تختلفا في التفريع إذا صلاهما على الراحلة قائمًا.
وقضية هذه العلة المنع، وقضية تلك العلة الجواز، وبه أجاب إمام الحرمين -﵀-، وقضية لفظ الكتاب توافق إطلاق القول في النوافل بالجواز، وهو الظاهر عند الأكثرين، ولذلك قالوا في ركعتي الطواف، إن قلنا: بالافتراض فلا تؤدي على الراحلة، وإلا فتؤدي، ولم يبالوا بالندرة وقال في "التهذيب" يستوي فيه الرواتب وغيرها مما ليس بفرض.
والثانية: أنه قال: (راكبًا وماشيًا) والركوب كما يستعمل في الدابة يستعمل في السفينة، فيقال: ركب السفينة أو الدابة وركب البحر، فهل يجوز أن يتنفل في السفينة حيث ما توجهت كما يجوز على الدابة؟ والجواب لا؛ حكى ذلك عن نص الشافعي -﵁- ذلك، لأنه متمكن من الاستقبال، ولهذا تقول لو كان في هودج على الدابة يتمكن فيه من الاستقبال يلزمه ذلك على الصحيح كما سيأتي، واستثنى في العدة عن راكبي السفينة الملاح الذي يسيرها فله أن يتنفل إلى حيث توجه؛ لأن تكليفه الاستقبال يقطعه عن النافلة أو عن عمله وسيره.
قال الغزالي: وَلاَ يَضُرُّ انْحِرَافُ الدَّابَّةِ عَنِ القِبْلَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الاسْتِقْبَالُ عِنْدَ التَّحَرمِ (و)، وَقِيلَ: لاَ يَجبُ إلاَّ إِذَا كَانَ العِنَانُ بِيَدِهِ، ثُمَّ صَوْبُ الطَّرِيقِ بَدَلٌ عَنِ القِبْلَةِ فِي دَوَامِ الصَّلاَةِ، وَلاَ يُصَلِّي رَاكِبُ التَّعَاسِيفِ إِذْ لَيْسَ لَهُ صَوْبٌ مُعَيَّنٌ، وَإنْ حَرَّفَ الدَّابَّةَ عَمْدًا عَنْ صَوْبَ الطَّرِيقِ بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وإنْ كَانَ نَاسِياَ لَمْ تَبْطُلْ إنْ قَصُرَ الزَّمَانُ لَكِنْ يَسْجُدُ لِلْسَّهْوِ، وَإِنْ طَالَ فَفِي البُطْلاَنِ خِلاَفٌ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي الاسْتِدْبَارِ نَاسِيًا، وإنْ كَانَ بِجِمَاحِ الدَّابَّةِ بَطُلَ إنْ طَالَ الزَّمَانُ، وَإِنْ قَصُرَ فَوَجْهَانِ، ثُمَّ عَلَى الرَّاكِبِ أَنْ يُومِئَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودَ، وَيَجْعَلَ السُّجُودَ (ح) أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وإنْ كَانَ فِي مَرْقِدٍ أتَمَّ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ.
[ ١ / ٤٣٣ ]
قال الرافعي: المتنفل في سيره إما راكب أو ماشٍ، ولا بد في الحالتين من النظر في الاستقبال وكيفية الأفعال، فبدأ بالكلام في الراكب ثم تكلم في الماشي، [أما الراكب] (١) فإما أن يكون على سرج ونحوه، ولا يمكنه إتمام السجود والركوع والاستقبال في جميع صلاته، وإما أن يكون في مرقد يمكنه ذلك، فأما في الحالة الأولى فلا يمنع من الصلاة بتعذر الاستقبال في جميعها، ولكن هل يجب عليه أن يستقبل القبلة عند التحرم؟ فيه وجوه:
أحدها: لا كما في دوام الصلاة؛ لأن تكليف الاستقبال يشق عليه ويشوش عليه سيره.
والثاني: نعم ليكون ابتداء الصلاة على صفة الكمال، ثم يخفف الأمر في الدوام كما أن النية يشترط اقترانها بالتكبير، ولا يشترط في دوام الصلاة فعلى، هذا الوجه لو تعذر الاستقبال في تلك الحالة لم تصح الصلاة أصلًا.
والثالث: أنه إن سهل عليه الاستقبال عند التحرم وجب وإلا فلا، فلو كانت الدابة واقفة وأمكنه الانحراف عليها إلى القبلة لو أدارها إليها أو كانت سائرة والزمام في يده ولا حران بها، فالاستقبال سهل، وإن كانت مقطرة أو صعبة الإدارة لحرانها فهو عسير.
أما الاشتراط عند السهولة، فلما روي عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- "كَانَ إذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ بِنَاقَتِهِ، وَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ" (٢).
وأما عدم الاشتراط عند الصعوبة، فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، ولهذا رخصنا في ترك الاستقبال في دوام الصلاة، وهذه الوجوه الثلاثة هي التي أوردها في الكتاب. واعلم أن الأكثرين سكتوا عن الوجه الثاني، واقتصروا على إيراد الأول والثالث، لكن حكاه الصيدلاني وتابعه إمام الحرمين، والمصنف على نقله، ثم إيراد الكتاب يقتضي أن يكون عدم الاشتراط مطلقًا أظهر؛ لأنه قال: "ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة" ثم ذكر الوجهين الآخرين، والمذهبيون إذا أطلقوا الحكم، ثم قالوا: وقيل: كذا كأنه إشارةً منهم إلى ترجيح الأول إلا إذا نصوا على خلافه، لكن الذي رجحه معظم الأئمة إنما هو الوجه الثالث، وفيه جمع بين الخير والمعنى كما تقدم، ثم ظاهر لفظه في حكاية الوجه الثالث يقتضي الإيجاب فيما إذا كان العنان بيده ونفيه في غير هذه
_________________
(١) سقط في ب.
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٢٥) بإسناد صحيح. وصححه ابن السكن. انظر الخلاصة (١/ ١١٠).
[ ١ / ٤٣٤ ]
الحالة، لكن لو كانت الدابة واقفة وسهل الانحراف عليها يلزمه ذلك على هذا الوجه وإن لم يكن العنان بيده فكأنه جعل هذا مثالًا لصورة سهولة الاستقبال، ليلحق به ما هو في معناه، ويمكن أن يكون الذي حكاه ثانيًا وجهًا مغايرًا للوجه الثالث الذي قدمنا روايته، فإن الصيدلاني وغيره نقلوه كما نقله المصنف لكن الأول أقرب، فإن الفرق بين ما إذا كان العنان بيده وبين سائر صور السهولة بعيد.
وفي لفظ الكتاب شيء آخر يحتاج إلى تأويله وذلك أنه قال: "ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة" ومعلوم أنه لا اعتبار بانحراف الدابة واستقبالها، وإنما الاعتبار بحال الراكب، حتى لو استقبل الركب عند التحرم حصل الغرض وارتفع الخلاف وإن كانت الدابة منحرفة واقفة كانت أو سائرة فإذا المعنى ولا يضر انحرافه على الدابة أو لانحراف الدابة وما أشبه ذلك. وفي المسألة وجه رابع: وهو: أنه لو كانت الدابة متوجهة به عند افتتاح الصلاة، إما إلى القبلة أو إلى طريقه تحرم بالصلاة كما هو، ولو كانت منحرفة به إلى غيرها لم يجز التحرم إلا إلى القبلة، لأن تكليف صرف الدابة عن صوب الطريق إذا كانت متوجهة إليه قد يعسر، أما عند الانحراف إلى غير القبلة والطريق فلا بد من صرفها فليصرفها لهم القبلة أولًا ثم إلى الطريق فليس فيه كثير عسر، وإذا شرطنا الاستقبال عند التحرم ففي اشتراطه عند السلام وجهان:
أحدهما: يشترط: لأنه أحد طرفي الصلاة، ولهذا اعتبرنا نية الخروج على رأي اعتبارًا بالطرف الأول.
وأصحهما: لا يشترط كما في سائر الأركان وهذا قضية نظم الكتاب، لأنه قال: "لا يضر الانحراف" ولم يستثن على بعض الوجوه سوى حالة التحرم.
وإذا عرفت الخلاف في التحرم والتحلل، فاعرف أن فيما عداهما من أركان الصلاة يجعل صوب الطريق بدلًا عن القبلة، وكذلك عند التحرم والتحلل إذا لم يشترط فيهما الاستقبال، وإنما كان كذلك؛ لِأن المصلي لا بد وأن يستمر على جهة واحدة ليجتمع همه ولا يتوزع فكره، وجعلت تلك الجهة جهة الكعبة لشرفها، فإذا عدل عنها لحاجة السير فليلزم الجهة التي قصدها؛ محافظةَ على المعنى المقتضي للاستمرار على الجهة الواحدة، ثم الطريق في الغالب لا يستد؛ بل يشتمل على معاطف يلقاها السالك يمنة ويسرة، فيتبعه كيف ما كان لحاجة السير، وإنما قال: "صوب الطريق" لأنه لا يشترط أن يكون سلوكه في نفس الطريق المعبد، فقد يعدل المسافر عنه لزحمه ودفع غبار أو نحوهما، فالمعتبر الصوب دون نفس الطريق. ويتعلق بهذه القاعدة مسائل:
[ ١ / ٤٣٥ ]
إحداها: ليس لراكب التعاسيف (١) ترك الاستقبال في شيء من صلاته، وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى، إذ ليس له صوب ومقصد معين.
وقوله: "ولا يصلي راكب التعاسيف" معناه أنه لا يتنفل متوجهًا إلى حيث تسير دابته كما يفعله غيره، لا أنه لا يتنفل أصلًا، فإن هذا الرجل لو تنفل مسقبلًا في جميع صلاته أجزأه، ولو كان له مقصد معلوم، لكن لم يسر في طريق معين، فهل يتنفل مستقبلًا صوبه، فيه قولان:
أظهرهما: نعم؛ لأن له مقصدًا معلومًا.
والثاني: لا: إذ لم يسلك طريقًا مضبوطًا، وقد لا يؤدي سيره إلى مقصده.
الثانية: لو انحرف [المصلي] (٢) عن صوب الطريق أو انحرفت الدابة عنه، فيبني ذلك على ما لو انحرف المصلي على الأرض عن القبلة، وينظر فيه إن استدبر القبلة في صلاته أو تحول إلى جهة أخرى عمدًا بطلت صلاته، وإن فعله ناسيًا للصلاة فإن تذكر على القرب وعاد إلى الاستقبال لم تبطل صلاته؛ كما لو تكلم في صلاته ناسيًا بكلام قليل، وإن طال الفصل ففي البطلان وجهان -كما لو تكلم ناسيًا بكلام كثير-:
أصحهما: البطلان وهو الذي ذكره الصيدلاني، وصاحب "التهذيب"، لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل، ولأن ذلك مما يندر.
والثاني: الصحة كما لو قصر الزمان للعذر، وهو الذي ذكره أبو حامد وطبقته، ولو أماله إنسان عن جهة القبلة قهرًا وطال الزمان بطلت صلاته، فإن عاد إلى الاستقبال على قرب فوجهان: أصحهما: البطلان.
والفرق بين النسيان وقهر الغير إياه أن النسيان مما يكثر ويعم، والإكراه في مثل ذلك يندر، ولهذا المعنى نقول: لو أكره على الكلام في صلاته تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف النسيان.
جئنا إلى الانحراف عن صوب الطريق، أو تحريف الدابة عنه، فلو فعل ذلك عمدًا فقد قال في الكتاب: بطلت صلاته، وهذا غير مجرى على إطلاقه، لأنه لو
_________________
(١) مقتضاه أن لراكب التعاسيف أن يتنفل على الدابة مستقبلًا القبلة في جميع صلاته قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في مشكل الوسيط: التنفل على الراحلة رخصة من رخص السفر على ما تقرر وركب التعاسيف لا يترخص برخص السفر فهو إذن كالمقيم وقال النووي: في شرح المهذب: إذا كان المسافر راكب تعاسيف وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى وليس له مقصد معلوم فليس له التنفل على الراحلة ولا ماشيًا كما ليس له الترخيص بشيء من رخص السفر.
(٢) سقط في ط.
[ ١ / ٤٣٦ ]
انحرف إلى جهة القبلة لا تبطل صلاته، وكيف تبطل وقد توجه إلى الجهة التي هي الأصل، فإذا المراد ما إذا حرف الدابة عن صوب الطريق إلى غير جهة القبلة، أو انحرف عليها وهكذا قيده سائر الأئمة، وإنما حكمنا بالبطلان لما ذكرنا من كون هذه الجهة قائمة مقام جهة القبلة، وإن حرف الدابة أو انحرف عليها إلى غير القبلة ناسيًا؛ فإن تذكر وعاد على قرب لم تبطل صلاته، وإن طال الزمان فوجهان كما ذكرنا في استدبار المصلي على وجه الأرض ناسيًا، والأصح البطلان.
ولو أخطأ وظن أن الذي توجه إليه طريقه فهو كما لو انحرف ناسيًا للصلاة، ولو انحرف إلى غير القبلة لجماح الدابة فهذه الصورة تشبه ما لو أماله غيره قهرًا، فإن طال الزمان بطلت صلاته، وذكر الشيخ أبو حامد، أنها لا تبطل، كما ذكر في النسيان: فقوله: (بطل) معلم بالواو كذلك (وإن قصر) فقد حكى في الكتاب: فيه وجهين، كما رويناه في سورة الإمالة ولم يأت إمام الحرمين بحكاية الخلاف في الجماح، لكن قال: قد ذكرنا في مثل هذه الصورة خلافًا فيمن يصرف عن القبلة، والظاهر هاهنا أن الصلاة لا تبطل؛ لأن جماح الدابة مما يعم به البلوى، بخلاف صرف الرجل فهو نادر لا يعهد، وإن أراد أن الظاهر القطع بهذا والامتناع من تخريجه على الخلاف في سورة الصرف؛ لأنه قال -بعد الفرق بين الصورتين-: ولهذا قطع الأئمة بأن جماح الدابة في زمن قريب لا يبطل الصلاة، ولم أر ما يخالف هذا للأصحاب فالأمر على ما ذكرناه، فإذا بحثت وجدت كتب الأصحاب متفقة على أن الصلاة، لا تبطل في سورة جماح الدابة، إذا ردها على القرب، على أن الأكثرين سووا بين صورة النسيان وصورة الجماح، سواء منهم الحاكم بالصحة عند طول الزمان والحاكم بالبطلان، ويتبين من هذا أن المصنف كالمنفرد برواية الوجهين في بطلان الصلاة عند قصر المدة في سورة الجماح، فاعلم ذلك.
الثالثة: إذا لم يحكم بالبطلان في النسيان والجماح فهل يسجد للسهو؟ أما عند النسيان فقد ذكر في الكتاب أنه يسجد للسهو عند قصر الزمان، وهكذا حكى الصيدلاني، والإمام وصاحب "التهذيب" ووجهه: أن [الانحراف] (١) عمدًا مبطل للصلاة، فإذا اتفق سهوًا اقتضى سجود السهو، لكن الشيخ أبا حامد في طائفة حكوا عن نص الشافعي -﵁- أنه لا يسجد للسهو إذا عاد عن قريب، فإن طال الزمان فحينئذ يسجد، فليكن قوله: (يسجد للسهو) معلمًا بالواو، لذلك، وأما عند الجماح فمنهم من قال: لا يسجد إذا لم نحكم ببطلان الصلاة، لأنه لم يوجد منه ترك مأمور ولا فعل منهي، والذي وجد فعل الدابة، ومنهم من قال: -وهو الأظهر- يسجد، وفعل الدابة كفعله، وطريقة الشيخ
_________________
(١) في ط التحريف.
[ ١ / ٤٣٧ ]
أبي حامد هاهنا كما في النسيان، فالحاصل في الجماح ثلاثة أوجه:
الأول: يسجد. الثاني: لا يسجد.
الثالث: يفرق بين أن يطول الزمان أو يقصر، وفي النسيان لا يحصل إلا وجهان، وهذا كله متفرع على ظاهر المذهب وهو أن السهو في النافلة يقتضي السجود كما في الفريضة، وحكى قول: أنه لا مدخل لسجود السهو في النافلة بحال، هذا تمام الكلام في استقبال الراكب على السرج ونحوه.
وأما كيفية إقامة الأركان فليس عليه وضع الجبهة على عُرف الدابة، ولا على السرج، والإكاف لما فيه من المشقة وخوف الضرر من نزقات الدابة، ولكن ينحني للركوع والسجود إلى الطريق، ويجعل السجود أخفض من الركوع.
قال إمام الحرمين: والفصل بينهما عند التمكن محتوم، والظاهر أنه لا يجب مع ذلك أن تبلغ غاية وسعه في الانحناء، وأما كيفية سائر الأركان، فبينة.
الحالة الثانية: أن يكون الراكب في مرقد ونحوه يسهل عليه الاستقبال وإتمام الأركان، فعليه الاستقبال في جميع الصلاة كراكب السفينة، إذ لا مشقة عليه في ذلك، وينبغي أن يتم الركوع والسجود أيضًا، فلو اقتصر على الإيماء كان بمثابة المتمكن على الأرض إذا تنفل مضطجعًا مقتصرًا على الإيماء، وفي جوازه وجهان مذكوران في موضعهما، وحكى القاضي ابن كج عن نص الشافعي -﵁- أنه لا يلزم الاستقبال ولا إتمام الركوع والسجود في المحمل الواسع، كما لا يجب على راكب السرج ذلك، وفرق بينه وبين راكب السفينة، بأن حركة راكب السفينة لا تؤثر فيها، وحركة راكب الدابة تؤثر في المحمل فيخاف الضرر، فإذًا قوله: (أتم الركوع والسجود) ينبغي أن يعلم بالواو لما رواه ابن كج أو للوجه الصائر إلى تجويز التنفل موميًا مضطجعًا، ألاَّ يريدَ بقوله: (أتم) أنه يلزم ذلك؛ بل يريد أنه الأحسن والأولى، والظاهر إرادة اللزوم.
قال الغزالي: وَأَمَّا المَاشِي فَاسْتِقْبَالُهُ كَمَنْ بِيَدِهِ زِمَامُ نَاقَتِهِ وَيرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيقْعُدُ لاَبثًا فِي هَذِهِ الأَرْكَانِ، وَلاَ يَمْشِي إِلاَّ فِي حَالِ القيامِ، وَفيهِ قَوْلٌ أنَّهُ يُوْمِيءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في استقبال الراكب وكيفية إقامته الأركان، اشتغل بالكلام فيهما في حق الماشي، وقد حكى الأصحاب على طبقاتهم عن نصِّ الشافعي -﵁- أن الماشي يركع ويسجد على الأرض ولا يقتصر على الإيماء، لسهولة الأمر عليه، بخلاف الراكب فإن إتمامهما عسير عليه، أو متعذر، والنزول لهما أعسر وأشق، وزاد الشيخ أبو محمد فحكي ذلك عن نصه أنه يقعد في موضع التشهد أيضًا، ويسلم، ولا يمشي إلا في حال القيام، وتابعه إمام الحرمين
[ ١ / ٤٣٨ ]
والمصنف، فقال: ويركع ويسجد ويقعد لابثًا في هذه الأركان إلى آخره، ونفى الشيخ أبو حامد والعراقيون من أصحابنا هذه الزيادة، وقالوا: لا يجب القعود، بل يمشي في حال التشهد كما في حال القيام، وهو ظاهر المذهب، لطول زمان التشهد كالقيام، وهذا ما أورده الشيخ الحسين وأبو سعيد المتولي، ثم ذكر إمام الحرمين أن ابن سريج خرج قولًا [ثالثًا] (١) أنه لا يلبث ولا يضع جبهته على الأرض بل يومئ راكعًا وساجدًا كالراكب، لأن كثرة اللبث قد يفضي إلى الانقطاع عن الرفقة ويشوش عليه أمر السفر، وعلى هَذا فيجعل السجود أخفض من الركوع كالرَّاكِبِ، ولا يقعد في التشهد، وحكى الشيخ أبو محمد هذا القول المنسوب إلى ابن سريج عن القفال، وأنه أوَّلَ نص الشافعي -﵁- على الاستحباب.
قال الشيخ: ثم وجدت ما ذكره القفال منصوصًا للشافعي -﵁- فحصل في الأركان المذكورة، هل يتمها الماشي لابثًا أم لا؟ قولان منصوص ومخرج على ما ذكره في الكتاب، أو منصوصان على ما رواه الشيخ، ويترتب على ما ذكرناه القول في استقبال القبلة، أما إذا قلنا: إنه يركع ويسجد ويقعد لابثًا فيها فلا شك في أنه يستقبل القبلة فيها، ويتحلل عن صلاته وهو مستقبل، وإذا لزم الاستقبال في هذه الأحوال فهو عند التحرم ألزم، فإن الراكب يستقبل عند التحرم على الأظهر، وإن لم يستقبل في سائر الأفعال والأركان، وإن استثنينا حالة التشهد عن النص وقلنا: لا يقعد فيها بل يمشي، ففي وجوب الاستقبال عند السلام وجهان، كما قدمناهما في الراكب، وأما إذا قلنا: بالاقتصار على الإيماء فلا يجب الاستقبال في الركوع والسجود ولا في التشهد، وحكمه التحرم حكم الراكب الذي بيده زمام دابته.
والحاصل من الخلاف الذي سبق في هذا الراكب وجهان:
أظهرهما: لزوم الاستقبال، فكذلك في الماشي.
وإذا عرفتِ هذا فلك في عبارة الكتاب -أعني- قوله: (أما الماشي فاستقباله كمن بيده زمام دابته) نظران:
أحدهما: أنه أطلق الكلام إطلاقًا ولم يقيد بحالة التحرم، ومعلوم أن استقبال الماشي ليس كاستقبال من بيده زمام دابته على الإطلاق، فإن الراكب لا يؤمر بالاستقبال في الركوع والسجود وإن كان بيده زمام دابته، والماشي يؤمر به على الأظهر.
والثاني: أنه قيد بحالة التحرم، لكن هذا الكلام إما أن يكون موصولًا بما بعده،
_________________
(١) سقط في ط.
[ ١ / ٤٣٩ ]
أو يكون منقطعًا عنه مستقلًا بنفسه، فإن كان موصولًا بما بعده على معنى أنه مقول على قولنا: أنه يركع ويسجد ويقعد لابثًا، فيكون هذا إثباتًا للخلاف في الاستقبال مع الحكم بإتمام هذه الأركانِ، لأن استقبال [هذا] (١) الراكب الذي بيده زمام دابته مختلف في وجوبه، ولا خلاف في وجوب الاستقبال عند التحرم على هذا المذهب، كذلك ذكره إمام الحرمين وغيره، وهو المعقول. وإن كان مستقلًا بنفسه منقطعًا عما بعده كان هذا إثباتًا للخلاف في أنه، هل يلزمه الاستقبال عند التحرم على الإطلاق؟ والظاهر القطع، بأنه يلزمه ذلك؛ لأن الظاهر أنه يتم الركوع والسجود، وحينئذ لا خلاف فيه على ما ذكرناه، وإنما الخلاف فيه على القول المخرج، فكان ينبغي أن يرتبت قوله: (استقبال الماشي كمن بيده زمام دابته) على القول المخرج كما نقله الإمام.
وقوله في حكاية القول المخرج: أنه يومئ في ذلك كله ويرجع إلى الركوع والسجود دون القعود، وإن عمم اللفظ فإنه لا إيماء إلى القعود، بل يعتدل قائمًا بعد الإيماء بالسجود ويتشهد فيقع قيامه بدلًا عن القعود كما يقع القعود بدلًا عن القيام في حق العاجز عن القيام ثم صوب الطريق، حيث لا يجب استقبال القبلة، يكون بدلًا عن القبلة في حق الماشي كما ذكرناه في الراكب ويعود فيه إلى المسائل السابقة.
قال الغزالي: فَرْعٌ: لَوْ مَشَى فِي نجاسَةٍ قَصْدًا بَطُلَتْ صَلاتُهُ بخِلاَفِ مَا لَوْ وَطِئَ فَرَسُهُ نَجَاسَةٌ، وَلاَ يَلْزَمُهُ المُبَالَغَةُ في التَّحَفُّظ عِنْدَ كَثْرَةِ النَّجَاسَةِ فِي الطَّرِيقِ.
قال الرافعي: يجب أن يكون ما يلاقي الراكب وثيابه طاهرًا من السرج وغيره. ولو بالت الدابة أو وطئت نجاسة لم يضر، لأن تلك النجاسة لا تلاقي بدنه وثيابه، ولا هو حامل لها، بل لو كان السرج نجسًا فألقى عليه ثوبًا طاهرًا وصلى عليه جاز، أما لو أوطأ الدابة نجاسة فالذي ذكره في الكتاب أن ذلك لا يضر، كما لو وطئت بنفسها، وكذلك أورده صاحب "النهاية" لكن قال في "التتمة": لو سيرها على النجاسة عمدًا بطلت صلاته لإمكان التحرز عنها، فليكن قوله: (بخلاف ما لو أوطئ فرسه نجاسة) معلمًا بالواو، وأما الماشي فلا كلام في أنه لو مشى على نجاسة قصدًا فسدت صلاته؛ لأنه يصير ملاقيًا لها بخفة الملبوس، ولا يجب عليه التحفظ والاحتياط في المشي؛ لأن النجاسات تكثر في الطرق وتكليفه التحفظ يشوش عليه غرض السير، ولو انتهى إلى نجاسة ولم يجد معدلًا عنها فقد قال إمام الحرمين: وهذا فيه احتمال:
قال: ولا شك أنها لو كانت رطبة فمشى عليها بطلت صلاته وإن كان عن غير
_________________
(١) سقط في ط.
[ ١ / ٤٤٠ ]
قصد؛ لأنه يصير حاملًا للنجاسة وما سبق في النجاسة اليابسة.
وأعلم أنه يشترط في جواز التنفل راكبًا وماشيًا دوام السفر والسير؛ فلو بلغ المنزل في خلال الصلاة وجب إتمام الصلاة متمكنًا متوجهًا إلى القبلة، وينزل إن كان راكبًا.
ولو دخل بلد إقامته فعليه النزول أول ما دخل البنيان وإتمام الصلاة مستقبلًا إلا إذا جوزنا للمقيم التنفل على الراحلة، وكذلك لو نوى الإقامة ببلدة أو قرية.
ولو مر ببلدة مجتازًا فله إتمام الصلاة راكبًا، وإن كان له بها أهل فهل يصير مقيمًا بدخولها؟ قولان:
إن قلنا: نعم وجب النزول والإتمام، وحيث أمرناه بالنزول فذلك عند تعذر البناء على الدابة، فلو لم يتعذر بأن أمكنه الاستقبال وإتمام الأفعال عليها وهي واقفة جاز، ويشترط أيضًا الاحتراز عن الأفعال التي لا يحتاج إليها، فلو ركض الدابة للحاجة إليه فلا بأس، ولو أعارها بغير عذر أو كان ماشيًا فعدا قصدًا بغير عذر بطلت صلاته في أصح الوجهين.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي الْقِبْلَةُ: وَمَوَاقِفُ المُسْتَقْبِلِ مُخْتَلِفَةٌ، فَالمُصَلِّي في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَسْتَقبِلُ أَيَّ جِدَارٍ شَاءَ، وَيَسْتَقْبِلُ البَابَ وَهُوَ مَردُودٌ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا وَالعَتَبَةُ مُرْتَفِعَةٌ قَدْرَ مُؤَخَّرَةِ الرَّجُلِ جَازَ، وَلَو انْهَدَمَتِ الكَعْبَةُ وَالعِيَاذُ باللهِ صَحَّتْ صَلاتُهُ خَارِجَ العَرْصَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا كَمَنْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَالكَعْبَةُ تَحْتَهُ، وإنْ صَلَّى فِيهَا لَمْ يَجُزْ (ح م) إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ بَقِيَّةُ حَائِطٍ، وَالوَاقِفُ عَلَى السَّطْحِ كَالوَاقِفِ فِي العَرْصَةِ، فَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيهِ شَيْئًا لاَ يَكْفِيهِ، وَلَوْ غَرَزَ خَشَبَةٌ فَوَجْهَانِ.